اختاره الشيخ. وذكر أيضاً رواية بتأجيل الحالّ في المعاوضة، لا التبرع. وإن صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه، مثل أن يصالح عن دية الخطإ أو قيمة متلف، لم يصح. واختار الشيخ الصحة كعرض وكمثلى. وذكر المصنف رواية بالصحة، فيما إذا صالح عن مائة ثابتة بالإتلاف بمائة مؤجلة. وقال في صلح الإنكار: واقتصر صاحب المحرر على قول أحمد: إذا صالحه على بعض حقه بتأخير جاز، وعلى قول ابن أبي موسى: الصلح جائز بالنقد والنسيئة. وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره من غير ضرر، لم يجز إلا بإذن. وعنه: يجوز ولو مع حفر، اختاره الشيخ. ونقل أبو الصقر: إذا أساح عيناً تحت أرض، فانتهى حفره إلى أرض أو دار، فليس له منعه من ظهر الأرض ولا بطنها إذا لم يكن عليه مضرة. وذكر الشيخ عن أكثر الفقهاء تغيير صفات الوقف لمصلحته. و"قد زاد عمر وعثمان في مسجد النبي ﷺ وغيّرا بناءه"، ثم عمر بن عبد العزيز، وزاد فيه أبواباً، ثم المهدي ثم المأمون. وإذا حصل في ملكه أو هوائه أغصان شجرة، لزم المالك إزالته إن طالبه. قال ابن رزين: ويضمن ما تلف به إذا أمر بإزالته فلم يفعل، وكذا قال في المغني والشرح وفي المبهج في الأطعمة: ثمرة غصن في هواء طريق عام للمسلمين.
ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحاً ... إلخ. وحكي عن أحمد جوازه بلا ضرر، واختاره الشيخ. ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق ... إلخ. وفي المغني والشرح: احتمال بالجواز مع انتفاء الضرر. وحكي رواية عن أحمد، ذكره الشيخ، وقال: إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة، ولم يذكر أكثر الأصحاب مقدار طول الجدار الذي يشرع عليه الميزاب والساباط إذا قلنا
стр. 422
بالجواز، لكن حيث انتفى الضرر جاز. وقدم في الرعاية: بحيث يمكن عبور محمل، واختاره الشيخ. وليس له منعه من تعلية داره، ولو أفضى إلى سد الهواء عن جاره، قاله الشيخ.، قال في الفروع: ويتوجه من قول أحمد: لا ضرر ولا ضرار، منعه، قلت: وهو الصواب. وقال الشيخ: ليس له منعه خوفاً من نقص أجرة ملكه بلا نزاع. وقال: العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة لا يصح أن يرد عليها عقد بيع أو إجارة اتفاقاً. ولو استهدم جدارهما أو خيف ضرره نقضاه، فإن أبى أحدهما أجبره الحاكم. ولو أراد بناء حائط بين ملكيهما لم يجبر الممتنع منهما، رواية واحدة، قاله المصنف ومن تابعه. قال في الفائق: ولم يفرق بعض الأصحاب، اختاره شيخنا يعني به الشيخ. ولو اتفقا على بناء حائط بستان فبنى أحدهما، فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر يضمنه الذي أهمل، قاله الشيخ.
стр. 423
كتاب البيع
وله صورتان:
إحداهما: الإيجاب والقبول، فإن تقدم القبول جاز، وإن تقدم بلفظ الطلب فقال: بِعني بكذا، فقال: بعتك، ففيه روايتان. وإن تقدم بلفظ الاستفهام: مثل أتبيعني؟ لم يصح. وإن تراخى القبول صح، ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه.
الثانية: المعطاة، وقال مالك يقع البيع بما يعتقده الناس بيعاً. وقال بعض الحنفية: يصح في خسائس الأشياء، لأن العرف إنما جرى به في اليسير. ولنا: أن الله تعالى أحلّ البيع، ولم يبيِّن كيفيته، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولأن البيع كان موجوداً بينهم؛ وإنما علق الشرع عليه أحكاماً وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم. ولم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه استعمال الإيجاب والقبول، ولو اشترط ذلك لبيّنه ﷺ بياناً عاماً. وكذلك في الهبة والهدية والصدقة، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه استعمال ذلك فيه.
ولا يصح إلا بشروط سبعة:
(أحدها) : التراضي به بينهما، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ
стр. 424
تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . ١ إلا أن يُكره بحق، كالذي يُكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه.
(الثاني) : أن يكون العاقد جائز التصرف، فأما الصبي المميز والسفيه فيصح بإذن وليهما، في إحدى الروايتين. والأخرى: لا يصح، وهو قول الشافعي، لأن العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به للتصرف، فجعل له ضابط وهو البلوغ. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ ، ٢ معناه: اختبروهم لتعلموا رشدهم؛ فإن تصرف بغير إذن لم يصح إلا في اليسير، وكذلك غير المميز، لما روي: "أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله". ويحتمل أن يصح، ويقف على إجازة الولي، وهو قول أبي حنيفة، وكذلك الحكم في تصرف السفيه بإذن وليه، فيه روايتان.
(الثالث) : أن يكون المبيع مالاً، وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة، فيجوز بيع دود القز وبزره والنحل؛ وقوله: لغير ضرورة، احتراز من الميتة والمحرمات التي تباح في حال المخمصة. وكل عين مملوكة يجوز اقتناؤها والانتفاع بها في غير حال الضرورة، يجوز بيعها، إلا ما استثناه الشرع كالكلب وأم الولد. وقال أبو حنيفة: إن كان مع دود القز قز، جاز بيعه وإلا فلا، لأنه لا ينتفع بعينه؛ وقوله لا ينتفع بعينه، يبطل بالحيوانات التي لا يحصل منها سوى نفع النتاج. وقال القاضي: لا يجوز بيع النحل في كواراته، لأنه لا يمكن مشاهدة جميعه. وقال أبو الخطاب: يجوز كالصبرة. وفي بيع العلق التي ينتفع بها، كالتي تمص الدم، والديدان التي يصاد بها السمك، وجهان: أحدهما:
стр. 425
الجواز. ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد، إلا الكلب. وعن أحمد: أنه كره ثمن الهر، لما في صحيح مسلم: "أنه ﷺ زجر عنه". ولنا: أنه حيوان يباح اقتناؤه، فجاز بيعه. ويمكن حمل الحديث على غير المملوك منها، وعلى ما لا نفع فيه. وقال ابن أبي موسى: لا يجوز بيع الفهد والصقر ونحوهما، لأنها نجسة كالكلب، وهذا يبطل بالبغل والحمار. وأما الكلب، فإن الشرع توعّد على اقتنائه، إلا للحاجة، ولقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، ١ خرج منه ما استثناه الشرع. قال أحمد: أكره بيع القرد، قال ابن عقيل: هذا محمول على بيعه للعب، فأما بيعه لحفظ المتاع ونحوه فيجوز، كالصقر؛ وهذا مذهب الشافعي.
فأما بيع لبن الآدميات، فرويت الكراهة فيه عن أحمد. واختلف أصحابنا في جوازه. وقال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة، ورخص في شرائها. و"ممن كره بيعها: ابن عمر وابن عباس وأبو موسى". ورخص فيه الحسن والشافعي. ولنا: قول الصحابة، ولم نعلم لهم مخالفاًً في عصرهم. ولا يجوز بيعه لكافر، وبه قال الشافعي، وقد "نهى النبي ﷺ عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم".
ولا يجوز بيع الميتة والخنزير والدم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به.
ولا يجوز بيع الكلب، أي كلب كان، ورخص في ثمن كلب الصيد عطاء. وأجاز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها. ولنا: ?"أنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن". ٢ متفق عليه. فأما الحديث: "أنه نهى
стр. 426
عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد"، ١ فقال الترمذي: لا يصح إسناده، وقال الدارقطني: الصحيح أنه موقوف على جابر.
ولا يحل قتل الكلب المعلّم ولا غرم على قاتله. فأما قتل ما لا يباح إمساكه منها، فإن كان أسود بهيماً، أبيح قتله، لأنه شيطان، وكذلك الكلب العقور، لحديث: "خمس فواسق ... إلخ". وما لا مضرة فيه، لا يباح قتله، "لأنه ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم نهى عنه وقال: عليكم بالأسود البهيم، ذي النقتطين؛ فإنه شيطان". ٢ رواه مسلم.
ويحرم اقتناء الكلاب، إلا كلب الماشية والصيد والحرث، لقوله ﷺ : "من اتخذ كلباً، إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع، نقص من أجره كل يوم قيراط". ٣ متفق عليه. وإن اقتناه لحفظ البيوت لم يجز، للخبر؛ ويحتمل الإباحة، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، لأنه في معنى الثلاثة. والأول أصح، لأن قياس غير الثلاثة عليها يبيح ما تناول الخبر تحريمه. ويجوز تربية الجرو الصغير، لأجل الثلاثة، في أقوى الوجهين. والثاني: لا يجوز، لأنه ليس من الثلاثة.
