← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ موضع المفعول الثاني من باب ظننت أو الثالث من باب أعلمت. فمما جاء من عطف الاسم على الفعل لوقوع الفعل موقع الاسم قول القائل: ٣٣٧١ - فألفيته يوما يبيد عدوّه ... وبحر عطاء يستخفّ المعابرا (١) وقول الآخر: ٣٣٧٢ - بات يعشّيها بعضب باتر ... يقصد في أسؤقها وجائر (٢) يريد قاصد في أسؤقها وجائر. ومما جاء من عطف الفعل على الاسم لكون الفعل في موضع الاسم أيضا قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ (٣) التقدير وقابضات. ولا يجوز عطف فعل على فعل إلا بشرط أن يتفقا في الزمان نحو: إن قام زيد ويخرج عمرو يقم خالد، ومن ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (٤) ومنه قول الشاعر: ٣٣٧٣ - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني (٥) لأن أمر في المعنى ماض ألا ترى أن المعنى: ولقد مررت فعطفت عليه مضيت (٦). انتهى. والتقييد الذي ذكره في التعاطف بين الاسم والفعل غير ظاهر، لأنه قال: فالموضع الذي يكون فيه الاسم في موضع الفعل اسم الفاعل واسم المفعول ... إلى آخره، وهذا يقتضي ألا يجوز عطف الفعل على الاسم في غير هذا، وقد قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ، ولا شك أن «صافّات» لم يكن واقعا موقع الفعل؛ لأنه حال والأصل في الحال الإفراد، وكذا قال في الشق الآخر: والموضع الذي يقع فيه الفعل في موضع الاسم أن يقع خبرا لذي خبر ... -

стр. 3467

[الفصل بين العاطف والمعطوف] قال ابن مالك: (وقد يفصل بين العاطف والمعطوف إن لم يكن فعلا بظرف أو جارّ ومجرور، ولا يختصّ بالشّعر، خلافا لأبي عليّ، وإن كان مجرورا أعيد الجارّ أو نصب بفعل مضمر). ــ إلى آخره ... وهذا أيضا يقتضي أن لا يجوز عطف الاسم على الفعل في غير ما ذكره. وقد قال الله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (١). ولا شك أن «يخرج» كلام مستأنف وليس خبرا ولا حالا ولا صفة ولا في موضع مفعول ثان لشيء من باب ظننت ولا في موضع ثالث لشيء من باب أعلمت. وإذا تقرر هذا علم أن عبارة المصنف في ذلك أسد مع ما اشتملت عليه من الاختصار لأنه إنما اشترط اتحاد جنس الأول والثاني بالتأويل وعلى هذا فـ «يقبضن» هو المؤول وكذا «أثرن» وكذا «مخرج» كما تقدم من كلام المصنف رحمه الله تعالى. وليعلم أن الجملة إذا كانت في تأويل مفرد جاز عطفها عليه؛ قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٢). وقد ذكر الشيخ عن بعضهم أنه خالف في عطف الفعل على الاسم (٣)، ومثل هذا الخلاف لا يعبأ به؛ كيف وقد ثبت العطف في الكتاب العزيز. قال ناظر الجيش: قال المصنف (٤): جعل أبو علي الفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف والجار والمجرور مخصوصا بالشعر واستدل بقول الأعشى: ٣٣٧٤ - يوما تراها كشبه أردية العص ... ب ويوما أديمها نغلا (٥) وهو جائز في أفصح الكلام المنثور إن لم يكن المعطوف فعلا ولا اسما مجرورا وهو في القرآن كثير، كقوله تعالى: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٦)، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ -

стр. 3468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (١) وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (٢) وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (٣). فلو كان المعطوف فعلا لم يجز الفصل المذكور بوجه. فلو كان اسما مجرورا أعيد معه الجار نحو: مر الآن بزيد وغدا بعمرو، وإن لم يعد وجب النصب بفعل مضمر، كقوله تعالى: فبشرنها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب (٤) «في قراءة حمزة وابن عامر وحفص، أي: ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوب» (٥). ويجوز جر يعقوب بباء محذوفة وهو أسهل من الجر بمضاف محذوف بعد فصل كقراءة من قرأ: (والله يريد الآخرة) أي عرض الآخرة (٦). انتهى. ويتعلق بما ذكره تنبيهات: الأول: أن الآيتين الشريفتين وهما قوله تعالى: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً (٧). وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ليس فيهما فصل بل عطف في كل منهما معمولان على عاملين. وقد قال الشيخ: لا حجة في الآيتين الشريفتين، لأن هذا من عطف المجرور على المجرور والمفعول على المفعول. فـ فِي الْآخِرَةِ معطوف على فِي الدُّنْيا وحَسَنَةً على حَسَنَةً وكذلك وَمِنْ خَلْفِهِمْ عطف على مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [٤/ ١٧٧] وسَدًّا على سَدًّا، وليس من باب الفصل في شيء (٨). والذي قاله حق، والعجب كيف خفي هذا على المصنف. وأما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها .. (٩) الآية الشريفة فالفصل فيها ظاهر. وكذا في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ... الآية -

стр. 3469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشريفة الأخرى. وقد ذكر الشيخ أن الآية الأولى تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ثم ظرف محذوف لدلالة المعنى عليه. والتقدير أن الله يأمركم إذا أؤ تمنتم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وتكون الواو عاطفة ظرفا على ظرف ومفعولا على مفعول. والثاني: أن بعد الواو فعلا محذوفا لدلالة السابق عليه تقديره ويأمركم إذا حكمتم أن تحكموا بالعدل فيصير ذلك من عطف الجمل لا من عطف المفردات، وأن الآية الثانية يضمر فيها فعل بعد الواو وتقديره: وخلق من الأرض مثلهن، فيصير من عطف الجمل حينئذ (١). انتهى. ولا شك أن تقدير محذوف خلاف الأصل والقول بالفصل أقرب وأولى. ثم إن البيت الذي استدل به أبو علي وهو: ٣٣٧٥ - يوما تراها كشبه أردية العص ... ب ويوما أديمها نغلا (٢) قد ذكر الناس ألّا فصل فيه أيضا. وإنما الظرف معطوف على الظرف والمفعول على المفعول والحال على الحال. وهذا هو الحق. ولابن أبي الربيع كلام في هذا البيت تكلف فيه تقدير ما قاله أبو علي، ولكنه ليس بظاهر. الثاني: أنك قد عرفت أن المصنف لم يفرق في مسألة الفصل بين حرف وحرف، بل أطلق القول. ونقل الشيخ عن المغاربة أنهم يفصلون في ذلك بين أن يكون حرف العطف على حرف واحد أو أكثر. إن كان على الأكثر جاز الفصل بينه وبين المعطوف بالقسم والظرف والجار والمجرور (٣). قال: وقد أهمل المصنف ذكر القسم نحو: قام زيد ثم والله عمرو، وقام زيد بل والله عمرو، وما ضربت زيدا لكن في الدار عمرو. وإن كان على حرف واحد كالواو والفاء فلا يجوز الفصل إلا في ضرورة الشعر، فلا يجوز في الكلام أن تقول: قام زيد فو الله عمرو ولا قام زيد وو الله عمرو، ولا ضربت زيدا ففي البيت عمرا، ولا خرج زيد والساعة عمرا» (٤). انتهى. وما ذهب إليه المغاربة غير ظاهر. وكفى بما استشهد به المصنف من الكتاب -

стр. 3470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العزيز دافعا لما ذكروه. وقد استثنى المصنف المعطوف إذا كان فعلا بقوله: إن لم يكن فعلا وقد تقدم قوله في الشرح: فلو كان المعطوف فعلا لم يجز الفصل المذكور بوجه. ومثال ذلك: قام زيد وفي الدار قعد، وزيد يقوم وو الله يقعد. لكن قال الشيخ: وإطلاق أصحابنا - يعني المغاربة - يقتضي جواز ذلك إذا كان حرف العطف على أكثر من حرف واحد نحو: قام زيد ثم في الدار قعد، وقام زيد ثم والله قعد، وقام زيد بل والله قعد (١). انتهى. ولا يظهر لامتناع الفصل اذا كان المعطوف فعلا وجه. والظاهر أنه لا فرق بين الفعل والاسم في ذلك. الثالث: إنما وجب مع الفصل النصب في المعطوف على المجرور أو إعادة الجار لأن الخافض ضعيف غير متصرف فلم يقو أن يعطف على معموله مع الفصل بين المتعاطفين على أن المنقول عن الفراء أنه خرج قراءة حمزة وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٢) على أنه مجرور بالعطف على المجرور قبله (٣). وهذا يدل على أنه يجيز العطف على المجرور مع الفصل دون إعادة الجار. وبعد: فقد عرفت ما ذكره من أن يعقوب: في الآية الشريفة منصوب لا مجرور، والنصب فيه بفعل مقدر، التقدير: ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوب، ونظير هذا ما ذكره سيبويه في قراءة من قرأ «وحورا عينا» فإنه نصب بإضمار فعل يدل عليه معنى الكلام، التقدير: ويعطون حورا عينا، ومن رفع وَحُورٌ عِينٌ (٤) فإنه معطوف على المعنى أيضا لأن ما قبله معناه عندهم ذلك وعندهم حور عين، ومن جر وَحُورٌ عِينٌ فجرّه يحتمل الحمل على المعنى أي وينعمون بذلك وبحور عين (٥)، ويحتمل أن يكون الولدان يطوفون على المؤمنين بالحور العين، فيكون ذلك عطفا على لفظ بأكواب وأباريق وكأس. وقد أجاز المصنف أن يكون يعقوب مجرورا بباء محذوفة كما عرفت. -

