. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأخبر عن «قزح» من قولك: قوس قزح، وقد قيل: إن «قزحا» اسم الشيطان، وكأن العرب وضعت قوسا للشيطان، ويكون هذا من أكاذيبها (١)، و «قزح» طريق في السماء ذو ألوان (٢)؛ فعلى هذا ليس لمن أجاز الإخبار عن الاسم الذي ليس تحته معنى دليل في قوله:
٤١٨٥ - أو حيث علّق قوسه قزح
لأن «قزح» اسم للشيطان كما قيل (٣)، وأما امتناع الإخبار عن الاسم العامل كالمصدر وشبهه فظاهر مما تقدم؛ لأن جواز ذلك يؤدي إلى أن يكون الضمير عاملا وهو لا يجوز خلافا للكوفيين، وأما امتناع الإخبار عن المضاف دون المضاف إليه، فلأن جواز ذلك يؤدي إلى إضافة الضمير وهو لا يجوز، وكذا امتناع الإخبار عن النعت دون المنعوت فلأن جوازه يؤدي إلى أن المضمر ينعت به، وأما امتناع الإخبار عن المنعوت دون النعت فلأن جوازه يؤدي إلى نعت المضمر وهو لا يجوز، وأما امتناع الإخبار عن الأسماء المختصة بالنفي فظاهر مما تقدم، وكذا امتناع الإخبار عن الحال والتمييز فقد تقدمت الإشارة إلى علته. هذا ملخص كلام ابن عصفور.
ثم إنه (٤) شرع في ذكر ما يقصد الإخبار عنه من المرفوعات اسما اسما إلى أن أنهاها، وكذا من المنصوبات وكذا من المجرورات، ولكن كلامه تضمن تقسيما منتشرا، وكان الشيخ أورده ملخصا (٥) لكنه لم ينسبه إلى ابن عصفور ولا إلى غيره، وأنا أورد ذلك بتقسيم يقرب إلى الضبط حسبما يتيسر من كلام الرجلين مع الاختصار.
المرفوعات (٦): مبتدأ أو خبر مبتدأ، أو فاعل أو مشبه بالفاعل، والمشبه بالفاعل هو خبر «إنّ» واسم «كان» وأخواتها، واسم «ما»، والمفعول الذي لم يسم فاعله، والتابع من عطف أو بدل خاصة، وأما النعت فلا يخبر عنه للعلة التي -
стр. 4517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقدمت، وأما التأكيد فامتناع الإخبار عنه لما يؤدي إلى التأكيد بالمضمر والتأكيد إنما هو بألفاظ محصورة لا تتعدّى.
المبتدأ: يخبر عنه مظهرا كان أو مضمرا، لمتكلم أو مخاطب أو غائب، فيقال في الإخبار عن «هو» من قولك: هو قائم: الذي هو قائم هو، وفي الإخبار عنه إذا كان لمتكلم أو مخاطب خلاف والأصح الجواز، والضمير الذي يؤتى به خلفا يكون ضمير غيبة، وأجاز الكسائي: الذي أنا قائم أنا، والذي أنت قائم أنت، في الإخبار عن ضمير المتكلم من: أنا قائم، وعن ضمير المخاطب من: أنت قائم، وغير الكسائي يقول: الذي هو قائم أنا، والذي هو قائم أنت، والكسائي نظر إلى المعنى، ولا شك أن هذه المسألة تلتفت إلى مسألة: أنت الذي قام، وأنا الذي قام؛ حيث يجوز فيها:
أنت الذي قمت، وأنا الذي قمت، ولكن شرط مراعاة المعنى في هذه المسألة تقدّم الضمير على الاسم الموصول، فلو تقدم الموصول على الضمير لم يجز مراعاة المعنى إلا عند الكسائي، وتقدم الكلام على ذلك في باب «الموصول»، فمن ثمّ أجاز الكسائي في باب «الإخبار»: الذي أنا قائم أنا، والذي أنت قائم أنت.
الخبر: يجوز الإخبار عنه إن كان جامدا، وإن كان مشتقّا ففي الإخبار عنه خلاف، حجة المانع أنه بالإخبار تتغيّر حالة المبتدأ الذي كان أخبر عنه بالخبر المذكور عما كانت عليه قبل، قال: لأنه كان يخبر عنه بفعل إذا قلت: زيد قائم؛ لأن قولك: قائم في معنى: يقوم، وفي الإخبار تقول: الذي زيد هو قائم، فتخبر بغير فعل، وحجة المجيز أن الخبر المشتق الذي كان عن «زيد» قبل الإخبار موجود في الجملة بعد الإخبار.
قال ابن عصفور (١): «والصحيح أن الإخبار عنه لا يجوز» انتهى.
وقال الشيخ أيضا (٢): «الصحيح أنه لا يجوز».
وأقول: الظاهر أن المنع لا وجه له؛ لأن المفهوم من قولنا قبل الإخبار: زيد قائم، وقولنا بعد الإخبار: الذي زيد هو قائم مفهوم واحد.
الفاعل: حكمه في الإخبار عنه حكم المبتدأ في حالتي الإظهار والإضمار، -
стр. 4518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والخلاف فيه إذا كان ضميرا لمتكلم أو لمخاطب كالخلاف في المبتدأ. وقد عرفت أن الأصح فيه ثمّ الجواز فكذلك هنا أيضا.
ثم إن ابن عصفور قال هنا ما ملخصه (١): وإن عطفت عليه - يعني على الفاعل - فإما أن تعطف جملة أو مفردا: أما إذا كان جملة: فإما أن يكون الفاعل الأول هو الثاني أو خلافه، وإذا كان خلافه فالعطف إما بالواو أو بالفاء أو بثم أو بغير الثلاثة، وإن كان بالواو فإما أن تقدّر - يعني الواو - بمعنى مع أو تجعلها مشتركة، قال: فإن قدرتها بمعنى مع وكان الإخبار بالذي جاز الإخبار عن كلا الفاعلين من الجملتين المعطوف إحداهما على الأخرى، فتقول مخبرا عن الذباب من: يطير الذباب ويغضب زيد: الذي يطير ويغضب زيد الذباب، ولما كانت الجملتان كالجملة الواحدة من جهة أن الواو بمعنى مع صح عطف «يغضب» - وإن لم يكن فيه ضمير يعود على ما عاد عليه ضمير ما قبله وهو «يطير» - على «يطير» قال:
وكذلك إن أخبرت عن زيد وكان العطف بالواو التي بمعنى مع قلت: الذي يطير الذباب ويغضب زيد، ففي «يغضب» ضمير يعود على «الذي» ولم تحتج [٥/ ٢٢٤] الجملة الأولى إلى أن يعود منها ضمير على «الذي» أيضا لما عرفت من أن الجملتين كالجملة الواحدة.
وإن كان العطف في المسألة المذكورة بالفاء، كان الحكم كذلك؛ لأن الفاء للسببية وجملتا المسبب والسبب كالجملة الواحدة.
وإن كان العطف بغير الواو والفاء، أو كانت الواو ليست بمعنى مع؛ فإن الإخبار في المسألة الأولى لا يجوز لما يؤدي إليه من خلو إحدى الجملتين من ضمير يعود على «الذي».
قال: وإن كان الإخبار بالألف واللام فالحكم كالحكم مع «الذي» في ما تقدم؛ فتقول مخبرا عن «الذباب»: الطائر فيغضب زيد الذباب، وصح خلوّ «فيغضب» عن ضمير يعود إلى الألف واللام لما تقدم، وصح أيضا عطف الفعل على الاسم لكون الاسم في معنى الفعل، وتقول مخبرا عن «زيد»: يطير الذباب -
стр. 4519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالغاضب زيد، ففي «الغاضب» ضمير يعود على «الألف واللام» واكتفي بضمير واحد في الجملتين لما تقدم.
قال: وإن عطفت على الفاعل الأول من: يطير الذباب فيغضب زيد اسم فاعل وكان الإخبار بالذي كان اسم الفاعل مذكّرا ولا يجوز غيره فتقول: الذي يطير الذباب فغاضب زيد إذا أخبرت عن «زيد»، وإن أخبرت عن «الذباب» قلت:
الذي يطير فغاضب زيد الذباب، ولا يجوز إدخال «الألف واللام» على اسم الفاعل المعطوف؛ لأن ذلك يؤدي إلى بقاء اسم موصول وهو «الألف واللام» ليس له ما يربطه بصلته، قال: إلا أن هشاما (١) قد يجوّز ذلك لأنه يرى زيادة «الألف واللام» ولكن زيادة «الألف واللام» ليست مقيسة، وإن كان الإخبار بـ «الألف واللام» كان اسم الفاعل أيضا نكرة فتقول: الطائر فغاضب زيد الذباب، إن أخبرت عن «الذباب»، وإن أخبرت عن «زيد» قلت: الطائر الذباب فغاضب زيد، ولا سبيل إلى إدخال «الألف واللام» لما يلزم من خلو الموصول من عائد.
قال: ويجوز في هذه المسائل من حروف العطف ما جاز في المسائل المتقدمة، ويمتنع معها ما امتنع معها. وإن كان الفاعل الثاني هو الأول نحو: قام زيد وخرج جاز لك الإخبار عن «زيد» وعن الضمير الكائن في «خرج» بالذي وبالألف واللام، وجاز لك أن تعطف بما شئت من حروف العطف، فإن أخبرت بالذي عن الضمير في «خرج» قلت: الذي قام زيد وخرج هو، وإن أخبرت بالألف واللام قلت: القائم زيد والخارج هو، ويكفيك في الجملتين ضمير واحد؛ لأنهما مفعوله لفاعل واحد وهو «زيد».
وأما إذا كان مفردا نحو: قام زيد وعمرو جاز لك الإخبار عن الأول وعن الثاني، فإن أخبرت عن الأول لم تستعمل من حروف العطف إلا الواو خاصة؛ لأنها لا تغير معنى الكلام؛ لكونها لا يتبين معها المتقدم في إحداث الفعل من المتأخر، وغيرها من حروف العطف ينقل معنى الكلام عما كان عليه إلى معنى آخر؛ لأنه إذا كان معنى: قام زيد وعمرو، وأردنا الإخبار عن «زيد» وعطفت بالواو، كان الكلام بعد الإخبار على معناه قبل الإخبار، إذ كنا قبل الإخبار لا نعلم من -
стр. 4520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القائم أوّلا، وكذلك بعد الإخبار، وغيرها من حروف العطف ليس كذلك، وأما الفاء وثم فمفهوم الكلام معهما أن الثاني بعد الأول بلا مهلة مع الفاء، وبمهلة مع ثم، ولم يكن مفهوم الكلام قبل الإخبار هذا لكونه كان العطف فيه بالواو، وكذلك سائر حروف العطف مغير لمعنى الكلام، فتقول مخبرا عن «زيد» من قام زيد وعمرو: الذي قام هو وعمرو زيد، ولا بد من تأكيد الضمير في «قام» للقاعدة المعروفة، وإن أخبرت عن «عمرو» قلت: الذي قام زيد وهو عمرو، ولا يستعمل في المسائل التي ذكرت في عطف المفرد على الفاعل من حروف العطف سوى الواو للعلة التي تقدم ذكرها، والإخبار بالألف واللام في هذا الفصل كالإخبار بالذي على حد سواء.
المفعول الذي لم يسمّ فاعله: حكم المفعول الذي لم يسم فاعله حكم الفاعل أيضا، إلا أنه إذا أخبر عنه غيّرت الصيغة من فعل الفاعل ومن اسمه إلى صيغة فعل المفعول واسمه، فيقال في: ضرب زيد: الذي ضرب زيد، والمضروب زيد، وفي:
ضربت وضربت: المضروب أنا، والمضروب أنت، والذي ضرب أنا، والذي ضرب أنت، ولا خفاء في وضوح ذلك وأنه غير محتاج إلى التنبيه عليه، ولا يخبر عن المجرور الذي قام مقام الفاعل ما دام مجرورا نحو: مرّ بزيد، وما ضرب من رجل، لأنه لا يكون مبتدأ.
