← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الباب السادس باب المعرفة والنّكرة * [أنواع المعرفة] قال ابن مالك: (الاسم معرفة ونكرة؛ فالمعرفة مضمر وعلم ومشار به ومنادى وموصول ومضاف وذو أداة). قال ناظر الجيش: لم يحدّ المصنف المعرفة واستغنى عن ذكرها بذكر أنواعها، ولا النكرة؛ لأنه لما حصل أنواع المعرفة بالعد بين أن النكرة ما عدا ذلك، والحامل له على ترك ذكر الحد ما ذكره في الشرح، وهو أنه قال (١): «من تعرض لحد المعرفة عجز عن الوصول إليه [١/ ١٢٤] دون استدراك عليه؛ لأن من الأسماء ما هو معرفة معنى، نكرة لفظا، وما هو نكرة معنى، معرفة لفظا، وما هو في استعمالهم على وجهين: فالأول: نحو قولهم: كان ذلك عاما أوّل وأوّل من أمس، فإن مدلول كل واحد منهما معين لا شياع فيه؛ ولكنهما لم يستعملا إلا نكرتين. والثاني: نحو قولهم للأسد: أسامة، فإنه يجري في اللفظ مجرى حمزة في منع الصرف والاستغناء عن الإضافة، والألف واللام، وفي وصفه بالمعرفة دون النكرة، واستحسان مجيئه مبتدأ وصاحب حال، وهو في الشياع كأسد. والثالث (٢): كواحد أمّه، وعبد بطنه؛ فإن أكثر العرب يجعلهما معرفتين بمقتضى الإضافة، وبعض العرب يجعلهما نكرتين ويدخل عليهما ربّ وينصبهما على الحال، ذكر ذلك أبو علي. ومثلهما في إعطاء حكم المعرفة تارة وحكم النكرة أخرى - ذو الألف واللام الجنسيتين؛ فإنه من قبيل اللفظ معرفة، ومن قبيل المعنى لشياعه نكرة؛ فلذلك يجوز أن يوصف بمعرفة اعتبارا بلفظه وهو الأكثر، ويجوز أن يوصف بنكرة اعتبارا بمعناه نحو: مررت بالرجل خير منك. وعلى ذلك حمل المحققون قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ -

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (١) فجعلوا نسلخ صفة لليل، والجمل لا يوصف بها إلا النكرات. وإذا ثبت كون الاسم معرفة بهذه المثابة، فأحسن ما يبين به ذكر أقسامه مستقصاة. ثم يقال: وما سوى ذلك فهو نكرة» انتهى (٢). وناقشه الشيخ فيما ذكره فقال: «أما قوله إن عاما أوّل، وأوّل من أمس في التركيب الذي أشار إليه مدلولهما معين لا شياع فيه بوجه، ولم يستعملا إلا نكرتين، ففرق بين الوضع والاستعمال. أما لفظ عام فلا شك في أنه نكرة ومدلوله شائع (٣) في جنسه كرجل؛ وإنما اكتسب التعيين عند السامع باستعماله عند صفته للعام الذي كان قبل عامك. وكذلك أول من أمس معناه: يوما أول من أمس فحذف يوما وقامت صفته مقامه ومدلول يوم شائع في جنسه؛ ولما وصفته بأول وعنيت عاما أول من عامك، ويوما أول من يومك - اكتسب بالاستعمال والوصف انطلاقه على العام الذي يلي عامك، واليوم الذي يلي يومك (٤). ولا شك أنه يعرض للنكرات أن تعيين المراد ببعض أفرادها لقرينة لفظية أو حالية» انتهى (٥). والذي ذكره الشيخ حق؛ ولا شك أن بين الوضع والاستعمال فرقا واضحا؛ فلا يلزم من التعيين في الاستعمال التعيين في الوضع (٦). ثم قال الشيخ: «وأما قولهم للأسد أسامة ونحو ذلك، فقد يطلق عليه أنه معرفة على طريق المجاز؛ إذ لا يخالف في معناه دلالة أسد؛ إنما يخالفه في أحكام لفظية» انتهى (٧). -

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلت: ويؤيد ما ذكره الشيخ قول المصنف في ألفيته: (ووضعوا لبعض الأجناس علم ... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم) ثم قال الشيخ: «وأما قوله يعني [١/ ١٢٥] المصنف: كواحد أمّه وعبد بطنه، فهذا له اعتبارات كما ذكر، لا يدخل أحد الاعتبارين على الآخر. ومن تأول واحد أمه بمنفرد أمه، وعبد بطنه بخادم بطنه، اعتقد تنكيرهما لتأولهما باسم الفاعل، ومن لم يتأولهما باسم الفاعل أقرهما على التعريف بالإضافة، وهذا لا يبعد نظيره في اللفظ الواحد باعتبار تأويلين. ألا ترى أن مثلك نكرة عند أكثر العرب، ومعرفة عند بعضهم؟» انتهى (١). والذي ذكره الشيخ من الاعتبارين صحيح. ثم قال: وأما قوله: ومثلهما ذو الألف واللام الجنسيتين - فلا يقوم دليل على أن الذي هي فيه نكرة، ولا يقوم دليل على أنها تنعت بالنكرة. وأما قولهم: مررت بالرجل خير منك، فيحتمل أن تكون اللام زائدة، أو يكون (خير منك) بدلا لا وصفا. وأما قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (٢) فنسلخ جملة حالية لا نعت. انتهى (٣). قلت: وقد قال المصنف في باب المعرف بالأداة: «والبدليّة في نحو: ما يحسن بالرّجل خير منك - أولى من النّعت والزّيادة» (٤). وإذ قد عرفت هذا فلنذكر حدي المعرفة والنكرة، وأحسن ما قيل إن المعرفة: هي ما وضع لشيء بعينه، فما وضع لشيء: يشمل المعرفة والنكرة. وبعينه: يخرج النكرة، ولا يعني بالتعريف أن يكون المدلول معينا للمخاطب حتى لا يلتبس بغيره، وإنما يعني به أن يكون اللفظ موضوعا لمعين، على خلاف وضع النكرات في كونها موضوعة لواحد لا بعينه من آحاد مشتركة في معنى كلي. وإن النكرة: هي ما وضع لشيء لا بعينه، أي لواحد شائع في أمته لا يخصّ -

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واحدا دون آخر باعتبار الوضع وبخلاف المعرفة. وفي كلام المصنف إشارة إلى شيء من هذا، حيث قال في الكافية الشافية: ما شاع في جنس كعبد نكرة ... وغيره معرفة كعنترة (١) والمراد بالمنادى في كلام المصنف: النكرة المقبل عليها؛ لأن النكرة غير المقبل عليها باقية على التنكير، والعلم باق في النداء على تعريف العلمية، خلافا لمن ادعى أنه ينكر ثم يعرف بالنداء. والمراد بالمضاف: ما أضيف إلى معرفة إضافة معنوية لا لفظية؛ وإنما سكت عن تبيين ذلك لوضوحه. وعند المصنف: أن أقسام المعرفة سبعة كما ذكرها. وأكثرهم يذكرون أنها خمسة أقسام؛ لأنهم لا يعدون المنادى والموصول، ومنهم من يغفل المنادى خاصة فيكون الأقسام عنده ستة، لكن يعدها خمسة؛ لأنه يجعل منها قسما هو المبهم، ويعبر به عن اسم الإشارة والموصول. والسبب في أن منهم من يعد المنادى والموصول، ومنهم من لا يعدهما، أو لا يعد أحدهما: أنهم اختلفوا في الموجب لتعريفهما. وأما المنادى: فقيل: إنه معرفة بألف ولام محذوفتين. وناب حرف النداء منابهما؛ فهو من قبيل ما عرف باللام. قال الشيخ: «وهو الّذي صحّحه أصحابنا» (٢). وقيل: إنه معرفة بالإقبال عليه والقصد والخطاب، فهو قسم برأسه. قال المصنف: «قال قوم: تعريفه بحرف [١/ ١٢٦] حذف لفظا وبقي معنى، كما بقي معنى الإضافة في نحو: وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ (٣). وقال قوم: بل تعريفه بالمواجهة والإشارة إليه، وهذا المعنى مفهوم من ظاهر قول سيبويه، وهو أظهر وأبعد من التكلف» انتهى (٤). -