стр. 3471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولنختم الكلام على الباب بمسألتين: الأولى: أن الشيخ قال في الارتشاف: من أحكام حروف العطف أن ما كان معمولا لعامل بعدها لا يجوز أن يتقدم ذلك المعمول على حرف العطف فلو قلت: زيد قائم وضارب عمرا ما جاز أن تقول عمرا وضارب (١). وأقول: إن امتناع تقديم المعمول في ما ذكره ظاهر، لأن المعمول إنما يتقدم حيث يجوز تقديم العامل غالبا، وإذا كان كذلك فذكر هذه المسألة مستغنى عنه. الثانية: أن ابن عصفور قال: وإذا نفيت في هذا الباب فمذهب المازني أن الكلام يكون بعد دخول حرف النفي عليه على حسب ما كان قبل دخوله فتقول في نفي قام زيد فعمرو: ما قام زيد فعمرو، وفي نفي مررت بزيد وعمرو: ما مررت بزيد وعمرو، وفي نفي قام زيد ثم عمرو: ما قام زيد ثم عمرو. وسيبويه يوافقه في ذلك كله إلا في الواو (٢) فإذا قلت: مررت بزيد وعمرو فإنه يفصّل فيقول: لا يخلو أن يكون الكلام على فعلين، أعني أن يكون مررت بزيد على حدته ومررت بعمرو على حدته، أو يكون على فعل واحد، أعني أن يكون مررت بزيد وعمرو مرورا واحدا فتقول في النفي: إذا عنيت مرورين ما مررت بزيد وما مرت بعمرو فتكرر الفعل. وتقول في النفي اذا عنيت مرورا واحدا: ما مررت بزيد وعمرو. وإنما لم يكن في الأول بدّ من تكرير الفعل؛ لخوف اللبس لأنك لو قلت: [٤/ ١٧٨] ما مرت بزيد وعمرو لاحتمل أن تريد أنك لم تمر بهما ولا بواحد منهما، وأن تريد أنك لم تمر بهما معا، بل مررت بأحدهما، فلما كان النفي من غير إعادة العامل ملبسا لذلك لم يكن بد من إعادته. وحجة المازني أن حرف النفي لا يغير ما بعده عما كان عليه قبل دخوله نحو: ما قام زيد ألا ترى أنه كان قبل دخول ما قام زيد (٣). والصحيح ما ذهب إليه -

стр. 3472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سيبويه؛ لأنه قد وجد النفي مغيرا لما دخل عليه عن حاله قبل ذلك. ألا ترى أنك تقول في نفي سيفعل: لن يفعل، وفي نفي قد فعل: لما يفعل، وفي نفي فعل: لم يفعل، ولا تقول لن سيفعل، ولا لما قد فعل، ولا لم فعل. فإذا كانوا يغيرون ما بعد حرف النفي عما كان عليه مع أنه لم تدع إليه ضرورة، فالأحرى أن يجوز ذلك إذا دعت إليه ضرورة (وهي) (١) خوف اللبس (٢). انتهى. وأقول: إنني لم يتجه (لي) (٣) الأمر في هذه المسألة؛ لأن القائل يقول اللبس الذي قيل إنه يحصل في النفي حاصل في الإثبات أيضا. فلأي شيء لم يوجب التكرير في قولنا: مررت بزيد وعمرو إذا كان المرور بكل منهما على حدته، وإذا كان لا فرق بين الإثبات والنفي في ذلك فلأي شيء يتعرض إلى ذكر النفي دون الإثبات. ثم قول ابن عصفور أنه قد وجد النفي مغيرا لما دخل عليه عن حاله قبل ذلك قد ينازع فيه. وما ذكره من الاستدلال فيه بحث؛ لأن الذي ظهر أن مراد النحاة بقولهم: لن لنفي سيفعل أن المنفي بلن مستقبل كما أن المقرون بالسين مستقبل، وكذا مرادهم بقولهم إن لما لنفي قد فعل وأن لم لنفي فعل أن لما لنفي الماضي القريب زمنه من زمن الحال وإن لم لنفي الماضي البعيد زمنه من زمن الحال. وبتقدير أن يكون مرادهم أن ثلاثة ألأحرف لنفي هذه الصيغ أنفسها، فلا يتم الاستدلال؛ لأن التغيير عند دخول حرف من هذه الأحرف واجب، وذلك أن لن للاستقبال والسين للاستقبال فلا يتأتى اجتماعهما. وأما لما ولم فإنهما لا يباشران إلا لفظ المضارع فكان العدول عن لفظ الماضي إليه متعينا وليس معينا في قام زيد وعمرو إذا قلنا: ما قام زيد وعمرو ما يوجب التغيير. والذي يظهر في هذه المسألة أنه لا فرق بين الإثبات والنفي. فمن قصد الإخبار بمرورين مثبتا لهما أو نافيا لهما لا بد له أن يكرر الفعل، ومن لم يقصد ذلك استغنى عن التكرير.

стр. 3473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبعد ..... فالذي ذكره ابن عصفور يحتاج إلى تحقيق. وقد تعرض في المقرب إلى ذكر هذه المسألة أيضا (١). فقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس - رحمه الله تعالى - متكلما عليها بما نصه: اعلم أن الفاء تعطي الترتيب والتعقيب كما مر فنفيه حينئذ يكون بأحد أمور خمسة. وهو إما أن يكون لم يقم واحدا منهما، أو لم يقم زيد فقط، أو لم يقم عمرو فقط، أو قاما لكن عمرو قام قبل زيد، أو قاما وعمرو بعد زيد كما في اللفظ لكن تخلل بين قياميهما زمان كان ممكن فيه قيام عمرو ولم يقم فينتفي هاهنا التعقيب الذي تقتضيه الفاء. أما إذا قلت: قام زيد وعمرو، ثم نفيت، فقلت: ما قام زيد وعمرو، فإن نفيه هنا يكون بأحد أمور ثلاثة. إما بأن لم يقم واحد منهما، أو بأن قام زيد دون عمرو، أو بأن قام عمرو دون زيد؛ لأن الواو للجمع فقط، وانتفاء الجمع يكون بأحد الأمور الثلاثة كما ذكرنا. وفي كل حرف يكون النفي داخلا على ما أعطاه ذلك الحرف من المعنى على حسب ما ينتفي به ذلك المعنى. انتهى. فلم يتعرض إلى الذي ذكره صاحب الكتاب من أنك في النفي تكرر العامل إن كان مروان، ولا تكرر إن كان مرور واحد (٢). والمسألة تفتقر إلى نظر. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 3474

الباب الثامن والأربعون باب النّداء (١) [بعض أحكامه من جر وحذف الحرف] قال ابن مالك: (المنادى منصوب لفظا أو تقديرا بأنادي، لازم الإضمار، استغناء بظهور معناه مع قصد الانتفاء وكثرة الاستعمال، وجعلهم كعوض منه في القرب همزة، وفي البعد حقيقة أو حكما «يا»، أو «أيا»، أو «هيا»، أو «آ»، أو «أي» أو «آي»، ولا يلزم الحرف إلا مع الله، والضّمير، والمستغاث، والمتعجّب منه، والمندوب، ويقلّ حذفه مع اسم الإشارة واسم الجنس المبنى للنّداء. وقد يحذف المنادى قبل الأمر والدّعاء فتلزم «يا»، وإن وليها «ليت» أو «ربّ» أو «حبّذا» فهي [للتنبيه]، لا للنّداء. وقد يعمل عامل المنادى في المصدر والظّرف والحال. وقد يفصل حرف النّداء بأمر). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): المنادى مفعول في المعنى؛ لأنه مدعو فيستحق النصب لفظا إن كان معربا قابلا لحركة الإعراب كيا عبد الله وتقديرا إن كان مبنيّا أو معربا غير قابل لحركة الإعراب كيا زيد ويارقاش ويافتى ويا أخي. وناصبة أنادي لازم الإضمار لظهور معناه مع كثرة الاستعمال وقصد الإنشاء ولجعل العرب أحد الحروف المذكورة كالعوض منه. وكل واحد من هذه الأسباب كاف في إيجاب لزوم الإضمار ولا سيما قصد الإنشاء فإن الاهتمام به في غاية الوكادة؛ لأن إظهار أنادي يوهم أن المتكلم مخبر بأنه سيوقع نداء والغرض علم السامع بأنه منشئ له والإضمار معين على ذلك فكان واجبا مع كون الحرف كالعوض منه، فلم يجمع بينهما كما لم يجمع بين العوض المحض والمعوض منه نحو: ما وكان في: -

стр. 3475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما أنت ذا نفر ونحوها، وواو القسم في ها الله. وكون الهمزة للقريب وما سواها للبعيد هو الصحيح، لأن سيبويه أخبر بذلك رواية عن العرب (١). ومن زعم أن أي كالهمزة [٤/ ١٧٩] في الاختصاص بالقرب لم يعتمد في ذلك إلّا على رأيه، والرواية لا تعارض بالرأي. وصاحب هذا الرأي هو المبرد وتبعه كثير من المتأخرين (٢). ولم يذكر مع حروف النداء آا وآي بالمد إلا الكوفيون رووهما عن عرب يثقون بعربيتهم ورواية العدل مقبولة. ولا يجوز حذف حرف النداء إن كان المنادى الله أو ضميرا أو مستغاثا أو متعجبا منه أو مندوبا نحو يا الله، ويا إياك، ويا لزيد، ويا للماء، ويا زيداه، فإن كان غير هذه الخمسة جاز الحذف إلا أن جوازه يقل مع اسم الإشارة واسم الجنس المبني للنداء، ومن شواهد الحذف مع اسم الإشارة قول ذي الرمة: ٣٣٧٦ - إذا هملت عيني لها قال صاحبي ... بمثلك هذا لوعة وغرام (٣) أراد بمثلك يا هذا، ومنها قول رجل من طيئ: ٣٣٧٧ - إنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم ... هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا (٤) ومنها قوله: ٣٣٧٨ - ذي دعي اللّوم في العطّاء فإنّ ال ... لوم يغري الكريم بالإجزال (٥) ومنها قوله: ٣٣٧٩ - لا يغرّنّكم ألاء من القو ... م جنوح للسّلم فهو خداع (٦) ومن شواهد الحذف مع اسم الجنس المبني للنداء قول النبي ﷺ : «اشتدّي أزمة تنفرجي» (٧) وقوله ﷺ مترجما عن موسى ﵇: «ثوبي حجر، ثوبي -

стр. 3476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حجر» (١) أراد: يا أزمة ويا حجر فحذف وكلامه من أفصح الكلام. ومن نداء الضمير ما ذكر أبو عبيدة من أن الأحوض اليربوعي وفد مع أبيه على معاوية (٢) رحمه الله تعالى فخطب فوثب أبوه ليخطب فكفّه وقال: يا إيّاك قد كفيتك (٣). وأنشد أبو زيد: ٣٣٨٠ - يا أبجر بن أبجر يا أنتا ... أنت الّذي طلقت عام جعتا (٤) فقول الأحوص: يا إياك جار على القياس؛ لأن المنادى مفعول محذوف العامل وما كان كذلك وجيء به ضميرا وجب أن يكون أحد الضمائر الموضوعة للنصب كقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥) وكقول الشاعر: ٣٣٨١ - إيّاك خلتك لي ردءا فكنت لهم ... علّي في ما أرادوا بي من الضّرر (٦) وأما يا أنت فشاذ، لأن الموضع موضع نصب وأنت ضمير رفع فحقه أن لا يجوز كما لا يجوز في إياك والأسد: أنت والأسد لكن العرب قد تجعل بعض الضمائر نائبا بمن غيره كقولهم: رأيتك أنت بمعنى: رأيتك إياك فناب ضمير الرفع عن ضمير النصب وعكسه قراءة الحسن - رضي الله تعالى عنه - (إيّاك يعبد) (٧) بنيابة ضمير النصب عن ضمير الرفع؛ فلذلك قالوا: يا أنت والأصل يا إياك لما ذكرت لك ولأن الموضع موضع اطراد في الواقع فيه إذا كان مفردا معرفة كونه على صورة مرفوع فحسن أن يخلفه ضمير الرفع كما حسن أن يكون تابعه مرفوعا. وكان حق المنادى أن يمنع حذفه لأن عامله قد حذف لزوما فأشبه الأشياء التي حذف عاملها وصارت -

