← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1685

مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (781 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع. ويصح طواف الراكب لعذر بغير خلاف، وإن كان لغير عذر فعنه: لا يجزئ، لقوله: "الطواف بالبيت صلاة". ١ والثانية: يجزئه وعلية دم. والثالثة: يجزئ بغير دم، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر، وقال: لا قول لأحد مع فعل رسول الله ﷺ . والطواف راجلاً أفضل بغير خلاف، لفعله ﷺ في غير تلك المرة، ولفعل أصحابه، و"حديث أم سلمة يدل على المشي إلا لعذر"، فأما السعي محمولاً وراكباً فيجزيه، ولو لغير عذر. والطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحته، وبه قال مالك والشافعي. وعنه: ليس شرطاً بل يجبر بدم. وقال أبو حنيفة: ليس شيء من ذلك شرطاً. ولنا: قوله: "لا يطوف بالبيت عريان"، ٢ وقوله: "غير ألا تطوفي بالبيت". ٣ وإن شك في عدد الطواف بني على اليقين، ذكره ابن المنذر إجماعاً. وإذا أقيمت الصلاة المكتوبة قطع الطواف، فإذا صلى بنى على طوافه، قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف فيه، إلا الحسن، فإنه قال: يستأنف. وكذا الحكم في الجنازة إذا حضرت. وحكم السعي حكم الطواف فيما ذكرنا، وهو قول الشافعي وأبي ثور وعطاء، ولا نعلم عن غيرهم خلافاً. و"يستحب أن يصلي بعده ركعتين خلف المقام، يقرأ فيهما بسورة "الإخلاص""، لحديث جابر؛ وحيث ركعهما ومهما قرأ فيهما أجزأه، "لأن عمر ركعهما بذي طوى. ولما طافت أم سلمة لم تصلّ حتى خرجت". ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة. و"كان ابن الزبير يصلي والطواف بين يديه، فتمر المرأة فينتظرها حتى ترفع رجلها، ثم يسجد". وهما سنة مؤكدة، وبه قال مالك. وللشافعي قولان: أحدهما: الوجوب. ولنا: قوله: "لا. إلا أن تطوّع". "فإن صلى المكتوبة بعده

стр. 317

أجزأت عنهما"، روي عن ابن عباس. وعنه: يصليهما بعد المكتوبة، وبه قال مالك. "ولا بأس أن يجمع بين الأسابيع، ثم يركع لكل أسبوع ركعتين، فعلته عائشة والمسور"، و"كرهه ابن عمر ومالك، لأنه ﷺ لم يفعله". فإذا ركع ركعتي الطواف وأراد الخروج إلى الصفا عاد إلى الحجر فاستلمه، لفعله ﷺ ، وكذلك استحبه مالك والشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً. ثم يخرج إلى الصفا من بابه، ويسعى سبعاً. و"يبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله"، لحديث جابر، ويدعو بما في حديثه. قال أحمد: ويدعو بدعاء ابن عمر. فإن لم يرق على الصفا، فلا شيء عليه. وحكم المرأة حكم الرجل، إلا أنها لا ترقى لئلا تزاحم الرجال. ثم ينزل فيمشي حتى يأتي العلَم فيسعى سعياً شديداً إلى العلَم الآخر. ثم يمشي حتى يأتي المروة، فيفعل عليها ما فعل على الصفا. ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه. يفعل ذلك سبعاً، ويكثر من الدعاء والذكر، لحديث: "إنما جُعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله ". ١ صححه الترمذي. والرمَل في السعي سنة، لا شيء على تاركه. ويستحب أن يسعى طاهراً مستتراً متوالياً، وعنه: أن ذلك شرط، والأول قول أكثر أهل العلم، لقوله: "افعلي ما يفعل الحاج، غير ألاّ تطوفي بالبيت". ٢ وإن سعى قبل الطواف لم يصح، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وعنه: يجزيه إن نسي، لقوله في التقدم والتأخر: "لا حرج". ولا تجب الموالاة بين الطواف والسعي، قال عطاء: لا بأس أن يطوف أول النهار ويسعى آخره. فإذا فرغ المتمتع قصّر من شعره أو حلق وتحلل، إلا إن كان معه هدي، فيقيم على إحرامه. وعنه: له التقصير من شعره خاصة، لحديث معاوية. وقال مالك: له التحلل ونحر هديه عند

стр. 318

المروة. ولنا: حديث ابن عمر وعائشة وغيرهما. وعنه فيمن قدم متمتعاً في أشهر الحج وساق الهدي قال: إن دخلها في العشر لم ينحر الهدي إلا يوم النحر، وإن قدم قبل العشر نحر الهدي، وبه قال عطاء، وقال: من لبد أو ضفر فهو بمنزلة من ساق الهدي، لحديث حفصة، والأول أولى، للأحاديث الصحيحة الصريحة. فأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل، سواء كان معه هدي أو لم يكن، في أشهر الحج أو غيرها، "لأنه ﷺ اعتمر ثلاث عمر، عمرته التي مع حجته، بعضهن أو كلهن في ذي القعدة، وكان يحل". فإن كان معه هدي نحره عند المروة، وحيث نحره من الحرم جاز، لقوله: "فجاج مكة كلها طريق ومنحر". ١ رواه أبو داود. والمستحب للمتمتع إذا حل: التقصير ليؤخر الحلق إلى الحج، ولم يأمر ﷺ أصحابه إلا به، فقال في حديث جابر: "حلّوا من إحرامكم بطواف، وقصِّروا"، ٢ وفي حديث ابن عمر: "من لم يكن معه هدي، فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، وليقصّر وليحلل". متفق عليه. وإن حلق جاز، لأنه أحد النسكين. فإن ترك الحلق والتقصير، فعليه دم. فإن وطئ قبله فعليه دم، وبه قال مالك وأصحاب الرأي. وحكي عن الشافعي: أن عمرته تفسد. ولنا: قول ابن عباس فيمن وقع عليها زوجها معتمرة، قبل أن يقصر: "من ترك شيئاً من مناسكه أو نسيه، فليهرق دماً". والمتمتع يقطع التلبية إذا وصل البيت، وبه قال ابن عباس والشافعي. وعن ابن عمر: "إذا وصل الحرم". ولنا: حديث ابن عباس: "كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر". صححه الترمذي.

стр. 319

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": إذا رأى البيت رفع يديه وكبر ويدعو، وعند الشيخ: لا. فإذا حاذى الحجر أو بعضه ببعض بدنه، لم يجزه عن ذلك الشوط، وقيل: يجزئ، اختاره الشيخ. ويستحب استقبالُ الحجر بوجهه، قال الشيخ: هو السنة. ويجعل البيت عن يساره، قال الشيخ: تكون الحركة الدورية يعتمد فيها اليمنى على اليسرى، فلما كان الإكرام ذلك للخارج جعل اليمنى. قوله: ويقول كلما حاذى الحجر: "الله أكبر، ولا إله إلا الله"، وقيل: يكبّر فقط. وقال الشيخ: تستحب القراءة فيه لا الجهر، قال: وليس له القراءة إذا أغلط المصلين، وقال: جنس القراءة أفضل من جنس الطواف. وقال أحمد في الرد على أبي حنيفة: "طاف رسول الله ﷺ على بعيره"، ١ وقال: هو إذا حمل فعليه دم. قوله: أو شاذروان الكعبة، وعند الشيخ: أنه ليس من الكعبة، بل جعل عماداً للبيت. وعنه: يصح الطواف من حائض، ويجبر بدم. واختار الشيخ: الصحة فيها، ومن كل معذور، وأنه لا دم على واحد منهم. ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه، قال في الفروع: إجماعاً. نقل الفضل: يكره مسّه وتقبيله.

стр. 320

باب صفة الحج الأولى أن نبدأ بحديث جابر في صفة حجه ﷺ ، ونقتصر منه على ما يخص هذا الباب، وهو صحيح رواه مسلم. وفي أثنائه: "فحلّ الناس كلهم وقصّروا، إلا رسول الله ﷺ ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج. وركب رسول الله ﷺ إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمسُ، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة". ثم ذكر الحديث. قال عطاء: "كان رسول الله ﷺ ينزل منى بالخيف". وسمي يوم الثامن يوم التروية، لأنهم يتروون من الماء فيه ليوم عرفة. "والمستحب لمن كان بمكة من أهلها وغيرهم وهم حلال، أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى منى، وبه قال ابن عباس وابن عمر"، وعن عمر أنه قال لأهل مكة: "إذا رأيتم الهلال، فأهلّوا بالحج"، وقاله ابن الزبير. قال مالك: أحب لمن كان بمكة أن يهلّ من المسجد لهلال ذي الحجة. ولنا: حديث جابر، وفي بعض ألفاظه: "أُمرنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى". ١ رواه مسلم. والأفضل أن يحرم من مكة، لقوله في المواقيت: "حتى أهل مكة يهلّون منها". ٢ ومن أيها أحرم جاز، للحديث. وإن أحرم خارجاً منها من الحرم جاز، لقول جابر: "فأهللنا من الأبطح"، ولأن المقصود: الجمع في النسك بين الحل والحرم. ويفعل ما يفعل عند الإحرام من الميقات من الغسل والتنظف،