стр. 425

[ترتيب المعارف] قال ابن مالك: (وأعرفها ضمير المتكلم، ثمّ ضمير المخاطب، ثمّ العلم، ثمّ ضمير الغائب السّالم عن إبهام، ثمّ المشار به، والمنادى، ثمّ الموصول وذو الأداة؛ والمضاف بحسب المضاف إليه). ــ وأما الموصول: فذهب الأخفش (١) إلى أنه معرف باللام، وما ليس فيه لام كمن وما، فهو في معنى ما هي فيه، وأما أيهم فإنه معرف بالإضافة، وعلى هذا الأكثرون من النحاة؛ فالموصول على هذا من قبيل المعرف باللام أيضا. وذهب الفارسي (٢) إلى أن تعريفه بالعهد الذي في الصلة؛ وهذا هو رأي المصنف، ولذا عده قسما برأسه. وقد رد هذا المذهب بأن الصلة تتنزل من الموصول منزلة الجزء، فكما أن جزء الشيء لا يعرف الشيء، كذلك ما نزل منزلته. وفي هذا الرد نظر لا يخفى (٣). قال ناظر الجيش: اعلم أن معنى كون بعض المعارف أعرف من الآخر، أن يكون أقل اشتراكا من الذي أعرف منه، فيكون تطرق الاحتمال إلى الأعرف أقل من تطرقه إلى غير الأعرف، وعلى هذا يندفع ما ذكر عن ابن حزم الظاهري (٤) -

стр. 426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رحمه الله تعالى، من أن المعارف كلها مستوية الرتبة، فلا يصح أن يقال: هذا أعرف من هذا؛ لأن المعرفة لا تتفاضل. ولا يصح أن يقال: عرفت هذا أكثر من هذا؛ لأنه يكون في حق المرجوح المعرفة جهلا؛ فالذي أشار إليه ابن حزم وإن كان صحيحا في نفسه هو غير ما أراده أهل الصناعة النحوية (١). ثم إن المنادى والموصول لم يخصا بالذكر عند التعرض لذكر التفاضل بين المعارف: أما على رأي من لا يعدهما قسمين برأسيهما فظاهر، وأما على رأي من يعدهما كالمصنف، فلأنه جعل المنادى في رتبة المشار إليه، والموصول في رتبة ذي الأداة؛ فعلى هذا إنما يذكر التفاضل بين الخمسة الباقية وهي: المضمر، والعلم، والمشار به، وذو الأداة (٢)، والمضاف إلى أحدهما. واعلم أنه ما من شيء من المعارف المذكورة إلا قيل إنه أعرف من بقيتها إلا المضاف. وسببه أن المضاف إنما يكتسب التعريف من الذي أضيف إليه، فلا يمكن جعله أعرف مما اكتسب منه التعريف. إذا تقرر هذا: فقيل: المضمر أعرفها، وعلى ذلك الجمهور وهو مذهب سيبويه، وقيل: العلم أعرفها، وعزي إلى الكوفيين والصيمري (٣)، وقيل: اسم الإشارة أعرفها، ونسب إلى ابن السراج، وقيل: المعرف بأل أعرفها. والأصح: أن الضمير أعرفها، ثم يليه العلم، ثم اسم الإشارة، ثم ذو الأداة، وهذا هو الذي أورده المصنف. وقد تقدم أن المنادى في رتبة المشار به؛ وأن الموصول -

стр. 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في رتبة ذي الأداة (١). وأما المضاف إلى أحدها ففيه ثلاثة مذاهب: أحدها: أن ما أضيف إلى شيء فهو في رتبة ذلك الشيء، وهو رأي جماعة منهم المصنف. الثاني: أن ما أضيف [١/ ١٢٧] إلى شيء فهو دون ما أضيف إليه في الرتبة وهو قول المبرد. الثالث: التفصيل وهو إن أضيف إلى غير المضمر فهو في رتبته، وإن أضيف إلى المضمر فهو في رتبة العلم (٢). وذكر ابن عصفور (٣) أنه مذهب سيبويه. واختار الشيخ أن العلم أعرف المعارف، ثم المضمر، ثم المبهم، ثم ذو الأداة؛ -

стр. 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فجرى على الترتيب المذكور آنفا، غير أنه قدم العلم على المضمر، قال: «وإنما ذهبت إلى تقديم العلم؛ لأنه جزئي وضعا واستعمالا، وباقي المعارف كليات وضعا، جزئيات استعمالا. فأنا مثلا لكل متكلم، وكذا أنت لكل مخاطب، وهو لكل غائب؛ فوضعت كلية وبالاستعمال تصير جزئية، وكذا اسم الإشارة وضع لكل من يشار إليه» انتهى (١). وهذا الذي ذهب إليه الشيخ من أن المضمر وبقية المعارف غير العلم كليات وضعا - ذهب إليه بعض المتأخرين من علماء الأصول، فاستشكل كونهم جعلوا الضمير أعرف المعارف. والحق أن المضمر جزئي وضعا؛ وذلك أن أنا مثلا وضع للمتكلم، والمتكلم حال التكلم معين. وأنت للمخاطب والمخاطب حال الخطاب معين، وكذا بقية الضمائر. واسم الإشارة أيضا وضع للمشار إليه، وهو معين حال الإشارة إليه، فلم يوضع كل من الضمير واسم الإشارة إلا لمعين. ثم إذا كان المضمر أعرف من بقية المعارف، فإن تعريفه في نفسه متفاوت بالنسبة إلى أنواعه، فضمير المتكلم أعرف. قال المصنف: لأنه يدل على المراد به بنفسه، وبمشاهدة مدلوله، وبعدم صلاحيته لغيره وبتميز صوته (٢). ثم ضمير المخاطب؛ لأنه يدل على المراد به بنفسه وبمواجهة مدلوله. ويقتضي قولهم: إن الضمير أعرف المعارف أن يلي ضمير المخاطب في الرتبة ضمير الغائب، وقد صرح ابن عصفور بذلك (٣). لكن المصنف جعل رتبة العلم قبل رتبة ضمير الغيبة، قال: لأن العلم يدل على المراد به حاضرا وغائبا على سبيل الاختصاص. قال الشيخ: «لا أعلم أحدا جعل العلم أعرف من ضمير الغائب إلّا المصنف» (٤). وقيد المصنف ضمير الغائب بكونه سالما عن إبهام ومثله بقوله: زيد رأيته، قال: -

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «فلو تقدمه اسمان أو أكثر نحو: قام زيد وعمرو كلمته - لتطرق إليه إبهام، ونقص تمكنه في التّعريف» انتهى (١). وعلى ما قرره لم تعرف رتبة الضمير المتطرق إليه الإبهام ما هي في التعريف؛ والظاهر أنها دون رتبة الضمير السالم عن الإبهام، وفوق رتبة المشار إليه (٢). وقول المصنف: ثمّ المشار به والمنادى - قد تقدم أن المشار به دون العلم في الرتبة وأن المنادى في رتبته؛ وقوله: ثم الموصول وذو الأداة تقدم أن ذا الأداة بعد المشار إليه في الرتبة، وأن الموصول في رتبته. قال المصنف: «وهو بحسب صلته يتكمل تعريفه بكمال وضوحها وينقص بنقصانها» (٣) وكلامه في الشرح يشعر بتقديم الموصول في الرتبة على ذي الأداة [١/ ١٢٨] (٤). قال ابن عصفور - بعد أن ذكر أعرف المضمرات - (٥): «وأعرف الأعلام أسماء الأماكن، ثم أسماء الأناسي، ثم أسماء الأجناس. وأعرف الإشارات ما كان للقريب ثم للمتوسط ثم للبعيد؛ وأعرف ذي الأداة ما كان فيه للحضور ثم للعهد في شخص، ثمّ للعهد في جنس. وأسماء الأجناس لا يعرف تعريفها من تنكيرها إلا بالاستقراء. فمما هو معرفة ابن آوى وابن قرة (٦)، ومما هو نكرة ابن لبون وابن مخاض، ومما جاء معرفة ونكرة ابن عرس. وأما ابن أوبر فزعم سيبويه أنه معرفة لامتناعه من الصرف (٧)، وقال المبرد: هو نكرة لدخول اللام (٨) عليه في قول الشاعر: -

стр. 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٧٩ - [ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا] ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (١) وعند من يرى مذهب سيبويه تكون أل في هذا الاسم زائدة». انتهى ملخصا (٢). وقوله: والمضاف بحسب المضاف إليه قد تقدم ذكر المذاهب فيه، وأن مذهب سيبويه أن المضاف في رتبة المضاف إليه؛ إلا المضاف إلى المضمر فإنه في رتبة العلم. وإنما جعلوا المضاف إلى المضمر دونه في الرتبة؛ لئلا يكون مساويا للمضمر في التعريف؛ والغرض أن المضمر فقط أعرف المعارف، فلا يشاركه غيره؛ وليس بعد المضمر رتبة تليه إلا رتبة العلم؛ فقالوا: هو في رتبة العلم، ولا يخفى ضعف هذا التعليل (٣). وأما من جعل المضاف في رتبة المضاف إليه مطلقا، فعمدته في ذلك أن سيبويه حكم بذلك فيما أضيف إلى ذي الأداة، فعمم هؤلاء الحكم (٤). وقد قيل إن سيبويه لم يطلق التسوية إلا في المضاف إلى ذي الأداة؛ وموجب ذلك أن ذا الأداة أقل وجوه التعريف، فلا انحطاط بعده. وأما أبو العباس المبرد فإنه حمل المضاف إلى كل واحد من الثلاثة غير المضمر على -