المشبه بالفاعل: حكمه في الإخبار عنه حكم الفاعل من اتفاق واختلاف.
ولنورد ذلك مفصلا كما ذكره الشيخ، قال (١): «اسم كان وأخواتها يخبر عنه بالذي وبأل إلا ليس وما دخل عليه حرف النفي لزوما، أو حالة إرادة نفيه فلا يخبر عنه بأل؛ إذ لا يصح من ذلك صوغ اسم فاعل ولا اسم مفعول، وإلا اسم ما دام فلا يخبر عنه بالذي ولا بأل فتقول في: كان زيد قائما: الذي كان قائما زيد، والكائن قائما زيد، وفي: كنت قائما: الذي كان قائما أنت، والكائن قائما أنت، وفي: كنت قائما: الذي كان قائما أنا، والكائن قائما أنا، وإذا ثنّيت أو جمعت - والإخبار بأل في ضمير المخاطب والمتكلم - ثنّي اسم الفاعل أو جمع واستتر الضمير على كل حال إلا على [٥/ ٢٢٥] مذهب الكسائي فيهما فيبرز الضمير. -
стр. 4521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المرفوع بأفعال المقاربة: إن كان الفعل متصرفا نحو: كاد وأوشك جاز الإخبار عنه فتقول في: كاد زيد يضرب
عمرا: الذي كاد يضرب عمرا زيد، وكذلك أوشك، وأما باقيها فما عرض له عدم التصرف لاستعماله في باب «المقاربة» وكان أصله أن يتصرف فالظاهر جواز الإخبار عنه فتقول في: جعل زيد يقرأ: الذي جعل يقرأ زيد، وإن كان جامد الوضع وهو عسى فأجاز ابن أبي الربيع (١) الإخبار فيه فتقول في: عسى زيد أن يقوم: الذي عسى أن يقوم زيد، قال الشيخ (٢):
والجمهور لا يجيزون ذلك؛ لأن الجملة المصدرة بعسى جملة غير خبرية، والصلة لا بد أن تكون خبرية» انتهى.
ولقائل أن يقول: إنما اشترط في الجملة الواقعة صلة أن تكون خبرية، حيث يقصد الإخبار عن اسم موصول بحكم مقصود؛ لتحصل الفائدة بتعريف الموصول بالعهد الذي في الصلة، وإنما يكون ذلك حيث تكون الجملة خبرية، وأما في باب «الإخبار» فليس المقصود منه إلا الاهتداء إلى الإتيان بالتركيب بعد الإخبار على الوجه الذي تقتضيه الصناعة النحوية، وليست الإفادة فيه بمقصودة؛ لأن الناطق به لم يقصد به الإخبار عن شيء وقع ولا عن شيء سيقع.
اسم ما ولات (٣): تقول في: ما زيد قائما: الذي ما هو قائما زيد، وأجاز ابن عصفور (٤) حذف الضمير العائد على الموصول، ومنع ذلك ابن الضائع (٥)، وتقول في لاتَ حِينَ مَناصٍ (٦) في قراءة من نصب (٧): الذي لات هو حين مناص الحين، فيظهر ذلك الذي كان محذوفا، ويبقى مكانه ضمير ويجوز أن يحذف، وتقول في قراءة من رفع (٨): الذي لات هو حين مناص، ولا يحذف «هو»؛ إذ -
стр. 4522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقبح حذفه وحده دون طول فكيف هنا؟ إذ يكون إجحافا بحذف الصلة برأسها وهي المبتدأ والخبر، قاله ابن عصفور (١)، قال (٢): وقوله:
٤١٨٦ - نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثمّ وجّهّم إلينا (٣)
شاذ لا يقاس عليه؛ لأنه يريد: نحن الذين نطلب فحذف الصلة رأسا، قال (٤):
وجاز إعمال لات في الضمير؛ لأنها قد تعمل في غير الحين من أسماء الزمان كقوله:
٤١٨٧ - لات هنّا ذكرى جبيرة أو من ... جاء منها بطائف الأهوال (٥)
وقال ابن الضائع (٦): هذا كله لا يجوز، قال سيبويه (٧): لا يكون ذلك إلا في الحين - يعني عمل لات. انتهى.
وأقول: إن قول ابن عصفور: «وجاز إعمال لات في الضمير لأنها قد تعمل في غير الحين» غير ظاهر؛ لأن الضمير إنما هو ضمير الحين فهي لم تعمل في غير الحين، وعلى هذا لا يتم قول ابن الضائع: إن هذا لا يجوز معتلّا لذلك بقول سيبويه: «لا يكون ذلك إلا في الحين».
ثم إن المقصود في باب «الإخبار» إنما هو الامتحان والاستخبار عن كيفية النطق بتركيب تقتضيه القواعد إذا أخبر في ذلك التركيب بالذي أو بالألف واللام. -
стр. 4523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خبر إنّ وكأنّ: تقول في: إن زيدا أخوك: الذي إن زيدا هو أخوك وفي: كأنّ زيدا أسد: الذي كأن زيدا هو أسد، وإن كان الخبر مشتقّا ففيه الخلاف الذي في خبر المبتدأ.
المنصوبات (١): مفعول فيه، ومفعول معه، ومفعول من أجله، ومفعول به، ومفعول مطلق، ومشبه بها، وهو خبر «كان» وأخواتها، وخبر «ما» الحجازية، واسم «إنّ» وأخواتها.
المفعول فيه: إن لم يتسع فيه قلت مخبرا عن «اليوم» من قولك: صمت يوم الجمعة: الذي صمت فيه يوم الجمعة، وتقول في الإخبار بالألف واللام: الصائم أنا فيه يوم الجمعة، وإنما برز الضمير لجريان الصفة على غير من هي له، وإن اتسعت فيه قلت: الذي صمته يوم الجمعة، ويجوز حذف العائد حينئذ؛ لأنه منصوب متصل، وإن أخبرت بالألف واللام قلت: الصائمه أنا يوم الجمعة، ولا يجوز حذف العائد؛ لأن عائد الألف واللام لا يحذف إلا نادرا (٢).
المفعول معه: في الإخبار عنه خلاف، فالأخفش يمنعه معتلّا لذلك بأن الإخبار عنه يغيره عن حاله قبل الإخبار، لأنك تقول في الإخبار عن «الطيالسة» من: جاء البرد والطّيالسة: التي جاء البرد وإيّاها الطيالسة، فقد أدخلت الواو على الضمير وأخرت «الطيالسة» دون الواو، واختار ابن عصفور (٣) مذهب الأخفش، وأجاز غير الأخفش ذلك، واختاره ابن الضائع (٤)، وهو الحق لأن التغيير موجود في كل اسم أردت الإخبار عنه (٥).
المفعول من أجله: في الإخبار عنه خلاف أيضا، فالمانع يقول: الإخبار عنه يغيّره عن حاله التي كان عليها قبل الإخبار؛ لأن المفعول من أجله إنما يكون اسما ظاهرا، وكان منصوبا؛ لأنه فعل الفاعل الفعل المعلل، فإذا أخبر عنه انتقل عن ذلك، والمجيز يقول: لم ينتقل؛ لأن اللام تثبت مع الضمير، فتقول إذا أخبرت عن «إجلال» من -
стр. 4524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولك: قمت إجلالا لك: الذي قمت له إجلال لك، وصحح ابن عصفور عدم الجواز (١)، وصحح ابن الضائع الجواز (٢) وقال: ليس مفعولا معه (٣) وهو مرفوع، بل هو اسم يثبت أنه السبب كما تقول: إجلال زيد حملني على القيام له، وإنما امتنع أن ينتصب لإضماره.
المفعول المطلق: في الإخبار عنه خلاف، فالمانع يقول: الإخبار عنه لا يفيد؛ إذ الفعل يعطي ما يعطيه هو، والمجيز يجيز ذلك إذا كان في الإخبار عنه فائدة، نحو أن تخبر عن «ضرب» من قولك [٥/ ٢٢٦]: ضربت زيدا ضربا شديدا، فتقول:
الذي ضربته زيدا ضرب شديد، قال ابن عصفور (٤): والأصح جواز الإخبار عنه إذا كان فيه فائدة، فالحاصل: أنه إذا كان مؤكدا لا يجوز الإخبار عنه، وإن كان غير مؤكّد جاز ولا فرق بين الموصوف والمضاف كشرب الإبل من قولك: شربت شرب الإبل، لأن التخصيص يحصل بالإضافة كما يحصل بالوصف.
المفعول به: إما مفعول واحد، وإما مفعولان، وإما ثلاثة مفاعيل، بحسب الفعل الناصب له، فإن كان واحدا وذلك نحو: ضربت زيدا، قلت في الإخبار عنه:
الذي ضربته زيد، ولك أن تحذف العائد، وإن كان الإخبار عنه بالألف واللام، قلت: الضاربه أنا زيد، ولا يجوز حذف العائد لما عرفت (٥).
وإن كان مفعولين وهما معمولان لباب «أعطيت» قلت في: أعطيت زيدا درهما: الذي أعطيته درهما زيد، والمعطيه أنا درهما زيد، ويجوز حذف العائد على الذي دون العائد على الألف واللام لما عرفت. هذا إن أخبرت عن الأول، وإن أخبرت عن الثاني قلت: الذي أعطيته زيدا درهم، والمعطيه أنا زيد درهم، وإنما قدم الضمير على «زيد» لأنه مهما أمكن أن يؤتى بالضمير متصلا لا يؤتى به منفصلا، وإنما يجوز تقديم الضمير ووصله بالفعل كما مثل لعدم اللبس، أما إذا كان لبس فإنه يمتنع التقديم حينئذ، ويجب أن يذكر الضمير في رتبة الاسم الذي أتي بالضمير -
стр. 4525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عوضا عنه، نحو أن تخبر عن «عمرو» من: أعطيت زيدا عمرا، فتقول: الذي أعطيت زيدا إيّاه عمرو، ولا يجوز حذف هذا العائد.
قال ابن عصفور (١): لأنه جرى مجرى الظاهر في عدم الاتصال، وقد جرى مجراه في عدم الحذف إذا تقدم على الفعل فقلت: إياك أكرمت، فإنه لا يحذف أبدا، فلذلك عومل في باب «الإخبار» هذه المعاملة.
وإن كان المفعولان معمولين لباب «ظننت» قلت: الذي ظننته منطلقا زيد إن أخبرت عن الأول من: ظننت زيدا منطلقا، وحذف العائد ينبني على أنه حذف اختصارا واقتصارا، إن كان الأول جاز، وإن كان الثاني لم يجز، وإن أخبرت بالألف واللام، قلت: الظّانّه أنا منطلقا زيد، وحذف العائد حينئذ لا يجوز، وقد أجازه ابن عصفور (٢) معللا الجواز بالطول ووافقه الشيخ (٣) وفيه نظر، وإن أخبرت عن الثاني: فإن كان مشتقّا ففيه الخلاف الذي في خبر المبتدأ إذا كان مشتقّا، وإن كان جامدا فلا خلاف في الإخبار عنه، فتقول إذا أخبرت عنه بالذي: الذي ظننته زيدا منطلق.
قال ابن عصفور (٤): ويجوز حذف العائد لأن في الكلام ما يدل عليه، ولا يجوز لك أن تقدم ضمير الثاني إذا أخبرت عنه على المفعول الأول وتصله بالفعل إلا إذا عدم اللبس وعلم ما الخبر وما المخبر عنه كالمثال المذكور؛ فإن كان لبس لم يجز، نحو أن تخبر عن «عمرو» من قولك: ظننت زيدا عمرا؛ لأنك إذا أخبرت عن الثاني وقدمت ضميره على الأول ووصلته بالفعل انقلب المعنى وصار «عمرو» المظنون، وقد كان قبل التقديم: زيد الذي ظنّ عمرا.
وإن كان ثلاثة مفاعيل نحو: أعلمت زيدا عمرا منطلقا، قلت في الإخبار عن الأول: الذي أعلمته عمرا منطلقا زيد.