стр. 321

ويتجرد عن المخيط. ويطوف سبعاً ويصلي ركعتين ثم يحرم عقيبهما. وممن استحبه: عطاء ومجاهد. ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه، قال ابن عباس: "لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا بعد أن يحرموا بالحج، ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، حتى يرجعوا"، وهذا مذهب مالك وإسحاق. وإن فعل لم يجزئ عن السعي الواجب، وبه قال مالك. وقال الشافعي: يجزئه، "فعَله ابن الزبير لأنه سعى في الحج مرة فأجزأه". ولنا: أمره ﷺ أصحابه بما تقدم، ولو شرع لهم الطواف لم يتفقوا على تركه. وقالت عائشة: "فطاف الذين أهلّوا بالعمرة وبين الصفا والمروة، ثم حلّوا. ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى". و"يستحب أن يخرج كما ذكرنا، فيصلي ثم يقيم بها حتى يصلي الصلوات الخمس، ويبيت بها"، كما في حديث جابر، وهذا قول مالك والشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً. ولا يجب ذلك عند الجميع. "وقد تخلفت عائشة ليلة التروية حتى ذهب ثلثا الليل، وصلى ابن الزبير بمكة". فإن صادف يوم التروية جمعة، فمن كان مقيماً بمكة إلى الزوال ممن تجب عليه، لم يخرج حتى يصليها، ولأنها فرض والخروج في هذا الوقت ليس بفرض. فأما قبل الزوال، فإن شاء خرج وإن شاء أقام حتى يصلي، روي أنه وجد في أيام عمر بن عبد العزيز فخرج إلى منى. وقال عطاء: كل من أدركت يصنعونه إذا أدركتهم يجمع بمكة إمامهم ويخطب، ومرة لا يجمع ولا يخطب؛ فعلى هذا، إذا خرج الإمام، أمر من تخلف أن يصلي الجمعة بالناس. و"يستحب أن يدفع إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس، فيقيم بنمرة"، لما تقدم من حديث جابر. "فإذا زالت الشمس، استحب للإمام أن يخطب يعلّم الناس مناسكهم: من موضع الوقف ووقته والدفع والمبيت بمزدلفة

стр. 322

وأخذ الجمار"، لحديث جابر. ثم يأمر بالأذان، فينزل فيصلي الظهر والعصر يجمع بينهما، ويقيم لكل صلاة. وقال أبو ثور: يؤذن إذا صعد الإمام المنبر، فإذا فرغ خطب، وقيل: يؤذن في آخر الخطبة، و"حديث جابر يدل على أنه أذن بعدها". وإن لم يؤذن للأولى فلا بأس، هكذا قال أحمد، لأن كلاً مروي عنه ﷺ . وقال: مالك يؤذن لكل صلاة، واتباع السنة أولى. والسنة تعجيل الصلاة وتقصير الخطبة، لقول سالم للحجاج: "إن كنت تريد السنة، فقصِّر الخطبة وعجِّل الصلاة"، فقال ابن عمر: "صدق"، رواه البخاري، ولأن التطويل يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال، والسنة التعجيل في ذلك، لقول ابن عمر للحجاج. قال ابن عبد البر: هذا كله مما لا خلاف فيه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكل من صلى معه. وذكر أصحابنا أنه لا يجمع إلا من بينه وبين وطنه مسافة قصر، والصحيح: الأول، فإنه ﷺ جمع معه من حضر من المكيين، فلم يأمرهم بترك الجمع كما قال: " أتموا، فإنا قوم سفر". ١ فأما القصر فلا يجوز، وبه قال الشافعي. وقال مالك والأوزاعي: لهم القصر. ثم يروح إلى الموقف، وعرفة كلها موقف، إلا بطن عُرَنة. و"يستحب أن يغتسل للوقوف، لأن ابن مسعود فعله"، وبه قال الشافعي وابن المنذر. ويستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة راكباً، وقيل: الراجل أفضل. ويكثر من الدعاء، ومن قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير". ويختار المأثور من الأدعية، ويدعو بما أحب من الدعاء والذكر إلى الغروب. ولا نعلم خلافاً

стр. 323

أن آخر وقت الوقوف: طلوع الفجر يوم النحر، وأما أوله: فمن طلوع الفجر يوم عرفة. وقال مالك والشافعي: أوله: وقت الزوال يوم عرفة. ولنا: قوله: "وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارا ... إلخً". ١ وكيفما حصل بعرفة وهو عاقل أجزأه، ولو نائما أو مرَّ بها ولم يعرفها، وقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا يجزئه، لأنه لا يكون واقفاً إلا بالإرادة، ومن وقف وهو مغمًى عليه أو مجنون أو لم يفق حتى خرج منها لم يجزئه، وبه قال الشافعي. وقال مالك في المغمى عليه: يجزئه. وتوقف أحمد فيها. والحسن يقول: بطل حجه. وعطاء لم يرخص فيه. وقال أحمد: يستحب أن يشاهد المناسك كلها على وضوء، ولا يجب ذلك، حكاه ابن المنذر إجماعاً، لحديث عائشة: " افعلي ما يفعل الحاج"، ٢ ولا يشرط له سترة ولا استقبال ولا نية، لا نعلم فيه خلافاً. ومن دفع قبل الغروب فعليه دم، وقال مالك: لا حج له. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً قال بقول مالك. وعن ابن جريج: عليه بدنة، ونحوه قول الحسن. ولنا: قول ابن عباس: "من ترك نسكاً فعليه دم". وإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهاراً حتى غربت، فلا دم عليه، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو ثور: عليه دم. وإذا لم يأت بها ٣ حتى غابت فوقف ليلاً، تم حجه ولا شيء عليه، لا نعلم فيه مخالفاًً، لقوله: "من أدرك عرفات بليل، فقد أدرك الحج". ٤ "ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة وعليه السكينة، فإذا وجد فجوة أسرع"، لحديث جابر وأسامة. قال أحمد: لا يعجبني أن يدفع قبل الإمام. وسئل عن: رجل دفع قبل الإمام بعد غروب الشمس؟ فقال: ما وجدت عن أحد سهّل في الدفع قبله، كلهم يشدّدون فيه، ويكون ملبياً ذاكراً، لقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية. ٥ ويمضي على طريق المأزمين "لأنه صلى الله عليه

стр. 324

وسلم سلكها". والسنة أن لا يصلي المغرب إلا بمزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء بغير خلاف. ويجمع قبل حط الرحال، ويقيم لكل صلاة إقامة. "وممن روي عنه الجمع بينهما بإقامتين بلا أذان: ابن عمر وسالم" والقاسم والشافعي وإسحاق. و"إن اقتصر على إقامة الأولى، فلا بأس؛ روي عن ابن عمر". و"إن أذن للأولى وأقام الثانية فحسن"، وهو في حديث جابر، وبه قال ابن المنذر، وقال: الأولى آخر قولي أحمد، لأنها رواية أسامة، وهو أعلم بحاله لكونه رديفة. وإنما لم يؤذن للأولى لأنها في غير وقتها، بخلاف المجموعتين بعرفة. وقال مالك: "يجمع بينهما بأذانين وإقامتين، روي عن عمر وابن مسعود"، واتباع السنة أولى. قال ابن عبد البر: لا أعلم فيما قال مالك حديثاً مرفوعاً. وقال قوم: "إنما أمر عمر بالتأذين للثانية، لأن الناس تفرقوا لعشائهم، وكذلك ابن مسعود، فإنه يجعل العشاء بمزدلفة بين الصلاتين"، والسنة أن لا يتطوع بينهما. قال ابن المنذر: لا يختلفون في ذلك. وإن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأه، وبه قال مالك والشافعي. وقال الثوري: لا يجزئه، ولا نعلم خلافاً أنه إذا فاته الجمع مع الإمام بمزدلفة أنه يجمع وحده، وكذلك لو فرق لم يبطل الجمع لقوله: "ثم أناخ كل إنسان بعيره ثم صلى العشاء"، و"كذا إن فاته الجمع مع الإمام بعرفة بين الظهر والعصر، فعله ابن عمر"، وبه قال مالك والشافعي. وقال الثوري: له لا يجمع إلا مع الإمام. والمبيت بمزدلفة واجب، من تركه فعليه دم، وقال علقمة: فاته الحج، لقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ، ١ ولقوله: "من صلى صلاتنا هذه ووقف معنا ... إلخ"، ٢ ومنطوق الآية ليس بركن إجماعاً، فإنه لو بات ولم يذكر الله ولم يشهد الصلاة، صح حجه، وكذلك شهود صلاة

стр. 325

الفجر. فلو أفاض من عرفة آخر ليلة النحر أمكنه ذلك، فيتعين حمله على الإيجاب أو الفضيلة. ولا يدفع قبل نصف الليل، فإن فعل فعليه دم، وإن دفع بعده فلا شيء عليه، وبه قال الشافعي. وقال مالك: إن مرَّ فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع. ولنا: "أنه ﷺ بات بها وقال: خذوا عني مناسككم". ١ وإنما"أبيح الدفع بعد النصف للرخصة الواردة"، لحديث ابن عباس وأم سلمة، وإن عاد فدفع بعد النصف فلا دم عليه، كالعائد إلى عرفة نهاراً. ويجب الدم على من دفع قبل النصف، وعلى من ترك المبيت بمنى، عمداً أو سهواً، عالماً أو جاهلاً، لأنه أرخص لأهل السقاية والرعاية في ترك البيتوتة. فلو وافاها بعد نصف الليل فلا دم عليه، وإن جاء بعد الفجر فعليه دم. والمستحب: "الاقتداء برسول الله ﷺ ، والمبيت إلى أن يصبح، ثم يقف حتى يسفر". ولا بأس بتقديم الضعفة، "وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف، وعائشة"، ولا نعلم فيه خلافاً. ويستحب أن يعجل صلاة الفجر ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام، "ثم يأتي المشعر الحرام فيقف عنده أو يرقى عليه إن أمكنه، فيذكر الله تعالى ويجتهد إلى أن يسفر"، لحديث جابر، ولا نعلم خلافاً في استحباب الدفع من قبل طلوع الشمس. وكان مالك يرى الدفع من قبل الإسفار. ولنا: حديث جابر. و"يستحب أن يسير وعليه السكينة، فإذا بلغ محّسراً أسرع قدر رمية بحجر"، لحديث جابر. ويلبي في طريقه، لأنه من شعائر الحج، ولا ينقطع إلا بالشروع في الإحلال، وأوله رمي جمرة العقبة. ثم يأخذ الحصى من طريقه أو من مزدلفة، ومن حيث أخذه جاز، لئلا يشتغل عند قدومه بشيء قبل الرمي، لأنه تحية له كما أن الطواف تحية المسجد الحرام. ولا يبدأ بشيء قبله.

