عن أبيه عن عمر، وحديثهم لا حجة فيه؛ فإن الرجل توانى في المجيء به، وليس الخلاف فيه، ولأنه جاء به من عند نفسه تائباً معتذراً، والتوبة تجبّ ما قبلها. وأما النهي عن إضاعة المال، فذلك لغير المصلحة، فأما إذا كان لمصلحة فلا يعدّ تضييعاً.
و"لا يحرق المصحف، لحرمته، ولحديث سالم، وكذلك الحيوان، لنهيه ﷺ عن التعذيب بالنار"، وكذلك السلاح، وكذلك آلة الدابة، نص عليه. وقال الأوزاعي: يحرق، ولا يحرق ما غلَّ لأنه من الغنيمة، نصَّ عليه. وهل يحرم سهمه؟ على روايتين. ولنا: أنه لم يثبت في خبر، وإذا تاب قبل القسمة ردّه في المغنم، وبعدها، يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي؛ وبه قال الحسن والزهري ومالك. وقال الشافعي: لا أعرف للصدقة وجهاً. ولنا: أنه قول ابن مسعود ومعاوية ومن بعدهم، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وفدية الأسارى غنيمة بلا خلاف، وما أهدي للأمير أو بعض قواده في حال الغزو كذلك. وقال أبو حنيفة: هي لمن أهدي لهم بكل حال.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر، وفيها روايتان. قال الشيخ: لم ينص أحمد على الملك ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب: أنهم يملكونها ملكاً مقيداً، لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه. قوله: سهم لله ولرسوله يصرف مصرف الفيء. وعنه: في المقاتلة والكراع والسلاح. وفي الانتصار: هو لمن يلي الخلافة بعده. وذكر الشيخ عن بعض أصحابنا: أن الله أضاف هذه الأموال إضافة ملك كسائر أموال الناس، ثم اختار قول بعض العلماء: أنها ليست ملكاً لأحد، بل أمرها إلى الله وإلى الرسول، ينفقها في ما أمره الله به. ويشترط في المستحقين من ذوي
стр. 387
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، أن يكونوا مسلمين، وأن يعطوا كالزكاة بلا نزاع. واختار الشيخ إعطاء الإمام من شاء منهم للمصلحة كالزكاة. واختار أن الفيء والخمس واحد، يصرف في المصالح. واختار ابن القيم في الهدي: أن الإمام يخيّر فيهم، ولا يتعداهم، كالزكاة. ولا يسهم لغير الفرس، وعنه: يسهم للبعير. وذكر القاضي أن أحمد قال: ليس للبغل شيء إلا النفل. قال الشيخ: هذا صريح أن البغل يجوز الرضخ له، وهو قياس الأصول؛ فإن الذي ينتفع به ولا يسهم له كالمرأة والصبي، يرضخ لهم.
وإذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، ففي جوازه روايتان. وقيل: يجوز للمصلحة، وإلا فلا؛ قلت: وهو الصواب.
وإذا فضّل بعض الغانمين على بعض، ففيه روايتان، ومحلهما إذا كان المعطى في غناء مثل الشجاعة ونحوها، فإن كان لا غناء فيه، لم يجز، قولاً واحداً. وإذا كان لغناء فيه ولم يشرطه، فالصحيح جوازه. والغالّ يحرق رحله. واختار الشيخ أنه من باب التعزير، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة؛ قلت: وهو الصواب.
стр. 388
باب حكم الأرضين المغصوبة
...
باب حكم الأرضين المغنومة
ما أجلي عنها أهلها بالسيف، خيّر الإمام بين وقفها وقسمها؛ وعنه: تصير وقفاً بالاستيلاء، وعنه: تقسم بين الغانمين. ولا نعلم أن شيئاً مما فتح عنوة قُسم إلا خيبر. قال أحمد: ومن يقوم على أرض الصلح والعنوة؟ وأين هي؟ وإلى أين هي؟ وقال: أرض الشام عنوة، إلا حمص وموضعاً آخر. وقال: ما دون النهر صلح، وما وراءه عنوة. وقال: فتح المسلمون السواد عنوة، إلا ما كان منه صلحاً، وهي أرض الحيرة وأرض بانقيا. وقال: أرض الري خلطوا في أمرها. والذي قسم بين الغانمين لا خراج عليه، وكذلك ما أسلم أهله عليه، وما صولحوا على أن الأرض لهم، وما أحياه المسلمون كأرض البصرة. وما جلا عنها أهلها خوفاً، حكمها حكم الفيء تصير وقفاً. وعنه: حكمها حكم العنوة. والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام. وعنه: لا يزاد على ما ضرب عمر ولا ينقص؛ وعنه: يجوز الزيادة دون النقص، لقول عمر لحذيفة وعثمان: "لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق؟ فقال عثمان: والله لو شئت زدت عليهم، فقال عمر: فلا تجهدهم"، فدل على إباحة الزيادة ما لم يجهدهم.
و"كره شراء المزارع من أرض الخراج، لأن في الخراج معنى الذلة، وبهذا وردت الأخبار عن عمر وغيره"؛ ومعنى الشراء ههنا: أن يتقبل الأرض بما عليها من خراجها، لأن شراء هذه الأرض غير جائز.
стр. 389
باب الفيئ
...
باب الفيء
وهو: ما أُخذ من مال المشركين بغير قتال، كالجزية، والخراج، والعشر، وما تركوه فزعاً، وخمس خمس الغنيمة، ومال من لا وارث له، قال أحمد: الفيء فيه حق لكل المسلمين، وهو بين الغني والفقير.
وقال عمر (: "ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال حق، إلا العبيد، وقرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ، ١ فقال: هذه استوعبت جميع المسلمين".
وذكر القاضي أن الفيء مختص بأهل الجهاد، ويبدأ بالجند لأنهم أهم فيعطون كفايتهم، وما فضل قدم الأهم فالأهم، من عمارة المساجد والقناطر وإصلاح الطرق، وأرزاق القضاة والأئمة، وكل ما يعود نفعه على المسلمين. ثم يقسم ما فضل على المسلمين، لما ذكرنا من الآية، وقول عمر. وللشافعي قولان كنحو ما ذكرناه. واستدلوا على أن أربعة أخماس الفيء لرسول الله ﷺ في حياته، لحديث خصومة علي والعباس عند عمر وقوله: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، وكانت له خاصة دون المسلمين".
قال شيخنا: وظاهر أخبار عمر أن الفيء للمسلمين، فإنه لما قرأ الآية في سورة الحشر، قال: "استوعبت جميع المسلمين"، فأما أموال بني النضير، فيحتمل أنه ﷺ ينفق منها على أهله، لأنهم من أهم مصالح المسلمين؛ فيبدأ
стр. 390
بهم ثم يجعل باقيه أسوة المال. ويحتمل أنه اختص بها من الفيء، وترك سائره لمن سمى الله في الآية. وهذا مبين في قول عمر: "كانت لرسول الله خاصة دون المسلمين". قال أحمد: لا يخمس الفيء، وهو قول الأكثر، وعنه: بلى، كالغنيمة؛ وهو قول الشافعي، لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية، ١ فظاهره أن جميعه لهؤلاء وهم أهل الخمس، ولحديث البراء وفيه: "وأخمس ماله"، وجاءت الأخبار دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه عن عمر مستدلاً بالآيات التي بعدها؛ فوجب الجمع بينهما، ففي إيجاب الخمس جمع بينهما. فإن خمسه لمن سمي في الآية، وسائره يصرف إلى من في الآيتين، قال ابن المنذر: لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أن في الفيء خمساً، والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ، ٢ فجعله كله لهم خمساً، ولم يذكر خمساً، قال عمر لما قرأها: "استوعبت جميع المسلمين".
стр. 391
باب الأمان
يصح أمان المسلم المكلف، ذكراً كان أو أنثى، وفي أمان الصبي المميز روايتان: يصح من كل مسلم بالغ عاقل، ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً، وهو قول الأكثر. ١ روي عن أبي حنيفة: لا يصح أمان العبد، إلا أن يكون مأذوناً له في القتال. ولنا: حديث عليّ، وفيه: "يسعى بذمتهم أدناهم" ٢.
ويصح أمان الأسير، إذا عقده غير مكره، وكذلك الأجير والتاجر في دار الحرب. وقال الثوري: لا يصح أمان أحد منهم. ولنا: عموم الحديث.
وأما الصبي المميز، ففيه روايتان: إحداهما: لا يصح، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة. والثانية: يصح، وبه قال مالك للعموم.
