← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك لأن الواو لا تأثير لها في إرادة هذا المعنى» انتهى. والذي قاله الشيخ حقّ ويدل على ذلك قول الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (١). ثم قال (٢): «وظاهر قول المصنف الاختصاص بها، وليس عندي كذلك، بل لو أتيت بـ «غير» مكان «إلا» صح نحو: ومن يضرب زيدا غير عمرو، وأيّ ما يضرب زيدا غير عمرو؟ وارتفاع «غير» على البدل من الضمير المستكن في الفعل العائد على «من» وهو أصح من النصب على الاستثناء والرفع على الصفة» انتهى. ولم يكن المصنف محتاجا إلى أن ينبه على مثل هذا لأن من المعلوم أن «غيرا» تقوم مقام «إلا» وأن لها من الإعراب ما للاسم الواقع بعد «إلا» فلو ذكرها لكان عيّا. ومنها: أن المصنف قال في «هل»: «وتدخل عليها الهمزة فتتعين مرادفة قد» وتقدم الاستشهاد على ذلك بقول الشاعر: ٤١٢٦ - سائل فوارس يربوع ... .... البيت فقال الشيخ (٣): «ليس الأمر كما قال لأن ذلك لم يكثر كثرة توجب القياس، إنما جاء منه هذا البيت أو بيت آخر إن كان جاء، وإذا كان الأمر كذلك احتمل أن يكون مما دخل فيه أداة استفهام على مثلها على سبيل التوكيد، وإذا كان ذلك يوجد في المتحد اللفظ العامل كقوله: ٤١٢٧ - ولا للما بهم أبدا دواء (٤) وفي المختلف اللفظ العامل كقوله: ٤١٢٨ - فأصبحن لا يسألنه عن بما به (٥) -

стр. 4412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلأن يوجد في المختلف اللفظ غير العامل أحرى وأولى، وإذا احتمل ما ذكرناه من التوكيد لم تتعين مرادفة «قد»، قال (١): وما ذكر هذا المصنف وغيره من أن «هل» ترادف «قد» لم يقم على ذلك دليل واضح إنما هو شيء قاله المفسرون في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ إن معناه: قد أتى (٢)، وهذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، ولا يرجع إليهم في مثل هذا، إنما يرجع في ذلك إلى أئمة النحو واللغة لا إلى المفسرين، قال (٣): وثبت في نسخة عليها خط المصنف، فتترجح بدل قوله: فتتعين، وكأن المصنف أحسّ بهذا التأويل الذي ذكرناه فأتى بقوله فتترجح بدل قوله: فتتعين، وليس ذلك بمترجح أيضا لأن الرجحان إنما يكون إذا كان ثمّ دليل واضح يدل على أن هل ترادف قد. انتهى. ثم نقل عن صاحب الإفصاح (٤) أنه قال: «قد ذكر جماعة من النحويين وأهل اللغة أن هل تكون بمعنى قد مجردة من الاستفهام وبها فسروا قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٥) وأرى هذا القول مأخوذا من قول سيبويه (٦): وتقول أم هل فإنما هي بمنزلة قد، فقيل: أراد أنها بمنزلة قد في الأصل، فإن كان قد [أخذ] من تأويل كلام سيبويه فيها هنا فلا حجة له إذ قد يرد أنها بمنزلة قد بعد أم، أو يريد في الأصل دون أن تستعمل ولا يصح ذلك التأويل، وإن كان قد سمع فحجة قوية لسيبويه، وبمعنى قد قال الكسائي والفراء (٧) في الآية الشريفة وأبو العباس (٨) والزجاج إلا أنه قال: المعنى ألم يأت» هذا كلام صاحب «الإفصاح» والعجب من الشيخ هو الناقل لهذا عن الرجل الكبير - أعني صاحب الإفصاح - وهو قبل ذلك -

стр. 4413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قد نفاه عن النحويين حيث قال: «إنما هو شيء قاله المفسرون، وإنه إنما يرجع في ذلك إلى أئمة النحو واللغة». والحقّ أن كون «هل» ترد بمعنى «قد» قول جماعة من رؤوس النحاة كالكسائي والفراء (١) والمبرد (٢)، وأغرب الزمخشري (٣) حيث زعم أن «هل» تكون أبدا بمعنى «قد» وأن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدّرة معها، ثم إنه نسب القول بذلك إلى سيبويه، ولكن يبطل قول الزمخشري أنها لو كانت بمعنى «قد» لامتنع فيها أن تباشر الجمل الاسمية كما أن «قد» كذلك، ولما نقل عن ابن عباس (٤) رضي الله [تعالى] عنهما وهو إمام المفسرين أن «هل» في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٥) بمعنى «قد» قال بعض العلماء: إن الاستفهام في الآية الشريفة للتقرير وليس باستفهام حقيقي، فلما كانت للتقرير فسّرت بـ «قد» لأنها للتحقيق فهي تلاقيها في المعنى، لكن قال الشيخ في شرحه (٦): «والهمزة أقوى في جميع التصرفات ولذلك استعملت في التقرير دون هل على ما ذكر سيبويه (٧)، وتنقل النفي إلى الإثبات [مع] ثلاث أدوات وهي: لم وما وليس، وتفيد ما تفيد من المعاني كالإنكار والتعجب والتوبيخ وغيرها».

стр. 4414

[حروف التحضيض وأحكامها وما تختص به] قال ابن مالك: (فصل؛ حروف التّحضيض: هلّا وألا ولولا، ولو ما، ولا يليهنّ غالبا إلّا فعل ظاهر، أو معمول فعل مضمر مدلول عليه. وقلّ ما يخلو مصحوبها من توبيخ، وإذا خلا منه فقد يغني عنهن «لو» و «ألا» وتدلّ أيضا: لولا ولو ما على امتناع لوجوب فيختصّان بالأسماء، ويقتضيان جوابا كجواب «لو» وقد يلي الفعل لولا غير مفهمة تحضيضا فتؤوّل بـ «لو لم» وتجعل المختصّة بالأسماء والفعل صلة لـ «أن» مقدّرة). قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين (١): «التحضيض مبالغة في الحضّ على الشيء وهو طلبه والحثّ على فعله، وحروفه: هلّا وألا ولولا، ولو ما، فيدخلن على الفعل للتوبيخ في ضمن التقديم إن كان ماضيا، وفي ضمن التقاضي إن كان مستقبلا، وكأنهن مأخوذات من «هل» المنقولة إلى التمني في نحو قوله : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ (٢) مبدلة هاؤها همزة على لغة، ومن «لو» المنقولة إلى التمني أيضا في نحو: لو تأتيني فتحدثني - بالنصب - لما فيها من تقدير غير الواقع واقعا، ثم ركبت مع «ما» و «لا» المزيدتين، تنبيها على نقلها إلى التحضيض، فإذا قلت: هلّا فعلت فكأنك قلت: ليتك فعلت، متولدا منه معنى التنديم، أو قلت: هلّا تفعل فكأنك قلت: ليتك تفعل، متولدا [٥/ ١٩٣] منه معنى التقاضي والحث. ولحروف التحضيض صدر الكلام، وهي مختصة بالأفعال فيليها في الغالب فعل ظاهر متصل، نحو: هلّا تضرب زيدا، أو منفصل بمعموله نحو: هلّا زيدا ضربت، وإما معمول فعل مضمر على شريطة التفسير كقولك: هلّا زيدا ضربته، أو مدلول عليه بمذكور قبل، كقول الشاعر: ٤١٢٩ - تعدّون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا (٣) -

стр. 4415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المعنى: لولا تعدون عقر الكمي، فحذف الفعل والمضاف وأقام المضاف إليه مقامه، اعتمادا على دلالة أول الكلام. وقد يلي حروف التحضيض جملة اسمية، كقول الشاعر: ٤١٣٠ - ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها (١) وهو شاذ نادر، ويمكن تخريجه على إضمار «كان» الشأنية وجعل الجملة المذكورة خبرها، والتقدير: فهلّا كان الأمر أو الشأن نفس ليلى شفيعها. وتخلو الحروف المذكورة عن التوبيخ، فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض، كما في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ (٢) وقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ (٣) ويجوز أن تغني عنهن حينئذ «لو» المنقولة إلى التمني كما تقدم، في نحو: لو تأتيني فتحدثني، و «ألا» المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا. وتدلّ أيضا «لولا» و «لو ما» على امتناع الشيء لوجود غيره فيختصان بالأسماء ويقتضيان جوابا كجواب «لو» فيكون فعلا مجزوما بلم أو ماضيا منفيّا بما، أو مثبتا مقرونا في الغالب بلام مفتوحة. وقد يلي الفعل «لولا» غير مفهمة تحضيضا، كقوله: ٤١٣١ - لا درّ درّك إنّي قد رميتهم ... لولا حددت ولا عذرى لمحدود (٤) والوجه الثاني فيه: أن تكون «لو» هي التي تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره -

стр. 4416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و «لا» بعدها حرف نفي مع الماضي بمعنى: لم يفعل، كقول الراجز: ٤١٣٢ - وأيّ شيء سيّئ لا فعله (١) أي: لم يفعله، والتقدير: لو لم أحدّ لرميت، ويجوز أن تكون هي التي لامتناع الشيء لوجود غيره، وقد وليها الفعل على أنه صلة لـ «أن» مضمرة والمعنى: لولا أن حددت لرميت (٢) انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقال والده في شرح الكافية (٣): للولا ولو ما استعمالان: أحدهما: يدلان فيه على امتناع شيء لثبوت غيره، ويقتضيان حينئذ مبتدأ ملتزما حذف خبره، وجوابا مصدرا بفعل ماض لفظا ومعنى، أو بمضارع مجزوم بلم، ويقترن الأول إن كان مثبتا بلام مفتوحة، كقوله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٤) وإن كان منفيّا لم يقترن باللام، كقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ (٥) ومنه قول الأنصاري رضي الله تعالى عنه: ٤١٣٣ - والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا (٦) وقد يقترن بها المنفي بـ «ما»، كقول الشاعر: ٤١٣٤ - لولا رجاء لقاء الظّاعنين لما ... أبقت نواهم لنا روحا ولا جسدا (٧) وقد يخلو منها المثبت، كقول الآخر: -