стр. 326

"وكان ابن عمر يأخذ من جمع"، واستحبه الشافعي. وقال أحمد: من حيث شاء، اختاره ابن المنذر، وهو أصح، لحديث ابن عباس: "القط لي حصى ... إلخ"، ١ وكان ذلك بمنى. ويستحب أن يكون كحصى الخذف، للخبر، ولقول جابر: "كل حصاة منها مثل حصى الخذف، فإن رمى بحجر كبير أو صغير أجزأه". وقال أحمد: لا يجوز حتى يأتي بالحصى على ما فعل رسول الله ﷺ ، لأنه أمر بهذا القدر، ونهى عن مجاوزته؛ والأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي الفساد. وعنه: "يستحب غسله، لأنه مروي عن ابن عمر". وعنه: لا. وقال: لم يبلغنا عن النبي ﷺ أنه فعله، وهذا هو الصحيح. وعدده: سبعون حصاة، يرمي بسبع منها يوم النحر، وباقيها في أيام منى، كل يوم بإحدى وعشرين. فإذا وصل إلى منى بدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع، يكبّر مع كل حصاة. ويستحب سلوك الطريق التي تخرج على الجمرة الكبرى، لفعله ﷺ ، وفي حديث جابر: "فرماها بسبع يكبّر مع كل حصاة". ٢ وإن رماها دفعة واحدة لم يجزه إلا عن واحدة، نصَّ عليه، وقال عطاء: يجزيه. ويكبّر لكل حصاة، ويرميها راجلاً وراكباً، وكيفما شاء، "لأنه ﷺ رماها على راحلته، ولا يقف عندها"، لحديث ابن عمر. وقال نافع: "كان ابن عمر يرميها على راحلته يوم النحر، ولا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشياً ذاهباً وراجعاً"، رواه أحمد، وفيه التفريق بين هذه الجمرة وغيرها، لأنها مما يستحب البداءة به. ولا يسن عندها وقوف، فلو سن له المشي شغله النزول عن الابتداء بها. ولا يجزئه إلا أن يقع الحصى في المرمى، فإن وقع دونه لم يجزه،

стр. 327

لا نعلم فيه خلافاً، وكذلك إن وضعها في المرمى في قول الجميع، لأنه مأمور بالرمي. ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي، وعن سعد وعائشة: "إذا راح إلى الموقف". وعن علي وأم سلمة: "أنهما يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة". ويجزئ الرمي بكل ما يسمى حصى، وقال أبو حنيفة: يجزئ بالطين والمدر، وما كان من جنس الأرض. وعن سكينة بنت الحسين أنها رمت الجمرة ورجل يناولها الحصى، وسقطت حصاة فرمت بخاتمها. ولنا: "أنه ﷺ أمر بالرمي بمثل حصى الخذف". وإن رمى بحصى أُخذ من المرمى لم يجزه. ولنا: أنه لو جاز لما احتاج أحد إلى أخذه من غير مكانه، لأن ابن عباس قال: ?"ما تُقبل منه رفع". ويرميها قبل طلوع الشمس، قال ابن عبد البر: أجمعوا: "أنه ﷺ رماها ضحى ذلك اليوم"؛ ويجوز من نصف الليل، وبه قال عطاء والشافعي، وعنه: يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس، وبه قال مالك وأصحاب الرأي. وقال الثوري: لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، لحديث ابن عباس. ولنا: قصة أم سلمة، احتج به أحمد وغيره محمول على الاستحباب. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب، فقد رماها في وقت لها. فإن أخرها إلى الليل، لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد. وقال الشافعي وابن المنذر: يرمي ليلاً، لقوله ﵇: "ارم ولا حرج". ١ ولنا: أن ابن عمر قال: "من فاته الرمي حتى تغيب الشمس، فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد"، وقوله: "ارم ولا حرج"، في النهار، لأنه سأله يوم النحر، ولا يكون اليوم إلا قبل الغروب. وقال مالك: يرمي ليلاً وعليه دم، ومرة قال: لا دم عليه. ثم ينحر هدياً إن كان معه، ويحلق أو يقصر من جميع شعره، وعنه:

стр. 328

يجزئه بعضه. ويتولى النحر بيده، ويجوز أن يستنيب فيه. ويفرّقه على مساكين الحرم، ويقسم جلودها وجلالها، للخبر، ولأنه جعله لله. ويلزم الحلق والتقصير من جميع شعره، وكذلك المرأة، وبه قال مالك، وعنه: يجزئه بعضه. وقال الشافعي: يجزئه التقصير من ثلاث شعرات. وقال ابن المنذر: يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير. ولنا: قوله: ﴿محلقين رؤوسهم﴾ الآية، ١ "وحلق ﷺ جميع رأسه"، ٢ وتفسير المطلق الأمر به. وأي قدر قصر من الشعر أجزأه، قال أحمد: "يقصر قدر الأنملة"، وهو قول ابن عمر، وهو محمول على الاستحباب. قال ابن المنذر: أجمعوا على إجزاء التقصير، إلا أنه يروى عن الحسن إيجاب الحلق في الحجة الأولى، ولا يصح هذا: لقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ . ٣ والحلق أفضل، "لأنه ﷺ فعله". وأما من لبّد أو عقص أو ضفر، فقال أحمد: من فعله حلق، وبه قال مالك والشافعى، لما روي مرفوعاً: "من لبّد فليحلقْ". وثبت عن عمر وابنه: "أنهما أمرا من لبّد بالحلق"، والصحيح: التخيير، إلا إن ثبت الخبر، وهو قول عمر وابنه، وخالفهما ابن عباس. والمرأة تقصر، حكاه ابن المنذر إجماعاً لأن حلقها مثلة. قال أحمد: نعم، تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطرافه قدر الأنملة. "والذي ليس على رأسه شعر، يستحب له إمرار الموسى على رأسه"، روي ذلك عن ابن عمر، وبه قال مالك والشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً. وحكاه ابن المنذر إجماعاً، وليس بواجب. وقال أبو حنيفة: يجب لقوله: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم ". ٤ ولنا: أن الحلق

стр. 329

محله الشعر، كالعضو إذا قُطع سقط غسله. ويستحب تقليم أظفاره، والأخذ من شاربه، قال ابن المنذر: ثبت "أنه ﷺ لما حلق قلّم أظفاره". "وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره". وكان عطاء وغيره يحبون لو أخذ من لحيته شيئاً. وكان ابن عمر يقول للحالق: "ابلغ العظمين، وافصل الرأس من اللحية". وكان عطاء يقول: "من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين". ثم قد حل له كل شيء إلا النساء، وعنه: إلا الوطء في الفرج؛ والأول: قول عائشة وابن الزبير والشافعي. والثاني: يروى عن ابن عباس. وعن عمر: "يحل كل شيء إلا النساء والطيب لأنه من دواعي الوطء". وعن عروة: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب، وروي فيه حديث. ولنا: قول عائشة: "طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت". ١ وعن سالم عن أبيه قال: قال عمر: "إذا رميتم وذبحتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب. فقالت عائشة: طيبت رسول الله ﷺ ، فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تُتّبع". رواه سعيد. وقال مالك: لا يحل النساء والطيب ولا قتل الصيد، لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ الآية، ٢ وهذا حرام، وقد ذكرنا ما يردّ هذا، فإنه ليس بمحرم، وإنما بقي بعض أحكام الإحرام. والحلق والتقصير نسك، إن أخره عن أيام منى فهل يلزمه دم؟ وممن رآه نسكاً الثلاثة، وعنه: ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور، ووجهه: "أنه ﷺ أمر بالحل من العمرة قبله"، لقول أبي موسى: "أمرني فطفت بالصفا والمروة فقال لي: أحلّ"، وفي حديث جابر: "من ليس معه

стр. 330

هدي فليحلّ"، ١ والأول أصح، فإنه ﷺ أمر به، ولقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ، ٢ فلو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس، ولأنه ترحّم على المحلقين ثلاثاً والمقصرين مرة، ولو لم يكن منسكاً لما دخله التفضيل كالمباحات، ولو لم يكن منسكاً لما داوموا عليه، بل لم يفعلوه إلا نادراً، لأنه لم يكن من عادتهم. وأما أمره بالحل فمعناه، والله أعلم، الحل بفعله، لأنه مشهور عندهم، ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان محرما فيه، كالسلام في الصلاة. وإذا قلنا: إنه نسك جاز تأخيره إلى آخر أيام النحر، لأنه إذا جاز تأخير النحر فهو أولى. فإن أخره عن ذلك فلا دم عليه، وعنه: عليه دم. ولا فرق بين العامد والساهي، وقال مالك وغيره: من تركه حتى يحل فعليه دم، لأنه نسك، فوجب أن يؤتي به قبل الحل. ولنا: ما تقدم. وهل يحل قبله؟ فيه روايتان: إحداهما: إنما يحصل بالحلق والرمي معاً، وهو قول الشافعي، لقوله: "إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء، إلا النساء" ٣. والثانية: يحصل له التحلل بالرمي وحده، وهو قول مالك، لقوله: "إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء، إلا النساء"، ٤ وكذلك قال ابن عباس. وإن قدم الحلق على الرمي أو على النحر، جاهلاً أو ناسياً، فلا شيء عليه. والسنة: "أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف، لفعله ﷺ ". وقال أبو حنيفة: إن قدم الحلق على الرمي أو على النحر، فعليه دم. وإن فعله متعمداً، فقال عطاء وإسحاق: لا دم عليه، لإطلاق حديث ابن عباس وابن عمر من

