. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بها مذكر كـ «حائض» و «ضناك» وإن كانت صفة على لغة واسما على لغة كـ «جنوب» اعتبر تأنيثه إن سمي به مذكر على لغة من جعله اسما، ولم يعتبر على لغة من جعله صفة، وإذا كان الحكم في هذه بالنسبة إلى الصرف وعدمه حكم «حائض» فلا حاجة إلى أن يشار إليه ثانيا؛ لأن حكمها قد علم مما علم مما علم منه حكم «حائض» المسمى به وهو قوله: وبعدم سبق تذكير، لكنه قد قال: وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لا يلزم فقال الشيخ في شرحه (١): يعني أنه يمنع الاسم الصرف في المذكر بشرط زيادة على ثلاثة وعدم سبق تذكير وعدم ما ذكر في هذا، فإن كان ثلاثيّا انصرف وإن سبقه تذكير انصرف، وإن احتاج مؤنثه إلى تأويل فإما أن يكون غير لازم أو لازما، إن كان غير لازم انصرف، وذلك اسم الجنس بغير علامة لمؤنث نحو: جنوب ودبور وشمال وسموم وحرور، وذلك أنها مؤنثة تحتاج إلى تأويل ولكنه لا يلزم، قال: والتأويل فيها أنها أوصاف جرت على الريح، والريح مؤنثة، ولكن تأويلها هذا ليس بلازم، ألا ترى أن بعض العرب يجعلها أسماء لمؤنثات ولا يلحظ فيها معنى الصفة كـ «الصّعود» و «الهبوط» فعلى هذا إذا سميت بها مذكرا منعتها الصرف، فمتى كان هذا المؤنث يحتاج إلى تأويل لازم كحال هذه إذا جعلت أسماء فإنه يلزم أن تؤوّل بمؤنث وتمنع الصرف إذا سمي بها مذكر وتصير كـ «زينب»، وإن لم يلزم أن تؤوّل بمؤنث كمشهور استعمالها، فإنها إذا سمي بها مذكر انصرفت قال (٢): وملخص هذا: أن ما كان اسما على لغة وصفة على لغة فهو ذو وجهين:
الصرف وتركه، وذلك كـ «جنوب» ونحوه إذا سميت به مذكرا. انتهى.
وملخص ما قال: أن هذه الكلمات وهي «جنوب» وما ذكر معها إن استعملت صفات ففيها تأويل، والتأويل فيها أنها أوصاف جرت على الريح، والريح مؤنثة، وأن تأويلها ليس بلازم معللا عدم اللزوم بأن بعض العرب يستعملها أسماء لمؤنثات، وإن استعملت أسماء فإنها تؤول بمؤنث ويكون التأويل فيها لازما، وأقول: إن في ذلك نظرا؛ لأننا إن سلمنا أن فيها تأويلا حال استعمالها صفات، فتأويلها لازم ما دامت صفات، ولا ينفى عنها لزوم التأويل باستعمال بعض العرب لها أسماء؛ لأن حال استعمالها أسماء غير حال استعمالها صفات فلا تعلق لإحدى الحالين بالأخرى. -
стр. 3957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما قوله: إنها إذا استعملت أسماء كان تأويلها بمؤنث لازما فغير ظاهر أيضا؛ إذ لا تأويل في هذه الحالة؛ لأن الاسم تابع المسمى، إن كان المسمى مذكرا فالاسم مذكر، وإن كان المسمى مؤنثا فالاسم مؤنث.
وبعد، فهذا الموضع قد أشكل عليّ فيه كلام الشيخ وكذا عبارة المصنف وهي قوله: وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لازم لأن هذا اللفظ يعطي بظاهره أن نحو:
جنوب، ودبور، وما ذكر معهما له مؤنث وليس كذلك، إنما المؤنث هي أنفسها إن كانت أسماء، وإن كانت صفات حكم بتأنيثها لجريانها على مؤنث إلّا أن لفظها مذكر، فروعي تذكير اللفظ عند التسمية بها فصرفت، بخلاف ما إذا نقلت وهي أسماء وسمي بها، فإنها لا تصرف حينئذ كما تقدم تقرير ذلك.
والحق أن المصنف قد كان في غنية عن ذكر ذلك، لأنه إن كان المراد به أن نحو «جنوب» إذا سمي به منقولا من الصفة انصرف، فهذا قد عرف من قوله وبعدم سبق تذكير كما قدّمنا، وإن كان المراد به غير ذلك فسبحان العالم بما تضمر النفوس.
وقوله: وبعدم غلبة استعماله قبل العلميّة في المذكّر يريد به أن منع الصرف في ما سمي به مذكر من المؤنث مشروط أيضا بغلبة استعمال ذلك الاسم قبل العلمية في المذكر، فمعناه أنه إن غلب استعماله قبل العلمية في المذكر انصرف، قال الشيخ (١):
«ومثال ذلك ذراع، فإنه مؤنث، وسمي به المذكر حتى صار كأنه من أسماء المذكر وبقي بعد مصروفا لكثرة استعمال [٥/ ٦٨] العرب له في أسماء الرجال (٢)، قال:
وقول المصنف: إنه غلب استعماله قبل العلمية في المذكر، يعني أنه قبل أن يصير علما غلب استعماله في المذكر أي تابعا للمذكر، فإن العرب تصف به المذكر فتقول: هذا ثوب ذراع أي: قصير (٣)، فعومل لذلك معاملة ما سمي به من الأسماء المذكرة الزائدة على ثلاثة أحرف، قال: ولا يزيد المصنف أنه غلب استعماله قبل العلمية في المذكر جنسا واقعا على مدلوله في المؤنث غير موصوف به؛ لأن ذلك ليس في كلام العرب وهو أنه يغلب استعماله مذكرا على غير الوجه الذي -
стр. 3958
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قدمناه من الوصف به، قال: ويحتمل أن يزيد المصنف أنه إذا غلب استعماله في المؤنث قبل العلمية في المذكر، أي قبل أن يصير علما في المذكر فإنه إذ ذاك يصرف ويكون إذ ذاك ذراع سمع فيه التذكير والتأنيث، ولكن غلب فيه التأنيث» انتهى.
وهذا الذي ذكره احتمالا لعله هو مراد المصنف لأنه قال في شرح الكافية (١): «وإذا استعمل الاسم بتذكير وتأنيث وزاد على ثلاثة أحرف جاز فيه إذا سمي به رجل الصرف وتركه كذراع وكراع (٢)، وترك الصرف أجود في هذين؛ لأن تأنيثهما أكثر. انتهى.
وبعد فلم يتوجه لي كلامه في التسهيل إذا جعلنا المراد به ما ذكره في شرح الكافية؛ لأن كلامه هنا إنما هو فيما يتعين امتناع صرفه من المؤنث إذا سمي به مذكر، لأن قوله: وبعدم غلبة استعماله قبل العلمية في المذكّر معطوف على ما تقدم من المجرور بالياء المتعلقة بقوله: فمنعنه مشروط فالمعنى أنه إن غلب استعماله قبل العلمية في المذكر انصرف وإن لم يغلب الاستعمال المذكور لم ينصرف، فليس الكلام في ما فيه الصرف وتركه، بل فيما يتعين فيه منع الصرف كما ذكرنا، فكيف يمثل لما يتعين منع صرفه بما ذكر هو أن فيه الوجهين أعني الصرف وتركه؟
ثم قال الشيخ (٣): وقد شبهوا كراعا بذراع حين سموا به مذكرا، وإن كان مؤنثا في الأصل فصرفوه وليس بقياس، والقياس ترك صرفه وهو أجود في كلامهم من الصرف، قال سيبويه (٤)، قال (٥): وإلى مسألة كراع أشار المصنف بقوله: وربما ألغي التّأنيث في ما قلّ استعماله في المذكّر، وهو صرف «كراع» إذا سمي به، فإنه يقل استعماله في المذكر، بل هو من الأسماء الغالبة في المؤنث، فكان القياس ألا يصرف هو ولا ذراع، لكن عارض هذا كثرة التسمية بهما في المذكر حتى صار كأنهما من أسمائه، وزاد «ذراع» على «كراع» أنه وصف به المذكر؛ فلذلك تحتم صرفه ولم يتحتم صرف كراع «انتهى».
وقد عرفت أن كلام المصنف في شرح الكافية يأبى ذلك؛ لأنه سوى بين «ذراع» -
стр. 3959
[مسألتان في العلم المختوم بالزيادتين والمجهول الأصل]
قال ابن مالك: (ولا اعتداد في منع الصّرف بكون العلم مجهول الأصل، أو مختوما بنون أصليّة تلي ألفا زائدة خلافا للفرّاء في المسألتين، ولا اكتراث بإبدال ما لولاه لوجب (١) منع الصّرف).
- و «كراع» فكيف يحمل كلامه هنا على ما يأباه ثمّ؟.
وقد ذكر الشيخ عن صاحب الإفصاح (٢) ما يقارب كلام المصنف في شرح الكافية قال (٣): «ذراع» مسمّى به مصروف سماعا من العرب والقياس ترك الصرف، وقال الخليل وسيبويه (٤): ومن العرب من يصرف كراعا شبهه بذراع وهو أخبث الوجهين، يعني أن كليهما خارج عن القياس، لكن ذراع كثر تسمية المذكر به ووصف به، وكراع ليس كذلك، قال (٥): وحكى الأصمعي تذكير الذّراع والكراع، فعلى هذا يكون المسموع على القياس، ولم يحفظ الخليل وسيبويه فيهما تذكيرا، ولم يحك أحد في التسمية بذراع عدم الصرف، فكأنهم اتفقوا عند التسمية على التذكير». هذا كلام صاحب الإفصاح.
وقد تبين أن هذا الموضوع وهو من قوله: «وبعدم احتياج مؤنثه إلى تأويل» إلى قوله: «في ما قلّ استعماله في المذكر» لم يتحصل من شرحه ما يشفي الغليل، مع ما في عبارة الكتاب من القلق، وما في بعضها من الإباء لما فسر به كلامه، ولا شك أن المسألة معروفة، وكلامه في شرح الكافية واف بالمقصود يمكن الاستغناء به عن هذا الذي ذكره في التسهيل.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان:
الأولى:
أنه لا يعتد في منع الصرف بكون العلم مجهول الأصل، ولا يكون الاسم العلم -
стр. 3960
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مختوما بنون أصلية تلي ألفا زائدة، فمثال الأول: أبو صعرور (١)، قال الشيخ (٢):
«ذهب بعض النحويين إلى أن العرب إذا سمت بالاسم المجهول أو بالاسم الذي ليس من عادتهم التسمية به فإنه يجريه مجرى الأعجمي لشبهه به من جهة أنه غير معهود في أسمائهم كما أن الأعجمية كذلك»، وفهمت من كلام الشيخ أنه يرى ذلك لأنه قال (٣): «وهذا موافق لما تقرر في هذا الباب من جعل شبه العلة علّة».
ومثال الثاني: سنان (٤) وبيان (٥)، شبه المانع للصرف النون الأصلية بالنون الزائدة، ولا يخفى ضعف هذا المذهب (٦).
وقد خالف الفراء (٧) في هذين الأمرين فمنع الصرف في المجهول وفي ما آخره نون أصلية بعد ألف زائدة، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: خلافا للفرّاء في المسألتين.