стр. 4417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١٣٥ - وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قنّة النّيق منهوي (١) وإذا دل دليل على جواب لولا ولو ما حذف كما فعل بجواب «إن» فمن ذلك قول الله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (٢). ويدلان على التحضيض فيختصان بالأفعال، كقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ (٣) ولَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ (٤) ويشاركهما في التحضيض: هلّا وألا، وقد يلي حرف التحضيض اسم معمل فيه فعل متأخر أو محذوف لدليل، كقول الشاعر: ٤١٣٦ - ألان بعد لجاجتي تلحونني ... هلّا التّقدّم والقلوب صحاح (٥) وكقول الآخر: ٤١٣٧ - أتيت بعبد الله في القدّ موثقا ... فهلّا سعيدا ذا الخيانة والغدر (٦) وكقول الآخر: -

стр. 4418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١٣٨ - تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا (١) وربما ولي حرف التحضيض مبتدأ وخبر كقوله: ٤١٣٩ - ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها (٢) والأجود أن ينوي بعد «هلا» كان الشأنية ويجعل «نفس ليلى شفيعها» خبرا. وألحق بحروف التحضيض في الاختصاص بالفعل «ألا» المقصود بها العرض نحو: ألا تزورنا، وهي مركبة من «لا» و «الهمزة»، وأما «ألا» المستفتح بها فغير مركبة ولا مختصة، بل جائز أن يرد بعدها جملة اسمية نحو: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (٣) وجملة فعلية نحو: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً (٤) انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٥). وإنما أوردته لما فيه من الزيادة التي لم يتضمنها كلام ولده، وليعلم أن قول بدر الدين: «فيدخلن على الفعل للتوبيخ» إلى قوله: «ومن لو المنقولة إلى التمني أيضا» هو شيء قد اتبع فيه طريقة أصحاب «علم المعاني» وأنا أذكر ما قالوه تفصيلا؛ لينكشف معنى ما ذكره إجمالا، فأقول: ذكروا أنه قد يستعمل للتمني ما هو موضوع لغيره مجازا، وذكروا لذلك أداتين وهما: «هل» و «لو» وقرروا ذلك بما أذكره؛ فقالوا في «هل»: إنها حرف موضوع للاستفهام، والاستفهام لطلب حصول في الذهن، فإذا قال القائل: هل لي من شفيع؟ في مقام يقطع فيه بعدم الشفيع، تعذّر الحمل على حقيقة الاستفهام؛ لأن حقيقته تقتضي الجهل بالمستفهم عنه؛ لأن الطلب يقتضي أن لا يكون المطلوب حاصلا وقت الطلب، والعلم هنا بأن الشفيع ليس بموجود حاصل، وإذا تعذّر الحمل على حقيقة الاستفهام، حمل على ما يناسب المقام. والذي يناسب المقام هو التمني. قالوا: والموجب للعدول عن صيغة التمني إلى صيغة الاستفهام في هذا المقام هو إبراز المتمنّى لكمال العناية به في صورة الممكن، وعليه قوله تعالى حكاية عن الكفار فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا (٦). -

стр. 4419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقالوا في «لو» ما ذكره النحاة: وهو أنها تكون للتمني بدليل نصب الفعل [٥/ ١٩٤] الواقع جوابا لها نحو: لو تأتيني فتحدثني، والفعل إنما ينصب في الجواب إذا كان جوابا لأحد الأمور الثمانية. والمعنى الذي يناسب «لو» من الثمانية هو التمني؛ لأنه كما يفرض بـ «لو» ما يستحيل وقوعه وهو كون ما لم يقع في الزمن الماضي واقعا في الزمان الماضي، كذلك قد يفرض بصيغة التمني ما يستحيل وقوعه نحو: ليت الشباب يعود، فضمنت «لو» بسبب هذه المناسبة القريبة معنى التمني. ثم لما قرروا ذلك في «هل» و «لو» قالوا: وكأن الحروف المسماة بحروف التحضيض وهي: هلّا وألا ولولا ولوما مأخوذة منهما، مركبة مع «لا» و «ما» المزيدتين مطلوبا بالتزام التركيب التنبيه على إلزام «هل» و «لو» معنى التمني، فإذا قيل: هلّا أكرمت زيدا وألا - بقلب الهاء همزة - أو لولا أو لوما، كان المعنى: ليتك أكرمت زيدا، فيتولد منه معنى التنديم، وإذا قيل: هلّا تكرم زيدا، أو ألا كان المعنى: ليتك تكرمه، فيتولد منه معنى التحضيض. وإذ قد تقرر هذا فلنذكر أمورا: منها: أن المصنف قد قال: ولا يليهنّ غالبا إلّا فعل ظاهر أو معمول فعل مضمر. وقد عرفت من كلام ولده أن معمول الفعل الظاهر يليها أيضا نحو: هلّا زيدا ضربت، لكن قد يقال: يمكن أن يستفاد هذا من كلام المصنف؛ لأنه إذا قال: إن معمول الفعل المضمر يليها ولم يقيد ذلك الفعل بكونه يضمر قبل المعمول أو بعده، علم منه جواز ولائه معمول الفعل الظاهر لها. ومنها: أن قول المصنف وإذا خلا منه فقد يغني عنهنّ لو وألا - قد شرحه ولده بقوله: «وتخلو الحروف المذكورة عن التوبيخ فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض، كما في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ (١) وقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ (٢) ويجوز أن يغني عنهن حينئذ لو المنقولة إلى التمني كما في: لو تأتيني فتحدثني، وألا المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا». ولم أتحقق أولا قوله: «فتكون لطلب الفعل على سبيل العرض» لأن العرض غير -

стр. 4420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التحضيض، والكلام إنما هو في أدوات التحضيض، ولا شك أن التحضيض فيه طلب وحث، وأما العرض فلا طلب فيه، ولا يلزم من كون الأداة واحدة الاتفاق في المعنى، ولذا لم أتحقق ثانيا قوله: «ويجوز أن يغني عنهن حينئذ لو المنقولة إلى التمني، كما في: لو تأتيني فتحدثني وألا المخففة كقولهم: ألا تنزل فتصيب خيرا»، ولا قول والده: فقد يغني عنهنّ لو وألا لأن معنى قوله: «وإذا خلا منه»: أن مصحوب أدوات التحضيض إذا خلا من توبيخ أنّ «لو» و «ألا» قد يغنيان عنه حينئذ، ولا شك أنه إذا لم يكن توبيخ، تعيّن أن يكون ما بعد الأداة مطلوبا، فيلزم أن يكون الكلام فيه دلالة على الطلب، و «لو» التي يستفاد منها التمني، كقولك: لو تأتيني فتحدثني لا تقتضي طلبا من المخاطب، ولم أفهم كون: ألا تنزل فتصيب خيرا، يفهم منه التحضيض، لأن التحضيض فيه طلب، والعرض لا طلب فيه، هذا هو الذي أفهمه، وقد قيل: إن بينهما فرقا وهو أن التحضيض طلب بحثّ وإزعاج، والعرض طلب بلين وتأدّب، وللمنازعة في ذلك مجال، وقد يعرض الإنسان أمرا على آخر مجاملة وتوددا في الظاهر وهو في نفس الأمر غير مجلب له، وليس بين الطلب والعرض ملازمة في الذهن ولا في الخارج. وأقول: إن كلام المصنف في هذا الموضع غير ناصع من جهتين: إحداهما: قوله: وقلّ ما يخلو مصحوبها من توبيخ؛ لأن هذا يعطي أن الحكم المذكور لها على الإطلاق وليس كذلك؛ لأن مصحوبها يكون ماضيا، ويكون مضارعا، ولا شك أن التوبيخ إنما يتصور إذا كان الفعل ماضيا، أما إذا كان الفعل مضارعا فلا، والحق أنها إذا صحبت الماضي كانت للتوبيخ، وإذا صحبت المضارع كانت للتحضيض، وكلام بدر الدين مصرح بذلك فإنه قال: «فإذا قلت: هلّا فعلت، فكأنك قلت: ليتك فعلت، متولدا منه معنى التنديم، أو قلت: هلّا تفعل، فكأنك قلت: ليتك تفعل متولدا منه معنى التقاضي والحثّ» نعم، قد يقصد المتكلم بالأداة إذا وليها الفعل الماضي - التحضيض دون توبيخ، فلو قال المصنف: وقل ما يخلو مصحوبها من توبيخ إذا وليها الماضي، لكان الواجب. الجهة الثانية: قوله: وإذا خلا منه فقد يغني عنهنّ لو وألا. وقد تقدم الكلام على ذلك بما فيه غنية. -

стр. 4421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنها: أن الشيخ قال (١): «إن قول المصنف في لولا ولوما الامتناعيتين: فيختصان بالأسماء، إنه ليس جيدا، لأن ذلك يوهم أنهما كالحروف المختصة بالأسماء نحو حروف الجر، وليس كذلك، إنما يدخلان على الجمل، لكن تلك الجمل تكون اسمية» انتهى. والجواب (٢): أن هذا الوهم يدفعه قوله: ويقتضيان جوابا كجواب لو، لأن الجواب لا يكون عن مفرد إنما يكون عن كلام، فلزم من هذا أن الذي يلي هذين الحرفين يتعيّن فيه أن يكون جملة وهذا أمر ظاهر. ثم شرع الشيخ في ذكر المذاهب في الاسم المرفوع بعد «لولا» وذكر أنها ثلاثة (٣): - مذهب سيبويه والبصريين أنه مبتدأ (٤). - ومذهب الفراء أنه مرفوع بـ «لولا» نفسها (٥). - ومذهب الكسائي أنه مرفوع بفعل محذوف (٦). وأطال الكلام في ذلك. ولا يخفى أن مثل هذا لا ينبغي تسويد الأوراق به، وتضييع الزمان، مع أن ذكر هذه المذاهب ربما تقدّم في باب «المبتدأ» (٧). والحق الإضراب عن ذكر المذاهب الضعيفة والأقوال السخيفة، والاشتغال بما هو أهم من ذلك. ومنها: أنه قال (٨): «ليس عندي ما يختلف [٥/ ١٩٥] فيه جواب لو وجواب لولا ولوما، إلا أن جواب لولا وجدناه في لسان العرب قد يقرن بـ «قد» نحو قول الشاعر: -