ولا يصح أمان ذمي، لقوله ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم". ٣ ويصح أمان أحد الرعية للواحد والعشرة والقافلة الصغيرة والحصن الصغير. ولا يصح لأهل بلدة وجمع كثير، لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام. ويصح أمان الأسير بعد الاستيلاء عليه، "لأن عمر أمن الهرمزان وهو أسير". فأما أحد الرعية، فليس له ذلك، وهو مذهب الشافعي. وحكي عن الأوزاعي: أنه يصح، "لأن زينب أجارت أبا العاص وهو أسير، فأجازه النبي ﷺ ". ولنا: أن أمر الأسير مفوض إلى الإمام، وحديث زينب إنما صح بإجازة النبي ﷺ .
стр. 392
ولنا أن أمر الأسير مفوض إلى الإمام وحديث زينب إنما صح بإجازة النبي ﷺ وإذا شهد للأسير اثنان أو أكثر، أنهم أمنوه، قُبل إذا كانوا بصفة الشهود. وقال الشافعي: لا يقبل، لأنهم يشهدون على فعل أنفسهم. ولنا: أنهم عدول غير متهمين، كما لو شهدوا على غيرهم أنه أمنه. فإن شهد واحد: أني أمنته، فقال القاضي: قياس قول أحمد: أنه يقبل، وهو قول الأوزاعي، ويحتمل أن لا يقبل، وبه قال الشافعي.
وصفة الأمان الذي ورد به الشرع لفظتان: أجرتك، وأمنتك، قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ، ١ وقال: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن"، ٢ وفي معناه: لا تخف، لا بأس عليك. وروي عن عمر أنه قال: "إذا قلتم: لا بأس، أو لا تذهل، أو مترس، فقد أمنتموه؛ فإن الله يعلم الألسنة"، ولا نعلم في هذا كله خلافاً.
فإن قال: قف، أو أقم، أو ألق سلاحك، فقيل: هو له أمان، لأن الكافر يعتقده أماناً. وقال الأوزاعي: إن ادعى الكافر أنه أمان فهو أمان، وإلا فلا يقبل. فإن قال: نويت به الأمان فهو أمان، وإن قال: لم أنوه، وقال الكافر: أعتقد أنا أماناً، رد إلى مأمنه. فإن أشار عليهم بما اعتقدوه أماناً، وقال: أردت به الأمان فهو أمان، وإن قال: لم أرد به الأمان فالقول قوله، لأنه أعلم بنيته. فإن خرجوا من حصنهم بهذه الإشارة، لم يقتلوا، ويردون إلى مأمنهم، لقول عمر: "والله لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل بأمانه، فقتله، لقتلته به". رواه سعيد
стр. 393
وإن مات المسلم أو غاب، فإنهم يردون إلى مأمنهم، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر. ومن جاء بمشرك وادعى أنه أمّنه، فأنكر، فالقول قوله. وعنه: قول الأسير. وعنه: من تدل الحال على صدقه. وإن طلب الأمان ليسمع كلام الله، وجب إجابته، ثم يرد إلى مأمنه، لا نعلم فيه خلافاً، للآية. قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة. وإذا دخل حربي دار إسلام بغير أمان، فادعى أنه رسول، قُبل منه ولم يجز التعرض له، لقوله: "لولا أن الرسل لا تقتل ... إلخ". وإن ادعى أنه تاجر، وقد جرت العادة بدخول تجارهم إلينا، لم يعرض له إذا كان معه ما يبيعه، لأنهم دخلوا يعتقدون الأمان. قال أحمد: إذا ركب القوم في البحر فاستقبلهم تجار مشركون من أرض العدو، يريدون دار الإسلام، لم يعرضوا لهم؛ وكل من دخل بلاد الإسلام من أرض الحرب بتجارة بويع، ولا يسأل عن شيء. وإن كان ممن ضل في الطريق، أو حملته الريح في مركب إلينا، فهو لمن أخذه، في إحدى الروايتين. والأخرى: يكون فيئاً، لأنه أخذ بغير قتال. روي عن أحمد أنه سئل عن: الدابة تخرج من بلد الروم فتدخل القرية؟ وعن القوم يضلون في الطريق فيدخلون القرية؟ قال: تكون لأهل القرية يتقاسمونها. وقال الزهري: غنيمة، وفيها الخمس. ومن دخل دار الحرب رسولاً أو تاجراً، فخيانتهم محرمة عليه، لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطاً بترك خيانتهم، وكذلك من جاءنا منهم بأمان، فمتى خان انتقض عهده.
وإذا أودع المستأمن ماله مسلماً أو أقرضه، ثم عاد إلى دار الحرب، بقي الأمان في ماله، فإذا طلبه صاحبه بعث إليه، وإن مات في دار الحرب انتقل
стр. 394
المال إلى وارثه ولم يبطل الأمان فيه. وقال أبو حنيفة والشافعي: يبطل، لأنه صار لورثته ولم يعقد فيه أماناً. ولنا: أن الأمان حق لازم متعلق بالمال، وهذا اختيار المزني؛ وإن لم يكن وارثاً صار فيئاً.
وإن أخذ المسلم من الحربي مالاً وديعة أو مضاربة، فدخل بها دار الإسلام، فهو في أمان.
وإن أطلقوا الأسير بشرط أنه يقيم عندهم مدة، لزمه الوفاء، لقوله: "المؤمنون عند شروطهم"، وقال الشافعي: لا يلزمه. وإن أطلقوه وأمنوه صاروا في أمان منه، لأن أمانهم له يقتضي سلامتهم منه. وإن لم يشرطوا شيئاً، أو شرطوا كونه رقيقاً، فله أن يقتل ويسرق ويهرب. وإن أحلفوه على ذلك، وكان مكرهاً، لم تنعقد يمينه. وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالاً، وإن عجز عنه عاد إليهم، لزمه الوفاء، إلا أن تكون امرأة. وقال الخرقي: لا يرجع الرجل أيضاً، نص عليه. وإن كان مكرهاً، لم يلزمه الرجوع ولا الفداء، لقوله: "عُفي لأمتي ... إلخ". وإن لم يكره وقدر على الفداء، لزمه، وبه قال الحسن وغيره. وقال الشافعي: لا يلزمه، لأنه حر لا يستحقون بدله. ولنا: قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ . ١ ولما صالح أهل الحديبية وفى لهم، وقال: "لا يصلح في ديننا الغدر"، ولأن الوفاء مصلحة للأسارى، وفي الغدر مفسدة في حقهم. فإن عجز أو كانت امرأة، لم ترجع، لقوله: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية. ٢ وفي الرجل روايتان: إحداهما: لا يرجع، وبه قال الحسن والنخعي والشافعي، لأن الرجوع إليهم معصية. والثانية: يلزمه، وهو قول الزهري والأوزاعي، لقصة أبي بصير.
وإذا اشترى المسلم أسيراً بإذنه، لزمه أن يؤدي إلى الذي اشتراه ما أداه
стр. 395
فيه، بغير خلاف، وإن كان بغير إذنه، لزمه أيضاً، وبه قال الحسن وغيره. وقال الشافعي وابن المنذر: لا يلزمه، لأنه تبرع بما لا يلزمه. ولنا: ما روى سعيد أن عمر كتب إلى السائب: "أيما رجل أصاب رقيقه ومتاعه بعينه، فهو أحق به من غيره. وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما اقتسم، فلا سبيل إليه. وأيما حر اشتراه التجار، فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم؛ فإن الحرّ لا يباع ولا يشترى"، فحكم للتجار برؤوس أموالهم. ويجب فداء أسير المسلمين إذا أمكن، لقوله: "وفكّوا العاني". ١ ويجب فداء أسير أهل الذمة، وبه قال عمر بن عبد العزيز والليث، لأننا التزمنا حفظهم بمعاهدتهم وأخذ جزيتهم. وقال القاضي: إنما يجب إذا استعان بهم الإمام في قتالهم فسُبوا، وجب عليه ذلك، وهو المنصوص عن أحمد.