الثانية:
أن نحو «هراق» بإبدال الهمزة هاء ممتنع الصرف وكذا «أصيلال» بإبدال اللام من النون ممتنع الصرف أيضا إذا سمي بكل منهما، لأن «هراق» فيه وزن الفعل والعلمية، و «أصيلال» فيه زيادة الألف واللام التي هي بدل من النون الزائدة التي لو وجدت لكانت مانعة فأجري ما قام مقامها مجراها (٨).
ومعنى قوله «بإبدال ما لولاه لوجب منع الصّرف» ما لولا كونه [٥/ ٦٩] بدلا لوجب المنع وذلك في «أراق» بالهمزة و «أصيلان» بالنون. -
стр. 3961
[حكم أسماء القبائل والأماكن]
قال ابن مالك: (فصل: صرف أسماء القبائل والأرضين والكلم ومنعه مبنيّان على المعنى، فإن كان أبا أو حيّا أو مكانا أو لفظا صرف، وإن كان أمّا أو قبيلة أو بقعة أو كلمة أو سورة لم يصرف، وقد يتعيّن اعتبار القبيلة أو البقعة أو الحيّ أو المكان).
ــ
قال الشيخ (١): «وثبت في نسخة عليها خط المصنف بدل قوله: «لوجب منع الصّرف»: «لوجب الصّرف»، وذلك إشارة إلى مسألة عكس هذه المسألة وهي أنك لو سميت بـ «حنّان»، وهو الحنّاء أبدلت همزته نونا، لصرفته، لأن النون بدل من حرف أصلي، كما أن اللام في «أصيلال» بدل من حرف زائد، فلم يكن في «حنّان» إلّا سبب واحد وهو العلمية، ولم يحفل بالنون؛ لأنها بدل من أصل كما لم يحفل باللام لأنها بدل من زائد».
قال ناظر الجيش: من المعلوم أن هذا الكلام فيه لف ونشر (٢)، لأن قوله: فإن كان أبا أو حيّا يرجع إلى «القبائل» وقوله: أو مكانا يرجع إلى «الأرضين»، وقوله: أو لفظا يرجع إلى الكلم، وكذا قوله: وإن كان أمّا أو قبيلة يرجع إلى الأول، وقوله: أو بقعة يرجع إلى الثاني، وقوله: أو كلمة أو سورة يرجع إلى الثالث، فمتى أريد بالأول: الأب أو الحي صرف، لفقد التأنيث، فمثال ما أريد به الأب: «معدّ» و «تميم» و «جذام» و «لخم»، ومثال ما أريد به الحي:
«قريش» و «ثقيف» (٣)، ومتى ما أريد به الأم أو القبيلة منع، لانضمام التأنيث إلى العلمية، فمثال ما أريد به الأم: «باهلة» (٤)، ومثال ما أريد به القبيلة: «مجوس» و «يهود» (٥) و «آدم» ومتى أريد بالثاني المكان صرف، ومثال ذلك: «بدر» -
стр. 3962
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «ثبير»، ومتى أريد به البقعة منع، ومثال ذلك: «فارس» «وعمان»، ومتى أريد بالثالث اللفظ صرف، ومثال ذلك: «كتب زيدا فأجاده» - بضمير التذكير - تريد اللفظ، ومتى أريد به الكلمة منع، ومثال ذلك: «كتب زيدا فأجادها» يريد الكلمة، وكذا «كتبت هود» إن أردت السورة منعت الصرف، وإن أردت أنك كتبت هذا الاسم فقط صرفت؛ لأن مدلوله اللفظ وهو مذكر، فالأب والحي يقابلهما الأم والقبيلة، والمكان يقابله البقعة، واللفظ يقابله الكلمة والسورة، قال الشيخ (١): وأما سدوس وسلول فهما منقولان من أب ومن أم، وقد ذهب سيبويه إلى أن سدوس اسم مذكر، اسم أب، وقال (٢): تقول: بنو سدوس منصرف، وغلّطه (٣) المبرد في ذلك وقال (٤): إنما سدوس اسم امرأة، فإذا قلت:
من بني سدوس لم تصرف، وكذلك سلول وقال الشاعر:
٣٧٢٠ - إذا ما كنت مفتخرا ففاخر ... ببيت مثل بيت بني سدوسا (٥)
وتابع الزجاج (٦) المبرد في ذلك، والصحيح [٥/ ٦٨] ما ذكرناه من أنهما أسماء أب وأم. انتهى.
وبعد فجميع ما ذكر هنا وما لم يذكر مما يشبهه من كونه لمذكر أو مؤنث موقوف على النقل عن أئمة اللغة لا مجال للنظر فيه، وقد أعلى المصنف قانونا كليّا يتميز به ما يصرف مما لا يصرف، وهذا هو الذي يتعلق بالصناعة النحوية، ثم ههنا أمور نشير إليها:
الأول: أن الشيخ استدرك على المصنف فقال (٧): «ظاهر قوله: أنه إذا كان المعنى أبا أو حيّا صرف، وليس كذلك، ألا ترى أن «تغلب» سواء أقصدت به -
стр. 3963
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القبيلة أم الحي فإنه لا ينصرف لأن فيه وزن الفعل، قال: وقد غلط الزجاج (١) فذكر أن «تغلب» إذا أردت به القبيلة منعته الصرف، وإذا أردت به الحي صرفته. انتهى.
وهذا الاستدراك يتعجب منه؛ لأن كون نحو «تغلب» ممنوع الصرف قد علم من قبل على ما تقرر في الفصل المفروغ منه، وإذا كان كذلك علم أن الكلام الآن في ما عدا ذلك، ثم إن مبنى هذا الفصل إنما هو على أن بعض الأسماء التي هي أعلام قد يكون معناها صالحا لأن يكون مذكرا وأن يكون مؤنثا، فيترتب على اعتبار كل من الأمرين الصرف وتركه، أما كون العلمية يكون معها مانع آخر غير التأنيث فذلك أمر قد عرف، وكأن الذي أوجب للشيخ هذا الاستدراك هو قول ابن عصفور (٢) في تقسيمه: «فإن قصدت به قصد الحي صرفته إلّا أن يكون فيه ما يوجب منع الصرف» فأشار إلى مثل ذلك.
والحق أن ابن عصفور مستغن عن ذلك لما ذكرنا.
الأمر الثاني: أن ابن عصفور ذكر في شرح الجمل (٣) في باب «أسماء القبائل والبلدان والأحياء والسور» أن أسماء القبائل والأحياء تنقسم خمسة أقسام، وملخص ما ذكره:
أن أسماء المذكورات تنقسم أربعة أقسام:
قسم لا يستعمل إلا للقبيلة وذلك: يهود ومجوس وآدم، قال الشاعر:
٣٧٢١ - أولئك أولى من يهود بمدحة ... إذا أنت يوما قلتها لم تؤنّب (٤)
-
стр. 3964
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الآخر:
٣٧٢٢ - كنار مجوس تستعر استعارا (١)
وقال آخر:
٣٧٢٣ - سادوا البلاد وأصبحوا في آدم ... بلغوا بها بيض الوجوه فحولا (٢)
فأعاد الضمير عليه مؤنثا وصرفه للضرورة، فإن لم يجعل «يهود» و «مجوس» علمين كانا جمع. يهودي ومجوسي كما تقول: روميّ وروم، وزنجيّ وزنج، ويدل على خروجهما عن العلمية إذا أريد بهما ذلك دخول اللام عليهما فتقول: اليهود والمجوس.
وثلاثة الأقسام الباقية تستعمل لما معناه مذكر ولما معناه مؤنث، فقسم تغلب فيه استعماله للمذكر وهو الحي وذلك: «قريش» و «ثقيف» و «معد» و «عاد» واستعماله للقبيلة قليل، قال الشاعر:
٣٧٢٤ - علم القبائل من معدّ وغيرها ... أنّ الجواد محمّد بن عطارد (٣)
فمنع صرفه لقصد القبيلة، وقال آخر:
стр. 3965
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٧٢٥ - غلب المساميح الوليد سماحة ... وكفى قريش المعضلات وسادها (١)
وقال آخر:
٣٧٢٦ - لو شهد عاد في زمان عاد ... لابتزّها مبارك الجلاد (٢)
قال: [٥/ ٧٠] والعرب تقول: هذه ثقيف بنت قيس فتمنعه الصرف؛ لأنها قصدت به القبيلة، وكما غلب قصد الحي على قصد القبيلة في هذه الكلمات هكذا غلب قصد الأب على قصد القبيلة في كلمة وهي «تميم» سمع من كلامهم: هذه تميم بنت مرّة (٣)، وقد جعل ابن عصفور هذا قسما برأسه، ولهذا كانت الأقسام عنده خمسة، والواجب أن ما قصد به الحي أو الأب قسم واحد، لأن كلّا منهما إنما قصد به المذكر فحكمهما واحد.
وقسم يتساوى فيه الأمران ومثاله: «ثمود» و «سبأ» قال الله تعالى: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٤)، وقال تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ (٥)، وجاء صرف «سبأ» وعدم صرفه في الكتاب العزيز (٦). -
стр. 3966
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقسم الغالب فيه استعماله اسما للقبيلة وهو ما بقي. انتهى.
ويعني بما بقي غير الذي ذكره في الأقسام الثلاثة المتقدمة الذكر، وكان ابن عصفور قد افتتح كلامه في التقسيم الذي أشرنا إليه بأن قال (١): أسماء القبائل إما أن تكون منقولة من اسم أب أو أم أو غير منقولة، فالمنقولة من اسم أم: سدوس وسلول في أحد القولين، وباهلة، قال الشاعر:
٣٧٢٧ - إذا ما كنت مفتخرا ففاخر ... ببيت مثل بيت بني سدوسا (٢)
والمنقول من اسم أب: معد وتميم وجذام ولخم، وغير المنقول منها مثل: قريش، وثقيف، ويهود، ومجوس.
فإن كان منقولا من اسم أب أو أم، فإن أضيف إليه «ابن» بقى على ما كان عليه من صرف أو منع صرف؛ لأنه ليس باسم للقبيلة، وإن لم يضف إليه «ابن» فإن كان على نية إضافته إليه، فحكمه حكم المضاف إليه «ابن» لفظا، وإن لم تنو إضافة «ابن» إليه فإن قصد به الحي أو الأب صرفته، وإن قصد به القبيلة منعته الصرف. انتهى.
ولا أعرف ما فائدة التفصيل الذي ذكره من إضافة «ابن» أو نية إضافته، والذي يظهر أن مراده أن «ابنا» إذا كان مضافا أو نويت إضافته خرج المضاف إليه عن أن يكون المراد به الحي أو القبيلة، فيكون له حكم نفسه بالنسبة إلى الصرف وعدمه، وإذا لم يضف إليه «ابن» لا لفظا ولا نية تعين حينئذ أن يراد به إما الحي أو القبيلة.
