← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 16826

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد

ناظر الجيش

Полный текст (5 283 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا تثبت إذا ابتدئ بغيرها، فإذا أبدلت وسهلت بعد همزة الاستفهام وقع بدلها حيث لا تقع هي، وذلك ترجيح فرع على أصل أفضى إليه القول بأن همزة أل همزة وصل زائدة فوجب اطراحه». الخامس: «أن المعهود الاستغناء عن همزة الوصل بالحركة المنقولة إلى الساكن نحو: ر زيدا والأصل ارء زيدا، فنقلت حركة الهمزة إلى الراء، واستغني عن همزة الوصل، ولم يفعل ذلك بلام التعريف المنقول إليه حركة إلا على شذوذ، بل يبتدأ بالهمزة على المشهور من قراءة ورش في مثل الآخرة (١)، وذلك في نحو: ر زيدا لا يجوز أصلا، فلو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل زائدة له لم يبدأ بها مع النقل، كما لا يبدأ بها في الفعل المذكور» [١/ ٢٨٥]. السادس: «أنه لو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل لم تقطع في يا ألله، ولا في قول بعضهم: أفأ الله لأفعلن بالقطع تعويضا من حرف الجر؛ لأن همزة الوصل لا تقطع إلا في الاضطرار (٢)، وهذا الذي ذكرته قطع في الاختيار روجع به أصل متروك؛ ولو لم يكن مراجعة أصل لكان قولهم: أفأ الله لأفعلن - أقرب إلى الإجحاف منه إلى التعويض؛ إذ في ذلك جمع بين حذف ما أصله أن يثبت وإثبات ما أصله أن يحذف، فصح أن الهمزة المذكورة كهمزة أن وأم وأو، ولكن التزم حذفها تخفيفا إذا لم يبدأ بها ولم تل همزة استفهام، كما التزم أكثر العرب حذف عين المضارع والأمر من رأى، وحذف فاء الأمر من أخذ وأكل وهمزة أم في ويلمّه». واحتج بعض النحويين لسيبويه (٣) بأن قال: قد قيل: مررت بالرجل فتخطى العامل حرف التعريف، فلو كان الأصل أل لكان في تقدير الانفصال، وكان يجب -

стр. 807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن تقع قبل الجار كما أن الحروف التي لا تمتزج بالكلمة كذلك، ألا ترى أنك تقول: «هل بزيد مررت؟» ولا تقول: «بهل زيد مررت»؟ فلولا أن حروف التعريف بمنزلة الزاي من زيد ما تخطاه العامل. والجواب: أن تقدير الانفصال لا يترتب على كثرة الحروف، بل على إفادة معنى زائد على المعنى المصحوب، ولو كان المشعر به حرفا واحدا كهمزة الاستفهام، فإنها وإن كانت حرفا واحدا في تقدير الانفصال لكون ما تفيده من المعنى زائدا على معنى مصحوبها غير ممازج لمعنى المصحوب، وعدم تقدير الانفصال يترتب على إفادة معنى ممازج لمعنى المصحوب كـ (سوف)؛ فإنها وإن كانت على ثلاثة أحرف غير مقدرة الانفصال لكون ما تفيده من المعنى ممازجا لمعنى الفعل الذي تدخل عليه، فإنها تعينه للاستقبال وذلك تكميل لدلالته، وهكذا حرف التعريف غير مقدر الانفصال وإن كان على حرفين؛ لأن ما أفاده من المعنى مكمل لتعيين الاسم مسماه، فينزل منزلة الجزء من مصحوبه لفظا كما تنزل منزلة الجزء معنى، إلا أن امتزاج حرف التعريف بالاسم أشد من امتزاج سوف بالفعل لوجهين: أحدهما: أن معنى حرف التعريف لا يختص به بعض مدلول الاسم المقرون به، بخلاف معنى سوف؛ فإنه يختص بأحد جزأي مدلول الفعل. الثاني: أن حرف التعريف يجعل الاسم المقرون به شبيها بمفرد قصد به التعيين وضعا كالمضمر واسم الإشارة والعلم المرتجل، فلا يقدح في الامتزاج المعنوي كون أحد المتمازجين حرفين أو أكثر. وسوف وإن مازج معناها معنى مصحوبها لكن لا تجعله شبيها بمفرد قصد به وضعا ما قصد بها وبمصحوبها؛ لأن ذلك غير موجود، وقد ترتب على هذا امتناع الفصل بين حرف التعريف والمعرف به، ووقوعه بين سوف والفعل المصاحب لها كقول الشاعر: ٥١٧ - وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء (١) -

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفعل ذلك أيضا بقول الشاعر [١/ ٢٨٦]: ٥١٨ - لقد أرسلوني في الكواعب راعيا ... فقد وأبي راعي الكواعب أفرس (١) أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحقّ أبي؛ فسكن الياء وفصل. واحتج بعضهم على الخليل بأن قال: لما كان التنكير مدلولا عليه بحرف واحد وهو التنوين كصه وصه وجب كون التعريف مدلولا عليه بحرف واحد وهو اللام؛ لأن الشيء يحمل على ضده كما يحمل على نظيره، وهذا ضعيف جدّا لأن الضدين قد يتفقان في العبارة مطلقا كصعب صعوبة فهو صعب، وسهل سهولة فهو سهل. وقد يختلفان مطلقا كشبع شبعا فهو شبعان، وجاع جوعا فهو جائع، وقد يتفقان من وجه ويختلفان من وجه كرضي رضا فهو راض، وسخط سخطا فهو ساخط، والاختلاف أولى بهما ليكون سبيلهما في المعنى واللفظ واحدا، وإن سلم حمل الشيء على ضده، فيشترط تعذر حمله على نده. وقد أمكن العمل عليه فتعيّن الجنوح إليه. ونقول: التعريف نظير التأنيث في الفرعية فاشتركا في استحقاق علامة، والتنكير نظير التذكير في الأصالة فينبغي أن يشتركا في الخلو من علامة، فإن وضع للتنكير علامة فحقها أن تنقص عن علامة التعريف تنبيها على أنه أحق بالعلامة لفرعيته -

стр. 809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأصالة التنكير، وذلك موجب لكون علامة التعريف حرفين وهو المطلوب. وأيضا فإن التعريف طارئ على التنكير كطروء التثنية على الإفراد، فسوي بينهما بجعل علامة كل واحد منهما حرفين بحذف أحدهما في حال دون حال (١). وأيضا لما كانت من ذات حرفين ومدلولها العموم في نحو: ما فيها من رجل، وكان حرف التعريف نظيرها في العموم سوي بينهما، فكان حرف التعريف حرفين تسوية بين النظيرين (٢). ولما كانت اللام تدغم في أربعة عشر حرفا فيصير المعرف بها كأنه من المضاعف العين الذي فاؤه همزة جعل أهل اليمن ومن داناهم بدلها ميما؛ لأن الميم لا تدغم إلا في ميم، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك. انتهى (٣). واعلم أني إنما أوردت هذا الكلام لاشتماله على تقديرات لطيفة تشحذ ذهن الناظر وتنبهه على طرق استنباط اللطائف في هذا الفن، وأما كون الهمزة همزة قطع وصلت أو همزة وصل، وأنها هل لها مدخل مع اللام في التعريف أو لا - فهو شيء لا ينتج فائدة، ولا يترتب عليه حكم نحوي. وقد أورد الشيخ كلام سيبويه (٤) وهو شاهد بما ذكر المصنف أنه مذهبه، ولكنه أمكن أن يكون ما ذكره المصنف عن الخليل مذهبا له، وقد رد الأوجه التي ذكرها المصنف استدلالا للخليل بما لا يقوى في النظر؛ فإن رام الناظر ذلك فليراجع كتابه، وإنما تركت إيراده خشية الإطالة (٥).

