← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1685

مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (781 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أهل رفقته. وروي عن ابن عمر "أنه أكل من هديه الذي عطب". وقال مالك: يباح لرفقته غير صاحبه وسائقه، لحديث ناجية بن كعب: "ثم خلِّ بينه وبين الناس". ١ ولنا: حديث ابن عباس عن ذؤيب: "لا تطعمها أنت، ولا أحد من أهل رفقتك". ٢ رواه مسلم. وإذا عين أضحية سليمة ثم تعيبت، ذبحها وأجزأت، وبه قال مالك والشافعي. ويباح للفقراء الأخذ من الهدي بالإذن أو دلالة الحال، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يباح إلا باللفظ. ولنا: قوله: "اصبغ نعلها ... إلخ". وسوق الهدي مسنون، لا يجب إلا بالنذر. و"يستحب أن يقفه بعرفة، ويجمع فيه بين الحل والحرم، ولا يجب"، روي عن ابن عباس، وبه قال الشافعي. و"كان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما عرف به". ويسن تقليد الإبل والبقر وإشعارها، وهو شق صفحة سنامها الأيمن حتى يدميها، في قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: هذا مثلة غير جائز، قال مالك: إذا كانت بقرة ذات سنام، فلا بأس بإشعارها، وإلا فلا. ولنا: فعله ﷺ وفعل أصحابه. والسنة في صفحتها اليمنى، وبه قال الشافعي. وقال مالك: اليسرى، لأن ابن عمر فعله. ولنا: حديث ابن عباس، رواه مسلم. وإذا ساقه قبل الميقات استحب إشعاره وتقليده من الميقات، لحديث ابن عباس. وأما الغنم فلا يسن إشعارها، لأنها ضعيفة، يقلدها نعلاً وآذان القرب أو علاقة إداوة أو عروة. وقال مالك: لا يسن تقليدها لأنه لم ينقل. ولنا: حديث عائشة، رواه البخاري. وإذا نذر هدياً مطلقاً أو معيّناً، وأطلق مكانه، وجب إيصاله إلى فقراء الحرم. وجوّز أبو حنيفة ذبحه كيف شاء. ولنا: قوله:

стр. 352

﴿ثم مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ . ١ فإن عيّن لنذره موضعاً غير الحرم، لزم ذبحه فيه، لحديث بوانة. ويستحب أن يأكل من هديه، سواء ما أوجبه بالتعيين أو تطوعاً، وقيل يجب الأكل منها، لظاهر الأمر. ولا يأكل من واجب، إلا دم المتعة والقران، لأن سببها غير محظور. وعنه: "يأكل مما سوى النذر وجزاء الصيد"، وهو قول ابن عمر وإسحاق. وقال الشافعي: لا يأكل من واجب، لأنه هدي وجب بالإحرام، فلم يجز الأكل منه كالكفارة. ولنا: "أن أزواجه ﷺ أكلن من لحوم البقر التي ذبحت عنهن لما تمتعن". والأكثر يرون الأضحية سنة مؤكدة، وقال أبو حنيفة: واجبة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها. وروي عن بلال: "لأن أضعه في يتيم قد ترب فوه أحب إلي"، وبه قال الشعبي. ولنا: "أنه ﷺ ضحى والخلفاء من بعده"، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها. ويستحب أن يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويتصدق بثلث، وقال أحمد: نحن نذهب إلى حديث عبد الله. وقيل: ما كثر من الصدقة فهو أفضل. ولنا: حديث ابن عباس في صفة أضحيته ﷺ ، ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، ولأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ . ٢ والقانع: السائل، والمعتر: الذي يتعرض لك لتعطيه ولا يسأل. وأما قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ، ٣ فلم يبيّن

стр. 353

قدر المأكول والمتصدق به. وأما خبر الهدي، فالهدي يكثر ولا يتمكن الإنسان من قسمه وأخذ ثلثه؛ والأمر في هذا واسع، فمتى أكل وأطعم فقد أتى بما أمر. وقال الشافعي: يجوز أكلها كلها. ولنا: الآية، وظاهر الأمر الوجوب. ويجوز أن يطعم منها كافراً، وكره مالك إعطاء النصراني جلدها، وإن أكلها كلها، ضمن ما يجزئ في الصدقة؛ وقيل: يضمن الثلث. ويجوز ادخار لحمها فوق ثلاث، في قول عامتهم، و"لم يجزه عليّ وابن عمر، للنهي عنه". ولنا: أنه رخص بعد النهي، قال أحمد: وفيه أسانيد صحاح. ولا يضحي عما في البطن، ولا نعلم فيه خلافاً. ومن أراد أن يضحي فدخل العشْر، فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئاً، لحديث أم سلمة في النهي عنه، رواه مسلم، وهو قول ابن المسيب وإسحاق، وقيل: مكروه غير محرم، وبه قال مالك والشافعي، لحديث عائشة، فإن فعل فلا فدية إجماعاً. (والعقيقة) سنة مؤكدة في قول أئمة الأمصار، وقال أصحاب الرأي: هي من أمر الجاهلية، وقال الحسن وداود: هي واجبة، لحديث: "كل غلام رهينة بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويسمَّى ويُحلق"، ١ قال أحمد: إسناده جيد. ولنا: قوله: "من أحب أن ينسك عن المولود، فليفعل". ٢ رواه مالك في الموطإ، وهي أفضل من الصدقة بقيمتها، قال أحمد: إذا لم يكن عنده ما يعق واستقرض، رجوت أن يخلف الله عليه، أحيا سنة. قال ابن المنذر: صدق أحمد، إحياء السنن واتباعها أفضل. عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، هذا قول الأكثر. وكان ابن عمر يقول: "شاتان عنهما لفعله ﷺ عن الحسن والحسين"، وكان الحسن وقتادة لا يريانها عن الجارية. ولنا:

стр. 354

حديث عائشة وأم كرز. ويستحب أن يكونا متماثلين، لقوله متكافئتان، والحديث في الحسن والحسين يدل على الجواز، والذكَر أفضل، "لفعله ﷺ عن الحسن والحسين، وفعله في الأضحية". وتذبح يوم سابعه، ويحلق رأسه، ويتصدق بوزنه ورقاً؛ ولا نعلم خلافاً في استحبابها يوم السابع بين القائلين بها. و"يستحب أن يحلق رأسه يوم السابع ويسمّى"، لحديث سمرة، وأن يُتصدق بوزن شعره فضة، "لأمره بذلك فاطمة لما ولدت الحسن"، رواه أحمد. وإن سماه قبل السابع فحسن، لقوله: "ولد لي الليلة ولد، فسميته باسم أبي إبراهيم"، ١ ولحديث عبد الله بن أبي طلحة. ويستحب تحسين اسمه، للأمر بذلك، رواه أبو داود. "فإن فات السابع، ففي أربعة عشر، فإن فات ففي إحدى وعشرين"؛ وهذا قول إسحاق، لأنه مروي عن عائشة. فإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأ، وإن كبر ولم يعق عنه، فقال أحمد: ذلك على الوالد، يعني: لا يعق عن نفسه. وقال عطاء: يعق عن نفسه. ويكره أن يلطخ رأس الصبي بدم، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق. وعن قتادة: يستحب، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً قاله، إلا الحسن وقتادة. وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه، لقوله: "اهرقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى". رواه أبو داود. فأما ما روي فيدمي، فقال أبو داود: وهم همام. ويستحب أن يفصلها أعضاء، ولا يكسر عظامها، لما روي عن عائشة: "لأنها أول ذبيحة ذبحت عنه، واستحب ذلك تفاؤلاً بالسلامة". كذلك قالت عائشة: "وحكمها حكم الأضحية". وكانت عائشة تقول: "ائتوني به أعيَن أقرن". وعن ابن سيرين: اصنع بلحمها كيف شئت، حكاه أحمد. وقال أحمد: يباع الجلد والرأس والسقطة، ويتصدق به. ونص في الأضحية على خلاف هذا. وقال بعضهم: يؤذّن في أذن المولود، لحديث عبد الله بن رافع.

