← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال (١): ونحن نشرح ما يجب هنا شرحا لطيفا، فقوله: وقد تبدل ميمها الأولى ياء، أي: يقال: أيما زيد فمنطلق وقال الشاعر: ٤١٥٩ - رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر (٢) وأنشد الفراء: ٤١٦٠ - أيما وشاحها فيجزى وأي ... ما العجز منّها فلا يجزى (٣) وقوله: بما اشتمل عليه، مثاله: أما علما فذو علم، وقوله: أو مشتق منه، مثاله: أما علما فعالم، وقوله: فينصبه الحجازيون مطلقا، مخالف لما ذكره في باب «الحال»، فإنه ذكر عن الحجازيين في المعرف نحو رفع ونصب، وذكر في الشرح عنهم أنهم يلتزمون نصب المنكر، وقوله: ويرفعه التميميون معرفة وينصبونه نكرة، وقد يرفعونه أي: النكرة، وهذا موافق لما في باب «الحال» فإنه قال فيه (٤): وترفع تميم المصدر التّالي أمّا في التّنكير جوازا مرجوحا وفي التّعريف وجوبا. وقوله: والنصب على تقدير: إذ ذكرت، والرفع على تقدير: إذ ذكر، قد ذكر هو في باب «الحال» أن النصب عند سيبويه هو على أنه مفعول له، وأنه مفعول مطلق عند الأخفش (٥)، وذكر في الشرح هذين المذهبين، وذكر هذا المذهب الثالث عن بعض النحويين ولم يسمه واختاره ورجّحه بما يوقف عليه من كلامه في الشرح، وهذا الرأي هو رأي الكوفيين نقله عنهم ابن هشام الخضراوي، يحملون الباب كله على تقدير فعل لا يظهر مع أما كما لا يظهر الفعل في قول العرب: أما -

стр. 4447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنت منطلقا انطلقت معك، يقولون في قول العرب: أما علما فعالم وأما سمنا فسمين، كأنه قال: مهما تذكر علما أو سمنا» انتهى. وقال بعض العلماء (١): «وقد سمع: أما العبيد فذو عبيد بالنصب، وأما قريشا فأنا أفضلها، قال: وذلك يدل على أنه لا يلزم أن يقدر: مهما يكن من شيء بل يجوز أن يقدر غيره مما يليق بالمحل، إذ التقدير هنا: مهما ذكرت، وعلى ذلك يخرّج قولهم: أما العلم فعالم وأما علما فعالم، قال: وهو أحسن مما قيل: إنه مفعول مطلق لما بعد الفاء (٢) أو مفعول لأجله إن كان معرفا (٣)، أو حال إن كان منكرا (٤)، وعلى أن «أما» ليست العاملة؛ إذ لا يعمل الحرف في المفعول به، وعلى أنه يجوز: أما زيدا فإني أكرم، على تقدير العمل للمحذوف» انتهى. وهذا الذي ذكره فيه جنوح إلى مذهب الكوفيين في مثل هذا التركيب. وأما قول المصنف: واستعمال العلم بالوجهين موضع هذا المصدر جائز على رأي، فقال الشيخ (٥): «هذا رأي الكوفيين أجازوا أن يأتي بعد «أما» العلم وغيره من المعارف، وحكوا من كلام العرب: أمّا البصرة فلا بصرة لك، وأمّا أباك فلا أب لك، ويجيزون: أما العبيد فلا عبيد لك يريد عبيدا بأعيانهم، ولا يجوز النصب في شيء من هذا عند سيبويه (٦)، فإن صح ما حكوا فالقول قولهم إن النصب بإضمار فعل ولم يسمعه سيبويه». انتهى. وهذا الذي قاله الشيخ من أنه إن صحّ ما حكوا فالقول قولهم إن النصب بإضمار فعل ولم يسمعه سيبويه، إنصاف وحقّ. ثم إن الشيخ ذكر (٧) بعد ذلك عن صاحب «البسيط» كلاما في «أمّا» وأطال فيه، فأضربت عن ذكره لأن الذي تقدّم فيه غنية.

стр. 4448

[أقل رجل يقول ذلك وأحكام هذه الجملة] قال ابن مالك: (فصل؛ قد يقوم مقام ما يفعل «أقلّ» ملازما للابتداء والإضافة إلى نكرة موصوفة بصفة مغنية عن الخبر لازم كونها فعلا أو ظرفا، وقد تجعل خبرا، ولا بدّ من مطابقة فاعلها للنّكرة المضاف إليها). قال ناظر الجيش: قال الشيخ (١): «أجرت العرب «أقلّ» مجرى «قلّ رجل» فلذلك لا تدخل عليه العوامل، ووضعته العرب في أحد محمليه موضع النفي، لأن القليل أقرب شيء إلى النفي كما أن الكثير أبعد شيء منه، ولزمت الابتداء فوقعت صدرا إذ جعلت نائبة عن النفي، والنفي له صدر الكلام، ولو قلت: كان أقل رجل يقول ذلك لم يجز إلا على إضمار الشأن في «كان» ولإجرائها مجرى النفي قالوا: أقلّ رجل يقول ذلك إلا زيد. قال سيبويه (٢): لأنه صار في معنى: ما أحد فيها إلا زيد. وإنما لزم إضافته إلى نكرة لأنه في سياق النفي يعمّ، والمعنى على النفي؛ فإذا قلت: أقلّ رجل يقول ذلك فمعناه: ما أحد يقول ذلك. وقوله نكرة أعم من أن يكون مما يجوز أن تدخل عليه «أل» نحو: رجل، أو لا تدخل عليه نحو: أقل من يقول ذلك. قال سيبويه (٣): حدثنا بذلك يونس عن العرب يجعلونه نكرة كما قال: ٤١٦١ - ربّما تكره النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال (٤) -

стр. 4449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يريد: أن «ربّ» دخلت على «ما» وهي لا تدخل إلا على نكرة، فتنكيرها كتنكير «من» وقد دخلت «ربّ» أيضا على «من»، قال: ٤١٦٢ - ربّ من أنضجت غيظا صدره (١) وقوله: موصوفة بصفة مغنية عن الخبر: إذا قلت: أقلّ رجل يقول ذلك فـ «أقل» مبتدأ كما تقدم، واختلف في الجملة الواقعة بعده: هل هي في موضع الخبر أو في موضع صفة تغني عن الخبر [٥/ ٢٠٣] ويكون الخبر محذوفا؟ فمنهم من قال: هي في موضع الخبر؛ لأن المبتدأ لا بد له من خبر وليس هنا شيء يصلح للخبر غير هذه الجملة، وكأنه قال: ما رجل يفعل ذلك، وأنت لو قلت: ما رجل يفعل ذلك، لكان «يفعل ذلك» في موضع الخبر، فكذلك هذا. فموضعه على هذا رفع على أصل وضع الكلام؛ إذ المبتدأ لا بد له من خبر وإلى هذا ذهب الأخفش. وقال بعضهم: الجملة صفة وهي في موضع جر، والدليل على ذلك جريان هذا الفعل مطابقا للمجرور، فتقول: أقل امرأة تقول ذلك، وأقل امرأتين تقولان ذلك، أقل نساء يقلن ذلك، وأقل رجل يقول ذلك، وأقل رجلين يقولان ذلك، وأقل رجال يقولون ذلك، فتطابق الجملة المجرور، ولو كانت خبرا لطابقت المبتدأ الذي هو «أقل» فكنت تقول: أقل رجال يقول ذلك، وعزي هذا المذهب إلى الأخفش أيضا. فإن قلت: قد زعمت أن «أقل» يجب أن يكون مبتدأ ولا تدخل عليه -

стр. 4450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النواسخ فكيف أورده سيبويه في باب «الاشتغال» في قوله (١): «هذا باب ما يجري مما يكون ظرفا هذا المجرى وذلك: يوم الجمعة ألقاك فيه، وأقلّ يوم لا أصوم فيه، وخطيئة يوم لا أصيبه، ومكانكم قمت فيه، فصارت هذه الأحرف ترتفع بالابتداء كارتفاع عبد الله وصار ما بعدها مبنيّا عليها كبناء الفعل على الاسم الأول». ثم قال بعد ذلك (٢): «ويدخل النصب كما دخل في الاسم، ويجوز في ذلك: يوم الجمعة ألقاك فيه وأصوم فيه كما جاز في قولك: عبد الله مررت به». فدل كلام سيبويه هذا على أمرين: أحدهما: أنه لا يلتزم فيه الابتداء. والثاني: أن الجملة في موضع الخبر لا في موضع الصفة، لأن الصفة لا تفسر عاملا!! فالجواب: أن الذي يتكلم فيه غير الذي ذهب إليه سيبويه، لأن الذي ذكره سيبويه لم يرد به النفي المحض إنما أريد به الأقل المقابل للأكثر فعرض الإلباس والإشكال من حيث الاشتراك. ألا ترى أن القائل: أقلّ يوم لا أصوم فيه لا يمكن حمله على النفي المحض؛ لأنه إذ ذاك يصير المعنى: ما يوم من الأيام ينتفي عنه فيه الصوم، وقد علم ضرورة أنه لا يصوم أيام الأعياد، وإنما مراد المتكلم أنه قليل من الأيام ينتفي عنه فيها الصوم، يريد أنه يكثر الصوم ولا يعني أنه يديمه سرمدا من غير تخلل إفطار. انتهى. وقد عرف من قول المصنف: قد يقوم مقام ما يفعل أقلّ، أن «أقل» قد لا يراد به النفي وإنما يراد به الأقلية المقابلة للأكثرية، وإتيان المصنف بكلمة «قد» يدل على أن إرادة النفي به أقل من أن يراد به غير ذلك. وحاصل الأمر: أن «أقل» لها محملان: أحدهما: أن تكون «أفعل» تفضيل فلا نفي، ثانيهما: أن يراد به النفي المحض.