ولا يجوز بيع السرجين النجس، وقال أبو حنيفة: يجوز لأن أهل الأمصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير، فكان إجماعاً. ولنا: أنه مجمع على نجاسته، فلم يجز بيعه كالميتة. ولا يجوز بيع الحر ولا ما ليس بمملوك، كالمباحات قبل حيازتها، لا نعلم فيه خلافاً. ولا يجوز بيع الأدهان النجسة في ظاهر كلام أحمد، وعنه: يجوز بيعه لكافر يعلم نجاستها. وعن أبي موسى قال: "لتّوا به السويق وبيعوه، ولا تبيعوه من مسلم، وبيّنوه". والصحيح الأول، لقوله: "إن الله إذا حرّم شيئاّ حرّم ثمنه". ٤ وفي جواز الاستصباح
стр. 427
بها روايتان: روي عنه: أنه لا يجوز، لقوله: "وإن كان مائعاً، فلا تقربوه". وعنه: "إباحته، لأنه يروى عن ابن عمر"، وهو قول الشافعي. وكره أحمد أن يدهن منه الجلود، وقال: لا يجعل منه الأسقية. ونقل عن ابن عمر: "أنه يدهن بها الجلود"، وعجب أحمد من هذا. ولا يجوز بيع الترياق الذي فيه لحوم الحيات، لأن نفعه بالأكل، وهو محرم ولا يجوز التداوي به ولا بسمّ الأفاعي. فأما سم النبات، فإن أمكن التداوي بيسيره، جاز بيعه.
(الرابع) : أن يكون مملوكاً له أو مأذوناً له في بيعه، فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله شيئاً بغير إذنه، لم يصح، وعنه: يصح، ويقف على إجازة المالك. والأولى: مذهب الشافعي وابن المنذر. والثانية: قول مالك وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة في البيع، وأما الشراء فيقع عنده للمشتري بكل حال، لما روى عروة البارقي: "أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما في الطريق بدينار، فأتى النبي ﷺ بالدينار والشاة، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك ". ١ ووجه الأولى: قوله ﷺ لحكيم: "لا تبع ما ليس عندك"، ٢ ذكره جواباً له حين سأله أنه يبيع الشيء ويمضي ويشتريه ويسلّمه، وحديث عروة نحمله على أن وكالته مطلقة، لأنه سلّم وتسلّم، وليس ذلك لغير المالك أو وكيله باتفاقنا.
وإن اشترى في ذمته شيئاً لإنسان بغير إذنه صح، سواء نقد الثمن من مال الغير أم لا؛ فإن أجازه لزمه، وإلا لزم من اشتراه. وإن باع سلعة وصاحبها ساكت، فحكمه حكم ما لو باعها بغير إذنه، في قول الأكثرين. وقال ابن أبي ليلى: سكوته إقرار، لأنه يدل على الرضى، كسكوت البكر. ولنا: أن السكوت محتمل، فلم يكن إذناً، كسكوت الثيب. ولا يجوز بيع ما لا يملكه
стр. 428
ليمضي ويشتريه ويسلّمه، رواية واحدة، ولا نعلم له مخالفاًً، لحديث حكيم بن حزام.
ولا يجوز بيع ما فتح عنوة ولم يقسم، كأرض الشام والعراق، إلا المساكن، وأرضاً من العراق فتحت صلحاً، وهذا قول أكثر أهل العلم. قال الأوزاعي: لم يزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية، ويكرهه علماؤهم. وقال الثوري: إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم، توارثوها وتبايعوها؛ وروي نحوه عن ابن سيرين والقرظي، لما روي: "أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضاً، على أن يكفيه جزيتها". وروي عن أحمد أنه قال: كان الشراء هو: أن يشتري الرجل ما يكفيه ويغنيه عن الناس، وهو رجل من المسلمين وكره البيع، قال شيخنا: وإنما رخص فيه لأن بعض الصحابة اشترى، ولم يسمع عنهم البيع. ولنا: إجماع الصحابة، فإن قيل: خالف ابن مسعود، قلنا لا نسلم. وقولهم: اشترى المراد: اكترى، كذا قال أبو عبيد، لأنه لا يكون مشترياً لها وجزيتها على غيره. وروى عنه القاسم أنه قال: "من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار والذل". وإذا بيعت وحكم بصحته حاكم، صح كسائر المختلفات. وإن باع الإمام شيئاً لمصلحة رآها، مثل أن يكون في الأرض ما يحتاج إلى عمارة ولا يعمره إلا من يشتريه، صح أيضاً.
ولا يجوز بيع رباع مكة، ولا إجارتها، وعنه: يجوز، وهو أظهر في الحجة؛ وما روي من الأحاديث في خلافه، فهو ضعيف.
ولا يجوز بيع كل ماء عدّ كمياه العيون ونقع البئر، ولا ما في المعادن الجارية، ولا ما ينبت في أرضه من الكلإ والشوك. وأما نفس البئر وأرض العيون، فهو مملوك، والماء غير مملوك، والوجه الآخر: يملك، روي عن أحمد نحو ذلك.
стр. 429
فإنه قيل له: رجل له أرض ولآخر ماء، يشتركان في الزرع يكون بينهما؟ قال: لا بأس، وكذا الكلأ النابت في أرضه، فكله يخرج على الروايتين في الماء. قال الأثرم: سئل أبو عبد الله: عن قوم بينهم نهر، فجاء يومي ولا أحتاج إليه، أكريه بدراهم؟ قال: ما أدري. "أما النبي ﷺ فنهى عن بيع الماء"، فقيل له: إنما أكريه، قال: إنما احتالوا بهذا ليحسنوه، فأي شيء هذا إلا البيع؟ وروى الأثرم أنه ﷺ قال: "المسلمون شركاء في ثلاث: في النار، والكلإ، والماء"؛ ١ والخلاف فيه إنما هو قبل حيازته. فأما ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلإ في حبله، أو يأخذه من المعادن، فإنه يملكه بغير خلاف، فإنه ﷺ قال: "لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع فيكفّ بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أُعطي أو مُنع". ٢ رواه البخاري. وروى أبو عبيد: "أنه ﷺ نهى عن بيع الماء، إلا ما حمل منه". وعلى هذا مضت العادة في الأمصار من غير نكير. قال أحمد: إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره، و"قد اشترى عثمان بئر رومة من يهودي، وسبّلها للمسلمين"، وروي: "أنه اشترى منه نصفها وقال: اختر إما أن تأخذ يوماً وآخذ يوماً، وإما أن تنصب دلواً وأنصب دلواً. فاختار يوماً ويوماً. فكان الناس يسقون منها يوم عثمان لليومين. فقال اليهودي: أفسدت عليَّ بئري، فاشترِ باقيها. فاشترى باقيها". وفيه دليل على صحة بيعها، وملك ما يستقيه منها، وجواز قسمة مائها، وكون مالكها أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك.
وإذا اشترى ممن في ماله حلال وحرام، كالسلطان الظالم والمرابي، فإن علم أن المبيع من حلال فهو حلال، وإن علم أنه من الحرام فهو حرام، وإن لم يعلم من أيهما
стр. 430
هو كره ولم يبطل البيع. وهذه هي الشبهة؛ وبقدر كثرة الحرام وقلّته تكثر الشبهة وتقل، لحديث النعمان بن بشير. والمشكوك فيه على ثلاثة أضرب:
الأول: ما أصله الحظر، كالذبيحة في بلد فيها مجوس وعبدة أوثان يذبحون، فإنه لا يجوز شراؤها، وإن جاز أن تكون ذبيحة مسلم، لأن الأصل التحريم؛ والأصل فيه حديث عدي: "إذا أرسلت كلبك فخالط أكلباً لم يسمّ عليها، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله". ١ متفق عليه. فإن كان ذلك في بلد الإسلام، فالظاهر إباحتها، لأن المسلمين لا يقرّون بيع ما لا يجوز بيعه ظاهراً.
الثاني: ما أصله الإباحة، كالماء يجده متغيراً لا يعلم بنجاسة تغير أو غيرها، فهو طاهر لأن الأصل الطهارة؛ والأصل فيه حديث عبد الله بن زيد قال: "شكي إلى النبي ﷺ : الرجل يُخيّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". ٢ متفق عليه.
والثالث: ما لا يعرف له أصل كرجل في ماله حلال وحرام، فهذا هو الشبهة. وكان أحمد لا يقبل جوائز السلطان، وذلك على سبيل الورع، فإنه قال: جوائز السلطان أحب إلي من الصدقة. وقال: ليس أحدٌ من المسلمين إلا له في هذه الدراهم نصيب، فكيف أقول: إنها سحت. و"ممن كان يقبل جوائزهم: ابن عمر وابن عباس"، ورخص فيه الحسن ومكحول والزهري. واحتج بعضهم بـ"أنه ﷺ اشترى من يهودي طعاماً، ومات ودرعه مرهونة عنده". ٣ و"أجاب يهودياً دعاه، وأكل من طعامه". وقد أخبر الله أنهم ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ . ٤ قال أحمد فيمن معه ثلاثة دراهم فيها درهم حرام: يتصدق بالثلاثة. وإن كان معه مائتا درهم فيها عشرة حرام، يتصدق بالعشرة،
стр. 431
لأن هذا كثير. قيل له: قال سفيان: ما كان دون العشرة يتصدق به، وما كان أكثر يخرج. قال: نعم. لا يجحف به، ولأن تحريمه لم يكن لتحريم عينه، وإنما حرم لتعلق حق غيره به، فإذا أخرج عوضه زال التحريم.