стр. 355

ولا تسن الفرعة ولا العتيرة، الفرعة: ذبح أول ولد الناقة، والعتيرة: ذبح رجب؛ هذا قول علماء الأمصار، سوى ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة ويروي فيها شيئاً. ولنا: حديث أبي هريرة: "لا فرع ولا عتيرة". ١ متفق عليه، وهو ناسخ، لأن أبا هريرة متأخر الإسلام، ولأن فعلها متقدم. ولو قدر تقدم النهي، لكانت قد نسخت، ثم نسخ ناسخها. والمراد بالخبر نفي كونها سنة، لا يحرم فعلها ولا يكره. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قوله: أفضلها: الإبل ... إلخ، قال أحمد: يعجبني البياض. واختار الشيخ: الأجر على قدر القيمة مطلقاً، ورجح تفضيل البدنة السمينة على السبع، قال ابن رجب: في سنن أبي داود حديث يدل عليه. وقال في الفروع: يتوجه احتمال: يجوز أعضب الأذن والقرن مطلقاً، لأن في صحة الخبر نظراً كقطع الذنب وأولى، قلت: هذا هو الصواب. وقال الشيخ: يجزئ الهتماء، وهي: التي سقط بعض أسنانها. قوله: ويقول: "بسم الله والله أكبر". قال الشيخ: ويقول: "وجهت وجهي" - إلى قوله – "وأنا من المسلمين"، ويقول: "اللهم تقبّل مني كما تقبّلت من إبراهيم خليلك". قوله: إلى آخر يومين ... إلخ، واختار الشيخ أن آخره اليوم الثالث. قوله: ولو نوى حال الشراء لم يتعين، وعنه: بلى، اختاره الشيخ. ونسخ تحريم الادخار، قال الشيخ: إلا في مجاعة. و"يستحب الحلق بعد الذبح"، قال أحمد: هو على ما فعل ابن عمر تعظيماً لذلك اليوم، وعنه: لا يستحب، اختاره الشيخ، واختار أنه لا تضحية بمكة، وإنما هو الهدي. قوله: وحكمها

стр. 356

حكم الأضحية، قال الشارح: يحتمل الفرق من حيث أن الأضحية شرعت يوم النحر، والعقيقة شرعت عند سرور حادث وتجدد نعمة، كالذبح في الوليمة، ولأنها لم تخرج عن ملكه هنا، فله أن يفعل فيها ما شاء من بيع وغيره. ولم يعتبر الشيخ التمليك، قيل لأحمد لما ذكر أن طبخها أفضل: يشق عليهم، قال: يتحملون ذلك. وقال أبو بكر في التنبيه: يستحب أن تعطى القابلة منها فخذاً.

стр. 357

كتاب الجهاد هو فرض كفاية، وعن ابن المسيب: فرض عين، لقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ ، ١ وقال: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ الآية. ٢ ولنا: قوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، ٣ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ . ٤ فأما الآية الأولى، فقال ابن عباس: "نسختها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية ٥". رواه أبو داود، ويحتمل أنه حين استنفرهم إلى تبوك، فيجب على من استنفره الإمام. ويشترط لوجوبه سبعة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة، لقوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآية ٦. وأقل ما يفعل في كل عام مرة، إلا أن تدعو الحاجة إلى تأخيره، فيجوز بهدنة وغيرها، وإن دعت الحاجة إلى أكثر من مرة، وجب. ويتعين في ثلاثة مواضع:

стр. 358

(أحدها) : إذا تقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف، لقوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ، ١ وقوله: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ ٢. (والثاني) : إذا نزل العدوّ ببلد، تعيّن على أهله قتالهم. (الثالث) : إذا استنفرهم الإمام. وهو أفضل ما تطوع به، وغزو البحر أفضل، لقصة أم حرام. وقتال أهل الكتاب أفضل. وكان ابن المبارك يأتي من مرو لغزو الروم، فقيل له في ذلك، فقال: إنهم يقاتلون على دين. ويغزو مع كل بر وفاجر، سئل أحمد عمن قال: لا أغزو، يأخذه ولد العباس، إنما يوفر الفيء عليهم، فقال: سبحان الله! هؤلاء قوم سوء، هؤلاء القعدة المثبطون جهال. فيقال لهم: أرأيتم لو أن الناس كلهم قعدوا كما قعدتم، من كان يغزو؟ أليس كان قد ذهب الإسلام؟ ما كانت تصنع الروم؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ ، ٣ قال أحمد: لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين، وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين. وإن كان يعرف بشرب الخمر أو الغلول يغزى معه، إنما ذلك في نفسه. ويقاتل كل قوم من يليهم، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ الآية ٤. وتعجب أحمد من فعل ابن المبارك فقال: كيف هذا، ولو أن أهل خراسان فعلوه، لم يجاهد الترك أحد، ولعله فعله لكونه متبرعاً بالجهاد. وأمر الجهاد موكول إلى الإمام، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه، فإن أمّر

стр. 359

أميراً على الجيش فمات، فلهم أن يؤمّروا أحدهم، "كما فعل الصحابة في مؤتة". قال أحمد: يشيّع الرجل إذا خرج ولا يتلقونه، "شيّع عليّ رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ولم يتلقّه"، وشيّع أحمد أبا الحارث ونعلاه في يده، و"ذهب إلى فعل أبي بكر، أراد أن تغبرَّ قدماه في سبيل الله". وتمام الرباط أربعون يوماً، فإن رابط أكثر فله أجره، كما قال أبو هريرة: "ومن زاد زاده الله". قال أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط، وقال: أفضل الرباط أشدهم كلباً. ولا يستحب نقل أهله إليه، قيل لأحمد: تخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم؟ قال: كيف لا أخاف؟ وهو يعرض ذريته للمشركين. وقال: كنت آمر بالتحول بالأهل والعيال إلى الشام قبل اليوم، فإني أنهى عنه الآن، الأمر قد اقترب ولا بد لهؤلاء القوم من يوم. قيل: فذلك في آخر الزمان؟ قال: فهذا آخر الزمان. قيل: "فالنبي ﷺ يقرع بين نسائه"، قال: هذا في الواحدة، ليس الذرية. وهذا محمول على غير أهل الثغر، فأما هم، فلا بد لهم من أهلهم، ولولا ذلك تعطلت الثغور. وقال الأوزاعي في مساجد الثغر: لو أن لي ولاية لسمرت أبوابها حتى تكون صلاتهم في مسجد واحد، فإذا جاء النفير وهم متفرقون، لم يكونوا كالمجتمعين. وفي الحرس في سبيل الله فضل عظيم، فيه أحاديث كأحاديث ابن عباس عند الترمذي، وسهل بن الحنظلية عند أبي داود. وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه، وتستحب لمن قدر عليه، وحكمها باق إلى يوم القيامة. وقيل: انقطعت، لقوله: "لا هجرة بعد الفتح". ١ ولنا: حديث معاوية وغيره، والحديث معناه: لا هجرة بعد الفتح من بلد

стр. 360

الفتح، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ الآية، ١ وهذا وعيد شديد، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به، واجب. وأما من عجز عنه لمرض أو غيره، فلا عليه، للآية. فإن تمكن من إظهار دينه، استحب له الهجرة ليتمكن من الجهاد، وإكثاراً لعدد المسلمين. ومن عليه ديْن حالاً أو مؤجلاً، لم يخرج إلى الجهاد إلا بإذن غريمه، إلا إن ترك وكيلاً أو وفاء أو رهناً، وبه قال الشافعي، ورخص فيه مالك لمن لا يقدر على الوفاء؛ وإن تعين فلا إذن لغريمه. و"من أبواه مسلمان لم يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما". يروى عن عمر وعثمان، وبه قال مالك والشافعي وسائر أهل العلم، لحديث عبد الله بن عمر وغيره. فإن كانا غير مسلمين، فلا إذن لهما، وقال الثوري: بلى، لعموم الأخبار. ولنا: "أن الصحابة يجاهدون، وفيهم من أبواه كافران، وأبو عبيدة قتل أباه"، فأنزل الله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية ٢، فإن تعين سقط إذنهما. ولا يجوز الفرار للمسلمين من صفهم، إلا متحرفين أو متحيزين، فإن زاد الكفار فلهم الفرار، لقوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً﴾ . ٣ وحكي عن الحسن أنها في بدر خاصة. ولنا: أن الأمر مطلق والخبر عام، وعدّه النبي ﷺ من الكبائر، فإن زادوا جاز، لقول ابن عباس: "من فرَّ من اثنين فقد فرَّ، ومن فرّ من ثلاثة فما فرّ". فإذا خشي الأسر، فالأولى أن يقاتل حتى يُقتل، فإن استأسر جاز، لقصة خبيب وأصحابه. "فأخذ عاصم بالعزيمة، وخبيب بالرخصة". ومن فر قبل إحراز الغنيمة، فلا شيء له. فإن ألقى في مركبهم ناراً،

стр. 361

فالأولى فعل الذي يظن فيه السلامة، من المقام وإلقاء نفوسهم في الماء. فإن استوى الأمران، فقال أحمد: كيف شاء صنع. وقال الأوزاعي: هما موتتان فاختر أيهما، وعنه: يلزم المقام. ويجوز تبييت الكفار، ورميهم بالمنجنيق، وقطع المياه عنهم، وهدم حصونهم، قال أحمد: وهل غزو الروم إلا البيات. قال: ولا نعلم أحداً كرهه. ونهيه عن قتل النساء والذرية محمول على التعمد لقتلهم. ولا يجوز إحراق نخل ولا تغريقه، هذا قول عامة العلماء، وقال مالك: لا أدري ما هو. ومقتضى قول أبي حنيفة: يجوز لأن فيه غيظاً لهم، أشبه قتل بهائمهم حال القتال. وهل يجوز أخذ الشهد كله، وفيه إتلاف النحل؟ فيه روايتان. ولا يجوز عقر دوابهم في غير حال الحرب، وبه قال الشافعي والليث. وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز لأن فيه غيظاً لهم، وأما حال الحرب فيجوز بلا خلاف. فأما عقرها للأكل، فإن كان لا يراد إلاّ للأكل كالطيور والصيود، فكالطعام في قول الجميع، فإن كان غير ذلك كالبقر والغنم لم يبح. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد: إباحته لأنه كالطعام. وإذا ذبح الحيوان أكله ورد جلده إلى المغنم. قال عبد الرحمن بن معاذ: "كلوا لحم الشاة، وردّوا إهابها إلى المغنم". ووجه الأولى: قول ثعلبة: "أصبنا غنماً فانتهبناها" الحديث، ولأنها تكثر قيمتها ويمكن حملها إلى دار الإسلام، بخلاف الطير والطعام؛ لكن إن أذن الأمير فيها جاز، لحديث عطية بن قيس، وكذلك قسمها، لقول معاذ: "أصبنا غنماً، فقسم النبي ﷺ بيننا طائفة، وجعل بقيتها في المغنم". ١ رواه أبو داود. وروى سعيد: "أن رجلاً نحر جزوراً في أرض الروم، فقال: يا أيها الناس، خذوا، فقال