стр. 331

رواية ابن عيينة. وعنه: عليه دم، لقوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ؛ ١ والمطلق قد جاء مقيداً، فيحمل المطلق على المقيد. قال أبو عبد الله: أما المتعمد، فلا، لقول الرجل: لم أشعر. قيل له: ابن عيينة لا يقول: لم أشعر. قال: نعم، لكن مالكاً والناس عن الزهري: "لم أشعر" وهم في الحديث. وقال مالك: إن قدم الحلق على الرمي، فعليه دم. وإن قدّمه على النحر، أو النحر على الرمي، فلا شيء عليه، لأنه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الأول. فأما النحر قبل الرمي فجائز، لأن الهدي قد بلغ محله. ولنا: الحديث، فإنه لم يفرّق، ولا نعلم بينهم خلافاً أن مخالفاًت الترتيب لا تمنع الإجزاء، وإنما اختلفوا في الدم. فإن قدم الإفاضة على الرمي أجزأ طوافه، وبه قال الشافعي. وقال مالك: لا يجزئه، يرمي ثم ينحر ثم يفيض. ولنا: ما روى عطاء: "أن رجلا قال: يا رسول الله أفضت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج"، ٢ وعنه مرفوعاً: "من قدّم شيئاً من قبل شيء، فلا حرج". ٣ رواهما سعيد. وفي حديث ابن عمر عند أبي داود والنسائي: "أفضت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج"؛ ٤ فعلى هذا، لو وطئ قبل الرمي وبعد الإفاضة، لم يفسد حجه وعليه دم. فإن رجع إلى أهله ولم يرم، فعليه دم. ثم يخطب الإمام خطبة يعلّمهم النحر والإفاضة، وبه قال الشافعي. وقال مالك: لا يخطب، لأنها في اليوم الذي قبله. ولنا: حديث ابن عباس. ثم يفيض ويطوف للزيارة ويعيّنه بالنية، وقال الشافعي: يجزئه وإن لم ينو الفرض. ولنا: قوله: "إنما الأعمال بالنيات"، ٥ وهذا ركن لا يتم الحج إلا به بغير خلاف، لحديث صفية: "أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: اخرجوا". ٦

стр. 332

وأول وقته: بعد نصف الليل ليلة النحر، ووقت الفضيلة: يوم النحر. وآخره: أيام التشريق، والصحيح أن آخر وقته غير محدود، لأنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم. ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً، أو لم يسع مع طواف القدوم. وإن سعى معه لم يسع، لأن السعي الذي سعاه المتمتع إن كان للعمرة فيشرع له أن يسعى للحج، وإن كان القارن والمفرد لم يسعيا مع طواف القدوم سعيا بعد طواف الزيارة، لأن السعي لا يكون إلا بعد الطواف، لأنه ﷺ لم يسع إلا بعده. وإن كان قد سعى مع طواف القدوم لم يسع، لأنه لا يستحب التطوع به كسائر الأنساك، ولا نعلم خلافاً فيه. فإن لم يسع لم يحلّ إن قلنا: إنه ركن. وإن قلنا: إنه سنة، فهل يحل؟ على وجهين. قال الخرقي: يستحب للمتمتع إذا دخل مكة لطواف الزيارة، لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك؛ فإن الطواف الذي طافه في الأول طواف العمرة، وقد نص عليه في رواية الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله: إذا رجع المتمتع كم يسعى ويطوف؟ قال يطوف ويسعى لحجه، ويطوف طوافاً آخر للزيارة. عاودناه في هذا غير مرة، فثبت عليه. وكذا القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر، ولا طافا للقدوم، يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة، ونص عليه أيضاً، واحتج بقول عائشة: "فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، وبين الصفا والمروة، ثم أحلّوا. ثم طافوا طوافاً آخر بعد ما رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً"، فحمل أحمد أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم، قال شيخنا: لا أعلم أحداً وافق أحمد على هذا، بل المشروع طواف واحدٌ

стр. 333

للزيارة، كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، ولأنه لم ينقل عنه ﷺ ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع، ولا أمر به أحداً. وحديث عائشة دليل على هذا، فإنها قالت: "طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم"، وهذا هو طواف الزيارة، ولم تذكر طوافاً آخر. ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم، لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج الذي لا يتم إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه: وعلى كل حال، فما ذكرت إلا طوافاً واحداً، فمن أين يستدل به على طوافين؟ وأطوفة الحج ثلاثة: طواف الزيارة، وهو ركن بغير خلاف. طواف القدوم، وهو سنّة. طواف الوداع، واجب في تركه دم. وقال مالك: على تارك طواف القدوم دم، ولا شيء على تارك طواف الوداع. وما زاد على هذه فنفل. ولا يشرع في حقه أكثر من سعي واحد بغير خلاف علمناه. ويستحب أن يدخل البيت ويكبّر في نواحيه، ويصلي فيه ويدعو. وقدم أهل العلم كلام بلال في صلاته على كلام أسامة، لأنه مثبت وأسامة ناف. وإن لم يدخله فلا بأس، "لأنه ﷺ لم يدخله في عمرته"، ولقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها" ١. ويستحب أن يأتي زمزم ويشرب من مائها لما أحب، ويتضلع منه، لحديث رواه ابن ماجة. ثم يرجع إلى منى ولا يبيت ليالي منى إلا بها، وهو واجب؛

стр. 334

وبه قال مالك والشافعي. وعنه: ليس بواجب، روي عن الحسن. ووجه الأولى: "رخصه للعباس من أجل السقاية"، ففيه دليل على أنه لا رخصة لغيره. ويرمي الجمرات بها في أيام التشريق، كل جمرة بسبع: يبدأ بالأولى وهي أبعدهن من مكة، فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع. ثم يتقدم قليلاً فيقف ويدعو الله ويطيل. ثم يأتي الوسطى ويجعلها عن يمينه ويرميها بسبع. ثم يتقدم قليلاً فيقف ويدعو الله. ثم يرمي جمرة العقبة بسبع، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها. ويستقبل القبلة في الجمرات كلها، لا نعلم في جميع ذلك خلافاً، إلا أن مالكاً قال: ليس بموضع لرفع اليدين. "ولا يرمي إلا بعد الزوال، فإن رمى قبله أعاد"، روي ذلك عن ابن عمر، وبه قال مالك والشافعي. ورخص إسحاق وأصحاب الرأي في الرمي قبله في يوم النفر، ولا ينفر إلا بعد الزوال. ولنا: "أنه ﷺ إنما رمى ذلك اليوم بعد الزوال". وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه، إلا أنه يستحب المبادرة حين الزوال. فإن ترك الوقوف عندها والدعاء، فلا شيء عليه. وعن الثوري: يطعم شيئاً، وإن أراق دماً فهو أحب إليَّ. والترتيب في الجمرات واجب، فإن بدأ بجمرة العقبة ثم الثانية ثم الأولى، أو بالوسطى لم تجزئه الأولى. وإن رمى القصوى ثم الأولى ثم الوسطى، أعاد القصوى وحدها؛ وبه قال مالك والشافعي. وقال عطاء: لا يجب الترتيب، لما روي: "من قدّم نسكاً بين يدي نسك، فلا حرج". ولنا: "أنه ﷺ رتّبها وقال: خذوا عني مناسككم"، ١ والحديث إنما هو فيمن قدّم نسكا على نسك، لا فيمن قدّم بعض نسك على بعض. والأولى أن لا ينقص عن سبع حصيات، فإن نقص حصاة أو حصاتين، فلا بأس؛ ولا ينقص أكثر من ذلك. وعنه: إن رمى بست ناسياً، فلا شيء عليه؛ فإن تعمّد تصدّق بشيء.