стр. 431

[تفوق الأقل في التعريف] قال ابن مالك: (وقد يعرض للمفوق ما يجعله مساويا أو فائقا). ــ المضاف إلى المضمر، فجعل المضاف إلى كل منها دونه في التعريف، ورد عليه بقوله تعالى: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ (١) فوصف المضاف إلى ما فيه اللام بما فيه اللام؛ والمتقرر أن النعت لا بد أن يكون مساويا للمنعوت في التعريف أو أقل منه تعريفا، ويلزم من قول المبرد أن يكون النعت فائقا للمنعوت في التعريف، وهو لا يجوز. وأنشد ابن عصفور في شرح الجمل ردّا على المبرد، قول الشاعر: ١٨٠ - فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه ... يمرّ كخذروف الوليد المثقّب (٢) وقول الآخر: ١٨١ - كتيس الظّباء الأعفر انضرجت له ... عقاب تدلّت من شماريخ ثهلان (٣) ووجه الرد فيما قرر في الآية الكريمة. قال ناظر الجيش: لم يمثل المصنف لمفوق جعل مساويا؛ بل مثل لمفوق جعل فائقا، قال: «كقولك لرجلين حضراك دون ثالث: لك مبرّة بل لك، فإنهما -

стр. 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يعرفان بمجرد هذا اللفظ المعطوف من المعطوف عليه ما لم يعضد اللفظ بمواجهة أو نحوها؛ بخلاف قولك: للكبير منكما مبرّة بل للصّغير أو بالعكس، أو تقول: للّذي سبق منكما مبرّة، بل للّذي تأخّر، فإنهما لا يرتابان في مراده بالأول والثاني فقد عرض لذي الأداة والموصول ما جعلهما فائقين في الوضوح لضمير الحاضر. وكذلك يعرض للعلم ما يجعله أعرف من ضمير المتكلم [١/ ١٢٩] كقول من شهر باسم لا شركة فيه لمن قال له: من أنت؟ أنا فلان، ومنه قوله تعالى: أَنَا يُوسُفُ (١) فالبيان لم يستفد بأنا بل بالعلم بعده. وقد يعرض للموصول مثل ما عرض للعلم، كقول من شهر بفعل لا شركة فيه لمن قال له: من أنت؟ أنا الذي فعل كذا. ومن هذا القبيل سلام الله على من أنزل عليه القرآن، وعلى من سجدت له الملائكة. ومنه: وا من حفر بئر زمزماه» انتهى (٢). وفيما ذكره نظر؛ وذلك أن ضمير المخاطب إنما يدل على معناه بالمواجهة. وقول المصنف: ما لم يعضد اللفظ بمواجهة، يدل على أن المواجهة في إيراد المثال الذي ذكره مفقودة، وإذا فقدت المواجهة فقد الخطاب، وإذا فقد الخطاب فقدت دلالة اللفظ على ما يقصد به. ولا شك أن قولنا للكبير أو للصغير أو للذي سبق أو تأخر، يتطرق إليه من الاحتمال ما لا يتطرق إلى الضمير في قولنا: لك بل لك إذا حصلت المواجهة من المتكلم للمخاطب، فكيف يكون ما يتطرق إليه الاحتمال أعرف من الذي لا يتطرق إليه احتمال، أو يكون النظر إليه أقل، فلم يظهر أن ذا الأداة والموصول فاقا ضمير الحضور في الوضوح. وأما قوله: إن العلم قد يكون أعرف من ضمير المتكلم كقول القائل: أنا فلان - فغير ظاهر، وذلك أن العلم لم يذكر بعد الضمير للإيضاح؛ لأن دلالة الضمير على -

стр. 433

[تعريف النكرة] قال ابن مالك: (والنّكرة ما سوى المعرفة). ــ معناه لا لبس فيها، فيحتاج إلى الإزالة. وإنما ذكر ليعلم المخاطب أن المتكلم صاحب هذا الاسم، أي الذي يطلق عليه هذا الاسم؛ فإن المخاطب قد كان يعرف اسما ولا يدري من هو المراد به، فأفاده المتكلم أنه هو المراد بذلك الاسم، فالمخاطب إنما كان يجهل المراد بذلك الاسم، ولم يجهل المتكلم أصلا، وفي قوله تعالى: قالَ أَنَا يُوسُفُ بعد قول إخوة يوسف - عليه وعليهم السّلام -: قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ (١) ما يشعر بما ذكرته. قال ناظر الجيش: قال المصنف: «تمييز النكرة بعد عد المعارف بأن يقال: وما سوى ذلك نكرة - أجود من تمييزها بدخول رب والألف واللام، لأن من المعارف ما تدخل عليه الألف واللام كفضل وعباس، ومن النكرات ما لا يدخل عليه رب ولا الألف واللام، كأين وكيف وعريب وديّار» انتهى (٢). واعلم أن غير المصنف تعرض لذكر رتب الأسماء في التنكير، كما ذكر رتبها في التعريف، فقالوا: «أنكر النّكرات شيء ثمّ متحيز ثم جسم ثم نام ثم حيوان ثم ماش ثم ذو رجلين ثم إنسان ثم رجل». فهذه تسعة أشياء. وحكم ما يقابل كل واحد من هذه الأسماء حكم ما هو في مرتبته؛ فأما شيء فليس له ما هو في مرتبته؛ لأنه أعم النكرات؛ ومتحيز في مرتبته غير متحيز، وجسم في مرتبته هيئة، ونام في مرتبته غير نام، وحيوان في مرتبته جماد، وماش في مرتبته سابح وطائر، وذو رجلين في مرتبته [١/ ١٣٠] غير ذي رجلين، وذو أرجل وإنسان في مرتبته بهيمة، ورجل في مرتبته امرأة (٣). قال ابن عصفور (٤) - لما رد على أبي القاسم (٥) تقسيمه -: «والصحيح أنّ كلّ نكرة يدخل غيرها تحتها ولا تدخل هي تحت غيرها فهي -

стр. 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنكر النّكرات؛ فإن دخلت تحت غيرها، ودخل غيرها تحتها؛ فهي بالإضافة إلى ما يدخل تحتها أعمّ وبالإضافة إلى ما تدخل تحته أخصّ». وقال ابن الضائع - ما معناه -: «إن قول النحاة: أنكر النكرات كذا ثم كذا، إنما يكون في الأمور التي ينسب بعضها إلى بعض بالعموم والخصوص المطلق، فالأمور المتباينة أو المتساوية في العموم والخصوص، أو التي ينسب بعضها إلى بعض بالعموم والخصوص من وجه لا يكون فيها ذلك». قال بعد تقسيم ذكره: «فمعنى قولهم: أنكر النكرات شيء - يعنون أنكر النكرات الداخل بعضها تحت بعض المتفاضلة في العموم والخصوص». قال: «ولذلك لا يرد عليهم أن يقال ليس شيء أنكر من موجود». ثم قال: «فإن قيل: معلوم أنكر من شيء؛ لأن المعلوم يقع على المعدوم. قيل: ربّ شيء ليس بمعلوم لنا؛ فلفظة معلوم من حيث هي فقط لا بالنظر إلى العالم ليست بأعم من شيء على الإطلاق. ولا يرد علينا أن كلّ شيء معلوم لله تعالى؛ فإن من الأشياء ما هو مجهول عندنا فيصدق عليه أنه ليس بمعلوم. فلفظة معلوم إضافية لا ينبغي أن تقرن بما هو موضوع على ذاته من حيث هي تلك الذات لا بالنظر إلى غيرها» انتهى كلام ابن الضائع (١). واعلم أن مذهب سيبويه (٢) أن النكرة أول والمعرفة بعدها وطارئة عليها؛ وزعم الكوفيون وابن الطراوة (٣) أن الأمر ليس على ما ذهب إليه سيبويه، قالوا: «لأن من الأسماء ما التعريف فيه قبل التنكير، نحو مررت بزيد وزيد آخر، ومنها ما لا يفارقه التعريف كالمضمرات، ومنها ما التنكير فيه قبل التعريف، كما قال سيبويه؛ فضم الجميع إلى هذا الضرب الواحد غير صحيح». -

стр. 435

[اختلاف النحويين في ترتيب المعارف] قال ابن مالك: (وليس ذو الإشارة قبل العلم؛ خلافا للكوفيّين، ولا ذو الأداة قبل الموصول، ولا من وما المستفهم بهما معرفتين؛ خلافا لابن كيسان في المسألتين). ــ قال الأستاذ أبو علي الشلوبين: «لم يلتفت سيبويه هنا في التعريف والتنكير إلا إلى حال الوجود لا إلى ما تخيله الكوفيون، وإذا نظر إلى حال الوجود كان التنكير قبل التعريف صحيحا؛ لأن الأجناس هي أول ثم الأنواع ووضعها على التنكير؛ إذ كان الجنس لا يختلط بالجنس، والنوع لا يختلط بالنوع، والأشخاص هي التي حدث فيها التعريف لاختلاط بعضها ببعض. فالذي قاله سيبويه صحيح لا اعتراض عليه» (١). قال ناظر الجيش: قال المصنف (٢): «اسم الإشارة عند الكوفيين أعرف من العلم، ولهم في ذلك شبهتان (٣): إحداهما: أن اسم الإشارة ملازم للتعريف غير قابل للتنكير، والعلم بخلاف ذلك؛ فكان تعريفه دون تعريف اسم الإشارة (٤). والثانية: أن تعريف اسم الإشارة حسي وعقلي، وتعريف العلم عقلي لا غير. وتعريف من جهتين أقوى من تعريف من جهة واحدة. والجواب عن الأولى أن يقال [١/ ١٣١]: لزوم الشيء معنى لا يوجب له مزية على ما له ذلك المعنى دون لزوم. بل قد تثبت المزية لغير ذي اللزوم على ذي اللزوم كما تثبت لنقيضك على غيرك مزية، فيتعرف بالإضافة مع عدم لزومه لها، ولم يتعرف غيرك بها مع لزومه لها. وكما يثبت للجميع مزية على الجماء في قولهم: جاءوا الجماء الغفير، بحيث عد الجميع -

стр. 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ معرفة غير مؤولة بنكرة مع عدم لزوم الألف واللام، وأول الجماء الغفير بنكرة مع لزوم الألف واللام. والجواب عن الثانية أن يقال: المعتبر في كون المعرفة معرفة الدلالة المانعة من الشياع، سواء حصل ذلك من جهة أو جهتين. والمعتبر في ترجيح التعريف قوة منع الشياع وزيادة الوضوح. ومعلوم أن اسم الإشارة وإن عين المشار إليه فحقيقته لا تستحضر به على التمام، وذلك لا يستغني غالبا عن صفة تكمل دلالته؛ بخلاف العلم، لا سيما علم لم تعرض فيه شركة كإسرافيل وطالوت وأدد ونزار ومكة ويثرب. وذهب ابن كيسان (١) إلى أن ذا الأداة أعرف من الموصول؛ وشبهته أن ذا الأداة يوصف بالموصول كقوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى (٢) والموصوف به إما مساو وإما دون الموصوف؛ ولا قائل بالمساواة، فثبت كون الذي أقل تعريفا من الكتاب. والجواب أن يقال: لا نسلم كون الذي في الآية صفة بل هو بدل أو مقطوع على إضمار فعل ناصب أو مبتدأ، وعلى تقدير كون الذي صفة، فالكتاب علم بالغلبة؛ لأن المعنيين بالخطاب بنو إسرائيل، وقد غلب استعمال الكتاب عندهم مرادا به التوراة، فالتحق في عرفهم بالأعلام، فلا يلزم من وصفه بالذي جواز وصف غيره مما يلحق بالأعلام. وبالجواب الأول يجاب من أورد نحو قوله تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (٣). وقد تقدمت الإشارة إلى أن الموصول قد تتضح صلته وضوحا يجعله في رتبة العلم، ولا يكون ذلك في ذي الأداة غالبا، إلا إذا عرض له ما عرض للنجم والصّعق من الغلبة الملحقة -

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالأعلام الخاصة. انتهى (١). وهذا الجواب الذي أجاب به المصنف ابن كيسان - يدل منه على أن الموصول ليس مساويا في التعريف ذا الأداة؛ بل رتبة الموصول أعلى. قال الشيخ: «ثبت في بعض نسخ هذا الكتاب أن ذا الأداة بعد الموصول؛ فصارت المذاهب ثلاثة: أحدها: أن الموصول وذا الأداة سواء. الثاني: أن الموصول أعرف. الثالث: أن ذا الأداة أعرف» (٢). وناقش المصنف في قوله: ولا قائل بالمساواة؛ قال: فإن مذهب أصحابنا أن الموصول من قبيل ما عرف باللام فيجوز أن [١/ ١٣٢] يوصف كل منهما بالآخر لتساويهما. فمن وصف ذي الأداة بالموصول الآيات الكريمة التي ذكرت، ومن قول الشاعر: ١٨٢ - أأنت الهلاليّ الّذي كنت مرّة ... [سمعنا به والأرحبيّ المعلّق] (٣) ومن وصف الموصول بذي الأداة قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ... (٤) الآيات. فوصف الذين بقوله: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ -

стр. 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ انتهى (١). وألحق ابن كيسان (٢) بالمعارف من وما الاستفهاميتين نظرا إلى أن جوابهما يكون معرفة، والجواب مطابق للسؤال. فإذا قيل: من عندك؟ فجوابه: زيد ونحوه؛ وإذا قيل: ما دعاك إلى كذا؟ فجوابه: لقاؤك أو نحوه؛ فدل تعريف الجواب على تعريف المجاب. قال المصنف: «وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن تعريف الجواب غير لازم؛ إذ لمن قيل له: من عندك؟ أن يقول: رجل من بني فلان، ولمن قيل له: ما دعاك إلى كذا؟ أن يقول: أمر مهم. والثاني: أن من وما في السؤالين قائمان مقام أي إنسان وأي شيء وهما نكرتان؛ فوجب تنكير ما قام مقامهما، والتمسك بهذا أقوى من التمسك بتعريف الجواب؛ لأن تطابق شيئين قائم أحدهما مقام الآخر، ألزم وآكد من تطابق الجواب السؤال. وأيضا فالتعريف فرع؛ فمن ادعاه فعليه الدليل بخلاف ادعاء التنكير» (٣). * * *

стр. 439

الباب السابع باب المضمر * [تعريف الضمير] قال ابن مالك: (وهو الموضوع لتعيين مسمّاه مشعرا بتكلّمه أو خطابه أو غيبته). قال ناظر الجيش: لما ذكر المعارف مجملة شرع في إيرادها مفصلة. وإنما أخر المنادى والمضاف فذكرهما في أثناء الكتاب؛ لأن الأول منصوب، والثاني يجر ما بعده؛ فناسب ألا يذكرا إلا بعد الدخول في أبواب المعربات وذكر المرفوعات والمنصوبات. وبدأ المصنف بالمضمر؛ لأنه الأعرف (١). والوضع قد تقدم تفسيره (٢). وأما التعيين فقد قال المصنف المراد به: «جعل المفهوم معاينا أو في حكم المعاين» قال: فذكره مخرج للنكرات، وذكر الوضع مخرج للمنادى والمضاف وذي الأداة، وذكر الإشعار بالتكلم أو الخطاب أو الغيبة - مخرج للعلم واسم الإشارة والموصول؛ لأن كل واحد منها (لا يختص بواحدة من الأحوال الثلاث؛ بل هو صالح لكل واحدة منها) (٣) على سبيل البدل؛ بخلاف المضمرات فإن المشعر منها بإحدى الأحوال الثلاث لا يصح لغيرها، هذا كلام المصنف. وفيه بحثان: الأول: كونه ذكر الوضع مخرجا للمنادى وما ذكر معه، ليس لأن الثلاثة غير موضوعة كما فهمه الشيخ (٤)؛ بل المراد به أنه لم يكن المقصود بوضعها تعيين مسماها إنما -

стр. 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المقصود شيء آخر. وتعيينها المسمى إنما حصل بطريق التبع. فالمقصود بالنداء: طلب إقبال المنادى، ويلزم من قصده بالطلب التعيين [١/ ١٣٣]. والمقصود بالإضافة: إفادة الملك أو الاختصاص؛ ويلزم منها إذا كانت إلى معرفة - التعيين. والمقصود بالأداة: الإحالة على شيء للمخاطب به شعور إما خارجي أو ذهني، فينجر التعيين بوساطة ذلك الشيء المشعور به. الثاني: ما شرح به المصنف كلامه يقتضي أن يكون التعيين جنسا، والوضع فصلا؛ وقد اعتمد هذا وهو جعل المذكور في مرتبة الجنس فصلا، وما يليه جنسا في بعض الحدود المذكورة في هذا الكتاب (١). ولا يضره ذلك؛ إذ ليس فيه غير تقديم فصل في الذكر على الجنس؛ ولو جعل المصنف الوضع جنسا والتعيين فصلا لاستقام، وذلك بأن قوله: الموضوع: يشمل النكرة والمعرفة؛ وقوله: لتعيين مسماه يخرج النكرة والمعارف الثلاثة التي هي المنادى والمضاف وذو الأداة. أما النكرة فلأنها موضوعة دون تعيين. وأما الثلاثة فإنها وإن عينت لم توضع لتعيين، أي ليس القصد من وضعها التعيين بل أمر آخر كما تقدم (٢). بخلاف بقية المعارف؛ فإنها وضعت لتعيين المسمى. وأما جعله التعيين مخرجا مع جعله إياه جنسا، فمن حيث صلاحيته لأن يكون فصلا ساغ فيه ذلك.