стр. 362

مكحول: يا غساني، ألا تأتينا من لحمها؟ فقال: ألا ترى ما عليها من النهباء؟ فقال: لا نهباء في المأذون فيه". وأما الزرع والشجر فثلاثة أقسام: أحدها: ما يحتاج إلى إتلافه كما قرب من الحصون، أو يفعلونه بنا، فنفعله بهم؛ فهذا يجوز ولا خلاف فيه. والثاني: ما يتضرر المسلمون بقطعه للاستظلال به والأكل من ثمره، أو إذا فعلناه فعلوه بنا، فهذا يحرم للإضرار بالمسلمين. والثالث: ما لا ضرر فيه ولا نفع سوى غيظهم والإضرار بهم، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز، لوصية أبي بكر، وبه قال الأوزاعي والليث. والثانية: يجوز، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر. وقال إسحاق: التحريق سنة إذا كان أنكى في العدو، لقوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ الآية. ١ ومتى قدر على العدو لم يجز تحريقه بغير خلاف. "وكان أبو بكر أمر بتحريق أهل الردة، وفعَله خالد بأمره"، فأما اليوم فلا نعلم فيه مخالفاًً. وأما رميهم بالنار عند العجز عنهم، فجائز في قول أكثر أهل العلم، قال عبد الله بن قيس: لم يزل أمر المسلمين على ذلك، وكذلك فتح الثقوب عليهم لغرقهم؛ وإن قدر عليهم بغيره لم يجز إذا تضمن إتلاف النساء والذرية. وإذا ظفر بهم، لم يجز قتل الصبي الذي لم يبلغ بغير خلاف. ولا تقتل امرأة ولا شيخ، وبه قال مالك. وقال الشافعي في أحد قوليه وابن المنذر: يجوز قتل الشيوخ، لقوله: "اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم"؛ ٢ قال ابن المنذر: لا أعرف حجة يستثنى

стр. 363

فيها من عموم قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ . ١ ولنا: قوله ﷺ : "لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا امرأة ". ٢ رواه أبو داود، وهو في وصية أبي بكر ليزيد، وعمر لسلمة بن قيس، رواهما أبو داود. والآية مخصوصة بما روينا، ولأنه خرج من عمومها المرأة. والحديث أراد به الشيوخ الذين فيهم قوة ومعونة برأي أو تدبير، جمعاً بين الأحاديث، ولأنه خاص وحديثهم عام؛ والخاص يقدَّم على العام. ولا يُقتل زمِن ولا أعمى ولا راهب، والخلاف فيهم كالخلاف في الشيخ. ولنا: أن الزمِن والأعمى ليسا من أهل القتال، ولأن في وصية أبي بكر: "وستمرّون على أقوام في صوامع، فدعهم حتى يُميتهم الله على ضلالتهم". ولا يُقتل عبد، لقوله ﷺ : "أدركوا خالداً، فمُروه ألا يقتل ذرية ولا عبداً"، وهم: العبيد. ومن قاتل ممن ذكرنا، جاز قتله بلا خلاف، وكذلك من كان من هؤلاء الرجال المذكورين له رأي في الحرب يُعين به، لقصة دريد بن الصمة. ولا يُقتل الفلاح الذي لا يقاتل، لقول عمر: "اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب"، وقال الشافعي: يُقتل إلا أن يؤدي الجزية، لدخوله في عموم المشركين. ولنا: قول عمر، ولأن الصحابة لم يقتلوهم حين فتحوا البلاد. وإن تترسوا بالنساء والصبيان، جاز رميهم، ويقصد المقاتلة. ولو وقعت امرأة في صف الكفار فشتمت المسلمين أو انكشفت، جاز رميها، لحديث عكرمة في التي على حصن الطائف، وكذلك إذا التقطت لهم السهام أو سقتهم الماء أو حرضتهم على القتال، وكذلك الحكم في الصبي. وإن تترسوا بمسلم ولم تدع الحاجة إلى رميهم، لكون الحرب غير قائمة، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شرهم، لم يجز رميهم؛ فإن دعت

стр. 364

الحاجة إلى رميهم للخوف على المسلمين، جاز. فإن لم يخف على المسلمين، لكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي، فقال الأوزاعي: لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية؛ ١ قال الليث: "ترك فتح حصن يقدر على فتحه، أفضل من قتل مسلم بغير حق". ولا يجوز لمن أسر أسيراً أن يقتله حتى يأتي به الإمام فيرى فيه رأيه، فإن خافه أو خاف هربه أو امتنع من الانقياد معه بالضرب، فله قتله. فأما أسير غيره، فلا يجوز قتله، إلا أن يصير إلى حال يجوز فعله لمن أسره. فإن قتل أسيره أو أسير غيره أساء، ولا ضمان عليه؛ وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: إن قتله قبل أن يأتي به الإمام ضمنه. ولنا: قصة بلال هو وعبد الرحمن. فإن قتل صبيا أو امرأة ضمن، لأنه صار رقيقاً بالسبي. وإن ادعى الأسير الإسلام، لم يقبل إلا ببينة، فإن شهد معه واحد وحلف خلّي. وقال الشافعي لا يقبل إلا بشهادة عدلين. ولنا: حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال يوم بدر: "لا يبقى منهم أحد إلا أن يفدى، أو تضرب عنقه. فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فقال: إلا سهيل". والأسارى من المجوس وأهل الكتاب الذين يقرون بالجزية، يخيّر الإمام فيهم بين القتل والمنّ بغير عوض والمفاداة والاسترقاق، وعن مالك كمذهبنا. وعنه: لا يجوز المنّ بغير عوض. وحكي عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهية قتل الأسرى، وقال: منّ عليه أو فاداه كما فعل بأسارى بدر، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ . ٢ وقال أصحاب الرأي: إن شاء

стр. 365

قتَلهم وإن شاء استرقّهم لا غير، لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ، ١ بعد قوله: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ . ٢ ولنا: على جواز المنّ والفداء الآية المذكورة، "ومنَّ ﷺ على ثمامة وأبي عزة الشاعر"، وقال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عديّ حياً ثم سألني هؤلاء النتنى، لأطلقتهم له" ٣، "وفادى أسارى بدر وغيرهم". وأما القتل فـ"إنه قتل رجال بني النضير، وقتل يوم بدر النضر وعقبة بن أبي معيط صبرا، ً وقتل أبا عزة يوم أحد"، ولأن كل خصلة قد تكون أصلح. ومن لا يقرّ بالجزية، فيخيّر فيهم بين القتل والمنّ والفداء؛ والتخيير تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة. ومتى حصل عنده تردد فالقتل أولى. فمتى رأى القتل ضرب عنقه بالسيف، ولا يجوز التمثيل به، لحديث بريدة. "ويجوز الفداء بمال وبأسرى المسلمين، لفعله ﷺ الأمرين". وعنه: لا يجوز بمال، كما لا يجوز بيع رقيق المسلمين للكفار. ومنع أحمد من فداء النساء بالمال، لأن في إبقائهن تعريضاً للإسلام، وجوز "أن يفدي بهن أسرى المسلمين لفعله ﷺ بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع". وقال أحمد: لا يفادى بالصبيان، لأن الصبي يصير مسلماً بإسلام السابي، وكذلك المرأة إذا أسلمت لا يجوز ردها، لقوله: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ . ٤ وإن كان الصبي غير محكوم بإسلامه، كمن سبي مع أبويه، لم يجز فداؤه بمال كالمرأة، ويجوز بمسلم. ومن استُرق أو فودي بمال كان للغانمين، لا نعلم فيه خلافاً، فإذا أسلم الأسير كان رقيقاً في الحال، وزال التخيير فيه، وقيل: يحرم قتله؛ ويخيّر بين المنّ والفداء والاسترقاق، وهذا الصحيح. فإن أسلم قبل الأسر، حرم ذلك كله، سواء أسلم وهو في حصر أو بضيق وغير ذلك.