стр. 396
باب الهدنة
وهي جائزة، لقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، ١ وقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الآية، ٢ و"صالح ﷺ سهيلاً عشر سنين". وإنما تجوز للنظر للمسلمين، إما لضعفهم عن القتال، أو طمع في إسلامهم أو في أدائهم الجزية، وغير ذلك من المصالح. فإن صالحهم على مال يبذله لهم، فقد أطلق أحمد القول بالمنع، لأن فيه صغاراً، وهو مذهب الشافعي. قال أحمد: وهو محمول على غير حالة الضرورة، لـ"بذْله لعيينة ومن معه ثلث ثمار المدينة". فإن عقدها غير الإمام أو نائبه لم يصح. وإن مات الإمام أو عُزل، لم تنتقض، لقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ . ٣ فإن نقضوا بقتال أو مظاهرة أو قتل مسلم أو أخذ مال، انتقض عهدهم وجاز قتالهم، لقوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية، ٤ وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ الآية. ٥ وإن نقضه بعضه دون بعض، فسكت باقيهم عن الناقض فالكل ناقض، لأن قريشاً أعان بعضهم بني بكر على خزاعة وسكت
стр. 397
الباقون فانتقض عهدهم. وإن شرط فيها شرطاً فاسداً، كنقضها متى شاء، أو رد النساء إليهم، أو إدخالهم الحرم، لم يصح الشرط، وفي العقد وجهان. وإن قال: هادنتكم ما شئنا أو شاء فلان، أو شرط ذلك لنفسه دونهم، لم يصح، لأنه ينافي مقتضى العقد، كما لو شرطه في البيع أو النكاح. وقال القاضي: يصح، وهو قول الشافعي، لقوله لأهل خيبر: "نقرّكم ما أقرّكم الله". ١ ولنا: أنه عقد لازم، فلم يجز اشتراط نقضه. وقصة أهل خيبر لم تكن هدنة، وإنما ساقاهم، وقد وافقوا الجماعة في أنه لو شرط في الهدنة: أقركم ما أقركم الله، لم يصح، فكيف يجتمعون مع الإجماع على عدم جوازه. كذلك إن شرط إدخالهم الحرم فهو فاسد، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية ٢.
وإذا عقد الهدنة من غير شرط، فجاءنا منهم إنسان مسلماً أو بأمان، لم يجب ردّه ولم يجز. ولا يجب رد مهر المرأة. وقال بعض أصحاب الشافعي: إن خرج العبد إلينا قبل إسلامه، ثم أسلم، لم يرد إليهم؛ فإن أسلم قبل خروجه إلينا، لم يصر حراً، لأنه في أمان منا. وقال الشافعي في قوله: إذا جاءت امرأة مسلمة رد مهرها، لقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ الآية. ٣ ولنا: أنه من غير دار الإسلام خرج إلينا، فلم يجب رده ولا رد شيء عنه كالحر، كما لو أسلم بعد خروجه. وقوله: إنه في أمان منا، قلنا: إنما أمناهم ممن هو في دار الإسلام الذين هم في قبضة الإمام، كما لو خرج قبل إسلامه، ولهذا "لما قتل أبو بصير الرجل، لم ينكر عليه ولم يضمنه. فلما انفرد هو وأصحابه فقطعوا الطريق عليهم، لم ينكر ذلك عليهم ولم يأمرهم بردّ ما أخذوه.
стр. 398
وأما المرأة فلا يردّ مهرها لأنها لم تأخذ منهم شيئاً"، ولو أخذته كانت قد قاهرتهم عليه في دار القهر، ولو وجب لوجب مهر المثل دون المسمى. وأما الآية، فقال قتادة: نسخ رد المهر، وقال عطاء والزهري: لا يعمل بها اليوم، على أنها في قصة الحديبية حين شرط رد من جاء مسلماً. وكلامنا فيما إذا وقع الصلح من غير شرط. وإذا شرط رد النساء لم يصح أيضاً. وإن شرط رد من جاء مسلماً من الرجال جاز، وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز شرط رده، إلا أن يكون له عشيرة تحميه. ولنا: أنه ﷺ لم يخص ذا العشيرة، ولأنه إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه فهو كمن لا عشيرة له، لكن إنما يجوز هذا الشرط عند شدة الحاجة إليه. وله أن يأمره سراً بالهرب منهم ومقاتلتهم، لقصة أبي بصير، ولقول عمر لأبي جندل: "دم أحدهم دم الكلب".
وإذا طلبت امرأة مسلمة الخروج من عندهم، جاز لكل مسلم إخراجها، لقصة بنت حمزة. وعلى الإمام حماية من هادنه من المسلمين دون غيرهم. وإن سباهم كفار آخرون، لم يجز لنا شراؤهم، وعن أبي حنيفة: يجوز. وإن خاف نقض العهد منهم، نبذ إليهم عهدهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ الآية، ١ أي: تصير أنت وهم سواء في العلم بالنبذ.
ولا يجوز أن يبدأهم بقتال أو غارة قبل إعلامهم، للآية. ومن أتلف منهم شيئاً على مسلم ضمنه، وإن قذفه جُلد، لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين بهم.
стр. 399
باب عقد الذمة
لا تجوز إلا من الإمام أو نائبه، لا نعلم فيه خلافاً، والأصل فيه وفي إخراج الجزية: الكتاب والسنة والإجماع، كقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ الآية، ١ وقول المغيرة يوم نهاوند: "أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله، أو تؤدوا الجزية". ٢ رواه البخاري. وحديث بريدة، مرفوعاً: "ادعُهم إلى إحدى ثلاث خصال". ٣ رواه مسلم. وأجمعوا على جواز أخذ الجزية في الجملة. ولا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب، ومن له شبهة كتاب؛ فأهل الكتاب: اليهود والنصارى ومن دان بدينهم، كالسامرة يدينون بشريعة موسى وإنما خالفوهم في فروع دينه، وفِرَق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والإفرنج والروم والأرمن وغيرهم ممن انتسب إلى شريعة عيسى، وما عداهم ليس أهل كتاب لقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الآية ٤.
فأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود، فلا تقبل منهم، لأنهم من غير الطائفتين، ولأن هذه الصحف ليس فيها شرائع، إنما هي مواعظ. وأما الذين لهم شبهة كتاب، فهم المجوس، هذا قول الأكثر. وعن أبي ثور: أنهم من أهل الكتاب، وتحل ذبائحهم ونساؤهم، وهو خلاف الإجماع. وما روي عن عليّ: "أن لهم كتاباً ورُفع، وأنّ ملِكهم قال: إن آدم أنكح بنيه بناته، فأنا على دينه"، فقال أبو عبيد: لا أحسبه محفوظاً.
стр. 400
إذا ثبت هذا، فإن أخذها من أهل الكتاب والمجوس إذا لم يكونوا من العرب، ثابت بالإجماع؛ فإن الصحابة أجمعوا على ذلك. فإن كانوا من العرب، فحكمهم حكم العجم. وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من العرب، لشرفهم بالنبي ﷺ . ولنا: عموم الآية، و"بعْثه خالداً إلى أكيدر دومة، فصالحه على الجزية؛ وهو من العرب. وأخذَها من نصارى نجران؛ وهم من العرب"، ولأنه إجماع، فـ"إن عمر أخذها من بني تغلب"، فلم ينكر وكان إجماعاً. فأما غيرهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام. وعنه: تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب، لحديث بريدة، وعن مالك: تقبل من الجميع، إلا مشركي قريش. وعن الأوزاعي: تقبل من جميعهم، لحديث بريدة. ولنا: قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، ١وقوله: "أُمرت أن أقاتل الناس ... " ٢ الحديث، وهذا عام خص منه ما ذكرنا.
ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين: أحدهما: التزام إعطاء الجزية في كل حول. الثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق وترك محرم، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ . ٣ والصابيء إذا انتسب إلى أحد الكتابين فهو من أهله، وإلا فلا. ولا نعلم خلافاً أنها لا تجب على الصبي والمرأة، ولا زائل العقل.
стр. 401
باب أحكام الذمة
تقام عليهم الحدود فيما يعتقدون تحريمه، لحديث: "أتى رسول الله ﷺ بيهوديين قد فجرا ١" الحديث. ويقرون على ما يعتقدون حله، إلا أنهم يمنعون من إظهاره. ويلزمهم التميز عن المسلمين في شعورهم، بحذف مقادم رؤوسهم، وترك الفرق.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
يصرف الفيء في المصالح، واختار الشيخ أنه لا حظ للرافضة فيه، وذكره في الهدي. وعن مالك وأحمد: يبدأ بالمهاجرين، ثم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ . ويجوز المفاضلة بينهم لمعنى فيهم، اختاره الشيخ.
ويحرم الأخذ من بيت المال، إلا بإذن الإمام. ولا يجوز الصدقة منه، وكذلك السرقة، ويسلمه للإمام، قال الشيخ: لو أتلفه ضمنه. والرسول والمستأمن لا يقيم سنة فصاعدا إلا بجزية، اختاره الشيخ. قوله: والأسير إذا أطلقه الكفار بشرط أن يقيم عندهم مدة، لزمه، قال الشيخ: لا ينبغي أن يدخل معهم في التزام الإقامة أبداً، لأن الهجرة واجبة عليه؛ ففيه التزام ترك الواجب، اللهم إلا أن يمنعوه من دينه، ففيه التزام ترك المستحب، وفيه نظر.