стр. 3477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هي بدلا من اللفظ به كما قال في التحذير: وكسقيا له في الدعاء، إلا أن العرب أجازت حذف المنادى والتزمت في حذفه بقاء «يا» دليلا عليه، وكون ما بعده أمرا أو دعاء لأن الآمر والداعي يحتاجان إلى توكيد اسم المأمور والمدعو بتقديمه على الأمر والدعاء، فاستعمل النداء قبلهما كثيرا حتى صار الموضع منبها على المنادى إذا حذف وبقيت «يا» فحسن حذفه لذلك. فمن ثبوته قبل الأمر قوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ * (١) ويا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ * (٢) ويا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ (٣) ويا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا (٤) ويا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ (٥) ومن ثبوته قبل الدعاء يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ (٦) ويا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا (٧) ويا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ (٨) ومنه قول الراجز: ٣٣٨٢ - يا ربّ هب لي من لدّنك مغفرة ... تمحو خطاياي وأكفي المعذرة (٩) ومن حذفه قبل الأمر قوله تعالى في قراءة الكسائي ألا يا اسجدوا (١٠) أراد ألا يا هؤلاء اسجدوا، ومن حذفه قبل الدعاء قول الشاعر: ٣٣٨٣ - يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصّالحين على سمعان من جار (١١) ومثله: ٣٣٨٤ - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر (١٢) ومثله: -

стр. 3478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٣٨٥ - ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني ... كريم على حين الكرام قليل وأنّي لأخزى إذا قيل مملّق ... سخيّ وأخزى أن يقال بخيل (١) وليس من ذلك قولهم: يا ليت ويا ربّ ويا حبذا؛ لأن قولي يا أحد هذه الثلاثة قد يكون وحده فلا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف كقول مريم ﵍: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢) ولأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان موضع ادعاء الحذف مستعملا فيه الثبوت، كحذف المنادى قبل الأمر والدعاء، فإنه جاز لكثرة ثبوته بخلاف ما قبل الكلم المذكور، فإن ثبوت المنادى فيه غير معهود فادعاء الحذف فيه مردود ولكن يا فيه لمجرد التنبيه والاستفتاح مثل ألا. وقد يجمع بينهما توكيدا في نداء وغير نداء. فاجتماعهما في النداء كقول الشاعر: ٣٣٨٦ - ألا يابن الّذين فنوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى (٣) واجتماعهما في غير النداء كقول الآخر: ٣٣٨٧ - ألا يا ليت أيّاما تولّت ... يكون إلى إعادتها سبيل (٤) وقد يعمل عمل المنادى في مصدر كقول الشاعر: ٣٣٨٨ - يا هند دعوة صبّ هائم دنف ... منّى بوصل وإلّا مات [أو] كربا (٥) وفي ظرف كقوله: ٣٣٨٩ - يا دار بين النّقا والجزع ما صنعت ... يد النّوى بالألى كانوا أهاليك (٦) وفي حال كقوله: ٣٣٩٠ - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته ... كم قد بدلت لمن وافاك أفراحا (٧) وقد يفصل بأمر المنادى بينه وبين النداء كقول جذامة بنت خالد [٤/ ١٨٠] النخعية تخاطب ابنتها لطيفة (٨): -

стр. 3479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٣٩١ - ألا يا فابك شوالا لطيفا ... وأجري الدّمع تسكابا وكيفا (١) أرادت يا لطيفة فرخمت وفصلت بفعل الأمر (٢). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى. وليعلم أن النداء مصدر نادى والكثير كسر نونه قالوا: ويجوز ضمها لأنه صوت وهمزته منقلبة من حرف العلة، كهمزة رداء وأصلها الواو. ومن ندوت القوم ندوا: دعوتهم. والنداء رفع الصوت للمنادى ليقبل عليك، وأورد على ذلك أنهم قد نادوا الديار. وأجيب بأنهم أرادوا بذلك تنبيه أنفسهم على تذكّر أحوالهم في تلك الديار وجعلوها من الأشياء التي تخاطب فأجروا عليها حكم المخاطبين وعليه جاء: ٣٣٩٢ - [شربت بها والدّيك يدعو صباحه] ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا (٣) لما وصفهم بالدنو والتصوب جمعهم جمع من يعقل، فكذا لمّا خاطبوا الديار أجروا عليها حكم من يعقل فنادوها. وبعد هذا: فأنا أشير إلى أمور: منها: أن المنادى هو المطلوب إقباله بـ «يا» أو ما قام مقامها لفظا أو تقديرا. واختلف فيه، والذي عليه الجمهور أنه مفعول. وقال السيرافي: إنه لشبه بالمفعول به، وقرر ذلك بما لا طائل تحته مع اعترافه أن «يا» حرف (٤)، وردّ قوله بأنه مؤدّ إلى أن يستقل الحرف والاسم كلاما. ومنها: أنهم اختلفوا في النداء هل خبر أو إنشاء. والحق أنه ليس بخبر لأنه يحتمل الصدق والكذب. وقد قيل إنه خبر؛ لأنه يحتمل الصدق والكذب بدليل أنه لو قال رجل لآخر: يا زاني عدّ قاذفا، ولو لم يحتمل الصدق والكذب لما كان خبرا، ولو لم يكن خبرا لما عدّ قاذفا. وأجيب بأنه إنما عدّ قاذفا لأجل أن النداء بالمشتق وفيه معنى -

стр. 3480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصفة ولولا الاشتقاق لما عد قاذفا. ولا شك أنه إذا كان بغير مشتق لا يحتمل الصدق والكذب، وكذا الفعل المقدر هو إنشاء وليس بخبر لأنه الدال عليه ليس بخبر وهو يا زيد فالنداء والفعل المحذوف متطابقان في عدم الخبرية. ثم إنك قد علمت من كلام المصنف العلة لوجوب حذف الفعل ما هي. ومنها: أن بعضهم ذهب إلى أن حرف النداء هو العامل في المنادى النصب لأنه ناب عن الفعل فعمل. قال: ولذا جازت إمالته وتعلق به حرف الجر في نحو: يا لزيد، وأجيب عن ذلك أما الإمالة فمسلم أنها للنيابة عن الفعل أما في العمل فلا، ومثله إمالة بلى لما جاز حذف الفعل بعدها في الجواب أمالوها وإن لم تكن عاملة بالإجماع. وأما حرف الجر فلا نسلم تعلقه بيا بل بالفعل المحذوف ولأن المنادى ينصب مع حذف حرف النداء، ولو كان الحرف هو الناصب لم يجز حذفه والنصب يغير عوض؛ لأن الحرف ضعيف فلا يعمل محذوفا من غير عوض بخلاف الفعل وقيل: حرف النداء اسم فعل وليس بشيء لأنه لو كان للزم أن يكون فيه ضمير ولو كان لجاز تأكيده كالضمير في أسماء الأفعال وفي عدم ذلك دليل على عدم كونه اسم فعل (١). ومنها: أن الشيخ قال: «الذي يظهر من استقراء كلام العرب أن «يا» أعم الحروف وأنها تستعمل للقريب والبعيد مطلقا» لكن قد عرفت أن سيبويه يرى خلاف ذلك (٢) وقد قال هو - أعني الشيخ - إن سيبويه روى عن العرب أن الهمزة للقريب وما سواها للبعيد. وشاهد النداء بالهمزة قول الشاعر: ٣٣٩٣ - أزيد أخا ورقاء إن كنت ثائرا ... فقد عرضت أحناء حقّ فخاصم (٣) وشاهد النداء بأيا قول الشاعر: ٣٣٩٤ - أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم (٤) وشاهد النداء بهيا قول الآخر: -

стр. 3481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٣٩٥ - هيا أمّ عمرو هل لي اليوم عندكم ... بعينه أبصار الوشاة سبيل (١) وشاهد النداء بأي قول الآخر: ٣٣٩٦ - ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحى ... بكاء حمامات لهنّ هدير (٢) وذكر ابن عصفور أن النداء بما عدا يا، ووا من الحروف المذكورة إنما يجيء في الشعر، ويقل استعمالها في الكلام (٣). ومنها: أن كلام المصنف يعطي أن نداء المضمر جائز على الإطلاق. والجماعة لا يرون ذلك وابن عصفور يشعر كلامه بالمنع أو بأن ذلك لا يجوز إلّا في الضرورة (٤) فإنه قال: «الأسماء كلها تنادى إلّا المضمرات. أما ضمير الغيبة وضمير المتكلم فهما مناقضان لحرف النداء؛ لأن حرف النداء يقتضي الخطاب ولم يجمع بين حرف النداء وضمير الخطاب؛ لأن أحدهما يغني عن الآخر فلم يجمع بينهما إلّا في الشعر كقوله: ٣٣٩٧ - يا أبجر بن أبجر يا أنتا (٥) وفيه خلاف. فمنهم من جعل «يا» تنبيها وجعل أنت مبتدأ وأنت الثاني في قوله: ٣٣٩٨ - ..... ... أنت الذي طلقت عام جعتا توكيدا أو بدلا أو فصلا. قال الشيخ: يظهر أن استناد من أجاز ذلك إنما هو إلى هذا البيت وإلى الحكاية الأخوصية إذ لم يذكروا غير ذلك (٦) قال: وينبغي أن لا يجعل ذلك قاعدة في جواز نداء المضمر لا بصورة ضمير النصب ولا بصورة ضمير الرفع؛ لأن ذلك لا حجة فيه. أما البيت فالأمر فيه كذا وكذا، وذكر تخريج ابن عصفور (٧). قال: وأما إيّاك قد كفيتك فإن يا فيه حرف تنبيه أيضا وإياك مفعول بفعل محذوف يدل عليه الفعل -