стр. 366

والمسبي من الأطفال منفرداً يصير مسلماً إجماعاً، فإن كان مع أحد أبويه فكذلك، وعنه: يتبع أباه. ولنا: قوله: "فأبواه يهوِّدانه ... إلخ"، ومفهومه: أنه لا يتبع أحدهما لأن الحكم متى علق بشيئين لا يثبت بأحدهما. فإن سُبي معهما فهو على دينهما، وبه قال مالك والشافعي. وقال الأوزاعي: يكون مسلماً، لأن السابي أحق به. ولنا: الحديث المتقدم. وإن سُبي الزوجان معاً لم ينفسخ نكاحهما، وقال مالك والشافعي: ينفسخ، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ . ١ ولنا: أن الآية نزلت في أوطاس، ولم يأخذوا الرجال؛ والعموم مخصوص بالمملوكة المزوّجة في دار الإسلام، فخص محل النزاع بالقياس عليه. وإن سُبيت وحدها انفسخ بلا خلاف، للآية. وإن سُبي الرجل وحده لم ينفسخ، وقال أبو حنيفة: ينفسخ. وقال الشافعي: إن سُبي واستُرق انفسخ. ولنا: أنه لم يحكم على أسارى بدر بفسخ أنكحتهم. ولا يجوز بيع شيء من رقيق المسلمين لكافر، مسلماً كان أو كافراً، وهذا قول الحسن؛ قال أحمد: "كتب عمر ينهى عنه أمراء الأمصار"، وعنه: يجوز، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، لأنه رد كافر إلى كافر، والأول أولى، لأنه قول عمر ولم ينكر، فكان إجماعاً. وأجمعوا على أن التفريق بين الأم وولدها الطفل غير جائز، ولا بين الأب وولده، وقال مالك والليث: يجوز، لأنه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه. ولنا: أنه أحد الأبوين، ولا فرق بين الكبير والصغير في إحدى الروايتين، لعموم الخبر. وعنه: مختص بالصغير، وهو قول الأكثرين،

стр. 367

"لأن سلمة أتى بامرأة وابنتها، فنفله أبو بكر ابنتها، فاستوهبها منه النبي ﷺ "، والجدة والجد كالأبوين. ويحرم التفريق بين الإخوة في القسمة والبيع أيضاً، وبه قال أصحاب الرأي. وقال مالك والليث والشافعي وابن المنذر: لا يحرم. ولنا: ما روي عن عليّ، قال: "وهب لي رسول الله ﷺ غلامين، فبعت أحدهما. فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل غلامك؟ فأخبرته، فقال: رُدَّه! رُدَّه! ". ١ رواه الترمذي، وقال: حسن غريب. وروى عبد الرحمن بن فروخ عن أبيه قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب: "لا تفرقوا بين الأخوين ولا بين الأم وولدها في البيع". وما بعد الكبر فيه الروايتان، والأولى الجواز، "لأنه ﷺ أهديت له مارية وأختها سيرين، فأمسك مارية، ووهب سيرين لحسّان". وأما ذوو الرحم المحرم كالعمة مع ابنة أخيها، فالأولى الجواز، لأن الأصل الحل، ولا يصح القياسُ على الأخوة لأنهم أقرب. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": الجهاد أفضل من الرباط، على الصحيح، قال الشيخ: هو المنصوص عن أحمد. وقال الشيخ: العمل بالقوس والرمح أفضل من الثغر، وفي غيره نظيره. والرباط أفضل من المجاورة بمكة، ذكره الشيخ إجماعاً. قوله: مستطيع، وعنه: يلزم العاجز ببدنه في ماله، اختاره الشيخ. وقال: الأمر بالجهاد منه ما يكون بالقلب والدعوة والبيان والحجة والرأي والتدبير والبدن، فيجب بغاية ما يمكنه. وقال: إن كان العدو كثيراً لا يطيقهم المسلمون، أو يخافون أنهم إن انصرفوا

стр. 368

عطفوا على من تخلف من المسلمين، فهنا صرح الأصحاب بوجوب بذل مهجهم في الدفع حتى يسلموا؛ ومثله لو هجم العدو على البلاد، والمقاتلة أقل من النصف، لكن إن انصرفوا استولوا على الحريم. وإن كان قتال طلب، فقيل المصافة بعدها حين الشروع في القتال لا يجوز الإدبار مطلقاً، إلا لمتحرف أو متحيز، وقال: يسنّ انغماسه في العدو لمنفعة المسلمين، وإلا نهي عنه، وهو من التهلكة.

стр. 369

باب ما يلزم الإمام والجيش يلزم الإمام عند المسير: تعاهد الخيل والرجال، فلا يدع فرساً حطيماً وهو: الكسير، ولا قحماً وهو: الكبير، ولا ضرعاً وهو: الصغير، ولا هزيلاً، يدخل معه في أرض العدو. ويمنع المخذّل والمرجف وهو: الذي يُقعد الناس عن الخروج والقتال، كقوله: الحَر أو البرد شديد أو المشقة شديدة، والمرجف هو: الذي يقول: لا طاقة لنا بالكفار وهم قويون، أو لهم مدد وصبر وأشباه ذلك. ولا يأذن لمن يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد بينهم، ولا لمن يُعرف بالنفاق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، ١ وقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية ٢. ويجوز أن يأذن لمن اشتد من الصبيان، لأن فيهم معونة، ويمنع النساء، إلا طاعنة في السن تسقي الماء ومعالجة الجرحى، لـ"حديث أنس في غزو أمه ونسوة معها"، صححه الترمذي. فإن قيل: "فإنه ﷺ يخرج بمن يقع عليها القرعة"، قلنا: تلك امرأة واحدة للحاجة، ويجوز مثله للأمير عند حاجته، ولا يرخص لغيره لئلا يفضي إلى استيلاء العدو عليهن. ولا يستعين بمشرك إلا عند الحاجة، لما روى الزهري "أنه استعان بيهود فأسهم لهم"، رواه سعيد، و"خرج معه صفوان قبل إسلامه".

стр. 370

ويستحب الخروج يوم الخميس لقول كعب: "ما كان رسول الله ﷺ يخرج في سفر إلا يوم الخميس". ١ ويرفق بهم في السير، فيسير بهم سير أضعفهم؛ فإن دعت الحاجة إلى الجد في السير جاز، "لفعله ﷺ حين بلغه كلام عبد الله بن أبيّ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ ، ٢ ليشغل الناس عن الخوض فيه". ويعدّ لهم الزاد، ويقوي أنفسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر، ويعرّف عليهم العرفاء، وهو أن يجعل في كل طائفة مقدماً عليهم ينظر في حالهم. ويعقد لهم الألوية والرايات، ويجعل لكل طائفة لواء، ويغير ألوانها ليعرف كل طائفة رايتهم. ويجعل لكل طائفة شعاراً يتداعون به، لئلا يقع بعضهم على بعض. ويتخير لهم المنازل، ويحفظ مكانها لئلا يؤتَوا منها. ولا يغفل الحرس ليحفظهم من البيات. ويبعث العيون إلى العدو لئلا يخفى عليه أمرهم. ويمنع الجيش من المعاصي. ويعِد ذا الصبر بالأجر والنفل. ويخفي من أمره ما أمكن إخفاؤه، ويشاور ذا الرأي. ويصفّ جيشه لقول: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ، ٣ ويجعل في كل جنبة كفؤاً لها، ولا يميل مع قريبه ويراعي أصحابه. ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، لقوله في المجوس: "سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب"، ٤ ولا نعلم خلافاً في ذلك. فأما من سواهم فلا يُقبل منهم إلا الإسلام، وفيه اختلاف. ومن بلغتهم الدعوة جاز قتالهم من غير دعاء، وإلا دُعوا قبل القتال، لحديث بريدة: "ادعهم إلى الإسلام"، و"أمر علياً أن يدعو أهل خيبر"، وقد بلغتهم الدعوة.

стр. 371

ولا نعلم خلافاً في أنه يجوز له أن يبذل مالاً لمن يدلّه على ما فيه مصالح المسلمين. "وقد استأجر النبي ﷺ في الهجرة دليلاً"، فإن كان من مال الكفار جاز أن يكون مجهولاً، "لأنه ﷺ جعل لسرية الثلث والربع". وله أن ينفل في البدأة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده، وذلك إذا دخل الجيش بعث سرية تغير، وإذا رجع بعث أخرى، فما أتت به أخرج خمسه، وأعطى السرية ما جعل لها، وقسم الباقي للجيش والسرية معاً؛ وبهذا قال جماعة من أهل العلم. وعن عمرو بن شعيب: "لا نفل بعد رسول الله ﷺ "، ولعله احتج بقوله: ﴿الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . ١ وقال ابن المسيب ومالك: لا نفل إلا من الخمس. وقال الشافعي: من خمس الخمس. ولنا: حديث مسلمة: "شهدت مع رسول الله ﷺ نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة"، ٢ وفي لفظ: "أنه كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل". رواهما أبو داود. وعن جرير أنه لما قدمه عمر في قومه قال له: "هل لك أن تأتي الكوفة، ولك الثلث بعد الخمس، من كل أرض وشيء؟ ". وذكر مكحول حديث حبيب بن مسلمة لعمرو بن شعيب حين قال: "لا نفل بعد رسول الله ﷺ . ثم قال: شغلك أكل الزبيب بالطائف"; وما ثبت له ﷺ ثبت للأئمة بعده، ما لم يقم دليل التخصيص. ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث والربع، نص عليه؛ وهو قول الجمهور. وقال الشافعي: لا حدَّ للنفل، هو موكول إلى اجتهاد الإمام، لأن في حديث ابن عمر: "أنه نفل نصف السدس ونفل مرّة الثلث ومرة الربع"، وما ذكره يدل على أنه