واختار في الرد على الرافضة أخذ الجزية [من كل فرق الكفار، وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد نزول الجزية] بل كانوا قد أسلموا،
стр. 402
وقال في الاعتصام بالكتاب والسنة: من أخذها من الجميع، أو سوَّى بين المجوس وأهل الكتاب، فقد خالف الكتاب والسنة. وليس للإمام نقض عهدهم وتجديد الجزية عليهم، لأن عقد الذمة مؤبد، وقد عقده عمر معهم. واختار ابن عقيل جواز ذلك لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة. وقد فعله عمر بن عبد العزيز، واختاره الشيخ. ويكون العقد لازماً على الصحيح، يعني: عقد الهدنة، قال الشيخ: ويكون أيضاً جائزاً، فإن زاد على عشر سنين بطل في الزيادة. وإن هادنهم مطلقاً لم يصح. وقال الشيخ: يصح، وتكون جائزة ويعمل بالمصلحة، لأن الله أمر بنبذ العهود المطلقة وإتمام المؤقتة. وإن قال: هادنتكم ما شئنا أو شاء فلان، لم يصح، وقيل: يصح. ولو قال: نقرّكم ما أقرّكم الله، لم يصح، وقال الشيخ: يصح. وإن منعناه في قوله: ما شئنا. قوله: ويأمره سراً بقتالهم والفرار منهم، قال في الترغيب وغيره: يعرِّض له أن لا يرجع إليهم. وإن سباهم كفار لم يجز لنا شراؤهم، وذكر الشيخ رواية منصوصة: يجوز شراؤهم من سابيهم. وفي الهدي في غزوة الفتح: أن أهل العهد إذا حاربوا من في ذمة الإمام، صاروا بذلك أهل حرب، فله أن يبيّتهم، وإنما يعلمهم إذا خاف منهم الخيانة، وأنه ينتقض عهد الجميع إذا لم ينكروا عليهم.
ومتى مات الإمام أو عُزل لزم مَن بعده الوفاء بعقده، لأنه لا ينتقض باجتهاد غيره، وجوَّز ابن عقيل وغيره نقض ما عقد الخلفاء الأربعة، نحو صلح تغلب، لاختلاف المصالح باختلاف الأزمنة.
ولا جزية على راهب، وقيل: بلى. ولا يبقي بيده مالاً إلا بُلْغته فقط، ويؤخذ ما بيده، قاله الشيخ. وقال: يؤخذ منهم ما لنا كالرزق الذي للديور والمزارع إجماعاً. [وقال: من له تجارة أو زراعة وهو مخالط لهم أو معاونهم
стр. 403
على دينهم، كمن يدعو إليه من راهب وغيره، فإنها تلزمه إجماعا] ، ١ وحكمه حكمهم بلا نزاع. ولا يُبدؤون بالسلام، وفيه احتمال: يجوز للحاجة، ومثله: كيف أصبحت؟ كيف حالك؟ وجوّزه الشيخ. وإذا سلّموا، ردّ عليهم، قال الشيخ: ترد تحيتهم، فقال: يجوز أن يقول له: أهلاً وسهلاً. وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان: إحداهما: أنه يجوز لمصلحة راجحة، كرجاء إسلامه، اختاره الشيخ.
وكره أحمد الدعاء بالبقاء لأحد، اختاره الشيخ. قوله: ويُمنعون من إحداث الكنائس والبِيع، قال الشيخ: إجماعاً. وقال الشيخ: يُمنعون من إظهار الأكل والشرب في رمضان، قال: ولو أبى من الصغار انتقض عهده. وقال في نصراني لعن مسلماً: تجب عقوبته بما يردعه وأمثاله عن ذلك.
وقال: قال أحمد فيمن زنى بمسلمة: يُقتل، قيل له: فإن أسلم؟ قال: وإن أسلم. هذا قد وجب عليه. قال الشيخ: من قهر قوماً من المسلمين، ونقلهم إلى دار الحرب، ظاهر المذهب: أنه يُقتل ولو بعد إسلامه، وأنه أشبه بالكتاب والسنة، كالمحارب. والله أعلم.
стр. 404
كاب البيع
باب الضمان
...
باب الضمان
ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في حال الحياة والموت، وحكي عن مالك في إحدى الروايتين عنه: أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه. ولنا: قوله ﵇: "الزعيم غارم". ١ وعن أحمد رواية أن الميت يبرأ بمجرد الضمان، لما روى أبو سعيد قال: "كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فلما وضعت قال: هل على صاحبكم من دين، قالوا: نعم درهمان. قال: صلّوا على صاحبكم. فقال عليٌّ: هما عليَّ يا رسول الله. [وأنا لهما ضامن] . ٢ فصلى عليه ﷺ ثم أقبل على عليٍّ فقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك. فقيل: يا رسول الله، هذا لعليّ خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة". رواه الدارقطني.
وروى أحمد عن جابر قال: "توفي صاحب لنا فأتينا به النبي ﷺ ليصلّي عليه. فخطا خطوة ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران. فانصرف. فتحملهما أبو قتادة، فقال: الديناران عليَّ، فقال رسول الله ﷺ : وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما؟ قال: نعم. فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: ما فعل الديناران؟ قال: إنما مات أمس، فعاد إليه من الغد، فقال قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : الآن بردت جلده ". ٣ وهذا صريح في براءة المضمون عنه،
стр. 405
لقوله: "وبرئ الميت منهما". ولنا: قوله ﷺ : "نفس المؤمن معلّقة بديْنه حتى يُقضى عنه"، ١ وقوله: "الآن بردت جلده"، حين أخبره أنه قضى دينه. فأما صلاته على المضمون عنه، فلأنه صار له وفاء، وإنما كان يمتنع من الصلاة على من لم يخلف وفاء.
وأما قوله: " فكّ الله رهانك ... إلخ"، فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي ﷺ ، فلما ضمنه فكّه من ذلك أو ما في معناه. وقوله: "برئ الميت منهما" أي: صرت أنت المطالب بهما، وهذا على وجه التأكيد وثبوت الحق في ذمته، ووجوب الأداء عنه، بدليل قوله: "الآن بردت عليه جلده". ولا يعتبر رضى المضمون له ولا المضمون عنه [ولا معرفة الضامن لهما. وقال أبو حنيفة: يعتبر رضى المضمون له. ولنا: "أن أبا قتادة ضمن من غير رضى المضمون له ولا المضمون عنه"] . ٢ وقال القاضي: يعتبر معرفتهما. ولنا: حديث أبي قتادة وعلي، "فإنهما ضمنا لمن لم يعرفا وعن من لم يعرفا"، ولا يعتبر كون الحق معلوماً ولا واجباً إذا كان مآله إلى الوجوب، فمتى قال: أنا ضامن لك ما على فلان، أو ما تقوم به البينة، أو ما يقر به لك، صح؛ وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقال الشافعي وابن المنذر: لا يصح كالثمن. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ . ٣ وهو غير معلوم، لأنه يختلف باختلافه. وقوله ﵇: "الزعيم غارم". ويصح ضمان ما لم يجب كقوله: ما أعطيت فلانا فهو عليَّ، والخلاف فيها كالتي قبلها، والدليل ما ذكرنا.
ويصح ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري، وعن المشتري للبائع. فعن
стр. 406
المشتري: أن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، أو إن ظهر فيه عيب، أو استحق، رجع على الضامن. وعن البائع: أن يضمن الثمن متى خرج المبيع مستحقاً، أو رد بعيب أو أرش العيب. والعهدة: الكتاب الذي يكتب فيه وثيقة البيع، ويذكر فيه الثمن، فعبر به عن الثمن الذي يضمنه. وحكي عن أبي يوسف: إذا قال: ضمنت عهدته، لم يصح لأن العهدة الصك بالابتياع، كذا فسره أهل اللغة، وليس بصحيح، لأنها في العرف عبارة عن الدرك، والمطلق يحمل على الأسماء العرفية.
وممن أجاز ضمان العهدة في الجملة: أبو حنيفة ومالك والشافعي. ولا يصح ضمان الأمانات، كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين المدفوعة إلى الخياط، لأنها غير مضمونة على صاحب اليد. وإن ضمن التعدي فيها، فظاهر كلام أحمد: صحة ضمانها. فأما الأعيان المضمونة، كالغصوب، والعواري، والمقبوضة على وجه السوم، فيصح ضمانها.