(الخامس) : أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز بيع الآبق والشارد والطير في الهواء، وعن ابن عمر: "أنه اشترى من بعض ولده بعيراً شارداً"، وعن ابن سيرين: لا بأس ببيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحداً. ولنا: "أنه ﷺ نهى عن بيع الغرر". ١ [ثبت في الصحيح: "أنه نهى عن بيع الغرر" يتناول كل ما فيه مخاطرة، كبيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، وبيع الأجنّة في البطون، وغير ذلك] ٢.
ولا يجوز بيع السمك في الآجام، روي عن ابن مسعود: "أنه نهى عنه وقال: إنه غرر"، وكرهه الحسن والنخعي، ولا نعلم لهم مخالفاًً. وروي عن عمر بن عبد العزيز فيمن له أجمة يحبس السمك فيها: يجوز بيعه. ولا يجوز بيع المغصوب، لعدم إمكان تسليمه؛ فإن باعه لغاصبه أو لقادر على أخذه جاز، وإن ظن أنه قادر صح البيع، فإن عجز فله الخيار بين الفسخ والإمضاء.
(السادس) : أن يكون معلوماً برؤية أو صفة، فإن اشترى ما لم يرهُ ولم يوصف له لم يصح، وعنه: يصح، وللمشتري خيار الرؤية، لعموم قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، ٣ ولما روي عن عثمان وطلحة: "أنهما تبايعا داريهما، إحداهما بالكوفة والأخرى بالمدينة. فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: ما أبالي، لأني بعت ما لم أره. وقيل لطلحة، فقال: لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره. فتحاكما إلى جبير، فجعل الخيار لطلحة" ولنا: "أنه ﷺ نهى
стр. 432
عن بيع الغرر"، ١ وحديث عثمان وطلحة يحتمل أنهما تبايعا بالصفة، وإن قلنا بالصحة فباع ما لم يره فله الخيار عند الرؤية، وإن لم يره المشتري فلكل الخيار. وقال أبو حنيفة: لا خيار للبائع، لحديث عثمان. ولنا: أنه جاهل، فأشبه المشتري بصفة المعقود عليه. وإن ذكر له من صفته ما يكفي في السلم، ورآه ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا يتغير فيه ظاهراً، صح في إحدى الروايتين. ثم إن وجده لم يتغير فلا خيار له. وإن وجده متغيراً فله الفسخ. والقول في ذلك قول المشتري مع يمينه، لأن الأصل براءة ذمته من الثمن.
ولا يجوز بيع الحمل في البطن، واللبن في الضرع، والمسك في الفأر، والنوى في التمر، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز. قال أبو عبيد: الملاقيح: ما في البطن، والمضامين: ما في أصلاب الفحول. "ونهى ﷺ عن بيع حبل الحبلة"، ٢ ومعناه: نتاج النتاج. وعن ابن عمر "كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم النبي ﷺ ". ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، لما روى ابن عباس، مرفوعاً: "نهى عن أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع". [رواه ابن ماجة، وحكي عن مالك أنه يجوز أياماً معلومة إذا عرفا حلابها، كلبن الظئر] ، ٣ وأجازه الحسن وغيره. ولا يجوز بيع المسك في الفأر، وقال بعض الشافعية: يجوز لأن بقاءه في فأره مصلحة له، أشبه ما مأكوله في جوفه. وأما الصوف على الظهر فالمشهور أنه لا يجوز، وعنه: يجوز بشرط جزّه في الحال. فأما بيع الأعمى وشراؤه فإن أمكنه معرفة المبيع بالذوق أو الشم صح، وإلا جاز بيعه بالصفة، وله خيار الخلف في الصفة. وقال أبو حنيفة: له الخيار إلى معرفة المبيع.
стр. 433
ولا يجوز بيع الملامسة، وهو أن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا، ولا بيع المنابذة، وهو أن يقول: أي ثوب نبذته إليَّ فهو عليّ بكذا، ولا بيع الحصاة وهو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا، أو بعتك من هذه الأرض قدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، لا نعلم فيه خلافاً. وفي البخاري: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة"، ١ وهو طرح الرجل ثوبه [بالبيع إلى الرجل، قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه] ٢.
ولا يجوز بيع عبد غير معيّن، ولا شجرة من بستان، ولا هذا القطيع إلا شاة غير معيّنة. وإن استثنى معيّنا من ذلك جاز، وقال مالك: يصح أن يبيع مائة شاة إلا شاة يختارها، وبيع ثمرة بستان ويستثنى ثمرة نخلات يعدّها. ولنا: "أنه ﷺ نهى عن الثنيا، إلا أن تعلم". ٣ قال الترمذي: حديث صحيح. وإن استثنى معيّناً جاز، لا نعلم فيه خلافاً. وإن باع قفيزاً من هذه الصبرة صح، لأنه معلوم. وإن باعه الصبرة إلا قفيزاً، أو ثمرة شجرة إلا صاعاً، لم يصح؛ وعنه: يصح، لأنها ثنيا معلومة. روي عن ابن عمر: "أنه باع ثمرة بأربعة آلاف، واستثنى طعام الفتيان". وإن باع حيواناً واستثنى ثلثه جاز، وإن باعه أرضاً إلا جريباً، أو جريباً من أرض يعلمان جربانها، صح وكان مشاعاً فيها، وإلا لم يصح. وإن باعه حيواناً مأكولاً إلا جلده أو رأسه أو أطرافه صح، نص عليه، وقال الشافعي: لا يجوز. ولنا: "أنه ﷺ نهى عن الثنيا إلا أن تعلم"، ٤ وهذه معلومة. وروى أبو بكر في الشافي عن الشعبي قال: (قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله ﷺ في بقرة باعها رجل
стр. 434
واشترط رأسها، فقضى بالشروى يعني: أن يعطي رأساً مثل رأس (، فإن امتنع المشتري من ذبحها، لم يجبر ويلزمه قيمته، نص عليه، لما روي عن عليّ: (أنه قضى في رجل اشترى ناقة، واشترط ثنياها، وقال: اذهبوا إلى السوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه بحساب ثنياها من ثمنها (. فإن استثنى شحم الحيوان لم يصح، نص عليه أحمد. وإن استثنى الحمل لم يصح، وعنه: صحته، وبه قال إسحاق، لما روى نافع: (أن ابن عمر باع جارية واستثنى ما في بطنها (، والصحيح من حديثه: (أنه أعتق جارية (، لأن الثقات الحفاظ قالوا: (أعتق جارية (والإسناد واحد. وإن باع جارية حاملا بحرّ، فقال القاضي: لا يصح، والأولى صحته. وقد يستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه باللفظ، كما لو باع جارية مزوّجة.
ويجوز بيع ما مأكوله في جوفه، لا نعلم فيه خلافاً. ويجوز بيع الطلع قبل تشققه مقطوعاً وفي شجره، وبيع الحب المشتد في سنبله. ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره مقطوعاً وفي شجره. وقال الشافعي: لا يجوز حتى ينزع قشره الأعلى، لأنه مستور. ولنا: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها". ١ والحيوان المذبوح يجوز بيعه في سلخه.
(السابع) : أن يكون الثمن معلوماً، فإن باعه بمائة ذهباً وفضة لم يصح، وقال أبو حنيفة: يصح، ويكون نصفين. وإن قال: بعتك بعشرة صحاح، أو إحدى عشرة مكسرة، وبعشرة نقداً، أو عشرين نسيئة، لم يصح، لأنه ﷺ "نهى عن بيعتين في بيعة". ٢ وهذا هو كذلك فسّره مالك وغيره، وهذا قول أكثر أهل العلم. وروي عن طاووس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا، فيذهب إلى أحدهما. وروي عن أحمد فيمن قال: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف
стр. 435
درهم، أنه يصح، فيحتمل أن يلحق به البيع وأن يفرق بينهما. وإن باعه الصبرة كل قفيز بدرهم صحَّ، وإن لم يعلما قدرها. وقال أبو حنيفة: يصح في قفيز واحد، ويبطل فيما سواه، لأن جملة الثمن مجهولة. وإن باعه من الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح، لأن العدد منها مجهول، ويحتمل أن يصح بناء على قوله، إذا أجر كل شهر بدرهم، قال ابن عقيل: هو الأشبه. وإن قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة على أن أزيدك قفيزاً أو أنقصك قفيزاً لم يصح، لأنه مجهول. وإن قال: قفيزاً من هذه الصبرة الأخرى، أو وصفه بصفة يعلم بها، صح.