стр. 372

ليس لأقله حد. ونحنُ نقول به، على أن هذا مع قوله: أن النفل من خمس الخمس، يناقض. وسئل أحمد: للأمير أن يعطي رجلاً رأساً من السبي أو دابة؟ قال: إذا كان رجل له غناء ونفائل، ذلك أنفع له، يحرضه هو وغيره. وقال: إذا نفل الإمام صبيحة مغار الخيل، فيصيب بعضهم وبعضهم لا يأتي بشيء، فللوالي أن يخص بعض هؤلاء الذين جاؤوا بشيء دون هؤلاء؛ وظاهره من غير شرط. وحجة هذا: حديث سلمة حين "أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ ، قال: فاتبعتهم. فأعطاني سهم الفارس والراجل". ١ رواه مسلم، وحديث تنفيل أبي بكر له المرأة. فإن قال: من فعل كذا فله كذا، جاز في قول الأكثر، وكره مالك هذا، وقال: قتالهم على هذا الوجه للدنيا، وقال: لا نفل إلا بعد إحراز الغنيمة. وقال: قوله: "من قتل قتيلاً فله سلبُه" ٢ بعد أن برد القتال. ولنا: تنفيل الثلث والربع، وما شرط عمر لجرير على أن يأتي الكوفة. وقوله: بعد ما برد القتال، جوابه: أن ذلك ثابت الحكم فيما يأتي من الغزوات. والنفل لا يختص بنوع من المال. وقال الأوزاعي: لا نفل في الدراهم والدنانير، لأن القاتل لا يستحق شيئاً، منها فكذلك غيره. ولنا: حديث الثلث والربع وهو عام. وأما القاتل، فإنما نفل السلب فلا يستحق غير ما جعل له. قيل لأحمد: إذا قال: من رجع إلى الساقة فله دينار، والرجل يعمل في سياقة الغنم، قال: لم يزل أهل الشام يفعلون هذا. قيل له: فالإمام يخرج السرية وقد نفلهم جميعاً، فلما كان يوم المغار نادى: من جاء بعشرة رؤوس فله رأس، قال: لا بأس. قيل: نفلين في شيء واحد؟ قال: نعم، ما لم يستغرق الثلث. قال أحمد: "والنفل من أربعة أخماس الغنيمة"، هذا قول أنس بن مالك وفقهاء الشام. قال أبو عبيد: الناس اليوم على هذا. قال أحمد: كان ابن المسيب ومالك يقولان: لا نفل إلا من الخمس، فكيف خفي عليهما هذا مع علمهما؟

стр. 373

وقال طائفة: إن شاء نفلهم قبل الخمس، وإن شاء بعده. وقال أبو ثور: النفل قبل الخمس، واحتج من ذهب إليه بحديث ابن عمر: "كانت سِهْمانهم اثني عشر بعيراً، فنفلوا بعيراً بعيراً". ولنا: حديث معن: "لا نفل إلا بعد الخمس"، ١ رواه أبو داود، وحديث حبيب: "كان ينفل الربع بعد الخمس"، ٢ وحديث جرير: "لك الثلث بعد الخمس"، ٣ ولقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية، ٤ يقتضي أن يكون خارجاً من الغنيمة، وحديث عمرو بن شعيب عن نافع عن ابن عمر قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في جيش قبل نجد، وانبعث سرية من الجيش، فكانت سهمان الجيش اثني عشر بعيراً، ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً"، إذ كانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيراً، فيمكن أن يكون نفلهم من أربعة الأخماس دون البقية؛ ويتعين حمله على هذا، لأنه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلاً وكان قد قسم له أكثر من أربعة الأخماس، وهو خلاف الآية والأخبار. وكلام أحمد في أن النفل من أربعة الأخماس عام، ويحتمل أن قوله: من جاء بكذا فله كذا، أن يكون من الغنيمة كلها، وكذلك يحتمل أنه في زيادة بعض الغانمين على سهمه، ويكون من خمس الخمس المعد للمصالح. والمذهب الأول، لأن عطية سلمه سهم الفارس زيادة، إنما كان من أربعة الأخماس. وإذا بعث سرية فنفلها الثلث أو الربع، فخص به بعضهم، أو جاء بعضهم بشيء فنفله ولم يأت بعضهم بشيء فلم ينفله، شارك من نفل من لم ينفل؛ نص عليه، لأن هؤلاء إنما أخذوا بقوة هؤلاء. ويلزم الجيش طاعة الأمير، والنصح له، والصبر، لقوله تعالى: ﴿وَأُولِي

стр. 374

الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١. ولا يجوز لأحد أن يخرج من العسكر لتحصيل علف أو حطب، ولا يبارز، ولا يحدث حدثاً، إلا بأذن الأمير، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ الآية. ٢ وتجوز المبارزة بإذنه قي قول عامة أهل العلم، إلا الحسن فإنه كرهها. ولنا: "أن الصحابة يبارزون في عصره ﷺ وبعده"، فلم ينكر، فكان إجماعاً. ورخص فيها مالك والشافعي بلا إذن الأمير، "لأن أبا قتادة بارز رجلاً يوم حنين فقتله، ولم يستأذن"، وكذلك غيره لم يُعلم منهم استئذان. ولنا: أن الإمام أعلم بفرسانه وفرسان عدوه، ويفوّض ذلك إليه، لجبر قلوب المسلمين وكسر قلوب الكافرين. "وأبو قتادة رأى رجلاً يريد قتل رجل، فضربه، بعد التحام الحرب"، وليس هذا هو المبارزة [بل هي: أن يبرز رجل بين الصفين قبل التحام الحرب، يدعو إلى المبارزة] . ٣ فإن دعا كافر إليها، استحب لمن يعلم من نفسه القوة أن يبارز، ويباح أن يطلبها ابتداء. وتكره للضعيف الذي لا يعلم من نفسه ذلك. فإن شرط الكافر أن لا يقاتله غير الخارج إليه، فله ذل، ك لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ . ٤ ويجوز رميه قبل البراز، إلا إن جرت العادة بأن من خرج لا يعرض له، كالشرط. فإن انهزم المسلم أو أثخن بالجراح، جاز الدفع عنه بقتال الكافر، خلافاً للأوزاعي. ولنا: "أن حمزة وعلياً أعانا أبا عبيدة". وتجوز الخدعة في الحرب للمبارزة وغيره، لقوله: "الحرب خدعة"؛ جوّز الخدعة في الحرب للمبارزة وغيره، لقوله: "الحرب خدعة" ٥. واستحقاق سلب القتيل للقاتل، لا نعلم فيه خلافاً في الجملة. ويستحقه كل من يستحق السهم أو الرضخ. وللشافعي فيمن لا سهم له قولان. ولنا:

стр. 375

عموم الخبر، وقال مسروق والأوزاعي: "إذا التقى الزحفان فلا سلب"، ونحوه قول نافع وغيره. ولنا: العموم، و"لأن أبا قتادة وأبا طلحة إنما أخذا الأسلاب بعد أن التقى الزحفان". قال أحمد: السلب للقاتل في المبارزة لا يكون في الهزيمة، فإن رماه من الصف فلا سلب له، وكذلك إن أدركه منهزماً فأعطى سلبه. وقال أبو ثور وابن المنذر: السلب لكل قاتل، لعموم الخبر، وحديث سلمة. ولنا:"أن عبد الله وقف على أبي جهل، فلم يعطه سلبه، وأمر بقتل عقبة والنضر، ولم يعط سلبهما من قتلهما، وإنما أعطاه من يبارز بنفسه"، وكفى المسلمين شره. والمنهزم بعد الحرب كفى المسلمين نفسه، والذي قتله سلمة متحيز إلى فئة. ولا يخمس السلب، وبه قال الشافعي وابن المنذر. وقال ابن عباس: "يخمس"، وبه قال الأوزاعي ومكحول، لعموم الآية. قال إسحاق: إن استكثره الإمام خمسه، وذلك إليه، لما روي عن عمر في سلب المرزبان، رواه سعيد. ولنا: حديث عوف وخالد، رواه أبو داود. قال الجوزجاني: لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق من الرسول فيه شيء، إلا اتباعه. والسلب من أصل الغنيمة. وقال مالك: من خمس الخمس. ولنا: أنه لم ينقل أنه ﷺ جعله منه، ولأنه لو فعله لاحتيج إلى معرفة قدره. ويستحق السلب، وإن لم يقله الإمام، وبه قال الشافعي. وقال الثوري: لا يستحق إلا أن يشرطه الإمام. وقال مالك: لم نر أن نقوله إلا بعد انقضاء الحرب. وجعلوه من الأنفال، لقوله: "لا تعطه يا خالد"، وقول سعيد لبشير في سلب العلج: "نفلناه إياه"، و"لأنه دفع إلى أبي قتادة من غير بينة". ولنا: قوله: "من قتل قتيلاً فله سلبه". ١ وهذا من قضاياه المشهورة التي عمل بها الخلفاء بعده، وقوله: "لا تعطه يا خالد" عقوبة حين أغضبه عوف بتقريعه خالداً بين يديه، وقول سعد: "نفلناه" سماه نفلاً، لأنه