стр. 335

وعنه: أن السبع شرط، فإن أخل بحصاة واجبة من الأولى، لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى، لإخلاله بالترتيب. فإن أخر الرمي كله حتى رماه آخر أيام التشريق، أجزأه، ويرتبه بنيته. فإن أخّره عنها أو ترك المبيت بمنى في لياليه، فعليه دم. قال أحمد: قال بعضهم: ليس عليه دم. وقال إبراهيم: عليه دم! وضحك وقال: دم بمرة! تشدد بمرة! قيل: ليس إلا أن يطعم شيئاً؟ قال: نعم، يطعم تمراً أو نحوه. وليس على أهل سقاية الحاج ولا الرعاة مبيت بمنى، فإن غربت الشمس وهم بها لزم الرعاة المبيت؛ وأهل السقاية وأهل الأعذار كالمرضى. ومن خاف ضياع ماله ونحوهم كالرعاة، لأن الرخصة لهؤلاء تنبيه على غيرهم. ومن كان مريضاً أو محبوساً أو له عذر، جاز أن يستنيب من يرمي عنه، وبه قال الشافعي ومالك، إلا أنه قال: يتحرى المريض حين رميهم فيكبّر سبع تكبيرات. ومن تركه من غير عذر فعليه دم، وكذا من ترك جمرة واحدة؛ وبه قال الشافعي. وعنه: أن في كل حصاة دماً، وبه قال مالك والليث بن سعد. وعنه: في الثلاث دم، وبه قال الشافعي، وفيما دون ذلك في كل حصاة مد. ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى مع الإمام، لفعل الصحابة. ويخطب في الثاني من أيام التشريق خطبة يعلّمهم التعجيل والتأخير والوداع، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يستحب. ولنا: ما روى أبو داود عن رجلين من بني بكر: "أنه خطب في هذا اليوم، وهما عند راحلته" ١. وأجمعوا على أن من أراد الخروج من منى شاخصاً عن الحرم، أن له النفر بعد الزوال، في اليوم الثاني من أيام التشريق. فإن أحب الإقامة بمكة، فقال أحمد: لا يعجبني. وقال مالك في أهل مكة: من كان له عذر، فله أن يتعجل في

стр. 336

يومين، فإن أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا. واحتج من ذهب إلى هذا بقول عمر: "من شاء من الناس أن ينفر في النفر الأول، إلا آل خزيمة، فلا ينفروا إلا في النفر الآخر". جعل أحمد وإسحاق معناه: أنهم أهل الحرم. وقول عامة العلماء: جوازه لكل أحد، للآي؛. قال عطاء: هي عامة، وكلام أحمد أراد به الاستحباب موافقة لعمر. وروى أبو داود عن يحيى بن يعمر، مرفوعاً: "أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه". ١ قال ابن عيينة: هذا أجود حديث رواه سفيان. وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك. "فإن غابت الشمس قبل خروجه من منى لم ينفر، ارتحل أو لم يرتحل"، وهذا قول عمر، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث، لأنه لم يدخل وقت الرمي. ولنا: الآية؛ فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين. قال ابن المنذر: ثبت عن عمر أنه قال: "من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس". قال بعض أصحابنا: يستحب لمن نفر أن يأتي في المحصَّب - وهو الأبطح - فليصلّ به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم يهجع يسيراً ثم يدخل مكة. و"كان ابن عمر يرى التحصيب سنة"، و"كان ابن عباس وعائشة لا يريانه سنّة". قال أحمد: ثياب الكعبة إذا نزعت يُتصدق بها، وقال: إذا أراد أن يستشفى بشيء من طيب الكعبة، فيأتي بطيب من عنده فيلزقه بالبيت، ثم يأخذه، ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً، ولا يأخذ من تراب الحرم، ولا يدخل فيه من الحل. كذا قال ابن عمر وابن عباس. ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والخروج أشد؛ إلا ماء زمزم أخرجه كعب. قال أحمد: كيف لنا بالجوار بمكة، قال رسول الله ﷺ : " والله إنك لأحب البقاع إلى

стр. 337

الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت"، ١ وإنما "كره عمر المجاورة بمكة لمن هاجر منها". "وجابر بن عبد الله جاور بمكة بعد". وجميع أهل البلاد ليس بمنزلة من يهاجر. "وابن عمر كان يقيم بمكة". والمقام بالمدينة أحب إليَّ من المقام بمكة لمن قوي عليها، لأنها مهاجَر المسلمين. وقد قال النبي ﷺ : "لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها، إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة. ومن أتى مكة فأقام، فلا وداع عليه". ٢ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد أن حل له النفر، لم يسقط الطواف. ولنا: أنه غير مفارق، فيلزمه وداع، كمن نواها قبل حل النفر. وأما الخارج فلا يخرج حتى يودّع البيت بالطواف، وهو واجب يجب بتركه دم. وقال الشافعي: لا يجب بتركه شيء، لسقوطه عن الحائض. ولنا: أنه مأمور به، وسقوطه عن المعذور لا يوجب سقوطه عن غيره، كالصلاة. بل تخصيص الحائض بسقوطه، دليل على وجوبه على غيرها. ولا وداع على من منزله بالحرم، لأنهم كانوا أهل مكة. وإن كان منزله خارج الحرم قريباً منه، فعليه الوداع. وقال أصحاب الرأي في أهل بستان ابن عامر وأهل المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة. ولنا: قوله: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده البيت". ٣ فإن ودع ثم اشتغل بتجارة أو أقام، أعاد؛ وبه قال الشافعي ومالك. وقال أصحاب الرأي: إذا طاف الوداع أو تطوع بعد ما حل له النفر، أجزأه وإن أقام شهراً. ولنا: الحديث المتقدم. وإن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه، لم يعد، لأنه ليس بإقامة، ولا نعلم فيه خلافاً. فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج، أجزأ، وعنه: لا. ومن خرج قبل الوداع، فعليه الرجوع إن كان قريباً. وكان عطاء يرى الطائف قريباً. وقال الثوري: ما خرج من

стр. 338

الحرم فهو بعيد. فأما إن ودع وخرج فقال أحمد: أحب إليَّ أن لا يدخل مكة إلا محرماً، وأن يودع البيت. والحائض والنفساء لا وداع عليهما ولا فدية، في قول عامة أهل العلم، و"كان زيد بن ثابت يرى لها الإقامة حتى تودع، ثم رجع". و"يستحب أن يقف المودع في الملتزم، فيلزمه ويلصق به صدره ووجهه ويدعو"، لحديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن صفوان، رواهما أبو داود. قال أحمد: إذا ودع يقوم عند الباب إذا خرج، ويدعو. فإذا ولى فلا يلتفت. فإذا التفت رجع وودع؛ وهذا على الاستحباب، إذ لا نعلم لإيجابه دليلاً. فإن خرج قبل طواف الزيارة، رجع حراما حتى يطوف، لأنه ركن لا يتم الحج إلا به، ولا يحل من إحرامه حتى يفعله. فمتى لم يفعله لم ينفك من إحرامه ولو رفضه، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال الحسن: يحج من العام القابل، ونحوه عن عطاء. وترْك بعض الطواف كترْكه كله، وبه قال مالك والشافعي. فإن ترك طواف الزيارة بعد الرمي، لم يبق محرماً إلا عن النساء خاصة. ومن أراد العمرة من أهل الحرم، خرج إلى الحل فأحرم منه وكان ميقاتاً له، لا نعلم فيه خلافاً، والأفضل من التنعيم. وعنه: كلما تباعد فهو أعظم للأجر. فإن أحرم من الحرم لم يُجْزئ، وينعقد وعليه دم. فإن خرج قبل الطواف ثم عاد، أجزأه، لجمعه بين الحل والحرم. فإن لم يفعل حتى قضى عمرته، صحت ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، ثم قد حل من عمرته. وتجزئ عمرة القارن. والعمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام. لا نعلم خلافاً في إجزاء عمرة المتمتع. وعنه: أن عمرة القارن لا تجزئ، لإعمار عائشة

стр. 339

من التنعيم، ولو أجزأت عمرة القارن لم يعمرها. "ولا بأس أن يعتمر في السنة مراراً"، روي عن علي وابن عمر وغيرهما. وكره العمرة في السنة مرتين: الحسن ومالك. ولنا: "أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمره ﷺ "، ولقوله: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما". ١ فأما الإكثار من الاعتمار والموالاة بينهما، فلا يستحب في ظاهر قول السلف، والحق في اتباعهم. والوقوف بعرفة ركن إجماعاً، وكذا طواف الإفاضة لا خلاف فيه. وأما الإحرام، فعنه: أنه ركن، وعنه: ليس بركن، لحديث الثوري: "الحج عرفة". ٢ وأما السعي، فعنه: أنه ركن، وهو قول عائشة ومالك والشافعي. وعنه: سنّة، روي عن ابن عباس وغيره. وقال القاضي: واجب يجب بتركه دم، وهو قول الثوري؛ وهذا أولى، لأن دليل من أوجبه دل على الوجوب، لأنه لا يتم الحج إلا به، وقول عائشة معارض بقول من خالفها من الصحابة. وواجباته سبعة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، والمبيت بمنى، والرمي، والحلاق أو التقصير، وطواف الوداع. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": هل الحج ماشياً أفضل، أو راكباً، أو سواء؟ اختار الشيخ أن ذلك يختلف باختلاف الناس. ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، وقيل: من الزوال يوم عرفة، اختاره الشيخ، وحكاه ابن عبد البر إجماعاً. ولو خاف فوات الوقوف إن صلى صلاة آمن، صلى صلاة خائف، اختاره الشيخ، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء، قيل: وعقد النكاح. واختار الشيخ حل

стр. 340

العقد، وذكره عن أحمد. وقال الشيخ: لا يستحب للمتمتع أن يطوف للقدوم بعد رجوعه من عرفة قبل الإفاضة. قوله: ثم يسعى إن كان متمتعاً، وعنه: يكتفي بسعي عمرته، اختاره الشيخ. قال الزركشي: في ما قال الأصحاب: أنه يستقبل القبلة بعد جمرة العقبة: نظر، إذ ليس ذلك في الحديث. ويدفن بقية الحصى، وقيل: لا. وليس للإمام التعجيل لأجل من يتأخر، ذكره الشيخ. قال في الفروع: لو ودع ثم أقام بمنى ولم يدخل مكة، يتوجه جوازه، وإن خرج غير حاج، فظاهر كلام شيخنا: لا يودع. وقيل: لا يولي ظهره حتى يغيب، قال الشيخ: هذا بدعة مكروهة. والصحيح: كراهة الإكثار من العمرة والموالاة بينهما. قال في الفروع: يتوجه مرادهم: إذا عوض بالطواف وإلا لم يكره، خلافاً لشيخنا. وكره الشيخ الخروج من مكة للعمرة إذا كان تطوعاً، وقال: هو بدعة، "لأنه لم يفعله ﷺ ، ولا صحابي على عهده، إلا عائشة"، لا في رمضان ولا في غيره، اتفاقاً.