стр. 810

[أنواع أل] قال ابن مالك: (فإن عهد مدلول مصحوبها بحضور حسيّ أو علميّ، فهي عهدية وإلّا فجنسية). قال ناظر الجيش: قال المصنف (١): أشرت بالحضور الحسي إلى حضور ما ذكر كقوله تعالى [١/ ٢٨٧]: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (٢)، وإلى حضور ما أبصر كقولك لمن سدد سهما: القرطاس والله، وبالحضور العلمي إلى نحو قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (٣)، وإِذْ هُما فِي الْغارِ (٤)، وإِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (٥)، وإِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (٦). ثم قلت: وإلا فجنسيّة أي: إلا يكن المدلول عليه بمصحوب الأداة معهودا بأحد الحضورين المبينين بالأداة فهي جنسية. انتهى (٧). وعرف من كلامه أن أل قسمان: عهدية وجنسية، وأن المعهود قسمان: معهود حسا إما بالذكر أو بالأبصار. أو معهود علما والمراد به ما بينك وبين المخاطب عهد فيه. وهذا الذي ذكره المصنف من أن أل قسمان: عهدية وجنسية هو كلام أكثر النحاة، وهو مستفاد جار على ألسنة المعربين والمفسرين. وذهب أبو الحجاج يوسف بن معزوز (٨) إلى أن أل عهدية لا غير. كذا نقل الشيخ ذلك عنه (٩). قلت: ولا يبعد عن الصواب. -

стр. 811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ذكر السكاكي (١) في كتابه الموسوم بالمفتاح: أن دلالة أل بالوضع إنما هي العهد لا غير وإن استفيد من الكلام غير ذلك كالاستغراق مثلا، فإنما ذلك من قرائن خارجية. وبحث ذلك وقرره أحسن تقرير، وعلى الناظر تطلبه إن رام ذلك (٢). ثم القائلون بأنها عهدية وجنسية قالوا: يعرض للعهدية الغلبة ولمح الصفة (٣). ويعرض للجنسية الحضور قالوا: والحضور يكون في أربعة مواضع: بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الأسد، وبعد أسماء الإشارة نحو: مررت بهذا الرجل، وفي النداء نحو: يا أيها الرجل، وفي الزمان الحاضر نحو: الآن والساعة وما في معناهما، هكذا ذكروا. ولا يخفى أن أل لا مدخل لها في إفادة الغلبة، والذي حصلت له الغلبة إنما هو الاسم بتمامه الذي كان معرفا تعريف العهد، وكان صادقا على كل من اتصف بذلك العهد، ثم عرض له الاختصاص بأحد المدلولات من جهة الاستعمال، وإذا -

стр. 812

[حكم أل التي للجنس] قال ابن مالك: (فإن خلفها كلّ دون تجوّز فهي للشّمول مطلقا، ويستثنى من مصحوبها، وإذا أفرد فاعتبار لفظه فيما له من نعت وغيره أولى؛ فإن خلفها تجوّزا فهي [١/ ٢٨٨] لشمول خصائص الجنس على سبيل المبالغة). ــ كان كذلك فلم يعرض للعهدية غلبة. وأما أن أل لها مدخل في لمح الصفة، فأبعد لأنها لم تفد لمح صفة، والذي لمح الصفة إنما هو المتكلم لمح ما كان عليه الاسم قبل نقله إلى العلمية، وهي حالة التنكير فأدخل أل عليه بعد العلمية لا لإفادة تعريف ولا غيره، بل شبه حاله بعد العلمية بحاله قبلها، فأجاز فيه بعد ما كان يجوز قبل، هكذا أفهم معنى قولهم: لمح الصفة. وقال الشيخ (١): وعن بعضهم أنها مع كونها للمح الصفة للعهد، وفيه نظر (٢). وأما ما ذكروه من أن الجنسية يعرض لها الحضور فلم أتحققه، والذي يظهر أن أل للعهد والحضور مستفاد من الحضور، أعني من حضور من دخلت على اسمه أل بمجلس المتكلم إمّا حسّا كما في: فإذا الأسد، وبهذا الرجل، ويا أيها الرجل، وإمّا معنى كما في الآن والساعة. وكما أن العهد يتعلق بمعهود سابق هكذا يتعلق بمعهود حاضر، بمعنى أنه بسبب حضوره صار معهودا؛ لأن المراد بالمعهود تقدم شعور الذهن به قبل ذكره، ولا شك أن الحاضر حال حضوره يستشعر به الذهن، فيصير حكمه حكم من تقدم الشعور به دون حضور قبل ذكره. قال ناظر الجيش: اعلم أن أصحاب أهل المعاني (٣) ذكروا أن أل إما أن يراد بها العهد كما في قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (٤)، وإما أن يراد بها نفس الحقيقة كقولك: الرجل خير من المرأة، والدينار خير من الدرهم، وإما أن يراد بها الاستغراق، كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٥). قالوا: وقد تأتي لتعريف شيء باعتبار عهديته في الذهن لمطابقته الحقيقة، -

стр. 813

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كقولك: أدخل السوق، وليس بينك وبين مخاطبك معهود في الخارج. والحاصل: أن المراد باسم الجنس المعرف باللام إما نفس الحقيقة لا ما يصدق عليه من الأفراد وتسمى اللام فيه لام الجنس ولام الحقيقة (١). قالوا: ونحوه: علم الجنس نحو أسامة، وإما فرد معين واللام فيه للعهد الخارجي (٢)، ونحوه: العلم الخاص كزيد، وإما فرد غير معين واللام فيه للعهد الذهني (٣)، ونحوه: النكرة كرجل، وإما كل الأفراد وهو الاستغراق (٤). ونحوه: لفظ كل مضافا إلى النكرة، كقولنا: كل رجل. هذا كلامهم وهو أقرب إلى التحرير والضبط من الذي ذكره النحويون في هذا الفصل (٥). وقد عرفت مختار السكاكي في المسألة، ولا شك أنه أورد ذلك في كتابه وأطال البحث فيه، والذي تلخص منه أن اللام إنما هي للعهد لا غيره. ثم العهد عنده قسمان: تحقيقي وحكمي، فالتحقيقي: نحو قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (٦). ونحو أن تقول: انطلق الرجل والمنطلق ذو جد. والحكمي: هو الذي تنزل منزلة الحقيقي بأحد طرق أشار إليها في كلامه. والتعريف الحقيقي عنده أحد قسمي تعريف العهد. والاستغراق إنما هو مستفاد من المقام إذا كان المقام خطابيّا على أن كلامه محتمل للبحث وبعض أدلته مخدوشة (٧). -

стр. 814

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا عرفت ذلك فالمصنف قد ذكر: أن أل إما للعهد وإما للجنس، ثم شرع الآن في ذكر أنها للاستغراق. وذكر أن الاستغراق قسمان: حقيقي: وهو الذي يخلف أل فيه كلّ حقيقة، ومجازي: وهو الذي يخلفها فيه كل مجازا، فإذا كان الاستغراق حقيقيّا كانت لشمول الأفراد، ويلزم من شمول الأفراد شمول الخصائص، وإن كان الاستغراق مجازيّا كانت أل لشمول الخصائص فقط. فمثال التي يخلفها كل دون تجوز، نحو قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (١). قال المصنف (٢): «والمراد بكون الشمول مطلقا عموم الأفراد والخصائص بخلاف التي يخلفها كلّ على سبيل التجوز نحو: زيد الرجل، بمعنى الكامل في الرجولية الجامع لخصائصها؛ فإن هذا تجوز لأجل المبالغة، ويستعملون كلّا بهذا المعنى تابعا وغير تابع، فيقولون: زيد كلّ الرجل وزيد الرجل كل الرجل، وحكى الفراء عن العرب أطعمنا شاة كلّ شاة، والشمول الحقيقي هو الأصل، ولذلك استغنى عن قرينة ولم يستغن الثاني عنها» انتهى. وذكر المصنف: أن أل [١/ ٢٨٩] إذا كانت للشمول مطلقا تختص بحكمين وهما: الاستثناء من مصحوبها، وأنه إذا كان مفردا جاز اعتبار لفظه وهو الأولى، واعتبار معناه. -