стр. 4451

[قلّما وقليل وحديث عنهما] قال ابن مالك: (ويساوي «أقلّ» المذكور «قلّ» رافعا مثل المجرور، ويتّصل بـ «قلّ» ما كافّة عن طلب فاعل فيلزم في غير ضرورة مباشرتها الأفعال، وقد يراد بها حينئذ التّقليل حقيقة، وقد يدلّ على النّفي بـ «قليل» و «قليلة»). قال ناظر الجيش: يريد أن الفاعل الذي تسند «قلّ» إليه يكون مثل المجرور أي الذي جرّ بـ «أقل» فـ «اللام» في «المجرور» للعهد، وإذا كان مثله فيتعين أن يكون نكرة موصوفة بصفة لازم كونها فعلا أو ظرفا يراد به في أحد محمليه نفي العموم، وذلك نحو: قلّ رجل يقول ذلك، وقلّ رجل في الدّار، وقلّ رجل عندك، المعنى: ما رجل يقول ذلك، وما رجل في الدار، وما رجل عندك. ونبه بقوله: ويتّصل بقلّ ما كافة عن طلب فاعل - على أن «قل» حينئذ تجري مجرى حرف النفي، فلا يكون لها فاعل، ولما أجريت مجرى النفي وليها الأفعال في الكلام الفصيح، فيقال: قلّما يقوم زيد في معنى: ما يقوم زيد، ولا يليها الاسم إلا في الضرورة، كقول الشاعر: ٤١٦٣ - صددت فأطولت الصّدود وقلّما ... وصال على طول الصّدود يدوم (١) ويفهم من قول المصنف: إنّ ما كافّة لقلّ عن طلب فاعل - أن الاسم الذي وليها في هذا البيت لا يكون فاعلا، ولم يعلم من كلامه ما هو الرافع لذلك الاسم الواقع بعدها؟ وللنحاة فيه تخريجان (٢): أحدهما: أنه مرفوع بـ «يدوم» فالنية به التأخير ولكن قدّم ضرورة. ثانيهما: أنه فاعل بفعل مضمر يفسره ما بعده، التقدير: وقلما يدوم وصال على طول الصدود يدوم. -

стр. 4452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا التخريج أولى بل هو المتعين، لأن الفاعل لا يتقدم على عامله لا في ضرورة ولا غيرها عند البصريين (١)، وحكم الشيخ (٢) بأن التخريج الأول هو الذي يطابق كلام المصنف لقوله: فيلزم في غير ضرورة مباشرتها الأفعال - فتكون في الضرورة لا تباشر الأفعال، وإذا قدرت فعلا رافعا لـ «وصال» تكون «قلما» قد باشرت الفعل. وأقول: يمكن أن المصنف يريد أنها تباشر الأفعال لفظا لا تقديرا، وإذا كان «وصال» في البيت مرفوعا بفعل مقدر، انتفت المباشرة اللفظية فعدّ لذلك من الضرورات. وقول المصنف: وقد يراد بها حينئذ التّقليل حقيقة - يعني حين مساواتها لـ «أقل» لأن «أقل» لها محملان كما تقدم، أحدهما: أن تكون أفعل تفضيل فلا تدل على النفي، والثاني: أن يراد بها النفي المحض، و «قل» لها محملان أيضا فكما كانت للنفي تكون للتقليل، فلما ذكر أنها تساوي «أقل» المراد به النفي ذكر أنها قد يراد بها التقليل. هذا ما يتضمنه كلام الشيخ في شرح هذا الموضع (٣). وربما يقال: إن مراد المصنف بقوله: حينئذ حين يتصل بها «ما» أي أن «قلّما» قد يراد بها النفي وقد يراد بها التقليل. وأما قوله: حقيقة - ففسره الشيخ (٤) بأنه يعني بذلك أن أصل «قل» أن لا تكون للنفي بل تدل على نزارة الشيء وقلّته [٥/ ٢٠٤] دون نفيه. وقال الشيخ (٥) في قول المصنف: ويتصل بقلّ ما كافة: «إنما قال: كافة احترازا من اتصال «ما» المصدرية بها، فإنها تتصل بها وينسبك منها مع الفعل الذي بعدها مصدر هو فاعل «قل»، فتقول: قلما أضرب زيدا في معنى: قلّ ضربي زيدا» انتهى. ولم أتحقق ما قاله؛ فإن «قلما» التي يتكلم المصنف عليها إنما هي الكلمة التي يراد بها النفي؛ فـ «ما» المتصلة بها كافّة قطعا، والتي ذكرها الشيخ إنما هي الكلمة -

стр. 4453

[سرد لبعض الأفعال الجامدة] قال ابن مالك: (فصل؛ منعت التّصرف أفعال منها المثبتة في نواسخ الابتداء، وباب «الاستثناء» و «التّعجّب» وما يليه، ومنها «قلّ» النّافية، و «تبارك» و «سقط في يده» و «هدّك من رجل» و «عمّرتك الله» و «كذب» في الإغراء، و «ينبغي» و «يهيط» و «أهلمّ» و «أهاء وأهاء» بمعنى آخذ، وأعطي، و «هلمّ» التّميميّة، و «هأ» و «هاء» بمعنى خذ، و «عم صباحا» و «تعلّم» بمعنى اعلم). ــ التي يراد بها التقليل، ولهذا جاز أن تكون «ما» المتصلة بها مصدريّة. وأما قول المصنف: وقد يدل على النّفي بقليل وقليلة - فمثال ذلك: قليل من الرجال يقول ذلك، وقليلة من النساء تقول ذلك، فهذا قد يراد به النفي أي: ما يقول ذلك رجل، وما تقول ذلك امرأة. قال ناظر الجيش: المراد بعدم تصرف الفعل: لزومه صيغة واحدة، وذلك بأن لا تختلف أبنيته لاختلاف الزمان. وأشار إلى أن من الأفعال العادمة التصرف ما تقدم له ذكره في أربعة الأبواب، أما ما بيّن في نواسخ الابتداء فهو المذكور في باب «كان» وهو: ليس ودام، وفي باب «أفعال المقاربة» وفي باب «الأفعال الناصبة المبتدأ والخبر مفعولين» وهو: تعلّم وهب، وأما المبين في باب الاستثناء فهو: عدا وخلا وحاشى ولا يكون، وأما المبين في باب «التعجب» فهو: الصيغ التي هي مستعملة في التعجب، وأما المبين في الباب الذي يليه وهو باب «أفعال المدح والذم» فهو: نعم وبئس وحبذا وما ذكر معها. ثم أشار إلى بقية الأفعال غير المتصرفة التي لا تختص بباب من الأبواب وجملتها: خمسة عشر فعلا: الأول منها: «قلّ»: وقد تقدم ذكرها، وتقييدها بالنافية احتراز من الدالة على القلة المقابلة للكثرة فإنها تتصرف، يقال: قلّ ودّ فلان وقلّ ماله ويقلّ ودّه ويقلّ ماله. والثاني: «تبارك» قال الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (١) وقال الله -

стр. 4454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١) قيل: وهو مشتق من البركة، وهو غير متعدّ، وأما «بارك» فقد عدي بـ «في» نحو: بارك الله فيك، وب «على» نحو: وبارك على محمد، وبنفسه، قال الله تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها (٢) وهو متصرف، يقال: تبارك الله فيك. والثالث: سقط في يده: وهي كلمة تقال في معنى الندم والتّخلي عما كان يتعلق به، وأصل «سقط» بمعنى وقع: التّصرّف وعدم التّعدّي، ثم إنه لما خرج عن أصل وضعه واستعمل مجازا في المعنى الذي ذكر، أشبه الحرف فمنع التصرف، وبني لما لم يسم فاعله، وأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل. والرابع: هدّك من رجل: ذكر الشيخ في شرحه (٣) «أن العرب تارة تجعل هذا اسما وتصف به وتتبعه ما قبله في الإعراب نحو: مررت برجل هدّك من رجل، ومعناه معنى: حسبك من رجل، أي: بحسبك من رجل، تقول العرب: أحسبني أي: كفاني، ولا يثنى ولا يجمع تثنية الموصوف ولا جمعه، بل تقول: مررت برجلين هدّك من رجلين، لأن الأصل فيه المصدر، قال (٤): وزعم بعض أصحابنا أن العرب لم تستعمل منه فعلا، وليس بصحيح، بدليل نقل سيبويه (٥) وغيره أن العرب تجعله فعلا فتقول: مررت برجل هدّك من رجل، فإن قلت: فلعل هذا اسم وهو منصوب على الحال من النكرة!! فالجواب أن العرب قالت: مررت بامرأة هدتك من امرأة فألحقت «تاء» التأنيث اللاحقة للأفعال، فدل على أنه فعل وهو مع ذلك لا يتصرف. قال سيبويه (٦): وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: مررت برجل هدّك من رجل، ومررت بامرأة هدّتك من امرأة فجعله فعلا بمنزلة: كفاك وكفتك». والخامس: «عمّرتك الله» (٧): ومعناه: أسالك بالله، وهو فعل مأخوذ من قولهم: عمّرك الله، قال الشاعر: -