стр. 3482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المذكور، التقدير: إياك قد كفيت قد كفيتك، وذلك كما يقدر في قوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (١) أي وإياي ارهبوا فارهبون وكذا يقدر في قول الشاعر: ٣٣٩٩ - إيّاك خلتك لي ردءا ..... ... ......... إياك خلت ردءا خلتك لي ردءا (٢). قال: وهذا تخريج سهل حسن واضح جار على قواعد الصنعة (٣). ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف أجاز حذف المنادى بقوله: وقد يحذف المنادى قبل الأمر والدعاء فتلزم يا، وأنه قرر ذلك في الشرح [٤/ ١٨١] كما تقدم ذكره، فقال الشيخ: هذه مسألة خلاف. وهل يجوز حذف المنادى أولا (٤) قال: والذي يقتضيه النظر إنه لا يجوز ولم يرد بذلك سماع عن العرب فيقبل، بل كل موضع يدعى فيه الحذف وإبقاء الحرف يسوغ أن يجعل الحرف للتنبيه، ولم يكونوا ليحذفوا فعل النداء ثم يحذفون بعده متعلق النداء، وهو المنادى فيكون ذلك إجحافا كثيرا. والمنادى (في ذلك) (٥) كالمنصوبات التي حذف عاملها وجوبا نحو: إياك والشر، وزيدا ضربته، وكليهما وتمرا، وما شاكل ذلك ولا يجوز حذف شيء منها (٦) قال: وما ذكره المصنف من الدليل على الحذف تلفيق هذياني (واستقراء لا يسوغ) (٧). ثم ما استشهد به لا حجة فيه على حذف المنادى بل «يا» فيه للتنبيه. أما في الآية الشريفة فيا توكيد لقوله ألا. وكذا في قول القائل: ألا يا اسلمي، وأما يا لعنة الله فهي للتنبيه كألا. قال الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٨) وكذلك في: يا عمرك كأنه قال: ألا عمرك وهي جملة اعتراض بين «ألم تعلمي» و «أنني» (٩) انتهى. وهذا الذي فعله الشيخ يقتضي أن المصنف وحده هو القائل بجواز حذف المنادى والأمر ليس كذلك فقد قال هو إن المسألة خلافية؛ فالرد إن ثبت لا يكون ردّا على -

стр. 3483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المصنف وحده بل على القائلين بجواز الحذف أجمعين ثم نسب كلام المصنف إلى الهذيان والتلفيق ولم يبين وجه ذلك. وغاية ما قال آخرا: إن ما استدل به المصنف يخرج على أن يا فيه للتنبيه وليس ثم نداء. فيقول المصنف: هذا الاحتمال لا يبطل ما ادعيته. وقصارى الأمر أن تكون يا في ما ذكرته للتنبيه قول يمكن ثبوته ويمكن دفعه. فكيف يكون قاطعا ببطلان ما ذكرته. ثم اعلم أن في تمثيل المصنف لثبوت المنادى قيل الدعاء بقوله تعالى: يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ (١) ويا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا (٢) نظرا؛ لأن «ادع» ليس دعاء وإنما هو أمر بالدعاء، وكذا «استغفر» أمر بطلب الاستغفار وليس استغفارا. ومنها: أنك قد عرفت أن المنادى قد يعمل في المصدر والظرف والحال، وتقدم استشهاد المصنف على الأول بقول القائل: ٣٤٠٠ - يا هند دعوة صبّ هائم وعلى الثاني بقول الآخر: ٣٤٠١ - يا دار بين النّقا والجزع ما صنعت وعلى الثالث بقول الآخر: ٣٤٠٢ - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته لكن الشيخ قال: إن الظرف الذي هو بين النقاء والجزع ليس معمولا لفعل النداء، بل هو معمول لمحذوف غير فعل النداء؛ لأن الظرف المذكور في موضع الحال فالعامل فيها محذوف تقديره كائنة بين النقا والجزع (٣). والذي ذكره الشيخ حق .. ؛ لأن الذي بين النقاء والجزع إنما هو الدار لا النداء، وعلى هذا فعامل المنادى إنما عمل في حال لا ظرف وإنما يجيء الحال من المنادى. وذكر الشيخ أن فيه مذاهب: أحدها: الجواز مطلقا وهو مذهب المبرد، وابن طاهر، وابن طلحة (٤). الثاني: المنع وهو مذهب الكوفيين وبعض البصريين.

стр. 3484

[بناء المنادى وإعرابه] قال ابن مالك: (يبنى المنادى لفظا أو تقديرا على ما كان يرفع به لو لم يناد [إن] كان ذا تعريف مستدام أو حادث بقصد وإقبال غير مجرور باللام ولا عامل في ما بعده ولا مكمل قبل النّداء بعطف نسق. ويجوز نصب ما وصف من معرّف بقصد وإقبال، ولا يجوز ضمّ المضاف الصّالح للألف واللّام خلافا لثعلب، وليس المبنيّ للنّداء ممنوع النّعت خلافا للأصمعيّ. ويجوز فتح ذي الضّمة الظاهرة إتباعا إن كان علما ووصف بابن متّصل مضاف إلى علم، لا إن وصف بغيره خلافا للكوفيّين، وربّما ضمّ الابن إتباعا. ويلحق بالعلم المذكور نحو: «يا فلان بن فلان» ويا ضلّ بن ضلّ، ويا سيّد ابن سيّد، ومجوّز فتح ذي الضّمّة في النّداء موجب في غيره حذف تنوينه لفظا، وألف ابن في الحالين خطّا، وإن نوّن فللضّرورة وليس مركبا فيكون كمرء في إتباع ما قبل السّاكن ما بعده. خلافا للفارسي. والوصف بابنة كالوصف بابن، وفي الوصف ببنت في غير النّداء وجهان). ــ الثالث: التفصيل بين أن تكون الحال مؤكدة فيجوز أو مبنية فلا يجوز وهو مذهب الأخفش والمازني والفارسي (١). وقال: ولا نص عن سيبويه في إجازة ولا منع (٢). انتهى. والذي يظهر الجواز مطلقا، ويدل عليه ما أنشده المصنف من قول الشاعر: ٣٤٠٣ - يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته (٣) قال ناظر الجيش: قال المصنف (٤): المنادى على ضربين معرب ومبني. فالمعرب المجرور بلام الاستغاثة نحو: «بالله للمسلمين» (٥)، أو بلام التعجب نحو: يا للماء، ويا للدواهي، والنكرة المحضة نحو: -

стр. 3485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٤٠٤ - [أ] يا راكبا إما عرضت فبلّغا ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا (١) والعامل فيما بعده بإضافة وغير إضافة نحو: يا ذا الجلال والإكرام، ويا رؤوفا بالعباد، ويا عظيما فضله، ويا عشرين رجلا، والمكمل قبل النداء بعطف نحو: يا زيدا وعمرا في المسمى بهما. والمبني على ضربين مبني بناء بسبب النداء ومبني بناء غير متجدد بسبب النداء. فالأول مبني على ضمة ملفوظ بها نحو: يا زيد ويا رجل، أو مقدرة نحو: يا مولى ويا هادي ويا ربي، وعلى ألف نحو: يا زيدان، وعلى واو نحو: يا زيدون. والثاني: مبني في التقدير على ضمة وفي اللفظ على ما كان مبنيّا عليه قبل النداء نحو: يا هؤلاء ويا سيبويه ويا رقاش ويا خمسة عشر ويا برق نحره. وهذه الأنواع كلها داخلية في قولي: يبني المنادى لفظا أو تقديرا على ما كان يرفع به أما دخول ما تجدد وبناؤه بسبب النداء فظاهر. وأما دخول ما سبق بناؤه فلأن هؤلاء وسيبويه ورقاش وبرق نحره [٤/ ١٨٢] قد كانت قبل النداء تقع في موضع الرفع فتنوى ضمة الإعراب في مواضعها، ويجدد لها في النداء تقدير ضمة البناء ويدل على ذلك رفع تابعها نحو: يا هؤلاء الرجال ويا رقاش الحسنة. ونبهت بقولي: على ما كان يرفع به لو لم يناد على نحو: يا مكرمان مما لا استعمال به في غير النداء. ثم بينت أن من شرط البناء المستحق بالنداء كون المنادى غير مجرور بلام الجر وكونه غير عامل في ما بعده ولا مكمل قبل النداء بعطف نسق، فخرج باستثناء المجرور باللام المستغاث نحو: يا لله للمسلمين والمتعجب منه نحو: يا للعبر ويا للآيات. وباستثناء العامل في ما بعده المضاف، نحو: يا ذا الجلال والإكرام والشبيه به نحو: يا عظيما فضله، ويا لطيفا بالعباد، ويا عشرين رجلا، وباستثناء المكمل قبل النداء بعطف نسق نحو: يا زيدا وعمرا في المسمى بهما. وادعى المبرد أن تعريف نحو: يا زيد متجدد بالنداء بعد إزالة تعريف العلمية لئلّا يجمع بين تعريفين (٢) والصحيح أن تعريف العلمية مستدام كاستدامة تعريف الضمير واسم الإشارة والموصول في: يا إياك ويا هذا ويا من حضر ولأن النداء لا يلزم من -