стр. 815

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمثال الاستثناء: قوله تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (١)، والاستثناء مما يستدل به على أن أل للاستغراق؛ لأنها لو لم تقتض شمول الحقيقة والإحاطة بأفرادها لم يستثن الَّذِينَ آمَنُوا من المعرف بها وهو الْإِنْسانَ. وأما الحكم الثاني: وهو مراعاة اللفظ تارة والمعنى أخرى، فقد قيده بقوله: وإذا أفرد، وإنما قيده بذلك؛ لأن أل تدخل على المثنى وعلى المجموع. فمثال دخولها على المثنى قولهم: نعم الرّجلان الزّيدان. قال الشيخ (٢): فأل فيه جنسية وقد دخلت على المثنى، ومثل الشيخ دخولها على الجمع بقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (٣) قال: وهو كثير (٤). ولم يظهر لي التمثيل الذي ذكره: أما نعم الرجلان فليست أل فيه للاستغراق، وإنما هي للجنس، ولا يلزم من الجنس الاستغراق (٥). وأما الآية الشريفة وهي: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فأل الداخلة على المؤمنين موصولة، فالعموم بالموصولية، والذي يظهر أن المصنف إنما احترز بقوله: وإذا أفرد من الجمع خاصة لا من المثنى، ومثال ذلك: أكرم الرجال، فأل فيه للاستغراق والمراد به: كل فرد، ومراعاة لفظه في نعته وغير نعته واجبة. ومثال الإفراد وقد روعي فيه اللفظ: قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ (٦)، وقوله تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (٧). ومثال الإفراد وقد روعي فيه المعنى دون اللفظ: قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ -

стр. 816

[أل الزائدة ومواضع الزيادة] قال ابن مالك: (وقد تعرض زيادتها في علم وحال وتمييز ومضاف إليه تمييز، وربما زيدت فلزمت، والبدلية في نحو: ما يحسن بالرّجل خير منك - أولى من النّعت والزّيادة، وقد تقوم في غير الصّلة مقام ضمير). ــ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ (١). وحكى الأخفش: أهلك النّاس الدّينار الحمر والدّرهم البيض، ومنه قولهم: ما هو من الأحد، أي من الناس، وأنشد اللحياني (٢): ٥١٩ - وليس يظلمني في وصل غانية ... إلّا كعمرو وما عمرو من الأحد (٣) قال اللحياني: «ولو قلت ما هو من الإنسان تريد من النّاس أصبت» (٤). قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على حكمين لأل، وهما زيادتها وأنها تقوم مقام الضمير، أما زيادتها فذكر أنها تزاد في أربعة مواضع: أحدها: في العلم: كقول الشاعر: ٥٢٠ - ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (٥) أراد: بنات أوبر، وهو علم لضرب من الكمأة. وكقول الآخر: -

стр. 817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٥٢١ - أما ودماء لا تزال مراقة ... على قنّة العزّى وبالنّسر عند ما (١) أراد: ونسرا وهو صنم، وكقول الآخر: ٥٢٢ - باعد أمّ العمرو من أسيرها ... حرّاس أبواب على قصورها (٢) وكقول الآخر: ٥٢٣ - عوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأسعد في ليل البلابل صفوان (٣) [١/ ٢٩٠] ثانيها: في الحال: كقراءة بعض القراء: ليخرجن الأعز منها الأذل (٤) أي: ليخرجن الأعز منها ذليلا. وكقول بعض العرب: ادخلوا الأوّل فالأول أي: أولا فأولا ومنها قول الشاعر: -

стр. 818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٥٢٤ - دمت الحميد فما تنفكّ منتصرا ... على العدا في سبيل المجد والكرم (١) ثالثها: في التمييز: ٥٢٥ - رأيتك لمّا أن عرفت وجوهنا ... صدقت وطبت النّفس يا قيس عن عمرو (٢) ومنه الحديث: «إنّ امرأة كانت تهراق الدّماء» (٣) والأصل: تهراق دماؤها، فأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، وصار المسند إليه منصوبا على التمييز، ثم أدخل عليه حرف التعريف زائدة. رابعها: فيما أضيف إليه تمييز: كقول الشاعر: ٥٢٦ - إلى ردح من الشّيزى ملاء ... لباب البرّ يلبك بالشّهاد (٤) -

стр. 819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد: لباب بر. وأنشد أبو علي: ٥٢٧ - تولي الضّجيع إذا تنبّه موهنا ... كالأقحوان من الرّشاش المستقي (١) وزعم أن قائله أراد: من رشاش المستقي فزاد الألف واللام ولم يعتد بهما، فلذلك أضافة إلى ما هما فيه. قال المصنف: «وهذا الّذي ذهب إليه بعيد، ولكن يوجه البيت على أنّ قائله أراد: كالأقحوان المستقي من الرّشاش المستقي، فحذف من الأول وأبقى الثّاني دليلا عليه كما فعل من قال: ٥٢٨ - تقول ودقّت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرّحى المتقاعس (٢) أراد: بعلي هذا المتقاعس بالرّحى المتقاعس ثم حذف، وهذا التوجيه نظائره -

стр. 820

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كثيرة، ولا نظير لما وجّه به أبو عليّ، فلذلك لم أقل بقوله» انتهى (١). واعلم أن اللام في الحال وفي التمييز قد لا يعدها زائدة من أجاز تعريفهما، ولكن مذهب من أجاز التعريف فيهما غير مأخوذ فلا يعول عليه (٢). وأشار المصنف بقوله: وربّما زيدت فلزمت - إلى نحو: اليسع والآن والذي. واعلم أن للنحاة في نحو: ما يحسن بالرجل خير منك قولين: - أحدهما: أن نحو خير منك نعت لما قبله على نية الألف واللام، وهو قول الخليل. قال سيبويه (٣) - في باب مجرى نعت المعرفة عليها -: «ومن النّعت: ما يحسن بالرّجل مثلك أو خير منك أن يفعل ذلك. وزعم الخليل أنّه إنّما جرّ هذا على نية الألف واللّام، ولكنّه موضع لا تدخله الألف واللّام، كما كان الجمّاء الغفير منصوبا على نيّة إلقاء الألف واللّام نحو طرّا وقاطبة». قال المصنف: «فحكم الخليل في المقرون بالألف واللّام المتبع بمثلك وخير منك بتعريف المنعوت والنّعت». - القول الثاني: أن الاسم المتبع بخير منك أو مثلك نكرة، وأن الألف واللام فيه زائدة على نية الطرح، وهو قول الأخفش (٤)، قال المصنف: «وعندي أن أسهل مما ذهبا إليه الحكم بالبدليّة، وتقرير المتبوع والتابع على ظاهرهما» انتهى (٥). وهو تخريج حسن سهل كما قال، وليس فيه إلا أن كون البدل مشتقّا ضعيف. وكأن المصنف رأى أن القول به مع كون البدل في المشتقات ضعيفا أولى من القول بزيادة الألف واللام، ومن إجراء النكرة نعتا على المعرفة. وأما كون أل تقوم مقام الضمير: فذلك نحو: مررت برجل حسن الوجه بتنوين حسن ورفع [١/ ٢٩١] الوجه على معنى حسن وجهه، فالألف واللام عوضا عن الضمير. قال المصنف - بعد ذكر هذه الصورة - (٦): «وبهذا التعويض قال الكوفيون وبعض -

стр. 821

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البصريين، وإن كان بعض المتأخرين قد عد هذه المسألة من مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين (١). وأنكر ذلك ابن خروف، وقال: لا ينبغي أن يجعل بينهما خلاف؛ لأن سيبويه قد جعل الألف واللام عوضا من الضمير في قوله في باب البدل (٢): «ضرب زيد الظّهر والبطن» وهو يريد: ظهره وبطنه ولم يقل الظهر منه ولا البطن منه. ثم قال المصنف: «لما كان حرف التعريف مغنيا بإجماع (٣) عن الضمير في نحو: مررت برجل فأكرمت الرجل جاز أن يغني عنه في غير ذلك لاستوائهما في تعيين الأول، ولذلك لم يختلف في جواز نحو: مررت برجل حسن وجه أبيه. واختلف في جواز نحو: مررت برجل حسن وجه أب؛ إذ ليس فيه ضمير ولا حرف تعريف، والمنع به أولى، وهو مذهب سيبويه (٤). ومن ورود الألف واللام عوضا من الضمير قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٥). ذكر ذلك الأستاذ أبو الحسن بن خروف وعزاه إلى جماعة من أئمة النحو (٦)، وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ. (٧). وزعم أبو علي والزمخشري أن الأبواب بدل من ضمير مستكن في مفتحة (٨)، -