стр. 341

باب الفوات والإحصار من لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر يوم النحر، فاته الحج، لا نعلم فيه خلافاً؛ ويتحلل بطواف وسعي وحلاق، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال المزني: يمضي في حج فاسد، أي: يفعل أفعال الحاج. ولنا: أنه قول عمر وغيره من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف، ولأنه يجوز فسخه إلى العمرة من غير فوات، فمعه أولى. فيجعل إحرامه بعمرة. وعنه: لا يصير إحرامه بعمرة، بل يتحلل، وهو مذهب مالك والشافعي، لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى الآخر. وفي وجوب القضاء روايتان: إحداهما: يجب ولو تطوع، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. والثانية: لا قضاء عليه، روي عن عطاء. ووجه الأولى: الحديث وإجماع الصحابة. وإذا قضى أجزأ القضاء عن الحجة الواجبة، لا نعلم فيه مخالفاًً. ويجب عليه الهدي، وهو قول مَن سمّينا من الصحابة والفقهاء، إلا أصحاب الرأي. فإن اختار البقاء على إحرامه إلى قابل، فله ذلك. ويحتمل أنه ليس له، وبه قال الشافعي، لظاهر الخبر وقول الصحابة. فإن كان قارناً حلَّ، وعليه مثل الذي فاته من قابل؛ وبه قال مالك والشافعي. ويحتمل أن يجزئه ما فعله عن عمرة الإسلام، وليس عليه إلا قضاء الحج، ويلزمه هديان لقرنه وفواته، وبه قال مالك والشافعي. وقيل: يلزمه ثالث، وليس بشيء. وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأ، وإن أخطأ بعضهم فاته

стр. 342

الحج. ومن أحرم فحصره عدوٌّ ولم يكن له طريق إلى الحج، نحر هديه في موضعه وحل، لا خلاف، إلا أنه حكي عن مالك: أن المعتمر لا يتحلل، لأنه لا يخاف الفوات، ولا يصح ذلك، لأن الآية نزلت في عمرة الحديبية، وعلى من تحلل بالإحصار الهدي في قول الأكثر. وعن مالك: لا هدي عليه، لأنه لم يفرط. ولنا: قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ . ١ وقال الشافعي: لا خلاف أنها نزلت في حصر الحديبية. فإن أمكنه الوصول من طريق أخرى، لم يتحلل ولو خشي الفوات، لأنه إن فاته تحلل بعمرة. وليس له التحلل قبل ذبح الهدي؛ فإن كان معه ذبحه، وإلا لزمه شراؤه إن أمكنه. ويجزئ شاة أو سُبع بدنة. وله نحره في حل أو حرم، وبه قال مالك والشافعي. فإن قدر على أطراف الحرم، فقيل: يلزمه نحره فيه، وقيل: ينحره في موضعه، لفعله ﷺ . وإن كان مفردًا أو قارناً، فله التحلل وقت حصره. وعنه: لا يحل، ولا ينحره إلا يوم النحر، لأن للهدي محل زمان ومكان. قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه: أن من يئس أن يصل إلى البيت، فجاز له الحل فلم يحل حتى خلا سبيله، ألا عليه أن يقضي مناسكه. وإن زال بعد فوات الحج، تحلل بعمرة. فإن فات الحج قبل زوال الحصر، تحلل بهدي. فإن لم يجد، صام عشرة أيام ثم حل؛ وبه قال الشافعي في أحد قوليه. وقال مالك: لا بد له، لأنه لم يذكر. وهل يلزمه الحلق مع الهدي؟ فعنه: لا، وعنه: بلى، لفعله ﷺ . وفي وجوب القضاء على المحصر روايتان: إحداهما: لا يجب، وبه قال مالك والشافعي. والثانية: بلى، روي عن مجاهد وغيره، لفعله ﷺ عمرة القضية. ووجه الأولى: "أن الذين اعتمروا معه

стр. 343

صلى الله عليه وسلم كانوا دون أولئك، ولم ينقل أنه أمر بالقضاء"؛ وإنما سميت عمرة القضية أي: التي تقاضوا عليها. فإن صد عن عرفة دون البيت، تحلل بعمرة ولا شيء عليه، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يخرج إلى الحل، فيفعل ما يفعل المعتمر. وإن أُحصر عن البيت بعد الوقوف، تحلل، لأن الحصر يفيد التحلل من الجميع، فكذا التحلل من البعض. و"من أُحصر لمرض أو ذهاب نفقة، لم يكن له التحلل"، روي عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك والشافعي. وقيل: "له التحلل"، روي عن ابن مسعود، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، لقوله: "من كسر أو عرج، فقد حلّ، وعليه حجة أخرى ". ١ رواه النسائي، ولأنه محصور فيدخل في الآية. ووجه الأولى: قوله لضباعة: "اشترطي"، فلو أباحه لمرض ما احتاجت إلى شرط، وحديثهم متروك الظاهر، فإن مجرد الكسر والعرج لا يكون حلالاً. فإن حملوه على الإباحة حملناه على ما إذا اشترط، على أن فيه كلاماً لابن عباس يرويه ومذهبه بخلافه: "من اشترط فله التحلل لجميع ذلك، ولا شيء عليه". ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قوله: وإن أخطأ الناس ... إلخ، قال الشيخ: هل هو يوم عرفة باطناً، فيه خلاف، بناء على أن الهلال لما يطلع في السماء أو لما يراه الناس ويعلمونه، فيه خلاف مشهور. فيه عن أحمد روايتان. وقال: الثاني: الصواب، ويدل عليه لو أخطأ وغلط في العدد أو في الطريق ونحوه، فوقفوا العاشر لم يجزهم إجماعاً؛ فلو اغتفر الخطأ للجميع لاغتفر لهم، فعلم أنه يوم عرفة باطناً وظاهراً، يوضحه لو كان هنا خطأ وصواب لا يستحب الوقوف مرتين، وهو بدعة لم يفعله أحد من السلف في الحج، فعلم أنه لا خطأ. ومن اعتبر كون الرائي

стр. 344

من مكة دون مسافة القصر أو بمكان لا تختلف فيه المطالع، فلم يقله أحد من السلف في الحج، فلو رآه طائفة قليلة وقفوا مع الجمهور. قوله: ومن أحصر لمرض أو ذهاب نفقة لم يتحلل، ويحتمل له التحلل، اختاره الشيخ، وقال: مثله حائض تعذّر مقامها وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة، قال في الفروع: وكذا من ضل عن الطريق.

стр. 345

باب الهدي والأضحي ... باب الهدي والأضاحي الأصل في مشروعية الأضحية: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ، ١ قال بعضهم: المراد به: الأضحية بعد صلاة العيد. ويستحب لمن أتى مكة أن يهدي هدياً، "لأنه ﷺ أهدى في حجته مائة بدنة"، ٢ "وكان يبعث بهديه ويقيم بالمدينة" ٣. وأفضل الهدايا والأضاحي: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم شرك في بدنة، ثم شرك في بقرة، وبه قال الشافعي. وقال به مالك في الهدي. وقال في الأضحية: الأفضل: الجذع من الضأن، ثم البقرة، ثم البدنة، "لأنه ﷺ ضحى بكبشين" ٤ الحديث متفق عليه، ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله أفضل منه لفدى به إسماعيل. ولنا: قوله: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح، فكأنما قرب بدنة ... إلخ"، ٥ وأما التضحية بالكبش فلأنه أفضل أنواع الغنم، وكذلك حصول الفداء به، والشاة أفضل من الشرك في بدنة، ولأن إراقة الدم مقصودة. والذكر والأنثى سواء، لقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ ، ٦ وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية ٧.

стр. 346

وممن أجاز ذكران الإبل في الهدي: مالك والشافعي. وعن ابن عمر: "ما رأيت أحداً فاعلاً ذلك". والأول أولى لما ذكرنا، وثبت "أنه ﷺ أهدى جملاً لأبي جهل، في أنفه برة من فضة". ١ رواه أبو داود. والضأن أفضل من المعز، لأنه أطيب لحماً، ويحتمل أن الثني من المعز أفضل من الجذع، لقوله: "لا تذبحوا إلا مسنّة، فإن عزّ عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن ". ٢ رواه مسلم. ويسن استسمانها واستعظامها واستحسانها، ولأن ذلك أعظم لأجرها ونفعها. والأفضل في نوع الغنم: البياض، لما ورد؛ ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن، وهو: ما له ستة أشهر، والثني مما سواه، وبه قال مالك والشافعي. قال ابن عمر: "لا يجزئ الجذع، لأنه لا يجزئ من غيرها. ولنا على إجزائه: حديث مجاشع وأبي هريرة: "الجذع يوفي مما يوفي منه الثني". ٣ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة. وعلى عدم إجزائه من غيره، قوله: "لا تذبحوا إلا مسنّة ". ٤ وكان عطاء والأوزاعي يقولان: يجزئ الجذع من كل شيء، لقوله: "إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني". ٥ رواه أبو داود، وهو محمول على الضأن، للحديث. وثني الإبل: ما له خمس سنين، ومن البقر: ما له سنتان، ومن المعز: ما له سنة. وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم، والباقون اللحم. وقال أبو حنيفة: تجوز إذا تقربوا كلهم. وعن ابن عمر: "لا يجزئ نفس عن سبعة". قال أحمد: ما علمت أن أحداً لا يرخص فيه، إلا ابن عمر. وعن ابن المسيب: "الجزور عن عشرة"، لحديث رافع في قسمة الغنيمة. ولنا: حديث جابر. وأما حديث رافع، فهو في القيمة. ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة، لحديث أبي داود وأبي هريرة، وكرهه الثوري. ولا تجزئ العوراء البيّن عورها، ولا العجفاء الهزيلة التي لا تنقي، ولا العرجاء