ولا شك أن هذا واضح غني عن التنبيه عليه، إلا أن الشيخ لما ذكر هذه المسألة في شرحه قال (٣): «والحكم هنا في الأخبار والضمائر وغير ذلك يكون للمحذوف لا للملفوظ به بخلاف المضاف في غير هذا الباب، فإن الحكم للملفوظ به لا للمحذوف، تقول:
تميم بن مرّ ناصرون لي؛ لأنك تريد أبناء تميم بن مر، قال امرؤ القيس:
٣٧٢٨ - تميم بن مرّ وأشياعها ... وكندة حولي جميع صبر (٤)
-
стр. 3967
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: وأشياعها؛ لأنه يريد أبناء تميم بن مر، فلذلك أعاد الضمير مؤنثا ولا تقول: تميم بن مر وأشياعه، فتجري الحكم على تميم كما أجريته في قوله تعالى:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها (١) فإنه روعي هنا الملفوظ به القائم مقام المحذوف ولذلك أعيد الضمير مؤنثا في فيها. انتهى.
وقوله: إن الحكم في غير هذا الباب يكون للملفوظ لا للمحذوف ليس كذلك فقد قال الله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ (٢) ولا شك أن الضمير في «يغشاه» عائد على المضاف المحذوف، إذ التقدير: أو كذى ظلمات، وقد تقدم في باب الإضافة أن الأمرين جائزان، أعني مراعاة المضاف المحذوف، ومراعاة المضاف إليه، فكيف يقول: إن الحكم يكون للملفوظ به لا للمحذوف؟
ثم إن الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ليس فيها دليل على ما ذكره؛ لأن المقصود من قوله تعالى: الَّتِي كُنَّا فِيها وصف المضاف إليه الذي هو «القرية» بذلك لا وصف المضاف المحذوف الذي هو «الأهل»، يدل على ذلك أنه لو قيل في غير القرآن العزيز، واسأل أهل القرية التي كنا فيها، لكان صحيحا، ولو كان «التي كنا فيها» مقصودا به وصف «أهل» لما صح ذلك، وقد تقدم الكلام في ذلك في باب الإضافة (٣).
فالحق أن الحكم يكون للمضاف المحذوف مطلقا، وقد يراعى الملفوظ به الذي هو المضاف إليه فيجعل الحكم في الإخبار عنه وعود الضمير وغير ذلك إذا دلّ على المراد دليل.
الأمر الثالث: قسم ابن عصفور (٤) أسماء الأمكنة غير الواجب منع صرفها لعلمية وتأنيث بعلامة فيه كـ «مكة» و «حزوى» إلى خمسة أقسام كما قسم أسماء القبائل:
قسم لا يستعمل إلّا مذكرا وذلك «بدر» و «ثبير» و «فلج» و «نجد»، قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ (٥)، وقالت العرب: «أشرق ثبير كيما -
стр. 3968
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نغير» (١)، ولم يقولوا: أشرقي ثبير، وقال الشاعر:
٣٧٢٩ - وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (٢)
وقال الآخر:
٣٧٣٠ - فإن تدعي نجدا أدعه ومن به ... وإن تسكني نجدا فيا حبّذا نجد (٣)
فصرف «بدر» و «فلج» و «نجد» دليل التذكير، وكذا أمر «ثبير» بما يؤمر به المذكر دليل تذكيره أيضا.
وقسم الغالب عليه التأنيث وهما: «فارس» و «عمان» وعليه قول القائل:
٣٧٣١ - لقد علمت أبناء فارس أنّني ... على عربيّات النّساء غيور (٤)
وقسم الغالب عليه التذكير وهو: منى وهجر ودابق وواسط وحنين، وقد تستعمل مؤنثات وقسم يستوي فيه
الأمران وهو: حراء، وقباء، وبغداد، قال الشاعر:
٣٧٣٢ - ستعلم أيّنا خير مكانا ... وأعظمنا ببعض حراء نارا (٥)
-
стр. 3969
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فمنع «حراء» الصرف، وقال آخر (١):
٣٧٣٣ - وربّ وجه حراء منحن (٢)
فصرفه. وقسم لا يستعمل إلّا مؤنثا وهو ما بقى ومنه: دمشق وجلّق.
الأمر الرابع: قسم ابن عصفور (٣) أيضا أسماء السور ثلاثة أقسام: قسم هو جملة، وقسم فعل، وقسم اسم.
فالجملة تحكي نحو قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ (٤)، وأَتى أَمْرُ اللَّهِ (٥) وأشباه ذلك.
والفعل يعرب غير مصروف، وإن كان فيه ألف وصل قطعت؛ لأنه قد صار من جملة الأسماء، وألف الوصل لا تكون في الأسماء إلّا في أسماء معلومة وذلك نحو:
اقْتَرَبَتِ (٦)، وكذا [٥/ ٧١] تقلب تاؤه هاء في الوقف، وتكتب بالهاء أيضا.
والاسم قسمان:
قسم هو حرف من حروف الهجاء، تجوّز ابن عصفور في تسمية ذلك حرفا من حروف الهجاء وإنما هو اسم حرف من حروف الهجاء.
وقسم غير ذلك؛ فالذي هو غير ذلك يمنع الصرف للتعريف والتأنيث نحو:
«هود» و «نوح»، تقول: هذه هود ونوح، وقرأت هود ونوح، وتبركت بهود ونوح، وإن أضفت إليه سورة في اللفظ أو التقدير بقي على ما كان عليه قبل، فإن كان فيه ما يوجب منع الصرف منع، نحو: قرأت سورة يونس (٧)، وإلّا صرف نحو: قرأت سورة نوح، وسورة هود؛ والذي هو حرف من حروف الهجاء إما أن يكون واحدا أو أكثر، إن كان واحدا؛ فإن أضفت إليه سورة كان موقوفا لا إعراب -
стр. 3970
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه فتقول: هذه سورة ص، وإن لم تضف إليه سورة لا في اللفظ ولا في التقدير جاز فيه ثلاثة أوجه: الوقف على الحكاية، وأن تعربه منصرفا إن قدرته منقولا من مذكر، وغير منصرف إن قدرته منقولا من مؤنث؛ لأن أسماء الحروف يجوز فيها التذكير على معنى الحرف والتأنيث على معنى الكلمة.
وإن كان أكثر من واحد فإن كان على وزن من أوزان الأسماء الأعجمية وأضفت إليه سورة لفظا أو تقديرا فالوقف، وإن لم تضفها إليه لا لفظا ولا تقديرا ففيه وجهان: إعرابه غير منصرف والوقف على الحكاية، وذلك نحو: طس، حم هما على وزن: هابيل وقابيل (١).
وإن لم يكن على وزن من أوزان الأعجمية فإن أمكن جعله اسما مركبا وذلك:
طسم فإن أضفت إليه سورة لفظا أو تقديرا فالوقف، وإن لم تضفها إليه لا لفظا ولا تقديرا فالوقف والبناء نحو «خمسة عشر»، وإعرابه ما لا ينصرف نحو «بعلبك»، وإن لم يمكن جعله اسما واحدا فالوقف ليس إلّا، أضفت إليه سورة أو لم تضف، نحو: «كهيعص»، و «حم عسق» انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وعرف منه أن اسم السورة إذا أضيف إليه سورة لفظا أو تقديرا يكون موقوفا أي محكيّا في ثلاثة مواضع.
الأول: أن يكون اسم الحرف واحدا نحو: سورة ص، وسورة ق، وسورة ن.
الثاني: أن يكون الاسم على وزن من أوزان الأعجمية نحو: سورة طس، سورة حم.
الثالث: أن لا يكون على وزن من الأوزان الأعجمية لكن يمكن تركيبه، أي يمكن أن يركب الأول مع الثاني نحو: سورة طسم، وأجاز الأستاذ أبو علي (٢) في هذه المواضع الثلاثة مع الحكاية الإعراب أيضا، ففي نحو: ص وهو الموضع الأول يجيز الصرف وعدمه، لأن أسماء الحروف تذكر وتؤنث، فمن ذكر صرف، ومن أنث كان عنده كـ «هند» فيجوز فيه الصرف وعدمه، وفي نحو: طس وحم وهو الموضع الثاني يعربه إعراب ما لا ينصرف؛ لأنها وازنت هابيل وقابيل، وفي نحو: طسم وهو الموضع الثالث يجعل الاسمين اسما واحدا، ويجري فيه الوجهين في «حضر موت». -
стр. 3971
[تعريفات ومسائل في أسماء القبائل]
قال ابن مالك: (وقد تسمّى القبيلة باسم الأب والحيّ باسم الأمّ فيوصفان بابن وبنت وقد يؤنّث اسم الأب على حذف مضاف مؤنّث، فلا يمنع من الصّرف، وكذا قرأت هودا ونحوه إن نويت إضافة السّورة).
ــ
فيجوز التركيب بأن يجعل الإعراب في الميم ويفتح النون من «طس»، وتجوز الإضافة أيضا بأن يجعل الإعراب في النون ويجر الثاني بالإضافة إليه بالكسرة، إلّا إن كان فيه ما يمنع الصرف فيجر بالفتحة على ما هو المعروف في هذه المسألة.
والظاهر ما قاله ابن عصفور، أعني أن الوقف أي الحكاية واجب ولا يجوز الإعراب؛ لأن السورة إذا كانت مضافة لفظا أو تقديرا، فإنما تضاف إلى مسماها، ومسماها إنما هو لفظ القرآن العزيز لا غيره، ولفظ القرآن العزيز لا يتغير فيتعين أن يقال سورة ص، سورة طس، سورة طسم بحكاية لفظ القرآن العزيز، نعم هذا الذي قاله أبو علي من جواز الإعراب يتوجه إذا لم تذكر السورة ولم تقدر، بل ذكر الاسم خاصة، فإن الذاكر يمكن أن لا يقصد لفظ القرآن العزيز وأنه قصد ذكر اسم هذه السورة وحينئذ يجوز الإعراب (١).
قال ناظر الجيش: تضمن هذا الكلام الإشارة إلى ثلاث مسائل:
الأولى:
أن القبيلة قد تسمى باسم الأب فتوصف بابن من حيث إنه اسم أب، وببنت من حيث أطلق على القبيلة، وكذا الحي قد يسمى باسم الأم فيوصف ببنت من حيث إنه اسم أم، وبابن من حيث إنه أطلق على الحي، مثال الأول: تميم بن مرّ، وتميم بنت مرّ لأن (٢) «تميما» اسم الأب وسميت به القبيلة (٣)، ومثال الثاني: باهلة بنت -
стр. 3972
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعصر، وباهلة ابن أعصر (١) لأن «باهلة» اسم أم وسمي به الحي (٢).
المسألة الثانية:
قال الشيخ (٣): مثال ذلك: قول الشاعر:
٣٧٣٤ - سادوا البلاد وأصبحوا في آدم ... بلغوا بها بيض الوجوه فحولا (٤)
قال: فآدم اسم أب وهو على حذف مضاف مؤنث كأنه قال: سادوا البلاد وأصبحوا في قبائل آدم أو في أولاد آدم ونحو ذلك مما يصلح أن يقدر بمؤنث، ثم أنث آدم بعود الضمير إليه مؤنثا وهو قوله: بلغوا بها، ومع كونه أعاد الضمير مؤنثا لم يمنعه من الصرف؛ لأنه راعى المضاف المحذوف، قال: وقوله: فلا يمنع من الصّرف إشعار بانه لا يتحتم فيه الصرف لأنه يجوز أن يقول: وأصبحوا في آدم فلا يصرف لكن الوزن لا يساعده [و] لأن آدم نقلوا أنه يستعمل للقبيلة وإن كان اسم أب كما استعملوا تميما، فمن هذا الوجه يجوز أن يرد غير مصروف للتأنيث والعلمية انتهى.