стр. 822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا تكلف يوجب أن يكون الأبواب مرتفعا بمفتحة المذكورة على القول بأن العامل في البدل والمبدل منه واحد، أو بمثله مقدرا على القول بأن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه. وعلى كل حال قد صح أن مفتحة صالح للعمل في الأبواب، فلا حاجة إلى تكلف إبدال. وأيضا فالحاجة إلى الضمير في بدل البعض كالحاجة في السببي المرفوع لما جرى على ما هو من سببه، فقد قامت الألف واللام مقام الضمير على كل تقدير. قال ابن خروف: وحمل أبو علي وغيره من المتأخرين هذا المرفوع على البدل من ضمير في الصفة، ولا يطرد لهم ذلك في مثل: مررت برجل كريم الأب، وحسن وجه الأخ، لا سبيل إلى البدل في هذا وأمثاله؛ فإذا امتنع البدل فالباب كله على ما ذهب إليه الأئمة. فقد تضمن كلام ابن خروف رحمه الله تعالى أن الحكم على المرفوع المشار إليه بغير البدل هو مذهب الأئمة. وكفى بنقله شاهدا». انتهى كلامه (١). وفيه مناقشتان: الأولى: للشيخ: وهي أنه قال (٢): «هذه غفلة من المصنف يعني في قوله: إن حرف التعريف أغنى عن الضمير في نحو: مررت برجل فأكرمت الرجل، قال: فإن أل لم تغن عن الضمير في: فأكرمت الرجل، بل أل وما دخلت عليه هي التي أغنت عن الضمير وقامت مقامه، وهذا بخلاف [١/ ٢٩٢] مررت برجل حسن الوجه؛ فإن أل وحدها قامت مقام الضمير» انتهى وهذه مناقشة صحيحة. الثانية: قوله في بحثه مع أبي علي والزمخشري: فلا حاجة إلى تكلف إبدال؛ فإنّ لقائل أن يقول: الموجب لأبي علي والزمخشري في القول بالبدلية - هو أنهما لا يريان إقامة أداة التعريف مقام الضمير لا أن مفتحة لا يصح عملها في الأبواب. وإذا كان كذلك فلا يتجه ما ذكره المصنف من أنه قد صح أن مفتحة صالح -

стр. 823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للعمل في الأبواب؛ لأنهما لا يمنعان الصلاحية، وإنما منعا ذلك للخلو من الضمير. ثم قال المصنف - بعد كلامه الذي تقدم نقله -: وقد منع التعويض بعض المتأخرين، وقال: لو كان حرف التعريف عوضا عن الضمير لم يجتمعا، إذ اجتماع العوض والمعوض عنه ممتنع. وقد اجتمعا في قول طرفة: ٥٢٩ - رحيب قطاب الجيب منها رقيقة ... بجسّ النّدامى بضّة المتجرّد (١) والجواب من وجهين: أحدهما: أن نقول (٢): لا نسلم أن حرف التعريف الذي في البيت عوض، بل جيء به لمجرد التعريف، فجمع بينه وبين الضمير؛ إذ لا محذور في ذلك، ونظير هذا أن التاء في وجهة لمجرد التأنيث بخلاف تاء جهة (٣). الثاني: أن نقول: سلمنا كون حرف التعريف الذي في البيت عوضا إلا أنه جمع بينه وبين ما هو عوض منه اضطرارا كما جمع الراجز بين ياء النداء والمعوض عنه في قوله: ٥٣٠ - إنّي إذا ما حدث ألمّا ... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا (٤) -

стр. 824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومما يقوي كون حرف التعريف عوضا قول الشاعر في صفة صقر: ٥٣١ - يأوي إلى فئة صلفاء رائشة ... حجن المخالب لا يغتاله السّبع (١) أراد: حجن مخالبه، ولولا ذلك لقال: أحجن المخالب كما يقال: رجل أحمر الثياب. وأنشد الكوفيون: ٥٣٢ - أيا ليلة خرس الدّجاج سهرتها ... ببغدان ما كادت إلى الصّبح تنجلي (٢) أراد خرسا دجاجها، ولولا ذلك لقال: خرساء الدجاج كما يقال: امرأة حمراء الثياب. وإذا صح التعويض فلا يقاس عليه إلا ما سمع له نظير ولا يقدح في صحته عدم استعماله في صلة وغيرها على سبيل الاطراد، كما لا يقدح في كون تنوين حينئذ عوضا من الإضافة امتناع ذلك في إذا وغيرها من الملازمات، للإضافة لكن شرط التعويض المشار إليه أن يكون فيما يستقبح خلوه من الضمير، والألف واللام -

стр. 825

[مدلول إعراب الاسم من رفع أو نصب أو جر] قال ابن مالك: (فصل: مدلول إعراب الاسم ما هو به عمدة أو فضلة أو بينهما؛ فالرّفع للعمدة وهي مبتدأ أو خبر أو فاعل أو نائبه أو شبيه به لفظا وأصلها المبتدأ أو الفاعل أو كلاهما أصل. والنّصب للفضلة وهي مفعول مطلق أو مقيد أو مستثنى أو حال أو تمييز أو مشبه بالمفعول به. والجرّ لما بين العمدة والفضلة [١/ ٢٩٣] وهو المضاف إليه. وألحق من العمد بالفضلات المنصوب في باب كان وإنّ ولا). ــ معا، فلا يجعل من ذلك نحو: البرّ الكرّ بستّين (١). لأنك لو قلت كرّ بستين فأخليته من الضمير والألف واللام معا لم يستقبح بخلاف ما تقدم. قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على أقسام الكلمة وعلى الإعراب وأنواعه وعلى قسمي النكرة والمعرفة، وبوّب على أكثر المعارف وبينها - قصد أن يذكر الأحكام التي تعرض في التركيب، وقدم على الشروع في ذلك هذا الفصل لأمرين: أحدهما: تبيين العمدة من الفضلة. الثاني: التنبيه على ترتيب بعض أبواب الكتاب؛ فإنه يأتي فيها على حسب ما أورده هنا؛ ولما كان المتصف بالعمدة والفضلة إنما هو الاسم قال: مدلول إعراب الاسم ما هو أي ما الاسم به. وقال المصنف (٢): العمدة: عبارة عما لا يسوغ حذفه من أجزاء الكلام إلا بدليل يقوم مقام اللفظ به. والفضلة: عبارة عما يسوغ حذفه مطلقا إلا لعارض. ولما كان المضاف إليه في موضع يكمل العمدة نحو: جاء عبد الله، وفي موضع يكمل الفضلة نحو: أكرمت عبد الله، وفي موضع يقع فضلة نحو: زيد ضارب عمر - حكم عليه بأنه بين العمدة والفضلة. -

стр. 826

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الشيخ: «الحدّ الذي ذكره للعمدة مدخول؛ لأن لنا من أجزاء الكلام ما يسوغ حذفه لدليل ولا يسمى عمدة، ولنا من أجزاء الكلام ما لا يسوغ حذفه، ولو كان عليه دليل ويسمى عمدة. فمثال الأول: الفعل؛ فإنه يسوغ حذفه لدليل ولا يسمى عمدة، ومثال الثاني: الفاعل والمفعول الذي لم يسمّ فاعله؛ فإن كلّا منهما يسمى عمدة، ولا يسوغ حذفه لدليل». قال: «وكذا حدّ الفضلة يرد عليه بعض العمد الّذي يسوغ حذفه مطلقا. فمن ذلك المبتدأ في قطع النّعت، والخبر في نحو: لولا زيد لأكرمتك» انتهى (١). وفيما قاله نظر: أما الدخل الذي ذكره على حد العمدة فلا يتجه. أما الشق الأول: فغير لازم؛ لأن الفعل إنما هو مقصود في مدلول إعراب الاسم. فالعمدة المحدودة أحد أقسام الاسم فلا يرد الفعل. وأما الشق الثاني: فلا يرد أيضا؛ لأن كلّا من الفاعل والمفعول الذي لم يسمّ فاعله إنما امتنع حذفه لعارض، وهو كونه يؤدي إلى بقاء حديث من غير محدّث عنه؛ والمصنف إنما حد العمدة بالنظر إلى ذاتها لا بالنظر إلى ما يعرض لها، وهذا شأن الحدود. وأما ما أورده على حد الفضلة فغير وارد؛ لأن ما مثّل به (٢) إنما حذف دليل قام مقام اللفظ به، فهو داخل في حد العمدة ولم يدخل في حد الفضلة؛ لأنه ما ساغ حذفه مطلقا. وإذا تقرر أن الاسم بحسب مدلول إعرابه إما عمدة أو فضلة أو بين العمدة والفضلة، وقد علم أن أنواع إعرابه ثلاثة: رفع ونصب وجر، فليعلم أن الرفع للعمدة والنصب للفضلة والجر لما بينهما. وإنما كان كذلك لأن الاهتمام بالعمدة أشدّ من الاهتمام بغيره، فجعل إعرابه الرفع؛ لأن علامته الأصلية الضمة، وهي أظهر الحركات، وإنما قلنا إنها أظهر الحركات لوجهين (٣): -