ويصح بيع الصبرة جزافاً مع جهلهما بقدرها، لا نعلم فيه خلافاً لقول ابن عمر: "كنا نشتري الطعام جزافاً ... إلخ". ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة. وكذلك لو قال: بعتك نصفها أو جزءاً منها معلوماً. ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافاً. وقال مالك: لا يصح في الأثمان، لأن لها خطراً، ولا يشق وزنها ولا عددها. وإن كان البائع يعلم قدر الصبرة، لم يجز بيعها جزافاً؛ وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد، وبه قال مالك وإسحاق. قال مالك: لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك، ولم ير الشافعي بذلك بأساً، لأنه إذا جاز مع جهلهما فمع العلم من أحدهما أولى. وروى الأوزاعي أنه ﷺ قال: "من عرف مبلغ شيء، فلا يبعه جزافاً حتى يبيِّنه". وقال القاضي وأصحابه: هذا بمنزلة التدليس، إن علم به المشتري فلا خيار له، وإن لم يعلم فله الخيار، وهذا قول مالك. [وذهب بعض أصحابه إلى أن البيع فاسد، والنهي يقتضي الفساد] . ١ فإن أخبره بكيله ثم باعه بذلك صح، فإن قبضه باكتياله تم. وإن قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافاً. فإن كان المبيع باقياً كاله، فإن كان قدر حقه فقد استوفى، وإن زاد
стр. 436
رد الفضل، وإن كان ناقصاً أخذ نقصه. وإن تلف فالقول قول القابض في قدره بيمينه. وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله، لأن للبائع فيه علقة. ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل، لأن ذلك يمنع من معرفة كيله. وإن تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له، مثل أن يكون حقه قفيزاً فيتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل، ففيه وجهان. فأما إن أعلمه بكيله ثم باعه إياه مجازفة، على أنه له بذلك الثمن زاد أو نقص، لم يجز، لما روى الأثرم بإسناده عن الحكم قال: "قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله ﷺ فقال: اذهبوا بنا إلى عثمان لنعينه على طعامه. فقام إلى جنبه، فقال عثمان: في هذه الغرارة كذا وكذا، وأبيعها بكذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : إذا سميت الكيل فكِل". قال أحمد: إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منّا، فأخذ بذلك ولا يكتاله، فلا يعجبني، لقوله لعثمان: "إذا سميت الكيل فكِلْ". قيل له: إنهم يقولون: إذا فتح فسد، قال: فلِم لا يفتحون واحدة ويذرون الباقي. ولو كال طعاماً وآخر يشاهده، فلمن يشاهده شراؤه بغير كيل ثان، وعنه: يحتاج إلى كيل، للخبر. ولو كاله البائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك، لما ذكرناه.
وإن اشترى اثنان طعاماً فاكتالاه، ثم اشترى أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما، فهو جائز؛ وإن لم يحضر المشتري الكيل لم يجز إلا بكيل. وقال ابن أبي موسى: فيه رواية أخرى: لا بد من كيله. وإن باعه الثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز، ولم يحتج إلى كيل ثان، وقبضه بنقله كالصبرة. قال أحمد، في رجل يشتري الجوز فيعد في مكيل ألف جوزة، ثم يأخذ الجوز كله على ذلك العيار: لا يجوز. وقال في رجل ابتاع أعكاماً كيلاً، وقال للبائع: كل لي عكماً منها، وآخذ ما بقي على هذا الكيل: أكره هذا.
стр. 437
يكتالها كلها. قال الثوري: كان أصحابنا يكرهون هذا، وذلك لأن ما في العكوم يختلف، والجوز يختلف. وإن باعه الأدهان في ظروفها جملة وقد شاهدها جاز، وكذلك العسل والدبس والمائعات التي لا تختلف. وإن وجد في ظرف الدهن ربّا، فقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق: إن كان سمّاناً عنده سمن، أعطاه بوزنه سمناً، وإلا أعطاه بقدر الربّ من الثمن؛ وألزمه شريح بقدر الربّ سمناً بكل حال. وإن باعه بمائة درهم إلا ديناراً لم يصح، ذكره القاضي، ويجيء على قول الخرقي أنه يصح.
стр. 438
فصل في تفريق الصفقة
وله ثلاث صور:
إحداها: بيع معلوم ومجهول، كهذه الفرس وما في بطن الأخرى بكذا، فهو باطل بكل حال، لا أعلم فيه خلافاً، لأن المعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأن المجهول لا يمكن تقويمه.
الثانية: باعه مشاعاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، كعبد مشترك بينهما، صح في نصيبه بقسطه، ويفسد في نصيب الآخر. والثاني: لا يصح فيهما. وأصل الوجهين: أن أحمد نص فيمن تزوج حرة وأمة على روايتين: إحداهما: يفسد فيهما. والثانية: يصح في الحرة. والأول: قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: لا يصح كالجمع بين الأختين وبيع الدرهم بدرهمين. ووجه الأولى: أن البيع سبب اقتضى الحكم في محلين، فامتنع حكمه في أحدهما لسهوه عن قبوله، فيصح في الآخر. وأما الدرهمان والأختان فليس واحد منهما أولى بالفساد من الآخر، فكذلك فيهما؛ ومتى حكمنا بالصحة هنا، فلا خيار لمشتر علم بالحال، وإلا فله الخيار، ولا خيار للبائع. ولو وقع العقد على شيئين يفتقر إلى القبض فيهما فتلف أحدهما قبل قبضه، فقال القاضي: للمشتري الخيار بين إمساك الباقي بحصته وبين الفسخ.
الثالثة: باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبداً وحراً، ففيه روايتان:
стр. 439
إحداهما: يصح في أحدهما بقسطه. والثانية: يبطل الجميع. وللشافعي قولان. وأبطل مالك العقد فيهما، إلا أن يبيعه ملكه وملك غيره، فيصح في ملكه ويقف في ملك غيره على الإجازة. ونحوه قول أبي حنيفة، فإنه قال: إن كان أحدهما لا يصح بيعه بنص ولا إجماع، كالحرّ والخمر، لم يصح فيهما، وإن لم يثبت بذلك كملكه وملك غيره صح فيما يملكه. ومتى قلنا بالصحة، فللمشتري الخيار إذا لم يكن عالماً به. والحكم في الرهن والهبة وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز كالحكم في البيع. وإن باع عبده وعبد غيره بإذنه بثمن واحد، فهل يصح؟ على وجهين: أحدهما: يصح، ويتقسط الثمن على قدر قيمتهما، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. وإن جمع بين بيع وإجارة، أو بيع وصرف، صح، ويتقسط العوض عليهما في أحد الوجهين.
ولا يحل البيع بعد نداء الجمعة قبل الصلاة، فإن باع لم يصح، للنهي عنه.. ولا يثبت الحكم في حق من لا تجب عليه، وذكر ابن أبي موسى روايتين لعموم النهي، وذكرالقاضي رواية: أن البيع يحرم بزوال الشمس. ويصح النكاح وسائر العقود، لأن النهي مختص بالبيع وغيره ولا يساويه في الشغل لقلة وجوده.
ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمراً، ولا بيع السلاح في الفتنة أو لأهل الحرب. وحكى ابن المنذر عن الحسن وغيره: أنه لا بأس ببيع التمر ممن يتخذه مسكراً، قال الثوري: بع الحلال ممن شئت. ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، ١ فإن باعها لمن يتخذها خمراً، فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعي، لأن المحرم في ذلك اعتقاده
стр. 440
بالعقد دونه، فلم يمنع الصحة كالتدليس. ولنا: أنه عقد على عين المعصية، كإجارة الأمة للزنى. وأما التدليس فهو المحرم دون العقد، ولأن التحريم هنا لحقّ الله، والتدليس لحق آدمي؛ وهكذا الحكم في كل ما قصد به الحرام، كبيع السلاح في الفتنة أو لقطاع الطريق، وبيع الأمة للغناء. ونص أحمد على مسائل نبه بها على ذلك، فقال في القصاب والخباز: إذا علم أن من اشترى منه يدعو عليه من يشرب المسكر، لا يبيعه. ومن يخرط الأقداح لا يبيعها لمن يشرب فيها. ونهى عن بيع الديباج للرجال. وقال في رجل مات وخلف جارية مغنية وولداً يتيماً تساوي ثلاثين ألف درهم، فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين ديناراً فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. وحكى ابن المنذر الإجماع أن بيع الخمر غير جائز. وعن أبي حنيفة: يجوز للمسلم أن يوكل ذمياً في بيعها وشرائها، ومن وكلهم في بيعها وأكل ثمنها فقد أشبههم، والتوكيل فيه كالميتة والخنزير.
ولا يصح بيع العبد المسلم لكافر، إلا أن يكون ممن يعتق عليه، وقال أبو حنيفة: يصح ويجبر على إزالة ملكه.
وإن أسلم عبد لذمّي، أجبر على إزالة ملكه عنه، لأنه لا يجوز استدامة الملك للكافر على المسلم إجماعاً، وليس له كتابته لأنها لا تزيل الملك عنه. ولا يجوز بيع الرجل على بيع أخيه، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، ولا شراؤه على شرائه وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ. فإن فعل فهل يصح؟ على وجهين.
وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يسم الرجل على سوم أخيه"، ١ ولا يخلو من أربعة أقسام:
стр. 441
أحدها: أن يوجد من البائع صريح الرضى بالبيع، فهذا يحرم السوم عليه.
الثاني: أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضى، فلا يحرم، "لأنه ﷺ باع فيمن يزيد"، حسنه الترمذي، وهذا إجماعاً، فإن المسلمين يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة.
الثالث: أن لا يوجد منه ما يدل على الرضى ولا عدمه، فلا يحرم السوم أيضاً، استدلالا بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت له "أن معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة؛ وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سومه".