ويصح ضمان الجعل في الجعالة، وفي المسابقة والمناضلة، وقال أصحاب الشافعي: لا يصح في أحد الوجهين، لأنه لا يؤول إلى اللزوم، أشبه مال الكتابة. ولنا: قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ١.
وإن ضمن وقضى بغير أمره، ففيه روايتان: إحداهما: يرجع. والثانية: لا يرجع، بدليل حديث علي وأبي قتادة، فإنهما لو استحقا الرجوع على الميت صار الدين لهما، وكانت ذمة الميت مشغولة.
ووجه الأولى: أنه قضاء مبرئ من ديْن واجب، كالحاكم إذا قضى عنه عند امتناعه. فأما علي وأبو قتادة فإنهما تبرعا، فإنهما قضيا ديناً قصداً لتبرئة ذمته، مع علمهما أنه لم يترك وفاء؛ والمتبرع لا يرجع بشيء وإنما
стр. 407
الخلاف في المحتسب. وإن اعترف المضمون له بالقضاء وأنكر المضمون عنه، لم يسمع إنكاره. وفيه وجه: أنه لا يقبل، لأن الضامن مدّع بما يستحق الرجوع به، وقول المضمون له شهادة على فعل نفسه، فلا يقبل. والأول أصح. وشهادة الإنسان على فعل نفسه صحيحة، كشهادة المرضعة، وقد ثبت ذلك بخبر عقبة بن الحارث.
(فصل) : الكفالة التزام إحضار المكفول به، وجملة ذلك أن الكفالة بالنفس صحيحة، في قول أكثر أهل العلم. وقال الشافعي في بعض أقواله: الكفالة بالبدن ضعيفة. فمن أصحابه من قال: مراده: ضعيفة في القياس، وإلا فهي صحيحة، للإجماع والأثر. ومنهم من حكى قولين. ولنا: قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ . ١ وتصح ببدن كل من يلزمه الحضور في مجلس الحكم بديْن لازم، معلوم أو مجهول. وتصح ببدن المحبوس والغائب. وقال أبو حنيفة: لا تصح. وتصح بالأعيان المضمونة، كالغصوب والعواري. ولا تصح ببدن من عليه حد أو قصاص، وهو قول أكثر العلماء. واختلف قولا الشافعي في حدود الآدميين كالقذف، فقال في موضع: لا كفالة في حد ولا لعان. وقال في موضع: يجوز، قال: لأنه حق لآدمي. ولنا: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعاً: "لا كفالة في حد"، ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الدرء بالشبهات، ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر إحضار المكفول به كحد الزنى.
وإن قال: إن جئت
стр. 408
به في وقت كذا وإلا فأنا كفيل ببدن فلان، أو فأنا ضامن لك المال الذي عليه، أو إذا جاء زيد فأنا ضامن عليه، أو إذا قدم الحاج فأنا كفيل، فقال القاضي: لا يصح، وهو مذهب الشافعي. وقال الشريف أبو جعفر: يصح، وهو قول أبي حنيفة. ولا تصح إلا برضى الكفيل، وفي رضى المكفول به وجهان. ومتى أحضره وسلمه برئ إلا أن يحضره قبل الأجل وفي قبضه ضرر.
وإن مات المكفول به، أو تلفت العين بفعل الله، أو سلم نفسه، برئ الكفيل؛ وبه قال الشافعي. ويحتمل ألا يسقط بالموت، ويطالب بما عليه، وهو قول مالك. ومتى تعذر إحضار المكفول به مع حياته، أو امتنع من إحضاره، لزمه ما عليه. وقال أكثرهم: لا غرم عليه. ولنا: قوله: "الزعيم غارم" ١.
وإذا كانت السفينة في البحر، وفيها متاع فخيف غرقها، فألقى بعض من فيها متاعه لتخف، لم يرجع به، سواء ألقاه محتسباً بالرجوع أو متبرعاً. وإن قال له بعضهم: ألقه، فألقاه، فكذلك لأنه لم يكرهه.
وقال مهنا: سألت أحمد: عن رجل له على رجل ألف درهم، فأقام كفيلين بها كل منهما ضامن، فأحال رب المال عليه رجلاً بحقه، قال: يبرأ الكفيلان. قلت: فإن مات الذي أحاله عليه بالحق ولم يترك شيئاً؟ قال: لا شيء له، ويذهب الألف.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: قياس المذهب: يصح الضمان بكل لفظ فُهم منه الضمان عرفاً مثل: بعهُ وأنا أعطيك الثمن، أو لا تطالبه وأنا أعطيك، ونحو ذلك. واختار أيضاً صحة ضمان الحارس ونحوه، وتجار الحرب ما يذهب من
стр. 409
البلد أو البحر، وإن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول، كضمان السوق، وهو أن يضمن ما يجب على التجار للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد. وقال: لو تغيب مضمون عنه، أطلقه في موضع وقيده في آخر، بقادر على الوفاء فأمسك الضامن وغرم شيئاً بسبب ذلك، وأنفقه في حبس، رجع به على المضمون عنه.
قوله في الكفالة: ولا تصح ببدن من عليه حد أو قصاص، وقال الشيخ: تصح، اختاره في الفائق. وقال الشيخ: إن كان المكفول في حبس الشرع فسلمه إليه فيه بريء ولا يلزمه إحضاره منه إليه عند أحد من الأئمة، ويمكنه الحاكم من الإخراج ليخاصم غريمه ثم يرده، هذا مذهب الأئمة كمالك وأحمد وغيرهما. قوله: وإن مات المكفول به، أو تلفت العين بفعل الله، أو سلم نفسه، برئ الكفيل. إذا مات المكفول به، برئ الكفيل سواء توانى الكفيل في تسليمه حتى مات أو لا، نص عليه. وقيل: لا يبرأ مطلقاً، فيلزمه الديْن، اختاره الشيخ. وقال: السجان كالكفيل، ولو ضمن معرفته أخذ به، نقله أبو طالب. ولو خيف من غرق السفينة فألقى بعضهم متاعه، لم يرجع، وفي الرعاية: يحتمل أن يرجع إذا نوى، وما هو ببعيد. انتهى.
ويجب الإلقاء إن خيف تلف الركاب. ولو قال: طلق زوجتك وعليَّ ألف، أو مهرها، لزمه؛ قاله في الرعاية. وقال: لو قال: بعْ عبدك من زيد بمائة، وعلي مائة أخرى، لم يلزمه، وفيه احتمال. والله أعلم.
стр. 410
باب الحوالة
الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع، لقوله ﵇: "مطْل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء، فليتبع". ١ متفق عليه، وفي لفظ: "ومن أُحيل بحقه على مليء، فليحتل". ٢ وإذا صحت برئت ذمة المحيل، وانتقل الحق إلى ذمة المحال عليه، في قول عامة أهل العلم. وعن الحسن: أنه كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يُبرئه. وعن زفر: أنه أجراها مجرى الضمان. ولنا: أنها مشتقة من تحويل الحق، فمتى رضي بها المحتال، ولم يشترط اليسار، لم يعد الحق أبداً؛ وبه قال الشافعي وأبو عبيد. وقال شريح: متى أفلس أو مات رجع على صاحبه. [وقال أبو يوسف: يرجع في حالين: إذا مات المحال عليه مفلساً، أو إذا جحده وحلف عليه عند الحاكم، وإذا حجر عليه لفلس،] لأنه روي عن عثمان أنه سئل عن: رجل أحيل بحقه، فمات المحال عليه مفلساً؟ فقال: يرجع بحقه، لأنه لا توى على مال امرئ مسلم. ولنا: "أن حزناً جد ابن المسيب كان له على عليّ (ديْن فأحاله به، فمات المحال عليه، فأخبره، فقال: اخترت علينا، أبعدك الله! ". فأبعده بمجرد احتياله ولم يخبره أن له الرجوع. وحديث عثمان لم يصح، يرويه معاوية بن قرة عن عثمان، ولم يصح سماعه منه، ولو صح لكان قول عليّ مخالفاًً له.
стр. 411
ولا تصح إلا بشروط ثلاثة:
(أحدها) : أن يحيل على ديْن مستقر، فإن أحال على مال الكتابة، أو السلَم، أو الصداق قبل الدخول، لم يصح.
(الثاني) : اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول والتأجيل.
(الثالث) : أن يحيل برضاه، ولا خلاف في هذا.
ولا تصح فيما لا يصح السلَم فيه. فأما ما يثبت في الذمة سلماً غير المثليات، كالمعدود والمذروع، ففي صحتها به وجهان.