стр. 827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: أنها من الواو، ومخرجها من الشفتين، وهو مخرج ظاهر؛ بخلاف الفتحة والكسرة؛ فإنها من الألف والياء ومخرجاهما [١/ ٢٩٤] من باطن الفم. والثاني: أن الضمة يمكن الإشارة إليها بالإشمام عند سكون ما هي فيه وقفا وإدغاما بخلاف غيرها. ولما كانت الكسرة تشبه الضمة جعلت علما للمضاف إليه؛ لأنه قد يكمل العمدة، ولأن الكسرة متوسطة بين الثقل والخفة، فجعلت للمتوسط بين العمدة والفضلة، ولما جعلت الضمة للعمدة، والكسرة للمتوسط بين العمدة والفضلة تعينت الفتحة للفضلة. وتبع كل واحدة من الحركات ما هو أولى بالنيابة عنها، وقد تقدم بيان ذلك في باب الإعراب. ثم إن المصنف حصر المرفوعات في خمسة أشياء: وهي: المبتدأ والخبر والفاعل ونائبه والشبيه بالفاعل، وعنى بالشبيه بالفاعل اسم كان وأخواتها وما حمل عليها، ودخل في الخبر خبر إن وأخواتها وما حمل عليها. وحصر المنصوبات في تسعة أشياء: المفاعيل الخمسة والمستثنى والحال والتمييز والمشبه بالمفعول به، وعنى بالمشبه به المنصوب في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل. وحصر المجرورات في: المضاف إليه والمجرور بحرف داخل فيه، ولهذا سمى سيبويه حروف الجر حروف الإضافة (١). فجملة المرفوعات والمجرورات والمنصوبات خمسة عشر قسما. وحكم التابع حكم متبوعه كما تقرر في باب التوابع، فلا حاجة إلى ذكره (٢). -

стр. 828

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ذكروا مرفوعين آخرين لن يتضمنهما كلام المصنف: أحدهما: الاسم المأتي به لمجرد العدد إذا كان معطوفا على غيره، أو معطوفا عليه غيره ولم يدخل عليه عامل في اللفظ ولا في التقدير نحو: واحد واثنان وثلاثة وأربعة، وكأن التركيب الذي حدث فيه بالعطف قام مقام العامل في حدوث هذه الضمة قاله الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور (١). والثاني: زاده الأعلم، وهو المرفوع على الإهمال من العوامل، وجعل منه قوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٢). وقد أجيب عنهما: أما الأول: فقال الشيخ: «الّذي ينبغي أن يذهب إليه أن هذه الحركات ليست بحركات إعراب. وإنما هي شبيهة بها، وحدثت عند حصول هذا التركيب العطفي» (٣). وأما الثاني: «فقيل: إن إِبْراهِيمُ ﵇ منادى أو مفعول لـ يُقالُ، وأصله النصب؛ فلمّا بني الفعل لما لم يسم فاعله رفع وقيل فيه غير ذلك» (٤). -

стр. 829

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسيأتي في باب ظن (١). وأراد المصنف بالمفعول المطلق: المصدر المؤكد والمبين للنوع أو لعدد المرات، وبالمقيد: المفعول به والمفعول فيه والمفعول له. واعلم أن النحاة اختلفوا في أن أصل المرفوعات ما هو على ثلاثة مذاهب: فقيل: المبتدأ هو الأصل وما عداه فرع. وقيل الفاعل هو الأصل وما عداه فرع. وقيل: المبتدأ والفاعل هما الأصل وما عداهما فرع عليهما، وقد أشار إليها المصنف. قال ابن الخباز (٢): «والصّحيح أنّ الأصل الفاعل؛ لأن عامله لفظيّ وهو أقوى من المبتدأ والخبر؛ لأن عاملهما معنوي، وعامله فعل أو شبهه، فهو أقوى من خبر إنّ واسم ما، وعامله فعل حقيقيّ، فهو أقوى من اسم كان وأخواتها وعامله مبقيّ على صيغته الأصلية، فهو أقوى من الفعل الذي لم يسم فاعله [١/ ٢٩٥] وأيضا -

стр. 830

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعامله الموصوف بالصّفات المذكورة يقتضي منصوبات كثيرة يعمل فيها، وليس كذلك بقية عوامل المرفوعات». أما عامل المبتدأ ففي غاية الضعف؛ لأنه معنوي حتى قيل: إنه لا يعمل في الحال، وإذا لم تعمل إن المكسورةفي الحال مع أنها عامل لفظي فأن لا يعمل الابتداء أولى. وأما الفعل الذي لم يسم فاعله فإنه يأخذ منصوبه فيجعل مرفوعا فتنقص منصوباته، وأما كان وأخواتها فلا تعمل في أكثر من منصوب واحد، وكذلك إن وأخواتها. وأما المنصوبات: فاتفقوا على أن المفاعيل الخمسة منها أصل، وما عداها فرع عليها ولم يتعرض المصنف للتنبيه على ذلك. وأما المجرورات: فقد علمت أنها قسم واحد، فلا يمكن فيه دعوى فرعية، بل هو أصل لم يتفرع عليه غيره، وقد ذكر ابن الخباز أن هنا في المجرورات فرعا، قال: وأصل الجرّ المضاف إليه، وينقسم إلى مجرور بحرف وإلى مجرور باسم، والأصل منهما الّذي ينجرّ بحرف لا يجوز إسقاطه، نحو: مررت بزيد، والذي ينجر بمضاف لا يجوز أن يفصل منه كقولك: غلام عمرو. والمحمول عليه الذي جرّ بحرف جرّ زائد، كقولك: ما جاءني من أحد، والّذي ينجر بمضاف يجوز أن يفصل منه، كقولك: هذا ضارب زيد وحسن الوجه، ألا ترى أنك لا تقول في الأصل مررت زيدا ولا غلام عمرا، وتقول ها هنا: ما جاءني رجل وضارب زيدا وحسن الوجه (١). قوله: وألحق من العمد بالفضلات ... المسألة: قال المصنف: لما تقدم أن النّصب إعراب الفضلات، وكان ما نصب في باب كان وباب إنّ وباب لا؛ عمدة لكونه أحد ركني الإسناد - نبّهت على ذلك بقولي: وألحق من العمد بالفضلات إلى آخره. انتهى (٢). -

стр. 831

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد يقال: كان ينبغي أن يذكر مع المنصوبات الثلاثة، المنصوب في باب ظن؛ لأنه عمدة أعرب إعراب الفضلة، والدليل على أنه عمدة عند المصنف أنه يمنع حذف المفعولين أو أحدهما من غير دليل (١). والجواب: أنه وإن كان عمدة لكنه خرج عن حيز الإسناد إلى حيز المفاعيل صورة، فصار كأنه من قبيل الفضلات بخلاف المنصوب في الأبواب الثلاثة المذكورة؛ فإنه لم يخرج إلى حيز المفاعيل، وصورة الإسناد فيه باقية، وإذا وجد إسناد بين اسمين كانا عمدتين، فلهذا نبه عليه دون غيره (٢). * * *