стр. 3486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجوده تجدد تعريف ولولا ذاك لم تناد النكرة المحضة. فعلى هذا لا يلزم من دخوله على معرفة اجتماع تعريفين على أنه لو سلم اجتماع تعريفين لجعل أحدهما مؤكدا للآخر موسوقا لزيادة الوضوح كاتساق الصفة لذلك. ويكون ذلك نظير اجتماع دليلي المبالغة في علامة ودوّاري (١)، ويجوز في المفرد المعرف بالقصد والإقبال إجراؤه مجرى العلم المفرد في البناء وإجراؤه مجرى النكرة في النصب. قال الفراء: النكرة المقصودة الموصوفة المناداة تؤثر العرب نصبها يقولون: يا رجلا كريما أقبل، فإذا أفردوا رفعوا أكثر مما ينصبون (٢). قلت: ويؤيد قول الفراء ما روي من قول النبي ﷺ في سجوده: «يا عظيما يرجى لكلّ عظيم، ادفع عنّي كلّ عظيم» (٣). وأجاز ثعلب - رحمه الله تعالى - أن يضم المضاف إذا كان صالحا للألف واللام نحو: يا حسن الوجه لأن إضافته في نية الانفصال (٤). وأظنه قاس ذلك على رواية الفراء عن بعض العرب: يا مهتم بأمرنا لا تهتم بضم مهتم مع مشابهته المضاف لتعلق بأمرنا به. ويخرج هذا عندي بأن يجعل بأمرنا متعلقا بلا تهتم كأنه قال: يا مهتم لا تهتم بأمرنا فقدم وأخر. ومذهبه في هذه المسألة ضعيف؛ لأن بناء المنادى ناشئ عن شبهه بالضمير والمضاف عادم الشبه بالضمير وإن كان مجازيّ الإضافة. ومنع الأصمعي نعت المبني للنداء؛ لأنه شبيه بالمضمر والمضمر لا ينعت (٥). وما ذهب إليه مردود بالسماع والقياس. أما السماع فشهرته مغنية عن استشهاد. وأما القياس فلأن مشابهة المنادى المضمر عارضة. فمقتضى الدليل أن لا تعتبر مطلقا كما لم يعتبر مشابهة المصدر لفعل الأمر في نحو: ضربا زيدا لكن العرب اعتبرت مشابهة المنادى للضمير في البناء استحسانا فلم تزد على ذلك كما أن فعال العلم لما بني حملا على فعال المأمور به لم يزد على بنائه شيء من أحوال ما حمل عليه. ونظائر ذلك كثيرة. ويجوز في المنعوت بابن من نحو: يا زيد بن عمرو -

стр. 3487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الضم استصحابا لحاله قبل النعت، والفتح اتباعا نحو: يا زيد بن عمرو. فلو فصل ابن من المنعوت تعين الضم نحو: يا زيد الفاضل ابن عمرو وكذا يتعين الضم إن فقدت علميّة المنعوت نحو: يا غلام بن زيد أو علميّة المضاف إليه نحو: يا زيد بن أخينا، أو علميتها نحو: يا غلام بن أخينا فلو لم تكن ضمة المنادى ظاهرة لم ينو تبدلها بفتحة؛ إذ لا فائدة في ذلك. وقد أجاز الفراء في «عيسى» من قوله تعالى: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ * (١) تقدير الضمة والفتحة (٢). وأجاز الكوفيون فتح المنعوت بمنصوب غير ابن نحو: يا زيد الكريم واستدلوا على ذلك بقول الشاعر: ٣٤٠٥ - فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا (٣) على أن الرواية بفتح راء عمر. وخرج ذلك من انتصر للبصريين بأن قال: أراد يا عمرا فحذف الألف لالتقاء الساكنين وبقيت الراء مفتوحة. وهذا الانتصار لا يثبت على مذهب سيبويه؛ لأنه لم يذكر زيادة الألف في آخر المنادى في غير ندبة أو تعجب أو استغاثة (٤) والثلاثة منتفية من هذا البيت. وأجاز غير سيبويه زيادة الألف في آخر كل منادى لمد الصوت (٥) ويجري مجرى يا زيد بن عمرو في جواز فتح المنعوت يا فلان، ويا ضل بن ضل، ويا فاضل بن فاضل. وزعم بعض العلماء أن المستعمل في يا ضل بن ضل ويا فاضل بن فاضل ونحوهما الفتح لا غير. قال ابن سعدان: كلام العرب في نحو: يا ضل بن ضل ويا فاضل بن فاضل [و] ما أشبهه من المدح أن يتبع بالفتح، فإن أدخلت الألف واللام في الثاني جاز الوجهان. وسبب هذا الفتح كثرة الاستعمال فجاز في: يا زيد بن عمرو وامتنع في نحو: يا زيد بن أخينا ولزم في نحو: يا فاضل بن فاضل جعلوا الموصوف والصفة كالشيء الواحد في -

стр. 3488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما كثر استعماله فاتبعوا الأول والثاني كما فعلوا في امرئ (١). وقد روى الأخفش عن بعض العرب ضم نون الابن اتباعا لضم المنعوت (٢) وهو نظير قراءة من قرأ «الحمد لله» (٣) بضم اللام (٤). بل ضم النون أسهل بكثير. ولما كان وقوع ابن في النداء بين علمين على الوجه المذكور سببا للتخفيف بتبدل الضمة فتحة جعل في غير النداء سببا للتخفيف بحذف تنوين المنعوت إلا أن النداء وجه [٤/ ١٨٣] واحد وغير النداء وجوه كثيرة، فكان غير النداء أحوج إلى التخفيف فجعل تخفيفه واجبا وتخفيف النداء جائز، واستوى النداء في التزام حذف ألف ابن خطأ وقد ينون المنعوت بابن في غير النداء اضطرارا كقول الأغلب العجلي (٥): ٣٤٠٦ - جارية من قيس بن ثعلبة ... قبّاء ذات سرّة مقعّبه ممكورة الأعلى رداح الحجبة ... كأنّها حلية سيف مذهبه (٦) وزعم الفارسي أن نحو: زيد بن عمرو عند قصد النعت في غير النداء مركب وأن حركة المنعوت حركة إتباع كحركة ميم مرء على لغة من قال: هذا مرء ورأيت مرءا ومررت بمرء (٧). وليس ما رآه في هذا صحيحا للإجماع على فتح المجرور الذي لا ينصرف نحو: صلّى الله على يوسف بن يعقوب. ذكر هذا ابن برهان (٨) رحمه الله تعالى. وإذا كان المنعوت مؤنثا علما كهند في لغة من صرف ونعت بابنة مضاف إلى علم فحكمه في النداء وغير النداء حكم (٩) زيد منعوتا بابن مضافا إلى علم. وفي غير -

стр. 3489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المنادى المنعوت يثبت وجهان رواهما سيبويه عن العرب الذين يصرفون هندا ونحوه فيقولون: هذه هند بنت عاصم وهند بنت عاصم. وكل هذا مشار إليه في الأصل. هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى (١). وثم أمور يتعين الإشارة إليها: منها: أن للمنادى بالنسبة إلى كونه مبنيّا ومعربا ستة أقسام. المبني منها قسمان، والمعرب أربعة. أما المبني فالمعرفة المفرد، والنكرة المقصودة إذا كانت مفردة أيضا وأما المعرب فمجرور باللام وهو المستغاث، ومنصوب وهو النكرة غير المقصودة، والمضاف والمطول وهو المشبه بالمضاف. وقد صرح المصنف بالأقسام المذكورة في الشرح إلا أنه عبر عن المضاف والمشبه به بعبارة واحدة وهي قوله: والعامل في ما بعده بإضافة وغير إضافة، وهي عبارة مختصرة حسنة. أما كلامه في المتن فربما فيه إخلال بقسم من هذه الأقسام وهو النكرة غير المقصودة؛ لأنه حكم ببناء المنادى إن كان ذا تعريف مستدام أو حادث بقصد أو إقبال، ثم استثنى ما يعرب بقوله غير مجرور باللام ولا عامل في ما بعده، ولم يتعرض إلى ذكر النكرة المشار إليها. لا يقال إنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنا قد علمنا أن المنادى له النصب بقوله أول الباب: المنادى منصوب لفظا أو تقديرا فإذا لا يحتاج مع ذلك إلا إلى ذكر ما يبنى منه ليخرجه من الحكم الذي يعم أقسام المنادى وهو النصب؛ لأنا نقول: هذا الذي قيل كلام صحيح لكن كان يلزم منه ألا يتعرض إلى ذكر شيء من أقسام المعرب؛ لأن الإعراب قد ثبت للمنادى بقوله: إنه منصوب وإنما يلزمه التعرض إذ ذاك إلى ذكر ما يبنى منه خاصة. لكنه قد تعرض إلى ذكر بعض ما يعرب فكان الواجب إما أن يستوفي أقسام المعرب وإما أن لا يذكر شيئا منها. ومنها: أنهم ذكروا أن المنادى المضاف إلى نكرة نحو: يا أخا رجل ويا رجل سوء ليس بمعرفة، ولكنه جرى في الإعراب كالمضاف إلى معرفة ليكون الباب واحدا. قالوا: ولا يجوز أن يقصد به واحد بعينه فيتعرف بالنداء لأن إضافته إلى النكرة سبب تنكير لفظي فلا يصح تضمنه للتعريف لأن المحل لا يقبل. فكان كالوصف للنكرة. -

стр. 3490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قالوا: ونص عليه سيبويه (١). ومنها: أن المنادى المفرد المعرفة إنما بني؛ لأنه لإفادته الخطاب أشبه الضمير وهو الكاف في أدعوك في إفادته الخطاب وأنه معرفة مفرد. والأسماء الظاهرة موضوعة على الغيبة بدليل عود الضمير إليها بلفظ الغيبة نحو: زيد قائم ولا يصح أن تكون علة البناء إفادته الخطاب فحسب؛ لأنه يلزم منه بناء المضاف والمشبه به إذا أريد به واحد معين، ولا مع التعريف لأنه يلزم منه بناء المضاف والمشبه به إذا كان معرفة، فثبت أن المجموع وهو إفادته الخطاب وتعريفه وإفراده هو العلة ليكون كالكاف في أدعوك فإنها مقيدة للخطاب وهي معرفة مفردة. وفي شرح الشيخ: ذهب سيبويه إلى أنه بني إجراء له مجرى الأصوات (٢). وكذا قال ابن أبي الربيع أيضا: إن سيبويه علل بناء المنادى بأنه صار بمنزلة الصوت (٣). لكن قال ابن عمرون في شرح المفصل عند ذكره سبب بناء المنادى: وقيل بني لشبهه بالأصوات التي يصوت بها للبهائم عند ما يراد منها كعدس وهاب (٤)، وليس بشيء لأنه لو كان البناء كذلك لبني النكرة؛ لأنه لا فرق في الصوت بين المعرفة والنكرة. وكان بناؤه على حركة لأن بناءه عارض، وكل اسم يعرب في حال ويبنى في حال إذا بني بني على حركة كقبل وبعد، وكانت الحركة ضمة أو قام مقامها لشبهه بقبل وبعد، ووجه الشبه أنه إذا أضيف أو نكر أعرب وإذا كان معرفة مفردا بني. وقيل بني على الضم لئلّا يشبه المضاف؛ لأن المضاف إلى غير ياء المتكلم منصوب في النداء والمضاف إلى ياء المتكلم يكون مكسورا والمختار فيه حذف الياء وإبقاء الكسرة فبني على الضم لئلّا يلبس بأحدهما. وقد ذكر لبناء المنادى أسباب غير ما ذكرنا لكنها غير معتبرة عند التحقيق فتركت إيرادها لذلك. -