стр. 4422

[حديث عن ها ويا وألا وأما] قال ابن مالك: (فصل؛ «ها» و «يا» حرفا تنبيه، وأكثر استعمال لـ «ها» مع ضمير رفع منفصل أو اسم إشارة، وأكثر ما يلي يا نداء أو أمر أو تمنّ أو تقليل، وقد يعزى التّنبيه إلى «ألا» و «أما» وهما للاستفتاح مطلقا، وكثر «ألا» قبل النداء، و «أما» قبل القسم، وتبدل همزتها هاء أو عينا، وقد تحذف ألفها في الأحوال الثّلاث). ــ ٤١٤٠ - لولا الأمير ولولا حقّ طاعته ... لقد شربت دما أحلى من العسل (١) ولا أحفظ في لو، ذلك، وليس ببعيد أن يسمع ذلك فيها». قال ناظر الجيش: أما كون «ها» للتنبيه فمعلوم، وقد ذكر أنها تستعمل مع ضمير رفع منفصل أو مع اسم إشارة، أما ضمير الرفع فشرطه أن يكون مخبرا عنه باسم إشارة، كقوله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ (٢)، لا يقال: إنها هي الداخلة على اسم الإشارة ولكنها قدمت لأن قوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ (٣) يدفع ذلك ودخولها على ضمير مخبر عنه بغير اسم الإشارة، وقد ورد ولكن عدّوه شاذّا، أنشد أحمد بن يحيى (٤) وذكر أن الفراء أنشده (٥): ٤١٤١ - أبا حكم ها أنت عمّ مجالد ... وسيّد هذا الأبطح المتناحر (٦) قال الشيخ (٧): «ومن شروط دخولها على المضمر أن يكون مبتدأ، فلو كان غير مبتدأ لكونه فاعلا أو مفعولا لم يسمّ فاعله لم يجز أن تدخل عليه نحو: ما قام إلا أنا، وما ضرب إلا أنا». انتهى. -

стр. 4423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولك أن تقول: استغنى المصنف عن ذكر هذا الشرط بذكر التنبيه، فإن التنبيه إنما يؤتى به أول الكلام ولا يؤتى به عجزه. وأما استعمالها مع اسم الإشارة فظاهر. ولا يحتاج اسم الإشارة إلى التقييد بأن لا يكون بعيدا كما ادّعى الشيخ؛ لأن عدم مباشرتها للبعيد قد علم من باب «اسم الإشارة». قال الشيخ (١) مستدركا على المصنف: «ولنا صورة يجب فيها ذكر «ها» للتنبيه مع اسم الإشارة. وذلك إذا كان اسم الإشارة صفة لـ «أيّ» في النداء نحو: يا أيّهذا الرجل» انتهى. واقتصار الشيخ على ما ذكره ليس بجيد، فإنه كما وجب دخولها في: يا أيّهذا الرجل يجب دخولها في: يا أيّها الرجل، وحاصل الأمر: أنه يجب دخولها بين «أيّ» ونعتها كائنا ما كان إذا كانت «أيّ» مناداة. وأقول: إن المصنف لا استدراك عليه في هذه المسألة؛ لأنه قد ذكر ذلك في أبواب «النداء» فاستغنى بما ذكره ثمّ عن ذكره هنا. وقد دلّ قول المصنف: وأكثر استعمالها مع كذا أو كذا - على أنه نقل استعمالها مع غير ما ذكر. ومن ذلك قول زهير: ٤١٤٢ - تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما ... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك (٢) هكذا أنشد الشيخ (٣) هذا البيت شاهدا على دخولها على غير ضمير واسم إشارة، ولقائل أن يقول: إنها داخلة على اسم الإشارة، وفصل بينها وبينه بالقسم الذي هو «لعمر الله» (٤). وأما قول المصنف: وأكثر ما يلي يا نداء أو أمر أو تمنّ أو تقليل - فمثال النداء: يا زيد، ومثال الأمر قوله تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ (٥) ومنه قول الشاعر: -

стр. 4424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١٤٣ - ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال (١) وقول الآخر: ٤١٤٤ - ألا يا اسقياني قبل ضلّ أبي بكر ... لعلّ منايانا أتين ولا ندري (٢) وقول الآخر: ٤١٤٥ - ألا يا اسلمي ذات الدّماليج والعقد ... وذات اللّثات الحمّ والفاحم الجعد (٣) وقول الآخر: ٤١٤٦ - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر (٤) وقول الآخر: ٤١٤٧ - ألا يا اسلمي ثمّ اسلمي ثمّت اسلمي ... ثلاث تحيّات وإن لم تكلّم (٥) ومثال التمني قوله تعالى: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ (٦) ومنه قول القائل: ٤١٤٨ - يا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا (٧) -

стр. 4425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخ (١): «وينبغي أن يقيد ذلك بلفظ ليت وإلا فـ «لو» تستعمل للتمني، وكذا «ألا»، و «ودّ» ولا يجوز في شيء من هذا إدخال يا عليها» انتهى. ولك أن تقول: إذا أطلق التمني أو غيره، فإنما يتوجه إلى الأداة التي هي لذلك المعنى بالوضع، ولا شك أن الدال على التمني من الحروف بالوضع إنما هو «ليت»، فلا يكون لغيرها مدخل معها. ومثال التقليل قول امرئ القيس: ٤١٤٩ - ويا ربّ يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنّها خطّ تمثال (٢) وقوله أيضا: ٤١٥٠ - فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة ... كشفت إذا ما اسودّ وجه الجبان (٣) ولم يتضح لي قول المصنف: وأكثر ما يلي يا نداء؛ لأن المراد بالنداء: المنادى، وإذا كان الذي ولي «يا» منادى، كانت حرف نداء لا حرف تنبيه. وقال الشيخ (٤): «ويعني في اللفظ وإلا ففي التقدير الذي ولي يا إنما هو فعل النداء» هكذا قال، ولم يظهر لي هذا الذي قاله، فإن «يا» في قولنا: يا زيد تتعين أن تكون للنداء ولا يجوز كونها للتنبيه، وإذا كانت للنداء فإنما يليها المنادى وهي قائمة مقام الفعل العامل فيه، فكيف يكون الذي ولي «يا» إنما هو فعل النداء؟ وأما قول المصنف وقد يعزى التّنبيه إلى ألا وأما إلى آخره، فقال الشيخ (٥): «في قوله: وقد يعزى، إشعار بالقلة» يعني أن الأكثر أن يكونا للاستفتاح مطلقا سواء أقصد مع ذلك تنبيه أم لم يقصد. -

стр. 4426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومثال مجيء «ألا» قبل النداء قول الشاعر: ٤١٥١ - ألا يا قيس والضّحّاك سيرا ... فقد جاوزتما خمر الطّريق (١) وقول الآخر: ٤١٥٢ - ألا يا عباد الله قلبي متيّم ... بأحسن من صلّى وأقبحهم فعلا يدبّ على أحشائها كلّ ليلة ... دبيب القرنبى بات يعلو ندى سهلا (٢) ويجوز إبدال همزة «ألا» هاء فتقول: هلا وقد قرأ بعضهم (٣) ألا يسجدوا لله (٤) ذكره الزمخشري (٥). ومثال مجيء «أما» قبل القسم قول الشاعر: ٤١٥٣ - أما ودماء لا تزال مراقة ... على قنّة العزّى وبالنّسر عند ما (٦) ومثال إبدال [٥/ ١٩٦] همزتها هاء أو عينا: هما والله لقد كان كذا، وعما والله لقد كان كذا ومراده بالأحوال الثلاث في قوله: وقد تحذف ألفها: حال إقرار الهمزة، وحال إبدالها هاء، وحال إبدالها عينا، فيقال: أم وهم وعم.

стр. 4427

[حروف الجواب: سردها وأحكامها] قال ابن مالك: (فصل؛ من حروف الجواب نعم، وكسر عينها لغة كنانيّة، وقد تبدل حاء، وحاء حتّى عينا، وهي لتصديق مخبر، أو إعلام مستخبر، أو وعد طالب وإي بمعناها مختصّة بالقسم، وإن وليها «الله» حذفت ياؤها، أو فتحت، أو سكّنت، وأجل لتصديق الخبر، وبلى لإثبات نفي مجرّد أو مقرون باستفهام، وقد توافقها نعم بعد المقرون). قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الفصل على ذكر كلمات أربع، وهي كلها من حروف الجواب. الأول: نعم - بفتح العين - وكسرها لغة وبها قرأ الكسائي (١)، وقد ذكر المصنف أن الكسر لغة كنانية، وذكر عن الكسائي أنه قال: إن أشياخ قريش أيضا يتكلمون بها مكسورة، وأما إبدال عينها «حاء» فلطلب الخفة؛ لأن الحاء أخف لقربها إلى حروف الفم، وأما إبدال «حاء» حتّى عينا فقد تقدم ذكره في باب «حروف الجر»، وأنها لغة هذيلية. ثم إن «نعم» كما قال المصنف، إما لتصديق مخبر، أو إعلام مستخبر، أو وعد لطالب. فمثال الأول: أن يقال: جاء زيد أو ما جاء زيد، فيقال: نعم. ومثال الثاني: أن يقال: هل جاء زيد؟ فيقال: نعم. ومثال الثالث: أن يقال: اضرب زيدا أو لا تضرب زيدا، فيقال: نعم. ولم يذكر سيبويه الإعلام، وإنما قال (٢): «أما نعم فعدة وتصديق، وأما بلى فيوجب بها بعد النفي»، وفسّر كلامه بأنها عدة في المستقبل، نحو: أتفعل؟ وتصديق في الماضي سواء أكانت بعد موجب، نحو: قد قام زيد، أو سؤال عنه نحو: أكان كذا؟ أو نفي نحو: ما قام زيد، أو سؤال عنه نحو: أما قام زيد؟ فتصديق هذا كله بـ «نعم»، ففي الموجب والسؤال عنه تصديق للثبوت، وفي -