стр. 4455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤١٦٤ - عمّرتك الله إلّا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم؟ (١) وحقيقة الكلام في: عمرتك الله، أن يكون أراد: تعميره أو طلب، إذ ليس له أن يعمره حقيقة. والسادس: «كذب» في الإغراء: ذكر الشيخ في شرحه (٢) «أن الكذب في لسان العرب يطلق ويراد به تغيير الحاكي ما سمع وقوله ما لا يعلم، ويطلق ويراد به أن يقول القائل قولا يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق، ويطلق ويراد به الخطأ كأن تقول: أقدر أن فلانا في منزله الساعة، فيقال له: صدقت أي: أصبت، وكذبت أي: أخطأت، ويطلق ويراد به البطول، يقال: كذب الرجل أي بطل عليه أمله وما رجا وقدره، ويطلق ويراد به الإغراء ومطالبة المخاطب بلزوم الشيء المذكور، كقول العرب (٣): كذب عليك العسل؛ يريدون: كل العسل»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (٤): «كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد؛ ثلاثة أسفار كذبن عليكم» معناه: الزموا الحج والعمرة والجهاد. قال الشيخ (٥): واختلف في المغرى به، فذهب بعضهم إلى أنه مرفوع بـ «كذب» ولا يجوز نصبه، قال: لأن «كذب» فعل لا بد له من فاعل، وخبر لا يخلو من محدث عنه، فالفعل والفاعل كلاهما [٥/ ٢٠٥] تأويلهما الأمر والإغراء، كما أن قولهم: حسبك خبر، يعنى به الأمر، وذهب بعض النحويين إلى جواز النصب فيه ويستدل له بما روى أبو عبيد (٦) عن أبي عبيدة عن أعرابي أنه نظر إلى ناقة نضو (٧) -

стр. 4456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لرجل، فقال له: كذب عليك البزر والنّوى أي: الزمهما بنصب البزر والنوى، وقال يونس: مرّ أعرابي برجل يعلف شاة، فقال: كذب عليك البزر والنّوى فأتى به منصوبا، وقال أبو عبيد (١): ولم يسمع النصب مع كذب في الإغراء إلا في هذا الحرف، قال ابن الأنباري: وهذا شاذ من القول لا يعوّل عليه. وأنشد أحمد بن يحيى (٢) عن ابن الأعرابي لمعقّر بن حمار البارقيّ: ٤١٦٥ - وذبيانيّة وصّت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف تجهّزهم بما اسطاعت وفالت ... بنيّ فكلّكم بطل مسيف (٣) أراد: عليكم القراطف والقروف فخذوها، والقراطف: القطف (٤)، والقروف: الأدم (٥) والمسيف: الذي وقع في ماله السّواف وهو داء (٦)، فأهلكه، وقال عنترة: ٤١٦٦ - كذب العتيق وماء شنّ بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي (٧) العتيق في هذا البيت: التمر (٨)، والذي يدل على رفع الأسماء بعد «كذب» أنه يتصل بها الضمير كما جاء في كلام عمر ﵁: «ثلاثة أسفار كذبن عليكم» (٩) -

стр. 4457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الشاعر: ٤١٦٧ - كذبت عليك لا تزال تقوفني ... كما قاف آثار الوسيقة قائف (١) معناه: عليكي (٢) فرفع التاء وهي مغرى بها واتصلت بالفعل؛ لأنه لو تأخر الفاعل لكان منفصلا، وليس هذا من مواضع انفصال الضمير. وقال عبد الدائم بن مرزوق القيرواني (٣) - في كتاب «حلى الحلى» في الأدب من تصنيفه في قول عنترة: ٤١٦٨ - كذب العتيق وماء شنّ بارد إنه يروى: العتيق بالرفع والنصب ومعناه: عليك العتيق وماء شن، وأصله: كذب ذاك عليك العتيق، ثم حذف «عليك» وناب «كذب» منابه فصارت العرب تغري به. وقال الأعلم (٤) في بيت عنترة: قوله «كذب العتيق» أي عليك بالتمر و «العتيق» التمر البالي، والعرب تقول: كذبك التمر واللبن أي عليك بهما، وبعض العرب ينصب وهم مضر والرفع لليمن، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذبكم الحجّ والقرآن (٥)، أي عليكم بهما وأصل الكذب: الإمكان. وقول الرجل للرجل: كذبت، أي: أمكنت من نفسك وضعفت، فلهذا اتسع فيه فأغري به؛ لأنه متى أغري بشيء فقد جعل المغرى به ممكنا مستطاعا إن راقه المغري. انتهى. قال الشيخ (٦): وإذا نصبنا بقي «كذب» بلا فاعل على ظاهر اللفظ، والذي -

стр. 4458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقتضيه القواعد أن هذا يكون من باب «الإعمال» (١) فـ «كذب» يطلب الاسم على أنه فاعل و «عليك» يطلبه على أنه مفعول، فإذا رفعنا الاسم بـ «كذب» كان مفعول «عليك» محذوفا لفهم المعنى، التقدير: كذب عليكه الحج، وإنما التزم حذف المفعول؛ لأنه مكان اختصار ويحرف عن أصل وضعه، فجرى لذلك مجرى الأمثال في كونها يلتزم فيها حالة واحدة لا يتصرف فيها، وإذا نصبنا الاسم كان الفاعل مضمرا في «كذب» يفسره ما بعده على رأي سيبويه، ومحذوفا على رأي الكسائي. قال: وقال ابن طريف (٢) في «الأفعال»: وكذب عليك كذا أي: عليك به، معناه: الإغراء، إلا أن الشيء الذي بعد «عليك» يأتي مرفوعا، وشكا عمرو بن معديكرب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - المعص، فقال: كذب عليك العسل (٣)، والمعص: أن تشتكي العصب من كثرة المشي (٤)، والعسل أن يمشي مشيا سريعا (٥). انتهى. وشكا رجل النّقرس إلى عمر - رضي الله تعالى عنه -، فقال: «كذبتك الطهارة» (٦) أي عليك بالمشي فيها، ومنه الحديث «فمن احتجم يوم الخميس ويوم الأحد كذباك» (٧) أي عليك بهما، وفي حديث علي - رضي الله تعالى عنه -: «كذبتك الحارقة» (٨) قال أبو الهيثم (٩): تقول: عليك بمثلها، وقال الفراء: معنى -

стр. 4459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كذب عليك وجب عليك، وهو الكذب في الأصل؛ فمعنى قوله: كذب عليكم الحج أي: إن قيل لكم: لا حج، فهو كذب. وقال أبو سعيد (١): معناه: الحضّ، يقول: إن الحج ظن بكم حرصا عليه ورغبة فيه، فكذب ظنه. و «كذب» في جميع إطلاقاتها متصرفة إلا إذا استعملت في الإغراء؛ فإنها لا تتصرف، لا يقال: يكذب عليك البزر والنوى، ولا: يكذب عليكم الحج والجهاد، ولا: كاذب عليكم الحج. والسابع: «ينبغي»: قال الشيخ (٢): «ذكر المصنف ينبغي في ما لا يتصرف من الأفعال، وقد نقل أنه يقال: انبغى، ذكر ذلك ابن فارس (٣) في «المجمل»، وقال: هو من الأفعال المطاوعة، تقول: بغيته فانبغى، كما تقول: كسرته فانكسر» انتهى (٤). ولا شك أن «انبغى» إن ثبت سماعه (٥) فهو في غاية الندور، فلهذا لم يعتد به المصنف. والثامن: «يهيط»: ذكر الشيخ (٦) عن أبي الحسن بن سيده أنه قال: ما زال منذ اليوم يهيط هيطا، وما زال في هيط وميط وهياط ومياط، أي: في ضجاج وشرّ وجلبة، وقيل: في هياط ومياط أي: في دنوّ وتباعد، يقال: تهايط القوم: اجتمعوا، وتمايطوا: تباعدوا وفسد ما بينهم (٧). وقال ابن طريف: يقال: ما زال يهيط مرّة ويميط أخرى، ولا ماضي ليهيط، -

стр. 4460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والهياط: الصّياح، والمياط: الدفاع. والتاسع: «أهلمّ»: وهي كلمة يقولها من خوطب بقولك: هلمّ، قالوا: فدخول همزة المتكلم دليل الفعلية. ولم تستعمل العرب من هذه المادة فعلا ماضيا، ولا أكثر العرب فعل أمر، فلذلك حكم عليها بعدم التصرف. والعاشر والحادي عشر: «أهاء وأهاء» بمعنى: آخذ وأعطي: قال الشيخ (١): «قد تقدم الكلام في أسماء الأفعال على «ها» ونبهنا على أنها تكون في بعض اللغات فعلا وأن تصريفها قد يكون تصريف «خف» (٢) فتقول: هأ، هائي، هاءا هاءوا، هأن، قال: فعلى هذا يكون: أهاء التي ذكرها المصنف هنا مضارعا بمعنى: آخذ، وجعله إياها فعلا لا يتصرف يريد به أنها [٥/ ٢٠٦] لا تتصرف التّصرّف التام من استعمال ماض له وأمر ومضارع، فيكون نظير «ذر» و «دع» و «يذر» و «يدع» في كونهما لا يستعمل منهما ماض ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول. فكذلك: أهاء لم يستعمل له إلا فعل أمر على تلك اللغة التي أشرنا إليها، قال: فأما «أهاء» بمعنى أعطي ففعل لا يتصرف إذ لم يستعمل منه ماض ولا أمر ولا مضارع مبني للفاعل. والثاني عشر: «هلمّ» التميمية: وقد ذكرت في باب «أسماء الأفعال». ولم يستعمل بنو تميم منها ماضيا ولا مضارعا غير ما نبه عليه قبل، وهي عند غير بني تميم اسم فعل. والثالث عشر: «هأ وهاء» بمعنى: خذ: قال الشيخ (٣): لم يذكر المصنف في باب: أسماء الأفعال، أن هأ قد تكون فعلا، وقد ذكرنا لها ثلاثة تصاريف، وفي لحاق الضمير لها تكون هنا فعلا. والرابع عشر: «عم صباحا»: قال الشيخ (٤): «زعم المصنف أن «عم» في قول العرب: عم صباحا، فعل لا يتصرف، وأنه لم يستعمل إلا فعل أمر، وليس ذلك بصحيح، قال -