стр. 3491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد شذ الكسائي والرياشي (١) في دعواهما أن الحركة في يا زيد حركة إعراب (٢)، ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي التشاغل به، إذ فيه خرم للقواعد وهدم للأصول، نعم الأخفش يقول إن نحو يا رجل معرب لأنه يقول إنه في نية يا أيها [٤/ ١٨٤] الرجل ونابت مناب الألف واللام ولهذا سقط التنوين. وقد رد مذهبه بقول العرب: يا فاسق الخبيث والخبيث، وما ذاك إلّا لأنه غير معرب. ومنها: أنك قد عرفت أن قول المصنف: ولا عامل في ما بعده يشمل المضاف والمشبه به وهو المعبر عنه بالمطول وبالممطول أيضا من قوله: مطلت الحديدة إذا مددتها، وهو كل اسم موصول بشيء هو كالتمام له عمل الأول في الثاني النصب لفظا، نحو: يا ضاربا زيدا، أو محلّا نحو: يا خيرا من زيد، أو الرفع نحو: يا حسنا وجهه ويا مضروبا غلامه، أو لم يعمل لكن ثم ما يقوم مقام العامل وهو حرف العطف نحو: يا ثلاثة وثلاثين إذا كان اسم رجل واحد فالأول منصوب لأنه مشبه بالمضاف من حيث إن الثاني من تمام الأول؛ لأن التسمية وقعت بالكلمتين مع حرف العطف. ولما كان حرف العطف يقتضي معطوفا عليه وهو بمنزلة العامل صار كأن بعض الاسم عمل في الآخر فأشبه ضاربا زيدا والثاني منصوب بالعطف على الأول. ولما لم يعبر المصنف عن المطول بما عبر به غيره وكانت العبارة التي أتى بها إنما يدخل تحتها مع المضاف من المطول ما يكون عاملا في ما بعده احتاج أن يقول بعد ذلك: ولا مكمل قبل النداء بعطف نسق. وأفاد قوله: قبل النداء فائدة وهي: أن العطف لو حصل حال النداء لم يكن له أثر في نصب المنادى. ومن ثم قال ابن السراج في قولنا: (يا) ثلاثة وثلاثين إذا كانا اسما واحدا وليس هذا بمنزلة قولك للجماعة: يا ثلاثة وثلاثون، لأنك في هذا يا أيها الثلاثة والثلاثون (٣). انتهى. فقد فرق بين المسألتين كما رأيت. وليس الفرق إلّا ما أفاده كلام المصنف من أن -

стр. 3492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عطف النسق في المسألة الأولى وجد قبل النداء فكان الثاني من تمام الأول، وأما في الثانية فليس كذلك إنما وجد حال النداء فهو منفصل عنه أي ليس من تمامه ولا بطول المنادى بمعموله إلّا إذا كان المعمول ملفوظا به. فعلى هذا: إذا ناديت وقلت: يا ذاهب بنيته على الضم ولم تنصبه وإن كان عاملا في ضمير المرفوع. وكذا إذا قلت: يا ذاهب وزيد تبني الاسمين. فإن قدرت زيدا معطوفا على الضمير لزم نصب ذاهب؛ لأنه عامل في زيد بوساطة حرف العطف، ولو قلت: يا مشتركا وزيد لم يجز في مشترك إلّا النصب؛ لأن عطف زيد على الضمير متعين إذ لا يجوز عطفه على مشترك لأن مشتركا لا بد أن يسند إلى ما زاد على واحد. واعلم أنك إذا ناديت جماعة عدتهم ما ذكرت من العدد نحو: يا ثلاثة وثلاثين فإن كانت غير معينة نصبت المعطوف والمعطوف عليه. أما الأول فلأنه اسم نكرة غير مقصودة، وأما الثاني فلأنه معطوف عليه وإن (كانت) الجماعة معينة فلا بد من بناء ما باشرته «يا» لكونه مفردا معرفة. وأما المعطوف عليه فيجوز فيه ما يجوز في غيره من العطف على اللفظ فيرفع أو على المحل فينصب. لكنهم ذكروا أن دخول «أل» في الثاني حينئذ واجب، ولم يظهر لي وجهه. وذكر عن ابن خروف أنه يجيز دخول «أل» وتركها (١)، والذي قاله ابن خروف هو الظاهر. ويتصل بما ذكر مسألة وهي: أنك إذا ناديت اثني عشر فإنك تقول: يا اثنا عشر. ولا يتوهم أنه بمنزلة المضاف من أجل حذف النون؛ لأن النون لما حذفت نزلت عشر منزلتها فصار في الحكم بمنزلة قولك: اثنان، ولو ناديت هذه الكلمة لقلت: يا اثنان، وكذا يا اثنتا عشرة ويا ثنتا عشرة. ونقل عن الكوفيين أنهم يلحظون فيه الإضافة فيجيزون يا اثني عشر. ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف أنه يرى تعريف النكرة المقصودة إذا نوديت إنما هو النداء وعبر عنه بقوله: أو حادث بقصد وإقبال، ومن ثم عدّ النداء من جملة المعرفات لما ذكر المعارف في أول الكتاب (٢). -

стр. 3493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا شك أن في المسألة للنحاة مذهبين. أحدهما: ما اختاره المصنف. والآخر: أن تعريف مثل ذلك بأل وأنها حذفت وناب حرف النداء منابها. قال ابن عصفور: لأن الخطاب لا يعرّف. ألا ترى أنك تقول: أنت رجل قائم فتخاطبه ويبقى الاسم بعد ذلك نكرة. انتهى. ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال؛ لأن النكرة لم يخاطب بها. ومسألة النداء إنما هي النكرة المخاطب بها لأنك إذا قلت: يا رجل، فكأنك قلت: يا أنت. وقد رد ابن الضائع قول من قال إن التعريف بأل بأن تعريف «أل» بالعهد، وإذا قلت: يا أيها الرجل فلا عهد فيه. قال: فإن زعم القائل بذلك أن أل للحضور فالحضور هو المعرف وهو معنى قول من قال إنه تعرف بالخطاب (١). ومنها: أن الكوفيين (٢) يخالفون البصريين في جواز نداء النكرة غير المقبل عليها ويزعمون أن النكرة غير المقبل عليها لا تكون في النداء إلّا موصوفة نحو: يا رجلا ذاهبا، أو صفة في الأصل حذف موصوفها وخلفته نحو: يا ذاهبا. فمن مجيء النكرة الموصوفة قول القائل: ٣٤٠٧ - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق (٣) فالنكرة المناداة موصوفة بحزوي. وقول الآخر: ٣٤٠٨ - ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام (٤) فنخلة موصوفة بقوله «من ذات عرق»، وقول الآخر: ٣٤٠٩ - لعلّك يا تيسا نزا في مريرة ... معذب ليلى أن تراني أزورها (٥) فالجملة في موضع صفة المنادى. ومن مجيء النكرة التي هي صفة قول القائل: ٣٤١٠ - أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا (٦) -

стр. 3494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فنصب راكبا لأنه صفة لمحذوف، وليست جملة الشرط والجزاء صفة لأنها [٤/ ١٨٥] لا تحتمل الصدق والكذب لتضمنها الأمر. وحاصل الأمر أن الذي يشترطه الكوفيون في نداء النكرة غير المقصودة أن تكون موصوفة فقط؛ لأنها إذا كانت صفة خلفا عن موصوف كان المنادي في الحقيقة إنما هو الموصوف والصفة نائبة عنه وحينئذ يكون المنادى نكرة موصوفة. وعلى هذا لا حاجة إلى أن يجعل قولهم أو صفة في الأصل قسيما لقولهم: نكرة موصوفة؛ إذ ليس إلا قسم واحد. ولا يجوز عند الكوفيين أن يقال: يا رجلا، ويقولون: إنه لم يسمع شيء من ذلك عن العرب، وإنما لم يجيزوا ذلك لأن انتصاب المنادى من قولنا: يا رجلا ذاهبا عندهم إنما هو لطوله بالصفة وانتصاب ذاهب من يا ذاهبا بسبب أن الأصل فيه يا رجلا ذاهبا فإذا لم توصف النكرة انتفى الطول الموجب للنصب. وقد ردّ مذهبهم بأن الوصف لو كان يؤثر الطول في المنادى فينصب لكان يجب نصب زيد من قولنا: يا زيد الطويل، ولا قائل بذلك. قال ابن عصفور: «فإن قيل: الطول بالوصف لا يوجب النصب إلّا إذا كان الوصف لازما والوصف لا يلزم في يا زيد الطويل ويلزم النكرة غير المقبل عليها. فالجواب: أن الطول بالوصف وإن كان لازما لا يوجب النصب بدليل: يا أيها الرجل، وإذا بطل أن الطول بالوصف لازما كان أو غير لازم غير موجب النصب كان موجب النصب إنما هو التنكير، وإذا كان موجب النصب التنكير لم يمنع مانع من جواز مجيء النكرة غير المقبل عليها، وإن كانت غير موصوفة، وما يقبله القياس لا يقدح فيه عدم السماع». وقد ادعى ابن الطراوة أن «دارا» من قوله: أدارا بحزوى، «وتيسا» من قوله: لعلّك يا تيسا نزا معرفتان. قال: وإلا فكيف يقول: هجت للعين عبرة لدار لا يعرفها، وكيف يقول: لعلّك معذّب ليلى لمن يكون مجهولا عنده. وخرّج البيتين على أن ثم موصولا محذوفا هو الوصف، والمجرور والجملة صلتان. التقدير أدارا التي بحزوى، ويا تيسا الذي نزا وكذا التقدير عنده في: ألا يا نخلة من ذات عرق أي التي من ذات عرق (١). قال: والدليل على جواز حذف الموصول وإبقاء صلته -

стр. 3495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١)، وقال الشاعر: ٣٤١١ - عدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق (٢) المعنى: وما تلك التي بيمينك يا موسى، وهذا الذي تحملين طليق. قال: وكذا قول النابغة: ٣٤١٢ - يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد (٣) المعنى يا دار مية التي بالعلياء، وقول امرئ القيس: ٣٤١٣ - ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبا ... على جدد الصّحراء من شدّ ملهب (٤) المعنى ترى الفأر الذي في مستنقع القاع لاحبا). قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه باطل بدليل أنه لا يحفظ من كلامهم وصف دار وتيس وأمثالها بالمعرفة. وأما قوله: إنه لا يقال: هجت للعين عبرة لدار لا يعرفها، ولعلك معذب ليلى لمن يجهله، فصحيح إلا أنه لا حجة له في ذلك على ما ادعاه من كون دارا وتيسا معرفتين؛ لأن الاسم لا يكون معرفة إلا إذا قدر المخاطب أن المخاطب قد ساواه في العلم به. وأما إذا قدر المخاطب أن المخاطب يجهله فإنه لا يكون إلّا نكرة وسواء في ذلك جهل المخاطب به، أو علمه. ألا ترى أنك إذا قلت: أذنب إلي رجل من أصحابي صفحت عنه كان رجل نكرة لأنك أبهمته على المخاطب فلم يعلم من عنيت به مع أنه معلوم عندك فكذلك دار وتيس ونخلة من الأبيات مجهولة عند غير المتكلم؛ لأنه لم يقبل بندائه على المنادى فيتعين لذلك، وإن كان جميع ذلك معلوما عند المنادى. وما ذهب إليه من حذف الموصول وإبقاء صلته باطل على ما عرف في باب الموصول، وما استدل به مخرج على خلاف ما ذكره.