وما قاله غير ظاهر فإن «آدم» الذي هو اسم لا ينصرف قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ (٥)، وعدم انصرافه لوزن الفعل والعلمية، وصرفه في البيت الذي أنشده إنما هو للضرورة، وهو محكوم عليه بمنع الصرف فكيف يحكم عليه بأنه مصروف؟
ولم يستحسن كلام الشيخ هنا على أنه قال (٦) عقب ذلك مشيرا إلى المصنف:
«وهذا الذي قاله لا تحقيق فيه [٥/ ٧٢] لأن الضمير إنما عاد على ذلك المؤنث المحذوف وهو قبائل».
والذي قاله صحيح ولكن من أين لما أن المصنف أراد هذا الذي ذكره هو؟ فقد -
стр. 3973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون مراده غير ذلك وهو الظاهر، فالشيخ حمل كلام المصنف على معنى يحتمل أن يكون مرادا له، وأن يكون غير مراد، ثم رد ذلك المحتمل بقوله: «وهذا الذي قاله لا تحقيق فيه» مع أننا لم نقطع بأنه قال هذا.
وبعد ذلك فقول المصنف: وقد يؤنث اسم الأب على حذف مضاف مؤنث فلا يمنع من الصّرف غير ظاهر أيضا لأن الاسم العلم إذا أنث وجب منع صرفه، فكيف يقال: فلا يمنع من الصرف؟ نعم لو كان الأمر عكس ذلك حتى كأن يقول: وقد يؤنث اسم الأب على حذف مضاف مؤنث فيمنع من الصرف لكان أقرب، وذلك أن التأنيث العارض ليس حكمه حكم التأنيث الأصلي، فما عرض تأنيثه لا يذهب الذهن إلى منع صرفه؛ لأن صرفه هو الأصل فلا حاجة إلى أن ينبه عليه بقوله:
فلا يمنع الصرف، وإنما الفائدة في التنبيه على منع صرفه.
المسألة الثالثة:
وهي المشار إليها بقوله: وكذا قرأت عودا ونحوه إن نويت إضافة السّورة، قال الشيخ (١): يقول إن هودا ونحوه لا يمتنع من الصرف إذا نويت إضافة السورة إليه؛ لأنك إذا لم تنو إضافة السورة إليه تحتم منع صرفه؛ لأنه قد انضاف إلى العلمية فيه العجمة في الثلاثي الساكن الوسط المصاحبة للتأنيث، وانضاف إلى تأنيث الثلاثي الساكن الوسط في ذلك كونه منقولا من مذكر، لأنه في الأصل اسم للنبي ﷺ ثم سميت السورة به. انتهى.
ولا شك أن كون «هود» منصرفا في قولنا: قرأت هودا ناوين إضافة سورة إليه أمر معلوم؛ لأنه بإضافة سورة إليه تعين أن يراد به اسم النبي ﷺ والاسم الأعجمي شرط منعه الزيادة على الثلاثة كما عرف، وكذا من المعلوم أنا إذا جعلناه اسما للسورة يمتنع للعلمية والتأنيث المنضم إليه العجمة، وإذا كان كذلك فإنما أتى المصنف بقوله: وكذا قرأت هودا إن نويت إضافة السورة ليبين أن نية الإضافة حكمها حكم ما لو نطق بالمضاف، فكما أننا إذا قلنا: قرأت سورة هود نصرف هودا هكذا إذا قلنا: قرأت هودا ونوينا إضافة سورة إليه، ولو لم يذكر ذلك لجاز أن يتوهم أن نية إضافة السورة -
стр. 3974
[ما يمتنع صرفه معرفة ونكرة وما يمتنع صرفه معرفة فقط]
قال ابن مالك: (فصل ما منع صرفه دون علميّة منع معها وبعدها أيضا إن لم يكن «أفعل تفضيل» مجرّدا من «من»
خلافا للأخفش في [معدول العدد وفي] مركّب تركيب «حضر موت» مختوم بمثل «مفاعل أو مفاعيل» أو بذي ألف التّأنيث، وله في أحد قوليه، وللمبرّد في نحو:
«هوازن» و «شراحيل» و «أحمر»، وما لم يمنع إلّا مع العلميّة صرف منكّرا بإجماع).
ــ
إلى هود ﷺ ليس كإضافتها في اللفظ فنبه بما ذكره أن الحكم فيهما واحد.
قال ناظر الجيش: قد تقدمت الإشارة إلى أن ما لا ينصرف ضربان: ضرب لا ينصرف في تنكير ولا تعريف، وضرب لا ينصرف في تعريف وينصرف في تنكير.
أما ما لا ينصرف في الحالين فخمسة أقسام وهي: ما أنث بالألف كـ «سكرى» و «حمراء»، والجمع الذي لا نظير له في الآحاد كـ «مساجد» و «قناديل»، والاسم الذي هو صفة إما مع العدل، أو مع الألف والنون الزائدتين، أو مع وزن الفعل كـ «مثنى» و «أخر» وك «سكران» و «ريّان» وك «أحمر» و «أصفر» فهذه تمنع الصرف منكرات، وكذا إذا سمي بها فصارت أعلاما؛ لأن قسمين منها وهما المؤنث بالألف والجمع، كل منهما ذو علة مستقلة بالمنع، فلا فرق فيه بين النكرة والمعرفة، وأما ثلاثة الأقسام الباقية، فلأن العلمية خلفت فيها الوصف، فاستحق منه الصرف لوجود العلتين.
وأما ما لا ينصرف في التنكير فسبعة أقسام وهي:
ما انضم إلى العلمية فيه تأنيث بغير الألف كـ «طلحة» و «زينب»، أو تركيب كـ «معدى كرب»، أو عجمة كـ «إبراهيم»، أو ألف إلحاق كـ «علقى»، أو عدل كـ «عمر» أو زيادة ألف ونون كـ «عمران»، أو وزن فعل كـ «يزيد» و «تغلب»، فهذه إذا نكرت صرفت، وذلك أن ما كان منها شرط منع صرفه العلمية كالذي فيه تأنيث بغير الألف، أو تركيب، أو عجمة، أو ألف إلحاق مقصورة، فظاهر صرفه إذا نكر لزوال شرط المنع منه وهو العلمية، وما -
стр. 3975
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان ليس شرط منع صرفه العلمية فالذي فيه عدل، أو زيادة ألف ونون، أو وزن فعل، إذا زالت العلمية منه لم يبق فيه إلّا علة واحدة، نعم إن كان ما فيه أحد الثلاثة وصفا في الأصل فنقل وسمي به ثم نكر بعد التسمية فإنه يمنع الصرف على المذهب الصحيح وهو مذهب سيبويه (١) كما سيأتي بيان ذلك.
وقد أشار ابن الحاجب إلى هذا الأصل الذي قرر بعبارة وجيزة مفيدة للحكم والتعليل حيث قال (٢): «وما فيه علمية مؤثرة إذا نكر صرف لما تبين من أنها لا تجامع مؤثرة إلا ما هي شرط فيه إلّا العدل ووزن الفعل وهما متضادان فلا يكون إلّا أحدهما، فإذا نكر بقى بلا سبب أو على سبب واحد».
فقوله «مؤثرة» يحترز به من أن تكون العلمية لا أثر لها في منع الصرف لذلك الاسم كـ «مساجد» و «حمراء» اسمي رجلين، فإن العلمية لا أثر لها فيهما لاستقلال الحكم بالجمعية وألف التأنيث. وإنما انصرف ما فيه علمية مؤثرة إذا نكر لما تبين من أن العلمية لا تجامع شيئا من العلل وهي مؤثرة إلّا ما هي فيه إلّا العدل ووزن الفعل فإنها تجامعهما من غير شرطية بدليل منع «ثلاث» و «أخر» و «أحمر» الصرف، ولو كانت العلمية شرطا فيهما لصرفت هذه الكلمات، فدل ذلك على أن العلمية ليست شرطا فيهما، لاستقلال الحكم دونها إلّا [٥/ ٧٣] أن العدل ووزن الفعل متضادان، وبيان التضاد (٣) أن العدل لا يكون إلّا بالأوزان المذكورة ولا شيء منها من أوزان الفعل، فلا يجتمع أبدا مع العلمية إلّا أحدهما، فإن لم يكن فيه أحدهما بقي بلا سبب أصلا؛ لأن العلمية تزول بالتنكير، ويزول كون البواقي سببا لكون العلمية شرطا فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، وإذا نكر وفيه أحدهما بقي على سبب واحد وهو إما العدل أو وزن الفعل، والعلمية تزول بالتنكير، هذا شرح ما قصده ابن الحاجب.
وأقول: قد بقي عليه أن يستثنى الألف والنون الزائدتين؛ لأنهما يمنعان مع الوصف كما يمنعان مع العلمية، فهما في ذلك كالعدل ووزن الفعل، وإذا كان -
стр. 3976
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كذلك فكان الواجب أن يقول: إلّا العدل ووزن الفعل، والألف والنون المزيدتين وهي متضادة فلا يكون إلّا أحدهما، وقد ذكر هذا الإيراد لبعضهم فأجاب بأن قال:
هو مستغن عن ذلك لقوله (١): «إن كانا - يعني الألف والنون - في اسم فشرطه العلمية، وهذا الجواب لا يفيد، لأن ذلك يقال في العدل أيضا، فيقال: إن كان في اسم فشرطه العلمية وكذا وزن الفعل يقال فيه: إن كان في اسم فشرطه العلمية.
وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب وإبراز صور المسائل المذكورة من منطوقة ومفهومه مع الإشارة إلى التعليل فنقول:
دخل تحت قوله ما منع صرفه دون علميّة منع معها؛ الأقسام الخمسة وهي:
ما امتنع صرفه لسبب واحد كالمؤنث بالألف والجمع المتناهى.
وما امتنع صرفه لسببين أحدهما الصفة والآخر العدل أو الزيادة أو الوزن.
أما المؤنث فلأن الألف كانت مستقلة بالمنع والعلمية تزيد الاسم ثقلا.
وأما الجمع المتناهى فالمانع فيه بعد التسمية به أمران: التعريف وشبه العجمة، لأنك أدخلت في الآحاد العربية ما ليس منها، كما أنك إذا سميت بالعجمي فقد أدخلت في كلام العرب ما ليس منه، هذه الجماعة - أعني المغاربة - وكان المصنف يعلل المنع - أعني منع صرفه - بغير ذلك، والظاهر ما قاله الجماعة.
وقال الشيخ (٢): «إن نحو مساجد إذا سمي به يمتنع الصرف للعلمية وشبه العجمة بلا خلاف بين النحويين؛ لأن شبه العلة في هذا الباب علة، وقد استدلوا على أن العلة هنا علة بمنع «شراحيل» الصرف وهو اسم رجل سمي بالجمع، لأن سيبويه ذكر أنه عربي (٣)، وهذا المثال لا يكون في الآحاد العربية فهو منقول من جمع».