ولا يعتبر رضى المحال عليه، ولا رضى المحتال، إن كان المحال عليه مليئاً، والمليء: القادر على الوفاء غير المماطل. قال أحمد في تفسير المليء: أن يكون مليئاً بماله وقوله وبدنه. وقال أبو حنيفة: يعتبر رضاهما. وقال مالك: يعتبر رضى المحتال، وأما المحال عليه فقال مالك: لا يعتبر رضاه، إلا إن كان المحتال عدوه. ولنا: الحديث المتقدم. وإن شرط ملاءة المحال عليه فبان معسراً رجع. وقال بعض الشافعية: لا يرجع، لأنها لا ترد بالإعسار. ولنا: قوله ﵇: "المسلمون على شروطهم". ١ وإذا لم يرض المحتال، ثم بان المحال عليه مفلساً أو ميتاً، رجع بغير خلاف. وإن رضي بالحوالة لم يرجع، ويحتمل أن يرجع لأن الفلس عيب. وإن فسخ العقد بعيب أو إقالة، لم تبطل الحوالة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وظاهر ما قدمه في المحرر: صحة الحوالة على المهر قبل الدخول، وعلى الأجرة بالعقد، وقال الزركشي: لا يظهر لي منع الحوالة بالمسلَم فيه.
стр. 412
وقال عن تفسير أحمد: الذي يظهر لي أن المليء بالمال أن يقدر على الوفاء، والقول: ألا يكون مماطلاً، والبدن يمكن حضوره إلى مجلس الحكم.
وقال الشيخ: الحوالة على ماله في الديون إذن في الاستيفاء فقط، وللمحتال الرجوع ومطالبة محيله. انتهى.
ونقل مهنا فيمن بعث رجلاً إلى رجل له عنده مال، فقال: خذ منه ديناراً، فأخذ منه أكثر، قال: الضمان على المرسل لتغريره، ويرجع هو على الرسول. والله سبحانه أعلم.
стр. 413
باب الصلح
الصلح أنواع: بين المسلمين وأهل الحرب، وبين أهل العدل وأهل البغي، وبين الزوجين. وعن أبي هريرة، مرفوعاً: "الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً". ١ صححه الترمذي. وأجمعوا على جواز الصلح في هذه الأنواع، ولكل نوع منها باب يفرد له.
وهذا بين (المختلفين في الأموال) ، وهما قسمان:
القسم الأول: صلح على الإقرار، وهو نوعان:
أحدهما: صلح على جنس الحق، مثل أن يقرّ له بديْن فيضع عنه بعضه، أو عين فيهب له بعضها، فيصح إن لم يكن بشرط. قال أحمد: إذا كان للرجل الديْن فوضع بعض حقه وأخذ الباقي، كان ذلك جائزاً لهما. ولو فعل ذلك قاضٍ شافعي لم يكن عليه في ذلك إثم، إذا كان على وجه النظر لهما، "لأن النبي ﷺ قد كلّم غرماء جابر ليضعوا عنه، وفي الذي أصيب في حديقته وهو ملزوم، فأشار إلى غرمائه بالنصف". ولا يصح ممن لا يملك التبرع كولي اليتيم، إلا في حال الإنكار وعدم البينة، لأن استيفاء البعض عند العجز أولى من تركه. وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاًّ لم يصح، كرهه ابن عمر، وقال: "نهى عمر أن يباع العين بالديْن"، وكرهه ابن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو حنيفة. وروي عن ابن عباس
стр. 414
وابن سيرين والنخعي: "أنه لا بأس به". وعن الحسن وابن سيرين أنهما كانا لا يريان بأسا بالعروض أن يأخذها عن حقه قبل محله. وإذا صالحه عن ألف حالّ بنصفه مؤجل اختياراً منه، صح الإسقاط، فلم يلزم التأجيل لأن الحال لا يتأجل. ولو صالح عن المائة الثابتة بالإتلاف بمائة مؤجلة، لم تصر مؤجلة، وعنه: أنها تصير مؤجلة. وإن صالح إنساناً ليقرّ له بالعبودية، أو امرأة لتقرّ له بالزوجية لم يصح، لأنه يحلّ حراماً، فإن إرقاق الحر نفسه لا يحل بعوض ولا غيره. فإن دفعت المرأة عوضاً عن الدعوى، ففيه وجهان. وإن دفع المدعى عليه العبودية إلى المدعي صلحاً صح، لأنه يجوز أن يعتق عبده بمال.
النوع الثاني: أن يصالحه عن الحق بغير جنسه، فهو معاوضة، مثل أن يقرّ له بمائة درهم، فيصالحه عنها بعشرة دنانير، فهذا يشترط له شروط الصرف، أو يعترف له بعروض فيصالحه على أثمان أو بالعكس، فهذا بيع يثبت فيه أحكامه، أو يصالحه على سكنى دار، أو يعمل له عملاً معلوماً، فتكون إجارة لها حكمها. وإن صالحت المرأة بتزويج نفسها صح. وإذا ادعى زرعاً في يد رجل فأقر له به، ثم صالحه على دراهم، جاز على الوجه الذي يجوز به بيع الزرع.
ويصح الصلح عن المجهول بمعلوم، سواء كان عيناً أو ديناً، إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته. وقال ابن أبي موسى: الصلح الجائز هو صلح الزوجة من صداقها الذي لا بيّنة لها به ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه، وكذلك الرجلان يكون بينهما المعاملة لا علم لواحد منهما بما عليه لصاحبه، وكذلك من عليه حق لا علم له بقدره، وسواء كان صاحب الحق يعلم قدره ولا بيّنة له أو لا. وقال الشافعي: لا يصح الصلح عن مجهول، لأنه فرع البيع.
стр. 415
ولنا: قوله ﷺ للذيْن اختصما في مواريث درست: "استهما، وتوخّيا، وليحلل أحدكما صاحبه". ١ رواه أحمد. فأما ما يمكنهما معرفته، أو يعلمه الذي هو عليه ويجهله صاحبه، فلا يصح الصلح عليه مع الجهل. قال أحمد: إن صولحت امرأة من ثمنها لم يصح، واحتج بقول شريح: أيما امرأة صولحت من ثمنها، لم يتبيّن لها ما ترك زوجها، فهي الريبة كلها. قال: وإن ورث قوم مالاً ودوراً أو غير ذلك، فقال بعضهم: نخرجك من الميراث بألف درهم، أكره ذلك. ولا يشترى منها شيئاً وهي لا تعلم، لعلها تظن أنه قليل وهو يعلم أنه كثير. إنما يصالح الرجل الرجل على الشيء لا يعرفه، أو يكون رجل يعلم ما لَه عند رجل، والآخر لا يعلمه، فيصالحه، فأما إذا علم، فَلِمَ يصالحه؟ إنما يريد أن يهضم حقه ويذهب به.
القسم الثاني: أن يدعي عليه عيناً أو ديْناً فينكره، ثم يصالحه على مال، فيصح ويكون بيعاً في حق المدعي، حتى إن وجد بما أخذه عيباً فله رده وفسخ الصلح. والصلح على الإنكار صحيح، وبه قال مالك. وقال الشافعي: لا يصح لأنه عاوض عما لا يثبث له. ولنا: عموم قوله: "الصلح بين المسلمين جائز". ٢ فإن قالوا: فقد قال: "إلا صلحاً أحلّ حراماً "، ٣ وهذا داخل فيه، لأنه لم يكن له أن يأخذ من مال المدعى عليه، فحل بالصلح، قلنا: لا يصح حمل الحديث عليه، لأن هذا يوجد في الصلح بمعنى البيع، فإنه يحل لكل منهما ما كان محرماً عليه قبله، وكذلك الصلح بمعنى الهبة، ولأنه لو حل به المحرّم لكان صحيحاً، فإن الصلح الفاسد لا يحلّ الحرام، وإنما معناه: توصل به إلى تناول المحرّم مع بقائه على تحريمه، وهم يبيحون لمن له حق يجحده غريمه أن يأخذ من ماله بقدره أو دونه، فلأن يحل برضاه أو بذله أولى. وقولهم:
стр. 416
إنه معاوضة، قلنا: في حقهما أم أحدهما؟ الأول: ممنوع. والثاني: مسلّم. والمدعي يأخذ عوض حقه لعلمه بثبوت، والمنكر يدفع المال لدفع الخصومة واليمين عنه، كشرائه عبداً شهد بحريته، فهو معاوضة في حق البائع واستنقاذ في حقه. وإذا أخذ المدعي شقصاً في دار أو عقار ثبتت فيه الشفعة، فإن كان أحدهما عالماً بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه وما أخذه حرام عليه. وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه صح، ولم يرجع عليه. وإن كان المدعى عيناً فقال أجنبي للمدعي: أنا أعلم أنك صادق، فصالحني عنها فإني قادر على استنقاذها، فقال: أصحابنا يصح، وهو مذهب الشافعي. فإن قال للمدعي: أنا وكيل المدعى عليه، وهو مقر لك وإنما يجحدها في الظاهر، فقال القاضي: يصح الصلح، وهو مذهب الشافعي.