стр. 347

البيّن ضلعها فلا تقدر على المشي مع الغنم، ولا العضباء وهي: التي ذهبت أكثر أذنها أو قرنها. لا خلاف أن هذه الأربعة تمنع الإجزاء في الهدي والأضحية، لحديث البراء في الأضاحي، والهدي مقيس عليه. قال شيخنا: والذي في الحديث: "المريضة البيّن مرضها"، ١ وهو الذي بان أثره عليها، فمن فسره بالجرباء التي لا يرجى برؤها، فتخصيص للعموم بلا دليل. وقال الشافعي: "تجزئ مكسورة القرن"، روي نحوه عن عمار. وقال مالك: إن كان قرنها يدمي لم تجزئ، وإلا أجزأت. وقال عطاء: إذا ذهبت الأذن كلها لم تجزئ. ولنا: حديث علي. قال ابن المسيب: العضب النصف فأكثر. ولا تجزئ العمياء، وإن لم يكن بيّناً، لأنه يمنع مشيها مع الغنم. قال ابن عباس: "لا تجوز العجفاء ولا الجداء"، قال أحمد: هي التي يبس ضرعها، ولأنه أبلغ في الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين. و"تكره معيبة الأذن، بخرق أو شق أو قطع الأقل من النصف"، لحديث عليّ. وما كان كامل الخلقة فهو أفضل، "لأنه ﷺ ضحى بكبش أقرن". ٢ ويجزئه الخصي، لا نعلم فيه خلافاً. والسنة: نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، وذبح البقر والغنم. وممن استحبه مالك والشافعي، وقال عطاء: يستحب وهي باركة. وجوز الثوري كلا الأمرين. ولنا: حديث ابن عمر، وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ ٣ دليل على ذلك، وقيل: في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ ٤ أي: قياماً. ويستحب توجيهها إلى القبلة، ويقول: "بسم الله والله أكبر". قال ابن

стр. 348

المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ إذا ذبح يقول: "بسم الله والله أكبر". ١ وإن قال مما ورد مما زاد، فحسن. وإن قال: "اللهم تقبل مني ومن فلان"، فحسن. قال أبو حنيفة: يكره أن يذكر غير اسم الله، لقوله ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ِ﴾ ٢. وذبحها بيده أفضل، لفعله ﷺ ، والاستنابة جائزة بلا خلاف. أول وقت الذبح: إذا دخل وقت صلاة العيد ومضى قدر الصلاة، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر. وعنه: لا بد من صلاة الإمام وخطبته، وهو مذهب مالك؛ فإن ذبح بعد الصلاة وقبل الخطبة أجزأ، لتعليقه المنع على فعل الصلاة. وأما غير أهل القرى، فإن أوله في حقهم: قدر الصلاة والخطبة بعد حل الصلاة، وقال عطاء: إذا طلعت الشمس. فإن لم يصل الإمام في المصر، لم تذبح حتى تزول الشمس، عند من اعتبر نفس الصلاة، لسقوطها حينئذ. ولا يستحب أن يذبح قبل الإمام، فإن فعل أجزأه، وعن مالك: لا يجزئ، والصحيح: الأول، لما ذكرنا من الأحاديث. و"آخر الذبح: اليوم الثاني من أيام التشريق"، وهذا قول عمر وعلي، وذهب إليه مالك وأبو حنيفة. وعن عليّ: "آخر أيام التشريق"، وبه قال الشافعي. وقال ابن سيرين: لا تجوز إلا يوم النحر. وعن عطاء بن يسار: إلى هلال المحرم. ولنا: "أنه ﷺ نهى عن ادخار اللحوم فوق ثلاث"، فلا يجوز الذبح في وقت لا يجوز الادخار فيه، ولأنه قول خمسة من الصحابة، ولا مخالف لهم إلا رواية عن عليّ، وحديثهم: "ومنى كلها منحر"، ٣ وليس فيه ذكر الأيام. ولا يجزئ في ليلتها،

стр. 349

وبه قال مالك، لقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ ، ١ وعنه: يجوز، وبه قال الشافعي، لأن الليل دخل في مدة الذبح، فإن فات وقت الذبح، ذبح الواجب قضاء. وأما التطوع فلا يصح أيضاً، وقال أبو حنيفة: يسلّمها للفقراء، فإن ذبح قبل الوقت لم يجز، وعليه بدلها إن وجبت، لقوله: "من ذبح قبل أن يصلّي، فليعد مكانها أخرى". ٢ والشاة المذبوحة شاة لحم، كما وصفها ﷺ ، ومعناه: يصنع بها ما شاء، كشاة ذبحها للحمها. ويحتمل أن يكون حكمها حكم الأضحية، كالهدي إذا عطب لا يخرج عن حكمه، ويكون معناه شاة لحم، يعني: أنها تفارقها في الثواب خاصة. ويتعين الهدي بقوله: "هذا هدي"، وتقليده وإشعاره مع النية، وبه قال الثوري وإسحاق. وكذلك الأضحية، بقول: "هذه أضحية"، وبه قال الشافعي. وقال مالك: إذا اشتراها بنية الضحية، وجبت كالهدي بالإشعار. فإن عيّن ما لا يجزئ وجب ذبحه، ولم يجز عن الأضحية. وإن تعيبت لم يجز بيعها، ولا هبتها، إلا أن يبدلها بخير منها فيجوز، وقيل: يجوز بيعها ويشتري خيراً منها، نص عليه؛ وهو قول عطاء وأبي حنيفة، "لأنه ﷺ أشرك علياً في بدنة"، وهو نوع من الهبة. ولنا: أنه يجوز إبدال المصحف، ولم يجز بيعه. وقصة عليّ يحتمل أنه قبل إيجابها، أو في ثوابها وأجرها. فأما إبدالها بخير منها فيجوز، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وقيل: لا. وهو مذهب الشافعي. ولنا: حديث عليّ. ولا يجوز إبدالها بدونها بغير خلاف، ولا يجوز بمثلها أيضاً. فإن مات وعليه دين لم تُبع، وقال الأوزاعي تباع إذا لم يكن لديْنه وفاء إلا منها. وقال مالك: إن تشاجر الورثة باعوها. وله ركوبها عند الحاجة،

стр. 350

ما لم يضرّ بها، وبه قال الشافعي، لقوله ﷺ : " اركبها"، ومع عدم الحاجة روايتان. وإذا عيّن أضحية فولدت، فحكم ولدها حكمها، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يذبحه، ويدفعه إلى المساكين حياً. ولا يجوز ذبحه قبل أمه، ولا تأخيره عن آخر الوقت. ولا يشرب من لبنها، إلا ما فضل عن ولدها، إن لم ينقص لحمها ويضر بها، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحلبها، ويرش على الضرع الماء حتى ينقطع اللبن، فإن حلبها تصدق به. ولنا: قول عليّ: "لا يحلبها إلا ما فضل عن تيسير ولدها". وله جز صوفها إذا كان أنفع لها، ويتصدق به، ولا يعطي الجازر بأجرته شيئاً منها، وبه قال مالك والشافعي. ورخص الحسن في إعطائه الجلد. ولنا: حديث عليّ في البدن. ولا خلاف في جواز الانتفاع بجلودها وجلالها. ولا يجوز بيع شيء منها، وبه قال الشافعي. ورخص الحسن في الجلد يبيعه ويشتري به الغربال وآلة البيت. وحكى ابن المنذر عن أحمد وإسحاق: يبيع الجلد ويتصدق بثمنه. ولنا: حديث عليّ في البدن، وما ذكروه في شراء آلة البيت يبطل باللحم. وإن ذبحها ذابح في وقتها بغير إذنه أجزأت، وقال مالك: هي شاة لحم، لمالكها أرشها، وعليه بدلها، لأن الذبح عبادة. وإن اشترى أضحية فلم يوجبها حتى علم بها عيباً، فإن شاء ردَّها، وإن شاء أخذ أرشها. ثم إن كان عيبها يمنع الإجزاء، لم يصح التضحية بها، وإن لم يمنع ذلك فله ذلك والأرش له. فإن علم به بعد الإيجاب، فقيل: يردها وقيل: لا يردّها، كالعلم بعيب العبد بعد عتقه، وهذا مذهب الشافعي. وإذا أتلف الأضحية الواجبة، فعليه قيمتها يوم التلف. وإن عطب الهدي في الطريق، نحره وصبغ نعله التي في عنقه من دمه، وضرب بها صفحة سنامه، يعرفه الفقراء فيأخذوه. ولا يأكل منها هو ولا أحد من