стр. 376

زيادة على سهم، وأما أبو قتادة فإن خصمه اعترف له به، لكن قال أحمد: لا يعجبني أن يأخذه إلا بإذن الإمام. وقال الشافعي: له أخذه بلا إذن. وإن قتله اثنان فسلبه غنيمة، وقيل بينهما. ولنا: أنه لم يبلغنا أنه ﷺ قضى به لاثنين. وإن اشتركا في ضربه وكان أحدهما أبلغ في ضربه من الآخر، فسلبه له، وقال: "كلاكما قتله. وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو". وإن أسره وقتله الإمام فسلبه غنيمة، وقال مكحول: لا يكون إلا لمن قتله أو أسره. ولنا: قصة عقبة والنضر. وإن قطع يده ورجله، وقتله آخر، فسلبه غنيمة، وقيل: للقاطع، لأنه عطّله. وقيل: للقاتل، لعموم الخبر. وإن عانق رجلاً فقتله آخر، فالسلب للقاتل، وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: للمعانق. ولنا: العموم، وقصة أبي قتادة. ولا يقبل إلا ببينة. وقال الأوزاعي: يقبل بلا بينة، لقصة أبي قتادة. ولنا: قوله: "من قتل قتيلاً" الحديث، وأبو قتادة أعطي لاعتراف الخصم. وسلبه: ما لبسه وسلاحه؛ فأما المال الذي معهُ وهميانه فليس منه، وقال الشافعي: ما لا يحتاج إليه في الحرب، كالتاج والسوار ليس منه. ولنا: "أن البراء بارز المرزبان فقتله، فبلغ سواره ومنطقته ثلاثين ألفاً، فخمسه عمر فدفعه إليه"، فأما الدابة فعنه: ليست منه. وذكر حديث عمرو بن معدي كرب بأخذ سواره من منطقته يعني: ولم يذكر الدابة. وعنه: أنها منه، وبه قال الشافعي، لحديث عوف في غزوة مؤتة. ويجوز سلبهم وتركهم عراة، وكرهه الثوري وابن المنذر. ولنا: قوله لسلمة: "له سلبه أجمع". ويكره نقل الرؤوس والمثلة والتعذيب، قال الزهري: "لم يُنقل إليه، صلى الله عليه، رأس قط، وحُمل إلى أبي بكر فأنكره". وأول من حُمل إليه الرؤوس ابن الزبير. ومن أعطي شيئاً ليستعين به في غزاوته، فما فضل فهو له. و"كان ابن

стр. 377

عمر إذا أعطي شيئاً في الغزو يقول لصاحبه: إذا بلغت وادي القرى فشأنك به، وإن أعطاه لغزو مطلقاً أنفقه في غزاة أخرى". وقال أحمد: لا يترك لأهله منه شيئاً، إلا أن يصير إلى رأس مغزاه، فيكون كهيئة ماله، فيبعث إلى عياله منه. وإذا أعطي دابة ليغزو عليها، فإذا غزا عليها ملكها، لأن الذي باع فرس عمر إنما كان بعد الغزو، إلا أنه لا يأخذه منه ويبيعه في الحال، ذكر أحمد نحو هذا، قيل له: فحديث ابنه: "إذا بلغت وادي القرى فشأنك به"؟ قال: "ابن عمر يصنع ذلك في ماله"، وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: ولا أعلم أن أحداً قال: إن له أن يبيعه في مكانه. وكان مالك لا يرى أن ينتفع بثمنه في غير سبيل الله، إلا أن يقول: شأنك به ما أردت. ولنا: أن حديث ابن عمر ليس فيه هذا الشرط. وإن دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام، فغنيمتهم كغيرهم، هذا قول الأكثر، للآية. وعنه: هو لهم من غير أن يخمس، وبه قال أبو حنيفة، لأنه اكتساب مباح كالاحتطاب. وعنه: لا حق لهم فيها، هي للمسلمين؛ والأول أولى. وإن كانت الطائفة لهم منعة، ففيه روايتان: أصحهما: تخمس والباقي لهم. ولا يتزوج في أرض العدو، إلا أن يخاف أن تغلبه الشهوة، فيتزوج مسلمة ويعزل. قال شيخنا: هذا فيمن دخل أرضهم بأمان، فإن كان في جيش المسلمين، فله التزوج. فأما الأسير، فلا يتزوج. وإذا اشترى منهم جارية، فلا يطؤها في أرضهم، لئلا يُغلب على ولدها. وأجمعوا - إلا من شذ - أن الغزو إذا دخلوا أرض الحرب، أن لهم أن يأكلوا من طعامهم ويعلفوا دوابهم من علفهم، وقال الزهري: لا تؤخذ إلا بإذن الإمام.

стр. 378

ولا يجوز لبس الثياب ولا ركوب الدابة، لحديث رويفع مرفوعاً: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها ردها فيه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه"، رواه سعيد. ونقل المروزي: لا بأس أن يركب دابة ولا يعجفها. ولا يجوز الانتفاع بجلودهم ولا الخيوط ولا الحبال، وبه قال الشافعي. ورخص مالك في الإبرة، والحبل يتخذ من الشعر، والنعل والخف يتخذ من جلود البقر. ولنا: قوله في كبة الشعر: "نصيبي منها لك"، وقوله: "أدُّوا الخيط والمخيط ... إلخ". ١ وإن كانت كتبهم مما ينتفع به ككتب اللغة والشعر، فغنيمة. وإن كانت مما لا ينتفع به، وأمكن الانتفاع بجلودها، فهو غنيمة. فإن فضل من الطعام شيء فأدخله البلد، فإن كان كثيراً رده في المغنم بغير خلاف، وإن كان يسيراً فله أكله، وبه قال مالك. وعنه: يرده، وبه قال أبو حنيفة وابن المنذر والشافعي في أحد قوليه، لقوله: "أدّوا الخيط والمخيط". ٢ قال أحمد: أهل الشام يتساهلون في هذا. قال الأوزاعي: "أدركت الناس يقدمون بالقديد، فيهدي بعضهم إلى بعض، لا ينكره إمام ولا عامل ولا جماعة". وإذا اجتمعت المغانم وفيها طعام أو علف، لم يجز أخذه إلا لضرورة. فإذا دعت الحاجة إلى القتال بسلاحهم فلا بأس، وذكر أحمد قول عبد الله: "أخذت سيفه يعني: أبا جهل، فضربته به حتى برد"، ولأنهم أجمعوا على أن يلتقط النشاب ويرمي بها العدو، وهو أبلغ. وفي ركوب الفرس روايتان: إحداهما: يجوز. والثانية: لا يجوز، لحديث رويفع.

стр. 379

باب قسمة الغنائم إذا أخذ الكفار مال مسلم، ثم أخذه المسلمون، فإن كان قبل القسمة أخذه صاحبه، في قول عامة أهل العلم، لحديث ابن عمر وغيره. وإن كان بعدها، فهو أحق به بالثمن. وعنه: "لا حقَّ له فيه"، وهو قول عمر وعلي. قال أحمد: أما قول من قال: فهو أحق به بالقيمة، فهو قول ضعيف عن مجاهد. وقال الشافعي وابن المنذر: يأخذه قبل القسمة وبعدها. قال أحمد: إنما قال الناس فيها قولين: إذا قسم فلا شيء له، وقال قوم: إذا قسم فهو أحق به بالثمن. فأما أن يكون له بعد القسمة بغير ذلك، فلم يقله أحد. فإن أخذه أحد الرعية بهبة أو بسرقة، فصاحبه أحق به بغير شيء. وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلا بالقيمة. ولنا: ما روى مسلم: "أن قوماً أغاروا على سرح النبي ﷺ ، فأخذوا ناقة وجارية من الأنصار. فأقامت عندهم أياماً، ثم خرجت في بعض الليل. قالت: فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت، حتى وضعتها على ناقة ذلول، فامتطيتها، ثم توجهت إلى المدينة. ونذرت: إن نجاني الله عليها أن أنحرها. فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة، فإذا هي ناقة رسول الله ﷺ ، فأخذها" الحديث. فأما إن اشتراه من العدو، فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه. وحكم أموال أهل الذمة كذلك، فإن كان عليه علامة المسلمين ولم يعرف صاحبه، فهو غنيمة، وبه قال الثوري والأوزاعي. وقال الشافعي: يوقف حتى يجيء صاحبه. وإن وجد عليه حبس في سبيل الله، رد كما كان، نص عليه؛ وبه قال الأوزاعي والشافعي. وقال الثوري: يقسم.

стр. 380

ويملك الكفار أموال المسلمين بالقهر، وهو قول مالك. وعنه: لا. وهو قول الشافعي، لحديث الجارية. ووجه الأولى: أن الناقة إنما أخذها النبي ﷺ لأنها غير مقسومة ولا مشتراة. ويملكونها قبل حيازتها إلى دار الكفر، وبه قال مالك. وعنه: بالحيازة إلى دارهم، وبه قال أبو حنيفة. وإن استولوا على حر لم يملكوه، لا نعلم فيه خلافاً. وإذا قدر المسلمون على أهل الذمة، وجب ردهم إلى ذمتهم، ولم يجز استرقاقهم، لا نعلم فيه خلافاً. وإذا وجد ركاز في دارهم، فإن كان في موضع يقدر عليه بنفسه، فهو له، وإن لم يقدر عليه إلا بجماعة المسلمين، فهو غنيمة. ونحوه قول مالك والأوزاعي. وقال الشافعي: إن وجده في مواتهم، فهو مثل ما لو وجده في دار الإسلام. ولنا: حديث أبي الجويرية: "لقيت بأرض الروم جرة فأتيت بها الأمير فقسمها بين المسلمين". رواه أبو داود. وإن وجد في دارهم لقطة، فإن كانت من متاع المسلمين فهي كما لو وجدها في غيره، وإن كانت من متاع المشركين فهي غنيمة؛ وبه قال أبو حنيفة والثوري. وقال الشافعي: ينفرد بأخذه، لأنه لو أخذه في دار الإسلام ملكه. ولنا: أنه ذو قيمة مأخوذة بقوة المسلمين. وأما ما أخذه في دار الإسلام فلا يحتاج إلى الجيش. وإن كان مما لا قيمة له، فله أخذه وهو أحق به، ولو صار له قيمة بمعالجته أو نقله، نص عليه؛ وبه قال الأوزاعي والشافعي. وقال الثوري: يرده في المقسم، وإن عالجه أعطي قدر عمله. ولنا: أن القيمة إنما صارت بعمله أو بنقله، فلم يكن غنيمة. وإن ترك صاحب المقسم شيئاً من الغنيمة عجزاً عن حمله فقال: من أخذ شيئاً فهو له، ملكه بأخذه نص عليه.