ويجوز الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أو لا، فيصح عن دم العمد، وسكنى الدار، وعيب المبيع. ومتى صالح عما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز. وإن صالح عن حق الشفعة لم يصح، لأنه حق شرع على خلاف الأصل لدفع ضرر الشركة، فإذا رضي بالتزام الضرر سقط الحق، ولم يجز أخذ العوض عنه، لأنه ليس بمال، فهو كحد القذف. وإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلوماً صح، وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة، لم يصح إلا بإذنه. وإن كان لضرورة، مثل أن يكون له أرض لها ماء لا طريق له إلا أرض جاره، فهل له ذلك؟ على روايتين: إحداهما: لا يجوز. والأخرى: يجوز، لما روي: "أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى، فكلم فيه عمر. فدعا محمداً وأمره أن يخلي سبيله. فقال: لا والله.
стр. 417
فقال له عمر: لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع؟ تسقي به أولاً وآخراً؟ فقال: لا والله. فقال عمر: والله ليمرّنّ به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به، ففعل". رواه في الموطإ. وإن صالحه على أن يسقي أرضه من نهره، وقدره بشيء يعلم به، لم يجز؛ ذكره القاضي، لأن الماء ليس بمملوك، ولا يجوز بيعه، ولأنه مجهول. قال: وإن صالحه على سهم من النهر جاز، وكان بيعاً للقرار، والماء تابع له. ويحتمل أن يجوز الصلح على السقي، لأن الحاجة تدعو إليه، والماء مما يجوز أخذ العوض عنه في الجملة.
وإن حصل في هوائه أغصان شجرة غيره، فطالبه بإزالتها، فله ذلك؛ فإن أبى، فله قطعها. وإن صالحه عن ذلك بعوض، فقال أبو الخطاب: لا يصح. وقال ابن حامد وابن عقيل: يجوز. فإن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما، جاز ولم يلزم. نقل عن مكحول أنه قال: أيما شجرة ظللت على قوم، فهم بالخيار بين قطع ما ظلل أو أكل ثمرها. ويحتمل أن لا يصح، وهو قول الأكثر، لأن الثمرة مجهولة وجزؤها مجهول. قال شيخنا: ويقوى عندي أن الصلح هنا يصح، فإن إلزام القطع ضرر كبير، وفي الترك من غير نفع يصل إلى صاحب الهواء ضرر عليه، ولأنه مجرد إباحة كقول كل واحد منهما: اسكن في داري وأسكن في دارك من غير تقدير مدة، أو أبيحك الأكل من بستاني وأبحني الأكل من بستانك. وفيما ذكرنا نظر للفريقين. وكذا الحكم فيما امتد من عروق شجر إنسان إلى أرض جاره، سواء أثرت ضرراً مثل تأثيرها في طي الآبار أو لم تؤثر، فالحكم في قطعه والصلح عنه كالغصن.
ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحاً أو ساباطاً أو دكاناً، سواء كان يضر بالمارة أو لاَ، أذن الإمام أو لم يأذن. وقال ابن عقيل: إن لم يكن فيه ضرر
стр. 418
جاز بإذن الإمام. وقال مالك والشافعي: يجوز إذا لم يضر بالمارة ولا يملك أحد منعه. فأما الدكان فلا يجوز بناؤه في الطريق، بغير خلاف علمناه، سواء أذن فيه الإمام أو لا، لأنه بناء في ملك غيره بغير إذنه. ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم، ولا إلى درب نافذ، إلا بإذن أهله. وقال مالك والشافعي: "يجوز إخراجه إلى الطريق الأعظم، لحديث عمر لما اجتاز على دار العباس"، ولأن الناس يعملون ذلك في جميع بلاد الإسلام من غير نكير.
ولا يجوز أن يفعل ذلك في ملك إنسان، ولا درب غير نافذ، إلا بإذن أهله، فإن صالح عن ذلك بعوض، جاز في أحد الوجهين.
ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذ بئراً لنفسه، وإن أراد حفرها للمسلمين أو لنفع الطريق، مثل أن ينزل فيها ماء المطر عن الطريق، نظرنا: فإن كان الطريق ضيقاً أو يخاف سقوط الدابة فيها لم يجز، لأن ضررها أكثر، وإلا جاز. وإن فعله في درب غير نافذ، لم يجز إلا بإذن أهله. وإذا كان ظهر داره في درب غير نافذ، ففتح فيه بابا لغير الاستطراق، جاز لأنه له رفع جميع حائطه فبعضه أولى. قال ابن عقيل: يحتمل ألا يجوز، لأن شكل الباب مع تقادم العهد ربما استدل به على حق الاستطراق، فإن فتحه للاستطراق لم يجز بغير إذنهم، وفيه وجه: أنه يجوز. وإن كان بابه في آخر الدرب، ملَك نقله إلى أوله، ولم يملك نقله إلى داخل منه، في أحد الوجهين.
(فصل) : وليس له أن يفتح في حائط جاره ولا الحائط المشترك روزنة ولا طاقاً بغير إذن، ولا يغرز وتداً، ولا يتصرف فيه بنوع تصرف، إلا بإذن. فأما
стр. 419
الاستناد إليه وإسناد شيء لا يضره فلا بأس. وليس له وضع خشبة عليه إلا عند الضرورة، بأن لا يمكن التسقيف إلا به. أما وضع خشبة عليه، فإن كان يضر بالحائط فلا يجوز، بغير خلاف، لقوله: "لا ضرر ولا ضرار". ١ وإن كان لا يضرّ به إلا أن به غنى، فقال أكثر أصحابنا: لا يجوز. وهو قول الشافعي، لأنه انتفاعٌ بملك غيره بغير إذنه من غير ضرورة. واختار ابن عقيل جوازه، لقوله ﷺ : "لا يمنعنّ أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره". ٢ متفق عليه. ولا فرق فيما ذكرنا بين البالغ واليتيم والعاقل والمجنون. واختلفت الرواية في وضع خشبة على جدار المسجد.
ولو أراد صاحب الحائط إعارة حائطه أو إجارته على وجه يمنع هذا المستحق من وضع خشبته، لم يملك ذلك. وإذا وجد بناءه أو خشبته على حائط مشترك أو حائط جاره ولم يعلم سببه، فمتى زال فله إعادته، لأن الظاهر أن الوضع بحق من صلح أو غيره. وكذلك لو وجد مسيل مائه في أرض غيره، ومجرى ماء سطحه على سطح غيره، وما أشبه هذا، فهو له لأن الظاهر أنه بحق فجرى مجرى اليد. ومتى اختلفا: هل هو بحق أو عدوان، فالقول قول صاحب الخشب والبناء والسيل مع يمينه. وإن كان بينهما حائط فانهدم، فطالب أحدهما صاحبه ببنائه، أُجبر. وعنه: لا يُجبر. وعليها، ليس له منعه من بنائه. فإن بناه بآلته فهو بينهما، وإن بناه بآلة من عنده فهو له، وليس للآخر الانتفاع. فإن طلب الانتفاع خُير الثاني بين أخذ نصف قيمته وأخذ آلته. وإن لم يكن بين ملكيهما حائط، فطلب أحدهما البناء بين ملكيهما، لم يجبر الآخر، رواية واحدة، وليس له البناء إلا في ملكه. فإن كان السفل لرجل والعلو لآخر، فطلب أحدهما المباناة من الآخر، فامتنع، فهل يجبر؟ على
стр. 420
روايتين. فإن انهدمت حيطان السفل وطالبه صاحب العلو بإعادتها، ففيه روايتان. وإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع، فإن بناه بآلته فهو على ما كان، وإن بناه بآلة من عنده، فعن أحمد: لا ينتفع به صاحب السفل، يعني: حتى يؤدي القيمة، فيحتمل أنه لا يسكن، وهو قول أبي حنيفة، ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة من طرح الخشب وسمر الوتد، وهو مذهب الشافعي. فإن طالب صاحب السفل بالبناء، وأبى صاحب العلو، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجبر، وهو قول الشافعي، لأنه ملك صاحب السفل. والثانية: "يجبر على مساعدته والبناء معه"، وهو قول أبي الدرداء، لأنهما يشتركان في الانتفاع به. وإن كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب، فاحتاج إلى عمارة، ففي إجبار الممتنع روايتان، بناء على الحائط المشترك، والحكم في الرجوع بالنفقة، حكم الرجوع في النفقة على الحائط على ما مضى.