стр. 4428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النفي والسؤال عنه تصديق للنفي، هكذا ذكروا، ولم أتحقق أنها تكون بعد السؤال للتصديق؛ لأن الذي يقبل التصديق إنما هو الخبر لا الإنشاء، وقد قيل (١): إن سيبويه كأنه رأى أنه إذا قيل: هل قام زيد؟ فقيل: نعم، فهو لتصديق ما بعد الاستفهام، ولم أتحقق هذا القول، ولا شك أنها في مثل ذلك للإعلام، فالحق ما ذكره المصنف أنها: إما لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب. وأما «بلى» فقد قال المصنف: إنها لإثبات نفي مجرد أو مقرون باستفهام، فإذا قال القائل: ما قام زيد وأردت تصديقه قلت: نعم، أو أردت تكذيبه قلت: بلى، وكذلك أيضا تثبت النفي المقرون بأداة الاستفهام فإذا قال القائل: أليس زيد بعالم؟ وأردت تصديقه، قلت: نعم؛ أو أردت تكذيبه، قلت: بلى، ولو قال المصنف «وبلى لإثبات منفي» كان أولى من قوله: لإثبات نفي؛ لأنه قد يفهم منه أن المراد: إثبات النفي نفسه وليس كذلك. ثم إنهم قالوا: وسواء أردت الاستفهام عن حقيقة النفي، أو أردت التقرير وإن كان معناه الإيجاب، قالوا: لأن العرب تجريه في باب الجواب مجرى النفي المحض. والدليل على ذلك قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (٢) ومن ثمّ قال ابن عباس ﵄ ولو قالوا: نعم في الجواب كفروا (٣). ملخص ما ذكروه (٤): أنه إذا قيل: قام زيد، فتصديقه: نعم، وتكذيبه: «لا»، ويمتنع دخول «بلى» لأنها إنما يجاب بها بعد النفي، وإذا قيل: ما قام زيد، فتصديقه: نعم، وتكذيبه: بلى، قال الله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى (٥) ويمتنع دخول «لا» لأنها لنفي الإثبات لا لنفي النفي، وإذا قيل: أقام زيد؟ فهو مثل: قام زيد، فتقول: نعم، إن أثبتّ القيام، وتقول: لا، إن نفيته، ويمتنع دخول «بلى» لما عرفت، وإذا قيل: ألم يقم زيد؟ فهو مثل: لم يقم زيد، فتقول: بلى إن أثبت القيام، ويمتنع دخول «لا»، وتقول: نعم إن نفيته. فالحاصل: أن «بلى» لا تأتي إلا بعد نفي، وأن «لا» لا تأتي إلا بعد إيجاب، -

стр. 4429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأن «نعم» تأتي بعدهما، واعلم أن ابن عصفور قد أجاز وقوع «نعم» في جواب النفي المصاحب لأداة الاستفهام المراد به إيجاب النفي معللا ذلك بأن: التقرير إيجاب في المعنى، وأنا أورد كلامه في ذلك بجملته، قال في المقرب (١): فنعم تكون عدة في جواب الاستفهام والأمر، وتكون تصديقا للخبر نحو قولك لمن قال: قام زيد، وما قام زيد: نعم، تصدقه في إثبات القيام لزيد أو نفيه عنه، وبلى تكون جوابا للنفي خاصة إلا أن معناها أبدا إيجاب المنفي مقرونا كان النفي بأداة الاستفهام أو غير مقرون بها، نحو قولك في جواب من قال: ما قام زيد، وألم يقم عمرو؟: بلى قد قام، ولو قلت: نعم، كنت محققا للنفي كأنك قلت: نعم لم يقم، وقد تقع نعم في جواب النفي المصاحب لأداة الاستفهام والمراد به إيجاب المنفي إذا أمن اللبس، وذلك بالنظر إلى المعنى؛ لأن التقرير في المعنى إيجاب، ألا ترى أنك إذا قلت: ألم يقم زيد؟ فإنما تريد أن تثبت للمخاطب قيام زيد، ومن ذلك قوله: ٤١٥٤ - أليس اللّيل يجمع أمّ عمرو ... وإيّانا فذاك بنا تداني نعم وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النّهار كما علاني (٢) انتهى. والذي ذكره من أن التقرير في المعنى إيجاب فيجوز أن يجاب الكلام الذي يتضمنه بكلمة «بلى» هو الظاهر، ومما يدل على ذلك أيضا قول [٥/ ١٩٧] الأنصار للنبي ﷺ وقد قال لهم: «ألستم ترون لهم ذلك؟» نعم (٣)، غير أن قوله: إن نعم تكون عدة في جواب الاستفهام، غير ظاهر. وقد تكلم الشيخ بهاء الدين بن النحاس - رحمه الله تعالى - على هذا الموضع، فقال (٤): -

стр. 4430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «إن نعم في جواب الطلب عدة، كقولك: نعم لمن قال: أعط زيدا درهما، قال: وأما في الاستفهام ففي قول المصنف (١): إنها عدة، نظر، فإنها في الاستفهام قد تكون عدة، وقد تكون تصديقا، فمثال كونها عدة قولك: نعم، في جواب من قال: هل تعطيني درهما؟ فها هنا في عدة، وأما إذا قال: هل قام زيد، وألم يقم زيد؟ لا بمعنى التقرير فقلت في جوابه: نعم، فهي هنا لتصديق ما قبلها من إيجاب أو نفي كحاله إذا لم تصحب الاستفهام» انتهى. وما قاله ابن عصفور من أن نعم تكون عدة في جواب الاستفهام، غير ظاهر، وكذا تفصيل الشيخ بهاء الدين وجعله إياها عدة في جواب: هل تعطيني؟ وتصديقا في جواب: هل قام زيد؟ غير ظاهر أيضا، والذي يظهر أنها للإعلام في المثالين المذكورين. والحاصل: أن الواقعة في جواب الاستفهام مطلقا تكون للإعلام، هذا هو الظاهر. ثم قال الشيخ بهاء الدين: «والفرق بينها وبين بلى ما ذكره المصنف - يعني ابن عصفور - من أن نعم تصديق للخبر إيجابا كان أو نفيا، وبلى توجب النفي نحو قولك لمن قال: لم يقم زيد أو ألم يقم زيد؟ ولم ترد به التقرير إذا أردت أن القيام قد حصل». انتهى (٢)، وقد أفهم كلامه أن بلى لا تكون جوابا لقولنا: ألم يقم زيد؟ إلا إذا لم يرد التقرير، لكنه أردف كلامه المتقدم بأن قال: «ولذلك أجابوا قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (٣)، قال العلماء: لو قالوا عوض بلى: نعم كفروا من حيث كانوا مصدقين النفي». انتهى. فلم يتطابق لي كلامه ثانيا مع كلامه أولا؛ لأن التقرير مراد في الآية الشريفة قطعا، وهو قد شرط أن «بلى» إنما تكون جوابا للنفي إذا لم ترد به التقرير، لكنه قال (٤) بعد ذلك شارحا لقول ابن عصفور: «وقد تقع نعم في جواب النفي» إلى آخره: «حرف الاستفهام إذا دخل على النفي يدخل بأحد معنيين: إما أن يكون الاستفهام عن النفي هل وجد أو لا؟ فيبقى النفي على ما كان عليه، أو للتقرير -

стр. 4431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كقولك: ألم أحسن إليك؟ وكقوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (١) فإن كان بالمعنى الأول لم يجز دخول نعم في جوابه إذا أردت إيجابه، بل تدخل حينئذ بلى، وإن كان بالمعنى الثاني وهو التقرير، فللكلام حينئذ لفظ ومعنى، فلفظه نفي دخل عليه الاستفهام ومعناه الإثبات، فبالنظر إلى لفظه يجيبه ببلى وبالنظر إلى معناه وهو كونه إثباتا يجيبه بنعم، قال (٢): وهذا مراد ابن عصفور بقوله: وذلك بالنظر إلى المعنى إذا أمن اللبس، أي: إذا علم أن المراد بالكلام التقرير لا الاستفهام عن النفي، قال: والذي يقرر عندك أن معنى التقرير الإثبات، قول ابن السراج (٣): فإذا أدخلت على ليس ألف الاستفهام كانت تقريرا ودخلها معنى الإيجاب فلم يجئ معها أحد، لأن أحدا إنما يجيء مع حقيقة النفي، لا تقول: أليس أحد في الدار؟ لأن المعنى يؤول إلى قولك: أحد في الدار، وأحد لا تستعمل في الواجب، وكذلك لا يجوز أن تجيء إلا مع التقرير، لا تقول: أليس زيد إلا فيها؟ لأن المعنى يؤول إلى قولك: زيد إلا فيها وذا لا يكون كلاما». انتهى (٤). وهو كلام حسن وقد خلا الإشكال، وحقق قوله أولا: وبلى يوجب النفي نحو قولك لمن قال: لم يقم زيد أو ألم يقم زيد؟ ولم ترد به التقرير إذا أردت أن القيام قد حصل. ولكن قد قال ابن عصفور في غير المقرّب» (٥): «أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجابا في المعنى، فإذا قيل: ألم أعطك درهما؟ قيل في تصديقه: نعم، وفي تكذيبه: بلى، وذلك لأن المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك، فإذا قال: نعم، لم يعلم هل أراد: نعم لم يعطني على اللفظ، أو نعم أعطيتني على المعنى. فلذلك أجابوا لى اللف ولم يلتفتوا إلى المعنى» انتهى. لا يخفى ضعف هذا التعليل الذي ذكه، وقد خالف كلمه هنا كلامه في «المقرّب» ولذي في «المقرب» هو الذي يقتضيه النظر، وقد تقدمت الإشارة إلى أنه هو الظاهر. -