الرابع: أن يظهر منه ما يدل على الرضى من غير تصريح، فقال القاضي: لا يحرم، وذكر أن أحمد نص عليه في الخطبة استدلالاً بحديث فاطمة، لأن الأصل إباحة السوم والخطبة، فخرج منه التصريح بالنص. قال شيخنا: ولو قيل بالتحريم ههنا، لكان حسناً، فإن النهي عام خرجت منه الصورة المخصوصة بأدلتها، فتبقى هذه على العموم؛ وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضى، لأنها جاءت مستشيرة، فكيف ترضى وقد نهاها النبي ﷺ بقوله: "لا تفوتينا بنفسك" ١.
وبيع التلجئة باطل، لأنهما لم يقصداه، كالهازلين، وهو أن يخاف أن يأخذ السلطان أو غيره ماله، فيواطئ رجلاً على أن يظهر أنه اشتراه منه ليحتمي به، ولا يريدان بيعاً حقيقياً.
وفي بيع الحاضر للبادي روايتان: إحداهما: يصح. والأخرى: لا يصح بخمسة شروط: أن يحضر البادي لبيع سلعته بسعر يومها، جاهلاً بسعرها،
стр. 442
ويقصده الحاضر، وبالناس حاجة إليها. وظاهر كلام الخرقي: أنه يحرم بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع، فإن كان هو القاصد للحاضر جاز، لأن التضييق حصل منه لا من الحاضر.
الثاني: أن يكون البادي جاهلاً بالسعر، قال أحمد: إذا كان البادي عارفاً بالسعر لم يحرم، لأن التوسعة لا تحصل بتركه بيعها.
الثالث: أن يكون جلبها للبيع، فإن جاء بها ليأكلها أو يخزنها فليس لبيع الحاضر له تضييق.
وذكر القاضي شرطين آخرين:
أحدهما: أن يكون مريداً لبيعها بسعر يومها، فإن كان في نفسه ألا يبيعها رخيصة، فليس في بيعه تضييق.
الثاني: أن يكون بالناس حاجة إليها وضرر في تأخير بيعها. فأما شراؤه له فيصح، رواية واحدة؛ وكرهه طائفة أخرى، فروي عن أنس قال: "كان يقال: هي كلمة جامعة تقول: "لا تبيعنّ له شيئاً، ولا تبتاعنّ له شيئاً"". وأما إن أشار الحاضر عليه من غير أن يباشر البيع، فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله وابن المنذر، وكرهه مالك والليث، وقول الصحابي أولى. وليس للإمام أن يسعّر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون. وكان مالك يقول: يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس: بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا، واحتج بقول عمر لحاطب. ولنا: قوله ﷺ : "إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال"، ١ وأمّا حديث عمر فقد روي فيه: "أنه لما رجع حاسَب نفسه، ثم أتى حاطباً فقال:
стр. 443
إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد؛ فبع كيف شئت".
و"من باع سلعة بنسيئة، لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به، إلا إن تغيّرت صفتها"، روي ذلك عن ابن عباس والحسن وغيرهما، وأجازه الشافعي. ولنا: حديث عائشة، وقال ابن عباس في مثل هذه: "أرى مائة بخمسين، بينهما حريرة"، يعني: خرقة جعلاها في بيعها. والذرائع معتبرة، فإذا اشتراها بعرض أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد، جاز بيعها لا نعلم فيه خلافاً، لأن التحريم لشبهة الربا؛ ولا ربا بين الأثمان والعروض. فإن باعها بنقد، ثم اشتراها بنقد آخر، فقال أصحابنا: يجوز، لأنه لا يحرم التفاضل بينهما. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية، وقال شيخنا: وهذا أصح، إن شاء الله. وهذه مسألة العِينة، روى أبو داود عن ابن عمر، مرفوعاً: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"، ١ وهذا وعيد يدل على التحريم. وروي عن أحمد أنه قال: العِينة: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنقد ونسيئة، فلا بأس. وقال: أكره للرجل ألا يكون له تجارة غير العينة، لا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كره لمضارعته الربا. فإن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة، فقال أحمد: لا يجوز، إلا أن تتغير السلعة.
وإن باع ما يجري فيه الربا بنسيئة، ثم اشترى منه بثمنه قبل قبضه من جنسه، وما لا يجوز بيعه به نسيئة، لم يصح، روي ذلك عن ابن عمر وغيره. وأجازه سعيد بن جبير وعلي بن الحسين والشافعي. ووجه التحريم: أنه ذريعة إلى
стр. 444
بيع الطعام بالطعام نسيئة، قال شيخنا: والذي يقوى عندي جواز ذلك إذا لم يفعله حيلة، ولا قصده في ابتداء العقد، كما قال علي بن الحسين.
والاحتكار حرام بثلاثة شروط:
أحدها: أن يشتري، قال الأوزاعي: الجالب ليس بمحتكر، لقوله: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" ١.
الثاني: أن يكون قوتا، فأما الإدام والعسل والزيتون وعلف البهائم فليس احتكاراً محرماً. قال أحمد: إذا كان من قوت الناس، فهو الذي يكره. وكان ابن المسيب يحتكر الزيت، وهو راوي الحديث.
الثالث: أن يضيق على الناس بشرائه، ولا يحصل إلا بأمرين:
أحدهما: أن يكون في بلد يضيق بأهلها الاحتكار، كالحرمين، قال أحمد: فظاهره أن البلد الواسعة كبغداد، لا يحرم فيها لأنه لا يؤثر غالباً.
الثاني: أن يكون في حال الضيق، فإن اشترى في حال الاتساع على وجه لا يضيق على أحد، لم يحرم.
ويستحب الإشهاد في البيع، لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ، ٢ وأقل أحواله الندب. ويختص بما له خطر، فأما حوائج العطار والبقال وشبهها فلا يستحب، لأنه مما يشق ويقبح الإشهاد وإقامة البينة عليها. وقال قوم: "الإشهاد فرض"، روي عن ابن عباس وغيره، لظاهر الأمر، وقياساً على النكاح. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، ٣ قال أبو سعيد: صار الأمر إلى الأمانة، وتلا هذه الآية، و"لأن النبي ﷺ اشترى من رجل فرساً ولم ينقل أنه أشهد، حتى شهد له خزيمة". وكان الصحابة يتبايعون في عصره بالأسواق، فلم يأمرهم بالإشهاد، ولا نقل
стр. 445
عنهم فعله. والآية المراد بها الإرشاد إلى حفظ الأموال كما أمر بالرهن والكاتب، وليس بواجب. ويكره البيع والشراء في المسجد، والبيع صحيح؛ وكراهته لا توجب الفساد كالغش والتصرية، وفي قوله: " قولوا: لا أربح الله تجارتك" ١ دليل على صحته.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
واختار الشيخ صحة البيع بكل ما عدّه الناس بيعاً، من متعاقب ومتراخ ومن قول أو فعل. وقال أيضاً: تجهيز المرأة بجهاز إلى بيت زوجها تمليك. و"لا بأس بذوق المبيع عند المشتري"، نص عليه، لقول ابن عباس. ولو أكره على وزن مال فباع لذلك ملكه، كره الشراء وصح، وهو بيع المضطر. ونقل حنبل تحريمه وكراهته، واختار الشيخ تقي الدين الصحة من غير كراهة، وقال: من استولى على ملك غيره ظلماً، فطلبه صاحبه فجحده أو منعه إياه حتى يبيعه على هذا الوجه، فهذا مكره بغير حق. وسأله ابن الحكم عن رجل يقر بالعبودية حتى يباع، قال: يؤخذ البائع والمقر بالثمن؛ فإن مات أحدهما، أخد الآخر بالثمن. واختاره الشيخ تقي الدين، قال في الفروع: ويتوجه هذا في كل غارّ. وقال مهنا: سألت أبا عبد الله: عن السلم في البعر والسرجين؟ قال: لا بأس به. وفي جواز الاستصباح بها أي: الأدهان النجسة، روايتان.
إحداهما: يجوز، وهو المذهب، اختاره الشيخ تقي الدين وغيره. واختار أيضاً جواز الانتفاع بالنجاسات، وقال: سواء في ذلك شحم الميتة وغيره، أومأ إليه في رواية ابن منصور؛ وإنما حرم بيع رباع مكة وإجارتها، لأن الحرم حريم البيت والمسجد الحرام، وقد جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، فلا يجوز لأحد التخصيص بملكه وتحجيره؛ لكن إن احتاج إلى ما في يده
стр. 446
منه سكنه، وإن استغنى عنه وجب بذل فاضله للمحتاج إليه، وهو مسلك ابن عقيل في نظرياته، وسلكه القاضي في خلافه، واختاره الشيخ تقي الدين، وتردد كلامه في جواز البيع، فأجازه مرة ومنعه أخرى.
ولا يجوز بيع كل ماء عدّ، ولا ما نبت في أرضه من الكلإ والشوك، وجوّز ذلك الشيخ في مقطوع محسوب عليه يريد تعطيل ما يستحقه من زرع وبيع الماء. قال في الاختيارات: ويجوز بيع الكلإ ونحوه الموجود في أرضه، إذا قصد استنباته يعني: ترك الزرع لينبت الكلأ، وإذا لم ير المبيع فتارة يوصف له وتارة لا يوصف، فإن لم يوصف لم يصح، وعنه: يصح، واختاره الشيخ في موضع وضعفه في موضع آخر. فعليها، له خيار الرؤية، وعنه: لا خيار إلا بعيب.