وأما الأقسام الثلاثة الأخر وهي التي امتنع صرفها لسببين أحدهما الصفة فلأنها بعد التسمية بها تخلف الصفة فيها العلمية، وهذا ظاهر، نعم في «أخر» و «مثنى» وأخواتها المعدولة خلاف بعد التسمية بها: مذهب سيبويه منع الصرف (٤)، وذهب -
стр. 3977
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جماعة إلى أنها مصروفة قال [٥/ ٧٢] المصنف في شرح الكافية (١): «وكل ممنوع الصرف في التنكير ممنوع الصرف في التعريف؛ لأنه إن كان ممنوعا لألف التأنيث فقد تقدم أنها سبب قام مقام سببين، وإذا كانت كذلك في التنكير فهي في التعريف أحق بذلك؛ لأنه لا يخفف ما هو فيه بل يزيده ثقلا، وإذا كان من باب «سكران» (٢) فزيادتاه إما مستقلتان بالمنع لمضارعتهما ألفي التأنيث، وإما معتضدتان بالوصفية، فإن كانتا مستقلتين فمع العلمية أولى، وإن كانتا معتضدتين بالوصفية فالعلمية تخلفها، وكذا الممنوع للوزن والوصفية، ولعدم النظير والجمعية، وهكذا الممنوع للعدل والوصفية كـ «أخر» و «مثنى» صرح بذلك سيبويه (٣) وخالفه الأخفش (٤) وأبو
علي وابن برهان (٥) وابن بابشاذ (٦) وقالوا: لأن العدل يزول معناه بالتسمية فينصرف «ثناء» وأخواته إذا سمي شيء منها مذكر، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من منع الصرف؛ لأن لفظ العدل باق فلا أثر لزوال معناه كما لا أثر لزوال معنى الجمعية من «مساجد» علما، ولا لزوال معنى التأنيث من «سعاد» علم رجل.
وقوله - أعني المصنف -: وبعدها يريد به أن الذي منع من الصرف مع العلمية وقد كان ممنوعا دونها وهو الأقسام الخمسة المتقدمة الذكر إذا زالت العلمية عنه عاد إلى الحال التي كان عليها، فيمنع الصرف بعد العلمية أيضا إذا نكر، أما المؤنث فلأن الألف لها الاستقلال بذلك، فلا مبالاة بفقد العملية؛ لأنها لم تكن مؤثرة شيئا يزول الأثر بزوالها.
وأما ما هو بصيغة الجمع: فقالوا: إن العلة في منعه الصرف شبيه بأصله، وذلك أن الاسم نكرة كما كان قبل التسمية به كذلك، وقال المصنف في شرح الكافية (٧):
«وإذا سمي بنحو: مساجد ثم نكر لم ينصرف عند غير الأخفش (٨)، وحكم -
стр. 3978
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأخفش بصرفه بعد التنكير، قال: والصحيح مذهب سيبويه (١)، ويدل على صحته استعمال العرب «سراويل» غير مصروف كقول ابن مقبل، يصف مكانا فيه بقر الوحش:
٣٧٣٥ - يمشّي به ذبّ الرّياد كأنّه ... فتى فارسيّ في سراويل رامح (٢)
و «سراويل» اسم مفرد نكرة، والجمعية منتفية في الحال، والأصل بخلاف «مساجد» إذا نكر بعد التسمية فإن الجمعية منتفية منه في الحال لا في الأصل فهو أثقل من سراويل [وأحق] بمنع الصرف. انتهى.
وليس في كلامه ما يفهم منه علة منع الصرف، غايته أنه استدل على المنع بمنع صرف «سراويل» في لسان العرب.
وأما الثلاثة الأخر - أعني الممتنع للوصف ولأحد الثلاثة التي هي: العدل والزيادة والوزن فلأن الاسم المذكور لما زالت منه العلمية اعتبر فيه الأصل وهو الصفة، وقد علم أن المعتبر في هذا الباب إنما هو أصالة الوصف؛ ولذلك لم يؤثر عروض الاسمية في «أدهم» بل منع الصرف نظرا إلى أنه صفة في الأصل ولم يؤثر عروض الوصفية في «أكلب» من قولك: مررت [٥/ ٧٤] بقوم أكلب أي: أخسّاء، فلما كان المعتبر إنما هو أصالة الوصف وكانت هذه الأسماء صفات قبل العلمية اعتبر فيها بعد زوال العلمية ما كانت عليه قبلها.
وبعد ففي كل من الثلاثة خلاف وأنا أذكر ذلك مفصلا:
أما نحو «أحمر» وهو ما كان ممنوعا للعلمية ووزن الفعل كـ «آدر» و «آلى» فإنه إذا نكر بعد التسمية به ففيه مذاهب أربعة:
أحدها: مذهب سيبويه وهو أنه لا ينصرف (٣)، والظاهر أن العلة في منع صرفه ما تقدمت الإشارة إليه وهو وزن الفعل والصفة التي هي أصله، لكن المغاربة يقولون: إن العلة فيه وزن الفعل وشبهه بأصله؛ لأنه الآن نكرة كحاله إذا كان وصفا (٤)، وشبه العلة في هذا الباب علة كما تقدم.
ثانيها: أنه منصرف، وعلة ذلك عند القائل به أنه ليس فيه إلّا علة واحدة؛ لأنه قد نكر بعد التسمية ومعنى الوصف كان قد زال عنه حين سمي به، وهذا المذهب -
стр. 3979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مشهور عن الأخفش (١) لكن قال المصنف في شرح الكافية (٢): «وفي أحمر وشبهه خلاف، فمذهب سيبويه أنه
لا ينصرف إذا نكر بعد التسمية (٣) وخالفه الأخفش مدة ثم وافقه في كتابه «الأوسط» قال: وأكثر المصنفين لا يذكرون إلا مخالفته، وذكر موافقته أولى لأنها آخر قوليه».
ثالثها: التفصيل وهو مذهب الفراء وتبعه ابن الأنباري، زعم أن «أحمر» إذا سمي به رجل أحمر لم يصرف في معرفة ولا نكرة. وإن سمي الأسود مثلا بـ «أحمر» انصرف في النكرة ولم ينصرف في المعرفة (٤).
رابعها: وهو قول للفارسي في بعض كتبه «أنه إذا نكر بعد التسمية جاز فيه الصرف وتركه قال: لأن فعل هذا الذي هو صفة في الأصل حين سمعت به العرب تارة اعتبرت أصله [فجمعته جمع أحمر وتارة اعتبرت ما آل إليه من الاسمية] فجمعته جمع الأسماء فقالوا في «أحوص» العلم: حوص كما قالوا في أحمر:
حمر، وقالوا فيه: أحاوص كما قالوا في أحمد: أحامد ويدل عليه قول الشاعر:
٣٧٣٦ - أتاني وعيد الحوص من آل جعفر ... فيا عبد ربّ لو نهيت الأحاوصا (٥)
-
стр. 3980
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: فمن جمعه جمع الصفات ينبغي له أن لا يصرف، ومن جمعه جمع الأسماء ينبغي له أن يصرفه (١) انتهى.
وأقول: إن القول بجواز الصرف وتركه إذا نكر بعد التسمية ليس ببعيد، لكن ليس للعلة التي ذكرها أبو علي، بل يقال: إن هذا الاسم أصله الوصف وقد زال عنه ذلك بالعلمية، فإذا نكر كان لنا اعتباران: إن اعتبرنا أصله بأن لحظنا الصفة التي كان عليها منعناه، وأما نحو «سكران» وهو ما كان ممنوعا للعلمية والزيادة حين التسمية فإنه إذا نكر بعد التسمية به فمذهب سيبويه أنه لا ينصرف (٢)، والكلام في علة المنع ما هي؟ كالكلام في علة «أحمر» ما هي؟ فمن راعى الأصل قال: المانع الصفة الأصلية والألف والنون المزيدتان، والجماعة يقولون: المانع زيادة الألف والنون وشبهه بأصله من حيث إن اللفظ في الحالين واحد وإنه نكرة كما كان قبل التسمية، وذكروا أن مذهب الأخفش صرفه كما ذكروا عنه صرف «أحمر» منكرا.
ولك أن تقول: قد ذكرتم أن الأخفش رجع في نحو «أحمر» إلى موافقة سيبويه فكيف تثبت عنه مخالفته في نحو «سكران»؟
والحق أن المسألتين واحدة فإما أن ينسب إليه الموافقة لسيبويه فيهما أو المخالفة له فيهما.
وأما نحو «مثنى» و «أخر» فلا يخفى أن حكمه إذا نكر بعد التسمية به حكم «أحمر»، و «سكران» (٣) فمن منع الصرف ثمّ منع هنا، ومن صرف ثمّ صرف هنا، وقال الشيخ (٤): «أما ما عدل في العدد وسمي به ثم نكر بعد التسمية ففيه خلاف:
مذهب الجمهور أنه لا ينصرف (٥).
وذهب الأخفش إلى أنه ينصرف (٦).
واختلف النقل عن أبي علي فمنهم من نقل الصرف ومنهم من نقل ترك الصرف «انتهى». -
стр. 3981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم العلة في منع الصرف عند الجماعة العدل وشبهه بأصله، وعند غيرهم العدل والصفة الأصلية. وأما «أخر» فكأنهم لم يختلفوا فيه، فإن الشيخ قال (١): «وأما أخر إذا نكر بعد التسمية فينبغي أيضا أن لا يصرف؛ لأنه اجتمع فيه العدل وشبهه بأصله».
واعلم أن الشيخ تعرض هنا لذكر «جمع» إذا نكر بعد التسمية به فقال: «إنه منصرف؛ لأن العلمية زالت منه ولم يشبه أصله؛ لأنه لم يعدل إلّا في حال التعريف فصار مثل: عمر إذا نكر بعد التسمية به» انتهى.
ولا ينبغي أن يذكر ذلك هنا؛ لأن الكلام الآن هو في ما منع صرفه دون علمية أنه يمنع مع العلمية وبعد العلمية ولم يكن «جمع» يمنع دون علمية إن قلنا إنه معرف بها، أو دون تعريف إن قلنا إن تعريفه بنية الإضافة، وإذا كان كذلك فلا مدخل لذكره مع ما ذكر من الأقسام الخمسة.
ثم ليعلم أن «أفعل» المقصود به التفضيل إذا سمي به فإما أن يسمى به وهو مصاحب لـ «من» أو مجرد من «من» ويسمى به، فإن سمي به مصاحبا لـ «من» فحكمه حكم «أحمر» فيكون ممنوع الصرف على المذهب المختار، وإن سمي به مجردا من «من» ثم نكر كان مصروفا بإجماع، ذكر المصنف ذلك في شرح الكافية (٢) معللا الصرف بأن أفعل لا يعود إلى مثل الحال التي كان عليها إذا كان صفة فإن وصفيته مشروطة بمصاحبة «من» لفظا أو تقديرا.
فإلى هذه المسألة أشار في التسهيل فأخرجها مما يمتنع صرفه بقوله «إن لم يكن أفعل تفضيل مجرّدا من من».