стр. 4432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول المصنف: وقد توافقها نعم بعد المقرون - أي: وقد توافق بلى نعم، أي: يؤتى بـ «نعم» في جواب النفي المقرون باستفهام - يعد ما ذكرته، والقائلون بوجوب الإتيان بكلمة «بلى» في جواب النفي المقرون بالاستفهام، يجيبون عن بيت جحدر (١)، فيقولون (٢): إن نعم فيه جواب لغير مذكور وهو ما قدره في اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو، قالوا (٣): وجاز ذلك لأمن اللبس؛ لأن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه وأم عمرو، قالوا (٤): أو يكون جوابا لقوله: وترى الهلال ... البيت، وقدمه عليه. قال الشيخ (٥): «والأولى عندي أن يكون جوابا لقوله: فذاك بنا تدان». قالوا (٦): وأما قول الأنصار: نعم فإنما جاز ذلك لزوال اللبس، لأنه قد علم أنهم يريدون: نعم نعرف لهم ذلك. ولا يخفى على صاحب النظر أن ما أجابوا به ليس بذاك، والحق أن «نعم» قد تقع جوابا للنفى المقرون باستفهام إذا كان المراد من الكلام التقرير؛ لأنه إيجاب في المعنى، وعلى ذلك يحمل قول المصنف: وقد توافقها نعم بعد المقرون. ويدل [٥/ ١٩٨] على ما قلته قول سيبويه (٧) في باب «النعت» في مناظرة جرت بينه وبين بعض النحويين: «فيقال له: ألست تقول كذا؛ فإنه لا يجد بدّا من أن يقول: نعم، فيقال له: أفلست تجعل كذا؟ فإنه قائل: «نعم» فأتى بـ «نعم» في جواب: ألست، لما كان المراد به التقرير». وقد لحن ابن الطراوة (٨) سيبويه في إتيانه بكلمة «نعم» في موضع يستحق أن يؤتى فيه بكلمة «بلى». ولقد كان يقبح بابن الطراوة أن يقع في حق من شيّد الله قدره، وأعلى محله، وجعله إمام الأئمة في هذا العلم، وينسب اللحن إلى كلامه، لا جرم أن الله تعالى قد صرف الناس عن قبول أقواله، وجعل كلامه مرفوضا -

стр. 4433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مدحوضا لا يلتفت إليه، ولا يعوّل عليه، وقد حقق لنا سيبويه - رحمه الله تعالى - بما قاله أن كلمة «نعم» يجاب بها النفي المقرون بالاستفهام إذا كان المراد به التقرير. ولكن قد يشكل على ما قررناه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو قالوا نعم كفروا، إن صح هذا النقل عنه رضي الله تعالى عنه، والظاهر أن الذي قاله أنهم لو قالوا: نعم لم يكن كافيا في الإقرار بالربوبية، لأن مراعاة اللفظ في مقام الاحتمال أولى من مراعاة المعنى، كيف والمقام يقتضي الإتيان بحقيقة الاعتراف بالربوبية وإخلاص العبودية؟ وإذا كان كذلك، وجب أن يعدل عن اللفظ المحتمل لغير المقصود ويؤتى باللفظ القاطع الذي لا يكون فيه احتمال. ثم إن الشيخ ذكر هنا مسألة وهي (١): أن سيبويه قال (٢): وأما ألا فتنبيه، تقول: ألا إنه ذاهب ألا بلى. قال ابن خروف: ليس بجواب لما قبله. قال الشيخ (٣): يعني أن ما قبله من قوله: ألا إنه ذاهب، جملة مثبتة فجوابها لا يكون بـ «بلى» قال (٤): وقال أبو عمرو بن تقي: إنما هو تأكيد له، أي: تقول: ألا إنه ذاهب أو ألا بلى فتجمعهما تأكيدا لأنهما سواء، قال (٥): وقال بعض أصحابنا: هذا موضع مشكل وتفسيره: إذا أردت أن تقول في جواب من قال: ليس زيد بذاهب: ألا إنه ذاهب، قلت: عوض هذا: ألا بلى أي: ألا بلى هو ذاهب. ثم ذكر (٦) مسألة أخرى وهي: أن النهي يجري مجرى النفي في الجواب ببلى، فإذا قال القائل: لا تضرب زيدا قلت: بلى، أي: اضربه، قال: وإنما كان ذلك لأن النهي فيه معنى النفي والترك. انتهى. وأما قول المصنف: وإي بمعناها، إلى آخره - فأراد به أن «إي» بمعنى: نعم من كونها لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب، لكنها مختصة بالقسم بخلاف «نعم» فإنها تكون مع قسم وغير قسم، قال الله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ -

стр. 4434

[كلّا وحديث عنها] قال ابن مالك: (فصل، كلّا حرف ردع وزجر، وقد تؤوّل بـ «حقّا»، وتساوي «إي» معنى واستعمالا، ولا تكون لمجرّد الاستفتاح؛ خلافا لبعضهم). ــ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (١)، وإذا وليها حرف القسم فـ «الياء» ثابتة قطعا، وإذا وليها الاسم المعظم جاز حذف «الياء»؛ لالتقائها ساكنة مع لام «الله» فتقول: إالله، وجاز فتحها كما فتحت نون «من» مع «لام» التعريف، فتقول: إي الله وجاز إسكانها فتقول: إي الله لأنه يجوز الجمع بين الساكنين إذا كانا على شرطهما وهو أن يكون الأول حرف علة والثاني مشددا، هكذا ذكروا (٢) ولكن الشرط أن يكون حرف العلة والساكن المدغم في كلمة، وها هنا الساكن المدغم من كلمة أخرى غير الكلمة المتضمنة الساكن الأول. وأما قوله: وأجل لتصديق الخبر فظاهر، ومثاله: أن يقول القائل: قام زيد أو ما قام زيد أو يقوم زيد أو ما يقوم زيد، فتقول: أجل، فهي لتصديق الخبر سواء أكان ماضيا أم غير ماض وسواء أكان موجبا أم غير موجب، كالأمثلة المذكورة. قال الشيخ (٣): «ولا تجيء بعد الاستفهام، وحكي عن الأخفش (٤) أنها تكون فيهما إلا أنها في الخبر أحسن من نعم، ونعم في الاستفهام أحسن منها» انتهى. ومن حروف الجواب أيضا: «جير» و «إنّ» بمعنى نعم، وقد ذكرهما المصنف. أما «جير» ففي باب «القسم»، وأما «إنّ» ففي باب «الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر». قال ناظر الجيش: قال الشيخ (٥): «كلّا حرف بسيط، ودعوى ثعلب (٦) أنها مركبة من «كاف التشبيه» و «لا» التي للرد شددت «اللام» - لا دليل له عليها. وهي حرف ردع وزجر عند الخليل وسيبويه (٧) والأخفش والمبرد وابن قتيبة وعامة -

стр. 4435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البصريين (١)، وبمعنى «حقّا» عند الكسائي وابن الأنباري وجماعة (٢). وتساوي «إي» معنى واستعمالا يعني أنها تكون حرف تصديق، وأنها تستعمل مع القسم فتقول: كلا والله، في معنى: إي والله، وكونها بمعنى «نعم» هو مذهب النضر بن شميل (٣)، وقال عبد الله بن محمد الباهلي: كلّا على وجهين: أحدهما: أن تكون ردّا لكلام قبلها، فيجوز الوقف عليها، وما بعدها استئناف. والآخر: أن تكون صلة للكلام فتكون بمنزلة «إي». وقال محمد بن واصل (٤): كلا بمعنى القسم في بعض المواضع، قال الله تعالى: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ (٥)، وزعم أبو حاتم (٦) أن «كلا» تكون ردّا للكلام الأول وتكون بمعنى «ألا» الاستفتاحية. و «كلا» لها معنى كثير في باب الاتعاظ. وذهب الفراء (٧) إلى أن «كلا» بمنزلة «سوف» وهو غريب. وذهب صاحب كتاب «الترشيد» (٨) أن كلا تكون بمنزلة «لا» ردّا لما قبلها، ويبتدأ بما بعدها، ويوقف عليها، قال الله تعالى: أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا (٩)، قال: «وعدتها أربعة عشر موضعا في القرآن العزيز - أي التي تكون -

стр. 4436

[أمّا وحديث عنها] قال ابن مالك: (وأمّا حرف تفصيل مؤوّل بـ «مهما يكن من شيء» فلذا تلزم الفاء بعد ما يليها، ولا يليها فعل بل معموله، أو معمول ما أشبهه، أو خبر، أو مخبر عنه، أو أداة شرط يغني عن جوابها جواب أمّا، ولا تفصل الفاء بجملة [٥/ ١٩٩] تامّة، ولا تحذف في السّعة إلّا مع قول يغني عنه محكيّه؛ ولا يمتنع أن يلي «أمّا» معمول خبر «إنّ» خلافا للمازنيّ). ــ ردّا ويوقف عليها - قال: وهذا قول الأكثر من أهل الأداء والعربية وأهل المعاني والتفسير». قال ناظر الجيش: يؤخذ من كلام المصنف أن «أمّا» حرف شرط كما أنها حرف تفصيل لقوله: مؤوّل بمهما يكن من شيء وقد صرح في شرح الكافية بأنها للأمرين، وذكر الزمخشري (١) لها معنى آخر وهو التوكيد، وأنا أورد كلام المصنف في شرح الكافية ثم أردفه بكلام غيره. قال رحمه الله تعالى (٢): «أمّا فيها معنى الشرط والتفصيل، وتقدر بـ «مهما يكن من شيء» ولا يليها فعل لأنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، فلو وليها فعل لتوهم أنه فعل الشرط ولم يعلم بقيامها مقامه، فإذا وليها اسم بعده «الفاء» كان في ذلك تنبيه على ما قصد من كون ما وليها مع ما بعده جوابا، والمقرون بـ «الفاء» بعد ما يليها إما مبتدأ نحو: أما قائم فزيد، وإما خبر نحو: أما زيد فقائم، وإما عامل فيما وليها أو مفسر عامل فيه نحو: أما زيدا فأكرم وأما عمرا فأعرض عنه، وقد تليها «إن» فيغني جواب «أما» عن جوابها، كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ (٣) وقد تقدم (٤) أن الجواب لأول الشرطين المتواليين، فإذا كان أول الشرطين «أما» كانت أحق بذلك من وجهين: أحدهما: أن جوابها إذا انفردت لا يحذف أصلا، وجواب غيرها إذا انفرد -