الثاني: بيع موصوف غير معيّن، مثل أن يقول: بعتك عبداً تركياً، ثم يستقصي صفات السلم، فمتى سلم إليه غير ما وصف فردّه فأبدله، لم يفسد العقد، وقيل: لا يصح البيع، وقيل: يصح إن كان في ملكه، وإلا فلا، اختاره الشيخ. وذكر القاضي وأصحابه: أنه لا يصح استصناع سلعةن لأنه بيع ما ليس عنده على غير وجه السلم. قال الشيخ: إن باعه لبناً موصوفاً في الذمة، واشترط كونه من شاة أو بقرة معينة، جاز.
قوله: ولا المسك في الفأر، ووجه صاحب الفروع تخريجاً بالجواز، واختار صاحب الهدي قوله: ولا الصوف على الظهر، وعنه: يجوز بشرط جزه في الحال. واختار الشيخ صحة البيع وإن لم يسمّ الثمن، وله ثمن المثل، كالنكاح. واختار صحة بيع السلعة برقمها، وبما ينقطع به السعر، وبما باع به فلان. قوله: الثالثة: باع عبده وعبد غيره ... إلخ، متى صح البيع كان للمشتري
стр. 447
الخيار، ولا خيار للبائع. وقال الشيخ: يثبت له الخيار أيضاً. وقال: يجوز الجمع بين البيع والإجارة في أظهر قولهم.
ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمراً إذا علم أنه يفعل ذلك، وقيل: أو ظنه، اختاره الشيخ. وقال: يحرم الشراء على شراء أخيه، فإن فعل كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة، وأخذ الزيادة أو عوضها. قال: واستئجاره على استئجار أخيه، واقتراضه على اقتراضه، واتهابه على اتهابه، مثل شرائه على شرائه، أو شرائه على اتهابه، ونحو ذلك، بحيث تختلف جهة الملك. قوله: وإن باع ما يجري فيه الربا نسيئة، ثم اشترى منه بثمن قبل قبضه من جنسه، أو ما لا يجوز بيعه به نسيئة، لم يجز؛ واختار المصنف الصحة مطلقاً إذا لم يكن حيلة، واختار الشيخ الصحة إذا كان ثم حاجة، وإلا فلا. وكره أحمد البيع والشراء من مكان ألزم الناس بهما فيه، والشراء بلا حاجة من جالس على الطريق، ومن بائع مضطر ونحوه. ويجبر المحتكر على بيعه كبيع الناس، فإن أبى وخيف التلف فرقه الإمام ونحوه، ويردون مثله، وكذا سلاح لحاجة، قاله الشيخ. انتهى كلام الإنصاف.
стр. 448
باب الشروط في البيع
وهي ضربان: (صحيح) وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: شرط مقتضى البيع، كالتقابض، فهذا لا يؤثر إلا تأكيداً.
الثاني: شرط من مصلحة العقد، كتأجيل الثمن أو الرهن أو الضمين أو كون العبد كاتباً أو صانعاً، فهو صحيح يلزم الوفاء به، وإلا فللمشتري الفسخ، لقوله ﷺ : "المؤمنون عند شروطهم". ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافاً. فإن شرطها ثيباً فبانت بكراً، فلا خيار له لأنه زاده خيراً. وإن شرط الشاة لبوناً صح، وقال أبو حنيفة: لا يصح، لأنه لا يجوز بيع اللبن في الضرع. ولنا: أنه أمر مقصود يأخذ جزءاً من الثمن، كالصناعة في الأمة؛ وإنما لم يجز بيعه منفرداً للجهالة، والجهالة فيما كان تبعاً لا تمنع الصحة؛ ولذلك يصح بيع أساسات الحيطان، والنوى في التمر، وإن لم يجز بيعهما مفردين. وإن شرط أنها تحلب كل يوم قدراً معلوماً لم يصح، لأنه يتعذر الوفاء به. وإن شرطها غزيرة اللبن صح. وإن شرطها حاملاً صح. وقال القاضي: قياس المذهب ألا يصح، لأن الحمل لا حكم له، ويحتمل أنه ريح. ولنا: أنه صفة مقصودة يمكن الوفاء بها كالصناعة، وقوله: لا حكم له، لا يصح، فـ"إن النبي ﷺ حكم في الدية بأربعين خلفة في بطونها أولادها، ومنع أخذ الحوامل في الزكاة، ومنع وطء الحبالى المسبيات، وأرخص للحامل في الفطر
стр. 449
في رمضان إذا خافت على ولدها، ومنع من إقامة الحدود عليها من أجل حملها".
الثالث: أن يشترط نفعاً معلوماً في المبيع، كسكنى الدار شهراً، أو يشترط المشتري نفع البائع في المبيع، كحمل الحطب أو تكسيره، وقال الشافعي: لا يصح لأنه يروى "أنه نهى عن بيع وشرط". ولنا: ?"أن جابراً باع للنبي ﷺ جملاً، واشترط ظهره إلى المدينة"، ١ و"لأنه نهى عن الثنيا إلا أن تعلم". ٢ ولم يصح النهي عن بيع وشرط. [قال أحمد: إنما النهي عن شرطين في بيع] . ٣ وإن باع المشتري العين صح، وتكون في يد الثاني مستثناة أيضاً. فإن كان عالماً بذلك فلا خيار له، وإلا فله خيار الفسخ. وإن أتلف المشتري العين فعليه أجرة المثل، وإن تلفت بتفريطه فكفعله، نص عليه. فأما إن تلفت بغير فعله وتفريطه لم يضمن، قال الأثرم: قلت: لأبي عبد الله: فعلى المشتري أن يحمله على غيره، لأنه كان له حملان؟ قال: لا. إنما شرط عليه هذا بعينه. ولا يجوز للبائع إجارتها أي: المنفعة، إلا لمثله في الانتفاع. ويصح أن يشترط المشتري نفع البائع في المبيع، مثل أن يشتري ثوباً ويشترط خياطه، واحتج أحمد في جواز الشرط، بأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي حزمة حطب، وشارطه على حملها، قال أحمد: إنما النهي عن شرطين في بيع. فإن تعذر العمل بتلف المبيع أو موت البائع، رجع بعوض ذلك. وإن تعذر بمرض، أقيم مقامه من يعمل والأجرة عليه. وإن أراد المشتري أخذ العوض وتراضيا، احتمل الجواز، ويحتمل أن لا يجوز. وإذا اشترى زرعاً وجزة من الرطبة أو ثمرة، فالحصاد والجز والجذاذ على المشتري، بخلاف الكيل والوزن والعدد، فإنه على البائع، لأنها مؤنة تسليم المبيع، وهنا حصل التسليم بالتخلية، بدليل جواز
стр. 450
بيعها والتصرف فيها، وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً. فإن شرطه على البائع، فقال ابن أبي موسى: لا يجوز، وقيل: يجوز.
وإن جمع بين شرطين لم يصح، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط، فنفض يده وقال: الشرط الواحد لا بأس به، إنما "نهى رسول الله ﷺ عن شرطين في البيع". ١ واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما: فروي عن أحمد: أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد. وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين: أن يشتريها على أن لا يبيعها من أحد، ولا يطأها، ففسره بشرطين فاسدين. وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين: أن يقول: إذا بعتها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة، فظاهره أن النهي عنهما ما كان من هذا النحو.
الثاني: (فاسد) ، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يشترط على صاحبه عقداً آخر، فهذا يبطل البيع، لحديث: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع"، ٢ قال الترمذي: حديث صحيح، ولأنه ﷺ "نهى عن بيعتين في بيعة"، ٣ وهذا منه، قاله أحمد، وكذلك ما في معناه، كقوله: على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك ابنتي، قال ابن مسعود: "صفقتان في صفقة ربا"، وهذا قول الجمهور، وجوزه مالك، وجعل العوض المذكور في الشرط فاسداً، وقال: لا ألتفت إلى اللفظ الفاسد إذا كان معلوماً حلالاً، فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر أنه يأخذها بالدنانير. ولنا: الخبر، وقوله: لا ألتفت إلى اللفظ، لا يصح، لأن البيع هو اللفظ، فإذا كان فاسداً فكيف يكون صحيحاً. ويحتمل أن يصح البيع ويبطل الشرط.