وأما قول المصنف: خلافا للأخفش في مركّب تركيب حضر موت مختوم بمثل مفاعل أو مفاعيل أو بذي ألف التّأنيث فأشار به إلى أنك إذا سميت بنحو: زيد مساجد أو بنحو:
عبد حمراء، أو عبد بشرى، وجعلت الاسمين اسما واحدا كما هما في «حضر موت» -
стр. 3982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فمعلوم أن ذلك لا ينصرف للعلمية والتركيب (١)، فإذا نكر بعد [٥/ ٧٥] التسمية ففيه خلاف:
منهم من يمنع الصرف معللا ذلك بأن قال: لم أر شيئا من هذا النوع مصروفا في كلامهم.
والجمهور على أنه ينصرف، قالوا: لأن المانع في «مساجد» إنما كان بناء الجمع، وأنت الآن قد صرت في منعه الانصراف إلى التركيب، لأنك جعلتهما كـ «حضر موت» وحضر موت إذا نكر بعد التسمية انصرف، فكذلك هذا، ولأن المانع في «عبد حمراء» و «عبد بشري» إنما هو التركيب لا التأنيث اللازم، فإذا نكّرته بعد التسمية صرفته كما تصرف المركب المنكر بعد التسمية (٢).
والأخفش موافق الجمهور في الصرف (٣)، فعلى هذا يستفاد من قول المصنف خلافا للأخفش أن المعنى: خلافا للأخفش في صرفه، فيكون مختار المصنف فيه عدم الانصراف، ولا يقال: قد فهمنا أن مختاره عدم الانصراف من قوله منع معها وبعدها أيضا خلافا للأخفش في كذا فإنه وإن منع في ذلك مع العلمية لا يمنع بعدها؛ لأنا نقول: قوله منع معها وبعدها إنما هو حكم ما منع صرفه دون علمية فلا بد أن يكون الذي منع مع العلمية وبعدها ممنوعا قبل صيرورته علما فيحكم له بهذا الحكم، ولا شك أن مثل: «زيد مساجد» و «عبد حمراء» لم يكن له منع قبل علميته لأنه إنما عرض له هذا التركيب حال العلمية، وإذا كان كذلك فلا يفهم من قوله خلافا للأخفش بعد قوله منع معها وبعدها مختاره ما هو؟ ولولا نقل لنا أن الأخفش مذهبه الصرف ما علمنا أن مختار المصنف الصرف.
ثم اعلم أن الشيخ مثّل لقول المصنف «مختوم بمثل مفاعل أو مفاعيل» بـ «محاريب مساجد» (٤)، ولم يكن في عبارته - أعني المصنف - افتتاح هذا المركب مفاعل أو مفاعيل، بل اختتامه بمثل ذلك، على أن ما مثل به الشيخ لا ينافيه كلام المصنف، لكن كان ينبغي للشيخ التمثيل بنحو: زيد مساجد أيضا كما مثل بمحاريب مساجد. -
стр. 3983
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي شرح المفصل لابن عمرون - رحمه الله تعالى: «لو سمي بمدائن محاريب فقيل: حكمه الإضافة، لأن باب الإضافة أوسع من باب الأسماء المركبة، ولو أجري على طريقة «حضر موت» كان قياسه أن يصرف في النكرة، كذا ذكر الرماني (١)، وقال الزمخشري: إذا ركبت اسما من كلب صفراء قلت: هذا كلب صفراء فلم تصرفه للعلمية والتركيب، فإذا نكرته صرفته فقلت: رب كلب صفراء، وقال ابن بابشاذ: لو سمينا رجلا بمحاريب مساجد بالكلمتين معا لكان حكمه كحضر موت؛ لأنك لما أدخلت هذا باب التركيب أعطيته حكمه فصرفته في النكرة كصياقل لا ينصرف، فإذا دخلته تاء التأنيث انصرف في النكرة، ولو سميت باسمين مركبين وفي آخر الثاني علة تقوم مقام علتين، مثل صاحب حمراء لصرفته في النكرة لدخوله في باب ما لا ينصرف في النكرة، ولو ثنيت لم تقلب همزته بل تفردها فتقول: صاحب حمراءان، قال ابن عمرون بعد ذكره ذلك: والذي أراه ما ذكره ابن خروف أن العلة إن كانت مما يمنع من الصرف وحدها لم ينصرف في النكرة؛ ولذلك إذا كان آخر المركب أحد هذه الأسماء نحو: رام سكران الثاني غير مخفوض بالكسرة في المعرفة والنكرة؛ لأنك لما نكرته بقيت فيه علة لا ينصرف الاسم الذي هي فيه أبدا مركبا كان أو غير مركب، وصرف مثل هذا خطأ في النكرة، وكذا تثنية حمراء في التركيب كتثنيتها قبل التركيب، وإثبات الهمزة في التثنية فاسد، وتشبيه ابن بابشاذ المركب بصياقلة لا وجه له؛ لأن التاء دخلت الاسم الأول وركب معها ومنعته ما يكون فيه إذا لم تدخل عليه، ومساجد حمراء لم يدخل عليها شيء، وحمراء آخر الكلمة فلم يجر فيه حكم ما دخلته تاء التأنيث، والذي بمنزلة صياقل الاسم الأول، وعزا ابن بابشاذ القول إلى الأخفش وهو فاسد قاله من قاله» انتهى.
والظاهر ما أشار إليه، وقد قلنا إن الذي يقتضيه كلام المصنف أن مختاره ذلك عدم الصرف، فقد وافق كلام ابن عمرون كلامه في المسألة، ولا يخفى أن ابن عمرون من الحذاق المعتبرين، فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنه وكرمه. -
стр. 3984
[حكم جوار ونحوه في أحواله الثلاثة]
قال ابن مالك: (فصل: ينوّن [٥/ ٧٦] في غير النّصب ما آخره ياء تلي كسرة من الممنوع من الصّرف، ويحكم للعلم منه عند يونس بحكم الصّحيح إلا في ظهور الرّفع، فإن قلبت الياء ألفا منع التّنوين باتّفاق).
ــ
وأما قول المصنف: وله في أحد قوليه وللمبرّد في نحو: هوازن وشراحيل وأحمر فيشير به إلى المسألتين المتقدمتي الذكر وهما: الجمع المتناهى إذا سمي به ثم نكر بعد التسمية، و «أفعل» الممنوع الصرف وهو وصف إذا سمي به ثم نكر بعد التسمية، وقد تقدم الكلام على المسألتين بما فيه غنية، والإشارة إلى ذكر خلاف الأخفش فيهما وأنه وافق سيبويه في مسألة «أحمر».
والذي استفدناه زائدا هنا أن المبرد خالف (١) فيكون مذهبه في المسألتين خلاف ما عليه سيبويه والجماعة فيهما.
وأما قوله: وما لم يمنع إلّا مع العلميّة منكّرا بإجماع فقد قامت الإشارة إلى ذلك، والذي لا يمنع إلّا مع العملية هو زيادة الألف والنون في غير «فعلان فعلى» ووزن الفعل في غير «أفعل فعلاء» وما حمل عليه، والعدل في غير العدد، و «أخر» والتأنيث بغير الألف، والتركيب، والعجمة، وألف الإلحاق، وحكم ألف التكثير حكم ألف الإلحاق فتقول: مررت بعثمان وعثمان آخر، وبأحمد وأحمد آخر، وبعمر وعمر آخر، وبطلحة وطلحة آخر، وبمعدي كرب ومعدي كرب آخر، وبإبراهيم وبإبراهيم آخر، وبأرطى (٢) وأرطى آخر، وبقبعثرى وقبعثرى آخر، وقد تقدم ذكر الموجب للصرف (٣).
وليعلم أن التنوين اللاحق لهذه الأسماء التي ذكرها هو تنوين الصرف، ولا يتوهم الصرف، ولا يتوهم أنه تنوين التنكير؛ لأن تنوين التنكير إنما يلحق الأسماء المبينة فرقا بين معرفتها، ونكرتها، وهذه الأسماء معربة.
قال ناظر الجيش: المراد في هذا الفصل الإشارة إلى كل اسم في آخره «ياء» تلي -
стр. 3985
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كسرة مما هو ممنوع الصرف نحو: جوار وأعيم، ونحو: يغزو ويرمي مسمّى بهما، وأنا أورد أولا كلامه في شرح الكافية ثم أعود لما في الكتاب، قال (١) - رحمه الله تعالى -: «المنقوص الذي نظيره من الصحيح غير منصرف إن كان غير علم كجوار وأعيم تصغير أعمى، فلا خلاف أنه في الرفع والجر جار مجرى قاض في اللفظ، وفي النصب جار مجرى نظيره من الصحيح، فيقال: هؤلاء جوار وأعيم، ومررت بجوار وأعيم، ورأيت جواري وأعيمي كما يقال: هذا قاض ومررت بقاض ورأيت صواحب وأسيد، وكذا إن كان علما في مذهب الخليل وسيبويه (٢) وأبي عمرو وابن أبي إسحاق (٣) وأما يونس (٤) وأبو زيد وعيسى والكسائي (٥) فيقولون في قاض اسم امرأة: هذه قاضي، ورأيت قاضي، ومررت بقاضي، فلا ينون في رفع ولا جر، بل يثبتون الياء ساكنة في الرفع، ويفتحونها في الجر، كما تفعل بالصحيح، ومذهب الخليل هو الصحيح، لأن نظائر جوار من الصحيح لا ينوّن في تعريف ولا تنكير وقد نوّن، ونظائر قاض اسم امرأة لا ينون في تعريف وينون في تنكير، فتنوينه أولى من تنوين جوار، وقول الراجز:
٣٧٣٧ - قد عجبت منّي ومن يعيليا ... لمّا رأتني خلقا مقلوليا (٦)
من الضرورات على مذهب الخليل، وليس من الضرورات على مذهب يونس (٧)، وشبه (٨) ثمانيا بجوار من قال: -
стр. 3986
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٣٧٣٨ - يحدو ثماني مولعا بلقاحها ... حتّى هممن بزيغة الإرتاج (١)
انتهى.
وما ذكره عن يونس ومن وافقه أنهم يقولون في قاض اسم امرأة: هذه قاضي، ورأيت قاضي، ومررت بقاضي، فهو جار عندهم في نحو جوار وأعيم إذا سمي بهما فيقولون: هؤلاء جواري، ورأيت جواري، ومررت بجواري، وكذا يقولون:
هذا أعيمي، ورأيت أعيمي، ومررت بأعيمي.
وإذا تقرر هذا فقوله في التسهيل ينوّن في غير النّصب ما آخره ياء تلي كسرة من الممنوع الصّرف يشمل ما كان غير علم، وما كان علما، وكما شمل قوله: من الممنوع الصّرف نحو: جوار وأعيم ويغزو ويرمي مسمى بهما شمل نحو: قاض مسمّى به امرأة، ولما كان يونس يخالف في العلم فيثبت الياء ساكنة في الرفع ويفتحها في حالتي النصب والجر قال: «ويحكم للعلم منه بحكم الصّحيح إلّا في ظهور الرّفع».
اعلم أن «صحار» و «عذار» جمعي: صحراء وعذراء حكمهما في منع الصرف حكم «جوار» (٢) لا شك أن نحو: صحراء وعذراء كما يجمع على «فعال» يجمع على «فعالى» بقلب الياء من «صحار» ألفا، لكن لما كان «فعال» ينوّن دون «فعالى» أشار المصنف إلى ذلك بقوله: فإن قلبت الياء ألفا منع التّنوين باتّفاق.
كان الواجب لذلك أن التنوين إنما هو تنوين عوض، وقد تقدم في فصل «التنوين» عنه عند سيبويه عوض من الياء لا من حركتها، والياء إنما حذفت لموجب، فلما حذفت أتى بالتنوين وصاغها، وأما الألف المنقلبة عن الياء فلا موجب -
стр. 3987
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لحذفها وإذا لم تحذف كان الذي يؤتى به عوضا مستغنى عنه حينئذ.
فإن قيل: ما الموجب لتفرقة يونس ومن وافقه بين الاسم الذي هو علم والاسم الذي هو غير علم حتى إنهم نوّنوا نحو: جوار وأعيم ولم ينونوا نحو: قاض مسمّى به امرأة؟
فالجواب: أنهم ذكروا أن المقتضي لإثبات الياء وعدم التنوين على رأي هؤلاء الجماعة أنهم يزعمون أن التنوين في «جوار» ونحوه تنوين صرف لشبه «جوار» بعد حذف الياء بنحو: جناح وسلام، ولا يمكنهم أن يدّعوا في قاض اسم امرأة إذا قلنا: هذه قاض أن التنوين تنوين صرف؛ لأن علة منع صرفه قائمة، ولا يسعهم أن يقدروه عريّا عنها، ولا يمكن أن يكون التنوين للعوض؛ فلذلك حذفوه في «قاض» اسم امرأة، وأثبتوا الياء.
وأقول: مقتضى هذا الجواب أننا إذا سمينا مذكرا بنحو «جوار» أن ينصرف؛ إذا ليس فيه حينئذ إلّا علة واحدة وهي العلمية؛ لأنهم قد حكموا بصرفه قبل التسمية لصيرورته كجناح وسلام، ورأيت في شرح الشيخ (١) أنهم يمنعونه للعلمية وشبه العجمة، ولم يظهر لي وجه شبه العجمة، لأن مثال: جناح وسلام من الأوزان العربية.
وأما قولهم: إن التنوين في «قاض» اسم امرأة لا يمكن أن يكون للعوض فممنوع، فقد ذكروا (٢) أن تنوين الصرف حذف منه للعلمية والتأنيث وعادت الياء التي كانت حذفت بسببه ثم حذفت الياء منه رفعا وجرّا كما حذفت من «جوار» قبل التسمية به؛ لأن الياء من «قاض» قد انضاف إلى ثقلها ثقل الاسم الذي أوجب له منع الصرف، كما أنها من «جوار» كذلك ثم عوض منها التنوين بعد الحذف كما فعلوا ذلك بجوار؛ لأن الياء المحذوفة لثقلها وثقل الاسم الذي هي فيه إنما تحذف بشرط أن يعوض منها التنوين، بدليل أنهم لا يحذفونها من «الجواري» ولا من «جواريك» لتعذر تعويض التنوين منها.
وأما إظهارهم الفتحة في الياء حالة الجر لخفتها، فقد قيل: إنها خطأ، لأن العرب أجرتها مجرى ما يستثقل في الياء وهو الكسرة، ولما كانت مثلها علامة خفض فحذفوها لذلك، والدليل على هذا أنهم لم يقولوا قبل التسمية: مررت -
стр. 3988
[الآراء في إعراب المركب المزجي]
قال ابن مالك: (فصل قد يضاف صدر المركّب فيتأثّر بالعوامل ما لم يعتلّ، وللعجز حينئذ ما له لو كان مفردا، وقد لا يصرف «كرب» مضافا إليه «معدي»، وقد يبنى هذا المركب تشبيها بخمسة عشر).
ــ
بجواري كما قالوا في النصب: رأيت جواري، ولو كانت الفتحة التي هي علامة للخفض لا تحذف من الياء لخفتها كما ذهبوا إليه لقالوا ذلك (١).
قال ناظر الجيش: لما قدم أن التركيب - وهو تركيب المزج - الذي عبر عنه [٥/ ٧٧] بأنه «يضاهي لحاق هاء التّأنيث» يمنع ما هو فيه الصرف مع العلمية، أشار الآن إلى أن له في اللغة استعمالين آخرين وهما: إضافة الجزء الأول إلى الثاني، وبناء الجزء الأول والثاني كالبناء في «خمسة عشر».
وأفاد بقوله هنا: قد يضاف، وقد يبنى إلى أن اللغة الأولى وهو إعراب الاسم بتمامه إعراب ما لا ينصرف هي اللغة الكبرى، وأن الإضافة فيه أشهر من البناء، قال في شرح الكافية (٢):
«المركب تركيب مزج نحو: بعلبك، ومعدي كرب، في الأصل اسمان جعلا اسما واحدا لا بإضافة ولا إسناد، بل يتنزل ثانيهما من الأول منزلة تاء التانيث، ولذلك التزم فتح آخر الأول إن كان صحيحا كـ «لام» بعلبك، وإن كان معتلّا كـ «ياء» معدي كرب التزم سكونه تأكيدا للامتزاج، ولأن ثقل التركيب أشد من ثقل التأنيث فجعلوا لمزيد الثقل مزيد تخفيف بأن سكنوا «ياء» معدي كرب ونحوه، وإن كان مثلها قبل تاء التأنيث يفتح، وقد يضاف أول جزأي المركب إلى ثانيهما فيستصحب سكون «ياء» معدي كرب ونحوه تشبيها بـ «دردبيس» (٣)، فيقال: رأيت معدي كرب؛ ولأن من العرب من سكن مثل هذه الياء في النصب مع الإفراد تشبيها بالألف، فالتزم في التركيب لزيادة الثقل ما كان جائزا في الإفراد، والثاني من الجزأين إذا أضيف الأول إليه يعامل معاملته لو كان مفردا، فإن كان فيه -
стр. 3989
[ما يمتنع صرفه للوصفية والعدل]
قال ابن مالك: (فصل العدل المانع مع الوصفيّة مقصور على «أخر» مقابل «آخرين» وعلى موازن «فعال» و «مفعل» من عشرة وخمسة فدونها سماعا وما بينهما قياسا، وفاقا للكوفيين والزّجّاج، ولا يجوز صرفها مذهوبا
بها مذهب الأسماء، خلافا للفرّاء ولا منكّرة بعد التّسمية خلافا لبعضهم).
ــ
مع التعريف سبب يؤثر منع الصرف منع الصرف كـ «هرمز» من «رامهرمز» (١) فإن فيه مع التعريف عجمة مؤثرة، فيجر بالفتحة ويعرب الأول بما تقتضيه العوامل نحو: جاء رامهرمز، ورأيت رامهرمز، ومررت برامهرمز، ويقال في حضر موت:
هذا حضر موت، ورأيت حضر موت، ومررت بحضر موت؛ لأن «موتا» ليس فيه مع التعريف سبب ثان، وكذلك «كرب» في اللغة المشهورة (٢)، وبعض العرب لا يصرفه فيقول في الإضافة إليه: هذا معدي كرب فجعله مؤنثا. انتهى.
وقد عرف من هذا شرح ما تضمنه هذا الفصل والذي ذكره هنا من بناء الجزأين زائد على ما ذكره ثمّ (٣).
قال ناظر الجيش: قد علم مما تقدم أن العدل من العلل المانعة الصرف، ولكن لم يتعرض إلى ذكر الصيغ التي حصل فيها العدل، فأشير في هذا الفصل إلى ذلك، ولما كان العدل منه ما يمنع مع الوصفية، ومنه ما يمنع مع العلمية ميز المصنف أحدهما عن الآخر، وبدأ بذكر ما يمنع مع الوصفية، ثم ذكر ما يمنع مع العلمية لأن الذي يمنع مع الوصف مقدم الذكر في أول الباب على الذي يمنع مع العلمية، لكن قد ذكر المصنف في هذا الباب أن العدل يمنع مع أمر ثالث أيضا وهو: شبه العلمية أو الوصفية كما سيجيء تقريره.
أما العدل المانع مع الوصفية فهو مقصور - كما ذكرنا - على «أخر» وعلى موازن «فعال» و «مفعل» من أسماء العدد، قال في شرح الكافية (٤):
«أما أخر فهو المقابل لآخرين، وهو جمع أخرى أنثى آخر، لا جمع أخرى، -
стр. 3990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمعنى آخرة، فإن أخرى قد تكون بمعنى آخرة قال الله تعالى: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ (١) وهذه تجمع على «أخر» مصروفا، لأنه غير معدول، ذكر ذلك الفراء (٢) رحمه الله تعالى، والفرق بين أخرى وأخرى (٣) أن التي هي أنثى
آخر لا تدل على الانتهاء كما لا يدل عليه مذكرها؛ فلذلك يعطف عليها أمثالها في صنف واحد [كقولك: عندي بعير وآخر وآخر وآخر، وعندي ناقة وأخرى وأخرى وأخرى، وأما أخرى بمعنى آخرة فتدل على الانتهاء ولا يعطف عليها مثلها في صنف واحد]، وإذا علم الفرق بين أخرى وأخرى، وآخر وآخر، فليعلم أن مانع «أخر» من الصرف الوصفية والعدل، فالوصفية ظاهرة، والعدل أيضا بيّن، وذلك أنه من باب «أفعل التفضيل» وأصله أن لا يجمع إلّا مقرونا بالألف واللام كـ «الكبر» و «الصّغر» فعدل عن أصله وأعطي من الجمعية مجردا ما لا يعطى غيره إلا مقرونا، فهذا عدل من الألف واللام لفظا، ثم عدل عن معناهما لأن الموصوف به لا يكون إلا نكرة، وكان حقه إذا عدل عن لفظهما أن ينوى معناهما مع زيادة كما نوي معنى اثنين بـ «مثنى» مع زيادة التضعيف، وكما نوي بـ «يا فسق» معنى: يا فاسق مع زيادة المبالغة، وكما نوي معنى: عامر بـ «عمر» مع زيادة الوضوح، فلما عدل «أخر» ولم يكن في عدله زيادة كغيره من المعدولات كان بذلك معدولا عدلا ثانيا كـ «مثنى» وأخواتها فهذا اعتبار صحيح وأجود منه أن يقال: كان أصل «أخر» لتجرده عن الألف واللام (٤) أن يستغنى فيه بـ «أفعل» عن «فعل» كما يستغنى بـ «أكبر» عن «كبر» في نحو: رأيتها مع نسوة أكبر منها لكنهم أوقعوا «فعلا» موقع «أفعل» فكان ذلك عدلا من مثال إلى مثال وهو أولى من العدل عن مصاحبة الألف واللام لكثرة نظائره وقلة نظائر الآخر، ولأن المعدول إليه حقه أن يزيد معنى، وذلك في هذا الوجه محقق لأن تبين الجمعية بـ «أخر» أكمل من تبيينها بـ «آخر» ولأن الوجه الأول يلزم منه مساواة «أخر» لـ «سحر» في زوال العدل بالتسمية، وقد نص سيبويه (٥) على أن «أخر» إذا -
стр. 3991
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سمّي به لا ينصرف لبقاء العدل، ولا يكون ذلك إلّا بالعدل عن مثال إلى مثال بخلاف العدل عن الألف واللام.
وأما المعدول في العدد فهو من «واحد» إلى «أربعة» بلا خلاف وهي على «فعال» أو «مفعل» نحو: رأيت القوم أحاد أو موحد، ومررت بهم ثناء أو مثنى، ونظرت إليهم ثلاث أو مثلث، وأعطيتهم دراهم رباع [٥/ ٧٨] أو مربع، وقد
يقال:
ربع، وبه قرأ (١) ابن وثّاب.
ولم تستعمل هذه الأمثلة إلّا نكرات، إما أخبار كقوله ﷺ : «صلاة اللّيل مثنى مثنى» (٢)، وإما أحوال كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (٣)، وإمّا نعوت لمنكرات، كقوله تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (٤)، وامتناعها من الصرف عند سيبويه وأكثر النحويين (٥) للعدل والوصفية، ومنهم (٦) من جعل امتناعها للعدل في اللفظ وفي المعنى، أما في اللفظ فظاهر، وأما في المعنى فلأن مفهوماتها تضعيف أصولها، فأدنى المفهوم من «أحاد» أو «موحد» اثنان، ومن «ثناء» أو «مثنى» أربعة، وكذلك سائرها، فصار فيها عدلان، وروي فيها عن بعض العرب: مخمس، وعشار، ومعشر، ولم يرد غير ذلك، وأجاز الكوفيون والزجاج (٧) أن يقال قياسا: خماس، وسداس، ومسدس، وسباع ومسبع، وثمان ومثمن، وتساع ومتسع» انتهى كلامه ولا يحتاج الطالب معه في -
стр. 3992
[حكم وزن فعل توكيدا]
قال ابن مالك: (والمانع مع شبه العلميّة أو الوصفيّة في فعل توكيدا).
ــ
الإبانة عما ذكر في هذا الفصل إلى غيره.
وأما قوله «ولا يجوز صرفها مذهوبا بها مذهب الأسماء خلافا للفرّاء» فالظاهر بل المتعين أن الضمير في «صرفها» و «بها» إنما يرجع للمعدولات من أسماء العدد، ولم يتحقق مراده من قوله: «مذهوبا بها مذهب الأسماء» ولم أعلم مستند الفراء في إجازته صرفها.
وأما قوله: «ولا منكّرة بعد التّسمية خلافا لبعضهم» فقد تقدمت الإشارة إلى ذكر هذه المسألة في الفصل المفتتح بقوله: «ما منع صرفه دون علميّة منع معها» وذكر من خالف في ذلك.
قال ناظر الجيش: قدم المصنف على ذكر العدل المانع مع العلمية [ذكر العدل المانع مع شبه العلمية] أو الوصفية، ومراده بذلك: جمع المستعملة في التوكيد وتوابعها وهي: كتع، وبصع، وبتع وهن جمع: جمعاء وكتعاء وبصعاء وبتعاء، قال في شرح الكافية (١): «ومن الممنوع من الصرف للعدل والتعريف: جمع وتوابعه، فإنها لا تنصرف للعدل والتعريف، فأما تعريفها فبالإضافة المنوية (٢)، فإن أصل: رأيت النساء جمع: رأيت النساء جمعهنّ، كما يقال: رأيتهن كلّهن، فحذف الضمير للعلم به واستغنى بنية الإضافة وصار جمع لكونه معرفة بغير علامة ملفوظ بها، كأنه علم وليس بعلم؛ لأن العلم إما شخصيّ وإما جنسيّ، والشخصيّ مخصوص ببعض الأشخاص فلا يصلح لغيره، والجنسي مخصوص ببعض الأجناس فلا يصلح لغيره، وجمع بخلاف ذلك، فالحكم بعلميته باطل، قال: وما قررته ظاهر قول سيبويه فإنه قال (٣): وسألته - يعني الخليل - عن جمع وكتع فقال: هما معرفة «كلهم» وها معدولتان عن جمع جمعاء، وجمع كتعاء هذا نصه. -
стр. 3993
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما العدل فعن «فعلاوات» لأنه جمع «فعلاء» مؤنث «أفعل» وقد جمع المذكر بالواو والنون فكان حق المؤنث أن يجمع بالألف والتاء كـ «أفعل»، و «فعلى»، لكن جيء به على «فعل» فعلم أنه معدول عن «فعلاوات» وليس معدولا عن «فعل» كما قال الأخفش والسيرافي (١)، لأن «أفعل» المجموع بالواو والنون لا يجمع مؤنثه على «فعل» بسكون العين، ولا هو معدول عن «فعالى» (٢) لأن «فعلاء» لا يجمع على «فعالى» إلّا إذا لم يكن له مذكر على «أفعل» وكان اسما محضا كصحراء، وجمعاء بخلاف ذلك فلا أصل له في «فعالى» ولا «فعل» وإنما أصله: جمعاوات كما قيل في
مذكره: أجمعون انتهى.
وقد جعل المانع من الصرف في هذه الكلمات مع العدل شبه العلمية وبيّن الشبه بقوله: «وصار جمع لكونه معرفة بغير علامة ملفوظ بها كأنه علم»، ولا شك أن كون إحدى العلتين فيها هو: شبه العلمية هو الظاهر، وأما شبه الوصفية فلم يتقرر لي، لكن قال الشيخ (٣): «وأما جهة شبه العلمية أو الوصفية فمن حيث جمع مذكره بالواو والنون كان شبيها بالعلمية، ومن حيث كان المؤنث على «فعلاء» والمذكر على «أفعل» كان شبيها بالصفة؛ لأن ما هذه سبيله فهو صفة» انتهى.
وأقول: أما قوله «إنه من حيث جمع مذكره بالواو والنون كان شبيها بالعلمية «فمدفوع» بأمرين:
أن الجمع بالواو والنون ليس مخصوصا بالأسماء الأعلام، بل الصفات تشاركها في ذلك، وأن المصنف بيّن في شرح الكافية أن مراده بشبه العلمية في هذه الكلمات كونها معرفة بغير علامة ملفوظ بها.
وأما ما قاله في شبه الوصفية فربما يقبل على أنه يمكن أن يقال: إن المراد بشبه الوصفية كونها تستعمل أبدا تابعة لما قبلها كما هو شأن الصفات، ثم إن الشيخ -
стр. 3994
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال (١): «أما أن العدل يمنع مع شبه العلمية فقد قيل به، وأما أن العدل يمنع مع شبه الوصفية في باب جمع فلا أعلم له فيه سلفا من النحاة. انتهى.
وأما ما هذه الكلمات معدولة عنه فقد عرفت أنها معدولة إما عن «فعل» على قول، وإما عن «فعالى» على قول، وإما عن «فعلاوات» على قول، وأن كونها عن «فعلاوات» هو اختيار المصنف، قال الشيخ (٢): «والذي نختاره أن جمع معدول عن الألف واللام؛ لأن مذكره جمع بالواو والنون فقالوا: أجمعون كما قالوا: الآخرون، فقياسه أنه إذا جمع كان معرّفا بالألف واللام، فهو في حال الجمع من باب «أفعل» الذي مؤنثه «الفعلى»، وفي حال الإفراد من باب «أحمر وحمراء»، وأشبه «أجمع»، «أحمر» حتى جعلوا مؤنثه على «فعلاء» من حيث لا يقال فيه: هو أجمع من كذا» انتهى.
وهو كلام عجيب ويظهر أنه مدفوع من جهات:
أحدها: أن كلمة واحدة كيف يكون إذا جمعت يكون مفردها من باب، وإذا لم تجمع يكون ذلك المفرد من باب آخر وهذا لا يعرف له نظير؟
ثانيها: أنه يلزم مما قاله من أن قياس «جمع» أن يكون بالألف واللام أن يكون «أجمعون» كذلك فيقال فيه: الأجمعون كما قيل: الآخرون، أو يدعى فيه أنه معدول مما فيه اللام ولا قائل بذلك.
ثالثها: [٥/ ٧٩] أنه نقل القولين المشهورين في تعريف هذه الكلمة هل هو بالعلمية أو بنية الإضافة؟ ولا ينافي القول بذلك مع كون الكلمة معدولة عما فيه اللام، فكان الواجب أن يقول عند ذكر هذين القولين: إن التعريف إنما هو بنية اللام كما يقال في تعريف «سحر» فسكوته عن ذلك تقرير منه لما ذكروه من أن التعريف إما بالعلمية أو بنية الإضافة، ومع ذلك يتعذر القول عما فيه اللام.
والحق أنني لم يظهر لي ما قاله في هذه المسألة وقد يكون له توجيه صحيح خفي عني.
стр. 3995
[حكم سحر ووزن فعل ووزن فعال علما وغيره]
قال ابن مالك: (ومع العلميّة في سحر الملازم للظّرفيّة وفيما سمّي به من المعدولات المذكورة، ومن «فعل» المخصوص بالنّداء، وفي «فعل» المعدول عن «فاعل» علما، وطريق العلم به سماعه غير مصروف عاريا من سائر الموانع، وفي حكمه عند تميم «فعال» معدولا علما لمؤنّث كـ «رقاش»، ويبنيه الحجازيّون كسرا، ويوافقهم أكثر تميم فيما لامه راء، واتّفقوا على كسر «فعال» أمرا أو مصدرا أو حالا أو صفة جارية مجرى الأعلام، أو ملازمة للنّداء، وكلّها معدول عن مؤنّث فإن سميّ ببعضها مذكّر فهو كـ «عناق» وقد يجعل كـ «صباح» فإن سميّ به مؤنّث فهو كـ «رقاش» على المذهبين، وفتح «فعال» أمرا لغة أسديّة).
ــ
قال ناظر الجيش: هذا شروع في ذكر العدل المانع مع العلمية، فتقدير كلامه: والمانع مع العلمية واقع في كذا وفي كذا، وقد تقدم لنا أن العدل مع العلمية نوعان: عدل عن مثال إلى غيره، وعدل عن مصاحبة الألف واللام إلى المجرد عنها، وأن الأول أقسام أربعة:
المعدول من «فاعل» علما إلى «فعل» كعمر ومضر وثعل وزحل.
وما جعل علما من المعدول إلى «فعل» في النداء كغدر وفسق.
و «فعل» الذي في التوكيد كجمع وتوابعه. و «فعال» كرقاش.
وأن الثاني كلمتان وهما: سحر وأمس.
فأما «جمع» الواقعة توكيدا وأخواتها فقد أفردها بالذكر؛ لأنه جعل المانع فيها مع العدل شبه العلمية أو الوصفية وتقدم الكلام عليها.
وأما «أمس» فقد تقدم له الكلام عليها في باب «المفعول المسمى ظرفا ومفعولا فيه».
بقي الكلام الآن موجها إلى ثلاثة الأقسام الباقية وإلى كلمة «سحر» وقد أشار إليها المصنف هاهنا وذكر أمرا زائدا وهو الذي أشار إليه بقوله: وفيما سمي به من المعدولات المذكورة، وأراد بالمعدولات المذكورة التي تقدم ذكره لها في هذا الفصل وهي: أخر -