стр. 832

الباب الثاني عشر باب المبتدأ (١) [تعريفه - نوعاه] قال ابن مالك: (وهو ما عدم حقيقة أو حكما عاملا لفظيّا من مخبر عنه، أو وصف سابق رافع ما انفصل وأغنى، والابتداء كون ذلك كذلك). قال ناظر الجيش: إنما صدر الحد بما ولم يصدره بالاسم؛ ليشمل الاسم الصريح نحو: زيد كاتب، والمؤول نحو: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (٢). ونحو: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (٣). أي صومكم خير لكم. وسواء عليهم الإنذار وعدمه. وإنما قال: أو حكما ليدخل في الحد المجرور بحرف زائد نحو: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ (٤) فإن خالقا مبتدأ ولم يعدم عاملا لفظيّا عدما حقيقيّا؛ لكنه عدمه عدما حكميّا؛ لأن من زائدة فهي وإن [١/ ٢٩٦] وجدت لفظا معدومة حكما (٥). وقيد العامل الذي عدمه المبتدأ بكونه لفظيّا إشعارا بأن للمبتدأ عاملا معنويّا، وهو الابتداء، ولما كان ما عدم عاملا لفظيّا صالحا لتناول أسماء الأفعال ولتناول الفعل المضارع العاري من ناصب وجازم، وكان المبتدأ ينقسم إلى مخبر عنه وغير مخبر -

стр. 833

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه ذكر مخبرا عنه والوصف المقيد منعا لدخول أسماء الأفعال والفعل المضارع وجمعا لنوعي المبتدأ. والمراد هنا بالوصف ما كان كضارب أو كمضروب من الأسماء المشتقة، وما جرى مجراها نحو: أضارب الزّيدان، وما مضروب العمران، والجاري مجراه باطراد نحو: أقرشيّ أبواك، وأقرشي قومك. وقيد الوصف بسابق احترازا من نحو: الزّيدان قائم أبواهما، وقيد أيضا برافع دون إضافة إلى فاعل؛ ليعم الوصف الرافع فاعلا والرافع مفعولا نحو: ما مضروب العمران. ونبه بقوله: ما انفصل على أن المرفوع بالوصف المذكور لا يسدّ مسد الخبر إلا إذا كان غير متصل بالوصف المذكور، أي غير مستتر، وذلك يشمل الاسم الظاهر والمضمر المنفصل. فمثال الأول قول الشاعر: ٥٣٣ - أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا ... إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا (١) ومثال الثاني قول الآخر: ٥٣٤ - خليليّ ما واف بعهدي أنتما ... إذا لم تكونا لي على من أقاطع (٢) ومنه في أحد الوجهين قوله تعالى: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ (٣). -

стр. 834

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واحترز بقوله: وأغنى من أن لا يكون مغنيا نحو: أقائم أبواه زيد؛ فإن الفاعل منفصل مرتفع بوصف سابق إلا أنه غير مغن؛ إذ لا يحسن السكوت عليه، فليس مما نحن فيه، بل زيد مبتدأ وقائم خبر مقدم وأبواه مرتفع به. قال المصنف: ويجوز كون قائم مبتدأ مخبر عنه بزيد، كما قال سيبويه في: «مررت برجل خير منه أبوه، فخير منه مبتدأ وأبوه خبر مع أنّ الأول نكرة والثّاني معرفة» انتهى (١). ثم ها هنا تنبيهات: الأول: قال المصنف عند كلامه على الحد المذكور: «قد تقدّم ما يدلّ على أن الإخبار عن الشيء يكون باعتبار لفظه كما يكون باعتبار معناه وأن المخبر عنه بالاعتبارين يكون اسما نحو: زيد كاتب وزيد معرب، ويكون غير اسم نحو: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢) فـ خَيْرٌ خبر عن أَنْ تَصُومُوا باعتبار المعنى؛ فلو قلت: أن تصوموا ناصب ومنصوب كان إخبارا باعتبار اللفظ. ومن الإخبار باعتبار المعنى والمخبر عنه في اللفظ غير اسم قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (٣) أي سواء عليهم الإنذار وعدمه؛ فلهذا لم أصدر حدّ المبتدأ بالاسم لأنه بعض ما يكون مبتدأ، بل صدّرته بما عدم عاملا لفظيّا ليتناول الاسم وغيره». انتهى (٤). أما قوله: إن الإخبار عن الشيء يكون باعتبار لفظه كما يكون باعتبار معناه، -

стр. 835

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأن المخبر عنه بالاعتبارين يكون اسما فصحيح، وأما قوله: ويكون غير اسم [١/ ٢٩٧] فليس بصحيح ولم يتقدم له ذلك، بل الذي تقدم نقيضه وهو أن الإخبار باعتبار المعنى يختص الاسم به، والذي يشترك الثلاثة فيه الإخبار باعتبار اللفظ، وقد تقدّم تقرير ذلك عند قوله: فالاسم كلمة يسند ما لمعناها إلى نفسها. وإنما صح الإخبار عن أَنْ تَصُومُوا ب خَيْرٌ، وعن أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ب سَواءٌ وإن لم يكونا اسمين لتأولهما بهما، ولولا التأويل لم يصح الإخبار أصلا؛ ولهذا عدلنا عن عبارته وقلنا إنما صدر الحد بما ليشمل الصريح والمؤول. الثاني: ذكر ابن عصفور (١): «أنّ ربّ حكمها في دخولها على المبتدأ حكم الحرف الزائد تقول: ربّ رجل عالم أفاد. فالرّجل في موضع رفع بالابتداء وهو مبتدأ وقد جرّ بحرف غير زائد. الثالث: حكم المصنف بدخول أسماء الأفعال تحت قوله: ما عدم عاملا لفظيّا؛ وهذا على ما يراه من أنها غير معمولة (٢). الرابع: أورد الشيخ على المصنف: لا نولك أن تفعل. قال: «نولك ليس وصفا، وقد جعلوه بمنزلة أقائم الزيدان، وقد حكي نولك أن تفعل فهو من باب قائم الزيدان». انتهى (٣). والجواب: أن هذا قليل نادر خارج عن القياس، فلهذا لم يلتفت إليه على أنه كلام محمول على معناه؛ إذ المعنى: لا ينبغي لك أن تفعل أو ينبغي لك أن تفعل إذا لم تأت بلا. -

стр. 836

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخامس: ذكر الشيخ: أنّ في رفع الوصف المذكور الضّمير المنفصل خلافا (١): فمذهب البصريين الجواز ومذهب الكوفيين المنع؛ فإذا قلت: أقائم أنت جعلوا قائما خبرا مقدّما وأنت مبتدأ، والبصريون يجيزون هذا الوجه، ويجيزون أن يكون أنت فاعلا بقائم. وثمرة الخلاف تظهر في التثنية والجمع: فالكوفيون لا يجيزون إلا: أقائمان أنتما وأقائمون أنتم، واحتجوا بأن هذا الوصف إذا رفع الفاعل السادّ مسد الخبر كان جاريا مجرى الفعل. والفعل لا ينفصل منه الضمير في قولك: أتقومان وأتقومون؛ فلا ينبغي أن ينفصل ما يجري مجراه، وإذا لم يجز انفصاله وجب أن يقال: أقائمان أنتما وأقائمون أنتم حتى يكون الضمير الذي في قائم متصلا به كاتصاله بالفعل في أتقومان وأتقومون إلا أن الفعل مستقل بنفسه والاسم الذي فيه ضمير متصل (٢) غير مستقل بنفسه، ولذلك احتاج إلى رافع وهو أنتما وأنتم. والصحيح ما ذهب إليه البصريون، واستدلوا بالقياس والسماع (٣). أما القياس: فهو أن الصفة إذا جرت على غير من هي له برز فيها الضمير المرفوع بها نحو: زيد هند ضاربها هو، بلا خلاف بين أحد من النحويين في جواز ذلك مع أنها إذ ذاك جارية مجرى الفعل، ولو وقع الفعل موقعها لم يبرز الضمير، بل كنت تقول: زيد هند يضربها، فكما خالف اسم الفاعل الفعل في هذا الموضع مع أنه جار مجراه، فكذلك لا ينكر أن يخالف اسم الفاعل الفعل بانفصال الضمير منه في: أقائم أنتما وشبهه. وأما السماع: فكقول الشاعر: «خليليّ ما واف» البيت المتقدم. وقول الآخر [١/ ٢٩٨]: ٥٣٥ - فما باسط خيرا ولا دافع أذى ... من النّاس إلّا أنتم آل دارم (٤) -