قال ابن عصفور (٥): ولا يجوز حذف هذا الضمير؛ لأن الذي أحل هو محله لا يجوز حذفه لأنه بمنزلة الفاعل، والفاعل لا يحذف. وابن عصفور منازع في -
стр. 4526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك، والحقّ أن حذفه جائز؛ لأنه الآن فضلة من الفضلات الجائز حذفها، وكذلك إن أخبرت عنه بالألف واللام الحكم كالحكم مع الذي، وإن أخبرت عن الثاني قلت: الذي أعلمت زيدا إيّاه منطلقا عمرو، ولا يجوز أن تقدم «إيّاه» على «زيد» وتصله بالفعل على أن «زيدا» (١) هو الذي أعلم بانطلاق «زيد» و «زيد» هو الذي أعلم بانطلاق «عمرو»؛ لأنه إذا حذف لم يعلم هل كان قبل المفعول الأول أو بعده؛ فإن قدّر قبله كان مفهوم الكلام أن عمرا علم بانطلاق زيد، وإن كان بعده كان المفهوم أيضا أن زيدا هو المعلم بانطلاق عمرو، فإن عدم اللبس جاز اتصاله بالفعل نحو أن تخبر عن «هند» من قولك: أعلمت زيدا هندا ضاحكة فتقول: التي أعلمتها عمرا (٢) ضاحكة هند. ولا يجوز حذف الضمير المتصل؛ لأنه قد أجري مجرى الظاهر، وقد يجوز حذفه في قليل من الكلام، قال تعالى:
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٣) والأصل: تزعمونهم إيّاهم فحذف العائد على الذين وهو الضمير المتصل بـ «يزعمون» ثم ناب منابه المنفصل، فحذف لنيابته مناب المتصل المحذوف، قاله ابن عصفور (٤)، والظاهر أن مفعول «يزعمون» المحذوف هو «أنّ» ومعمولها حذف حذف اختصار لدلالة الكلام عليه، التقدير: يزعمون أنّهم شركائي، وإن أخبرت عن المفعول الثالث قلت: الذي أعلمت زيدا عمرا إيّاه منطلق، ولا يجوز اتصال هذا الضمير إلا إذا عدم اللبس كما تقدم، وكذلك لا يجوز حذفه للعلة التي تقدم ذكرها، وإذا كان هذا المفعول الثالث مشتقّا فإن فيه الخلاف كما تقدم.
وذكر الشيخ المنصوب على الاستثناء، فقال (٥): «تقول في الإخبار عن المستثنى من نحو: قام القوم إلا زيدا: الذي قام القوم إلا إيّاه زيد، وعنه من نحو: قام القوم ليس زيدا: الذي قام القوم ليس إيّاه زيد، ولا تصل الضمير في الأجود، فتقول:
ليسه زيد لأنها [٥/ ٢٢٧] هنا أجريت مجرى «إلّا» فانفصل الضمير بعدها كما -
стр. 4527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ينفصل بعد «إلا»، وكذلك «لا يكون» وأما «خلا» و «عدا» و «حاشى» إذا نصبت، فإذا أخبرت عن منصوبها من مثل: قام القوم خلا زيدا، قلت: الذي قام القوم خلاه زيد» انتهى.
ويقال: إن «خلا» وأختيها قامت في الاستثناء مقام «إلّا» أيضا فكان الواجب أن يؤتى بالضمير بعدها منفصلا كما يؤتى به بعد «ليس» و «لا يكون».
المجرورات: إن كان الجرّ بحرف لا يجر إلا المضمر جاز الإخبار عن ذلك المضمر، فتقول في: لولاك لقمت: الذي لولاه لقمت أنت، وإن كان بحرف يجر المضمر ضرورة لم يجز الإخبار عن ذلك المضمر، وإن كان لا يجر إلا المظهر لم يجز الإخبار عن ذلك المظهر نحو «ربّ» و «واوها»، وإن كان يجرهما جاز الإخبار عن مجروره فتقول في الإخبار عن «زيد» من قولك: مررت بزيد: الذي مررت به زيد، وحذف «به» ضعيف جدّا.
وإن كان المجرور بإضافة جاز الإخبار عن المجرور، فتقول في الإخبار عن «زيد» من: قام غلام زيد: الذي قام غلامه زيد، والقائم غلامه زيد، قالوا: ولا يجوز حذف المضمر إلا أن يكون الاسم قد يقطع عن الإضافة لفظا إذا فهم المعنى كـ «كل» فتقول في: مررت بكلّ القوم: الذين مررت بكلّ القوم، وكذلك بعض. ويجوز التصريح بالضمير وهو الأولى، فتقول: الذين مررت بكلهم القوم، واختلفوا في المضمر المجرور من قولك: ويحه رجلا فمن إجاز الإخبار عنه قال:
الذي ويحه رجلا هو، وحجة المانع: أن ذلك يؤدي إلى وصل الموصول بالدعاء.
وإن كان المجرور بالإضافة «ياء المتكلم» نحو: هذا غلامي فنقول: الذي هذا غلامه أنا، وقد استضعف أبو عثمان (١) الإخبار عن «الياء»، وإن أخبرت في هذه المسألة عن اسم الإشارة، قلت: الذي ها هو غلامي ذا؛ لأن حرف التنبيه يدخل على الهمزة، وإن كان من العدد الذي أضيف إليه مميزه نحو قولك: هذه ثلاثة أبواب، فتقول: التي هذه ثلاثتها أبواب، قالوا: وهذا فيه ضعف، لأن اسم العدد حقّه أن يضاف إلى الجنس ليبينه، والإضافة إلى المضمر الغائب غير مبينة، وأقول:
لا يخفى ضعف هذا التعليل لأن الضمير عائد على الموصول الذي هو «التي» فهو -
стр. 4528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هو، والموصول مخبر عنه بـ «الأبواب»، ولا شك أن هذا يعلم أن الضمير لـ «الأبواب» فقد تبين اسم العدد بضمير الجنس كما يتبين بالجنس نفسه.
المتبوعات وتوابعها: أما المنعوت: فقد عرفت أنه يجوز الإخبار به مع نعته فتقول في: مررت برجل عاقل: الذي مررت به رجل عاقل، والمارّ به أنا رجل عاقل.
وأما المؤكد: فيخبر عنه مع توكيده، فيقال في: قام زيد نفسه: الذي قام زيد نفسه، والقائم زيد نفسه، قالوا: ويقال في: ضربت زيدا نفسه: الذي ضربته نفسه زيد، ولا يجوز حذف الضمير من «ضربته»، نص عليه الأخفش ناقلا عن العرب أنهم لا يقولون: الذي ضربت نفسه زيد يريدون: ضربته، وفي كتاب سيبويه تمثيله وتمثيل الخليل بجواز حذف المؤكد المعطوف عليه يجوّز الإخبار بالمعطوف عليه والمعطوف، فتقول في: قام زيد وعمرو: الذي قام هو وعمرو زيد، والذي قام زيد وهو عمرو، تضع الضمير مكان الذي أخبرت عنه، وذهب بعضهم إلى أنه لا بد أن تجعله فاعلا فتقدمه وتجعل المعطوف عليه قبل الإخبار معطوفا فتقول: الذي قام هو وزيد عمرو؛ لأن «الواو» لا تقتضي الترتيب، والأمر واحد في المعطوف والمعطوف عليه إذا كان العطف [بالواو] (١) فتقدم أيّهما شئت، واستحسن ابن أبي الربيع هذا المذهب.
فإن كان العطف بـ «أو» ففيه الخلاف الذي في «الواو»، وإن كان بـ «أم» لم يجز الإخبار عن شيء منهما (٢) - يعني المعطوف والمعطوف عليه -، وإن كان بـ «الفاء» أو بـ «ثم» أو بـ «حتى» أو بـ «بل» أو بـ «لا» أو بـ «لكن» كان الضمير في مكان الذي تريد أن تخبر عنه؛ لئلا ينقلب المعنى فتقول في الإخبار عن «عمرو» من: قام زيد فعمرو: الذي قام زيد فهو عمرو، وعنه من قولك: قام زيد لا عمرو: الذي قام زيد لا هو عمرو، وعنه من قولك: ما قام زيد لكن عمرو:
الذي ما قام زيد لكن هو عمرو، وكذلك بل وحتى، وتقول: زيد وعمرو قائمان، فإذا أخبرت عن «زيد» قلت: الذي هو وعمرو قائمان زيد، أو عن «عمرو» قلت: الذي زيد وهو قائمان عمرو، أو عنهما معا قلت: اللذان هما قائمان زيد وعمرو، ويجوز ذلك في العطف بـ «ثم» و «الفاء» و «أو».
وإذا أخبرت عن المبدل منه وهو «زيد» من قولك: قام زيد أخوك، ففيه -
стр. 4529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خلاف، فمنهم من يبدل من «زيد» ضميرا ويؤخره إلى آخر الكلام ويجعل الآخر بدلا منه، كما كان على الإخبار فتقول: الذي قام زيد أخوك، ففي «قام» ضمير يعود على «الذي» و «أخوك» بدل منه و «زيد» خبر «الذي» وبقي التابع تابعا والمتبوع متبوعا، ومنهم من يخبر عن كل منهما على انفراده، فيقول إذا أخبر عن المبدل منه: الذي قام أخوك زيد، ففي «قام» ضمير يعود على «الذي» و «أخوك» بدل منه و «زيد» خبر «الذي»، وإذا أخبر عن البدل، قال: الذي قام زيد هو أخوك، فـ «هو» بدل من «زيد» وهو عائد على «الذي».
قال ابن عصفور (١): والصحيح في هذا المذهب الأخير أن تخبر عن الأول الذي هو مبدل منه فتقول: الذي قام هو أخوك زيد، وتقدر «هو» مطروحا كأنه ليس في الكلام ويحل محلّه «أخوك» بعد أن تقدر: أخوك هو؛ لئلّا يبقى «الذي» بلا عائد يعود عليه، فتكون المسألة جائزة؛ لكونها لم تخل من ضمير يعود على الموصول، وإن أخبرت عن الثاني الذي هو بدل لم يجز لخلوّ الجملة الأولى من ضمير يعود على الموصول، ألا ترى أنك لو قلت: الذي قام [٥/ ٢٢٨] زيد أخوك، بقيت جملة الصلة بلا عائد على الموصول، وذلك لا يجوز.
وفي «الغرة» (٢): «وأما البدل إذا أخبرت عنه في قولك: مررت بأخيك زيد، فإنك إذا أخبرت عن أخيك، ففيه قولان:
أحدهما: أن تؤخر البدل والمبدل منه إلى آخر الكلام، وتقول: الذي مررت به أخوك زيد.
والثاني: أن تؤخر الأخ وحده، وتجعل زيدا بدلا من ضميره، فتقول: الذي مررت به زيد أخوك، وإن أخبرت عن زيد فمن الناس من لا يجيزه لعدم العائد من الأول ومنهم من يجيزه فيقول: الذي مررت بأخيك به زيد، فإن أخبرت عن الأول باللام قلت على القول الأول: المارّ به أنا أخوك زيد، وعلى القول الثاني: المارّ به أنا زيد أخوك، وإن أخبرت عن زيد فالكلام فيه كالكلام في الأول» هذا كلام -
стр. 4530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صاحب «الغرة» وهو كلام مختصر واف بالمقصود.
وقد ختم الشيخ الكلام على هذا الباب بمسائل منثورة:
منها (١):
«إذا أخبرت عن «الياء» من: ضربي زيدا قائما قلت: الذي ضربه زيدا قائما أنا، وعن «زيد» قلت: الذي ضربته أو ضربي إيّاه قائما زيد، ولا يجوز أن تخبر عن ضربي ولا عن قائم» انتهى.
وعلة ذلك معلومة وهي أن ضمير المصدر لا يعمل والحال لا يكون معرفة.
ومنها:
«أن الموصولات كغيرها من الأسماء بالنسبة إلى الإخبار بها، فتقول في الإخبار بالذي من: ضربت الذي ضربته: الذي ضربته الذي ضربته».