стр. 4437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يحذف كثيرا لدليل، وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد حذفه. والثاني: أن أما قد التزم معها حذف فعل الشرط وقامت هي مقامه، فلو حذف جوابها لكان ذلك إجحافا، و «إن» ليست كذلك. ويجوز حذف الفاء بعدها إذا كان المقرون بها قولا باقيا ما هو محكي به، كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ (١) الأصل: فيقال لهم: أكفرتم (٢) ولا تحذف غالبا دون مقارنة قول إلا في ضرورة كقول الشاعر: ٤١٥٥ - فأمّا القتال لا قتال لديكم ... ولكنّ سيرا في عراض المواكب (٣) انتهى. وقد تضمن شرح غالب الفصل المذكور. وقال الزمخشري (٤): «فائدة «أما» في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول: زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب، وأنه عزيمة، قلت: أما زيد فذاهب، ولذلك قال سيبويه (٥) في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، وهذا التفسير مدل بفائدتين: بيان كونه توكيدا، وأنه في معنى الشرط» انتهى، ولنرجع إلى ألفاظ الكتاب وشرح ما لم يذكره في شرح الكافية، فنقول: أما قوله وأمّا حرف تفصيل مؤوّل بمهما يكن من شيء - فقد ناقشه الشيخ فيه، قال (٦): لا ينبغي أن ينسب إلى ذلك؛ لأن معنى التفصيل ليس بلازم لها، بل قد يجيء حيث لا يفصل تقول: أما زيد فمنطلق، قال: وأما التأويل بـ «مهما» فمن -

стр. 4438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حيث صلاحية التقدير، لأن «أما» حرف فكيف يكون معناه معنى اسم شرط وفعل شرط؟ ولأن في «يكن» ضميرا يعود على «مهما» لأنها اسم شرط، ولأن جملة الجواب إذا وقعت جوابا لفعل الشرط الكائن أداته اسما وجب أن يكون في جملة الجواب ضمير يعود على اسم الشرط وذلك منتف كلّه في أما» انتهى. وأقول: أما قوله: «لا ينبغي أن ينسب إلى التفصيل، لأنها قد تكون لغير تفصيل»، فيقال فيه: لا شك أن التفصيل هو الغالب والأكثر في استعمالها، ولعلها إنما جاءت في الكتاب العزيز للتفصيل، وكونها في بعض الاستعمالات قد لا تكون للتفصيل لا ينفي عنها ذلك، على أن لقائل أن يقول: لا يبعد أنها في مثل: أما زيد فمنطلق للتفصيل أيضا، وذلك كأن قائل هذا الكلام يأتي به ردّا على من يقول: زيد منطلق، وعمرو منطلق؛ فإذا قال: أما زيد فمنطلق، فالتقدير: أما عمرو فغير منطلق، وهكذا يفهم من قولنا: أما زيد فعالم، أن هذا القول كأنه ردّ على من ادّعى أن زيدا عالم وأن غيره عالم أيضا فيقول الرادّ: أما زيد فعالم فكأنه قال: وأما غير زيد فليس بعالم، فلم تستعمل «أما» لغير تفصيل على هذا. وأما قوله: «إن أما حرف فكيف يكون معناه معنى اسم شرط وفعل شرط؟» فيقال فيه: متى ادّعى المصنف ذلك حتى يناقش فيه؟ وإنما المراد أن الذي يفهم من قولنا: مهما يكن من شيء، يفهم من «أما». ومن ثمّ قالوا: إنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، واعلم أن بعض المغاربة يقول: لو كانت «أما» شرطا لكان ما بعدها متوقفا عليها، وأنت تقول: أما عالما فعالم، فهو عالم ذكرته أنت أو لم تذكره؛ بخلاف إن قام زيد قام عمرو، فقيام «عمرو» متوقف على قيام «زيد». وأجيب عن ذلك بأنه قد يجيء الشرط على ما ظاهره عدم التوقف عليه، كما قال: ٤١٥٦ - من يك ذا بتّ فهذا بتّي (١) -

стр. 4439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكقول الآخر: ٤١٥٧ - فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيّار بها لغريب (١) وقول الآخر: ٤١٥٨ - فإن يك حقّا ما أتاني فإنّهم ... كرام إذا ما النّائبات يترّب (٢) فـ «بتّه» موجود كان لغيره بتّ أو لم يكن، وهو و «قيار» غريبان كان بالمدينة من أمسى رحله أو لم يكن بها، وكذلك هم كرام كان ما أتاه حقّا أو لم يكن، لكن يخرّج ذلك على إقامة السبب مقام المسبب؛ لأن المعنى: من يك ذا بت فأنا لا أحسده، وسبب ذلك أن لي بتّا، وكذا إن يكن أحد من أهل المدينة فإني لا أغبطه لأني غريب، وكذلك فإن يك حقّا ما أتاني فإنهم صبر لأنهم كرام، وقولهم: أما عالما فعالم، فالمعنى: مهما تذكره عالما فذكرك حق لأنه عالم. ثم إن المصنف رتّب على كون «أما» مؤولة بأداة الشرط لزوم الإتيان بـ «فاء» بعدها بقوله فلذا تلزم الفاء. لكن لا بد أن يفصل بين «أما» و «الفاء» بجزء؛ ومن ثمّ قال: بعد ما يليها. [٥/ ٢٠٠] ولا شك أنهم لما أنابوا «أما» مناب أداة الشرط، وفعله، وليت «الفاء» الواقعة في الجواب «أما» وأداة الجزاء لا تلي أداة الشرط، فلزم أن يولوا «أما» شيئا من أجزاء الكلام الواقع جزاء ليكون بين أداة الشرط وما صدر به الجزاء فاصل يحصل به إصلاح اللغة. قال الشيخ (٣): «وهذه الفاء جاءت في اللفظ خارجة عن قيامها، لأنها لم تجئ رابطة بين جملتين ولا عاطفة مفردا على مثله» انتهى. والحق أن «الفاء» رابطة بين جملتين وهي جملة الشرط التي قامت «أما» مقامها، والجملة الواقعة جزاء، وإنما قدّم على «الفاء» جزء منها؛ كي يزول القبح اللفظي لو لم يقدم شيء، وهو أن يلي الجزاء أداة الشرط. -

стр. 4440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم قال الشيخ (١): «وتعليل المصنف للزوم الفاء بتأويلها بـ «مهما يكن» ليس بجيد، لأن جواب «مهما يكن» لا يلزم الفاء إذا كان صالحا لأداة الشرط، والفاء لازمة بعد «أما» كان ما دخلت عليه صالحا لأداة الشرط أو لم يكن، ألا ترى أنه يجوز أن يقول: مهما يكن من شيء لم أبال به ويمتنع ذلك في «أما»؛ بل يجب ذكر «الفاء» فتقول: أما كذا فلم أبال به، فدلّ ذلك على أن دخول الفاء ووجوبها ليس بداخل إن أوّلت بمهما يكن» انتهى. ولك أن تقول: الفاء هي التي دلت على أن «أما» مؤولة بـ «مهما يكن» إذ لولا هي لم يعلم أن «أما» أريد بها ما يراد بـ «مهما يكن»؛ لأن النحاة إنما دلّهم على أنها شرط لزوم «الفاء» بعدها، وإذا كذلك كان ذكرها لازما، فقول المصنف: فلذا تلزم الفاء - تعليل لكونها حرفا مؤولا بـ «مهما يكن» لا تعليل لكونها بمعنى «مهما يكن» فيلزمه ما ذكره الشيخ. وأما قول المصنف: ولا يليها فعل - فقد تقدم قوله في شرح الكافية: «ولا يليها فعل لأنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، فلو وليها فعل لتوهم أنه فعل شرط» إلى آخر ما ذكره. وأما قوله: بل معموله أو معمول ما أشبهه أو خبر أو مخبر عنه أو أداة شرط - فإشارة إلى الجزء الذي يجب الفصل به بين «أما» وجوابها، وقد ذكر خمسة أشياء، وهي بالحقيقة أربعة، فإن معمول ما أشبه الفعل لا فرق بينه وبين معمول الفعل إذ المعمول يشملهما، فمثال معمول الفعل قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٢) إلى آخر الآيات الشريفة (٣)، ومثال معمول ما أشبهه قول العرب: أما العسل فأنا شرّاب (٤)، ومثال الخبر: أما في الدار فزيد، ومثال المخبر عنه: أما زيد فمنطلق، ومثال أداة الشرط قوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ (٥) إلى آخر الآيات الشريفة (٦). -

стр. 4441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وليعلم أن قول المصنف: بل معموله - أراد به نحو: أما زيدا فاضرب، كما تقدم (١)، ويدخل تحت عبارته أمران آخران وهما: نحو: أما زيدا فاضربه، وهو ما إذا كان الفاصل معمولا لفعل يفسره الفعل المذكور بعد الفاء، ونحو: أما اليوم فزيد ذاهب وأما في الدار فزيد جالس، وهو ما إذا كان المعمول ظرفا أو شبهه، وإذا كان هذان الأمران تشملهما عبارته، فلا حاجة إلى أن يفردا بالذكر، وتجعل أقسام الفاصل الذي يجب الفصل به بين «أما» وجوابها ستة، لكن العامل الذي في نحو: أما زيدا فاضربه، أن ما يقدر بعد «الفاء» قبل الذي هي داخلة عليه ولا يقدر قبلها؛ لأن «أما» نائبة عن الفعل، فكان الفعل مذكورا، وفعل لا يلي فعلا. ثم ليعلم أن العامل في الظرف وشبهه في نحو: أما اليوم فزيد ذاهب وأما في الدار فزيد جالس، يجوز أن يكون «أما» نفسها لما فيها من معنى الفعل الذي هي نائبة عنه؛ لأن الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ويجوز أن يكون العامل الفعل المحذوف الذي نابت «أما» عنه. قال الشيخ (٢): «وفي قول المصنف: إنها لا يليها إلا معمول فعل أو معمول ما أشبهه أو خبر أو مخبر عنه أو شرط، دليل على أنه لا يليها غير ما ذكر، وليس الأمر كذلك بل يليها الجار والمجرور والظرف والمفعول والحال، وتكون هذه الأشياء معمولة لها بما تضمنته من فعل الشرط ويتعلق المجرور بها، هذا مذهب سيبويه (٣) والمازني (٤) والزجاج وابن السراج والجماعة، قال: وفي بعض شروح «الكتاب» أن ابن خروف أجاز أن يلي «أما» المفعول له وتكون عاملة فيه، وذلك لا يجوز، وما سوى الظرف والمجرور والحال لا تعمل فيه «أما» بما فيها من معنى الفعل لأن الأسماء الصريحة لا تعمل فيها المعاني، وأجاز ذلك الكوفيون (٥)، والصحيح عدم الجواز» انتهى. وليس في كلام المصنف ما يدفع أن «أما» لا يليها الجار والمجرور والظرف والمفعول له والحال؛ بل كلامه يتضمن أن كل ذلك يليها لأنها كلها داخلة تحت -