стр. 451
الثاني: شرط ما ينافي مقتضى البيع، نحو لا خسارة عليه، وأن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له، أو يشترط أن يفعل ذلك، فهذا باطل، لحديث بريرة. وهل يبطل البيع؟ على روايتين. قال القاضي: المنصوص عن أحمد: أن البيع صحيح؛ وإذا حكمنا بالصحة، فللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إذا كان هو المشترط، ويحتمل أن يثبت له الخيار ولا يرجع بشيء، "لأنه ﷺ لم يحكم لأرباب بريرة بشيء إلا إذا اشترطوا العتق"، ففي صحته روايتان: إحداهما: يصح، وهو مذهب مالك، لأن أهل بريرة اشترطوا عتقها وولاءها، فـ"أنكر ﷺ اشتراط الولاء دون العتق"، والثانية: فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة، وليس في الحديث أنها شرطت لهم العتق، إنما أخبرتهم أنها تريد ذلك من غير شرط، فاشترطوا ولاءها. فإن حكمنا بصحته فلم يعتق، ففيه وجهان: أحدهما: يجبر. والثاني: لا يجبر، كما لو شرط الرهن والضمان، فللبائع خيار الفسخ، لأنه لم يسلم ما شرطه، أشبه ما لو شرط رهناً فلم يف به. وعنه: فيمن باع جارية وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، أن البيع جائز، لما روي عن ابن مسعود قال: "ابتعت من امرأتي زينب جارية، وشرطت لها: إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به. فذكر ذلك لعمر فقال: لا تقربها ولأحد فيها شرط". فقد اتفق عمر وابن مسعود على صحته، وروى عنه المروذي أنه قال: هو في معنى: لا شرطان في بيع، قال شيخنا: يحتمل أن يحمل كلامه على فساد الشرط، والأولى على جواز البيع؛ ومتى حكمنا بفساد العقد، لم يثبت به ملك، سواء اتصل به القبض أو لا، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه. وقال أبو حنيفة: يثبت الملك فيه إذا اتصل به القبض، وللبائع
стр. 452
الرجوع فيه، فيأخذه مع زيادته المتصلة، إلا أن يتصرف فيه المشتري تصرفاً يمنع الرجوع، فيأخذ قيمته، لحديث بريرة.
الثالث: أن يشترط شرطاً يعلق البيع، كقوله: بعتك إن جئتني بكذا، أو رضي فلان، فلا يصح، وكذلك إذا قال: إن جئتك بحقك في محله، وإلا فالرهن لك، فلا يصح، إلا بيع العربون، فقال أحمد: يصح، لأن عمر فعله، وممن روي عنه القول بفساد الشرط: ابن عمر وشريح ومالك، ولا نعلم أحداً خالفهم، لحديث: "لا يغلق الرهن". ١ وضعف أحمد حديث العربون في النهي عنه. وإن قال: بعتك على أن تنقد لي الثمن إلى ثلاث، أو مدة معلومة، وإلا فلا بيع بيننا، صح، وقال به أبو ثور: إذا كان إلى ثلاث، وقال الشافعي وزفر: البيع فاسد.
وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب، لم يبرأ، وعنه: "يبرأ إلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه"، روي ذلك عن عثمان، ونحوه عن زيد بن ثابت؛ وهو قول مالك، وقول الشافعي في الحيوان خاصة؛ ويتخرج أن يبرأ من العيوب كلها بالبراءة بناء على جواز البراءة من المجهول، لما روت أم سلمة: "أن رجلين اختصما في مواريث درست، فقال رسول الله ﷺ : استهما وتوخّيا، وليحلّل كل واحد منكما صاحبه "، وهذا يدل على أن البراءة من المجهول جائزة. وإذا قلنا بفساد هذا الشرط، لم يفسد به البيع، لقصة ابن عمر فإنهم أجمعوا على صحتها. وإن باعه داراً أو ثوباً على أنه عشرة أذرع، فبان أحد عشر، فالبيع باطل، لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة، ولا المشتري على أخذ البعض. وعنه: أنه يصح، والزيادة للبائع. وإن اشترى صبرة على أنها عشرة أقفزة، فبانت أحد عشر، رد الزيادة، ولا خيار له ههنا، لأنه لا ضرر في أخذ الزيادة.
стр. 453
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: وإن جمع بين شرطين لم يصح، وعنه: يصح، اختاره الشيخ، ومحل الخلاف إذا لم يكونا من مصلحة العقد، فإن كانا منه صح على الصحيح من المذهب، وعنه: لا يصح، اختاره في المجرد. قوله: شرط ما ينافي مقتضى العقد، نحو أن لا خسارة عليه، أو إن أعتق فالولاء له، فهذا باطل، ولا يبطل العقد على الصحيح من المذهب، وللذي فات غرضه الفسخ، أو أرش ما نقص من الثمن، بل إلغاؤه مطلقاً، وقيل: بل يختص ذلك بالجاهل بفساد الشرط، جزم به في الفائق. وقيل: لا أرش له، بل يثبت له الخيار بين الفسخ والإمضاء، قال الشيخ: هذا ظاهر المذهب. قال الشيخ: نقل علي بن سعيد فيمن باع شيئاً وشرط عليه أنه إن باعه فهو أحق به بالثمن، جواز البيع والشرط. وسأله أبو طالب: عمن اشترى أمة بشرط أن يشتريها للخدمة؟ قال: لا بأس به. وروي عنه أي: أحمد، نحو عشرين نصاً على صحة هذا الشرط. قال: وهذا من أحمد يقتضي أنه إذا شرط على البائع فعلاً أو تركاً في البيع مما هو مقصود البائع أو للمبيع نفسه، صح البيع والشرط، كاشتراط العتق.
واختار الشيخ صحة العقد والشرط في كل عقد وكل شرط لم يخالف الشرع، لأن إطلاق الاسم يتناول المنجّز والمعلق والصريح والكناية، كالنذور، كما يتناوله بالعربية والعجمية. ولو علق عتق عبده على بيعه، فباعه، عتق وانفسخ البيع، نص عليه. وقال الشيخ: إن قصد اليمين دون التبرر، أجزأه كفارة يمين، لأنه إذا باعه خرج عن ملكه، فبقي كنذره أن يعتق عبد غيره. وإن قصد التقرب صار عتقاً مستحقاً كالنذر، فلا يصح بيعه ويكون العتق معلقاً على صورة البيع. قوله الثالث: اشترط شرطاً يعلق البيع، كقوله: بعتك إن جئتني
стр. 454
بكذا، قال في الفائق: نقل عن أحمد تعليقه فعلاً منه، قال الشيخ: هو الصحيح، وهو المختار. انتهى. قوله: أو يقول للمرتهن: إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك، فلا يصح، وهو معنى قوله: "لا يغلق الرهن". ١ وقال الشيخ: لا يبطل الثاني أي: الشرط، وإن لم يأته صار له، وفعله الإمام أحمد، قاله في الفائق. وقال: قلت: فعليه غلق الرهن، استحقاق المرتهن له بوضع العقد لا بالشرط، كما لو باعه منه. قوله: وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب، لم يبرأ، وعنه: يبرأ، إلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه، اختاره الشيخ.
стр. 455
باب الخيار
وهو سبعة أقسام:
(أحدها: خيار المجلس) ، والمرجع في التفرق إلى عرف الناس. ولو ألحقا في العقد خياراً بعد لزومه، لم يلحقه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلحقه. وروي أنه ﷺ قال: "البيعان بالخيار حتى يفترقا، إلا أن يكون صفقة خيار. ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله". ١ رواه الترمذي وحسنه، وقوله: "إلا أن يكون صفقة خيار" ٢ يحتمل أنه البيع المشروط فيه الخيار، فإنه لا يلزم بتفرقهما. ويحتمل أنه الذي شرط أن لا يكون فيه خيار، فيلزم بمجرد العقد. وظاهر الحديث: تحريم مفارقة أحدهما صاحبه خشية الفسخ. قال أحمد لما ذكر له الحديث وفعل ابن عمر قال: هذا الآن قول رسول الله ﷺ . وروي عن أحمد أن الخيار لا يبطل بالتخاير ولا بالإسقاط، لأن أكثر الروايات: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" ٣ من غير تقييد. وعنه: أنه يبطل بالتخاير، وهو الصحيح، لقوله: "فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع"، ٤ وفي لفظ: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون البيع كان عن خيار؛ فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع". ٥ متفق عليه. والتخاير من ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد. وقال أصحاب الشافعي في التخاير في ابتداء العقد قولان: أحدهما: لا يقع لأنه إسقاط للحق قبل سببه. ولنا: ما ذكرنا من حديث
стр. 456
ابن عمر، فإن قال أحدهما لصاحبه: اختر، فالساكت على خياره، وأما القائل فيحتمل أن يبطل خياره، لقوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر ". ١ رواه البخاري، ولأنه جعل لصاحبه ما ملكه؛ ويحتمل أن لا يبطل. ويحتمل الحديث على أنه خيره فاختار، كما لو جعل لزوجته الخيار، فلم تختر شيئاً. والأول أولى، لظاهر الحديث، ويفارق الزوجة لأنه ملكها ما لم تملك، فإذا لم تقبل سقط. وهنا كل واحد منهما يملك الخيار، فلم يكن قوله تمليكاً، إنما هو إسقاط فسقط.
(الثاني: خيار الشرط) وإن طال، وأجازه مالك فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة، مثل قرية لا يصل إليها في أقل من أربعة أيام، وقال الشافعي: لا يجوز أكثر من ثلاث، لما روي عن عمر أنه قال: "لا أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله ﷺ لحبان، جعل له الخيار ثلاثة أيام". ولنا: أنه حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل، ولم يثبت ما روي عن عمر؛ وقد "روي عن أنس خلافه". وتقدير مالك بالحاجة لا يصح، فإنه لا يمكن ضبط الحكم بها لخفائها واختلافها. وقولهم: إن الخيار ينافي مقتضى البيع، لا يصح، لأن مقتضاه نقل الملك، والخيار لا ينافيه وإن سلمنا ذلك، لكن متى خولف الأصل لمعنى في محل، وجب تعدية الحكم لتعدي ذلك المعنى.