стр. 837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السادس: إذا عطف على هذا الوصف ببل انفصل الضمير فتقول: أقائم الزّيدان بل قاعدهما. وتقول: أقائم أخواك أم قاعد، هذا القياس والوجه؛ لأن التقدير: أم قاعد أخواك وحكى أبو عثمان (١): أم قاعدان فأضمر على حد ما يضمر اسم الفاعل، وعلى قول الشاعر: ٥٣٦ - أناسية ما كان بيني وبينها ... وتاركة عهد الوفاء ظلوم (٢) فأيهما أعمل في ظلوم من اسمي الفاعل لزم الإضمار في الآخر منفصلا، لكن البيت جاء على ما حكاه أبو عثمان. السابع: قال الشيخ (٣): ورد على المصنف في مسألة: أقائم أبواه زيد، وإجازته أن يكون قائم مبتدأ مخبرا عنه بزيد، فقيل: يلزم من ذلك أن يكون المبتدأ قد اشتمل متعلقه على ضمير يعود على الخبر وهو متأخر لفظا ورتبة وذلك لا يجوز. قال: وقد ذهل المصنف والرادّ عليه عن قاعدة في الباب: وهو أنّ هذا الوصف القائم مقام الفعل لا يكون مبتدأ حتّى يكون مرفوعه أغنى عن الخبر؛ لأن مرفوعه هو المحدث عنه، فلا يجتمع هو وخبره عن الوصف، وأبواه في هذه الصورة لا يغني عن الخبر؛ لأنه لا يستقلّ مع الوصف كلاما من حيث الضمير، فلا يجوز في الوصف أن يكون مبتدأ ألبتة فهو خبر مقدّم وأبواه فاعل به وزيد مبتدأ. انتهى (٤). وما ذكره الشيخ غير ظاهر: أما قوله: إن الوصف القائم مقام الفعل لا يكون مبتدأ حتى يكون مرفوعه أغنى عن الخبر - فممنوع وإنما الشروط التي ذكرت من كون الوصف المذكور سابقا رافعا -

стр. 838

[عامل الرفع في المبتدأ والخبر] قال ابن مالك: (وهو يرفع المبتدأ والمبتدأ الخبر؛ خلافا لمن رفعهما به، أو بتجرّدهما للإسناد أو رفع بالابتداء المبتدأ، وبهما الخبر أو قال: ترافعا). ــ منفصلا مغنيا لصحة سد مرفوعه مسد الخبر. وإذا فقد بعض الشروط امتنع الاكتفاء بالمرفوع عن الخبر، وصار ذكر الخبر لازما. أما أنه يمتنع جعل الوصف حينئذ مبتدأ فلا يظهر. وإذا تقرر هذا فالإيراد الذي ذكر وهو لزوم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة - صحيح. ويبطل جعل قائم مبتدأ وزيد خبره من هذه الجهة، لا من الجهة التي أشار الشيخ إليها. إلا أن يقال: إن له موصوفا محذوفا والتقدير: إنسان قائم أبواه زيد (١). ويكون الضمير عائدا على إنسان، فلا يحكم إذ ذاك على ذلك بالبطلان. قوله: والابتداء كون ذلك كذلك أشار بذلك إلى ما عده عاملا لفظيّا، وبذلك إلى القيود التي قيد بها كل واحد من قسمي المبتدأ. والحاصل: أن الابتداء هو تقديم الشيء في اللفظ والنية مجردا مسندا إليه خبر، أو مسندا إلى ما يسد مسد الخبر. قال ناظر الجيش: في الرافع للمبتدأ والخبر (مذاهب ثمانية: وأرجحها أن المبتدأ مرفوع بالابتداء - والخبر مرفوع بالمبتدأ) (٢) وهو مذهب سيبويه [١/ ٢٩٩] صرح بذلك في مواضع من كتابه منها قوله (٣): «فأمّا الّذي ينبني عليه شيء هو هو فإنّ المبنيّ يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وذلك قولك: عبد الله منطلق، ارتفع عبد الله؛ لأنّه ذكر ليبنى عليه المنطلق، وارتفع المنطلق لأن المبنيّ على المبتدأ بمنزلته». وعلى هذا جمهور البصريين. قال المصنف (٤): «وهو الصّحيح لسلامته مما يرد على غيره من مواضع الصحة». وقد رد المذهب المذكور بأوجه: -

стр. 839

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدها: أن المبتدأ قد يرفع فاعلا نحو: القائم أبوه ضاحك؛ فلو كان رافعا للخبر لأدى ذلك إلى إعمال عامل واحد في معمولين رفعا من غير أن يكون أحدهما تابعا للآخر، وذلك لا نظير له. الثاني: أن المبتدأ قد يكون اسما جامدا نحو زيد، والعامل إذا كان غير متصرف لم يجز تقديم معموله عليه، والمبتدأ يجوز تقديم الخبر عليه، بل يجب في بعض المواضع، فدل ذلك على أنه غير عامل فيه. الثالث: أن المبتدأ قد يكون ضميرا، والضمير لا يرفع إذا كان ضمير ما يعمل، فكيف إذا كان ضمير ما لا يعمل. قال الأبذي وابن الضائع (١): هذا الذي ردّ به على سيبويه لا يلزم: أما الأول: فلأن طلبه للفاعل مخالف طلبه للخبر، فقد اختلفت جهتا الطلب، ويجوز عمل رفعين أو نصبين من وجهين مختلفين؛ أما من جهة واحدة فلا. وأما الثاني: وهو أن العامل إذا لم يتصرف في نفسه لا يتصرف في معموله؛ فإنما ذلك فيما كان من العوامل محمولا على الفعل ومشبها به، والمبتدأ ليس من هذا القبيل لأن عمله متأصل؛ لأنه إنما يعمل فيه لطلبه له كما يعمل الفعل في الفاعل لطلبه له. وأما الثالث: فلا يلزم إلا لو كان المبتدأ يعمل بالحمل على الفعل أو بالنيابة منابه. وأما وهو يعمل بحق الأصالة فلا فرق فيه بين الظاهر والمضمر والجامد والمشتق، وإنما يعتبر هذا الذي ذكروه بالنسبة إلى الأفعال أو لما ينوب مناب الأفعال من الأسماء. المذهب الثاني: «أن المبتدأ والخبر كليهما مرفوعان بالابتداء» وهو قول الأخفش والرماني وابن السراج (٢). -

стр. 840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال المصنف: وهذا لا يصح لأربعة أوجه (١): أحدها: «أن الأفعال أقوى العوامل وليس فيها ما يعمل رفعين دون إتباع». الثاني: «أن المعنى الذي ينسب إليه عمل ويمنع وجوده دخول عامل على مصحوبه كالتمني والتشبيه أقوى من الابتداء؛ لأنه لا يمنع وجوده دخول عامل على مصحوبه، والأقوى لا يعمل إلّا في شيء واحد وهو الحال، فالابتداء الذي هو أضعف أحق بألّا يعمل إلا في شيء واحد». الثالث: «أن الابتداء معنى قائم بالمبتدأ؛ لأن المبتدأ مشتق منه والمشتق يتضمن معنى ما اشتق منه وتقديم الخبر على المبتدأ ما لم يعرض مانع جائز بإجماع من أصحابنا. فلو كان الابتداء عامل في الخبر لزم من جواز تقديمه على المبتدأ تقديم معمول العامل المعنوي الأضعف. وتقديم معمول العامل المعنوي الأقوى ممتنع، فما ظنك بالأضعف؟». الرابع: «أن رفع الخبر عمل وجد بعد معنى الابتداء ولفظ المبتدأ، فكان بمنزلة وجود الجزم بعد معنى الشرط والاسم الذي يتضمنه، فكما لا ينسب الجزم لمعنى الشرط بل للاسم الذي تضمنه، كذلك لا ينسب رفع الخبر للابتداء بل للمبتدأ». انتهت الأوجه التي ردّ بها المصنف هذا المذهب (٢). ويمكن الجواب عن الأول [١/ ٣٠٠] بأن الفعل لا يقتضي إلا واحدا؛ إذ لا مقتضي له غيره. وأما الابتداء فالخبر من مقتضياته؛ لأنه يقتضي مسندا ومسندا إليه، وإذا اقتضاهما صح عمله فيهما، وبمثل ذلك يجاب عن الوجه الثاني أيضا. ورد الشيخ الأوجه بما لا يقوى، فأضربت عنه خشية الإطالة (٣). -