стр. 3496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما: يا دار مية بالعلياء؛ فالعلياء في موضع الحال من دار مية عند من يجيز مجيء الحال من المنادى ومن لا يجيز جعله متعلقا بما بعده والتقدير: أقوت وطال عليها سالف الأبد بالعلياء فالسند. وأما قوله: ترى الفأر في مستنقع القاع فيخرج على أن في مستنقع القاع في موضع الحال من ضمير الفاعل المستتر في ترى فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، ولاحبا حال من الفأر، والمعنى ترى الفأر لاحبا على جدد الصحراء وأنت في مستنقع القاع. يريد أن الفأر إذا سمع حفيف هذا الفرس في جريه ظنه مطرا فخاف من سيله ومرّ على جدد الصحراء طلبا للنجاة منه فإذا بلغ راكب هذا الفرس مستنقع القاع الذي كان فيه الفأر أبصره متعلقا بجدد الصحراء. فأما قول الشاعر: ٣٤١٤ - أيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب تواضع (١) فليس من قبيل المنادى المنكور لأنه قصد بذلك شخصا بعينه ولم يرد أن يبهمه على المخاطب، بل بينه بقول جرير: وإنما هو منصوب بناصب مضمر على جهة الإغراء أي: عليكم شاعرا لا شاعر اليوم مثله (٢). انتهى كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى. ولم يظهر لي قوله: إن في مستنقع القاع في موضع الحال من ضمير الفاعل المستتر في ترى مع قوله: فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، لأن العامل في الضمير هو ترى، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها. وأما قوله: إن شاعرا من قول الشاعر: أيا شاعرا منصوب على الإغراء فغير ظاهر، لأن أيا حرف نداء لا حرف تنبيه وليس ثم منادى محذوف فوجب أن يكون شاعرا منادى، وأما نصبه فلا شك أن المنادى المعرفة المبني يجوز أن ينون للضرورة، وإذا نون فلك فيه وجهان. الضم تشبيها بمرفوع اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف، والنصب تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين. وسيأتي ذكر هذه المسألة في آخر الفصل. فعلى هذا يتوجه نصب شاعرا لا على ما قاله من الإغراء. -

стр. 3497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [٤/ ١٨٦] واعلم أن الذي ادعاه ابن الطراوة في المناديات المتقدمة وهي أنها معارف تنزع إلى ما يزعمه المازني من أن النكرة لا يتصور أن تكون غير مقبل عليها وإن وجد من ذلك شيء فتنوينه لأجل الضرورة كقوله: أدارا بحزوى وكأن العلة عنده أن المجهول لا ينادى (١). ورد ذلك على المازني بأنه يمكن أن يكون الشاعر نادى دارا مبهمة من ديار حزوى لأن هذا الموضع كان به دار محبوبته .. فمن أجل ذلك كل دار به تهيج عبرته إذا رآها، لأنها تذكره محبوبته فيكون كقول متمم بن نويرة (٢) في رثاء أخيه مالك: ٣٤١٥ - وقالوا بكى كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللّوى فالدكادك فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكا ... دعوني فهذا كلّه قبر مالك (٣) قالوا: وأما يا تيسا، ويا نخلة فإن قائله كنى عن بعل محبوبته بتيس مبهم وعن محبوبته بنخلة مبهمة. هذا وقد تقدم من جواب ابن عصفور عن مثل هذا أيضا بأن النظر فيه إنما هو إلى جهل المخاطب وعلمه، فالذي يقدر المتكلم أن المخاطب يجهله هو نكرة مع أن المتكلم يعلمه ولا يحكم بتعريف النكرة إلّا إذا قدر المتكلم أن المخاطب قد ساواه في العلم به. ومنها: أنك قد عرفت أن الأصمعي يمنع نعت المنادى المبني. وأن المصنف ذكر أن ما ذهب إليه مردود بالسماع والقياس، ثم مما يبطل مذهبه قول العرب: يا زيد ابن عمرو بفتح دال زيد ولو كان ابن عمرو منصوبا بفعل مقدر لكان جملة مستأنفة ولم يكن للفتح وحذف التنوين منه وجه، فلم يبق إلّا أن يكون ابن عمرو صفة لزيد لتكون فتحة دال زيد فتحة إتباع. قالوا: ويلزم على مذهبه أن تكون أي في النداء تامة يحسن السكوت عليها، لأن المرفوع عنده خبر مبتدأ محذوف كما أن المنصوب معمول لفعل محذوف، وما ينعت على القطع يلزم استقلاله. -

стр. 3498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما قول الأصمعي: إن المنادى أشبه الضمير، فالجواب عنه أنه اسم ظاهر ولا يلزم من وقوعه موقع الضمير مشابهته له من كل وجه. وقد قالت العرب: يا تميم كلهم فراعوا أصله ولو كان بمنزلة الضمير من كل وجه لم يجز كما لم يجز إنكم كلهم. واتفاقهم على الرفع في: يا أيها الرجل دليل على أنه للإتباع إذ لو كان للقطع لجاز نصبه. واستدل سيبويه على أنه ليس موضع قطع بوقوع أجمعين فيه نحو: يا تميم أجمعون ولا يكون إلّا تابعا (١). قيل: وهذا لا يلزم لأنه لا يقول: إنه محل للقطع مطلقا لأنه لا يمنع التأكيد؛ لأن المضمر يؤكد ويدل منه. ومنها: أن المصنف ذكر في شرح الكافية عن المبرد أنه يزعم أن الضم في: يا زيد ابن عمرو أجود من الفتح وأنه أنشد بالفتح قول القائل: ٣٤١٦ - يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود (٢) ثم قال: ولو قال: يا حكم بن المنذر كان أجود. انتهى (٣). وزعم ابن كيسان أن الفتح أكثر في كلام العرب وإن كان الضم هو القياس (٤). ومما ورد بالفتح قول الشاعر: ٣٤١٧ - يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت ... لك الجنان وروّحت [المها] العينا (٥) وإنما جاز إتباع الدال لحركة نون ابن مع الفصل بينهما؛ لأن الفاصل ساكن وهو حاجز غير حصين ومسوغ الإتباع أن ابنا لما كان صفة لما قبله جعلا كالشيء الواحد، واللفظان إذا كثر استعمالهما معا يجعلهما العرب كالشيء الواحد يدل على ذلك أنهم -

стр. 3499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقولون في مقلوب لعمري: رعملي، وذلك أن لام الابتداء لما كثر استعمالها مع عمرو جعلوها معه كالشيء الواحد، فلما قلبوا صيروا اللام كأنها من حروف عمرو. وليعلم أن الأول أعني المنادى إذا كان مضموما جاز في ابن مع كونه نعتا أن يكون بدلا وعطف بيان، وإذا فتح لم يكن ابن إلّا نعتا لما علمت أن الإتباع لا بد أن يكون الكلمتان كالشيء الواحد. ولا يتصور ذلك إلّا إن كانت الكلمة الثانية نعتا. ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في أمرين ذكرهما في الشرح. أحدهما: أنه قال ويجري مجرى: يا زيد بن عمرو في جواز فتح المنعوت يا فلان ابن فلان بن فلان، ويا ضل بن ضل ثم قال: ولزم في يا فاضل بن فاضل (١). قال: وهذا تناقض، ولعله من الناسخ. ثانيهما: قوله: وما أشبهه من المدح بعد قوله: يا فلان بن فلان، ويا ضل بن ضل، ويا فاضل بن فاضل (٢). قال: والذي ذكره أصحابنا أن المسألة مفروضة في ما إذا كان المنادى غير علم ووصف بابن مضاف إلى غير لكنه مما اتفق فيه لفظ المنادى ولفظ ما أضيف إليه ابن نحو: يا كريم ابن الكريم، ويا شريف بن الشريف ويا كلب بن الكلب، ويا وثن بن وثن، ويا وثن ابن الوثن ولم يخصوه بالمدح (٣). قال: وذكروا خلافا في ذلك. فالبصريون يضمون المنادى وينصبون ابنا، والكوفيون وابن كيسان يجرونه مجرى يا زيد بن عمرو في جواز البناء على الضم وجواز الفتح تبعا لفتحة ابن كما أجرت العرب ذلك في غير النداء في حذف التنوين من الموصوف. قال الكميت: ٣٤١٨ - تناولها كلب بن كلب فأصبحت ... ترائي بها الأطواد لهبا إلى لهب (٤) وقال آخر: ٣٤١٩ - فإنّ أباكم ضلّ بن ضلّ ... وأبا من أبائكم برّاء (٥) قال: وما ذهب إليه البصريون هو القياس لأن الأعلام أقبل للتغيير من غيرها، -

стр. 3500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو الأكثر في السماع، وإنما أجرى ابن مع المتفقين مجراه مع العلمين للتساوي في كثرة الاستعمال، وأيضا فمدح الأب أو ذمه بما مدح به الابن أو ذم مبالغة في المدح أو الذم. وكأنك قلت: يا عريقا في الكرم حيث قلت: يا كريم بن كريم، أو في الخبث [٤/ ١٨٧] حيث قلت: يا خبيث بن خبيث، فلو خالفت بين اللفظين لم يكونا بمنزلة الكلمة الواحدة (١). ومنها: أنك قد عرفت أن تنوين قيس من قول الشاعر: «جارية من قيس ابن ثعلبة» إنما هو للضرورة وعلى أن ذلك ضرورة أنشده سيبويه (٢) وأنشد أيضا على أنه ضرورة قول الآخر: ٣٤٢٠ - هي ابنتكم وأختكم زعمتم ... لثعلبة بن نوفل بن جسر (٣) لكن ابن جني خرّج البيتين على البدل (٤). ورد ذلك بأن العرب لم تجعل ابنا في ذلك وأمثاله إلا صفة بدليل أنهم لم ينونوا إلا في الشعر ولو كان ابن بدلا لجاء التنوين في فصيح الكلام. ثم اعلم أن التنوين قد يحذف من العلم المخبر عنه بابن كما يحذف من المنعوت به ذكر المصنف هذه المسألة في الكافية فقال: وقد يعامل الذي ابن خبره ... بمالمنعوت ونظم أكثره وشرح هذا بأن قال (٥): نبهت بهذا على أن المخبر عنه بابن قد يعامل معاملة المنعوت به فيسقط تنوينه وأكثر ما يقع ذلك في الشعر كقوله: ٣٤٢١ - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر (٦) ومما جاء في نثر قراءة عاصم والكسائي: وقالت اليهود عزير ابن الله (٧)، -