стр. 4461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يونس (١): وعمت الدّار أعم أي: قلت لها: انعمي، فهذا متعدّ، وقال الشاعر: ٤١٦٩ - عما طللي جمل على النّأي واسلما (٢) وقال الأصمعي: عم في كلام العرب أكثر من: انعم، وقال الأعلم (٣): يقال: وعم يعم في معنى: نعم ينعم، فهذا لازم، قال (٤): ووهم بعض الناس (٥) في قول عنترة: ٤١٧٠ - وعمي صباحا دار عبلة واسلمي (٦) فزعم أنه أمر من: يعمي المطر، ويعمي البحر بزبده، فأراد: كثرة الدّعاء لها وكثرة السّقيا، يقال: عمى المطر يعمى عميّا، قال (٧): وهذا ذهول عن علم التصريف إذ لو كان أمرا من: عمى، لقال: اعم كما تقول من رمى: ارم، وإنما هو مما حذفت فاؤه في المضارع، فانحذفت في الأمر نحو: يعد وعد، قال (٨): فثبت بما قلناه أن قول المصنف: إن «عم» من الأفعال التي لا تتصرف، ليس بصحيح - بنقل يونس والأعلم وعم يعم متعديا ولازما -» انتهى. والذي يظهر أن مراد المصنف أن الذي لا يتصرف هو «عم» من قولنا: عم صباحا، فمتى كان مقرونا بقولنا: صباحا لا يتغير عن هذه الصيغة أعني صيغة -

стр. 4462

[حديث عن بقية الأفعال الجامدة] قال ابن مالك: (وفي زجر الخيل «أقدم» و «اقدم» [وهب] و «أرحب» و «هجد» وليست أصواتا ولا أسماء أفعال لرفعها الضّمائر البارزة، واستغني غالبا بـ «ترك» عن «وذر» و «ودع» وب «التّرك» عن الوذر والودع). ــ الأمر. فلا يقال: وعم صباحا ولا: يعم صباحا. والخامس عشر: «تعلّم» بمعنى اعلم، وقد كان المصنف مستغنيا عن إفراد هذه الكلمة بالذكر؛ لأنها ذكرت في باب «ظن وأخواتها» فهي داخلة تحت قوله هنا: منها المثبتة في نواسخ الابتداء. قال ناظر الجيش: قال الشيخ (١): «قال ابن دريد (٢): أقدم كلمة زجر للفرس معلومة في كلامهم، وضبطها بقطع الألف وكسر الدال من الإقدام، والإقدام: التقدم في الحرب، والإقدام: الشجاعة ومنه: المقدام، وفي الحديث: «أقدم حيزوم» (٣)، وضبط هذا الحرف عن أبي بحر سفيان بن القاضي الأسدي (٤) بضم «الدال» كأنه من التقدّم، قال الله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ (٥)، وقد تكسر الهمزة من: أقدم» انتهى. وعلى هذا تكون «أقدم» الأولى في كلام المصنف بقطع الهمزة وكسر «الدال» و «اقدم» الثانية بوصل الهمزة مضمومة وضم «الدال» كالتي وردت في الحديث الشريف. وأما «هب» فتكون زجرا للخيل أيضا وقد ذكر في «نواسخ الابتداء» أنها -

стр. 4463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تكون بمعنى: ظن (١)، فاللفظ مشترك، وقد عرف أن الناسخة لا تتصرف وكذلك التي للزجر لا تتصرف. وأما «أرحب» فقال الجوهري (٢): «أرحبت الشّيء أوسعته، ويقال: أرحب بمعنى أوسع، ويقال أيضا في زجر الفرس: أرحب وأرحبي أي توسعي وتباعدي»، قال الشاعر: ٤١٧١ - نعلّمها: هبي وهلا وأرحب (٣) وأما «هجد» فقال الشيخ (٤): «قد ضبط هذا الحرف بهاء وجيم مكسورتين ودال ساكنة مهملة، قال محمد بن المستنير (٥) في كتاب «الفرق» له في باب «الزجر»: يقال في زجر الفرس: إجد إجد وهجد هجد، وإجدم، تزاد فيه الميم، يقال: قد أجدمت الفرس إجداما إذا قلت لها ذلك، قال الشيخ (٦): والذي يظهر أن الهاء بدل من الهمزة، وهذه الصيغة ليست على أوزان الأفعال، والذي يتخيل فيه ويتحيل لتخريجه أن الأصل فيه: إجدم بالميم؛ لأنهم قد قالوه، وهذا فعل بدليل لحاق الضمير له في قولهم: إجدمي، والميم من نفس الكلمة وهي لام الفعل ثم حذفوا الميم شذوذا، فصار: إجد ثم نقلوا حركة الدال إلى الجيم الساكنة، فصار: اجد. ولم يعتدوا بكسر الجيم؛ لأنه عارض؛ فأقروا همزة الوصل كعروض حركة الجيم، كما قالوا: اسل في: اسأل». وأما قوله: وليست أصواتا ولا أسماء أفعال لرفعها الضّمائر البارزة - فظاهر، وكذا قوله: واستغني غالبا بترك - إلى آخره، وفهم من قوله: غالبا - أنه قد -

стр. 4464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقال (١): وذر وودع وقد قرئ شاذّا (٢): (ما ودعك ربّك وما قلى)، وفي الحديث: «ذروا الحبشة ما وذرتكم». وجاء في الحديث الشريف: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعة» (٣). * * *

стр. 4465

الباب السابع والستون باب الحكاية [الحكاية بأي وبمن] قال ابن مالك: (إن سئل بـ «أيّ» عن مذكور منكّر عاقل أو غيره حكي فيها مطلقا ما يستحقّه من إعراب وتأنيث وتثنية أو جمع تصحيح موجود فيه أو صالح لوصفه، وإن سئل عنه في الوقف بـ «من» فكذلك ولكن تشبع الحركات في نونها حال الإفراد، وتسكّن قبل «تاء التّأنيث» حال التّثنية، وربّما سكّنت في الإفراد وحرّكت في التّثنية، وقد يستعملان مع غير المفرد المذكّر استعمالهما معه). قال ناظر الجيش: حقيقة الحكاية أن تورد ما نطق به المتكلم على حسب ما نطق به، ثم المحكي إما جملة وإما مفرد، أما الجملة فتحكى بعد القول، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب «الأفعال الناصبة المبتدأ والخبر مفعولين». وأما المفرد: فلا يحكى في غير الاستفهام وشذّ قول من قال: دعنا من تمرتان، وليس بقرشيّا، ردّا على من قال: إن في الدار قرشيّا، وقول الشاعر: ٤١٧٢ - وأجبت قائل كيف أنت [٥/ ٢٠٧] بصالح ... حتّى مللت وملّني عوّادي (١) وقول الآخر: ٤١٧٣ - كريم إلى جنب الخوان وزورا ... يحيّي بأهلا مرحبا ثمّ يحبس (٢) وأما في الاستفهام فيحكى إذا كان السؤال بـ «أيّ» أو بـ «من» خاصة، وهذا -

стр. 4466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الباب معقود لذلك، وهاتان الكلمتان سئل بهما عن النكرة فيحكى إعرابهما في لفظهما دون أن يذكر الاسم الذي يحكى إعرابه، ويسأل عن العلم أيضا فيؤتى به بعدها محكيّا إعرابه دون تغيير. وبعد، فأنا أورد كلام المصنف في شرح الكافية ثم أعود إلى لفظ الكتاب. قال رحمه الله تعالى (١): «إن سئل بـ «أي» عن مذكور منكر حكي فيها وصلا ووقفا ما للمسئول عنه من إعراب، وتذكير وتأنيث، وإفراد وتثنية وجمع تصحيح موجود فيه أو صالح لوصفه، كقولك لمن قال: رأيت رجلا وامرأة وغلامين وجاريتين وبنتين وبنات: أيّا وأيّة وأيّين وأيّتين وأيّين وأيّات وإن سئل عنه بـ «من» حكي في لفظها في الوقف خاصة ما له من الحركات بإشباع كقولك لمن قال: لقيني رجل: منو، ولمن قال: رأيت رجلا: منا، ولمن قال: مررت برجل: مني، وتقول لمن قال: رأيت امرأة: منه أو منت، ولمن قال: رأيت رجلين: منين، ولمن قال: رأيت رجالا: منين، ولمن قال: رأيت امرأتين: منتين أو منتين، ولمن قال: رأيت نساء: منات، فإن وصلت قلت: من يا فتى في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث. وفي قول الشاعر (٢): ٤١٧٤ - أتوا ناري فقلت: منون أنتم ... فقالوا: الجنّ قلت: عموا ظلاما (٣) شذوذ من وجهين (٤): أحدهما: أنه حكى مقدرا غير مذكور. -

стр. 4467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثاني: أنه أثبت العلامة في الوصل وحقها أن لا تثبت إلا في الوقف». انتهى. وحاصل الأمر: أن المسؤول عنه الذي هو نكرة يحكى بـ «أيّ» وب «من» وإذا حكي بواحدة من الكلمتين جيء فيها بما يستحقه المحكي من إعراب وتأنيث وتثنية وجمع، كما مثل، وقد لا يطابق في تثنية ولا جمع، كما سيذكر، ولكن الأكثر والأفصح المطابقة. وليعلم أن «أيّا» إذا لم تكن للاستثبات، فإن الأفصح فيها أن تكون مفردة بغير «تاء» للمذكر والمؤنث في جميع الأحوال، ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث، وهو قليل لا يكاد يوجد إلا في الشعر ومنه: ٤١٧٥ - وأيّة بلدة إلّا أتينا ... من البلدان تعلمها نزار (١) وقول الآخر: ٤١٧٦ - بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة ... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب (٢) ثم اعلم أن إحدى الكلمتين تفارق الأخرى في ثلاثة أحكام (٣): الأول: أن «أيّا» يحكى بها ما للعاقل وما لغير العاقل، ولهذا قال المصنف بعد ذكره «أيّا»: عاقل أو غيره، و «من» لا يحكى بها إلا ما للعاقل. الثاني: أن «أيّا» يحكى بها في الوصل والوقف. وهذا مراد المصنف بقوله: مطلقا، و «من» لا يحكى بها إلا في الوقف خاصة، وقد نبه المصنف على ذلك بقوله: في الوقف. الثالث: أن «أيّا» تحكى فيها حركات الإعراب دون إشباع، وأما «من» فيجب في الحكاية بها الإشباع، ولهذا قال المصنف بعد ذكر «من»: ولكن تشبع -

стр. 4468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحركات في نونها حال الإفراد، فأفهم كلامه بقوله: «ولكن» أن الحكم المذكور مخصوص بـ «من». وأفهم قول المصنف: وتسكّن قبل تاء التّأنيث حال التّثنية - أنها قبل «تاء» التأنيث في الإفراد لا تسكن بل تفتح كما أن كل حرف واقع قبل «تاء» التأنيث يستحق الفتح، فيقال: منة في الإفراد ومنتان في التثنية. وأشار بقوله: وربّما سكّنت في الإفراد وحركت في التّثنية - إلى أنه قد يعكس الأمر فيهما فيقال: منت، ومنتان. وأفهم قوله «وربّما» أن الأكثر والأفصح التحريك في الإفراد، والتسكين في التثنية. ولما كان المجموع الذي يحكى بـ «أيّ» وب «من» قد يكون جمع تكسير، وكانت الحكاية إنما يؤتى فيها بصيغة جمع التصحيح، كقولك: أيّون، ومنون - احتاج المصنف بعد قوله: أو جمع تصحيح - إلى أن يردف ذلك بقوله: موجود فيه أو صالح لوصفه. فمثال الأول: بنون وبنات، ومثال الثاني: رجال ونساء. فإن جمع التصحيح وإن لم يكن موجودا فيهما لكنهما صالحان لوصف يجمع جمع التصحيح، كقولك: قام رجال مسلمون ونساء مسلمات. وأما قوله: وقد يستعملان مع غير المفرد المذكّر استعمالهما معه -، فأشار به إلى أن «أيّا» يحكى فيها إعراب المحكي خاصة كائنا ما كان، فإذا قيل: قام رجل أو رجلان أو رجال قلت: أيّ، وإذا قيل: ضربت رجلا، أو رجلين أو رجالا قلت: أيّا، وإذا قيل: مررت برجل أو رجلين أو رجال، قلت: أيّ، وكذا إذا قيل: قامت امرأة أو امرأتان أو نساء، قلت: أيّة يا هذا، وتنصب في نصب ذلك وتجر في جره، وكذا تفعل في «من» فتلحقها «واوا» رفعا و «ألفا» نصبا و «ياء» جرّا، فيقال في: قام رجل أو رجلان: منو، وفي نصب ذلك: منا، وفي جره: مني، وكذلك في المؤنث إفرادا وتثنية وجمعا، نقل ذلك يونس عن قوم من العرب وهو لا (١)، قصدوا قصر الأمر على حكاية الإعراب خاصة. -

стр. 4469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعلم أن الذي تعطيه عبارة الكتاب أنه يقال في السؤال عن قول القائل: قامت امرأة أو امرأتان أو نساء: أيّ، فالتذكير لقوله: وقد يستعملان مع غير المفرد المذكّر استعمالهما معه. ولا شك أن غير المفرد المذكر من جملته المؤنث، وإذا كان كذلك أشكل قولهم: إنك تقول لمن قال: قامت امرأة أو امرأتان أو نساء: أيّة يا هذا، ثم لازم ذلك أن يقال لمن قال: قامت امرأة ... إلى آخره: منة دون منو، والظاهر أن الأمر بخلاف ذلك؛ لكن قال الشيخ (١): «إنك لا تقول إلا أيّة وإن النقل عنهم كذلك». والذي ذكره ابن عصفور في «المقرّب» موافق لكلام المصنف فإنه قال (٢): «وإن استثبت بأيّ قلت: أيّ في الرفع [٥/ ٢٠٨] وأيّا في النصب وأيّ في الخفض، وسواء أكان الاسم مفردا أم مثنىّ أم مجموعا أم مذكرا أم مؤنثا». واعلم أن الشيخ عند ما تكلّم على إشباع حركات نون «من»، قال (٣): «وتلخص أنك في منان ومنين حكيت التثنية والإعراب، وفي منون ومنين حكيت الجمع والإعراب، وفي منه أو منت حكيت الإفراد والتأنيث لا الإعراب، وفي منتان ومنتين حكيت التثنية والتأنيث والإعراب، وفي منات حكيت التأنيث والجمع لا الإعراب» انتهى. ولقائل أن يقول: إن الإعراب في «منه» أو «منت» وفي «منات» محكي تقديرا؛ لأن «من» لا يحكى بها إلا في الوقف، ولكن لا يوقف على متحرك، والسكون إنما هو عارض من أجل الوقف، ولا يلزم من عدم النطق بشيء عدم تقدير ذلك الشيء، ولو قال القائل: قام زيد: وقف وسكّن «دال» زيد - لا يمتنع أن -

стр. 4470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقال: زيد مرفوع وإن لم ينطق برفعه، لأنه إنما سكّن آخره لكونه موقوفا عليه، وهكذا يقال في المحكي. وفي شرح الشيخ (١): «واختلف النحويون في الحروف اللاحقة لمن يعني: الواو والألف والياء، في: منو ومنا ومني، فقال المبرد (٢): هي حروف زيدت أولا ولزمت عنها الحركات، وقال بعضهم: إنها عوض من لام العهد (٣)، وقال السيرافي (٤): إن حركات النون حركات حكاية وأشبعت فولدت عن الحركات الحروف، والموجب للإشباع أنه لا يوقف على متحرك» انتهى. والذي قاله السيرافي هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه، ولا يفهم الذهن الصحيح غيره، وأما القولان المنسوب أحدهما للمبرد، فلم أفهم معناهما. ثم ذكر الشيخ (٥) أن من فروع هذه المسألة - يعني الحكاية بـ «من» - أنه إذا اجتمع مؤنث ومذكر ألحقت في الآخر، تقول لمن قال: رأيت رجلا وامرأة: من ومنه فتسكن الأول؛ لأنه وصل، وكذلك لو عكست، تقول لمن قال: رأيت امرأة ورجلا: من ومنا، وسواء اتفق الإعراب كما مثل أم اختلف، تقول لمن قال: ضرب رجل امرأة: من منه، والعكس من منا، وكذلك أيضا لو اتفقنا في الوحدة كما مثل، أو اختلفا فتقول لمن قال: رأيت رجلا وامرأتين: من ومنتين، ورجلا ونساء: من ومنات، وكذلك في العكس، فتقول لمن قال: رأيت امرأة ورجلين: من ومنين، ونساء ورجلا: من ومنا، وعلى هذا يقاس. قال (٦): وهل يجوز أن يغلب المذكر على المؤنث فيبنى بصيغة المذكر، فتقول لمن قال: رأيت رجلا وامرأة: منين، كما تقول: ضربت أحمرين في رجل أحمر وامرأة حمراء، فيمكن أن يلحق بهذا، فيقال: منين ويمكن أن لا يلحق به؟ فلا يجوز؛ لأن القصد الحكاية في الاستثبات، فتقول على هذا: من ومنه كما ذكر أولا، وكذلك إذا سئل بأيّ يجري على هذا القياس، فتقول لمن قال: رأيت رجلا -

стр. 4471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وامرأة: أيّا وأيّة، وكذلك العكس فتقول لمن قال: رأيت امرأة ورجلا: أيّة وأيّا، يجري كل واحد منهما على ما يقتضيه قياسه وإعرابه، قال (١): ولو خلطت سؤال من مع سؤال أيّ وذلك في العاقل وغيره في قول من قال: رأيت رجلا وحمارا، فتقول: من وأيّا، فتأتي بكل واحد منهما على قياسه. قال الشيخ (٢): «ولم يتعرض المصنف لإعراب أيّ في الحكاية ولا علام يكون رفعها ونصبها وجرّها؟ قال: ونحن نتكلم الآن على ذلك ... فذكر: أنهم اختلفوا في الحركات اللاحقة لأيّ، فقيل: حركات إعراب نشأت عن عوامله، وقيل: ليست للإعراب، وإنما هي إتباع للفظ المتكلم على الحكاية، لأنه يلزم من كونها إعرابا إضمار حرف الجر إذا جررت أيّا، وعلى هذا تكون أيّ بمنزلة من في موضع رفع بالابتداء أو الخبر، ولا يبعد أن تكون مفعولة محلّا، وقد التزم بعضهم إدخال حرف الجر، فيقول: بأيّ. وقياس مذهب البصريين (٣) أن أيّا إذا كانت مرفوعة أن يكون رفعها على الابتداء، فإذا قيل: أيّ سؤالا لمن قال: قام رجل فالتقدير عندهم: أيّ قام، ولا يقدر الفعل قبلها، فتكون فاعلة؛ لأن الاستفهام لا يتقدم عامله عليه إلا إذا كان جارّا بشرط أن يتأخر عنه الذي يتعلق به الجار. والكوفيون (٤) يجيزون في باب الحكاية رفعها بفعل مضمر قبلها، لأن اسم الاستفهام عندهم في الحكاية يجوز تقديم العامل فيه حتى يكون طبق المحكي في ذلك، ولو أظهر الفعل عندهم لجاز، وإظهاره هو المختار عندهم في مثل: اشترى أيّ أيّا، حكاية لمن قال: اشترى رجل فرسا؛ ليتبين أن الاسمين محمولان على فعل واحد مضمر يرفع أحدهما وينصب الآخر، كما أن المحكي كذلك. وأما إذا كانت أيّ منصوبة أو مخفوضة فإنها إذ ذاك محمولة على فعل مضمر، ويجوز الإتيان به تأكيدا فتذكره متأخرا فتقول: أيّا ضربت، وبأيّ مررت؟ ويجوز أن تأتي به قبل أيّ فتقول: ضربت أيّا، ومررت بأيّ، لأنه قد جرى الفعل في كلام -

стр. 4472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المتكلم، فكان ذكرك إياه كالتكرار، فكأنك لم تذكر قبل أداة الاستفهام فعلا، ولذلك لم يفعلوه إلا في الاستثبات ولم يفعلوا ذلك مع جميع أسماء الاستفهام، إنما يفعلون ذلك مع أيّ وما ومن لا يجوزونه في غيرهن، يقول القائل: أكلت خبزا فتقول: أكلت ما، ويقول: لقيت زيدا فتقول: لقيت من، ويقول: ضربت رجلا فتقول: ضربت أيّا، ولو قال: خرجت يوم الجمعة فاستثبته، لقلت: متى خرجت؟ ولا يقول: خرجت متى؟ وتقول: سرت ضاحكا فتقول له: كيف سرت؟ ولا يجوز: سرت كيف؟ وكذلك سائر أسماء الاستفهام إلا «أين» فقد حكي في الاستثبات [٥/ ٢٠٩] بها تقدم العامل، حكي من كلامهم: إنّ أين الماء والعشب، استثباتا لمن قال: إنّ في موضع كذا الماء والعشب، وقد جاء أيضا في «كم» معطوفة على غيرها، تقديم العامل لأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه، حكي من كلامهم: قبضت عشرين وكم استثباتا لمن قال: قبضت عشرين وكذا» انتهى. ولم أتحقق قولهم: إن الحركات اللاحقة لـ «أيّ» في هذا الباب تكون حركات إعراب نشأت عن عوامله؛ لأن الأمر إذا كان كذلك فلا حكاية حينئذ، ولا شك أن الحكاية هي المقصودة، ثم كيف يتجه في حركات «أيّ» أن تكون حركات إعراب مع أن حركة الحكاية قسيمة لحركة الإعراب بالنسبة إلى أصل الحركات؟ ثم إن حركة الإعراب يجاء بها لبيان مقتضى العامل، وحركة الحكاية لا يؤتى بها لذلك فبينهما تناف، نعم إذا قيل: إن الحركة إعراب وإن التقدير: أيّ قام، كان ذلك غير ممتنع، لكن تخرج المسألة من باب «الحكاية» ويكون المتكلم بذلك حينئذ قاصدا الاستفهام لا قاصدا لحكاية إعراب اسم في كلام الغير، والقول بأن الكوفيين يجيزون في باب «الحكاية» رفع «أيّ» بفعل مضمر يمكن حمله على ما قلته. والحق أنه لا يتصور في حركات «أيّ» و «من» في باب «الحكاية» أن تكون حركات إعراب؛ لأن ذلك مؤدّ إلى نقض القواعد وهدم ما تقرر، وقد أمكن حمل كلام من يقول بتقدير عامل على غير قصد الحكاية، وأنه إنما يقصد إذ ذاك الاستفهام خاصة دون حكاية لشيء سبق، ويعضد هذا قول صاحب «الإفصاح» (١): «من النحويين من أجاز ترك الحكاية في باب «أي» وأجاز الاستئناف على الابتداء والخبر». -

стр. 4473

[العلم وأحكامه عند حكايته] قال ابن مالك: (ولا يحكى غالبا معرفة إلّا العلم غير المتيقّن نفي الاشتراك فيه، فيحكيه الحجازيّون مقدّرا إعرابه بعد «من» غير مقرونة بعاطف، ولا يقاس عليه سائر المعارف، ولا يحكى في الوصل بـ «من»؛ خلافا ليونس في المسألتين، وفي حكاية العلم معطوفا أو معطوفا عليه خلاف [منعه يونس وجوّزه غيره واستحسنه سيبويه]). ــ فصرح بأن الحكاية تترك إذا قصد التركيب من مبتدأ وخبر، وأن ذلك يكون استئنافا للاستفهام بمعنى ليس معادا من كلام تقدم، لكن قد قال ابن عصفور في «المقرّب» (١): «ولا بد من إدخال حرف الجر على من وأيّ إذا استثبت بهما عن مخفوض، ويكون المجرور متعلقا بفعل مضمر وتقدره بعدهما، وإذا استثبت بهما عن مرفوع كانا مبتدأين والخبر محذوف لفهم المعنى، وإذا استثبت بهما عن منصوب كانا منصوبين بفعل مضمر محذوف لفهم المعنى» انتهى. وأقول: هذا الكلام منه يناقض قوله في أول الفصل: إنك تحكي بمن وبأيّ لأن حركة الحكاية غير حركة الإعراب، ثم إذا كان الأمر كما ذكره ثانيا لم يكن ثمّ حكاية أصلا، وهذا الكلام مما أشكل عليّ. قال ناظر الجيش: اعلم أن المسؤول عنه في هذا الباب إما نكرة وإما معرفة، فالنكرة نفسها لا تحكى وإنما يحكي ما لها من إعراب وتذكير وإفراد وأضدادهما، وإما بـ «أيّ» وقفا ووصلا، إما بـ «من» في الوقف خاصة، وقد انتهى الكلام على ذلك. وأما المعرفة فتحكى هي نفسها، لكن إنما يحكى منها العلم خاصة دون بقية المعارف، وإنما يحكيه الحجازيون بالشرط الذي ذكره كما سيشرح. قال المصنف في شرح الكافية (٢) - تلو كلام في المتقدم -: «وإن سئل بمن عن علم جيء بمن وبعدها العلم المسؤول عنه محركا بضمة إن كان الأول مرفوعا، -

стр. 4474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبفتحة إن كان منصوبا، وبكسرة إن كان مجرورا بشرط أن لا يتقدم على «من» حرف عطف، هذا هو مذهب أهل الحجاز (١)، وأما غيرهم (٢) فيجيء بالعلم بعد «من» مرفوعا سبقت «من» بعاطف أو لم تسبق، فإن سبقت من بعاطف فالرفع متعين عند الجميع، وهو مقدر على لغة من يحكي وهم الحجازيون، وذلك قولك: من زيدا، لمن قال: رأيت زيدا، ومن زيد، لمن قال: مررت بزيد، فالفتحة والكسرة للحكاية، والرفع في موضعهما مقدر؛ لأن الواقع بعد «من» مبتدأ خبره «من» أو خبر مبتدؤه «من»، فإن كان المحكي مرفوعا رفع ما بعد «من» في اللغتين، وأجاز يونس (٣) حكاية كل معرفة قياسا على العلم، فيجوز عنده أن يقال لمن قال: رأيت غلام زيد، ومررت بصاحب عمرو: من غلام زيد، ومن صاحب عمرو، وأجاز (٤) أيضا حكاية النكرة بـ «من» في الوصل، ولا أعلم له في المسألتين موافقا. واختلف في حكاية العلم معطوفا على غير علم أو معطوفا عليه غير علم، فبعضهم أجاز وبعضهم منع (٥)، نحو قولك: من سعيدا وابنه؟ لمن قال: رأيت سعيدا وابنه، ومن غلام زيد وعمرا؟ لمن قال: رأيت غلام زيد وعمرا» انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وانحل به ما ذكره في «التسهيل» غير قوله غالبا، وقوله: غير المتيقّن نفي الاشتراك فيه. فأما غالبا - فاحترز به من حكاية غير العلم من المعارف، من ذلك قول -

стр. 4475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعضهم (١): ذهب مع منين، لمن قال: ذهب معهم، وستأتي إشارة المصنف إلى هذه المسألة، وذلك في غاية الندور، قال الزجاجي: لو قال: رأيته أو مررت به، لقلت: من هو، ولم يجز غير ذلك وقال سيبويه (٢): حكاية مثل هذا من الأسماء المضمرة جائز على مذهب من قال: دعنا من تمرتان، وهو قبيح شاذ جدّا ليس مما يعوّل عليه. وأما قوله: غير المتيقّن نفي الاشتراك فيه، فاحترز به من العلم الذي يتيقن نفي الاشتراك فيه فإنه لا يحكى، فلا يقال: من الفرزدق لمن قال: رأيت الفرزدق، لأنه اسم يتيقّن نفي الاشتراك [٥/ ٢١٠] فيه (٣). وشمل قول المصنف: العلم - أقسامه الثلاثة التي هي: الاسم واللقب والكنية، والسبب في أن العرب قصروا حكاية المعرفة على العلم، وأنه لا يحكى إلا بـ «من» خاصة - ثلاثة أمور: أحدها: أن «من» اسم مبني فلا يظهر فيه قبح الحكاية لعدم ظهور الرفع، ولا يصح أن يجيء الخبر على صورة المنصوب والمجرور. ثانيها: أن الأعلام بابها التغيير؛ لأنها كلها منقولة إلا اليسير منها، فلذلك كثرت الشذوذات فيها إذ التغيير يأنس بالتغيير. ثالثها: خوف اللبس، لأنه إذا قال القائل: رأيت زيدا ولم تحك لفظه في الاستثبات وقلت: من زيد يتوهم السامع أنك لا تسأله عن زيد الذي ذكره، ومن ثمّ كان شرط الحكاية أن لا يدخل على «من» حرف عطف لزوال اللبس بدخول حرف العطف، لأنه قد علم أن المسؤول عنه إنما هو الأول، ولولا ذلك لم يسغ عطف كلامك على الكلام المتقدم. ذكر ذلك أبو الحسن بن عصفور (٤) ثم قال (٥): «فلما اجتمعت هذه الأشياء لم يكن بدّ من الحكاية عند أهل -

стр. 4476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحجاز» انتهى. وقوله عن الحجازيين: إنه لا بد من الحكاية عندهم في ما اجتمعت فيه هذه الأشياء، موافق لكلام المصنف؛ إلا أن الشيخ قال (١): «والمنقول أن الحجازيين قد يرفعون العلم على كل حال كلغة غيرهم، وقد يحكون إعرابه في كلام المتكلم، وبنو تميم يعربون ولا يحكون». وهذا النقل يخالف ما قاله المصنف وابن عصفور، ثم نقل الشيخ (٢) عن صاحب «البسيط» أنه قال: «إذا أردت أن تحكي أكثر من اثنين، وكان كلّ مما يحكى على حدته، وكانا علمين، وفصلت بمن وكررتها مع الثاني، أدخلت حرف العطف على من وحكيت، فقلت لمن قال: ضربت زيدا وعمرا: من زيدا ومن عمرا، ولا يبطل دخول حرف العطف على الثاني، الحكاية؛ لأنه إنما يبطلها في الأول، وإن لم تعد من لم تكن الحكاية، لأن العطف يقرب من التثنية، والتثنية لا تحكى فكذلك العطف، وقد يجوز لأنه ليس كالتثنية من كل الوجوه، لأن التثنية إنما كانت مانعة لزوال العلمية والعطف لا يزيل ذلك» انتهى. وما قاله صاحب «البسيط» ليس ببعيد، لأن الامتناع من الحكاية مع حرف العطف المذكور أولا إنما كان للعلة التي عرفتها (٣)، وتلك العلة مفقودة في المسألة التي ذكرها، وأما قوله: «إن العطف يقرب من التثنية» فهو أمر لا اعتبار له في ما الكلام فيه، ولا محقق لذلك في هذه المسألة. واعلم أن قول المصنف: فيحكيه الحجازيّون مقدّرا إعرابه بعد من - أن الإعراب يقدر في الأحوال الثلاثة (٤)، أما في حالتي النصب والجر فظاهر، وأما في حالة الرفع فلأن الحركة الموجودة في نحو قولنا: من زيد، حكاية قول القائل: جاء زيد، إنما أتي بها للحكاية كما أتي بحركة النصب والجر، في قولنا: من زيدا، ومن زيد، وإذا كانت للحكاية وجب تقدير الحركة الإعرابية، وقد ذكر الشيخ (٥) عن -

стр. 4477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعضهم (١) أنه يقول: «إن الحركة حال حكاية المرفوع حركة إعراب، قال: لأنه لا حاجة إلى تكلف تقدير رفعه مع وجود أخرى» ولا يخفى ضعف هذا القول وبعده عن القواعد وعن الذوق أيضا. وذكر الشيخ (٢) أيضا عن الفارسي (٣) أنه يجعل الخبر بمن في قولنا: من زيدا ومن زيد - يعني إذا حكيت النصب أو الجر - جملة حذف أحد جزأيها وبقي الآخر وهو «زيد» المحكي. وهو كلام في غاية السقوط، والاشتغال بمثله يذهب لطائف أسرار الصناعة النحوية. وكذلك نقل (٤) عن الكوفيين (٥) ما يطول ذكره وهو لا يجدي شيئا، بل فيه خرم للقواعد وتشويش على الأذهان مع ضياع الزمان في تسويد الأوراق. ثم إن الشيخ عند كلامه على قول المصنف: ولا يقاس عليه سائر المعارف، ولا يحكى في الوصل بمن؛ خلافا ليونس في المسألتين - قال (٦): «إذا كان الاسم المستثبت عنه معرفة غير علم، ففيه تفصيل لم يتعرض له المصنف، وهو إما أن يكون وصفا منسوبا أو غير ذلك. إن كان وصفا منسوبا فإنك تدخل على «من» الألف واللام و «ياء» النسب (٧) فتقول: المنيّ، لمن قال: قام زيد القرشيّ إذا لم تفهم القرشي فاستثبت عنه، ويعرب إذ ذاك ويؤنث ويثنى ويجمع بالواو والنون، وبالألف والتاء، وتثبت هذه الزيادات في الوصل والوقف، فإن فهمت الصفة ولم تفهم الموصوف، لم تحك، بل تقول: من زيد القرشيّ؛ إلا على لغة من يحكي العلم المتبع وذلك قليل. -

стр. 4478

[مسائل خمس في باب الحكاية] قال ابن مالك: (وفي حكاية العلم معطوفا أو معطوفا عليه خلاف [منعه يونس وجوّزه غيره واستحسنه سيبويه] (١) ولا يحكى موصوف بغير «ابن» مضاف إلى علم، وربّما حكي الاسم دون سؤال، وربّما حكي العلم والمضمر بـ «من» حكاية المنكّر، وربّما قيل: ضرب من منه ومنو منا، لمن قال: ضرب رجل [٥/ ٢١١] امرأة ورجل رجلا). - وإن كان غير وصف منسوب، لم تجز فيه الحكاية، نحو قولك: من صاحبك، ومن هذان، ومن الزيدان، هذا هو المختار، وأجاز بعضهم الحكاية أجراه مجرى العلم فيقول: من أخاك ومن أخيك، لمن قال: رأيت أخاك ومررت بأخيك، قال: وهذا المذهب هو الذي حكاه المصنف عن يونس. وليعلم أن ابن عصفور جعل الاستثبات عن نسب المسؤول عنه مسألة برأسها فقال (٢): «وإذا استثبت عن نسب المسؤول عنه، قلت: المنّيّ في العاقل والمائيّ والماويّ في غير العاقل، وتجعله في الإعراب والتثنية والجمع والتأنيث والتذكير على حسب المسؤول عنه». قال ناظر الجيش: هذه مسائل خمس: الأولى: حكاية العلم معطوفا أو معطوفا عليه: قال المصنف في شرح الكافية (٣): «واختلف في حكاية العلم معطوفا على غير علم أو معطوفا عليه غير علم، فبعضهم أجاز وبعضهم منع، نحو قولك: من سعيدا وابنه لمن قال: رأيت سعيدا وابنه، ومن غلام زيد وعمرا لمن قال: رأيت غلام زيد وعمرا» انتهى. واعلم أن عبارة المصنف يفهم منها أن الخلاف موجود، سواء أكان أحد -

стр. 4479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المتعاطفين علما أم غير علم، بخلاف ما ذكره في شرح الكافية. قال الشيخ (١): «مذهب يونس (٢) ﵀، وجماعة، أن عطف أحد الاسمين على الآخر مبطل للحكاية، ومذهب غيره أن العطف لا يبطل الحكاية، فإذا كان الاسمان المتعاطفان من قبيل ما يحكى، حكيتهما، فتقول لمن قال: رأيت زيدا وعمرا: من زيدا وعمرا؟، وإن كان أحدهما من قبيل ما لا يحكى (٣) والآخر ليس من قبيل ما يحكى بنيت على المتقدم منهما وأتبعته الآخر في الحكاية أو إبطالها. فتقول لمن قال: رأيت زيدا وصاحب عمرو: من زيدا وصاحب عمرو، ولمن قال: رأيت صاحب عمرو وزيدا: من صاحب عمرو وزيد». وهذا الذي ذكره الشيخ هو الذي ذكره ابن عصفور؛ فإنه قال (٤): «فإن اجتمع ما يحكى مع ما لا يحكى بنيت الكلام على المتقدم، فتقول: من زيدا ورجلا، لمن قال: رأيت زيدا ورجلا، ومن رجل وزيد إن تقدم الرجل». لكن الشيخ نقل (٥) عن صاحب «البسيط» أنه قال: «وحكى سيبويه (٦) الجواز، فتقول: من زيدا وأخا عمرو، تتبع الكلام بعضه بعضا، ولأنهما لما اشتركا في العطف اكتسب أحدهما حكم الآخر، كما أنك تقول ذلك في: تبّا له وويلا له وويل، ومن قال هذا فهو أولى أن يقول: من زيدا وعمرا». قال (٧): «وفي الإفصاح قال سيبويه (٨): وأما ناس فقاسوا فقالوا: تقول: من أخو زيد وعمرو، ومن عمرا وأخا زيد، فتتبع الكلام بعضه بعضا، قال سيبويه: وهذا أحسن» انتهى ما ذكره الشيخ. واستفيد من المنقول عن سيبويه أن العطف غير مبطل للحكاية، وإن كان -

стр. 4480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحد المتعاطفين غير صالح لها، فكيف إذا كان كلاهما صالحا لذلك؟ المسألة الثانية: العلم المنعوت لا يحكى مع نعته: قال المصنف في شرح الكافية (١): «وأما حكاية العلم بصفته فجائزة إن كان الوصف بابن مضاف إلى علم، كقولك (٢): من زيد بن عمرو، لمن قال: مررت بزيد بن عمرو، فإن وصف بغير ذلك لم يجز أن يحكى بصفته، بل إن حكي حكي بدونها» انتهى. واعلم أنه كما امتنعت حكاية المنعوت بغير «ابن» هكذا يمتنع ما أتبع بتوكيد أو عطف بيان أو بدل. ومن ثمّ قال ابن عصفور (٣): «ولا يحكى إلا بشرط أن لا يكون الاسم المحكي متبعا بتابع من التوابع ما عدا العطف، إلا أن يكون الاسم التابع مع المتبع كالشيء الواحد، فإنه يجوز حكايته نحو: زيد بن عمرو». فلهذا قال الشيخ (٤): «وفي قول المصنف: ولا يحكى موصوف - قصور؛ إذ حكم التوكيد وعطف البيان والبدل حكم النعت، قال: فلو قال: ولا يحكى متبع إلا موصوف بابن مضاف إلى العلم كان جامعا، قال: والفرق بين العطف وبين غيره من التوابع: أن العطف ليس فيه بيان للمعطوف عليه، بخلاف غيره من التوابع فإن فيه بيان أن المتبوع هو الذي جرى ذكره في كلام المخبر، وأما في العطف فلا يبين ذلك بيانا تامّا إلا بالحكاية وإيراد لفظ المخبر في كلام الحاكي على حاله من الحركات». المسألة الثالثة: وهي المشار إليها بقوله: وربّما حكي الاسم دون سؤال: والذي يظهر أنه قصد بذلك الإشارة إلى ما ذكره في شرح الكافية وهو قوله (٥): ومن العرب من يحكي الاسم النكرة مجردة من «أيّ» و «من» ومنه قول بعضهم: ليس بقرشيّا (٦) رادّا على من قال: إن في الدار قرشيّا أو نحو ذلك، ومنه -

стр. 4481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيضا قول من قال: دعنا من تمرتان (١)، وقول الشاعر: ٤١٧٧ - وأجبت قائل كيف أنت بصالح ... حتّى مللت وملّني عوّادي (٢) أدخل الباء على «صالح» وتركه مرفوعا كما كان يكون لو لم تدخل عليه الباء ويمكن أن يكون من هذا ما كتب بواو في خط الصحابة رضي الله تعالى عنهم: فلان بن أبو فلان، كأنه قيل: فلان بن المقول فيه أبو فلان، والمختار فيه عند المحققين أن يقرأ بالياء وإن كان مكتوبا بالواو كما تقرأ: الصلاة والزكاة، بالألف، وإن كانا مكتوبين بالواو تنبيها على أن المنطوق به منقلب عن «واو». انتهى. ولكن الشيخ شرح هذا الموضع بأن قال (٣): «فسر قوله: وربّما حكي الاسم دون سؤال، بقول الله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٤) قال: فإبراهيم ليس مسؤولا عنه، وقد حكي هذا اللفظ لأنه كان اسمه: إبراهيم، فحكي هذا اللفظ وأعراب وجعل مفعولا لم يسم فاعله». ثم ذكر (٥) اختلاف الناس في تخريج قوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ وأورد ثلاثة الأقوال المشهورة وهي (٦): أنه إما مفعول صريح لـ «يقال» وإما منادى حذف منه حرف النداء، وإما أن يكون مرفوعا بالإهمال، وقال: إذا كان مفعولا صريحا لـ «يقال» فيكون من حكاية المفرد». انتهى. ولم ينتظم لي قوله أولا «فحكي هذا اللفظ وأعرب وجعل مفعولا لم يسم فاعله» ولا قوله ثانيا: «فيكون من حكاية المفرد» مع قوله «إنه مفعول صريح ليقال» إذ حركة الحكاية غير حركة الإعراب. ثم إن المصنف يرى أن الكلمة إذا أريد مجرد لفظها ووجه إليها القول نصبتها -

стр. 4482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مفعولا بها، فتقول: قلت زيدا، قلت عمرا، وقوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (١) عنده من هذا القبيل، فلما بني الفعل [٥/ ٢١٢] للمفعول أقيم المنصوب مقام المرفوع، وتقدم له ذكر هذه المسألة في باب «الأفعال الناصبة المبتدأ والخبر مفعولين» وقررها أحسن تقرير، فليس «إبراهيم» من قوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ من الحكاية عند المصنف في شيء، وإذا كان كذلك فكيف يفسر كلامه بشيء قد نص هو فيه على خلافه؟ وبقية كلام الشيخ في هذه المسألة لم يتحقق لي فتركت إيراده. المسألة الرابعة: أن العلم والمضمر قد يحكيان بـ «من» حكاية المنكّر، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك. قال ابن عصفور (٢): «ومن العرب من يجري سائر المعارف مجرى النكرة في الاستثبات بمن وبأيّ، سمع من العرب من يقال له: ذهب معهم، فيقول: مع منين (٣)؟ والأحسن أن يقول: من هم؟ فلا يحكي». ولما كانت عبارة ابن عصفور أعم من عبارة المصنف في هذه المسألة - قال الشيخ (٤): «وفي قوله - يعني المصنف -: ويحكى العلم والمضمر، قصور، وكذا في قوله: من قصور أيضا، وكان ينبغي أن يقول: وربما حكيت المعرفة، ليشمل العلم والمضمر وغيرهما، وأن يقول: بأيّ وبمن ولا يخصص من». المسألة الخامسة: وهي: ربما قيل: ضرب من منه ومنو منا، لمن قال: ضرب رجل امرأة، ورجل رجلا، أما: ضرب من منه فذكروا أن حركاتهما حركة إعراب. قال ابن عصفور (٥): «وحكى يونس (٦) أن بعض العرب يعرب من ويحكي بها النكرات، كما يحكي بأيّ، وسمع من كلامهم: ضرب من منا، وعلى هذه اللغة قوله: ٤١٧٨ - أتوا ناري فقلت: منون أنتم ... فقالوا: الجنّ، قلت: عموا ظلاما (٧) -

стр. 4483

[حكاية التمييز] قال ابن مالك: (ويقال في حكاية التّمييز لمن قال: عندي عشرون: عشرون ماذا؟ وعشرون أيّا؟ على رأي). ــ فأثبت علامة الجمع في الوصل كما يفعل بأيّ، وهذه اللغة من الندور بحيث لا يقاس عليها». انتهى. قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في شرح هذا الموضع (١): «قال سيبويه (٢): وهذا بعيد لا يتكلم به ولا تستعمله العرب، ولا يستعمله ناس كثير، وكان يونس إذا ذكرها يقول: لا يقبل هذا كلّ أحد، وينبغي لهذا أن لا يقول: منو في الوقف، ولكن يجعله كأيّ - يعني يجعلها معربة، كأيّ ويخلع منها معنى الاستفهام - فلذلك استبعده يونس. قال: وأما تخريج البيت (٣) فالذي خرجه عليه أحسن من تخريج الزمخشري وهو (٤) أن الشاعر ارتكب شذوذين: إلحاق العلامة في الدّرج، وتحريك النون، قال شيخنا - يعني ابن عمرون - في البيت: فإنما يجوز: منون على ذا، يعني على حكاية يونس فيها الإعراب» انتهى. وهو كلام حسن غير أنه يقتضي أن كلمة «أيّ» في قولنا في الحكاية: أي تكون معربة. وقد عرفت أن القول بالإعراب ينافي الحكاية، على أن ابن عصفور قد صرح بالإعراب في الصور كلها كما تقدم نقلنا ذلك عنه، وفي ذلك الإشكال الذي تقدم لنا ذكره. وأما قول المصنف: ومنو منا - فإشارة إلى أن حركة «من» والإشباع يثبتان في الوصل، كما أنهما يثبتان في الوقف وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. قال ناظر الجيش: قال الشيخ (٥): وليس هذا من حكاية التمييز؛ إذ لم ينطق به المتكلم، وإنما هذا من الاستفهام -

стр. 4484

[حكاية المفرد المنسوب إليه حكم للفظه] قال ابن مالك: (ويحكى المفرد المنسوب إليه حكم هو للفظه، أو يجرى بوجوه الإعراب اسما للكلمة أو للّفظ). ــ المستأنف عن التّمييز ليس من باب «الاستثبات» عن التمييز إذ لم يجر ذكره في الكلام المتقدم. ثم دل قوله: على رأي، أن منهم من يمنع ذلك، ومستند المانع: أن التمييز لا يكون بأسماء الاستفهام؛ لأنه يلزم من ذلك تقدم العامل فيها عليها ولا يجوز ذلك. ولا شك أن هذا التركيب يلزم منه أن يكون «عشرون» ناصبا لـ «ماذا»، ولقولنا «أيّا» وهو متقدم عليها، ومعلوم أن ذلك غير جائز». قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية (١): «وإذا نسب إلى حرف أو غيره حكم هو للفظه دون معناه، جاز أن يحكى وجاز أن يعرب بما يقتضيه العامل، فمن الحكاية قول النبي ﷺ : «إيّاكم ولو فإنّ لو تفتح عمل الشّيطان» (٢) ومنه قول الشاعر: ٤١٧٩ - بثين الزمي لا إنّ لا إن لزمته ... على كثرة الواشين أيّ معون (٣) ومن الإعراب قول الشاعر: ٤١٨٠ - ليت شعري وأين منّي ليت ... إنّ لوّ أو إنّ ليتا عناء (٤) -

стр. 4485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي حديث رسول الله ﷺ : «وأنهاكم عن قيل وقال» (١) على الحكاية (٢) و «عن قيل وقال» على الإعراب (٣). ثم إن الأداة التي يحكم لها بالاسمية في هذا الاستعمال إن أوّلت بكلمة منعت الصرف، وإن أوّلت بلفظ صرفت». وقال الشيخ في شرح هذا الموضع (٤): «مثال ذلك: أن يقول القائل: ضربت زيدا، فتقول: زيدا مفعول فتحكي الكلمة، أو تعربها، فتقول: زيد مفعول، وتجريه إذا أعربته بوجوه الإعراب، فيكون اسما للكلمة، فتؤنث ما يعود عليها من الضمائر، وتخبر عنها إخبار الذّكر، فتقول: زيد مفعولة، أي هذه الكلمة، أو: زيد مفعول أي: هذا اللفظ». وقال (٥) في قول المصنف: أو يجرى بوجوه الإعراب: «هذا إذا كان مما يقبل الإعراب، فإن كان مبنيّا حكيته، ولا يجوز إعرابه، نحو أن يقول قائل: قام من في الدار، فتقول: من موصول ولا يجوز: من موصول، وكذلك لو قيل: عجبت من عمرو، لقلت: من حرف جر، ولا يجوز: من حرف جر. وحكم الإسناد اللفظي أن يكون للمسند إليه ما يستحقه من إعراب وبناء لو أسند إلى معناه فتقول: زيد ثلاثي فتعربه كما يعرب: زيد قائم، واضرب فعل أمر، فتتركه مبنيّا كحاله إذا أمرت المخاطب به، فقلت: اضرب، ومن حرف جر كحاله إذا قلت: عجبت من زيد». انتهى. وما ذكره من أن الكلمة إذا كانت مبنية وحكيت [٥/ ٢١٣] لا يجوز إعرابها - ليس على إطلاقه، وإنما يتعين البناء إذا كانت الكلمة مسندا إليها ما هي موضوعة له، كقولنا: -
следующие страницы →