стр. 841

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المذهب الثالث: وهو رأي المبرد (١) «أنّ الابتداء رفع المبتدأ بنفسه، ورفع الخبر بوساطة المبتدأ» ولم يذكر المصنف هذا المذهب في المتن. قال المصنف: هو أمثل من قول من قال: الابتداء رفع المبتدأ والخبر معا، وهو أيضا مردود؛ لأنه قول يقتضي كون العامل معنى متقويا بلفظ. والمعروف كون العامل لفظا متقويا بلفظ كتقوي الفعل بواو المصاحبة، أو كون العامل لفظا متقويا بمعنى كتقوي المضاف بمعنى اللام أو بمعنى من. فالقول بأن الأبتداء عامل يتقوى بالمبتدأ لا نظير له فوجب رده. وقد جعل بعضهم نظير ذلك إعمال أداة الشرط في الشرط بنفسها، وفي الجواب بواسطة فعل الشرط. وليس كما زعم لأن أداة الشرط وفعله لفظان، فإذا قوي أحدهما بالآخر لم يكن بدعا. وأما الابتداء والمبتدأ فمعنى ولفظ، فلو قوي اللفظ بالمعنى لكان قريبا بخلاف ما يحاولونه من العكس؛ فإنه بعيد ولا نظير له. المذهب الرابع: «أنّهما مرفوعان بالتجرّد للإسناد. والمراد بالتجرّد تعريتهما عن العوامل اللفظيّة» وهو مذهب الجرمي والسيرافي وكثير من البصريين (٢). قال المصنف: وهو مردود أيضا بما رد به قول من قال: هما مرفوعان بالابتداء وفيه رداءة زائدة من ثلاثة أوجه (٣): أحدها: أنه جعل التجرد عاملا، وإنما هو شرط في صحة عمل الابتداء، والابتداء هو العامل عند سيبويه وغيره من المحققين. والثاني: أنه جعل تجردهما واحدا؛ وليس كذلك؛ فإن تجرد المبتدأ لإسناد إليه أو لإسناده إلى ما يسدّ مسد مسند إليه، وتجرد الخبر إنما هو ليسند إلى المبتدأ؛ فبين التجردين بون فكيف يتّحدان؟ -

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالث: أنه أطلق التجرد ولم يقيده؛ فلزم من ذلك ألا يكون مبتدأ ولا خبرا ما جر منهما بحرف جر زائد نحو: ما فيها من أحد و [نحو قول الشاعر] (١): ٥٣٧ - [يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ... ألا] هل أخو عيش لذيذ بدائم (٢) قال الشيخ (٣): «أما الوجه الأول من الثلاثة فيمكن أن ينعكس فيقال: التجرد والتعرية هو العامل والابتداء شرط في عمل التجرد». وأما الوجه الثاني: فيقال في الجواب عنه: «اتحد تجرد المبتدأ وتجرد الخبر من حيث الدلالة والاشتراك في القدر المشترك دون ما يخص كلّ واحد منهما، فليسا تجردين وإنما هما تجرد واحد». وأما الوجه الثالث: فالجواب عنه: أنه قد تقرر أن العامل الزائد كلا عامل في باب الفاعل وفي باب المبتدأ وغيرهما، فلا حاجة إلى التقييد. قال (٤): وقد صحح ابن عصفور وبعض شيوخنا هذا المذهب، قالوا: وقد وجد التعري عاملا بشرط أن يكون المعرّى قد ركب من وجه ما حكى سيبويه (٥): «أنّهم يقولون: واحد واثنان وثلاثة [١/ ٣٠١] وأربعة إذا عدّوا ولم يقصدوا الإخبار -

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأسماء العدد ولا عنها، فكذلك المبتدأ والخبر ارتفعا مع تركيب المبتدأ بالإخبار عنه وتركيب الخبر بالإخبار به». وذهب ابن كيسان (١) إلى أن هذا المذهب يفسده كون ذلك مؤديا إلى أن يكون وجود العامل أضعف من عدمه إن قدرت التعرية عن عامل نصب أو خفض؛ لأن التعرية تعمل رفعا، ووجود العامل الذي قدرت التعرية عنه يعمل نصبا أو خفضا، وعامل الرفع أقوى من عامل النصب والخفض؛ إذ قد يعمل النصب والخفض معنى الفعل وليس كذلك الرفع، وإن قدرت التعرية عن عامل رفع كان وجود العامل وعدمه سواء، وإنما ينبغي أن يكون الشيء موجودا أقوى منه معدوما. قال ابن عصفور: «وهذا باطل لأنّا لا نعني بالتعرّي أكثر من أنّ الاسم المبتدأ لا عامل له، وإنما كان يلزم ما ذكر لو قدرنا أنه قد كان له عامل ثمّ حذف» (٢). المذهب الخامس: «أنّ المبتدأ ارتفع بالابتداء وارتفع الخبر بالابتداء والمبتدأ معا» وهو قول أبي إسحاق وأصحابه. قال الشيخ (٣): «وقد نسب إلى أبي العبّاس» (٤) ورد بأنه يؤدي إلى منع تقديم الخبر؛ لأنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يكون العامل لفظا متصرفا. المذهب السادس: «أنّ المبتدأ رفع الخبر والخبر رفع المبتدأ» وهو المراد بقوله: ترافعا. وهو قول الكوفيين. قال المصنف: «وهو مردود أيضا؛ لأنه لو كان الخبر رافعا للمبتدأ كما أن المبتدأ رافع للخبر لكان لكل منهما بالتقديم رتبة أصلية؛ لأن أصل كل عامل أن يتقدم على معموله. فكان لا يمتنع: صاحبها في الدار كما لا يمتنع: في داره زيد، وامتناع الأول -

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجواز الثاني دليل على أن التقدم لا أصلية للخبر فيه». انتهى (١). وقد يقال: إنما كانت رتبة المبتدأ التقدم دون الخبر من جهة كونه محكوما عليه لا من جهة كونه عاملا، ويكون هذا نظير قوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا (٢)؛ فكل منهما عمل في الآخر، ووجب تقديم أي من جهة أخرى غير كونها عاملة (٣). وقال الشيخ - بعد نقل كلام بعضهم: فتلخّص عن الكوفيين مذهبان (٤): أحدهما: أن المبتدأ رافع للخبر والخبر رافع المبتدأ مطلقا، وسواء كان في الخبر ذكر للمبتدأ أم لم يكن له ذكر. والثاني: التفصيل بين أن يكون له ذكر، فيكون المبتدأ مرفوعا بذلك الذكر، نحو: زيد ضربته - أو لا يكون فيكون مرفوعا بالخبر نحو: القائم زيد -. قال (٥): والذي نختاره ونذهب إليه ويقتضيه النظر قول الكوفيين في أن كلّا منهما رافع الآخر (٦)، وذلك أن كلّا منهما يقتضي الآخر فينبغي أن يكون عاملا فيه، ولأنه جار على القواعد؛ إذ أصل العمل إنما هو اللفظ ولم نجد إلا مبتدأ وخبرا ووجدناهما مرفوعين، وأمكن أن تنسب العمل لكل منهما في الآخر؛ إذ قد اختلفت جهتا الاقتضاء. كما وجدنا ذلك فيما هو متفق عليه أو كالمتفق عليه من اسم [١/ ٣٠٢] الشرط وفعله، وكان في ذلك بقاء على أن العامل لفظي دون غيره. وطول الشيخ في ذلك، وأبطل ما رد به المذهب المذكور، فأضربت عنه خوف -

стр. 845

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإطالة (١) وهذه ستة مذاهب اشتمل عليها كلام المصنف في المتن والشرح. وذكر ابن أبي الربيع (٢) مذهبا سابعا ونسبه إلى الكوفيين: وهو أنّ الابتداء عامل في المتقدم منهما والمقدّم عامل في المؤخّر؛ فإذا قلت: زيد قائم فالابتداء عامل في المبتدأ وهو زيد، وزيد عامل في قائم، وإذا قلت: قائم زيد، فالابتداء عامل في قائم وهو الخبر، والخبر عامل في زيد. وذكر ابن عصفور مذهبا ثامنا: وهو أن المبتدأ ارتفع لشبهه بالفاعل (٣)، ولا أعلم ما الرافع للخبر على هذا القول، والظاهر أنه المبتدأ.
следующие страницы →