стр. 441

[مواضع استتار الضمير وجوبا] قال ابن مالك: (فمنه واجب الخفاء وهو المرفوع بالمضارع ذي الهمزة أو النّون، وبفعل أمر المخاطب، ومضارعه، واسم فعل الأمر مطلقا). قال ناظر الجيش: اعلم أن المضمر إما مستكن وإما بارز، والبارز قسمان: متصل ومنفصل، والمستكن قسمان: واجب الاستكنان وجائزه. وبدأ المصنف بالكلام على المستكن، وبدأ منه بما يجب استكنانه؛ فكأنه قال من المضمر مستكن؛ بدليل قوله بعد: ومنه بارز؛ ثم قال: فمنه، أي فمن المستكن واجب الخفاء؛ والمراد بالواجب الخفاء: ما لا يزال مستكنّا ولا يغني عنه ظاهر ولا مضمر بارز. وذكر أن الخفاء واجب في مواضع خمسة (١) وهي: المضارع ذو الهمزة والنّون كأفعل ونفعل، وفعل أمر المخاطب كافعل. وأراد بالمخاطب المفرد المذكر؛ فاستغنى عن التقييد باللفظ؛ فلو كان فعل الأمر لمؤنث أو مثنى أو جمع، برز الضمير كافعلي وافعلا وافعلوا. ومضارع المخاطب (٢) والمراد المفرد المذكر أيضا كتفعل واسم فعل الأمر كنزال. قال المصنف: «فكلّ واحد من هذه الأمثلة الخمسة رافع اسم استغنى بمعناه عن لفظه؛ فإن قصد توكيده جيء بالبارز المطابق له، وهو أنا بعد أفعل، ونحن بعد نفعل، وأنت بعد افعل وتفعل ونزال يا زيد» انتهى (٣). فعلى هذا أنت في قوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ * (٤) توكيد؛ ولو كان فاعلا لما قيل في خطاب الاثنين والجمع اسكنا أنتما واسكنوا أنتم؛ بل كان يقال اسكن أنتما واسكن أنتم. وذكر مطلقا بعد اسم الفعل تنبيها على أنه يستوي فيه خطاب الواحد المذكر -

стр. 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمؤنث ومثناهما ومجموعهما. ولم يذكر (مطلقا) مع فعل أمر المخاطب ومضارعه؛ تنبيها على أن وجوب خفاء مرفوعهما مخصوص بالإفراد والتذكير [١/ ١٣٤]. واستدرك الشيخ على المصنف قسما سادسا يجب فيه خفاء الضمير، وهو اسم الفعل المضارع للمتكلّم نحو أوّه بمعنى أتوجع وأفّ بمعنى أتضجر ونحوهما (١). والحق أن اسم الفعل مستغنى عن ذكره؛ لأن حكمه في وجوب الاستتار وعدمه حكم الفعل الذي هو بمعناه، فكان ذكر الفعل كافيا. وإنما خص المصنف اسم فعل الأمر بالذكر لمخالفته حكم فعله؛ وذلك أن فعله إنما يجب استتار مرفوعه إذا كان مسندا لمفرد مذكر. واسم الفعل إذا كان بمعنى الأمر يجب استتار مرفوعه مطلقا كائنا من كان، كما تقدم (٢). وإذا ذكر اسم فعل الأمر لموجب لا يلزمه ذكر اسم فعل غيره، ولو لم يذكر اسم الفعل أصلا لاستغني عنه؛ لأن حكم اسم كل فعل حكم فعله؛ ولا يضر كون الضمير مع فعل الأمر إذا كان لغير مفرد (مذكر) (٣) يبرز بخلاف اسم الفعل؛ لأنه قد علم أن الأسماء لا يبرز معها ضمير رفع؛ فلا حاجة إلى التعرض إليه بالذكر. وقد استدرك غير الشيخ أيضا المصدر الآتي بدلا من فعل الأمر؛ فإنه يجب معه استتار الضمير (٤). والجواب: أن حكمه في وجوب الاستتار حكم الفعل الذي هو بدل عنه؛ فلذا لم يذكره (٥).

стр. 443

[مواضع استتار الضمير جوازا] قال ابن مالك: (ومنه جائز الخفاء، وهو المرفوع بفعل الغائب والغائبة أو معناه من اسم فعل وصفة وظرف وشبهه). قال ناظر الجيش: أي ومن المستكن. والجائز الخفاء: هو الذي يخلفه ظاهر أو مضمر بارز، كقولك: زيد حسن؛ ففي حسن ضمير منوي مرفوع به، ليس خفاؤه واجبا بل جائزا؛ لأنه قد يخلفه ظاهر نحو: زيد حسن وجهه، ومضمر بارز نحو: زيد ما حسن إلا هو. وكذا حكمه مع فعل الغائبة نحو: هند حسنت وحسنت صورتها، وما حسن إلا هي. وأطلق المصنف فعل الغائب والغائبة، فدخل فيه الماضي والمضارع. وبقيد الإفراد (١) خرج ضده وهو التثنية والجمع. ومثال المرفوع باسم الفعل المشار إليه: هند هيهات؛ فهيهات رافع ضميرا عائدا على هند، وليس خفاؤه واجبا وإن كان لا يثنى ولا يجمع؛ لكنه قد يخلفه ظاهر نحو: هند هيهات دارها. وعدم تمثيل المصنف مع اسم الفعل المضمر البارز، يدل على أنه لا يرفعه. قال الشيخ: «ولا يرفع اسم الفعل الضّمير البارز؛ فلا يقال هند ما هيهات إلّا هي؛ لأنّه لم يتّسع في اسم الفعل، فينفى كما ينفى الفعل» (٢). ومثال المرفوع بصفة وظرف وشبهه: زيد حسن وعمر عندك أو في الدار؛ فحسن وعندك وفي الدار قد ارتفع بكل منهما ضمير مستكن جائز الخفاء؛ لأنه قد يخلفه ظاهر وضمير بارز نحو: زيد حسن وجهه، أو ما حسن إلا هو، وعمرو عندك مقامه، أو ما عندك إلا هو، وبشر في الدار شخصه، أو ما فيها إلا هو [١/ ١٣٥]. -

стр. 444

[الحديث عن الضمير المتصل المرفوع] قال ابن مالك: (ومنه بارز متّصل: وهو إن عني به المعنيّ بنفعل «نا» في الإعراب كلّه، وإن رفع بفعل ماض فتاء تضمّ للمتكلّم، وتفتح للمخاطب، وتكسر للمخاطبة، وتوصل مضمومة بميم وألف للمخاطبين والمخاطبتين، وبميم مضمومة ممدودة للمخاطبين، وبنون مشدّدة للمخاطبات. وتسكين ميم الجمع إن لم يلها ضمير متّصل أعرف، وإن وليها لم يجز التّسكين؛ خلافا ليونس). (وإن رفع بفعل غيره فهو نون مفتوحة للمخاطبات، أو الغائبات، وألف التّثنية في غير المتكلّم، وواو للمخاطبين أو الغائبين، وياء للمخاطبة، وللغائب مطلقا مع الماضي ما له مع المضارع، وربما استغني معه بالضّمّة عن الواو، وليس الأربع علامات، والفاعل مستكنّ خلافا للمازنيّ فيهنّ، وللأخفش في الياء). ــ وقد عرفت مما ذكر أن جملة الضمائر المستكنة خمسة، وهي: المدلول عليها بأنا، ونحن، وأنت، وهو، وهي، وكلها في موضع رفع؛ إذ الضمير المستكن لا يكون غير مرفوع. وأما المدلول عليها بأنت وأنتما وأنتم وأنتن، وهما وهم وهن - ففروع عن الخمسة المذكورة. وقد يجعل كلمة هي من الفروع أيضا؛ فتكون الأصول على هذا أربعة لا غير. قال ناظر الجيش: الضمير في قوله: ومنه - راجع إلى المضمر، أي: ومن المضمر بارز، والبارز قسيم المستكن، وقال المصنف هنا: البارز ضد المستكن. فدل ذكره المستكن على أن مراده ما تقدمت الإشارة إليه، وهو تقسيم المضمر أولا إلى مستكن وبارز، ثم تقسيم المستكن إلى واجب الخفاء وجائزه. وقد علمت أن البارز متصل ومنفصل. فالمتصل: ما لا يقع أولا، ولا يستغني عن مباشرة العامل لفظا وخطّا. والمنفصل: بخلافه. وسيأتي الكلام عليه في فصل مفرد. -