стр. 351

أهل رفقته. وروي عن ابن عمر "أنه أكل من هديه الذي عطب". وقال مالك: يباح لرفقته غير صاحبه وسائقه، لحديث ناجية بن كعب: "ثم خلِّ بينه وبين الناس". ١ ولنا: حديث ابن عباس عن ذؤيب: "لا تطعمها أنت، ولا أحد من أهل رفقتك". ٢ رواه مسلم. وإذا عين أضحية سليمة ثم تعيبت، ذبحها وأجزأت، وبه قال مالك والشافعي. ويباح للفقراء الأخذ من الهدي بالإذن أو دلالة الحال، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يباح إلا باللفظ. ولنا: قوله: "اصبغ نعلها ... إلخ". وسوق الهدي مسنون، لا يجب إلا بالنذر. و"يستحب أن يقفه بعرفة، ويجمع فيه بين الحل والحرم، ولا يجب"، روي عن ابن عباس، وبه قال الشافعي. و"كان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما عرف به". ويسن تقليد الإبل والبقر وإشعارها، وهو شق صفحة سنامها الأيمن حتى يدميها، في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: هذا مثلة غير جائز، قال مالك: إذا كانت بقرة ذات سنام، فلا بأس بإشعارها، وإلا فلا. ولنا: فعله ﷺ وفعل أصحابه. والسنة في صفحتها اليمنى، وبه قال الشافعي. وقال مالك: اليسرى، لأن ابن عمر فعله. ولنا: حديث ابن عباس، رواه مسلم. وإذا ساقه قبل الميقات استحب إشعاره وتقليده من الميقات، لحديث ابن عباس. وأما الغنم فلا يسن إشعارها، لأنها ضعيفة، يقلدها نعلاً وآذان القرب أو علاقة إداوة أو عروة. وقال مالك: لا يسن تقليدها لأنه لم ينقل. ولنا: حديث عائشة، رواه البخاري. وإذا نذر هدياً مطلقاً أو معيّناً، وأطلق مكانه، وجب إيصاله إلى فقراء الحرم. وجوّز أبو حنيفة ذبحه كيف شاء. ولنا: قوله:

стр. 352

﴿ثم مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ . ١ فإن عيّن لنذره موضعاً غير الحرم، لزم ذبحه فيه، لحديث بوانة. ويستحب أن يأكل من هديه، سواء ما أوجبه بالتعيين أو تطوعاً، وقيل يجب الأكل منها، لظاهر الأمر. ولا يأكل من واجب، إلا دم المتعة والقران، لأن سببها غير محظور. وعنه: "يأكل مما سوى النذر وجزاء الصيد"، وهو قول ابن عمر وإسحاق. وقال الشافعي: لا يأكل من واجب، لأنه هدي وجب بالإحرام، فلم يجز الأكل منه كالكفارة. ولنا: "أن أزواجه ﷺ أكلن من لحوم البقر التي ذبحت عنهن لما تمتعن". والأكثر يرون الأضحية سنة مؤكدة، وقال أبو حنيفة: واجبة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها. وروي عن بلال: "لأن أضعه في يتيم قد ترب فوه أحب إلي"، وبه قال الشعبي. ولنا: "أنه ﷺ ضحى والخلفاء من بعده"، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها. ويستحب أن يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويتصدق بثلث، وقال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله. وقيل: ما كثر من الصدقة فهو أفضل. ولنا: حديث ابن عباس في صفة أضحيته ﷺ ، ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، ولأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ . ٢ والقانع: السائل، والمعتر: الذي يتعرض لك لتعطيه ولا يسأل. وأما قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ، ٣ فلم يبيّن

стр. 353

قدر المأكول والمتصدق به. وأما خبر الهدي، فالهدي يكثر ولا يتمكن الإنسان من قسمه وأخذ ثلثه؛ والأمر في هذا واسع، فمتى أكل وأطعم فقد أتى بما أمر. وقال الشافعي: يجوز أكلها كلها. ولنا: الآية، وظاهر الأمر الوجوب. ويجوز أن يطعم منها كافراً، وكره مالك إعطاء النصراني جلدها، وإن أكلها كلها، ضمن ما يجزئ في الصدقة؛ وقيل: يضمن الثلث. ويجوز ادخار لحمها فوق ثلاث، في قول عامتهم، و"لم يجزه عليّ وابن عمر، للنهي عنه". ولنا: أنه رخص بعد النهي، قال أحمد: وفيه أسانيد صحاح. ولا يضحي عما في البطن، ولا نعلم فيه خلافاً. ومن أراد أن يضحي فدخل العشْر، فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً، لحديث أم سلمة في النهي عنه، رواه مسلم، وهو قول ابن المسيب وإسحاق، وقيل: مكروه غير محرم، وبه قال مالك والشافعي، لحديث عائشة، فإن فعل فلا فدية إجماعاً. (والعقيقة) سنة مؤكدة في قول أئمة الأمصار، وقال أصحاب الرأي: هي من أمر الجاهلية، وقال الحسن وداود: هي واجبة، لحديث: "كل غلام رهينة بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويسمَّى ويُحلق"، ١ قال أحمد: إسناده جيد. ولنا: قوله: "من أحب أن ينسك عن المولود، فليفعل". ٢ رواه مالك في الموطإ، وهي أفضل من الصدقة بقيمتها، قال أحمد: إذا لم يكن عنده ما يعق واستقرض، رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة. قال ابن المنذر: صدق أحمد، إحياء السنن واتباعها أفضل. عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، هذا قول الأكثر. وكان ابن عمر يقول: "شاتان عنهما لفعله ﷺ عن الحسن والحسين"، وكان الحسن وقتادة لا يريانها عن الجارية. ولنا:

стр. 354

حديث عائشة وأم كرز. ويستحب أن يكونا متماثلين، لقوله متكافئتان، والحديث في الحسن والحسين يدل على الجواز، والذكَر أفضل، "لفعله ﷺ عن الحسن والحسين، وفعله في الأضحية". وتذبح يوم سابعه، ويحلق رأسه، ويتصدق بوزنه ورقاً؛ ولا نعلم خلافاً في استحبابها يوم السابع بين القائلين بها. و"يستحب أن يحلق رأسه يوم السابع ويسمّى"، لحديث سمرة، وأن يُتصدق بوزن شعره فضة، "لأمره بذلك فاطمة لما ولدت الحسن"، رواه أحمد. وإن سماه قبل السابع فحسن، لقوله: "ولد لي الليلة ولد، فسميته باسم أبي إبراهيم"، ١ ولحديث عبد الله بن أبي طلحة. ويستحب تحسين اسمه، للأمر بذلك، رواه أبو داود. "فإن فات السابع، ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين"؛ وهذا قول إسحاق، لأنه مروي عن عائشة. فإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأ، وإن كبر ولم يعق عنه، فقال أحمد: ذلك على الوالد، يعني: لا يعق عن نفسه. وقال عطاء: يعق عن نفسه. ويكره أن يلطخ رأس الصبي بدم، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق. وعن قتادة: يستحب، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً قاله، إلا الحسن وقتادة. وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه، لقوله: "اهرقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى". رواه أبو داود. فأما ما روي فيدمي، فقال أبو داود: وهم همام. ويستحب أن يفصلها أعضاء، ولا يكسر عظامها، لما روي عن عائشة: "لأنها أول ذبيحة ذبحت عنه، واستحب ذلك تفاؤلاً بالسلامة". كذلك قالت عائشة: "وحكمها حكم الأضحية". وكانت عائشة تقول: "ائتوني به أعيَن أقرن". وعن ابن سيرين: اصنع بلحمها كيف شئت، حكاه أحمد. وقال أحمد: يباع الجلد والرأس والسقطة، ويتصدق به. ونص في الأضحية على خلاف هذا. وقال بعضهم: يؤذّن في أذن المولود، لحديث عبد الله بن رافع.

стр. 355

ولا تسن الفرعة ولا العتيرة، الفرعة: ذبح أول ولد الناقة، والعتيرة: ذبح رجب؛ هذا قول علماء الأمصار، سوى ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة ويروي فيها شيئاً. ولنا: حديث أبي هريرة: "لا فرع ولا عتيرة". ١ متفق عليه، وهو ناسخ، لأن أبا هريرة متأخر الإسلام، ولأن فعلها متقدم. ولو قدر تقدم النهي، لكانت قد نسخت، ثم نسخ ناسخها. والمراد بالخبر نفي كونها سنة، لا يحرم فعلها ولا يكره. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قوله: أفضلها: الإبل ... إلخ، قال أحمد: يعجبني البياض. واختار الشيخ: الأجر على قدر القيمة مطلقاً، ورجح تفضيل البدنة السمينة على السبع، قال ابن رجب: في سنن أبي داود حديث يدل عليه. وقال في الفروع: يتوجه احتمال: يجوز أعضب الأذن والقرن مطلقاً، لأن في صحة الخبر نظراً كقطع الذنب وأولى، قلت: هذا هو الصواب. وقال الشيخ: يجزئ الهتماء، وهي: التي سقط بعض أسنانها. قوله: ويقول: "بسم الله والله أكبر". قال الشيخ: ويقول: "وجهت وجهي" - إلى قوله – "وأنا من المسلمين"، ويقول: "اللهم تقبّل مني كما تقبّلت من إبراهيم خليلك". قوله: إلى آخر يومين ... إلخ، واختار الشيخ أن آخره اليوم الثالث. قوله: ولو نوى حال الشراء لم يتعين، وعنه: بلى، اختاره الشيخ. ونسخ تحريم الادخار، قال الشيخ: إلا في مجاعة. و"يستحب الحلق بعد الذبح"، قال أحمد: هو على ما فعل ابن عمر تعظيماً لذلك اليوم، وعنه: لا يستحب، اختاره الشيخ، واختار أنه لا تضحية بمكة، وإنما هو الهدي. قوله: وحكمها
следующие страницы →