وليس للرجل التصرف في ملكه بما يتضرر به جاره، وعنه رواية أخرى: لا يمنع، وبه قال الشافعي. ولنا: قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار". ١ وأما دخان الخبز والطبخ، فإن ضرره يسير، ولا يمكن التحرز عنه، فتدخله المسامحة. فإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر، فليس لصاحب العلو الصعود على وجه يشرف على جاره، إلا أن يبني سترة تستره. وقال الشافعي: لا يلزمه سترة. ولنا: أنه إضرار بجاره فمنع منه، ودل عليه قوله ﷺ : " لو أن رجلاً اطّلع إليك فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح" ٢.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لو صالح عن المؤجل ببعضه حالاً لم يصح، وفي الإرشاد رواية: يصح،
стр. 421
اختاره الشيخ. وذكر أيضاً رواية بتأجيل الحالّ في المعاوضة، لا التبرع. وإن صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه، مثل أن يصالح عن دية الخطإ أو قيمة متلف، لم يصح. واختار الشيخ الصحة كعرض وكمثلى. وذكر المصنف رواية بالصحة، فيما إذا صالح عن مائة ثابتة بالإتلاف بمائة مؤجلة. وقال في صلح الإنكار: واقتصر صاحب المحرر على قول أحمد: إذا صالحه على بعض حقه بتأخير جاز، وعلى قول ابن أبي موسى: الصلح جائز بالنقد والنسيئة. وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره من غير ضرر، لم يجز إلا بإذن. وعنه: يجوز ولو مع حفر، اختاره الشيخ. ونقل أبو الصقر: إذا أساح عيناً تحت أرض، فانتهى حفره إلى أرض أو دار، فليس له منعه من ظهر الأرض ولا بطنها إذا لم يكن عليه مضرة. وذكر الشيخ عن أكثر الفقهاء تغيير صفات الوقف لمصلحته. و"قد زاد عمر وعثمان في مسجد النبي ﷺ وغيّرا بناءه"، ثم عمر بن عبد العزيز، وزاد فيه أبواباً، ثم المهدي ثم المأمون. وإذا حصل في ملكه أو هوائه أغصان شجرة، لزم المالك إزالته إن طالبه. قال ابن رزين: ويضمن ما تلف به إذا أمر بإزالته فلم يفعل، وكذا قال في المغني والشرح وفي المبهج في الأطعمة: ثمرة غصن في هواء طريق عام للمسلمين.
ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحاً ... إلخ. وحكي عن أحمد جوازه بلا ضرر، واختاره الشيخ. ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق ... إلخ. وفي المغني والشرح: احتمال بالجواز مع انتفاء الضرر. وحكي رواية عن أحمد، ذكره الشيخ، وقال: إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة، ولم يذكر أكثر الأصحاب مقدار طول الجدار الذي يشرع عليه الميزاب والساباط إذا قلنا
стр. 422
بالجواز، لكن حيث انتفى الضرر جاز. وقدم في الرعاية: بحيث يمكن عبور محمل، واختاره الشيخ. وليس له منعه من تعلية داره، ولو أفضى إلى سد الهواء عن جاره، قاله الشيخ.، قال في الفروع: ويتوجه من قول أحمد: لا ضرر ولا ضرار، منعه، قلت: وهو الصواب. وقال الشيخ: ليس له منعه خوفاً من نقص أجرة ملكه بلا نزاع. وقال: العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة لا يصح أن يرد عليها عقد بيع أو إجارة اتفاقاً. ولو استهدم جدارهما أو خيف ضرره نقضاه، فإن أبى أحدهما أجبره الحاكم. ولو أراد بناء حائط بين ملكيهما لم يجبر الممتنع منهما، رواية واحدة، قاله المصنف ومن تابعه. قال في الفائق: ولم يفرق بعض الأصحاب، اختاره شيخنا يعني به الشيخ. ولو اتفقا على بناء حائط بستان فبنى أحدهما، فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر يضمنه الذي أهمل، قاله الشيخ.
стр. 423
كتاب البيع
وله صورتان:
إحداهما: الإيجاب والقبول، فإن تقدم القبول جاز، وإن تقدم بلفظ الطلب فقال: بِعني بكذا، فقال: بعتك، ففيه روايتان. وإن تقدم بلفظ الاستفهام: مثل أتبيعني؟ لم يصح. وإن تراخى القبول صح، ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه.
الثانية: المعطاة، وقال مالك يقع البيع بما يعتقده الناس بيعاً. وقال بعض الحنفية: يصح في خسائس الأشياء، لأن العرف إنما جرى به في اليسير. ولنا: أن الله تعالى أحلّ البيع، ولم يبيِّن كيفيته، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولأن البيع كان موجوداً بينهم؛ وإنما علق الشرع عليه أحكاماً وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم. ولم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه استعمال الإيجاب والقبول، ولو اشترط ذلك لبيّنه ﷺ بياناً عاماً. وكذلك في الهبة والهدية والصدقة، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه استعمال ذلك فيه.
ولا يصح إلا بشروط سبعة:
(أحدها) : التراضي به بينهما، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ
стр. 424
تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . ١ إلا أن يُكره بحق، كالذي يُكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه.
(الثاني) : أن يكون العاقد جائز التصرف، فأما الصبي المميز والسفيه فيصح بإذن وليهما، في إحدى الروايتين. والأخرى: لا يصح، وهو قول الشافعي، لأن العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به للتصرف، فجعل له ضابط وهو البلوغ. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ ، ٢ معناه: اختبروهم لتعلموا رشدهم؛ فإن تصرف بغير إذن لم يصح إلا في اليسير، وكذلك غير المميز، لما روي: "أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله". ويحتمل أن يصح، ويقف على إجازة الولي، وهو قول أبي حنيفة، وكذلك الحكم في تصرف السفيه بإذن وليه، فيه روايتان.
(الثالث) : أن يكون المبيع مالاً، وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة، فيجوز بيع دود القز وبزره والنحل؛ وقوله: لغير ضرورة، احتراز من الميتة والمحرمات التي تباح في حال المخمصة. وكل عين مملوكة يجوز اقتناؤها والانتفاع بها في غير حال الضرورة، يجوز بيعها، إلا ما استثناه الشرع كالكلب وأم الولد. وقال أبو حنيفة: إن كان مع دود القز قز، جاز بيعه وإلا فلا، لأنه لا ينتفع بعينه؛ وقوله لا ينتفع بعينه، يبطل بالحيوانات التي لا يحصل منها سوى نفع النتاج. وقال القاضي: لا يجوز بيع النحل في كواراته، لأنه لا يمكن مشاهدة جميعه. وقال أبو الخطاب: يجوز كالصبرة. وفي بيع العلق التي ينتفع بها، كالتي تمص الدم، والديدان التي يصاد بها السمك، وجهان: أحدهما:
стр. 425
الجواز. ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد، إلا الكلب. وعن أحمد: أنه كره ثمن الهر، لما في صحيح مسلم: "أنه ﷺ زجر عنه". ولنا: أنه حيوان يباح اقتناؤه، فجاز بيعه. ويمكن حمل الحديث على غير المملوك منها، وعلى ما لا نفع فيه. وقال ابن أبي موسى: لا يجوز بيع الفهد والصقر ونحوهما، لأنها نجسة كالكلب، وهذا يبطل بالبغل والحمار. وأما الكلب، فإن الشرع توعّد على اقتنائه، إلا للحاجة، ولقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، ١ خرج منه ما استثناه الشرع. قال أحمد: أكره بيع القرد، قال ابن عقيل: هذا محمول على بيعه للعب، فأما بيعه لحفظ المتاع ونحوه فيجوز، كالصقر؛ وهذا مذهب الشافعي.
فأما بيع لبن الآدميات، فرويت الكراهة فيه عن أحمد. واختلف أصحابنا في جوازه. وقال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة، ورخص في شرائها. و"ممن كره بيعها: ابن عمر وابن عباس وأبو موسى". ورخص فيه الحسن والشافعي. ولنا: قول الصحابة، ولم نعلم لهم مخالفاًً في عصرهم. ولا يجوز بيعه لكافر، وبه قال الشافعي، وقد "نهى النبي ﷺ عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم".
ولا يجوز بيع الميتة والخنزير والدم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به.
ولا يجوز بيع الكلب، أي كلب كان، ورخص في ثمن كلب الصيد عطاء. وأجاز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها. ولنا: ?"أنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن". ٢ متفق عليه. فأما الحديث: "أنه نهى