стр. 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم المتصل على أربعة أقسام: إما مرفوع الموضع، وإما منصوبه، وإما مجروره، وإما صالح للثلاثة. أما الصالح لها فكلمة نا خاصة؛ وهي المستعملة إما للمتكلم المعظم نفسه، أو المبين بكونه مشاركا بواحد أو أكثر، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: وهو إن عني به المعنيّ بنفعل نا في الإعراب كلّه؛ لأنه قد تقدم التنبيه على أن نون نفعل تدل على المتكلم معظما أو مشاركا. ثم هذا المضمر أعني نا، لا يرفع إلا بالفعل الماضي خاصة، وينصب بالأفعال الثلاثة وبما يعمل عملها من الأسماء والحروف، ويجر بالإضافة وبالحرف. وأما المنصوب الموضع والمجروره فيأتي الكلام فيه في هذا الفصل. وأما المرفوع الموضع فاعلم أن أصوله خمسة، وهي: تاء ونون مفتوحة وألف وواو وياء؛ وبضم كلمة نا المرفوعة إليها تصير ستة. ثم هذه الخمسة منها ما يسند إليه الماضي خاصة، ومنها ما يسند إليه المضارع والأمر، ومنها ما يسند إليه الثلاثة. فالأول: التّاء: ويشترك فيها المتكلم والمخاطب؛ فضمها دليل [١/ ١٣٦] على المتكلم، وفتحها دليل على المخاطب، وكسرها دليل على المخاطبة، وضمها متلوة بـ «ما» دليل على المخاطبين والمخاطبتين، وضمها متلوة بميم مضمومة ممدودة دليل على المخاطبين، وضمها متلوة بنون مشددة دليل على المخاطبات. وإلى هذا الإشارة بقوله: وإن رفع بفعل ماض فتاء إلى قوله: وبنون مشدّدة للمخاطبات. والثاني: الياء: وهي للمؤنثة المخاطبة خاصة نحو تفعلين وافعلي، وإلى هذا الإشارة بقوله: وياء للمخاطبة. والثالث: النون والألف والواو: لكنها مع المضارع والأمر للخطاب أو للغيبة، نحو: تفعلن وافعلن، وهن يفعلن وتفعلان وافعلا ويفعلان ويفعلون وتفعلون وافعلوا ويفعلون؛ وإلى هذا الإشارة بقوله: وإن رفع بفعل غيره فهو نون إلى والغائبتين أي: وإذا رفع الضمير البارز -

стр. 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المتصل بفعل غير الماضي فهو كذا إلى آخره. وإنما عدل مع ذكر الألف إلى قوله: لتثنية غير المتكلم للاختصار؛ فهو أولى من قوله: للمخاطبين والمخاطبتين والغائبين والغائبتين. ولما لم يكن للغائبة في الياء نصيب اقتصر على قوله: وياء للمخاطبة، وأما مع الماضي فللغيبة فقط كفعلن وفعلا وفعلوا. وإلى ذلك الإشارة بقوله: وللغائب مطلقا مع الماضي ما له مع المضارع. ولا أعرف ماذا أراد بمطلقا لكنه قال في الشرح (١): «وتسند الماضي في الغيبة إلى ما تسند إليه المضارع فتقول: زيد فعل، وهند فعلت، والزيدان فعلا، والهندان فعلتا، والزيدون فعلوا، والهندات فعلن» ثم قال: وإلى هذا أشرت بقولي: وللغائب مطلقا مع الماضي ما له مع المضارع، وهو كلام صحيح، غير أن إدخال زيد فعل وهند فعلت هنا ليس بجيد؛ لأن الكلام الآن إنما هو في الضمير البارز لا في المستكن. على أن الحكم في الضمير المفرد الغائب أو غائبة بالنسبة إلى ما يسند إليه من ماض أو مضارع، قد عرف مما تقدم عند ذكر جائز الخفاء. وقد عرف مما تقدم: أن أصول المضمر البارز المتصل المرفوع ستة ألفاظ، وتقدم أن أصول المستكن أربعة إذا لم يجعل كلمة هي أصلا بل فرعا لهو، فيكون مجموع أصول المضمر المرفوع من مستكن وبارز متصل عشرة ألفاظ (٢). ثم قد بقي الكلام على ثلاثة مواضع من كلام المصنف في المتن: -

стр. 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - الأول: ما أشار إليه: وتسكين ميم الجمع إلى آخره. وحاصله: أن ميم الجمع المتصلة بتاء الضمير لها ثلاثة استعمالات: التسكين، وضمها باختلاس، وضمها بإشباع، لكن الإسكان أعرف من قسيميه، والإشباع أقيس وهو الأصل (١)، واستعماله أقل من السكون وأكثر من [١/ ١٣٧] الاختلاس ولقلة الاختلاس لم يتعرض إليه في المتن. هذا إذا لم يل الميم ضمير منصوب متصل، فإن وليها الضمير المذكور لزم الإشباع، كقوله تعالى: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٢)، وأجاز يونس التسكين نحو: رأيتمه (٣). قال المصنف: «ولا أعلم له في ذلك سماعا إلا ما روى ابن الأثير (٤) في غريب الحديث (٥) من قول عثمان ﵁: «أراهمني الباطل شيطانا» وقياسه (٦): أراهموني ولو جاء هكذا كان أيضا شاذّا مثل الإسكان من وجه آخر: وهو أنه إذا تعدى الفعل إلى مفعولين وكانا ضميرين، فإن ضمير المتكلم يقدم على ضمير المخاطب وعلى ضمير الغائب، وضمير المخاطب يقدم على ضمير الغائب؛ فكان القياس أن يقال أرانيهم الباطل شيطانا» انتهى. -

стр. 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وناقش الشيخ المصنف في أمرين: أحدهما: كون قصر الخلاف على يونس؛ لأن الكسائي والفراء يجيزان (١) وقد قرئ: أنلزمكمها (٢) بإسكان الميم، قال: وكلام سيبويه يدلّ على أنّه مسموع؛ فإنّه قال (٣): وزعم يونس أنّك تقول أعطيتكمه كما تقول في المظهر، والأوّل أكثر وأعرف. يعني بالأول ما قدمه من قوله: أعطيتكموه. الثاني: قوله: فكان القياس أن يقال: أرانيهم الباطل شيطانا. قال الشيخ (٤): «هذا لا يصح؛ فإن معناه عكس ما أراد عثمان ﵁؛ لأنه كان يكون هو الذي رآهم شيطانا؛ والمعنى أنهم هم رأوه شيطانا. فالقياس أن يقال في معنى ما أراد عثمان ﵁: أراهم إيّاي الباطل شيطانا. إذ هم الرّاءون قبل همزة التعدية [لا هو] (٥) انتهى. - الموضع الثاني (٦): قوله: «وربّما استغني معه بالضّمّة عن الواو». والإشارة بذلك إلى أنه قد يقال في نحو فعلوا فعل فالضمير في معه عائد على الماضي. وأنشد المصنف على ذلك: ١٨٣ - يا ربّ ذي لقح ببابك فاحش ... هلع إذا ما النّاس جاع وأجدبوا (٧) -

стр. 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: وأنشد السيرافي (١): ١٨٤ - لو أنّ قومي حين أدعوهم حمل ... على الجبال الصّمّ لانهدّ الجبل (٢) أراد حملوا فحذف الواو اكتفاء بالضمة ثم وقف فسكن (٣). قال الشيخ (٤): «ويجوز أن يكون أخبر عن القوم إخبار المفرد؛ لكونه اسم جمع؛ فراعى اللفظ فيه كما يقال: الرّهط صنع والركب سافر؛ فراعى الشّاعر المعنى في أدعوهم وراعى اللفظ في حمل». وأنشد غير المصنف: -

стр. 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١٨٥ - فلو أنّ الأطبّا كان حولي ... وكان مع الأطبّاء الأساة (١) قال المصنف: وربما فعل مثل هذا مع فعل الأمر، كقول الشاعر: ١٨٦ - إنّ ابن الأحوّص معروف فبلّغه ... في ساعديه إذا رام العلا قصر (٢) - الموضع الثالث: قوله: وليس الأربع علامات ... إلخ. اعلم أن المازني (٣) زعم أن النون والألف والواو والياء المشار إليها حروف تدل على أحوال الفاعل كالتاء من فعلت. والفاعل مستكن كاستكنانه في زيد فعل وهند فعلت. قال المصنف: «وما زعمه المازني غير صحيح، وإنما هي أسماء أسند الفعل إليها دلّت على مسمياتها كدلالة نا من فعلنا، والتاء من فعلت (٤)؛ لأن المراد مفهوم بها -