стр. 3501

[أحكام المنقوص والمضموم المنون اضطرارا في النداء] قال ابن مالك: (ويحذف تنوين المنقوص المعيّن بالنّداء. وتثبت ياؤه عند الخليل، لا عند يونس، فإن كان ذا أصل واحد ثبتت الياء بإجماع. ويترك مضموما أو ينصب ما نوّن اضطرارا من منادى مضموم). ــ فإنه مبتدأ وخبر، «وعزير» منصرف فحذف تنوينه لالتقاء الساكنين ولشبهه بتنوين العلم المنعوت بابن، وحذف التنوين هنا أحسن من حذف التنوين في قراءة عبد الوارث (١) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١ اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) من ثلاثة أوجه: أحدها: أن اتصال «عزير» بابن لأنهما جزءا جملة واحدة ألزم من اتصال «أحد» بالله لأنهما من جملتين. ثانيها: أن حذف تنوين «عزير» في الإخبار عنه بابن شبيه بحذفه في النعت به بخلاف حذف تنوين أحد. ثالثها: أن حذف تنوين «عزير» تخلص من ثقل لا يلزم مثله من ثبوت تنوين أحد، وذلك أن تنوين «عزير» إذا لم يحذف تحرك لالتقاء الساكنين فيلزم من تحريكه وقوع كسرة بين ضمتين أولاهما في حرف تكرار قبله ياء ساكنة، ولا يلزم ذلك، ولا قريب منه إذا لم يحذف تنوين «أحد» فكان حذف تنوين «عزير» أحسن، وأولى. وإنما حكمت بانصراف عزيز لأن عاصما والكسائي قرآ به فصح كونه منصرفا، إما لأنه عربي الأصل، وإما لأن أصله عازار أو عيزار ثم صغر تصغير الترخيم حين عرّب فصرف لصيرورته ثلاثيّا. ولا اعتداد بياء التصغير؛ لأن نوحا لو صغر لبقي مصروفا. ولأن سيبويه حكى في تصغير إبراهيم وإسماعيل بريها سميعا مصروفين (٣). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٤): إذا نودي نحو: قاض وقصد تعيينه حذف تنوينه وأثبتت ياؤه فقيل: يا قاضي ويجوز حذف الياء والتنوين معا فيقال: يا قاض -

стр. 3502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما قيل مع الألف واللام في غير النداء جاء القاضي وجاء القاض. والأول مذهب الخليل والثاني مذهب يونس. وقوّى سيبويه قول يونس (١) وإن كان المنقوص ذا أصل واحد كاسم فاعل أرى ثبتت الياء بإجماع، فيقال: يا مري، ولا يقال: يا مر وإذا اضطر شاعر إلى تنوين المنادى المضموم جاز بقاء الضم وهو الأكثر وجاز نصبه وهو الأقيس لأن البناء استحق لشبه المضمر، وقد ضعف بالتنوين؛ لأن المضمر لا ينون ولكنه عارض للضرورة فجاز أن لا يعتدّ به. وحكى ابن السراج أن بقاء الضم إذا اضطر إلى التنوين اختيار الخليل وسيبويه وأبو عمرو ويونس وعيسى بن عمر والجرمى يختارون النصب (٢) وما حكاه ابن السراج حكاه المبرد أيضا وزاد أن المازني مثل الخليل وسيبويه (٣). قلت: وعندي أن بقاء الضمة راجح في العلم والنصب راجح في النكرة المعينة لأن شبهها بالمضمر أضعف، ومن شواهد البقاء على الضم قول الأحوص: ٣٤٢٢ - سلّام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السّلام (٤) ومنها: ما أنشد الفراء من قول لبيد: ٣٤٢٣ - قدّموا إذ قيل (قيس) (٥) قدّموا ... وارفعوا المجد بأطراف الأسل (٦) أراد قدموا يا قيس قدموا. وأنشد غيره لعدي بن ربيعة يرثي أخاه مهلهلا (٧): -

стр. 3503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣٤٢٤ - ظبية من ظباء وجرة تعطو ... ونداها في ناضر الأوراق ضربت صدرها إليّ وقالت ... يا عديّا لقد وقتك الأواقي ما ترجّى في العيش بعد ندامى ... قد أراهم سقوا بكأس حلاق (١) ومن شواهد النصب والمنادى علم أيضا قول الشاعر: ٣٤٢٥ - فطر خالدا إن كنت تستطيع طيرة ... ولا نفعا لا وقلبك طائر (٢) ومن شواهده والمنادى نكرة معينة قول عبد يغوث (٣): ٣٤٢٦ - أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغا ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا (٤) ومنها قول الآخر: ٣٤٢٧ - أعبدا حلّ في شعبى غريبا ... ألؤما لا أبالك واغترابا (٥) ومثله: ٣٤٢٨ - يا سيّدا ما أنت من سيّد ... موطّأ الأكناف رحب الذّراع قوّال معروف وفعّاله ... نحّار أمّات الرّباع الرّتاع (٦) ومنها قول الآخر: ٣٤٢٩ - ألا يا قتيلا ما قتيل بني حلس ... إذا ابتلّ أطراف الرّماح من الدعس (٧) ومنها قول ذي الرمة: ٣٤٣٠ - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق (٨) -

стр. 3504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسيبويه يسمي هذا النوع نكرة باعتبار حاله قبل النداء (١). ومن شواهد الضم قول كثير: ٣٤٣١ - ليت التّحيّة كانت لي فأشكرها ... مكان يا جمل حيّيت يا رجل (٢) هكذا الرواية المشهورة يا جمل بالضم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٣). وقال في شرح الكافية مشيرا إلى توجيه الضم [٤/ ١٨٨] والنصب إن المنادى المضموم إذا اضطر إلى تنوينه فيه وجهان: الضم تشبيها بمرفوع اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف، والنصب تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين (٤). ثم إنك قد رأيت في ما تقدم أنه مثّل للنكرة المحضة بهذا البيت الذي هو: ٣٤٣٢ - أيا راكبا إمّا عرضت ... ........ وها هو قد مثّل به هنا للنكرة المعينة. وقال الشيخ: فأما أعبدا حلّ، وأدارا بحزوى فإنهما من المنادى الموصوف. وقد ذكر هو - يعني المصنف: أنه يجوز نصب ما وصف من معرّف بقصد وإقبال (٥). قال: فإنشاده إياهما على أنهما من المضموم الذي نصب ونون للضرورة مناقض لما قرره. قال: وأما يا سيّدا ويا راكبا ويا قتيلا، فإنها خلف لموصوف محذوف التقدير يا رجلا سيدا، ويا رجلا راكبا، ويا رجلا قتيلا، وما قاله الشيخ حق. والذي يسلم له من الخدش ويتم الاستشهاد به على النصب إذا نون ضرورة من الأبيات التي ذكرها إنما هو: فطر خالدا إن كنت، ويا عديّا لقد وقتك الأواقي. وأما قول المصنف: إن سيبويه يسمي هذا النوع نكرة باعتبار حاله قبل النداء فكأنه إنما احتاج إلى ذكر ذلك من أجل أنه قد ذكر أن المنادى المضموم أعني غير العلم معرفة وإذا كان معرفة فكيف يقال فيه أنه نكرة. فقال: إن تسميته نكرة إنما هو بالنظر إلى حالة النداء.

стр. 3505

[من أحكام أسلوب النداء (لا ينادى ما فيه أل)] قال ابن مالك: فصل: (لا يباشر حرف النّداء في السّعة ذا الألف واللّام غير المصدّر بهما جملة مسمّى بها، أو اسم جنس مشبّه به، خلافا للكوفيين في إجازة ذلك مطلقا، ويوصف بمصحوبهما الجنسيّ مرفوعا، أو بموصول (مصدّر) بهما أو باسم إشارة «أيّ» مضمومة متلوّة بهاء التنبيه. وتؤنّث لتأنيث صفتها. وليست موصولة بالمرفوع خبرا لمبتدأ محذوف خلافا للأخفش في أحد قوليه، ولا جائزا نصب صفتها خلافا للمازني، ولا يستغنى عن الصّفة المذكورة ولا يتبعها غيرها. واسم الإشارة في وصفه بما لا يستغنى عنه كـ «أيّ» وكغيرها في غيره، وقيل: يا الله ويا ألله، والأكثر اللهمّ، وشذّ في الاضطرار يا اللهمّ). ــ واعلم أن الشيخ ذكر مسألة واضحة وهي أنك إذا نعت المنصوب من هذا النوع لم يجز في النعت إلّا النصب؛ لأن المنادى إذ ذاك معرب منصوب. فيقال يا زيد العاقل (١). قال: وثمرة الخلاف تظهر في المقصور نحو: يا فتى، فمن اعتقد أنه مضموم جوّز في نعته الرفع والنصب، ومن اعتقد أنه منصوب لم يجوّز في نعته إلّا النصب (٢). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٣): قال سيبويه: إذا قيل يا الرجل، فمعناه كمعنى يا أيها الرجل، فصار معرفة؛ لأنك أشرت إليه وقصدت قصده واكتفيت بهذا عن الألف واللام وصار كالأسماء التي هي للإشارة (٤). ثم قال: وصار (هذا) (٥) بدلا (في) (٦) النداء من الألف واللام، واستغني به عنهما كما استغني بقولك: اضرب عن لتضرب (٧) فحاصل كلامه أن رجلا من قولك: يا رجل معرفة بالقصد والإشارة، فاستغني عن الألف واللام كما استغني باسم الإشارة وكما استغني باضرب عن لام الأمر. وأجاز سيبويه أن يقال: يا الرجل قائم في المسمى بالرجل -
следующие страницы →