ومنها:
«أن اسم الاستفهام مختلف في جواز الإخبار عنه: فمنهم من منع ذلك، وهو القياس - وقد عرفت أن المصنف من المانعين له وذلك لما يؤدي إليه من تأخير ما له الصدر - ومنهم من أجاز ذلك إلا أنه يلزم اسم الاستفهام الصدر فيقول في: أيّهم قائم: أيّهم الذي هو قائم، وفي: أيّهم ضربت: أيّهم الذي إيّاه ضربت - وقد عرفت أن ابن عصفور يجيز ذلك - قالوا (٢): وإذا أخبرت عن اسم من جملة الاستفهام صيرت اسم الاستفهام أولا مبتدأ ثم تأتي بالموصول، ثم بضمير مكانه من الجملة، ثم بضمير المخبر عنه خبرا عن الموصول فتقول في: أيّهم زيد: أيّهم الذي هو زيد، الضمير الثاني ضمير زيد خبر للأول، وزيد خبر الذي، والجملة خبر أيّهم، وتقول في الإخبار عن أخيك من قولهم: أيّ رجل كان أخاك: أيّهم الذي هو كأنه أخوك أو إيّاه كان أخوك، فاسم كان مضمر يعود إلى هو: وهو مضمر أيّ، فأيّ قيل: مبتدأ أول والذي مبتدأ ثان، وأخوك خبره، وهو ضمير أي ضمير أيّ راجع إليه المضمر الفاعل في كان، والذي وخبره خبر أيّهم. هكذا ذكروا.
وقد يقال: إذا قدّم اسم الاستفهام على «الذي» خرج ذلك عن أن يكون إخبارا -
стр. 4531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بـ «الذي» لأن الإخبار بـ «الذي» عبارة عن أن تجعل «الذي» نفسه مبتدأ وتخبر عنه، لكن ذكر الشيخ أنهم اختلفوا في
إعراب «أيّهم» إذا أخبر عنها فقيل: أيّهم الذي هو زيد، قال: فذهب ابن عصفور إلى أنه خبر مقدم، والموصول مبتدأ صلته: هو زيد، وذهب ابن الضائع إلى أنه مبتدأ، قال (١): والذي يقتضيه القياس ما قاله ابن عصفور، ألا ترى أنه لو كان اسما غير اسم الاستفهام لم يكن إلا خبرا، ويكون الموصول هو المبتدأ لا الخبر، لكن منع من تأخيره كونه صدرا، فقدّم لذلك، وبقي على حاله من كونه خبرا على أصل باب الإخبار» انتهى.
ولا شك أن الأمر كما قاله ابن عصفور، غير أن المقصود من باب «الإخبار» أن الموصول يؤتى به متقدما وأن يؤخر ما يقصد الإخبار عنه بالموصول، فإذا أتي بذلك الخبر مقدما كان فيه إحالة لصورة المسألة، والذي يظهر أن الإخبار عن اسم الاستفهام ممتنع كما قال المصنف.
ومنها (٢):
«أنه قد علم أن «الذي» في باب الإخبار أعم من أل؛ لأن «الذي» يخبر به عن اسم من جملة اسمية وجملة فعلية، وأل لا يخبر بها عن اسم إلا من جملة فعلية بالشروط المعروفة، لكن ذكر الأخفش موضعا يصلح لأل ولا يصلح للذي، قال:
تقول: مررت بالقائم أبواه لا القاعدين، ولو قلت: مررت بالذي قام أبواه لا الذي قعدا، لم يجز لخلوّ صلة الذي الثانية من عائد، وكذا مررت بالقائم أبواها لا القاعدين جاز، ولو قلت: مررت بالتي قعد أبواها لا التي قاما لم يصح، فإذا أخبرت عن زيد من قولك: قامت جاريتا زيد لا قعدتا، قلت: القائم جاريتاه لا القاعدتان زيد، ولو قلت: الذي قامت جاريتاه لا التي قعدتا زيد، لم يجز؛ لأنه لا ضمير يعود على الذي من الجملة المعطوفة.
قال الشيخ (٣): فعلى هذا قد صار لكل من الذي ومن أل عموم تصرف ودخول فيما لم يدخل فيه الآخر، لكن ما اختص به الذي أكثر، قال (٤): وقال ابن السراج -
стр. 4532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في مسألة: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين: إنه شاذ خارج عن القياس، وقد كان ينبغي أن لا يجوز، قال: ولكنه
حكي عن العرب وكثر في كلامهم حتّى صار قياسا فيما هو مثله؛ فلهذا لا يقاس عليه الفعل، وقال ابن الضائع: هذا شيء يحدث مع أل ولم يكن كلام قبل أل فيه اسم يجوز الإخبار عنه بأل، ولا يجوز بالذي، فلا يدخل هذا على من قال: إن كل ما يخبر عنه بأل يخبر عنه بالذي، ولكن إذا نظرت لما وقعت فيه أل ولا يقع في موضعها الذي كان كذلك» انتهى.
وهذا الذي قاله ابن الضائع هو الحق.
ومنها (١):
«أن الإخبار إذا كان عن اسم قد تنازع فيه عاملان، فيقال: إن اتفق العاملان في العمل نحو: ضربت وأهنت زيدا، فمذهب أبي الحسن أنك تقول: الذي ضربته وأهنته زيد، ويجوز حذف الضمير، وباللام: الضاربه أنا وأهنته زيد، وإن شئت كررت الموصول فقلت: والمهينه أنا، ولا بد إذ ذاك من ضمير ثان، وزعم [٥/ ٢٢٩] بعضهم أنه لا يجوز الإتيان بالضمير في الصلة الأولى، فيزول العامل عما كان قبل الإخبار، هذا مع طول الكلام إذ الجملتان كجملة واحدة، وقالوا: هذا فاسد لأن الحذف في الصلة لا يجوز إلا بعد الإضمار والحذف قبل الإخبار، وليس كذلك فاختلفا، وإن اختلف العاملان في العمل نحو: ضربت وضربني زيد فإذا أخبرت عن «زيد» ففيه مذاهب:
أحدها: مذهب الأخفش: وهو أن تدخل الموصول على الأول والثاني وتستوفي كل جملة عائدها، وتستوفي إحدى الجملتين خبرها، وتترك الأخرى لا خبر لها، فتقول في الذي - يعني في الإخبار بالذي -: الذي ضربته والذي ضربني زيد، وتقول في أل على إعمال الثاني: الضاربه أنا والضاربي زيد، والضمير في الجملة الأولى لأنه اسم فاعل جرى على غير من هو له، لأن الفعل لك والخبر عن زيد، وأل على هذا المذهب لزيد في الاسمين، وجاءوا بالضمير لأن الصلة لا تتم إلا بعائد على الموصول. -
стр. 4533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذهب الثاني: كالأول إلا أنه يحذف الضمير للطول، فتقول: الذي ضربت والذي ضربني زيد، والضارب أنا والضاربي زيد، وأل لزيد، وحذف الضمير من اسم الفاعل حملا على الفعل، والجملتان عندهم كجملة واحدة.
المذهب الثالث: أن تدخل الذي أو أل على الجملة الأولى، وتترك الثانية على حالها فتقول: الذي ضربت وضربني زيد، والضارب أنا وضربني زيد.
واتفقت هذه المذاهب الثلاثة على حذف الخبر من إحدى الجملتين، وتوفية الأخرى حقّها من المبتدأ والخبر.
المذهب الرابع: مذهب المازني، وهو أن تدخل الموصول على الأول والثاني وتأتي بكل جملة على انفرادها، وتوفّى حقّها من الخبر والضمير، وكل جملة منهما قائمة بنفسها فتقول: الذي ضربته زيد، والذي ضربني زيد، والضاربه أنا زيد والضاربي زيد، وردّ ابن السراج هذا، قال (١): لأنه قبل الإخبار جملتان كواحدة بدليل: ضربني وضربته زيد». انتهى.
ولم أتحقق قوله (٢): «واتفقت هذه المذاهب الثلاثة على حذف الخبر من إحدى الجملتين»؛ لأنه ليس في قولنا: الذي ضربت وضربني زيد، والضارب أنا وضربني زيد إلا مبتدأ واحد، وقد ذكر خبره وهو زيد، فلا شك أن «زيدا» خبر عن الموصولين المبتدأين المعطوف أحدهما على الآخر وكذا في قولنا: الضارب أنا والضاربي زيد، «زيد» خبر عن المبتدأين المعطوف أحدهما على الآخر، كما تقول: الذي أكل والذي شرب زيد، والآكل والشارب زيد، ثم إن قولنا:
الضارب أنا من هذا التركيب المذكور ليس جملة، وكذا الضاربي زيد أيضا، فكيف يقول: على حذف الخبر من إحدى الجملتين؟
ومنها (٣):
«إذا أخبرت عن التاء من: ضربت وضربني زيد - قلت على مذهب الأخفش:
الضارب والضاربه زيد أنا، وعلى مذهب المازني: الضارب أنا والضاربي زيد، -
стр. 4534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى مذهب الرّمانيّ: الضارب وضربه زيد أنا.
وإن أخبرت عن الياء قلت في مذهب المازني: الضارب أنا والضاربه زيد أنا.
وإذا أخبرت عن الضمير المستكن في ضربني من قولك: ضربني وضربت زيدا على مذهب الأخفش أو عن زيدا من: ضربت وضربني زيدا، فلا يجوز لامتناع وجود العائد من إحدى الجملتين».
ثم إن الشيخ أتبع ذلك (١) بذكر بعض مسائل من هذا النوع - أعني ما فيه تنازع - تتعلق باب «أعطيت» وباب «ظننت» لا يتحصل منها طائل، فأضربت عن إيرادها خشية الإطالة، على أن منى أحكم قواعد باب «الإخبار» لا يكاد يخفى عليه تقرير ذلك.
* * *
стр. 4535
الباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيث
[علامة التأنيث - حكم ما لم تظهر فيها العلامة]
قال ابن مالك: (وأصل الاسم التذكير فاستغنى عن علامة بخلاف التأنيث، وعلامته في الاسم المتمكّن تاء، ظاهرة أو مقدّرة، أو ألف مقصورة أو ممدودة مبدلة همزة ويعلم تأنيث ما لم تظهر العلامة فيه بتصغيره أو وصفه أو ضميره، أو الإشارة إليه أو عدده، أو جمعه على مثال يخصّ المؤنّث، أو يغلب فيه).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية (١): لما كان التذكير أصلا استغني عن علامة بخلاف التأنيث، فإنه فرع، فافتقر إلى علامة، وهي تاء، أو ألف مقصورة، أو ممدودة.
والتاء أظهر وأكثر دلالة؛ لأنها لا تلتبس بغيرها.
بخلاف الألف فإنها قد تلتبس بغيرها فتحتاج إلى تمييز لما يأتي ذكره.
ولمزية التاء في الدلالة جعلت ظاهرة كتمرة، ومقدرة ككتف، ويدل على التقدير:
الإضمار، بنحو: الكتف نهشتها (٢).
والإشارة، نحو: هذه كيف.
والتصغير، نحو: كتيفة.
واطراد الجمع في القلة على أفعل مع كونه رباعيّا كعقاب (٣) وأعقب، وذراع وأذرع، ويمين وأيمن.
وقلت: وباطراد:
احترازا من قول بعض العرب: غراب وأغرب مع كونه مذكرا، والمشهور أغربة ويعرف أيضا تأنيث العاري من علامة بحاله ونعته، وخبره نحو: هذه الكتف -
стр. 4536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مشوية، والكتف المشوية لذيذة، ويد زيد مبسوطة.
ويعرف - أيضا - تأنيث العاري من علامة بأن يجرد عدده من التاء باطراد كاشتريت ثلاث أدور، وسقيته أربع أكؤس.
وقلت باطراد احترازا من نحو ثلاث شخوص، وعشر أبطن (١). انتهى.
ويستفاد منه شرح ما ذكره في التسهيل، ثم إنه قيد ما الاسم التي تكون التاء فيه علامة التأنيث بكونه متمكنا تنبيها على أن الاسم [٥/ ٢٣٠] المبني إما يدل على تأنيث بغير التاء؛ كقولنا: أنت بفتح التاء للمذكر، وأنت بكسرها للمؤنث، وكقولنا: هم في جمع المذكر العاقل، وهنّ في جمع المؤنث، أو المذكر غير العاقل وفي شرح الشيخ (٢) إن بعضهم يرى أن التأنيث بالهاء، وأنها تبدل في الوصل تاء مستندا في هذه الدعوى إلى قول سيبويه في باب الترخيم (٣) وإنما كان الحذف للتاء، ولا شك أن مثل هذا لا ينبغي الالتفات إليه، ولا تصنيع الزمان في إيراده، وقد قال سيبويه في باب الوقف (٤) وفي حروف البدل، وأما الهاء فتكون بدلا من التاء التي يؤنث بها الاسم فوجب أن يصرف قوله: وإنما كان الحذف للتاء إلى التجوز، ومما ينبه أن المراد بتأنيث الاسم هنا تأنيث مسماه سواء كان في الاسم تاء أم لن يكن، كعائشة وقائمة وهند وشمس لا تأنيث اللفظ كطلحة وحمزة فعلى هذا يقال أن الاسم إما أن يكون فيه تاء تأنيث، وإما أن يكون لا علامة فيه للتأنيث، فالاسم الذي فيه تأنيث: إن كان مسماه مذكرا كان حكمه في الإخبار عنه، والوصف وغير ذلك حكم المذكر الذي ليس فيه تاء تأنيث، فإنما يحكم بتأنيث لفظه فقط لاشتماله على التاء، ومن ثم يمتنع صرفه إذا كان علما، ومن أجل أنه محكوم بتذكيره عدّ من الشواذ قول القائل:
٤١٨٨ - أبوك خليفة ولدته أخرى ... ..... (٥)
-
стр. 4537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقول الآخر: وغيره الفلحا، وإن كان مسماه مؤنثا كان حكمه فيما ذكر حكم المؤنث؛ فإن عومل معاملة مذكر كان ضرورة، وهذا فيما يمتاز فيه المذكر من المؤنث، وأما إذا لم يمتز أحدهما من الآخر فإنه يكون محكوما له بحكم المؤنث، فيعامل معاملته ولو كان المدلول مذكرا إذ لا فرق في مثل ذلك بين المذكر والمؤنث، وذلك نحو: نملة وقطّة وهذا إذا كان الاسم الذي فيه التاء يوصف بالتذكير حقيقة وبالتأنيث حقيقة.
فإن كان الاسم المذكور ليس مذكرا حقيقة ولا مؤنثا حقيقة، فهو مؤنث على كل حال نحو: خشبة وآخرة ثم إن الشيخ لما نقل أن نحو نملة يحكم بتأنيثه سواء كان المدلول مذكرا أم مؤنثا، قال (١): ومن ثم وهم من سئل عن نملة سليمان ﷺ أكان ذكرا أم أنثى فقال: كانت أنثى بدليل قوله تعالى: قالَتْ نَمْلَةٌ (٢) قال:
فلم يعلم أن قاعدة اللسان العربي أنه إذا لم يميز المذكر من المؤنث مما فيه تاء تأنيث أنه يعامل معاملة المؤنث سواء أكان المدلول مذكرا أم مؤنثا قال: وقد استحسن هذا الجواب ضعفة أهل العربية مثل: الزمخشري وغيره وأوردوا ذلك من محاسن المجيب جهلا منهم بلسان العرب انتهى. ولا شك في أن الشيخ قدره كبير، ورتبته في الفنّ سامية، ولكن يقبح أن يجعل الزمخشري من ضعفة أهل العربية، وهو الإمام المشهود له بالتبريز في الفنون عموما، وفي فنّ العربية خصوصا، ويكفي في الشهادة له بذلك أن الأئمة ما زالوا يقرءون كتابه الذي هو المفصل للزمخشري ويعتنون به، ويتصدى لشرحه كل مشهود له بالإمامة كالأندلسي، وابن يعيش وابن عمرون وابن الحاجب، وقد وجه المصنف أعني جمال الدين بن مالك عنايته إلى الكتاب المذكور أيضا فنظمه ثم فك ذلك النظم ولا شك أنّ رتبة الزمخشري في علم اللسان العربي لا تخفى، وكان الشيخ -رحمه الله تعالى- لا يعد المشارقة نحاة، وبهذا ما كان ينظر إلى المفصل ولا إلى الإيضاح الذي للفارسي وكان يصرّح برفقتهما وينهى عن الاشتغال بهما، وإنما كان مقبلا على كتب المغاربة، ولا شك أن المغاربة لهم الباع -
стр. 4538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المديد في النقول، والتقسيم، والتفريع. ولكن المشارقة عندهم زيادة نظر وتدقيق وتحقيق وفي كل خير فرض الله تعالى عنهم أجمعين بمنّه وكرمه.
وأما الاسم الذي لا علامة فيه للتأنيث، فإما أن يكون حقيقي التذكير، أو حقيقي التأنيث، أو غير ذلك إن كان غير ذلك، فالأصل فيه التذكير، نحو:
عود، وحائط ولا يؤنث شيء منه إلّا سماعا، نحو: قدر وشمس، وإما أن يكون حقيقي التذكير والتأنيث فإما أن يمتاز فيه المذكر من المؤنث أو لا يمتاز إن امتاز، فظاهر أن المذكر يعامل بحكم التذكير كزيد، والمؤنث يعامل بحكم التأنيث كهند والذي لم يمتز فيه المذكر من المؤنث فإن حكم الاسم فيه التذكير ولو أريد به المؤنث نحو: برغوث.
وليعلم أن قول المصنف في التسهيل: ممدودة مبدلة همزة يفهم منه أن الدال على التأنيث في المدود إنما هو ألف واحدة [وعلى ذلك فيجب أن يكون الدال على التأنيث] في نحو صحراء ألف واحدة، كما أن الدال عليه في نحو: سكرى، وحبلى كذلك ولكن الألف لما حصل قبلها ألف أخرى وجب إبدالها همزة، ولا يظنّ أن الدال على التأنيث في نحو: صحراء إنما هو مجموع الألفين؛ لأن الأمر لو كان كذلك؛ لكان الألفان للتأنيث والأمر ليس كذلك؛ لأن الأئمة قالوا:
علامة التأنيث تاء، أو ألف مقصورة، أو ممدودة، فالدال على التأنيث في نحو:
صحراء إنما هو الألف الآخرة، ولكن زيد قبلها ألف ليحصل التمييز بين نحو:
سكري، وحبلى، وصحراء، وحمراء وقد نقل عن الأخفش أن الألف والهمزة معا للتأنيث فما أدري هل يدعي مع ذلك أن الهمزة أصل بنفسها، أو أن الأصل هو الألف والهمزة بدل منه؟ وردّ قول الأخفش بأنه لا يوجد في كلامهم ما علامة التأنيث فيه حرفان.
ومذهب الكوفيين أن الهمزة نفسها هي علامة التأنيث، وأبطل [٥/ ٢٣١] المصنف قولهم بأن العرب قالوا في جمع صحراء صحار كما قالوا: في حبلى حبال، قال: فلو كانت الهمزة غير مبدلة لسلمت.
وقد ذكرت المغاربة عن الكوفيين أنهم زادوا في علامات التأنيث التاء في -
стр. 4539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخت، وبنت (١) والألف والتاء في المسلمات ونحوه، والنون الثانية في هنّ؛ قالوا: ودخلت النون الأولى؛ لأن نون التأنيث لا يكون ما قبلها إلّا ساكنا، وكذا أيضا زادوا الكسرة في أنت، والياء في هذي. ولا يخفى أن مثل هذا لا ينبغي التشاغل به، ولا التعريج عليه؛ إذ لا يخفى أن التاء في أخت، وبنت، ومسلمات تاء التأنيث، وأن هنّ بكمالها هي الموضوعة للتأنيث لا النون، وكذا القول في أنت وهذي.
ثم قد عرفت قول المصنف في متن الكتاب أو جمعه على مثال يخص المؤنث أو يغلب فيه وعرفت مما ذكره في شرح الكافية أن المؤنث الرباعي بمدة ثالثة يطرد جمعه على «أفعل» كعقاب وأعقب، ويمين وأيمن. وإنه احترز بالاطراد من قول بعض العرب عزاب وأعزب مع كونه مذكرا فجعل الشيخ ذلك مثالا لقوله أو يغلب فيه قال (٢): ومثال جمعه على مثال يحض المؤنث قولهم: هندات قال: فهذا جمع يحض المؤنث؛ لأنه لا يجمع هذا الجمع إلا ما كان مفرده مؤنثا بعلامة، ولا مذكرا مصغّرا ولا وصفا لجمع لا يعقل بانفراد ذاك على مفرده بأنه مؤنث والهندات ليس مفرده مؤنثا بعلامة ولا مذكرا مصغرا ولا وصفا لا يعقل فيعلم آنذاك أن مفرده مؤنث انتهى.
ولقد أبعد الشيخ المرمى والذي خبر أن مراد المصنف بقوله يخص المؤنث أو يغلب فيه شيء واحد وهو الذي مثل به في شرح الكافية فإن صيغة «أفعل» تخص المؤنث، وإن لم تخصه لورود أعزب جمع عزاب؛ فإنها تغلب فيه فهي تخصه على لغة من يقول في عزاب أعزب، وغالبه على لغة من يقول فيه أعزب، ثم إن الشيخ كأنه يستدرك على المصنف قال (٣) أو نقص المصنف مما يعلم به تأنيث مما لا علامة فيه إلحاق تاء التأنيث لفعله، نحو: انكسرت القدر وتنكسر القدر. وهذا عجب من الشيخ، فإن لحاق التاء الفعل إنما هو تبع لتأنيث الفاعل فإذا تحقق التأنيث ألحقت التاء ومقتضى ما قاله الشيخ أننا نستدل بلحاق التاء على تأنيث فاعل ذلك -
стр. 4540
[مواضع تاء التأنيث]
قال ابن مالك: (وأكثر مجيء التّاء لفصل أوصاف المؤنّث من أوصاف المذكّر، والآحاد المخلوقة من أجناسها، وربما فصلت الأسماء الجامدة والآحاد المصنوعة وربّما لحقت الجنس وفارقت الواحد، وربّما لازمت صفات
مشتركة أو خاصّة بالمذكر لتأنيث ما وصف بها في الأصل أو تنبيها على أن المؤنّث أولى بها من المذكر وتجيء أيضا لتأكيد التّأنيث، أو الجمع، أو الواحدة أو لبيان النّسب، أو التّعريف أو المبالغة، أو عوضا عن محذوف لازم الحذف أو معاقب).
ــ
الفعل وليس الأمر كذلك.
قال ناظر الجيش: اعلم أنني أورد أولا كلام المصنف في شرح الكافية ثم أعود إلى لفظ الكتاب قال رحمه الله تعالى (١): الأكثر في التاء أن يجاء بها لتمييز المؤنث من المذكر في الصفات كمسلم، ومسلمة، وضخم، وضخمة، ومجيئها في الأسماء غير الصفات قليل كامرئ، وامرأة، وإنسان، وإنسانة، ورجل، ورجلة، وغلام، وغلامة. ويكثر مجيئها لتمييز الواحد من الجنس الذي لا يصنعه مخلوق، كتمر وتمرة، ونمر ونمرة، ونمل ونملة، ونخل ونخلة، وشجر وشجرة، ويقل مجيئها لتمييز الجنس من الواحد ككمأة كبيرة، وكمء واحد، وكذلك يقل مجيئها لتمييز الواحد من الجنس الذي يصنعه المخلوق نحو: جرّ وجرّة، ولبن ولبنة، وقلنس، وقلنسوة، وسفين وسفينة وقد تكون التاء لازمة فيما يشترك فيه المذكر والمؤنث كربعة وهو المعتدل والمعتّدلة من الرجال والنساء وقد يلازم ما يخص المذكر كرجل لم يجيء وهو الشجاع، وقد يجيء في لفظ مخصوص بالمؤنث لتأكيد تأنيثه كنفحة وناقه، وقد يجيء للمخالفة كرجل راوية ونسابة، وقد يجاء بها معاقبة لتاء مفاعيل، كزنادقة وجحاجحة، فإذا جيء بالياء لم يجأ بالهاء بل يقال زناديق وجحاجيح، فالياء والهاء متعاقبان في هذا النوع (٢) وقد يجاء بها دالة على النسب؛ كقولهم أشعثيّ، وأشاعثة، وأزرقي وأزارقة، ومهلّبيّ ومهالبة، وقد يجاء بها دالة على -
стр. 4541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعريب الأسماء الأعجمية، نحو: كيلجة، وكيالجة ومذرج، وموازجة والكيلجة مقدارا من الكيل معروف والموزح: الخف وقد يجاء بها عوضا من فاء، نحو:
عدة، أو من عين، نحو: إقامة، وقد عوضت من مدة «تفعيل» في تزكية، وعوضت أيضا من اللام في لغة وقلة ونحوهما (١) انتهى. فقوله في بالتسهيل لفصل أوصاف المؤنث قد مثل له بمسلم، ومسلمة، وضخم، وضخمة،
ومثله حسن وحسنة وصفيّ، وصفيّة، وقوله: أو الآحاد المخلوقة من أجناسها قد مثل له (٢) بتمرة، وتمر، ومثله درة ودر، وبقرة وبقر، وأجاز الكوفيون أن يكون لفظ الجنس من هنا للمفرد المذكر، فيقولون بقر للواحد المذكر وحكوا من كلام العرب رأيت حماما على حمامة، وحكى الفراء رأيت نعاما أقرع ورأيت حماما ذكرا، ورأيت جرادا على جرادة، أي رأيت ذكرا على أنثى وقال الكسائي: سمعت كل هذا النوع يطرح من ذكره الهاء إلا في حية؛ فإنهم يقولون حية للمذكر والمؤنث، فيقولون:
رأيت حية على حية، فلا يطرحون [٥/ ٢٣٢] الهاء من ذكره. قال: وسبب ذلك أنهم لم يجمعوه بحذف التاء؛ لئلا يلتبس بالحي الذي هو ضدّ الميت، فلما لم يجمعوه ولم يكن للمذكر ما يقع عليه أشار إلى ذلك ابن عصفور في شرح الجمل (٣) ثم قال:
وهذا الذي ذكره الكوفيون شاذ عند البصريين؛ لأنه لم يكثر، وعلى هذا فالمؤنث منه والمذكر بالتاء نحو: حمامة وعقربة ولم يكن بغير التاء؛ لئلا يلتبس بالجمع (٤).
وقوله: وربما فصلت الأسماء الجامدة قد مثل له بقوله: امرئ وامرأة وإنسان وإنسانة، ورجل ورجلة وغلام وغلامة، ومثله حمار وحمارة، وأسد وأسدة وبرذون وبرذونة ولا يقاس على ذلك، ومن الشواهد على ما ذكر قول القائل:
٤١٨٩ - كلّ حيّ ظلّ مغتبطا ... غير جيراني بني جبلة
هتكوا جيب فتاتهم ... لم يبالوا حرمة الرّجلة (٥)
-
стр. 4542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله الآخر: -
٤١٩٠ - إنسانة فتّانة ... بدر الدّجى منها خجل (١)
وقوله: والأحاد المصنوعة قد مثل له بقوله: جرّ وجرة إلى آخره ومنه غمام وغمامة.
وقوله: وربما لحقت الجنس وفارقت الواحد، وربما لازمت صفات مشتركة قد مثل له بربعة. قال ابن عصفور: والتاء في الصفات المشتركة تكون للمبالغة ولغير المبالغة فالتاء في نحو قوله: رجل ربعة، وامرأة ربعة، كأنهم أرادوا به في المذكر نفسا ربعة (٢) والأول نحو: رجل علّامة، وامرأة علّامة، وكذلك مطرابه وقروقه وملولة، من الصفات المشتركة قال: وإنما أتت في المذكر؛ لأنهم أرادوا أنه غاية في ذلك الوصف يعني صفة المدح، وصفة الذم والغاية مؤنثة.
وقوله أو خاصة بالمذكر قد مثل له بقوله رجل بهمة وهو الشجاع.
وأشار بقوله لتأنيث ما وصف بها في الأصل إلى أن الأصل ذلك نفس بهمة، أي: ذات شجاعة فهو وصف لما هو مؤنث في الأصل.
وأشار بقوله: أو تنبيها على أن المؤنث أولى بها من المذكر إلى أن الهاء ربما لازمت المذكر فلم تفارقه تنبيها على أن المؤنث أولى بها من المذكر، وذلك شاة؛ لأن لفظها المؤنث أولى به من المذكر، وذلك من أجل التاء، فإذا كانوا قد ألزموا المذكر التاء؛ فلأن يلزموها المؤنث أحرى وأولى، هكذا قال الشيخ (٣) وربما يكون مراد المصنف غير ذلك، وقوله: ويجيء أيضا لتأكيد التأنيث قد مثل له بقوله:
نعجة وناقة، والمراد أن المؤنث انفرد باسم غير اسم المذكر، فكان ذلك يغني عن تاء التأنيث؛ لحصول الفرق بينهما، كما أغنى في جدى وعناق (٤) إذ جدى لمكر، وعناق للمؤنث، فكان يكفي أن يقال ناق ونعج، لكنهم زادوا التاء لتأكيد ما دلا عليه من التأنيث والأصل في الأسماء المختصة بالتأنيث أن لا يدخلها التاء، نحو: -
стр. 4543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عجوز، وعناق، وشيخ، وحمار، وأثان وبكر وقلوص (١).
قيل: إن التاء في ناقة، ونعجة لتأكيد الفرق؛ لأن المقابل لهما جمل وتيس وقوله: أو الجمع أي لتأكيد الجمع؛ مثاله حجارة وفحوله فالحجارة والفحولة (٢) مؤنث وإن لم يدخل فيهم التاء، قالوا: وما دخلت التاء فيه لتأكيد تأنيث الجمع قسمان: ما التاء فية مطردة نحو أرغفة، وما هي فيه غير مطردة، كحجارة وفحولة وفيه نظر؛ لأن أرغفة لا يقال فيه؛ لأن صيغة الجمع أفعلة لا أفعل، وأما الحجارة والفحولة فإن صيغة الجمع فيهما فعال وفعول وكل منهما صيغة مستقلة، وقد يقال حجار، وفحول بغير تاء، فمن قيل بأن التاء فيهما لتأكيد الجمع، وكان المراد بتأكيد الجمع تأكيد تأنيث الجمع، وقوله: أو الواحدة أي لتأكيد الواحدة قد مثل له الشيخ، بنحو: ظلمة وغرفة ومدينة ولم يتجه لي ذلك قال (٣): وعبر بعضهم عن هذا المعنى بتأنيث اللفظ؛ لأنه ليس تحته تأنيث معنى كامرأة، وقائمة، ولكنه للدلالة على أن هذا اللفظ عندهم موضوع موضع المؤنث في الإخبار والإشارة والإضمار، وغير ذلك من أحكام التأنيث، وقوله: أو لبيان النسب قد مثل له بقوله أشعثي وأشاعثة، وأزرقي، وأزارقة، ومهلّبي، ومهالبة. والمراد بالأشاعثة الأشخاص المنسوبون إلى الأشعث ابن قيس، وبالمهالبة الأشخاص المنسوبون إلى المهلّب بن أبي صفرة، ولو قيل: المهالب؛ لكان جمعا لكل من اسمه مهلّب، فإنما أدخلوا التاء فيه دلالة على أنه جمع لاسم منسوب لا جمع لاسم غير منسوب، وقوله أو التعريف قد مثل له بقوله كيالجة وموازجة.
ومنهم من يعبر عن هذه التاء بأنها للعجمة، قال الشيخ (٤): ولا بعد من المعنيين؛ لأن التعريب لا يكون إلا عن عجمة ومن جعلها للعجمة قصد أن الاسم أصله من لسان العجم فعرب.
وقوله أو المبالغة مثاله علامة، ونسابة، وقد تقدم ذكر ذلك عند الكلام على قول المصنف، وربما لازمت صفات مشتركة. -
стр. 4544
[من أحكام تاء التأنيث]
قال ابن مالك: (وتقدّر منفصلة ما لم يلزم بتقدير حذفها عدم النظير، والجنس المميّز واحده بها يؤنثه الحجازيّون ويذكّره التّميميّون والنجديّون).
ــ
وقوله: أو عوضا من محذوف لازم الحذف قد مثل له بقوله عدة وإقامة ولغة مما حذفت فاؤه، أو عينه أو لامه (١)، ومثل له بقوله تزكية أيضا مما حذفت منه مدة تفعيل، ومثل عدة، لدة، وهو المماثل للشخص يطلق على الذكر وعلى الأنثى، ومثل لغة قلة، وثبة. وقوله: أو معاقب، قد مثل له بقوله زنادقة، وجحاجحة، ومثله فرارنة وتدخل تحت قوله: أو معاقب التاء في [٥/ ٢٣٣] أنت وأنت في النداء فإنها معاقبة لياء المتكلم، وليعلم أن ابن عصفور ذكر أن التاء قد تأتي دالة على النسب والعجمة، نحو البرابرة (٢) فذكر الشيخ ذلك، ليستدرك به على المصنف (٣) وهو عجب؛ فإن المصنف قد ذكر أنها تأتي للدلالة على النسب، وللدلالة على التعريب الذي تعبر عنه المغاربة بالعجمة، ولم يقل: أن دلالتها على ذلك مفيدة بانفراد حتى يقال إنهما إذا اجتمعا لا تدخل المسألة تحت كلامه، ثم إن الشيخ استدرك مسألة أخرى، وهي أن التاء تأتي فارقة بين الواحد والجمع في الصفات، قال: فمن ذلك قولهم: بقّال وبقّالة، وحمار وحمارة، وجمال وجمالة، ووادد وواددة، وشارب وشاربة، وسائل وسائلة، ومنه البصرية، والكوفية، والزبيرية، والمروانية، والمسوّدة والمبيضة الواحد بصري، وكوفي، وزبيري، ومرواني، ومسوّد، ومبيّض، قال:
ومن ذلك الركوبة، قال الله - تعالى -: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ (٤) وقرئ: ركوبهم (٥).
قال: وأما حلوبة فللواحد، وحلوب للجمع، فيكون من باب تمرة وتمر.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المصنف لما ذكر في باب ما ينصرف وما لا ينصرف من شرح الكافية ألف التأنيث، وأنها قائمة في منع الصرف مقام السببين، قال (٦):
وإنما كانت كذلك؛ لأن لحاقها شبيه بلحاق الحروف الأصلية مزجا ولزوما بخلاف -
стр. 4545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التاء فإنها في الغالب طارئة زايلة مقدرة الانفصال ولذلك لا يعتد بها في نسب ولا تكسير، ولا تصغير كما اعتدّ بألف التأنيث، قال: وإنما قلت في الغالب؛ لأن من المؤنث بالتاء، ما لا ينفك عنها استعمالا، ولو قدر انفكاكه؛ لوجد له نظير كهمزة، فإن التاء ملازمة له استعمالا، ولو قدر انفكاكه عنها؛ لكان همزا كحطم لكن حطم مستعمل وهمز غير مستعمل، ومن المؤنث بالتاء ما لا ينفك عنها استعمالا ولو ندر انفكاكه عنها لم يوجد له نظير كحذرية وعرقوة، فلو قدر سقوط تاء حذرية وتاء عرقوة لزم وجدان ما لا نظير له؛ إذ ليس في كلام العرب اسم على «فعلى» ولا فعلو إلا أن وجود التاء هكذا قليل، فلا اعتداد به انتهى (١).
فقوله في التسهيل: ما لم يلزم بتقدير حذفها عدم النظير يشير به إلى كحذرية وعرقوة وما شاكلهما، ولا يخفى أن ثمّة التّاء منفصلة إنما هو بالنسبة إلى ما يقتضيه قواعد التصريف أما بالنسبة إلى ما يقتضيه التركيب الإعرابي فإنها تعد متصلة بدليل أنها حرف إعراب الكلمة التي هي فيها؛ لأنها جزء كلمة حقيقة، وإنما تعد متصلة لأمر يوجب لها ذلك، وأما تأنيث الجنس المميز واحده بها وتذكيره، فقد ورد في الكتاب العزيز قال الله - تعالى -: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٢) وقال - تعالى -:
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٣) وقال - تعالى -: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا (٤) وقال - تعالى -: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ (٥) وقال - تعالى -: مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٦) فاشتملت الآية الشريفة على التأنيث والتذكير، وقال - تعالى -: يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ (٧) وقال - تعالى -:
وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (٨) والإتيان بالتاء في مفرد هذا الجنس واجب، ولو كان مسماه مذكرا، ومن ثم قال يونس: إذا أرادوا ذلك قالوا حمامة ذكر، وبطة ذكر، وشاة ذكر إذ لم يؤت بالتاء لالتبس (٩) الواحد بالجمع.
واعلم أن الشيخ يعقب كلام المصنف من وجهين: أحدهما: أنه أطلق التذكير -
стр. 4546
[حكم الصفات المختصة بالإناث]
قال ابن مالك: (الغالب في الصفات المختصّة بالإناث ان لم يقصد بها معنى الفعل ألا تلحقها التاء لتأديتها معنى النّسب أو لتذكير ما وصف بها في الأصل أو لأمن اللّبس، وربّما جاءت كذلك صفات مشتركة).
ــ
والتأنيث في اسم الجنس قال، وهذا الحكم ليس في كل جنس مميز واحده بها ألا ترى أن المصادر أسماء أجناس، ويقع التمييز في كثير منها بين المفرد، واسم الجنس بالهاء، نحو ضرب، وضربة، وقتل وقتلة، وإتيان وإتيانة، والعرب تذكر مثل ضرب وقتل وإتيان ونحوها، ولا يحفظ عن أحد منهم تأنيث ذلك. ثانيهما:
أنه قد نقل أن بعض أسماء الأجناس جاء مؤنثا لا غير، وذلك نحو البط والنمل، وأن بعضها جاء مذكرا لا غير، وذلك نحو: القمح والعنب فكان ينبغي للمصنف أن ينبه على ذلك هذا كلامه رحمه الله تعالى.
وأقول: أما التعقيب الأول فالجواب عنه أن كلام المصنف إنما هو في اسم الجنس الذي له آحاد مخلوقة؛ لأنه قد تقدم قوله أولا وأكثر مجيء التاء لفصل أوصاف المؤنث من أوصاف المذكر والآحاد المخلوقة من أجناسها، فوجب أن تكون اللام في قوله هنا والجنس المميز بواحده بالتاء لام العهد، وإذا كان كذلك فكلامه الآن مصروف إلى الجنس الذي آحاده مخلوقة لا إلى جنس، ولا شك في ظهور هذا. وأما التعقيب الثاني: فالجواب عنه أن المصنف إنما يذكر الحكم العام الشامل بجميع أسماء الأجناس وهو التذكير والتأنيث، ولا يلزمه التعرض إلى كلمات قليلة لم تبلغ أدنى العدّ والتزم في كلمتين منها التأنيث وفي كلمتين منها التذكير فيستثنيها إذ ذاك فهذا من وظيفة اللغوي لا من وظيفة النحوي هذا إن ثبت التزام أحد الأمرين أعني التذكير أو التأنيث في الكلمات المذكورة. ونقل الشيخ عن بعضهم: أنه قال وما علمنا أحدا يؤنث الرمان، ولا الموز، ولا العنب [٥/ ٢٣٤]، وذكر أن الحمام واليمام والجراد يذكر لا غير (١).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية: الصفات المختصة بالإناث مستغنية عن التاء نحو: حائض وطامث ومرضع ومطفل؛ لأن مجرد لفظها مشعر -
стр. 4547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالتأنيث إشعارا بالاحتمال فيه، فإن قصد معنى الفعل جيء بالتاء، فقيل: هذه مرضعة ولدها غدا أو الآن.
فلو لم يقصد إلا أنها ذات أهلية للإرضاع دون تعرض للفعل؛ لقيل مرضع، وكذا الموصوفة بالحيض إن قصد أنها ذات حيض، قيل: هي حائض، وإن قصد أنها تحيض الآن أو غدا قيل: هي حائضة غدا أو الآن، وقد يكون الوصف واقعا على المذكر والمؤنث ولا تلحقه التاء عند قصد التأنيث فمن ذلك قولهم: رجل عانس وامرأة عانس وجمل ضامر، وناقة ضامر انتهى (١) ومن الصفات المختصة بالمؤنث طالق وفارق وعاطل وكاعب وحاد وناهد ووالد للكثيرة الولد وشاة لبون للولادة، وشاقة شاوق وماخص وشايل وفاطم ووالد إذا اشتد وجدها، وشاة داجن وداجن مستأنسة وريح عاصف، وواضع للتي تضع همّا وغمّا وطاهر وقاعد وحامل وعاند وعاند وحابل والأمر فيها جميعها كما قال المصنف إن قصد بها أنها فعلت أو تفعل أتيت بالتاء في الغالب قال الله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ (٢) ومن ذلك قول الشاعر:
٤١٩١ - كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها ذاك الضلال عن القصد (٣)
وقول لآخر:
٤١٩٢ - أيا جارتي بيني فإنّك طالقه ... كذاك أمور الناس غاد وطارقه (٤)
وقول الآخر:
٤١٩٣ - تمخضت المنون له بيوم ... أني ولكل حاملة تمام (٥)
ثم إن المصنف علل عدم لحاق التاء في هذه الأوصاف بثلاثة أمور؛ أحدها: - كونها تؤدي معنى النسب نحو: طالق أي ذات طلاق، وحائض أي ذات حيض، -
стр. 4548
[الصفات التي لا تلحقها التاء]
قال ابن مالك: (فصل: لا تلحق التّاء غالبا صفة مفعال أو مفعل أو مفعل أو مفعيل أو فعول بمعنى فاعل أو فعيل بمعنى مفعول إلّا أن يحذف موصوف فعيل فتلحقه، ولشبهه بفعيل بمعنى فاعل قد يحمل أحدهما على الآخر في اللّحاق وعدمه، وربّما حمل على فعيل في عدم اللّحاق فعال وفيعل).
ــ
قال الشيخ: وهذا التعليل أظنه وقول الخليل. ثانيها: كونها وصف بها في الأصل مذكر كأنه قيل شخص طالق أو شخص حائض، قال الشيخ: وهذا التعليل أظنه قول سيبويه. ثالثها: أمن اللبس؛ لأن التاء الأصل فيها إذا دخلت في الصفات أن تكون فارقة بين وصف المذكر والمؤنث، وهذه أوصاف مختصة بالمؤنث، فلا يحتاج فيها إلى فرق لعدم وجوده في المذكر، فلما أمن اللبس لم تلحق.
قال الشيخ: والتعليل بأمن اللبس هو قول الكوفيين ثم إنك قد عرفت أن المصنف مثل للصفات المشتركة بين المذكر والمؤنث بقوله: رجل عانس، وامرأة عانس، وجمل ضامر، وناقة ضامر، ومن ذلك أيضا جنب، وعزب، يقال: رجل جنب.
وامرأة جنب ورجل عزب وامرأة عزب، ومنه أيضا بازل، وعقيم، وعاقر، وعاشق وكلمات أخرى، ذكرها الشيخ في شرحه (١).
قال ناظر الجيش: الكلمات التي ذكر أن التاء لا تلحقها خمس، وهي مفعال ومفعل ومفعيل ومفعول بمعنى فاعل وفعيل، وذكر في الكافية والألفية كلمة أخرى وهي مفعل لكنه لم يذكر فيها صيغة مفعل فتكون الكلمات على ما ذكر هنا، وأنا أورد كلامه في شرح الكافية أولا ثم أرجع إلى ما في الكتاب، قال رحمه الله تعالى (٢) من أمثلة الصفات ما لا تلحقه علامة التأنيث الفاصلة بين المؤنث والمذكر، وذلك ما كان على زنة فعول مقصودا به المبالغة في فاعل، وكذا ما كان على مفعال أو مفعيل أو مفعل، فيقال: رجل صبور وامرأة صبور، ورجل مهذار وامرأة مهذار، -
стр. 4549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورجل معطير وامرأة معطير، ورجل مغشم وامرأة مغشم، فلا تلحق التاء الفارقة شيئا من هذه الأمثلة إلا على سبيل الندور، فمن النادر قولهم عدوة ورجل ميقان وامرأة ميقانة، وهما الموقنان بكل ما سمعا، ومسكينة. ومن العرب من يقول: امرأة مسكين على القياس، حكاه سيبويه (١) فإن كانت للمبالغة لا للفرق لحقت المذكر والمؤنث، نحو: رجل ملولة وامرأة ملولة، وقد يؤنث بالتاء فعول بمعنى مفعول، وهو قليل كركوبة ورغوثة بمعنى مركوبة ومرغوثة أي موضوعة (٢) فإن كانت الصفة على فعيل بمعنى مفعول لم تلحقه التاء إلا إذا جرد عن الوصفية، نحو: ذبيحة ونطيحة فإن قصدت الوصفية، وعلم الموصوف جرد من التاء نحو: رجل قتيل وامرأة قتيل وعين كحيل وكف خضيب وقد يشبه فعيل الذي بمعنى فاعل بهذا ويشبه هذا به فيعطي كل منهما حكم الآخر. فمن حمل الذي بمعنى فاعل على الذي بمعنى مفعول، قول الله - تعالى -: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣) وقوله تعالى: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٤) ومن حمل الذي [٥/ ٢٣٥] بمعنى مفعول على الذي بمعنى فاعل قول العرب: خصلة حميدة وصفة ذميمة بمعنى محمودة ومذمومة أجروهما مجرى جميلة وقبيحة انتهى. وفهم من قوله فمن النادر عدوه وسقاية ومسكينة أن هذا هو الذي احترز عنه بقوله هنا غالبا بعد قوله لا تلحق التاء صفة على كذا وكذا؛ لأن هذا اللحاق لهذه الكلم الثلاث ليس هو الغالب، ومثال مفعل قول العرب امرأة مذكر (٥) ومحمق ومغزل ومطفل ومعصر للتي أدركت ومسلف للتي بلغته خمسا وأربعين ومتيم ومعقل ومقذف، ومن أمثلة الصفة الجائية على مفعال: معطار ومذكار (٦) ومقلات ومن أمثلة الجائية على مفعيل محضير وميسير ومكثير ومعليم، ومن أمثلة الجائية على فعول شكور وضروب وقتول وغيور وجهول وضحوك وظلوم ودلو وودود وعروس وكلها معدولة عن فاعل. واحترز بقوله بمعنى فاعل عن أن تكون بمعنى مفعول فإن -
стр. 4550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التاء تلحقه نحو: أكولة بمعنى مأكولة وركوبة. قال الشيخ: وفي قول المصنف بمعنى فاعل تجوز؛ لأنه إذ ذاك يدل على المبالغة، فليس بمعنى فاعل حقيقة؛ لأن فاعلا لا دلالة فيه على المبالغة انتهى (١). والجواب أن المراد بقوله بمعنى فاعل أن مدلول الصفة فاعل لذلك الفعل لا مفعول له لا أن مدلول فعول هو مدلول فاعل، ومن أمثلة الجائية على «فعيل» بمعنى مفعول جريح، ودهين، وقتيل واحترز المصنف بقوله: بمعنى مفعول من نحو: مريض، وشريف، وظريف؛ إذ يقال فيه للمؤنث مريضة وشريفة وظريفة، وقد ذكروا من هذا النوع كلمات لم تدخلها التاء وهي:
ملحفة جديد وملاة قشيب وشاة سديس وريح خريق وكتيبة خصيف (٢) وهي السواد من السلاح فحذف التاء مما ذكر على غير قياس، لأنها ليست بمعنى مفعول قالوا: وأما قريب وبعيد، فتكون للمذكر والمؤنث، وأما قوله تعالى: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٣) [ففيه وجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعن مفعول أي مبغيّا بها، والثاني أن تكون فعيلا بمعنى فاعل ثم أعلى] (٤) ونبه المصنف بقوله إلا أن يحذف موصوف فعيل فتلحقه على أنه يقال مررت بقبيلة بني فلان، ورأيت قبيلة؛ إذ لو لم يأت بالتاء لحصل لبس المؤنث بالمذكر، ومراد المصنف بقوله إلا أن يحذف موصوف فعيل أن الموصوف إذا لم يعلم كان الحكم كذلك، ولهذا قال في شرح الكافية (٥):
فإن قصدت الوصفية، وقد علم الموصوف، وعلى هذا لو قلت: رأيت قتيلا من النساء دون أن تأتي فيه بالتاء، جاز وأما قول المصنف ولشبهه بفعيل بمعنى فاعل قد يحمل أحدهما على الآخر في اللحاق وعدمه فقد تقدم بيانه بما نقلناه عنه من شرح الكافية، وقوله: ربما حمل على فعيل في عدم إلحاق فعال، وفيعل، أما فعال، فأشار به إلى قولهم: هدية هذام ومدية جراز (٦) حكاهما سيبويه (٧) وقال: جعلوا -
стр. 4551
[حكم فعيل بمعنى مفعول - تذكير المؤنث وعكسه]
قال ابن مالك: (وصوغ فعيل بمعنى مفعول مع كثرته غير مقيس ويجيء أيضا بمعنى مفعل ومفعل قليلا وبمعنى مفاعل كثيرا. وقد يذكّر المؤنّث ويؤنّث المذكّر [حملا على المعنى]، ومنه تأنيث المخبر عنه لتأنيث الخبر).
ــ
فعالا بمنزلة أختها فعيل، قال الشيخ: ولا ينبغي أن يفهم من فعيل الذي هو بمعنى مفعول بل فعيل الذي هو بمعنى فاعل المشبه بفعول وكذا قال سيبويه قال (١): وقد أجري شيء من فعيل مستويا في المؤنث والمذكر شبه بفعول، وذلك قولك جديد وسديس وكتيبة خصيف وريح خريق. قال الشيخ: فعلى هذا لا يكون فعيل بمعنى فاعل حمل في ترك التاء على فعيل بمعنى مفعول، كما قاله المصنف؛ لأن سيبويه إنما حمله على فعول، وهذا أظهر؛ لأن الحمل على ما كان بمعنى فاعل أولى لاشتراكهما في ذلك بخلاف حمله على فعيل بمعنى مفعول لاختلاف المدلولين، بخلاف حمله على فعول؛ لاتفاق المدلولين في كونهما للمبالغة في فاعل. قال: وإنما حمل فعال على فعيل؛ لأنهما أخوان قال سيبويه (٢): ألا ترى أنك تقول طويل وطوال وبعيد، وبعاد، وشجيع وشجاع وخفيف وحفاف، وتدخل في مؤنث فعال الهاء، كما تدخل التاء في مؤنث فعيل انتهى كلام سيبويه - رحمه الله تعالى - وأما فيعل فأشار به إلى قوله تعالى: وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً (٣) لأن الأصل ميّت فخفف تخفيف هينّ وليّن، وذكر الشيخ أن التاء حذفت من أبنية كثيرة مختلفة للمؤنث منها: امرأة حصان، وحرب عوان، وأرض جرز، وبقية ما ذكره يوقف عليه في كتابه (٤).
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على ثلاث مسائل:
الأولى:
أن فعيلا يرد بمعنى مفعول كثيرا، وأنه مع كثرته غير مقيس، وذلك نحو:
جريح، وقتيل، وتقدم ذكره لهذه المسألة في باب اسم الفاعل. -
стр. 4552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانية:
أن فعيلا يجيء بمعنى مفعل وبمعنى مفعل أما مجيئه بمعنى مفعل، فنحو: أعقدت العسل فهو عقيد أي معقد، وتقدمت له الإشارة إلى ذلك في الباب المذكور أيضا، وأما مجيئه بمعنى مفعل فقد قال إنه قليل، وذلك نحو: سميع بمعنى مسمع، قال الشاعر:
٤١٩٤ - أمن ريحانة الدّاعي السّميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع (١)
[٥/ ٢٣٦] ومنه عذاب أليم بمعنى مؤلم، وأما مجيئه بمعنى مفاعل، فقد قال:
إنه كثير.
وذلك نحو جليس وقعيد وخليط بمعنى مجالس، ومقاعد، ومخالط.
المسألة الثالثة:
أن المؤنث قد يذكر والمذكر قد يؤنث أي يستعمل كلاهما استعمال الآخر حملا على المعنى، فمن تذكير المؤنث قولهم: ثلاثة أنفس، وذلك لمراعاة المعنى فكأنه قال: ثلاثة أشخاص، ومن تأنيث المذكر قولهم: «جاءته كتابي» فاحتقرها حملا للكتاب على معنى الصحيفة، قال ومنه يعني، ومن التأنيث حملا على المعنى، تأنيث المخبر عنه لتأنيث الخبر، وذلك نحو قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا (٢) في قراءة من قرأ لم قرأ (لم تكن) بالتاء أنث المصدر المنسبك من أن والفعل وهو المخبر عنه؛ لأنه اسم يكن لتأنيث الخبر وهو فتنتهم، وكذلك قوله تعالى:
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً (٣) في قراءة لمن قرأ (إلا أن تكون) بالتاء، فإن في تكون اسمها وهو ضمير مذكر يعود على قوله: مَيْتَةً فأنث لتأنيث خبره وهو ميتة.
стр. 4553
الباب السبعون باب ألفي التّأنيث (١)
[أوزان الألف المقصورة]
قال ابن مالك: [٦/ ٤٤] (تعرف المقصورة بوزن حبلى وحبارى وشقّارى وسمّهى وفيضوضى وبرحايا وأربعاوى [وأربعى] وهرنوى وقعولى وبادولى وأيجلى وسبطرى ودفقّى وحذرّى وعرضّى وعرضنى وعرضنى، ورهبوتى وحندقوقا ودودرّى وهبيّخى ويهيرّى ومكورّى ومرقدّى وشفصلّى ومرحيّا وبردرايا وحولايا، وبفعلى أنثى فعلان، أو مصدرا أو جمعا، وبفعلى مصدرا أو جمعا فإن ذكّر ما سوى ذلك أو لحقته التّاء دون ندور أو صرفه فألفه للإلحاق؛ فإن كان في صرف لغتان ففي ألفه وجهان).
قال ناظر الجيش: بدأ المصنف يذكر ما اشتمل على التأنيث المقصورة، وثنّى بذكر ما اشتمل على ألفه الممدودة: لأن الأولى هي الأصل والثانية فرع (٢)، وثلّث بذكر ما تشترك الألفان فيه. ثم إنه لم يورد ذلك بذكر الزنات كما فعل في بقية كتبه، بل أتى بمواد الكلم أنفسها أعني الموزنات (قصرا للمسافة) على الطلاب، هذا في القسمين الأولين، وأما القسم الثالث فأورده بذكر الأوزان كليّا للاختصار؛ لأن كل وزن تحته مثالان، فلو ذكر الموزونات؛ لكان الشيخ ذكر المصنف نحوا من ثلاثين مثالا.
قال (٣): ونحن نشرحها من حيث اللغة، فينجر بشرحها ذكرها، ثم إنه لم يشرح بعضها والأمثلة التي ذكرها
المصنف؛ منها: حبلى، ولا شك، ولا شك أن كل ما كان على وزن (فعلى) فألفه للتأنيث كحبلى (وأنثى وخنثى وبشرى ورجعى وزلفى وشورى، سواء أكانت وصفا كحبلى) أم مصدرا كرجعى أم اسما كبهمى وإذا كانت الألف للتأنيث امتنع دخول التاء على تلك الكلمة، ومن ثم عدّ من -
стр. 4554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشواذ قولهم: بهماة (١). ومنها حبارى (٢) ومثله: جمادى للشهر المعروف، وخزامى (٣) لنبت، ونعامى (٤): للريح اللينة، وسمانى: للطائر. وكل ما كان على وزن فعالى فألفه للتأنيث - أيضا - ومنها: شقّارى ووزنه فعّالى، ومثله: حضّارى، وجوّارى والشّقّارى نبت (٥)، ومنها: سمهّى ووزنه (فعلّى) ومثله: بدّرى.
والسّمهّى الهواء، ويقال: ذهب في السّمهّى أي في الباطل (٦)، ومنها فيضوضى ووزنها (فعلولى)، وقيل: فيعولى، وألف هذه الأوزان الثلاثة أعني: (فعّالى)، (وفعّلى) (وفعلولى) إنما يكون للتأنيث (٧) كما أن ألفي (فعلى) و (فعالى) إنما يكونان للتأنيث - أيضا - ومنها: برحايا ووزنه (فعلايا) وألفه - أيضا - إنما تكون للتأنيث قالوا: ولم يجئ على هذا الوزن غير: برحايا، ومعناه: العجب (٨) ومنها:
أربعاوى ووزنه (أفعلاوى) وألفه للتأنيث - أيضا كالذي قبله، يقال: قعد أربعاوى، إذا قعد متربعا، ومنها هرنوى ووزنه (فعلوى) وألفه - أيضا - إنما تكون للتأنيث، ومنها: قعولى ووزنه (فعولى) وهو ضرب من متن الشيخ والظاهر أن ألفه للتأنيث، ومنها: بادولى ووزنه (فاعولى) (٩) وألفه للتأنيث خاصة - أيضا - وبادولى اسم موضع. قالوا: ولم يجئ غيره، ومنها: أيجلى ووزنه (أفعلى) وهو اسم موضع، وقيل: اسم رجل (١٠)، وألفه للتأنيث كالذي قبله (١١). ومنها: سبطرى ووزنه فعلّى، -
стр. 4555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثله: دفقّى وضبعطى وذقمّى وهو موضع، والدّفقّى: مشية يتدفّق فيها ويسرع (١)، منها:
حذرّى من الحذر، وبذرّى من التبذر، وكفرّى لوعاء الطلع، ومنها: عرضّى ووزنه (فعلّى) وهو الاعتراض، والكفرّى: لغة في الكفرّى، ونقل الفراء: السّلحفى والسّلحفاة (٢).
قال الشيخ: فعلى ظاهر هذا النقل لا يكون (فعلّى) من الأوزان المختصة بالتأنيث؛ لدخول التاء فيه إلا إن جعل دخول التاء نادرا، كما قيل: بهماة في بهمى؛ لأنهم نصّوا على ندور دخول التاء فيه؛ إذ قد ثبت منع صرف بهمى ولا مانع له إلا التأنيث اللازم (٣).
ومنها: عرضنى ووزنه (فعلنى) وألفه للتأنيث وهو من الاعتراض أيضا.
ومنها: عرضنى ووزنه (فعلنى) وهو من الاعتراض (أيضا) وألفه للتأنيث.
ومنها: عرضنى ووزنه (فعلنى) وهو من الاعتراض وألفه للتأنيث كالذي قبله.
ومنها: رهبوتى ووزنه (فعلوتى)، ومثله: رغبوتى، وهما من (الرّهبة والرّغبة) ولم يجئ إلا اسما، وهو قليل (٤).
ومنها: حندقوقى وهو نبت، ووزنه إما (فعللولى) إن كانت النون أصلا، وإما (فنعلولى) إن كانت زائدة. وقد جوّزوا فيه الأمرين، وذكروا أنه يقال بكسر الحاء. وأنه يقال: بكسر الحاء والدال (٥) قال الشيخ: وذكر سيبويه: حندقوقا على وزن (فعللول) (٦) وأنه صفة. قال: وبغير ألف ذكرها التصريفيون. (٧) وذكرها ابن القطاع بألف
كما ذكرها المصنف (٨).
ومنها: دودرّى، ووزنه (فوعلّى) وهو العظيم الخصيتين وألفه للتأنيث (٩).
ومنها: هبيّخى. -