стр. 381

وسئل: عما تركه الوالي مما لا يباع ولا يشترى، أيأخذه الإنسان لنفسه؟ قال: نعم. ونحوه قول مالك، لأنه إذا لم يقدر على حمله يصير بمنزلة ما لا قيمة له. وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ويجوز قسمها فيها، وبه قال مالك والشافعي. وقال أصحاب الرأي: لا يقسم إلا في دار الإسلام. ولنا: قول الأوزاعي: "لا أعلم أنه ﷺ قسم شيئا بالمدينة من المغانم". وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال وإن لم يقاتل، لأنه ردء للمقاتل معين، وبه قال الشافعي. وقال مالك: لا سهم للتاجر والصانع، إلا أن يقاتلوا. وأما المريض العاجز عن القتال والمخذل والمرجف والفرس الضعيف، فلا حق له، وبه قال مالك. وقال الشافعي: يسهم له كالمريض. وإذا لحق مدداً أو هرب أسير فأدركوا الحرب قبل تقضيها، أسهم لهم، وإن جاؤوا بعد إحراز الغنيمة، فلا شيء لهم. ومن بعثهم الأمير لمصلحة الجيش أسهم لهم. وسئل أحمد: عن قوم خلفهم الأمير وأغار في جلد الخيل فقال: إن أقاموا في بلد العدو حتى رجع، أسهم لهم، قيل له: فإن اعتل رجل أو اعتلت دابة، فقال له الأمير: أقم، وأسهم لك، أو انصرف أسهم لك؟ فكرهه وقال: ينصرف إلى أهله، كيف يسهم له؟! وإذا أراد القسمة، بدأ بالأسلاب فدفعها إلى أهلها، فإن كان فيها مال مسلم أو ذمي دفعه إليه، ثم بمؤنة الغنيمة من أجرة الجمال والحافظ والمخزن والحاسب، ثم بالرضخ - وقيل يبدأ بالخمس قبله -. ثم يخمس الباقي، فيقسم خمسة على خمسة أسهم، ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن الغنيمة مخموسة، للآية، وقد ذكرناه. وقيل: يقسم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسوله، لظاهر الآية. وروي عن الحسن وقتادة في سهم ذوي القربى: "كان

стр. 382

طعمة لرسول الله ﷺ في حياته، فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله". وعن ابن عباس: "أن أبا بكر وعمر قسما الخمس ثلاثة أسهم"، وهو قول أصحاب الرأي، قالوا: يقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل. وقال: مالك الفيء والخمس واحد، يجعلان في بيت المال. وقال الثوري: الخمس يضعه الإمام حيث أراه الله. وسئل ابن عباس عن سهم ذوي القربى فقال: "كنا نزعم أنه لنا فأبى علينا قومنا"، وذكر لأحمد قول أبي بكر وعمر، فسكت فلم يذهب إليه، ورأى أن قول ابن عباس أولى، لموافقة الكتاب والسنة. وقالت طائفة: سهم رسول الله ﷺ للخليفة بعده، لقوله: "إذا أطعم الله نبياً طعمة ثم قبضه، فهي للذي يقوم بها من بعده". ١ رواه أبو بكر عنه: قال: "قد رأيت أن أرده على المسلمين. فاتفق هو وعمر والصحابة على وضعه في الخيل والعدة في سبيل الله". و"كان له ﷺ الصفي"، وهو شيء يختاره من الغنيمة قبل القسمة، كالعبد والجارية والثوب ونحوه، هذا قول غير واحد. وقال أحمد: هو خاص به ﷺ ، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن أبا ثور قال: للإمام أخذه. وأنكر قومٌ الصفي، واحتجوا بحديث جبيرك "والذي نفسي بيده ليس لي مما أفاء الله ... إلخ". ولنا: كتابه ﷺ إلى بني زهير، رواه أبو داود، وفيه: "وأدّيتم الصفيّ، فإنكم آمنون بأمان الله ورسوله". ٢ رواه أبو داود، وقالت عائشة: "كانت صفية من الصفي". رواه أبو داود. وسهم ذوي القربى: للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو مذهب الشافعي، وقيل: يختص بالفقراء. ولنا: عموم الآية، و"لأن عثمان وجبيراً طلبا حقهما

стр. 383

وهما موسران". وسئل: عن علة المنع؟ فعلله بنصرة بني المطلب. والمشهور من مذهب الشافعي: أن اليتامى لا يستحقون إلا مع الفقر، قال شيخنا: لا أعلم في هذا نصًا عن أحمد، والآية تقتضي التعميم. ويرضخ لمن لا سهم له، وهم: العبيد والنساء والصبيان، هذا قول أكثر أهل العلم، وبه قال مالك في المرأة والعبد. وقال أبو ثور: يسهم للعبد. وروي عن الحسن والنخعي، لحديث الأسود: "أسهم لهم يوم القادسية". وقال الأوزاعي: ليس لهم سهم ولا رضخ. ويسهم للمرأة، لحديث جبير بن زياد عن جدته: "أنه أسهم لهن يوم خيبر وأسهم أبو موسى في غزوة تستر لنسوة معه". ولنا: حديث ابن عباس، رواه مسلم، وعن عمير مولى أبي اللحم: "أنه شهد فتح خيبر فأخبر النبي ﷺ أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع". رواه أبو داود، واحتج به أحمد. وأما ما روي في سهامهن، فيحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهماً. وقال مالك: يسهم للصبي إذا قاتل وأطاق القتال، وكذا قال الأوزاعي: "أسهم رسول الله ﷺ لهم بخيبر". ولنا: قول ابن المسيب: "كان الصبيان والعبيد يُحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة"، وحديث تميم بن قزع الفهري، قال الجوزجاني: هذا من مشاهير حديث مضر وجيده. فإن انفرد بالغنيمة من لا سهم له، كعبيد دخلوا في دار الحرب، أخذ خمسه، والباقي لهم. وإن غزا الكافر مع الإمام بإذنه، فعنه: يسهم له، وبه قال الزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق. قال الجوزجاني: هذا قول أهل الثغور، وأهل العلم

стр. 384

بالبعوث. وعنه: لا يسهم له، وبه قال الشافعي ومالك. ولنا: "أنه ﷺ أسهم لصفوان بن أمية يوم حنين". وإن غزا العبد على فرس لسيده، قسم للفرس ورضخ له، وقال الشافعي: لا يسهم للفرس. ومن استعار فرساً فسهمها للمستعير، وبه قال الشافعي، وعنه: لمالكها. فإن استأجرها فسهمها له، لا نعلم فيه خلافاً. وإن غزا على فرس حبيس، فسهمها له. وأجمع أهل العلم على أن للغانمين أربعة أخماس الغنيمة، وقال أكثرهم: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة: له سهم ولفرسه سهمان. قال ابن المنذر: هذا قول عوام أهل العلم في القديم والحديث. وقال أبو حنيفة: للفرس سهم واحد. والهجين الذي أبوه عربي وأمه برذون يكون له سهم، وبه قال الحسن، وعنه: له سهمان؛ وبه قال مالك والشافعي، لعموم الخبر. ولا يسهم لأكثر من فرسين، وقال الشافعي ومالك: لا يسهم لأكثر من واحد. ولنا: أن عمر قضى بذلك. ولا يسهم لغير الخيل، وعنه: يسهم للبعير سهم. ومن دخل دار الحرب راجلاً، ثم ملك فرساً أو استعاره فشهد به الوقعة، فله سهم فارس. وقال أبو حنيفة: الاعتبار بدخول دار الحرب، قال أحمد: أنا أرى أن كل من شهد الوقعة على أي حال كان يعطى: إن كان فارساً ففارساً، وإن كان راجلاً فراجلاً، لأن عمر قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة". ومن غصب فرساً، فسهمه لمالكه، نص عليه. ولو قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، أو فضّل بعضهم على بعض، لم يجز في إحدى الروايتين، وعنه: يجوز، لأنه ﵇ قال يوم بدر: "من أخذ شيئاً فهو له"، ١ وقضية بدر