стр. 4442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله: «معمول فعل»؛ لأنه أطلق المعمول ولم يقيده بالصراحة، فشملت عبارته المعمولات كلها صريحة كانت أو غير صريحة، ولكنه لم يذكر أن العامل فيها يجوز أن يكون «أما» لما فيها من معنى الفعل، واقتصر على ذكر أن العامل هو الفعل الذي بعد «الفاء» أو شبهه، والشيخ أفاد كلامه أن «أما» يجوز أن تكون هي العاملة في المذكورات أيضا، وربما يستفاد ذلك من كلام المصنف أيضا حيث ذكر مسألة «أمّا علما فعالم» في باب «الحال». وأما قوله - أعني المصنف - يغني عن جوابها جواب أمّا - فمراده بذلك: أن جواب «أمّا» أغنى عن جواب أداة الشرط، وقد تقدم إيراد كلامه في شرح الكافية على المسألة المذكورة. قال الشيخ (١): «هذه المسألة فيها خلاف، والصحيح أن أداة الشرط جوابها محذوف لدلالة جواب أمّا عليه، ولذلك لزم أن يكون فعل الشرط بعد «إن» ماضيا ولا يلزم مضيّه إلا عند حذف الجواب، قال: كأنه قيل: مهما يكن من شيء فروح وريحان إن [٥/ ٢٠١] كان من المقربين، فالفاء جواب الشرط الذي تقدم وجواب «إن» محذوف. وهذا مذهب سيبويه (٢)، وزعم الأخفش (٣) أن الجواب المذكور لأمّا والشرط معا، فالأصل عنده: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، ثم أنيبت «أما» مناب «مهما» والفعل الذي بعدها فصار: أما فإن كان من المقربين فروح، ثم قدمت «إن» والفعل الذي بعدها، فصار: أما إن كان من المقربين ففروح، فالتقت الفاءان، فأنيبت إحداهما عن الأخرى فصار: فروح، قال (٤): وهذه كلها تقادير عجيبة ومع ذلك هي باطلة، وقد أبطل أبو علي ظاهر كلام الأخفش بأن «أما» بعد الفاء تكون جوابا لشيئين، وتأوّل كلامه على أنها لما كانت جوابا لأحدهما وأنيبت عن الثاني صارت كأنها جوابا لهما، قال (٥): واضطرب فيها قول أبي علي (٦)، فمرة قال: لا يفصل في أمّا إلا بمفرد، فالفاء جواب إن وجواب أمّا -

стр. 4443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ محذوف، وهذا لا يصح؛ لأنه متى اجتمع طالبا جواب كان الجواب للأول منهما، ومرة قال بقول سيبويه، وقال: الجملة إذا لم تستقل صارت بمنزلة مفرد. قال الشيخ (١): وهذا هو الصحيح، فإذن في المسألة ثلاثة مذاهب: مذهب سيبويه، ومذهب الأخفش ومذهب أبي علي في أحد قوليه» انتهى. وأقول: إن الكلام قد تقدم على هذه المسألة عند الكلام على اجتماع الشرطين، وتقدم ذكر أن من الناس من أخرج المسألة من هذا الباب - أعني اجتماع الشرطين - وذلك أن التقدير: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، فتكون الجملة الشرطية وجوابها جواب «أما». وتقدم أيضا هناك بحث، وهو أن «أما» إذا قرن بها أداة شرط فتجرد هي عن معنى الشرط وتتمحض لأن تكون للتفصيل لا غير، وحاصل الأمر: أن ما تقدم فيه غنية فلا حاجة إلى التطويل بإعادته. وأما قوله: ولا تفصل الفاء بجملة تامّة، فقال الشيخ (٢): «كان ينبغي أن يقيد هذا بأن لا تكون الجملة دعاء، فإن كانت دعاء جاز ذلك بشرط أن يفصل بين «أما» وجملة الدعاء بمعمول «أما» نحو: أما اليوم رحمك الله فلأصنعن كذا، أو بمعمول جوابها نحو: أما زيدا رحمك الله فاضرب، فلو فصلت بجملة الدعاء بينها وبين فصلها اللازم، نحو: أما رحمك الله زيدا فاضرب، لم يجز». انتهى. ولا يخفى أن جملة الدعاء من الجمل التي يعترض بها، والفصل بجملة الاعتراض سائغ حتى بين الموصول وصلته التي هي من تمامه، فكيف لا يجوز في غير ذلك؟ وأما قوله: ولا تحذف في السّعة إلّا مع قول يغني عنه محكيّه - فقد تقدم الكلام فيه، وهذه المسألة قد سبق ذكرها في آخر باب «المبتدأ» لما ذكر دخول «الفاء» على الخبر. وأما قوله: ولا يمتنع أن يلي أمّا معمول خبر إنّ؛ خلافا للمازني - فأشار به إلى - أن نحو قولك: أما زيدا فإني ضارب - جائز.

стр. 4444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخ (١): «وهذه المسألة فيها خلاف كما ذكر، فمذهب سيبويه وأبي عثمان (٢) أنك تعتبر ما يجوز من ذلك وما يمتنع بأن تسقط أما والفاء، فحيث جاز تقديم المعمول قدمته، وحيث امتنع ذلك منعته، وهذه المسألة: لو طرحت أما والفاء، فقلت: زيدا إني ضارب، لم يجز، فكذلك إذا ذكرتهما، ولو قلت: أما زيدا فضربت، وطرحت أما والفاء فقلت: زيدا ضربت لجاز ذلك، فكذلك إذا أدخلتهما. فبهذا يعتبر سيبويه والمازني مسائل أما. ولذلك احتج سيبويه (٣) على تقديم معمول فعّال بقولهم: أما العسل فأنا شرّاب، ورد على الخليل أن «لن» أصلها: لا أن، بقولهم: أما زيدا فلن أضرب (٤). وقال سيبويه (٥): وسألته عن قولهم: أما حقّا فإنك ذاهب، فقال: هذا جيد، وهذا الموضع من مواضع إنّ، ألا ترى أنك تقول: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب، وأما فيها فإنّك قائم، ثم قال (٦): وإنما جاز هذا في أما لأن فيها معنى مهما يكن من شيء يوم الجمعة فإنك ذاهب، فهذا تفسير أنّ أمّا تعمل لما فيها من معنى الفعل، ومعاني الأفعال تعمل في الظروف والحال والمفعول له، كما قدمنا» انتهى. وليعلم أن «حقّا» منصوب على الظرف (٧) - أعني ظرف الزمان - والتقدير: أما في حق فإنك ذاهب، ولهذا قبح أن تعمل فيه «أما» لما فيها من معنى الفعل، ويدلك على أنه ظرف تسوية الخليل (٨) بينها وبين: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب وأما فيها فإنّك قائم. ثم قال الشيخ (٩): «وتخصيص المصنف منع: أما زيدا فإني ضارب بالمازني. وقد سبق إلى ذلك سيبويه إما جهل منه أن سيبويه منع ذلك، وإما استحياء أن يخالف سيبويه، قال (١٠): وقد جهل كثيرا من مذاهبه، ورد عليه مواضع على زعمه، فهلا استحيا منه!! -

стр. 4445

[أحكام أخرى لأما] قال ابن مالك: (وقد تبدل ميمها الأولى ياء، وقد يليها مصدر متلوّ بما اشتمل على مثله أو مشتقّ منه، فينصبه الحجازيّون مطلقا ويرفعه التّميميّون معرفة وينصبونه نكرة، وقد يرفعونه، والنّصب على تقدير: إذ ذكرت، والرّفع على تقدير: إذ ذكر، واستعمال العلم بالوجهين موضع هذا المصدر جائز على رأي). ــ وذهب المبرد وابن درستويه (١) إلى أن ما بعد «إنّ» يعمل فيما قبلها مع «أمّا» خاصّة وهو الذي اختاره المصنف، واحتجّا بأنه لما لزم الفصل بين «أمّا» و «الفاء» أوقعوا الفصول بينهما ما لا يتقدم في غير هذا الموضع لضرورة الفصل، كما أعملوا ما بعد الفاء فيما قبلها معها دون غيرها، نحو: أما زيدا فضربت، ولا يقولون: إن أقم زيدا فاضرب، فكذلك يجوز: أما زيدا فإني ضارب؟ وذهب الفراء إلى إجازة ما أجازه المبرد وابن درستويه مع «إنّ» وزاد أن أجاز ذلك في: ليت ولعلّ، وكل ما يدخل على المبتدأ نحو: أما زيدا فليتني ضارب، وأما عمرا فلعلي ضارب، واحتجّ على ذلك بأن باب الفاء للاستئناف، فهي سوّغت الابتداء وهذه إنما دخلت على الابتداء فلم يعتدّ بها، ولذلك أجاز الفراء النصب في نحو: أما زيدا فلأضربنّه (٢). قال (٣): والرفع في هذا كله الوجه والقياس، وما ذهب إليه المبرد وابن درستويه والفراء غير صحيح، ولم يرد به سماع ولا يقتضيه قياس صحيح، بل القياس مذهب سيبويه [٥/ ٢٠٢] وقد رجع إليه المبرد فيما حكى، قال: وقال الزجاج (٤): رجوعه مكتوب عندي بخطه، فصار المنع إجماعا من البصريين». قال ناظر الجيش: قال الشيخ (٥): «ثبت هذا الكلام بجملته في نسخة الشيخ بهاء الدين الرقي المقروءة على المصنف والتي عليها خطه، وسقط من بعض النسخ، ووجه سقوطه أنه قد ذكر أكثرها في باب «الحال» وشرح ذلك هناك شرحا شافيا، -