стр. 451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأصل عدم الزيادة؛ لأنها لو كانت حروفا [١/ ١٣٨] تدلّ على أحوال الفاعل المستكنّ كالتاء من هي فعلت لجاز حذفها في نحو: الزيدان قاما والزيدون قاموا، كما جاز حذف التاء في نحو: ١٨٧ - [فإمّا تريني ولي لمّة] ... فإنّ الحوادث أودى بها (١) وقول الآخر: ١٨٨ - [فلا مزنه ودقت ودقها] ... ولا أرض أبقل إبقالها (٢) بل كانت الألف وأخواتها أحق بجواز الحذف؛ لأن معناه أظهر من معنى التأنيث؛ وذلك أن علامة التأنيث اللاحقة الأسماء لا يوثق بدلالتها على التأنيث؛ إذ قد تلحق المذكرات كثيرا كراوية وعلّامة وهمزة ولمزة؛ فدعت الحاجة إلى التاء التي تلحق الفعل، وليس الأمر كذلك في علامتي التثنية والجمع؛ إذ لا يمكن أن يعتقد فيما اتصلتا به خلوّه من مدلولهما فذكر الفعل على أثر واحدة منهما مغن عن علامة تلحق الفعل، ولما لم يستغنوا بما يلحق الاسم عما يلحق الفعل - علم أن لهم داعيا إلى التزامه غير كونه حرفا، وليس ذلك إلا كونه اسما مسندا إليه الفعل، ولذلك لم يجز حذفه بوجه؛ إذ لو حذف لكان الفعل حديثا من غير محدث عنه وذلك محال. انتهى. وقد ضعف مذهب المازني بشيء آخر: وهو أنه لو كانت هذه علامات للزم أن -

стр. 452

[حكم الفعل الماضي المسند إلى الضمائر] قال ابن مالك: (ويسكّن آخر المسند إلى التّاء والنّون و «نا»، ويحذف ما قبله من معتلّ، وتنقل حركته إلى فاء الماضي الثّلاثيّ، وإن كانت فتحة أبدلت بمجانسة المحذوف ونقلت؛ وربّما نقل دون إسناد إلى أحد الثّلاثة في زال وكاد أختي كان وعسى، وحركة ما قبل الواو والياء مجانسة، فإن ماثلها أو كان ألفا حذف وولي ما قبله بحاله، وإن كان الضّمير واوا والآخر ياء أو بالعكس، حذف الآخر وجعلت الحركة المجانسة على ما قبله). ــ يكون نون الإناث ساكنة، ولا يسكن آخر الفعل لها كما كانت تاء التأنيث؛ فتسكين آخر الفعل لها وتحريكها يدل على اسميتها؛ إذ لا يكون ذلك إلا لما ينزل منزلة الجزء من الفعل، فكما أن التاء في ضربت اسم بلا خلاف كذلك النون في فعلن ويفعلن. قال المصنف: «وروي عن الأخفش (١): أن ياء المخاطبة حرف تدل على تأنيث الفعل، والفاعل مستكن كما هو مستكن في نحو: هند فعلت، وهذا القول مردود أيضا بما ردّ به قول المازني، وبشيء آخر وهو أن الأخفش جعل ياء افعلي كتاء فعلت، فيقال له: لو كانت الياء كالتاء لساوتها في الاجتماع مع ألف الاثنين. فكان يقال افعليا كما يقال: فعلتا؛ لكنهم امتنعوا من ذلك، فعلم أن مانعهم كون ذلك مستلزما اجتماع مرفوعين بفعل واحد وذلك لا يجوز» (٢). قال ناظر الجيش: لما انتهى الكلام على الضمائر البارزة المتصلة المرفوعة، قصد أن يبين ما يطرأ على الفعل المسند إليها حال الإسناد من تسكين آخر وحذف ما قبله أو حذف الآخر نفسه إذا كانا معتلين وتغيير حركة فاء [١/ ١٣٩]. -

стр. 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أما التسكين فأشار إليه بقوله: ويسكّن وقد تقدم أن المسند إلى نا والتاء لا يكون إلا ماضيا، وأن المسند إلى النون يكون ماضيا ومضارعا وأمرا، وشمل كلام المصنف الجميع. وإنما قال: آخر المسند، ولم يقل لام المسند؛ لأن المسكن كما يكون لاما كضربت قد يكون حرفا زائدا كسلقيت (١). قال المصنف (٢): «واختلف في سبب هذا السكون، فقال أكثرهم: سببه اجتناب توالي (٣) أربع حركات في شيئين هما كشيء واحد؛ لأن الفاعل كجزء من الفعل، وهذا السبب إنما هو في الماضي ثم حمل المضارع عليه. وأما الأمر فاستصحب له ما كان يستحقه من سكون صحيح الآخر كان كاذهبن أو معتله كاخشين. وهذا التعليل ضعيف من وجهين: أحدهما: أن التسكين عام والعلة قاصرة عن أكثر الأفعال؛ لأن توالي الحركات إنما يوجد في الصحيح من فعل وفعل وفعل وانفعل وافتعل لا في غيرهما. ومعلوم أن غيرها أكثر؛ ومراعاة الأكثر أولى من مراعاة الأقل (٤). والثاني: أن توالي أربع حركات ليس مهملا في كلامهم؛ بل هو مستحب بالنسبة إلى بعض الأبنية، بدليل قولهم: علبط وأصله علابط وعرتن وأصله عرنتن، وجندل وأصله جنادل عند البصريين وجنديل عند الكوفيين (٥). وعلى كل تقدير فقد حذفوا مادة منه ومن علابط، ونونا من عرنتن، مع اقتضاء ذلك إلى أربع حركات متوالية؛ فلو كان تواليها منفورا عنه طبعا ومقصود الإهمال وضعا، لم يتعرضوا إليه دون ضرورة في الأمثلة المذكورة وأشباهها، ولسدوا باب التأنيث بالتاء في نحو بركة، ومعدة، ولبؤة - فإنه موقع في توالي أربع -

стр. 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حركات في كلمة واحدة، لا سيما في كلمة تلازمها التاء كملازمتها هذه الثلاثة (١). ومن العجب اعتذارهم عن تاء التأنيث بأنها في تقدير الانفصال، وأنها بمنزلة كلمة ثانية مع أنها جزء كلمة مفردة لا يستغنى بها فيحسن السكوت عليها. ولا يستغنى عنها فيقوم غيرها مقامها، بخلاف تاء فعلت؛ فإنها جزء كلام تام، وهي قابلة للاستغناء عنها بغيرها نحو: فعل زيد، وما فعل إلا أنا؛ فظهر بهذا ضعف القول بأن سبب سكون لام فعلت خوف توالي أربع حركات. وإنما سببه تمييز الفاعل من المفعول في نحو: أكرمنا وأكرمنا (٢) ثم سلك بالمتصل بالتاء والنون هذا السبيل لمساواتهما لنا في الرفع والاتصال وعدم الاعتلال» انتهى (٣). وأما حذف ما قبل الآخر إذا كان معتلّا فأشار إليه بقوله: ويحذف ما قبله من معتلّ؛ والمراد أنه إن كان ما قبل المسكن للسبب المذكور حرف علة ساكنا حذف لالتقاء الساكنين ثلاثيّا كان الفعل أو غير ثلاثي، ماضيا كان أو غير ماض (٤). لكن يختص ماضي الثلاثي بأمر آخر غير الحذف المذكور، وهو تغيير حركة فائه. وتفصيل القول [١/ ١٤٠] في ذلك: أن حركة العين منه إما مخالفة لحركة الفاء أو موافقة؛ إن كانت مخالفة لم يفعل أكثر من أن تنقل إلى الفاء بعد إذهاب حركتها ثم يحذف الحرف الذي نقلت حركته وهو العين للعلة المتقدمة. وذلك نحو: خفت وهبت أصلهما: خوف وهيب بكسر العين؛ لأن مضارعهما يخاف ويهاب، هذا مثال مخالفة حركة العين لحركة الفاء بكسر. وأما مخالفتها بضم فمثله المصنف بقوله: جدت جعل أصله جود. ولا يظهر لي -

стр. 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك؛ إذ يحتمل أن يكون أصله جود، فيكون من باب ما وافقت حركة العين فيه حركة الفاء؛ وإنما ضم للعلة التي ضم لها نحو قلت كما سيأتي (١). وإن كانت الحركة موافقة أبدلت بحركة من جنس العين، فتبدل كسرة إن كانت العين ياء، وضمة إن كانت العين واوا، ثم يفعل من النقل إلى الفاء والحذف ما تقدم في المخالف، وذلك نحو: بعت وقلت أصلهما قبل الإسناد: بيع وقول بفتح العين فحولا إلى بيع وقول (٢) بكسر العين ثم نقل الحركة إلى الفاء، فقيل: بعت وبعنا وبعن بالكسر، وقلت وقلنا وقلن بالضم؛ هذا قول أكثر النحويين، وإليه جنح المصنف (٣). وذهب بعض النحاة إلى خلافه؛ وهو ألا نقل ولا تحويل؛ وإنما غيرت حركة الفاء ابتداء لبيان ما أذكره، وهو إما بيان بنية الكلمة إن خالفت حركة العين حركة الفاء؛ فإنه إذا حصلت المخالفة راعوا بيان البنية ولم يراعوا المادة؛ فيقولون خفت بكسر الفاء، وإن كانت عين الكلمة المحذوفة واوا؛ ليبين أنه على فعل بالكسر. وإما بيان مادتها فإنه إذا حصلت الموافقة راعوا بيان المادة، فيكسرون فيما عينه ياء، ويضمون فيما عينه واو، كبعت وقلت، وهذا أقل عملا من الأول. وأما المضارع والأمر فيقتصر فيهما على الحذف، نحو خفن ولا يخفن، وصمن ولا يصمن، وقلن ولا يقلن. والنقل في هذه المضارعات ليس هو النقل الذي في ماضيها؛ ولهذا ينقل فيها دون إسناد إلى النون نحو يخاف ويصيح ويقول. وأما النقل في الماضي فموجبه الإسناد إلى أحد الثلاثة: أعني التاء ونا والنون. وأشار بقوله: وربّما نقل دون إسناد إلى أحد الثّلاثة يعني التاء والنون ونا - إلى قول بعض العرب: ما زيل زيد فاضلا وكيد زيد يفعل، قال أبو خراش الهذلي: ١٨٩ - وكيدت ضباع القفّ يأكلن جثّتي ... وكيد خراش يوم ذلك ييتم (٤) -

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال سيبويه (١): «وحدّثنا أبو الخطاب أنّ ناسا من العرب يقولون: كيد زيد يفعل» كذا قال الأستاذ أبو علي؛ جسرهم على ذلك أنهم أمنوا اللبس؛ حيث كان هذا الفعل لا مفعول له، وهو مع هذا شاذ (٢). واحترز بقوله: أختي كاد وعسى من زال [١/ ١٤١] بمعنى ماز، وبمعنى ذهب أو تحول؛ ومن كاد بمعنى احتال، وبمعنى أراد، وبمعنى مكر؛ ويجمعها أن يقال: التي مضارعها يكيد؛ فإن مضارع تلك يكاد. وأما حذف الآخر نفسه فأشار إليه بقوله: وحركة ما قبل الياء والواو مجانسة إلى آخره؛ ومراده بالمجانسة أن تكون الحركة قبل الواو ضمة، وقبل الياء كسرة نحو: يفعلون وتفعلين؛ فإن ماثلها أي فإن ماثل الآخر الواو أو الياء بأن كان آخر المسند إلى الواو واوا، وآخر المسند إلى الياء ياء، أو كان ألفا مطلقا - حذفت الواو والياء والألف، واتصل بالمسند إليه واوا كان أو ياء ما كان متصلا بالمحذوف دون تبديل حركته، نحو: أنتم تدعون، وأنت ترمين، وأنتم تخشون وأنت تخشين، وإن لم يماثل الآخر الواو والياء بأن كان المسند إليه واو الضمير، وآخر الفعل المسند ياء؛ أو كان المسند إليه ياء الضمير، وآخر الفعل المسند واوا - حذف آخر الفعل وضم ما قبل المحذوف إن كان المسند إليه واوا، نحو: أنتم ترمون، وكسر ما قبله إن كان المسند إليه ياء، نحو أنت تعفين. -

стр. 457

[نيابة بعض الضمائر عن بعض] قال ابن مالك: (ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيرا، لتأوّلهم بجماعة، وكضمير الغائب قليلا؛ لتأوّلهم بواحد يفهم الجمع أو لسدّ واحد مسدّهم. ويعامل بذلك ضمير الاثنين وضمير الإناث بعد أفعل التّفضيل كثيرا ودونه قليلا). ــ والأصل: ترميون وتعفوين فاستثقلوا ضم الياء المكسور ما قبلها وكسر الواو المضموم ما قبلها، فخففتا بالتسكين، وخيف انقلابهما فحرك ما قبلهما بما يجانسهما (١). قال ناظر الجيش: إتيان ضمير الغائبين كضمير الغائبة، كقوله تعالى: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (٢). ومنه قول الراجز: ١٩٠ - قد علمت والدتي ما ضمّت ... إذا الكماة بالكماة التفّت (٣) قال المصنف: «فهذا كثير بخلاف إتيانه كضمير الغائب؛ فإنه قليل، ومنه قول -

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشاعر: ١٩١ - فإنّي رأيت الصّامرين متاعهم ... يموت ويفنى فارضخي من وعائيا (١) أراد: يموتون، فأفرد كأنه قال يموت من ثم أو من ذكرت. وعلى ذلك يحمل قول الآخر: ١٩٢ - تعفّق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذّت نبلهم وكليب (٢) أي: تعفق بالأرطى رجال، وأرادها جمعهم. فبهذا التوجيه يضعف الانتصار للكسائي بهذا البيت في حذف الفاعل، وللفراء في نسبة العمل إلى العاملين (٣). وقد أجاز سيبويه أن يقال: ضربت وضربني قومك؛ أراد: وضربوني، فأفرد -

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على تقدير: وضربني من ثم (١). وأنشد أبو الحسن: ١٩٣ - وبالبدو منّا أسرة يحفظوننا ... سراع إلى الدّاعي عظام كراكره (٢) فأفرد ضمير الأسرة؛ لأنه نسب إليهم الحفظ، فصح تأويلهم بحصن أو ملجأ؛ فجاء بالضمير على وفق ذلك؛ فكأنه قال: أسرة هم بحفظهم إيانا ملجأ عظيم كراكره. ومن كلام العرب: هو أحسن الفتيان وأجمله؛ لأنه بمعنى أحسن فتى، فأفرد الضمير حملا على المعنى، وإلى نحو هذا أشرت بقولي: أو لسدّ واحد مسدّهم. ومثل هذا قوله تعالى [١/ ١٤٢]: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ (٣). وقال الراجز: ١٩٤ - [بال سهيل في الفصيح ففسد] ... وطاب ألبان اللّقاح وبرد (٤) لأن النعم واللبن يسدان مسد الأنعام والألبان» انتهى (٥). وناقش الشيخ المصنف في أمور: -

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منها: «أن ضمير الغائبين إنما يأتي كضمير الغائبة إذا كان الضمير عائدا على جمع تكسير كما مثّله؛ أما إذا عاد على جمع سلامة نحو الزيدين، فلا يجوز أن يكون إلا بالواو، ولا يقال الزيدون خرجت، وظاهر كلام المصنف يدل على عموم الحكم في الجمعين» (١). قال: «وإذا عاد الضمير على اسم جمع، جاز فيه الجمع والإفراد، نحو: الرهط خرجوا والرهط خرج» (٢). ومنها: «أنه نفى الحجة من البيت الذي أنشده شاهدا على أن ضمير الغائبين يأتي كضمير الغائب وهو: فإني رأيت الصّامرين ... البيت». قال: «لأنه يحتمل أن يكون متاعهم بدلا من الصامرين، والخبر يموت، كما تقول: إن الزيدين برهم واسع. وكنى عن نفاد متاعهم بالموت على سبيل المجاز، والتقدير: فإنّي رأيت متاع الصّامرين يبيد ويفنى» انتهى (٣). ولا يخفى ضعف هذا التخريج الذي خرجه الشيخ (٤). ومنها: قوله - وقد أجاز سيبويه أن يقال: «ضربت وضربني قومك» - قال: «لم يجز سيبويه ذلك على الإطلاق، ولا هذا الذي ذكره مقال سيبويه، بل قال سيبويه (٥): وإن قال ضربني وضربت قومك فجائز، وهو قبيح أن يجعل اللفظ كالواحد، كما تقول: هو أجمل الفتيان وأحسنه وأكرم بنيه وأنبله؛ ولا بدّ من هذا، لأنّه لا يخلو الفعل من مضمر أو مظهر مرفوع من الأسماء، كأنّك قلت ضربني من ثمّ، وضربت قومك، وترك ذلك أجود وأحسن». قال الشيخ: «فحكم سيبويه بقبحه؛ وإنّما أجاز سيبويه ذلك على قبحه -
следующие страницы →