стр. 385

منسوخة، لأنهم اختلفوا فيها، فأنزل الله: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ الآية ١. وأما تفضيل بعضهم على بعض، فلا يجوز. وقال الإمام أحمد في الإمام يستأجر قوماً يدخل بهم بلاد العدو: لا يسهم لهم، ويوفى لهم بأجرتهم، لحديث يعلى بن منير، رواه أبو داود، وفيه: "لا أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمّى". ٢ وأما الأجير للخدمة والمكري دابته، ففيه روايتان: إحداهما: لا يسهم له، قاله إسحاق والأوزاعي. والثانية: يسهم له، وبه قال ابن المنذر ومالك، وبه قال الليث إذا قاتل. وإن اشتغل بالخدمة فلا سهم له، واحتج ابن المنذر بحديث سلمة: "أنه كان أجيراً لطلحة حين أدرك ابن عيينة حين أغار على سرح النبي ﷺ ، فأعطاه النبي ﷺ سهم الفارس والراجل". ومن قتل قبل حيازة الغنيمة، فلا سهم له. وقال الشافعي: إن قتل وقد حضر الوقعة قبل حيازة الغنيمة أو بعدها، أسهم له. وإذا فصل الجيش غازياً، فخرجت منه سرية، فأيهما غنم شاركه الآخر، في قول عامة أهل العلم. وقال النخعي: إن شاء نفلهم الإمام إياه كله، يعني: السرية. ولنا: ما روي: "أنه ﷺ بعث سرية من الجيش قبل أوطاس، فغنمت السرية، فأشرك بينها وبين الجيش"، ولأن كلاً منهما ردء لصاحبه. وقال أحمد: لا يشتري الأمير من المغنم شيئاً، لأنه يحابي به و"لأن عمر رد ما اشتراه ابنه في غزوة جلولاء، وقال: إنه يحابي"، احتج به أحمد. والغالّ يحرق رحله كله، وبه قال الحسن وفقهاء الشام. وقال مالك والشافعي: لا يحرق، لأنه ﷺ لم يفعله، ولأنه منهي عن إضاعة المال. ولنا: حديث سالم

стр. 386

عن أبيه عن عمر، وحديثهم لا حجة فيه؛ فإن الرجل توانى في المجيء به، وليس الخلاف فيه، ولأنه جاء به من عند نفسه تائباً معتذراً، والتوبة تجبّ ما قبلها. وأما النهي عن إضاعة المال، فذلك لغير المصلحة، فأما إذا كان لمصلحة فلا يعدّ تضييعاً. و"لا يحرق المصحف، لحرمته، ولحديث سالم، وكذلك الحيوان، لنهيه ﷺ عن التعذيب بالنار"، وكذلك السلاح، وكذلك آلة الدابة، نص عليه. وقال الأوزاعي: يحرق، ولا يحرق ما غلَّ لأنه من الغنيمة، نصَّ عليه. وهل يحرم سهمه؟ على روايتين. ولنا: أنه لم يثبت في خبر، وإذا تاب قبل القسمة ردّه في المغنم، وبعدها، يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي؛ وبه قال الحسن والزهري ومالك. وقال الشافعي: لا أعرف للصدقة وجهاً. ولنا: أنه قول ابن مسعود ومعاوية ومن بعدهم، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. وفدية الأسارى غنيمة بلا خلاف، وما أهدي للأمير أو بعض قواده في حال الغزو كذلك. وقال أبو حنيفة: هي لمن أهدي لهم بكل حال. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر، وفيها روايتان. قال الشيخ: لم ينص أحمد على الملك ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب: أنهم يملكونها ملكاً مقيداً، لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه. قوله: سهم لله ولرسوله يصرف مصرف الفيء. وعنه: في المقاتلة والكراع والسلاح. وفي الانتصار: هو لمن يلي الخلافة بعده. وذكر الشيخ عن بعض أصحابنا: أن الله أضاف هذه الأموال إضافة ملك كسائر أموال الناس، ثم اختار قول بعض العلماء: أنها ليست ملكاً لأحد، بل أمرها إلى الله وإلى الرسول، ينفقها في ما أمره الله به. ويشترط في المستحقين من ذوي

стр. 387

القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، أن يكونوا مسلمين، وأن يعطوا كالزكاة بلا نزاع. واختار الشيخ إعطاء الإمام من شاء منهم للمصلحة كالزكاة. واختار أن الفيء والخمس واحد، يصرف في المصالح. واختار ابن القيم في الهدي: أن الإمام يخيّر فيهم، ولا يتعداهم، كالزكاة. ولا يسهم لغير الفرس، وعنه: يسهم للبعير. وذكر القاضي أن أحمد قال: ليس للبغل شيء إلا النفل. قال الشيخ: هذا صريح أن البغل يجوز الرضخ له، وهو قياس الأصول؛ فإن الذي ينتفع به ولا يسهم له كالمرأة والصبي، يرضخ لهم. وإذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، ففي جوازه روايتان. وقيل: يجوز للمصلحة، وإلا فلا؛ قلت: وهو الصواب. وإذا فضّل بعض الغانمين على بعض، ففيه روايتان، ومحلهما إذا كان المعطى في غناء مثل الشجاعة ونحوها، فإن كان لا غناء فيه، لم يجز، قولاً واحداً. وإذا كان لغناء فيه ولم يشرطه، فالصحيح جوازه. والغالّ يحرق رحله. واختار الشيخ أنه من باب التعزير، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة؛ قلت: وهو الصواب.

стр. 388

باب حكم الأرضين المغصوبة ... باب حكم الأرضين المغنومة ما أجلي عنها أهلها بالسيف، خيّر الإمام بين وقفها وقسمها؛ وعنه: تصير وقفاً بالاستيلاء، وعنه: تقسم بين الغانمين. ولا نعلم أن شيئاً مما فتح عنوة قُسم إلا خيبر. قال أحمد: ومن يقوم على أرض الصلح والعنوة؟ وأين هي؟ وإلى أين هي؟ وقال: أرض الشام عنوة، إلا حمص وموضعاً آخر. وقال: ما دون النهر صلح، وما وراءه عنوة. وقال: فتح المسلمون السواد عنوة، إلا ما كان منه صلحاً، وهي أرض الحيرة وأرض بانقيا. وقال: أرض الري خلطوا في أمرها. والذي قسم بين الغانمين لا خراج عليه، وكذلك ما أسلم أهله عليه، وما صولحوا على أن الأرض لهم، وما أحياه المسلمون كأرض البصرة. وما جلا عنها أهلها خوفاً، حكمها حكم الفيء تصير وقفاً. وعنه: حكمها حكم العنوة. والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام. وعنه: لا يزاد على ما ضرب عمر ولا ينقص؛ وعنه: يجوز الزيادة دون النقص، لقول عمر لحذيفة وعثمان: "لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق؟ فقال عثمان: والله لو شئت زدت عليهم، فقال عمر: فلا تجهدهم"، فدل على إباحة الزيادة ما لم يجهدهم. و"كره شراء المزارع من أرض الخراج، لأن في الخراج معنى الذلة، وبهذا وردت الأخبار عن عمر وغيره"؛ ومعنى الشراء ههنا: أن يتقبل الأرض بما عليها من خراجها، لأن شراء هذه الأرض غير جائز.

стр. 389

باب الفيئ ... باب الفيء وهو: ما أُخذ من مال المشركين بغير قتال، كالجزية، والخراج، والعشر، وما تركوه فزعاً، وخمس خمس الغنيمة، ومال من لا وارث له، قال أحمد: الفيء فيه حق لكل المسلمين، وهو بين الغني والفقير. وقال عمر (: "ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال حق، إلا العبيد، وقرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ، ١ فقال: هذه استوعبت جميع المسلمين". وذكر القاضي أن الفيء مختص بأهل الجهاد، ويبدأ بالجند لأنهم أهم فيعطون كفايتهم، وما فضل قدم الأهم فالأهم، من عمارة المساجد والقناطر وإصلاح الطرق، وأرزاق القضاة والأئمة، وكل ما يعود نفعه على المسلمين. ثم يقسم ما فضل على المسلمين، لما ذكرنا من الآية، وقول عمر. وللشافعي قولان كنحو ما ذكرناه. واستدلوا على أن أربعة أخماس الفيء لرسول الله ﷺ في حياته، لحديث خصومة علي والعباس عند عمر وقوله: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، وكانت له خاصة دون المسلمين". قال شيخنا: وظاهر أخبار عمر أن الفيء للمسلمين، فإنه لما قرأ الآية في سورة الحشر، قال: "استوعبت جميع المسلمين"، فأما أموال بني النضير، فيحتمل أنه ﷺ ينفق منها على أهله، لأنهم من أهم مصالح المسلمين؛ فيبدأ

стр. 390

بهم ثم يجعل باقيه أسوة المال. ويحتمل أنه اختص بها من الفيء، وترك سائره لمن سمى الله في الآية. وهذا مبين في قول عمر: "كانت لرسول الله خاصة دون المسلمين". قال أحمد: لا يخمس الفيء، وهو قول الأكثر، وعنه: بلى، كالغنيمة؛ وهو قول الشافعي، لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية، ١ فظاهره أن جميعه لهؤلاء وهم أهل الخمس، ولحديث البراء وفيه: "وأخمس ماله"، وجاءت الأخبار دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه عن عمر مستدلاً بالآيات التي بعدها؛ فوجب الجمع بينهما، ففي إيجاب الخمس جمع بينهما. فإن خمسه لمن سمي في الآية، وسائره يصرف إلى من في الآيتين، قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أن في الفيء خمساً، والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ، ٢ فجعله كله لهم خمساً، ولم يذكر خمساً، قال عمر لما قرأها: "استوعبت جميع المسلمين".
следующие страницы →