стр. 4446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال (١): ونحن نشرح ما يجب هنا شرحا لطيفا، فقوله: وقد تبدل ميمها الأولى ياء، أي: يقال: أيما زيد فمنطلق وقال الشاعر: ٤١٥٩ - رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر (٢) وأنشد الفراء: ٤١٦٠ - أيما وشاحها فيجزى وأي ... ما العجز منّها فلا يجزى (٣) وقوله: بما اشتمل عليه، مثاله: أما علما فذو علم، وقوله: أو مشتق منه، مثاله: أما علما فعالم، وقوله: فينصبه الحجازيون مطلقا، مخالف لما ذكره في باب «الحال»، فإنه ذكر عن الحجازيين في المعرف نحو رفع ونصب، وذكر في الشرح عنهم أنهم يلتزمون نصب المنكر، وقوله: ويرفعه التميميون معرفة وينصبونه نكرة، وقد يرفعونه أي: النكرة، وهذا موافق لما في باب «الحال» فإنه قال فيه (٤): وترفع تميم المصدر التّالي أمّا في التّنكير جوازا مرجوحا وفي التّعريف وجوبا. وقوله: والنصب على تقدير: إذ ذكرت، والرفع على تقدير: إذ ذكر، قد ذكر هو في باب «الحال» أن النصب عند سيبويه هو على أنه مفعول له، وأنه مفعول مطلق عند الأخفش (٥)، وذكر في الشرح هذين المذهبين، وذكر هذا المذهب الثالث عن بعض النحويين ولم يسمه واختاره ورجّحه بما يوقف عليه من كلامه في الشرح، وهذا الرأي هو رأي الكوفيين نقله عنهم ابن هشام الخضراوي، يحملون الباب كله على تقدير فعل لا يظهر مع أما كما لا يظهر الفعل في قول العرب: أما -

стр. 4447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنت منطلقا انطلقت معك، يقولون في قول العرب: أما علما فعالم وأما سمنا فسمين، كأنه قال: مهما تذكر علما أو سمنا» انتهى. وقال بعض العلماء (١): «وقد سمع: أما العبيد فذو عبيد بالنصب، وأما قريشا فأنا أفضلها، قال: وذلك يدل على أنه لا يلزم أن يقدر: مهما يكن من شيء بل يجوز أن يقدر غيره مما يليق بالمحل، إذ التقدير هنا: مهما ذكرت، وعلى ذلك يخرّج قولهم: أما العلم فعالم وأما علما فعالم، قال: وهو أحسن مما قيل: إنه مفعول مطلق لما بعد الفاء (٢) أو مفعول لأجله إن كان معرفا (٣)، أو حال إن كان منكرا (٤)، وعلى أن «أما» ليست العاملة؛ إذ لا يعمل الحرف في المفعول به، وعلى أنه يجوز: أما زيدا فإني أكرم، على تقدير العمل للمحذوف» انتهى. وهذا الذي ذكره فيه جنوح إلى مذهب الكوفيين في مثل هذا التركيب. وأما قول المصنف: واستعمال العلم بالوجهين موضع هذا المصدر جائز على رأي، فقال الشيخ (٥): «هذا رأي الكوفيين أجازوا أن يأتي بعد «أما» العلم وغيره من المعارف، وحكوا من كلام العرب: أمّا البصرة فلا بصرة لك، وأمّا أباك فلا أب لك، ويجيزون: أما العبيد فلا عبيد لك يريد عبيدا بأعيانهم، ولا يجوز النصب في شيء من هذا عند سيبويه (٦)، فإن صح ما حكوا فالقول قولهم إن النصب بإضمار فعل ولم يسمعه سيبويه». انتهى. وهذا الذي قاله الشيخ من أنه إن صحّ ما حكوا فالقول قولهم إن النصب بإضمار فعل ولم يسمعه سيبويه، إنصاف وحقّ. ثم إن الشيخ ذكر (٧) بعد ذلك عن صاحب «البسيط» كلاما في «أمّا» وأطال فيه، فأضربت عن ذكره لأن الذي تقدّم فيه غنية.

стр. 4448

[أقل رجل يقول ذلك وأحكام هذه الجملة] قال ابن مالك: (فصل؛ قد يقوم مقام ما يفعل «أقلّ» ملازما للابتداء والإضافة إلى نكرة موصوفة بصفة مغنية عن الخبر لازم كونها فعلا أو ظرفا، وقد تجعل خبرا، ولا بدّ من مطابقة فاعلها للنّكرة المضاف إليها). قال ناظر الجيش: قال الشيخ (١): «أجرت العرب «أقلّ» مجرى «قلّ رجل» فلذلك لا تدخل عليه العوامل، ووضعته العرب في أحد محمليه موضع النفي، لأن القليل أقرب شيء إلى النفي كما أن الكثير أبعد شيء منه، ولزمت الابتداء فوقعت صدرا إذ جعلت نائبة عن النفي، والنفي له صدر الكلام، ولو قلت: كان أقل رجل يقول ذلك لم يجز إلا على إضمار الشأن في «كان» ولإجرائها مجرى النفي قالوا: أقلّ رجل يقول ذلك إلا زيد. قال سيبويه (٢): لأنه صار في معنى: ما أحد فيها إلا زيد. وإنما لزم إضافته إلى نكرة لأنه في سياق النفي يعمّ، والمعنى على النفي؛ فإذا قلت: أقلّ رجل يقول ذلك فمعناه: ما أحد يقول ذلك. وقوله نكرة أعم من أن يكون مما يجوز أن تدخل عليه «أل» نحو: رجل، أو لا تدخل عليه نحو: أقل من يقول ذلك. قال سيبويه (٣): حدثنا بذلك يونس عن العرب يجعلونه نكرة كما قال: ٤١٦١ - ربّما تكره النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال (٤) -

стр. 4449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يريد: أن «ربّ» دخلت على «ما» وهي لا تدخل إلا على نكرة، فتنكيرها كتنكير «من» وقد دخلت «ربّ» أيضا على «من»، قال: ٤١٦٢ - ربّ من أنضجت غيظا صدره (١) وقوله: موصوفة بصفة مغنية عن الخبر: إذا قلت: أقلّ رجل يقول ذلك فـ «أقل» مبتدأ كما تقدم، واختلف في الجملة الواقعة بعده: هل هي في موضع الخبر أو في موضع صفة تغني عن الخبر [٥/ ٢٠٣] ويكون الخبر محذوفا؟ فمنهم من قال: هي في موضع الخبر؛ لأن المبتدأ لا بد له من خبر وليس هنا شيء يصلح للخبر غير هذه الجملة، وكأنه قال: ما رجل يفعل ذلك، وأنت لو قلت: ما رجل يفعل ذلك، لكان «يفعل ذلك» في موضع الخبر، فكذلك هذا. فموضعه على هذا رفع على أصل وضع الكلام؛ إذ المبتدأ لا بد له من خبر وإلى هذا ذهب الأخفش. وقال بعضهم: الجملة صفة وهي في موضع جر، والدليل على ذلك جريان هذا الفعل مطابقا للمجرور، فتقول: أقل امرأة تقول ذلك، وأقل امرأتين تقولان ذلك، أقل نساء يقلن ذلك، وأقل رجل يقول ذلك، وأقل رجلين يقولان ذلك، وأقل رجال يقولون ذلك، فتطابق الجملة المجرور، ولو كانت خبرا لطابقت المبتدأ الذي هو «أقل» فكنت تقول: أقل رجال يقول ذلك، وعزي هذا المذهب إلى الأخفش أيضا. فإن قلت: قد زعمت أن «أقل» يجب أن يكون مبتدأ ولا تدخل عليه -

стр. 4450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النواسخ فكيف أورده سيبويه في باب «الاشتغال» في قوله (١): «هذا باب ما يجري مما يكون ظرفا هذا المجرى وذلك: يوم الجمعة ألقاك فيه، وأقلّ يوم لا أصوم فيه، وخطيئة يوم لا أصيبه، ومكانكم قمت فيه، فصارت هذه الأحرف ترتفع بالابتداء كارتفاع عبد الله وصار ما بعدها مبنيّا عليها كبناء الفعل على الاسم الأول». ثم قال بعد ذلك (٢): «ويدخل النصب كما دخل في الاسم، ويجوز في ذلك: يوم الجمعة ألقاك فيه وأصوم فيه كما جاز في قولك: عبد الله مررت به». فدل كلام سيبويه هذا على أمرين: أحدهما: أنه لا يلتزم فيه الابتداء. والثاني: أن الجملة في موضع الخبر لا في موضع الصفة، لأن الصفة لا تفسر عاملا!! فالجواب: أن الذي يتكلم فيه غير الذي ذهب إليه سيبويه، لأن الذي ذكره سيبويه لم يرد به النفي المحض إنما أريد به الأقل المقابل للأكثر فعرض الإلباس والإشكال من حيث الاشتراك. ألا ترى أن القائل: أقلّ يوم لا أصوم فيه لا يمكن حمله على النفي المحض؛ لأنه إذ ذاك يصير المعنى: ما يوم من الأيام ينتفي عنه فيه الصوم، وقد علم ضرورة أنه لا يصوم أيام الأعياد، وإنما مراد المتكلم أنه قليل من الأيام ينتفي عنه فيها الصوم، يريد أنه يكثر الصوم ولا يعني أنه يديمه سرمدا من غير تخلل إفطار. انتهى. وقد عرف من قول المصنف: قد يقوم مقام ما يفعل أقلّ، أن «أقل» قد لا يراد به النفي وإنما يراد به الأقلية المقابلة للأكثرية، وإتيان المصنف بكلمة «قد» يدل على أن إرادة النفي به أقل من أن يراد به غير ذلك. وحاصل الأمر: أن «أقل» لها محملان: أحدهما: أن تكون «أفعل» تفضيل فلا نفي، ثانيهما: أن يراد به النفي المحض.
следующие страницы →