ولا يجوز مجهولاً كنزول المطر، وعنه: يجوز، وهما على خيارهما، إلا أن يقطعاه، أو تنتهي مدته إن كان مشروطاً إلى مدة. وقال مالك: يصح، ويضرب لهما مدة يختبر المبيع بمثلها في العادة، لأن ذلك مقدر في العادة؛ فإذا أطلقا حمل عليه. وإذا قلنا: يفسد الشرط، فهل يفسد البيع؟ على روايتين: إحداهما: يفسد كنكاح الشغار. والثانية: لا يفسد العقد، لحديث بريرة.
стр. 457
وإن شرطه إلى الحصاد والجذاذ، احتمل أن يصح، لأنه لا يكثر تفاوته ولا يثبت إلا في البيع، والصلح بمعناه. والإجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد، فأما الإجارة المعينة التي تلي العقد فلا، لأن دخوله يقتضي فوات بعض المنافع المعقود عليها، واستيفاءها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز. وذكر القاضي مرة مثل هذا، ومرة قال: يثبت فيها خيار الشرط، قياساً على البيع. وإن شرطاه إلى الغد، لم يدخل في المدة، وعنه: يدخل. وإن شرطاه مدة، فابتداؤها من حين العقد؛ ويحتمل أن يكون من حين التفرق. وإن شرط الخيار لغيره جاز، وكان توكيلاً له فيه.
وإن قال: بعتك على أن استأمر فلاناً، وحدَّ ذلك بوقت معلوم، فهو خيار صحيح، وله الفسخ قبل أن يستأمره، لأنّا جعلناه كناية عن الخيار. وإن لم يضبطه بمدة، فهو مجهول، فيه من الخلاف ما ذكرنا. وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه، صح، ولمن له الخيار الفسخ بغير حضور صاحبه، ولا رضاه. وقال أبو حنيفة: ليس له الفسخ إلا بحضور صاحبه، كالوديعة. وما ذكره ينتقض بالطلاق، والوديعة لا حق للمودع فيها، ويصح فسخها مع غيبته. فإن قال أحدهما عند العقد: لا خلابة، فقال أحمد: ذلك جائز، وله الخيار إن خلبه، لحديث: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة! "، ١ ويحتمل أن يكون الخبر خاصاً بحبان، لأنه روي "أنه عاش إلى زمن عثمان، فكان يبايع الناس ثم يخاصمهم، فيمر به بعض الصحابة فيقول لمن يخاصمه: إن النبي ﷺ جعل له الخيار ثلاثاً"، وهذا يدل على اختصاصه به. وقال بعض الشافعية: إن كانا عالمين أن ذلك عبارة عن خيار لثلاث، ثبت، لأنه روي أن النبي ﷺ قال له: "أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال". ٢ ولنا: أن هذا اللفظ لا يقتضي الخيار مطلقاً، ولا تقييده بثلاث.
стр. 458
والخبر الذي احتجوا به إنما رواه ابن ماجة مرسلاً، ثم لم يقولوا به على وجه، إنما قالوا به في حق من يعلم أن مقتضاه ثبوت الخيار ثلاثاً، ولا يعلم ذلك أحد، لأن اللفظ لا يقتضيه.
وإذا شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض، ليأخذ غلة المبيع، فلا خيار فيه. قيل لأبي عبد الله: فإن أراد رفقاً به، كأن يقرضه ما لا يخاف أن يذهب، فاشترى منه شيئاً وجعل له الخيار، ولم يُرد الحيلة؟ فقال: هذا جائز، إلا أنه إذا مات انقطع الخيار، ولم يكن لورثته؛ وقوله محمول على المبيع الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه، أو على أن المشتري لا ينتفع به في مدة الخيار، لئلا يفضي إلى أن القرض جر منفعة. وينتقل الملك إلى المشتري بنفس العقد، وعنه: لا ينتقل حتى ينقضي الخيار، وبه قال أبو حنيفة، إذا كان الخيار لهما أو للبائع، وإن كان للمشتري خرج عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري، لأنه عقد قاصر فلم ينقل الملك كالهبة قبل القبض. وللشافعي قول ثالث: أن الملك موقوف، فإن أمضاه تبينا أن الملك للمشتري، وإلا تبينا أنه لم ينتقل عن البائع. ولنا: قوله ﷺ : "من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع". ١ متفق عليه، فجعله للمبتاع بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع. وثبوت الخيار لا ينافي كما لو باع عرضاً بعوض، فوجد كل واحد منهما بما اشتراه عيباً. وقولهم: إنه قاصر، غير صحيح، وجواز فسخه لا يوجب قصوره، ولا يمنع نقل الملك كبيع المعيب، وامتناع التصرف إنما كان لأجل حق الغير، فلا يمنع ثبوت الملك كالمرهون، فما حصل من كسب أو نماء منفصل فهو له، أمضيا العقد أو فسخاه. قال أحمد فيمن اشترى عبداً ووهب له مال قبل التفرق، ثم اختار البائع العبد: فالمال للمشتري. وقال الشافعي: إن أمضيا
стр. 459
العقد، وقلنا: الملك للمشتري أو موقوف، فالنماء له. وإن فسخاه، وقلنا: الملك للبائع أو موقوف، فالنماء له، وإلا فهو للمشتري. ولنا: قوله ﷺ : "الخراج بالضمان". ١ قال الترمذي: حديث صحيح. وهذا من ضمان المشتري، فيجب أن يكون خراجه له. وضمان المبيع على المشتري إذا قبضه، ولم يكن مكيلاً ولا موزوناً. وإن اشترى حاملاً فولدت في مدة الخيار، ثم ردها، رد ولدها. وليس لواحد منهما التصرف في مدة الخيار، إلا بما يحصل به تجربة المبيع، فإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما، لم ينفذ تصرفهما، إلا أن يكون الخيار للمشتري وحده، فينفذ تصرفه ويبطل خياره كالمعيب. وقال أحمد في رواية أبي طالب: إذا اشترى ثوباً بشرط، فباعه بربح قبل انقضاء الشرط، يرده إلى صاحبه إن طلبه، فإن لم يقدر على رده، فللبائع قيمة الثوب، لأنه استهلك ثوبه، أو يصالحه. فقوله: يرده إن طلبه، يدل على أن وجوب رده مشروط بطلبه. وفي البخاري عن ابن عمر: "أنه كان على بكر صعب لعمر، فقال ﷺ لعمر: بِعْنيه. فقال عمر: هو لك، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله"، ٢ فهذا يدل على التصرف قبل التفرق، والأول أصح. والحديث ليس فيه تصريح بالبيع، فقوله: "هو لك" يحتمل أنه أراد هبة، فإنه لم يذكر ثمناً. فإن تصرف المشتري بإذن البائع، أو البائع بوكالة المشتري، صح وانقطع خيارهما، لأنه يدل على تراضيهما بإمضاء البيع، كما لو تخايرا في أحد الوجهين، وفي الآخر: البيع والخيار بحالهما.
وإن تصرف المشتري في مدة الخيار مما يختص الملك، كإعتاق العبد ووطء الجارية، فهو تراض يبطل خياره؛ ولذلك يبطل خيار المعتقة بتمكينها من
стр. 460
نفسها، وقال لها رسول الله ﷺ : "إن وطئك فلا خيار لك". قال أحمد: إذا شرط الخيار فباعه قبل ذلك بربح، فالربح للمبتاع، لأنه وجب عليه حين عرضه.
وإن استخدم المبيع، ففيه روايتان، ومتى بطل خيار المشتري بتصرفه، فخيار البائع باق بحاله. وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه، وبطل خيارهما. وكذا إذا تلف المبيع. وعنه: لا يبطل خيار البائع، وله الفسخ والرجوع بالقيمة، وقول النبي ﷺ : "لا عتق فيما لا يملك ابن آدم" ١ يدل بمفهومه على أنه ينفذ في الملك، وملك البائع الفسخ، لا يمنع نفوذ العتق، كما لو وهب رجل ابنه عبداً فأعتقه، نفذ عتقه مع ملك الأب استرجاعه، ولا ينفذ عتق البائع. وقال الشافعي ومالك: ينفذ، لأنه ملكه، وإن كان الملك انتقل، فإنه يسترجعه بالعتق.
وإذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر، ثم باعه، صار حراً، نص عليه أحمد، سواء شرط الخيار أو لا. وقال أبو حنيفة: لا ينفذ، لأنه إذا تم بيعه زال ملكه عنه. ولنا: أن زمن انتقال الملك زمن الحرية، لأن البيع سبب لنقل الملك وشرط للحرية، فيجب تغليب الحرية، كقوله: إذا مت فأنت حر. وإذا أعتق المشتري العبد، بطل خياره وخيار البائع، كما لو تلف. وفيه رواية أخرى: أنه لا يبطل خيار البائع، فله الفسخ والرجوع بالقيمة يوم العتق.
وإن تلف المبيع في مدة الخيار، فإن كان قبل القبض وكان مكيلاً أو موزوناً انفسخ البيع، وكان من مال البائع، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن يتلفه المشتري، فيضمنه ويبطل خياره. وفي خيار البائع روايتان. فإن كان غير المكيل والموزون ولم يمنعه البائع من قبضه، فظاهر المذهب: أنه من ضمان المشتري كتلفه بعد القبض، وإن تلف بعد القبض، فهو من ضمان المشتري ويبطل خياره.
وفي خيار البائع روايتان: إحداهما: يبطل. والثانية: