← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1685

مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (781 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ابن عمر، فإن قال أحدهما لصاحبه: اختر، فالساكت على خياره، وأما القائل فيحتمل أن يبطل خياره، لقوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر ". ١ رواه البخاري، ولأنه جعل لصاحبه ما ملكه؛ ويحتمل أن لا يبطل. ويحتمل الحديث على أنه خيره فاختار، كما لو جعل لزوجته الخيار، فلم تختر شيئاً. والأول أولى، لظاهر الحديث، ويفارق الزوجة لأنه ملكها ما لم تملك، فإذا لم تقبل سقط. وهنا كل واحد منهما يملك الخيار، فلم يكن قوله تمليكاً، إنما هو إسقاط فسقط. (الثاني: خيار الشرط) وإن طال، وأجازه مالك فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة، مثل قرية لا يصل إليها في أقل من أربعة أيام، وقال الشافعي: لا يجوز أكثر من ثلاث، لما روي عن عمر أنه قال: "لا أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله ﷺ لحبان، جعل له الخيار ثلاثة أيام". ولنا: أنه حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل، ولم يثبت ما روي عن عمر؛ وقد "روي عن أنس خلافه". وتقدير مالك بالحاجة لا يصح، فإنه لا يمكن ضبط الحكم بها لخفائها واختلافها. وقولهم: إن الخيار ينافي مقتضى البيع، لا يصح، لأن مقتضاه نقل الملك، والخيار لا ينافيه وإن سلمنا ذلك، لكن متى خولف الأصل لمعنى في محل، وجب تعدية الحكم لتعدي ذلك المعنى. ولا يجوز مجهولاً كنزول المطر، وعنه: يجوز، وهما على خيارهما، إلا أن يقطعاه، أو تنتهي مدته إن كان مشروطاً إلى مدة. وقال مالك: يصح، ويضرب لهما مدة يختبر المبيع بمثلها في العادة، لأن ذلك مقدر في العادة؛ فإذا أطلقا حمل عليه. وإذا قلنا: يفسد الشرط، فهل يفسد البيع؟ على روايتين: إحداهما: يفسد كنكاح الشغار. والثانية: لا يفسد العقد، لحديث بريرة.

стр. 457

وإن شرطه إلى الحصاد والجذاذ، احتمل أن يصح، لأنه لا يكثر تفاوته ولا يثبت إلا في البيع، والصلح بمعناه. والإجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد، فأما الإجارة المعينة التي تلي العقد فلا، لأن دخوله يقتضي فوات بعض المنافع المعقود عليها، واستيفاءها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز. وذكر القاضي مرة مثل هذا، ومرة قال: يثبت فيها خيار الشرط، قياساً على البيع. وإن شرطاه إلى الغد، لم يدخل في المدة، وعنه: يدخل. وإن شرطاه مدة، فابتداؤها من حين العقد؛ ويحتمل أن يكون من حين التفرق. وإن شرط الخيار لغيره جاز، وكان توكيلاً له فيه. وإن قال: بعتك على أن استأمر فلاناً، وحدَّ ذلك بوقت معلوم، فهو خيار صحيح، وله الفسخ قبل أن يستأمره، لأنّا جعلناه كناية عن الخيار. وإن لم يضبطه بمدة، فهو مجهول، فيه من الخلاف ما ذكرنا. وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه، صح، ولمن له الخيار الفسخ بغير حضور صاحبه، ولا رضاه. وقال أبو حنيفة: ليس له الفسخ إلا بحضور صاحبه، كالوديعة. وما ذكره ينتقض بالطلاق، والوديعة لا حق للمودع فيها، ويصح فسخها مع غيبته. فإن قال أحدهما عند العقد: لا خلابة، فقال أحمد: ذلك جائز، وله الخيار إن خلبه، لحديث: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة! "، ١ ويحتمل أن يكون الخبر خاصاً بحبان، لأنه روي "أنه عاش إلى زمن عثمان، فكان يبايع الناس ثم يخاصمهم، فيمر به بعض الصحابة فيقول لمن يخاصمه: إن النبي ﷺ جعل له الخيار ثلاثاً"، وهذا يدل على اختصاصه به. وقال بعض الشافعية: إن كانا عالمين أن ذلك عبارة عن خيار لثلاث، ثبت، لأنه روي أن النبي ﷺ قال له: "أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال". ٢ ولنا: أن هذا اللفظ لا يقتضي الخيار مطلقاً، ولا تقييده بثلاث.

стр. 458

والخبر الذي احتجوا به إنما رواه ابن ماجة مرسلاً، ثم لم يقولوا به على وجه، إنما قالوا به في حق من يعلم أن مقتضاه ثبوت الخيار ثلاثاً، ولا يعلم ذلك أحد، لأن اللفظ لا يقتضيه. وإذا شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض، ليأخذ غلة المبيع، فلا خيار فيه. قيل لأبي عبد الله: فإن أراد رفقاً به، كأن يقرضه ما لا يخاف أن يذهب، فاشترى منه شيئاً وجعل له الخيار، ولم يُرد الحيلة؟ فقال: هذا جائز، إلا أنه إذا مات انقطع الخيار، ولم يكن لورثته؛ وقوله محمول على المبيع الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه، أو على أن المشتري لا ينتفع به في مدة الخيار، لئلا يفضي إلى أن القرض جر منفعة. وينتقل الملك إلى المشتري بنفس العقد، وعنه: لا ينتقل حتى ينقضي الخيار، وبه قال أبو حنيفة، إذا كان الخيار لهما أو للبائع، وإن كان للمشتري خرج عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري، لأنه عقد قاصر فلم ينقل الملك كالهبة قبل القبض. وللشافعي قول ثالث: أن الملك موقوف، فإن أمضاه تبينا أن الملك للمشتري، وإلا تبينا أنه لم ينتقل عن البائع. ولنا: قوله ﷺ : "من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع". ١ متفق عليه، فجعله للمبتاع بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع. وثبوت الخيار لا ينافي كما لو باع عرضاً بعوض، فوجد كل واحد منهما بما اشتراه عيباً. وقولهم: إنه قاصر، غير صحيح، وجواز فسخه لا يوجب قصوره، ولا يمنع نقل الملك كبيع المعيب، وامتناع التصرف إنما كان لأجل حق الغير، فلا يمنع ثبوت الملك كالمرهون، فما حصل من كسب أو نماء منفصل فهو له، أمضيا العقد أو فسخاه. قال أحمد فيمن اشترى عبداً ووهب له مال قبل التفرق، ثم اختار البائع العبد: فالمال للمشتري. وقال الشافعي: إن أمضيا

стр. 459

العقد، وقلنا: الملك للمشتري أو موقوف، فالنماء له. وإن فسخاه، وقلنا: الملك للبائع أو موقوف، فالنماء له، وإلا فهو للمشتري. ولنا: قوله ﷺ : "الخراج بالضمان". ١ قال الترمذي: حديث صحيح. وهذا من ضمان المشتري، فيجب أن يكون خراجه له. وضمان المبيع على المشتري إذا قبضه، ولم يكن مكيلاً ولا موزوناً. وإن اشترى حاملاً فولدت في مدة الخيار، ثم ردها، رد ولدها. وليس لواحد منهما التصرف في مدة الخيار، إلا بما يحصل به تجربة المبيع، فإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما، لم ينفذ تصرفهما، إلا أن يكون الخيار للمشتري وحده، فينفذ تصرفه ويبطل خياره كالمعيب. وقال أحمد في رواية أبي طالب: إذا اشترى ثوباً بشرط، فباعه بربح قبل انقضاء الشرط، يرده إلى صاحبه إن طلبه، فإن لم يقدر على رده، فللبائع قيمة الثوب، لأنه استهلك ثوبه، أو يصالحه. فقوله: يرده إن طلبه، يدل على أن وجوب رده مشروط بطلبه. وفي البخاري عن ابن عمر: "أنه كان على بكر صعب لعمر، فقال ﷺ لعمر: بِعْنيه. فقال عمر: هو لك، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله"، ٢ فهذا يدل على التصرف قبل التفرق، والأول أصح. والحديث ليس فيه تصريح بالبيع، فقوله: "هو لك" يحتمل أنه أراد هبة، فإنه لم يذكر ثمناً. فإن تصرف المشتري بإذن البائع، أو البائع بوكالة المشتري، صح وانقطع خيارهما، لأنه يدل على تراضيهما بإمضاء البيع، كما لو تخايرا في أحد الوجهين، وفي الآخر: البيع والخيار بحالهما. وإن تصرف المشتري في مدة الخيار مما يختص الملك، كإعتاق العبد ووطء الجارية، فهو تراض يبطل خياره؛ ولذلك يبطل خيار المعتقة بتمكينها من

стр. 460

نفسها، وقال لها رسول الله ﷺ : "إن وطئك فلا خيار لك". قال أحمد: إذا شرط الخيار فباعه قبل ذلك بربح، فالربح للمبتاع، لأنه وجب عليه حين عرضه. وإن استخدم المبيع، ففيه روايتان، ومتى بطل خيار المشتري بتصرفه، فخيار البائع باق بحاله. وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه، وبطل خيارهما. وكذا إذا تلف المبيع. وعنه: لا يبطل خيار البائع، وله الفسخ والرجوع بالقيمة، وقول النبي ﷺ : "لا عتق فيما لا يملك ابن آدم" ١ يدل بمفهومه على أنه ينفذ في الملك، وملك البائع الفسخ، لا يمنع نفوذ العتق، كما لو وهب رجل ابنه عبداً فأعتقه، نفذ عتقه مع ملك الأب استرجاعه، ولا ينفذ عتق البائع. وقال الشافعي ومالك: ينفذ، لأنه ملكه، وإن كان الملك انتقل، فإنه يسترجعه بالعتق. وإذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر، ثم باعه، صار حراً، نص عليه أحمد، سواء شرط الخيار أو لا. وقال أبو حنيفة: لا ينفذ، لأنه إذا تم بيعه زال ملكه عنه. ولنا: أن زمن انتقال الملك زمن الحرية، لأن البيع سبب لنقل الملك وشرط للحرية، فيجب تغليب الحرية، كقوله: إذا مت فأنت حر. وإذا أعتق المشتري العبد، بطل خياره وخيار البائع، كما لو تلف. وفيه رواية أخرى: أنه لا يبطل خيار البائع، فله الفسخ والرجوع بالقيمة يوم العتق. وإن تلف المبيع في مدة الخيار، فإن كان قبل القبض وكان مكيلاً أو موزوناً انفسخ البيع، وكان من مال البائع، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن يتلفه المشتري، فيضمنه ويبطل خياره. وفي خيار البائع روايتان. فإن كان غير المكيل والموزون ولم يمنعه البائع من قبضه، فظاهر المذهب: أنه من ضمان المشتري كتلفه بعد القبض، وإن تلف بعد القبض، فهو من ضمان المشتري ويبطل خياره. وفي خيار البائع روايتان: إحداهما: يبطل. والثانية:

стр. 461

لا، ويطالب بقيمته أو مثله إن كان مثلياً، كما لو اشترى ثوباً بثوب فتلف أحدهما، ووجد بالآخر عيباً، فإنه يرده ويرجع بقيمته. وحكم الوقف حكم البيع، في أحد الوجهين. وفيه وجه آخر: أنه كالعتق. وليس للمشتري وطء الجارية في مدة الخيار، إذا كان لهما أو للبائع وحده، لا نعلم فيه خلافاً. فإن وطئها، فلا حد عليه، ولا مهر لها؛ فإن علقت منه فالولد حر، يلحقه نسبه وتصير أم ولد له. فإن فسخ البائع رجع بقيمتها. وإن قلنا: إن الملك لا ينتقل، فعليه المهر وقيمة الولد، وإن علم التحريم وأنّ ملكه غير ثابت، فولده رقيق. ولا بأس بنقد الثمن وقبض المبيع في مدة الخيار، وهو قول الشافعي، وكرهه مالك، قال: لأنه في معنى بيع وسلف، إذا قبض الثمن ثم تفاسخا صار كأنه أقرضه؛ وما ذكره لا يصح، لأننا لا نجيز له التصرف فيه. ومن مات منهما بطل خياره، إلا أن يكون قد طالب بالفسخ قبل موته، فيكون لورثته؛ ويتخرج ألا يبطل وينتقل إلى ورثته، وهذا قول مالك والشافعي. ولنا: أنه حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه، فلم يورث كخيار الرجوع في الهبة. (والثالث: خيار الغبن) ، ويثبت في ثلاث صور: (إحداها) : إذا تلقى الركبان فباعهم أو اشترى منهم، فلهم الخيار إذا هبطوا السوق وعلموا أنهم قد غُبنوا غبناً يخرج عن العادة. ونهى النبي ﷺ عن ذلك. وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يرى بذلك بأساً، وسنة رسول الله أحق أن تتبع. إذا تقرر هذا، فللبائع الخيار إذا غُبن، وقال أصحاب الرأي: لا خيار له. ولا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ . وظاهر المذهب: أنه لا خيار إلا مع الغبن. ويحتمل إطلاق الحديث، لجعله

стр. 462

الخيار له إذا هبط السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له من حين البيع. وظاهر كلام الخرقي: أن الخيار يثبت بمجرد الغبن، وإن قل، والأولى أن يقيد بما يخرج عن العادة. وقال أصحاب مالك: إنما نهى عن تلقي الركبان، لما يفوت به من الرفق بأهل السوق، لئلا ينقطع عنهم ما له جلسوا من ابتغاء فضل الله. قال ابن القاسم: فإن تلقاها متلقٍ فاشتراها، عرضت على أهل السوق فيشتركون فيها. وقال الليث: تباع في السوق؛ وهذا مخالف لمدلول الحديث، فـ"إنه ﷺ جعل الخيار للبائع إذا هبط السوق"، ولم يجعلوا له خياراً، وجعْله الخيار له يدل على أن النهي عن التلقي لحقه. فإن تلقاهم فباعهم شيئاً فهو كمن اشترى منهم. وهذا أحد الوجهين للشافعية. وقالوا في الآخر: النهي عن الشراء دون البيع فلا يدخل. ولنا: قوله ﷺ : " لا تلقوا الركبان"، ١ والبائع داخل فيه. فإن خرج لغير قصد التلقي، فقال القاضي: لا يجوز الابتياع منهم ولا الشراء، ويحتمل أن لا يحرم ذلك، وهو قول الليث، لأنه لم يتناوله النهي. (الثانية) : النجش وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ليغر المشتري. فإن اشترى معه، فالشراء صحيح في قول أكثر العلماء، وعنه: أنه باطل، وهو قول مالك للنهي. ولنا: أن النهي عاد إلى الناجش، لا إلى العاقد، ولأن النهي لحق آدمي كبيع المدلس، وفارق ما كان لحق الله تعالى؛ فإن حق الآدمي يمكن جبره بالخيار وزيادة في الثمن. لكن إن كان فيه غبن لم تجر العادة بمثله، فله الخيار. وقال أصحاب الشافعي: إن لم يكن ذلك يعلم من البائع، فلا خيار. واختلفوا فيما إذا كان بمواطأة منه، فقال بعضهم: لا خيار. ولنا: أنه تغرير بالعاقد، فإذا غبن ثبت له الخيار، كما في تلقي الركبان.

стр. 463

ولو قال: أُعطيت بهذه السلعة ما لم يُعط، فصدقه ثم كان كاذباً، فله الخيار، لأنه في معنى النجش. (الثالثة) : المسترسل إذا غبن الغبن المذكور، ثبت له الخيار، وبه قال مالك. وقيل: لا فسخ له، وهو مذهب الشافعي. ولنا: أنه غبن حصل لجهله، فأثبت له الخيار، كالغبن في تلقي الركبان. وإذا وقع البيع على غير معيّن، كقفيز من صبرة، فظاهر قول الخرقي أنه يلزم بالتفرق. وقال القاضي في موضع ما يدل على أنه لا يلزم إلا بالقبض، لأنه لا يملك بيعه ولا التصرف فيه، ولأنه لو تلف فهو من ضمان البائع. ووجه اللزوم: قوله ﷺ : "وإن تفرّقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع". ١ وما ذكرناه للقول الآخر ينتقض بالموصوف والسلم، فإنه لازم مع ما ذكرناه. (الرابع: خيار التدليس) بما يزيد به الثمن، كتصرية اللبن في الضرع، وتحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها، وذلك حرام، لقوله: "مَن غشنا فليس منا"، ٢ وقوله: " لا تصرّوا الإبل". ٣ فمن اشترى مصرّاة فله الخيار، في قول عامة أهل العلم. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا خيار له، لأنه ليس بعيب، كما لو علفها فانتفخ بطنها فظن المشتري أنها حامل؛ وهذا قياس يخالف النص، واتباع قول النبي ﷺ أولى، ولأنه تدليس يختلف به الثمن، فوجب به الرد، كالشمطاء إذا سوّد شعرها؛ وبه يبطل قياسهم، فإن بياضه ليس بعيب كالكبر، وانتفاخ البطن قد يكون لغير الحمل. وإن علم بالتصرية، فلا خيار. وقال أصحاب الشافعي: يثبت له في وجه، للخبر، فإن حصل هذا من غير تدليس، مثل إن اجتمع اللبن من غير قصد، أو احمر وجهها لخجل أو تعب، فقال القاضي: له الرد أيضاً لدفع الضرر، أشبه العيب، ويحتمل أن'

стр. 464

لا يثبت الخيار لحمرة الوجه بخجل أو تعب. وإن أراد إمساك المدلس مع الأرش، لم يكن له ذلك، "لأن النبي ﷺ لم يجعل له في المصراة أرشاً، بل خيّره بين الإمساك والرد مع صاع تمر". وإن تصرف في المبيع بعد علمه بالتدليس، بطل رده كالمعيب. ويرد مع المصراة عوض اللبن صاعاً من تمر، فإن لم يجده فقيمته في موضعه، سواء كان ناقة أو بقرة أو شاة. وذهب مالك إلى أن الواجب صاع من قوت البلد، لأن في بعض الألفاظ: "رد معها صاعاً من طعام"، وفي بعضها: "رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً"، فجمع بين الأحاديث وجعل نصه على التمر، لأنه غالب قوت المدينة، وعلى القمح لأنه غالب قوت بلد آخر. وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن لأنه ضمان متلف. ولنا: الحديث الصحيح، ولمسلم: "ردها وردّ صاعا من تمر، لا سمرا" ١ يعني: لا يرد قمحاً؛ والمراد بالطعام في الحديث التمر، لأنه مقيد في الآخر في قضية واحدة، والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد. وحديث ابن عمر يعني: الذي فيه ذكر القمح في رواية جميع بن عمير، قال ابن حبان: كان يضع الحديث. وقياس أبي يوسف مخالف للنص فلا يقبل. ولا يبعد أن يقدر الشارع بدل هذا المتلف قطعاً للتنازع، كما قدّر دية الآدمي ودية أطرافه. ولا فرق بين الناقة والبقرة والشاة. وأبو داود لا يثبت بتصرية البقر، لأن الحديث: "لا تصرّوا الإبل والغنم"، ٢ والقياس لا تثبت به الأحكام. ولنا: عموم قوله: "من اشترى مصرّاة"، ٣ "ومن ابتاع محفلة"، ٤ والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر، لأن لبنها أكثر وأنفع، فثبت بالتنبيه، وهو حجة عند الجميع. وإذا اشترى مصراتين أو أكثر في عقد واحد، رد مع كل واحدة صاعاً، وقال بعض المالكية: في الجميع صاع، لأن النبي ﷺ قال:

стр. 465

"من اشترى غنماً مصرّاة فاحتلبها، فإن شاء أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع". ١ ولنا: قوله: "من اشترى مصرّاة". ٢ وأما الحديث فالضمير فيه يعود إلى الواحدة؛ فإن كان اللبن بحاله لم يتغير رده وأجزأه، ويحتمل أن لا يجزئه إلا التمر، لظاهر الخبر، ولأن الضرع أحفظ له. ولو اشترى شاة غير مصراة فاحتلبها، ثم وجد بها عيباً، فله الرد. فإن لم يكن في ضرعها شيء في حال العقد، فلا شيء عليه، لأن اللبن الحادث في ملكه. وإن كان يسيراً لا يخلو الضرع من مثله، فلا شيء عليه. وإن كان كثيراً وكان قائما بحاله، ابتنى رده على رد لبن المصراة للنص. فإن قلنا يردّه، رد مثل اللبن، لأنه من المثليات، والأصل ضمانها بمثلها، لأنه خولف في المصراة. وإذا علم بالتصرية قبل الحلب، فله ردها ولا شيء معها، لأن التمر بدل اللبن. قال ابن عبد البر: وهذا مما لا خلاف فيه. ومتى علم التصرية فله الرد، وقال القاضي: ليس له ردها إلا بعد ثلاث، ليس له الرد قبل مضيها ولا إمساكها بعدها، لقوله: "فهو بالخيار ثلاثة أيام". ٣ رواه مسلم؛ قالوا: قدّرها الشارع لمعرفة التصرية، فإنها لا تعرف قبل مضيها. وقال أبو الخطاب: متى ثبتت التصرية جاز له الرد قبل الثلاث وبعدها، لأنه تدليس. فعلى هذا، فائدة التقدير بالثلاث، لأن الظاهر لا يحصل العلم إلا بها، فإن حصل بها أو لم يحصل، فالاعتبار به دونها. وظاهر قول ابن أبي موسى أنه متى علم بالتصرية ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة إلى تمامها، وهو قول ابن المنذر، وحكي عن الشافعي، لظاهر الحديث؛ فإنه يقتضي ثبوت الخيار في الأيام الثلاثة. وقال القاضي: لا يثبت في شيء منها، وقول أبي الخطاب يسوي بينها وبين غيرها، والعمل بالخبر أولى. ولا يحل للبائع تدليس سلعته ولا كتمان عيبها، فإن فعل فالبيع صحيح في قول الأكثر، منهم

стр. 466

مالك وأبو حنيفة والشافعي، بدليل حديث التصرية. وقال أبو بكر: إن دلس فالبيع باطل، لأن النهي يقتضي الفساد، قيل له: ما تقول في التصرية؟ فلم يذكر جواباً. (الخامس: خيار العيب) . والعيوب: النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم في الجارية تشترى ولها زوج، أنه عيب. والثيوبة ليست بعيب، لأنها الغالب على الجواري، فالإطلاق لا يقتضي خلافها. والعسر ليس بعيب، وكان شريح يرد به. فمن اشترى معيباً لا يعلم عيبه فله الخيار بين الرد، والإمساك مع الأرش. ومن اشترى ما يعلم عيبه أو مدلساً أو مصراة وهو عالم، فلا خيار له، لا نعلم فيه خلافاً. فإن اختار إمساك المعيب وأخذ الأرش فله ذلك. وقال الشافعي: ليس إلا الإمساك، أو الرد، إلا أن يتعذر رد المبيع، روي ذلك عن أحمد، "لأنه ﷺ جعل في المصراة الخيار من غير أرش"، ولنا: أنه ظهر على عيب لم يعلم به، فكان له الأرش، كما لو تعيب عنده. وما كسب فهو للمشتري، وكذلك نماؤه المنفصل، وعنه: لا يرده إلا مع نمائه. والزيادة المنفصلة نوعان: أحدهما: أن يكون من غير المبيع كالكسب والأجرة. وما يوهب له فهو للمشتري، في مقابلة ضمانه، لا نعلم فيه خلافاً. الثاني: أن يكون منه كالولد والثمرة، فهو للمشتري أيضاً، وبه قال الشافعي، لأن الولد إن كان لآدمية لم يملك ردها دونه، وعنه: ليس له رده دون نمائه، قياساً على النماء المتصل. وقال مالك: إن كان النماء ثمرة لم يردها، وإن كان ولداً رده معها. وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع الرد. "ووطء الثيب لا يمنع الرد"، روي عن زيد بن ثابت، وبه قال مالك والشافعي. وعنه: "يُمنع"،

стр. 467

روي ذلك عن علي، لأن الوطء كالجناية، لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال. وقال شريح وابن المسيب: يردها ومعها أرش، واختلفوا فيه. ولو اشتراها مزوّجة فوطئها الزوج، لم يمنع الرد، بغير خلاف نعلمه. وإن وطئ البكر أو تعيبت عنده فله الأرش. وعنه: أنه مخير بين الأرش وبين الرد، وأرش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن. وكذلك كل مبيع كان معيباً، ثم حدث به عيب عند المشتري، قبل علمه بالأول، ففيه روايتان: إحداهما: ليس له الرد، وله أرش العيب القديم، روي عن ابن سيرين والزهري والشعبي. والثانية: له الرد، ويرد أرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن. وإن شاء أمسكه وله الأرش. وقال الحكم: يرده ولم يذكر معه شيئاً. ولنا: حديث المصراة، فإنه ﷺ أمر بردّها بعد حلبها، ورد عوض لبنها، ولأنه روي عن عثمان: "أنه قضى في الثوب إذا كان به عوار، يردّه وإن كان قد لبسه". ولو اشترى أمة فحملت عنده، ثم أصاب بها عيباً، فالحمل عيب، لأنه يمنع الوطء. فإن ولدت، فالولد للمشتري، وليس له ردها دون ولدها، لما فيه من التفريق. وقال الشريف وأبو الخطاب: له ردها دون ولدها، لأنه موضع حاجة، أشبه ما لو ولدت حراً، فإنه يجوز بيعها دونه. ولنا: قوله ﷺ : "من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" ١، ولأنه أمكن رفع الضرر بأخذ الأرش، ويردّ ولدها معها، أما الحر فلا سبيل إلى بيعه بحال. وإذا تعيّب المبيع في يد البائع بعد العقد، وكان المبيع من ضمانه، فهو كالعيب القديم. وإن كان من ضمان المشتري، فهو كالحادث بعد القبض، فأما الحادث بعض القبض فهو من ضمان المشتري. وقال مالك: عهدة الرقيق ثلاثة أيام، لأنه إجماع أهل المدينة، لحديث عقبة بن عامر مرفوعاً: "عهدة

стр. 468

الرقيق ثلاثة أيام". ١ ولنا: أنه عيب كسائر العيوب. وحديثهم لا يثبت، قال أحمد: ليس في العهدة حديث صحيح. قال ابن المنذر: لا يثبت في العهدة حديث. مسألة التدليس حرام، فمتى فعله البائع فلم يعلم به المشتري حتى تعيب في يده، فله رده وأخذ ثمنه كاملاً ولا أرش عليه، سواء كان بفعل المشتري كوطء البكر وقطع الثوب، أو بفعل آدمي آخر مثل أن يجنى عليه، أو بفعل الله. وسواء كان ناقصاً للمبيع أو مُذهبا لجملته، قال أحمد في رجل اشترى عبداً فأبق، وأقام بينة أن إباقه كان موجوداً في يد البائع: يرجع على البائع بجميع الثمن، لأنه غر المشتري، ويتبع البائع عبده حيث كان. قال شيخنا: ويحتمل أن يلزمه عوض العين إذا تلفت، وأرش البكر إذا وطئها، لقوله ﵇: "الخراج بالضمان"، ٢ وكما يلزم عوض لبن المصراة على المشتري، ولأن وجوب الضمان على البائع لا يثبت إلا بنص أو إجماع، ولا نعلم لهذا أصلاً، ولا يشبه التغرير، لأنه يرجع على من غره ههنا. ولو كان التدليس من وكيل البائع، لم يرجع عليه بشيء، نص عليه. وإذا زال ملك المشتري عن المبيع بعتق أو موت أو وقف، أو تعذر الرد قبل علمه بالعيب، فله الأرش، وبه قال مالك والشافعي، وكذا إن باعه غير عالم بعيبه، قال ابن المنذر: كان الحسن وشريح وعبد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون: إن اشترى سلعة فعرضها على البيع بعد علمه بالعيب، بطل خياره؛ وهذا قول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً. قيل لأحمد: هؤلاء يقولون: إذا اشترى عبداً فوجده معيباً فاستخدمه بأن يقول: ناولني هذا الثوب، بطل خياره، فأنكر ذلك وقال: من قال هذا؟ أو من أين أخذوا هذا؟

стр. 469

ليس هذا برضى حتى يكون الشيء بيِّن ويطول. وإذا أعتق العبد، ثم علم به عيباً فأخذ أرشه فهو له، وعنه: يجعله في الرقا. وكلامه في هذه الرواية يحمل على الاستحباب. وإن صبغه أو نسجه فله الأرش ولا رد، وعنه: يرده ويأخذ زيادته بالصبغ. وقال الشافعي: ليس له إلا رده. ولنا: أنه لا يمكنه رده إلا بشيء من ماله، فلم يسقط حقه من الأرش بامتناعه من رده. وإن اشترى ما مأكوله في جوفه، فكسره فوجده فاسداً، فإن لم يكن له مكسوراً قيمة كبيض دجاج، رجع بالثمن كله؛ وإن كان له قيمة كبيض نعام، خُيّر بين أخذ أرشه وبين رده. وعنه: لا يرجع على البائع بشيء في هذا كله، وهو مذهب مالك، لأنه ليس من البائع تدليس ولا تفريط، فجرى مجرى البراءة. ووجه الأولى: أن العقد اقتضى السلامة من عيب لم يطلع عليه المشتري، وكونه لم يفرط لا يقتضي إيجاب ثمن ما لم يسلمه كالعيب الذي لم يعلمه في العبد، ووجه رد الأرش أنه نقص لم يمنع الرد، فلزم رد أرشه كلبن المصراة والبكر إذا وطئها. وهذا يبطل قول من قال: لا أرش عليه، لأنه حصل بطريق استلام والبائع سلطه عليه، بل هنا أولى لأنه تدليس، والتصرية تدليس. وإن كسره كسراً لا يبقى معه قيمة، فله الأرش لا غير، لأنه أتلفه. ومن علم العيب وأخر الرد، لم يبطل خياره، إلا أن يوجد منه ما يدل على الرضى، من التصرف ونحوه. وعنه: أنه على الفور، ولا يفتقر الرد إلى رضى ولا حضور قبل القبض ولا بعده. وقال أبو حنيفة: إن كان بعده افتقر إلى رضى صاحبه. ولنا: أنه رفع عقد من مستحق له كالطلاق. وإن اشترى اثنان شيئاً، وشرطا الخيار، أو وجداه معيباً فرضي أحدهما، ففيها روايتان: إحداهما: لمن لم يرض الفسخ، وبه قال الشافعي، وإحدى الروايتين

стр. 470

عن مالك. والأخرى: لا يجوز له رده مشتركاً ناقصاً كما لو تعيب عنده. ولنا: أنه إنما باع كل واحد نصفها، فخرجت من ملك البائع مشقصة، بخلاف العيب الحادث. وإن ورثا خيار عيب فرضي أحدهما، سقط حق الآخر، لأنه لو رد وحده تشقصت السلعة. وإن اشترى من اثنين شيئاً فوجده معيباً، رده عليهما، فإن غاب أحدهما، رد على الحاضر حصته وبقي نصيب الآخر في يده حتى يقدم. وإن كان أحدهما باع العين بوكالة الآخر، فالحكم كذلك، نص أحمد على نحو من هذا. وإن اشترى حلي فضة بوزنه دراهم فوجده معيبا، فله رده ولا أرش، لإفضائه إلى التفاضل. فإن حدث به عيب عند المشتري فعلى إحدى الروايتين: يرده وأرش العيب الحادث، ويأخذ ثمنه. وقال القاضي: لا رد، لإفضائه إلى التفاضل، ولا يصح لأن الرد فسخ العقد، والأرش عوض عن العيب الحادث، كما لو جنى عليه في ملك صاحبه. وعلى الرواية الأخرى: يفسخ الحاكم البيع، ويرد البائع الثمن، ويطالب بقيمة الحلي، لأنه لا يمكن إهمال العيب ولا أخذ الأرش. واختار شيخنا أن الحاكم إذا فسخ وجب رد الحلي وأرش نقصه، وليس فيه تفاضل، وإنما الأرش بمنزلة الجناية عليه. وإن اشترى معيبين صفقة، فليس له إلا ردهما أو إمساكهما، ولا أرش، وعنه: له رد أحدهما بقسطه، لأن المانع من الرد تشقيص المبيع على البائع، وهو موجود فيما إذا كان أحدهما صحيحاً؛ فإن تلف فله رد الباقي بقسطه، وهذا قول الأوزاعي وإسحاق. والثانية: ليس له إلا الأرش مع إمساك الباقي، وهو ظاهر قول الشافعي. والقول في قيمة التالف قول المشتري مع يمينه، لأنه منكر لما يدعيه البائع من الزيادة، ولأنه بمنزلة الغارم، كالمستعير والغاصب. وإن كان أحدهما معيباً فله رده بقسطه،

стр. 471

وعنه: ليس له إلا ردهما أو إمساكهما. فإن كان مما ينقصه التفريق كمصراعي باب، أو من لا يجوز كجارية وولدها، فليس له رد أحدهما. وإن اختلفا في حدوث العيب، فروايتان: إحداهما: قول المشتري، فيحلف أنه اشتراه وبه هذا، لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق ما يقابله. والثانية: قول البائع مع يمينه على البت، لأن الأيمان كلها على البت، إلا على النفي في فعل الغير؛ وعنه: أنها على نفي العلم. والرواية الثانية: مذهب الشافعي، لأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد، ولأن المشتري يدعي استحقاق الفسخ والبائع ينكره. وإذا باع الوكيل ثم ظهر على عيب، رده على الموكل، فإن أقر به الوكيل وأنكره الموكل، فقيل: يقبل إقراره على موكله لخيار الشرط، وقال أصحاب أبي حنيفة والشافعي: لا يقبل إقراره على الموكل، وهو أصح، لأنه إقرار على الغير، وفارق خيار الشرط من حيث أن الموكل يعلم صفة سلعته ولا يعلم صفة العقد؛ فعليها، لا يملك الوكيل رده على الموكل. فإن ردت على الموكل بعيب، فأنكر البائع السلعة، فقوله مع يمينه، ونحوه قول الأوزاعي، فإنه قال فيمن صرف دراهم فقال الصيرفي: ليس هذا درهمي: يحلف الصيرفي بالله: لقد وفيتك، ويبرأ. فإن رد بخيار فأنكرها البائع، فحكى ابن المنذر عن أحمد: أن القول قول المشتري، وهو قول الثوري وإسحاق، لأنهما اتفقا على استحقاق الفسخ. وإن باع عبداً يلزمه عقوبة، وعلم المشتري، فلا شيء له. وإن علم بعد البيع، فله الرد أو الأرش. فإن لم يعلم حتى قتل، فله الأرش. وقال الشافعي: يرجع بالثمن، لأن تلفه لمعنى استحق عند البائع، فجرى مجرى إتلافه. وإن كانت الجناية موجبة للمال أو القود، فعفى عنه إلى مال، فعلى السيد. وإن كان معسراً، ففي رقبة الجاني مقدماً على المشتري، وللمشتري الخيار إن لم يكن عالماً.

стр. 472

(السادس: خيار يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة) ، ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال، ولا يثبت فيها الخيار إذا أخبره بزيادة في الثمن أو نحو ذلك. والتولية: الببع برأس المال، قال أحمد: لا بأس ببيع الرقم، والرقم: الثمن المكتوب عليه إذا كان معلوماً. وكره طاووس بيع الرقم. وإذا اشترى شيئاً فقال لغيره: أشركتك، انصرف إلى النصف. فإن اشترى اثنان فقالا لثالث: أشركناك، احتمل أن يكون له النصف، ويحتمل أن يكون له الثلث، لأن الاشتراك يفيد التساوي. وإن أشركه كل واحد منهما منفرداً كان له النصف، ولكل واحد منهما الربع. وإن قال: أشركاني، فأشركه أحدهما، فعلى الوجه الأول: له نصف حصة الذي أشركه، وعلى الآخر له السدس، لأن طلب الشركة بينهما يقتضي طلب ثلث ما في يد كل واحد منهما. وإن قال أحدهما: أشركناك، ابتنى على تصرف الفضولي. والمرابحة: أن يبيعه بربح فيقول: بعتك بربح عشرة. وإن قال: علي أن أربح في كل عشرة درهماً أوده يازده، فرويت كراهته عن ابن عمر وابن عباس. وقال إسحاق: لا يجوز، لأن الثمن مجهول حال العقد، فلم يجز. ورخص فيه ابن المسيب وغيره. ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه، ولأن فيه نوعاً من الجهالة؛ وهذا كراهة تنزيه، والجهالة يمكن إزالتها بالحساب، كبيع الصبرة كل قفيز بدرهم. والمواضعة: أن يقول: بعتك بها، ووضيعة درهم من كل عشرة. فإن باعه مرابحة، مثل أن يخبر أن ثمنها مائة ويربح عشرة، ثم علم ببينة أو إقرار أن ثمنها تسعون، فالبيع صحيح ويرجع بما زاد على الثمن، وهو عشرة وحظها من الربح وهو درهم؛ وبهذا قال الثوري وأحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة:

стр. 473

يخير بين الأخذ بكل الثمن، أو يترك قياسا على المبيع المعيب، والفرق بينهما أن المعيب لم يرض به إلا بالثمن المذكور، وهنا رضي برأس المال والربع المقرر. والمنصوص عن أحمد: أن المشتري يخير بين الأخذ برأس المال وحصته، وبين الفسخ، لأنه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن، لكونه حالفاً أو وكيلاً أو غير ذلك. وظاهر كلام الخرقي: أنه لا خيار له، وأما البائع فلا خيار له. وإن قال: رأس مالي مائة وأربح عشرة، ثم قال: غلطت، رأس مالي مائة وعشرة، لم يقبل إلا ببينة تشهد أن رأس ماله ما قاله. ثانياً: ذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وروى أبو طالب عن أحمد: إذا كان البائع معروفاً بالصدق قبل قوله، فإن لم يكن صدوقاً جاز البيع. وقال القاضي: ظاهر كلام الخرقي: أن القول قول البائع مع يمينه، لأنه أمين، والصحيح الأول؛ وكونه مؤتمناً لا يوجب قبول دعواه في الغلط، كالمضارب إذا أقر بربح ثم قال: غلطت. وعنه: لا يقبل قوله ولو أقام بينة حتى يصدّقه المشتري، وهو قول الشافعي، لأنه أقر بالثمن، وإن أقام بينة لإقراره بكذبها. ولنا: أنها بينة فتقبل كسائر البينات، وإقراره حال الإخبار لم يكن عليه حق لغيره، فلم يكن إقراراً. ومتى اشتراه بثمن مؤجل، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، ولم يبين ذلك، فللمشتري الخيار. وحكي عن أحمد: إن كان المبيع قائماً، خُير بين أخذه بالثمن مؤجلاً وبين الفسخ. وإن كان قد استهلك، حبس الثمن بقدر الأجل، وهو قول شريح. وإن اشترى شيئين صفقة واحدة، وأراد بيع أحدهما مرابحة، أو اشترى اثنان شيئاً فتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة، فإن كان من المتقومات التي لا ينقسم عليها الثمن بالأجزاء كالثياب، لم يجز حتى يبين الحال، وهذا مذهب الثوري وإسحاق.

стр. 474

وقال الشافعي: يجوز كما لو كان المبيع شقصاً وسيفاً، فإن الشفيع يأخذ الشقص بحصته. ولنا: أن قسمة الثمن طريقه الظن، والخطأ فيه كثير، وبيع المرابحة أمانة، فلم يجز فيه؛ فهو كالخرص لا يباع به ما يجب التماثل فيه. وأما الشفيع، فلنا فيه منع، وإن سلم فللحاجة، لأنه يتخذ طريقاً إلى إسقاط الشفعة. فإن باع فللمشتري الخيار. وإن كان من المتماثلات كالبر المتساوي، جاز ذلك، لا نعلم فيه خلافاً. وإن أسلم في ثوبين بصفة واحدة، فأخذهما على الصفة، فله بيع أحدهما مرابحة بحصته. وإن حصل في أحدهما زيادة على الصفة، جرت مجرى الحادث بعد البيع على ما نذكره. وإن حط عنه بعض الثمن، أخبر به، لا نعلم فيه خلافاً. وإن تغير سعرها، فإن غلت لم يلزمه الإخبار، وإن رخصت فكذلك، لأنه صادق، نص عليه. ويحتمل أن يلزمه الإخبار وما يؤخذ أرشاً لعيب، فذكر القاضي أنه يخبر به. وقال أبو الخطاب: يحط أرش العيب من الثمن، ويخبر بالباقي. وإن اشترى ثوباً بعشرة، وقصره بعشرة، أخبر بذلك على وجهه، فإن قال يحصل بعشرين فهل يجوز؟ على وجهين. وإن أخذ النماء المنفصل، أو استخدم الأمة، أو وطئ الثيب، أخبر برأس المال. وروي عن أحمد أنه يبين ذلك كله. وإن عمل فيها عملاً أخبر به، ولا يقول تحصل بكذا عليّ، وبه قال الحسن وابن سيرين وابن المسيب وغيرهم. وفيه وجه: أنه يجوز أن يضم الأجرة إلى الثمن، ويقول تحصلت عليّ بكذا، لأنه صادق، وبه قال الشعبي والشافعي. وإن اشتراه بعشرة، ثم باعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة، أخبر به على وجه. وإن قال: اشتريته بعشرة جاز. وقال أصحابنا: يحط الربح من الثمن الثاني، ويخبر أنه اشتراه بخمسة عشر، روي عن ابن سيرين.

стр. 475

وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا أن يبين أمره، أو يخبر أن رأس ماله عليه خمسة. وإن ابتاع اثنان ثوباً بعشرين، ثم بذل لهما فيه اثنان وعشرون، فاشترى أحدهما نصيب صاحبه بذلك السعر، فإنه يخبر بأحد وعشرين، نص عليه؛ وهذا قول النخعي. وقال الشعبي: يبيعه على اثنين وعشرين، لأن ذلك الدرهم الذي أعطيه قد أحرزه. ثم رجع إلى قول النخعي بعد ذلك، ولا نعلم أحداً خالفه. قال أحمد: المساومة عندي أسهل من بيع المرابحة، لأنه يعتريه أمانة واسترسال من المشتري. (السابع: خيار يثبت لاختلاف المتبايعين) . فمتى اختلفا في قدر الثمن تحالفا، فيبدأ بيمين البائع فيحلف: ما بعت بكذا، وإنما بعته بكذا. ثم يحلف المشتري: ما اشتريت بكذا، وإنما اشتريته بكذا؛ وبه قال شريح والشافعي ورواية عن مالك، وله رواية أخرى: القول قول المشتري مع يمينه، وبه قال أبو ثور، لأن البائع يدعي ما ينكر المشتري. وقال الشعبي: القول قول البائع أو يترادّان البيع، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، لما روى ابن مسعود، مرفوعاً: "إذا اختلف البيّعان وليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع". ١ رواه ابن ماجة؛ والمشهور الأول. ويحتمل أن معنى القولين واحد، وأن القول قول البائع مع يمينه. فإذا حلف فرضي المشتري، أخذ به. وإن أبى حلف أيضاً، وفسخ البيع، لأن في بعض ألفاظه: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما، تحالفا"، ولأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعَى عليه، لأن المشتري يدعي عقداً بعشرة ينكره البائع، وهذا الجواب عما ذكروه. وقال أبو حنيفة: يبدأ بيمين المشتري، لأنه منكر، ولأنه يقضي بنكوله. ولنا: قوله: "فالقول ما قال البائع، أو يترادّان البيع"، ٢ وفي لفظ: "فالقول قول البائع،

стр. 476

والمشتري بالخيار". ١ رواه أحمد، ومعناه: إن شاء أخذ وإن شاء حلف، ولأن البائع أقوى جنبه، لأنهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه كصاحب اليد، والبائع إذا حلف فهو بمنزلة نكول المشتري، فهما سواء. وإذا تحالفا فرضي أحدهما بقول صاحبه، أقرّ العقد، وإلا فلكل واحد منهما الفسخ. ويحتمل أن يقف الفسخ على الحاكم، وهو ظاهر مذهب الشافعي، لأن أحدهما ظالم، ويتعذر إمضاء العقد في الحكم، كنكاح من زوّجها وليان وجهل السابق. ولنا: قوله: "أو يترادان البيع"، وروي: "أن ابن مسعود باع الأشعث رقيقاً من رقيق الإمارة، فقال: بعتك بعشرين ألفاً، وقال الأشعث: شريت منك بعشرة. فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة، والمبيع قائم بعينه، فالقول قول البائع، أو يترادان البيع. قال: فإني أرد البيع". ٢ رواه سعيد. وروي أيضاً عن عبد الملك بن عبدة، مرفوعاً: "إذا اختلف المتبايعان، استحلف البائع، ثم كان للمشتري الخيار: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك". ٣ وهذا ظاهر أنه يفسخ من غير حاكم، ولا يشبه النكاح، لأن لكل واحد من الزوجين الاستقلال بالطلاق. وإن كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها. وإن اختلفا في صفتها، فالقول قول المشتري مع يمينه. وعنه: لا يتحالفان إذا كانت تالفة، والقول قول المشتري مع يمينه؛ وهو قول أبي حنيفة لمفهوم قوله: والسلعة قائمة، ولأنهما اتفقا في نقل السلعة إلى المشتري واستحقاق عشرة، واختلفا في عشرة؛ وتركنا هذا القياس حال قيامها للحديث. ووجه الأولى: عموم قوله: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع، والمشتري بالخيار". قال أحمد ولم يقل فيه: والمبيع قائم إلا يزيد بن هارون، قال أبو عبد الله: وقد أخطأ، رواه الخلق عن المسعودي ولم يقولوا هذه الكلمة.

стр. 477

وقولهم: تركناه للحديث، قلنا: لم يثبت في الحديث: تحالفا. قال ابن المنذر ليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه، وإذا خولف الأصل لمعنى، وجب تعدية الحكم بتعدي المعنى؛ بل يثبت الحكم بالبينة بأن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة، مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها، فمع تعذره أولى. فإذا تحالفا، فإن رضي أحدهما بما قال الآخر لم يفسخ لعدم الحاجة، وإلا فلكل واحد منهما فسخه، ويرد المشتري قيمتها إلى البائع؛ وينبغي أن لا يشرع التحالف ولا الفسخ إذا كانت القيم متساوية الثمن، ويكون القول قول المشتري مع يمينه، لأنه لا فائدة فيه. وإن كانت القيمة أقل، فلا فائدة للبائع في الفسخ؛ فيحتمل أن لا يشرع له اليمين ولا الفسخ، ويحتمل أن يشرع لتحصيل الفائدة للمشتري. فإن اختلفا في الصفة، فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم، وإن تقايلا المبيع، أو رد بعيب بعد قبض الثمن، ثم اختلفا في قدره، فقول بائع لأنه منكر. وإن اختلفا في صفة الثمن تحالفا، إلا أن يكون للبلد نقد معلوم فيرجع إليه. وإن كان في البلد نقود رجع إلى أوسطها، نص عليه، وعلى مدعي ذلك اليمين. وإن لم يكن في البلد إلا نقدان، تحالفا كما لو اختلفا في قدره. وإن اختلفا في أجل أو شرط، فقول من ينفيه؛ وهو قول أبي حنيفة، لأن الأصل عدمه. والرواية الثانية: يتحالفان، وهو قول الشافعي. وإن اختلفا في ما يفسد العقد، فقول مدعي الصحة مع يمينه. وإن قال: بعتك وأنا صبي، فالقول قول المشتري، نص عليه؛ وهو قول الثوري وإسحاق، لأنهما اتفقا على العقد واختلفا فيما يفسده. وإن قال: بعتني هذين، فقال: أحدهما، فقول بائع. وإن قال البائع: بعتك هذا العبد بألف، فقال: بل هو والعبد الآخر بألف، فقول بائع؛ وهو قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: يتحالفان كما لو اختلفا في الثمن، وهذا

стр. 478

أقيس. وإن قال: بعتني هذا، فقال: بل هذا، حلف كل واحد منهما على ما أنكره، ولم يثبت بيع واحد منهما، لأن كل واحد منهما يدعي عقداً على عين ينكرها المدعى عليه. فإذا حلف: ما بعتك هذه الجارية، أُقرت في يده، وإن كان المدعي قبضها رُدت. وأما العبد فإن كان في يد البائع أُقر في يده، ولم يكن للمشتري طلبه، لأنه لا يدعيه، وعلى البائع رد الثمن. وإن كان في يد المشتري ردَّه، لأنه يعترف أنه لم يشتره، وليس للبائع طلبه إذا بذل ثمنه، لاعترافه ببيعه، وإلا فله استرجاعه. وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه، ثبت العقدان لأنهما لا يتنافيان. وإن قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: حتى أقبض المبيع، وكان الثمن عيناً أو عرضاً، جعلا بينهما عدلاً يقبض ويسلّم إليهما. وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على التسليم [أولاً، وقال أبو حنيفة ومالك: يجبر المشتري على تسليم الثمن] ، ١ لأن للبائع حبس المبيع عليه. وإن كان ديْناً، أجبر البائع على التسليم، ثم المشتري على تسليم الثمن. وقال مالك وأبو حنيفة: يجبر المشتري أولاً، كالتي قبلها. وإذا سلمه البائع، وكان المشتري موسراً، أُجبر على تسليم الثمن إن كان حاضراً. وإن كان الثمن غائباً في مسافة القصر، أو كان المشتري معسراً، فللبائع الفسخ، كالمفلس. وإن كان غائباً قريباً، فللبائع الفسخ في أحد الوجهين. والثاني: لا. فإن هرب المشتري وهو معسر، فاللبائع الفسخ. وإن كان موسراً، أثبت البائع ذلك عند الحاكم، ثم إن وجد له الحاكم مالاً قضاه، وإلا باع المبيع وقضى ثمنه منه. وقال شيخنا: ويقوى عندي: أن للبائع الفسخ بكل حال، لأنا أبحنا له الفسخ مع حضوره إذا كان الثمن بعيداً. وليس للبائع الامتناع من التسليم بعد قبض الثمن، لأجل الاستبراء، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك في القبيحة، وقال في الجميلة: يضعها على يدي عدل حتى تستبرأ.

стр. 479

(فصل) : ومن اشترى مكيلاً أو موزوناً، لم يجز بيعه حتى يقبضه. وإن تلف قبله، فمن مال بائع، إلا أن يتلفه آدمي فيخير المشتري بين الفسخ ومطالبة المتلف، وسواء كان متعيّناً كالصبرة أو غير متعيّن كقفيز منها. وروي عن عثمان وابن المسيب وغيرهما: "أن ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز بيعه قبل قبضه، وما ليس بمكيل ولا موزون فيجوز بيعه قبل قبضه". وقال القاضي وأصحابه: المراد بذلك: ما ليس بمتعيّن، ونقل عن أحمد نحو ذلك، فإنه قال في رجل اشترى طعاماً وطلب من يحمله، فرجع وقد احترق، فمن مال المشتري. وذكر الجوزجاني فيمن اشترى ما في السفينة صبرة ولم يسم كيلاً، فلا بأس أن يشرك فيها ويبيع ما شاء، إلا أن يكون بينهما كيلاً ونحوه؛ قال مالك وأبو حنيفة: ووجه قول ابن عمر: "مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً، فهذا من مال المبتاع". رواه البخاري. ونقل عن أحمد: المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه، سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو لم يكن؛ فعليها، يختص ذلك بالمطعوم. قال الترمذي: روي عنه: أنه أرخص في بيع ما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب، قبل قبضه. قال الأثرم: سألته عن قوله: نهى عن ربح ما لم يضمن؟ قال: هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول أو مشروب، فلا يبيعه حتى يقبضه. قال ابن عبد البر: الأصح عن أحمد: أن الذي يمنع منه: الطعام، "لأنه ﷺ نهى عن بيعه قبل قبضه"، فمفهومه: إباحة بيع ما سواه. وروى ابن عمر قال: "رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يأووا إلى رحالهم"، ١ وهذا نص في بيع المعيّن، وعموم قولهم: من ابتاع طعاماً ... إلخ، متفق عليهما؛ وهذا يدل على تعميم المنع في كل طعام، مع نصه على البيع مجازفة بالمنع، وهو خلاف قول القاضي. وكل ما لا يدخل في ضمان المشتري

стр. 480

إلا بقبضه، لا يجوز بيعه حتى يقبضه، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما حكي عن البتي: أنه لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه. قال ابن عبد البر: وهذا مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه الحديث؛ ومثل هذا لا يلتفت إليه. والبيع بصفة أو رؤية متقدمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع. وإن تعيّب في يد البائع أو تلف بعضه بآفة سماوية، خُيّر المشتري بين أخذه ناقصاً وبين الفسخ. وما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه، في أظهر الروايتين، وقال الشافعي: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه. ولنا: على جواز التصرف فيه قبل قبضه ما روى ابن عمر قال: "كنا نبيع الإبل في البقيع بالدراهم، فنأخذ بدل الدراهم الدنانير، وبالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم. فسألنا النبي ﷺ فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء"، وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه. وقال ﷺ في البكر: " هو لك يا عبد الله بن عمر، فاصنع به ما شئت". ١ ولنا على أنه إذا تلف فمن مال المشتري: قوله: "الخراج بالضمان"، ٢ وهذا نماؤه له. وأما أحاديثهم، فقد قيل: لم يصح منها إلا حديث الطعام، وهو حجة لنا بمفهومه. وكل عوض ملك بعقد، ينفسخ بهلاكه قبل القبض، لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه. والأجرة وبدل الصلح عن دم العمد، إذا كان من المكيل والموزون أو المعدود، وما لا ينفسخ بهلاكه، يجوز التصرف فيه، كعوض الخلع والعتق على مال، لأن المقتضي للتصرف الملك وقد وجد. لكن ما يتوهم فيه غرر لانفساخه بهلاك المعقود عليه، لم يجز لنا بناء عقد آخر عليه، تحرزاً من الغرر. وما لا يتوهم فيه ذلك، جاز العقد عليه؛ وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك، لأنه لا ينفسخ بهلاكه. وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل

стр. 481

قبضه، ووافقه أبو الخطاب في غير المتعيّن، لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه، بالرد قبل الدخول، أو انفساخه بسبب من جهة المرأة، أو نصفه بالطلاق، أو سبب من غير جهتها. وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع، وهذا التعليل باطل بما بعد القبض؛ فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول. فإن اشترى اثنان طعاماً فقبضاه، ثم باع أحدهما الآخر نصيبه قبل أن يقسماه، فكرهه الحسن وابن سيرين، لأنه لم يقبض نصيبه مفرداً. ويحتمل الجواز، لأنه مقبوض لهما، يجوز بيعه لأجنبي، فجاز لشريكه. فإن تقاسماه وتفرقا، ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل، لم يجز، كما لو اشترى من رجل طعاماً فاكتاله وتفرقا، ثم باعه إياه بذلك الكيل. وإن لم يتفرقا، خرج على الروايتين. وكل ما يجوز بيعه قبل قبضه، لا يجوز الشركة فيه، ولا التولية، ولا الحوالة به؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: يجوز هذا كله في الطعام قبل قبضه، لأنه يختص بمثل الثمن الأول، فجاز كالإقالة. ولنا: أن التولية والشركة من أنواع البيع، فيدخل في عموم النهي. ويحصل القبض فيما بيع بكيل أو وزن، بكيله أو وزنه؛ روي عن أحمد: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز. ولنا: ما روى عثمان مرفوعاً: "إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتعت فاكتل". رواه البخاري. وروى ابن ماجة: "أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري"، ١ وهذا فيما بيع كيلاً. وفي الصبرة وما يُنقل، بالنقل، لحديث ابن عمر، وهو يبين أن الكيل وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل على ذلك قوله: "إذا سميت الكيل، فكِل ". ٢ وأجرة الكيال والوزان على البائع، كسقي الثمرة، وأما نقل المنقولات وما أشبهه فعلى المشتري، لأنه لا يتعلق به حق توفية.

стр. 482

والإقالة فسخ، تجوز قبل القبض، ولا يستحق بها شفعة، ولا تجوز إلا بمثل الثمن. وفيه وجه آخر: أنها تجوز بمثل الثمن الأول وأقل منه. ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": لو ألحقنا بالعقد خياراً بعد لزومه لم يلحق، قال في الفائق: يتخرج إلحاقه، وهو المختار. انتهى. وهو رواية في الرعاية وغيرها. ولا يجوز الخيار مجهولاً، وعنه: يجوز، وهما عليه إلا أن يقطعاه، أو تنتهي مدته. ولو وليت الإجارة العقد، لم يثبت فيها، يعني: خيار الشرط. وقيل: يثبت، قال في الفائق: اختاره شيخنا، وهو المختار. وقال الشيخ: يثبت خيار الشرط في كل العقود، ولمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه. ونقل أبو طالب: له الفسخ برد الثمن، وجزم به الشيخ كالشفيع. وليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار. وقال في القواعد: المنصوص عن أحمد: أن للمشتري التصرف فيه بالاستغلال، وظاهر قوله: ليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار، أن للبائع التصرف في الثمن المعين وغيره إذا قبضه، وهو ظاهر كلامه في الشرح والفروع وغيره، لعدم ذكرهم للمسألة. وأما تصرف المشتري ووطؤه وتقبيله، فهو إمضاء وإبطال لخياره. وعنه: لا يبطل به. وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه، وبطل خيارهما. وعنه: لا يبطل خيار البائع، وله الفسخ والرجوع بالقيمة يوم العتق. قوله في التلقي: وعلموا أنهم قد غبنوا، وعنه: لهم الخيار وإن لم يغبنوا. وثبت للمسترسل الخيار إذا غبن، وهو من المفردات، وعنه: لا يثبت. ويحرم

стр. 483

تغرير مشتر، بأن يسومه كثيراً ليبذل قريباً منه، ذكره الشيخ. وقال: وإن دلس مستأجر على مؤجر، وغره حتى استأجره بدون القيمة، فله أجرة المثل. ويرد مع المصراة صاعاً من تمر، وقال الشيخ: يعتبر في كل بلد صاعاً من غالب قوته. ولا يحل تدليس ولا كتمان عيب، قال الشيخ: وكذا لو أعلمه ولم يعلما قدره، وأنه يجوز عقابه بإتلافه، والتصدق به إذا دلسه. قال: والجار السوء عيب، قال أحمد: من اشترى مصحفاً فوجده ينقص الآية والآيتين، ليس هذا عيباً، لأنه لا يخلو المصحف من هذا. وقوله: فله الخيار، وعنه: ليس له أرش إلا إذا تعذر رده، اختاره الشيخ. وكذلك يقال في نظائره، كالصفقة إذا تفرقت. وعنه: لا رد ولا أرش لمشتر، وهبة بائع ثمناً أو براءة منه كمهر، وفي رواية: ولو أسقط المشتري الخيار بعوض بُذل له جاز، وليس من الأرش. ونص أحمد على مثله في خيار المعتقة تحت عبد. والنماء المتصل للبائع، وقال الشيرازي: للمشتري، اختاره الشيخ، ونص عليه أحمد في رواية ابن منصور. فعلى هذا يقوم على البائع. ووطء الثيب لا يمنع الرد، وعنه: يمنع، اختاره الشيخ. وعنه: عهدة الحيوان ثلاثة أيام، والمذهب: لا عهدة. قال أحمد: لا يصح فيه حديث. وتقدم أن الشيخ قال: يجبر في خيار العيب على الرد أو الأرش، إن تضرر البائع أي: بالتأخير. وقوله: لم يجز بيعه حتى يقبضه، وعنه: يجوز بيعه لبائعه، اختاره الشيخ. وجوز التولية فيه والشركة، وخرجه من بيع دين، واختار أيضاً جواز التصرف فيه بغير بيع. وذكر أبو الخطاب رواية: أن المطعوم كالمكيل والموزون، لا يجوز التصرف فيه مطلقاً ولو ضمنه، اختاره الشيخ وقال: عليها تدل أصول أحمد، كتصرف المشتري في الثمرة،

стр. 484

والمستأجر في العين، مع أنه لا يضمنها. وعكسه كالصبرة المعينة، كما شرط قبضه لصحته، كسلم وصرف. وما جاز له التصرف فيه فمن ضمانه، إذا لم يمنعه البائع. وقال الشيخ: لا يكون من ضمانه إلا إذا تمكن من قبضه، وقال: ظاهر المذهب: الفرق بين ما تمكن من قبضه وغيره ليس هو الفرق بين المقبوض وغيره. قال في الفروع: كذا قال. ويحرم تعاطيهما عقداً فاسداً، فلا يملك به. قال الشيخ: يترجح أنه يملك بعقد فاسد.

стр. 485

باب الربا والصرف وهو نوعان: (ربا الفضل) و (ربا النسيئة) ، وأجمعت الأمة على تحريمهما. وقد روي في ربا الفضل عن ابن عباس، ثم رجع؛ قاله الترمذي وغيره. وقوله: "لا ربا إلا في النسيئة" ١ محمول على الجنسين. فأما ربا الفضل فيحرم في كل مكيل أو موزون، وإن كان يسيراً كتمرة بتمرتين. وعنه: لا يحرم إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم. وعنه: لا يحرم إلا فيما إذا كان مكيلاً أو موزوناً. والأعيان الستة ثبت الربا فيها بالنص والإجماع. واختلف فيما سواها. فعن طاووس وقتادة أنهما قصرا الربا عليهما، وبه قال داود ونفاة القياس. واتفق القائلون به على أن الربا فيها لعلة، وأنه يثبت فيما وجدت فيه، ثم اتفقوا على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير فإنه قال: "كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما، لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، كالحنطة والشعير، والتمر والزبيب، والذرة والدخن"، وهذا مخالف لقوله: "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم، يداً بيد"، ٢ فلا يُعوّل عليه. واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة. ثم اختلفوا في علة كل واحدة منهما. فعن أحمد ثلاث روايات: أشهرهن: أن علة الذهب والفضة: كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة: كونه مكيل جنس؛ وبه قال النخعي والزهري والثوري. فعليها، لا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات. والثانية: أن العلة

стр. 486

في الأثمان: الثمنية، وما عداها: كونه مطعوم جنس؛ فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها. ونحوه قال الشافعي، لما روى معمر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام، إلا مثلاً بمثل"، رواه مسلم، ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف إذ به قوام الأموال، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات. والثالثة: العلة فيما عدا النقدين: كونه مطعوم جنس مكيل أو موزون، فلا يجرى في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالتفاح والرمان والبطيخ، ولا فيما ليس بمطعوم، كالزعفران والحديد؛ يروى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قديم قولي الشافعي، لما روي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: "لا ربا إلا فيما كِيل أو وُزن، مما يؤكل أو يشرب". أخرجه الدارقطني وقال: الصحيح أنه من قوله، ومَن رفعه فقد وهم. والأحاديث الواردة في هذا يجب الجمع بينها، فنهيه عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل يتقيد بما فيه معيار شرعي، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه، وهذا اختيار شيخنا. وقال مالك: العلة: القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدّخرات. وقال ابن سيرين: الجنس الواحد علة، وهذا لا يصح "لأنه ﷺ ابتاع عبداً بعبدين". ١ قال الترمذي: حسن صحيح. وقول مالك ينتقض بالحطب والإدام يستصلح به القوت، ولا ربا فيه عنده. فالحاصل: أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه الربا، رواية واحدة، كالأرز والدخن والذرة والدهن ونحوه؛ وهذا قول الأكثر. قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث، وما انعدم فيه ذلك فلا ربا فيه، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم،

стр. 487

كالنوى والقت. وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل أو الوزن من جنس واحد، ففيه روايتان. والأولى، إن شاء الله، حلُّه إذ ليس فيه دليل موثوق به، وهي مع ضعفها يعارض بعضها بعضاً، فوجب إطراحها والرجوع إلى أصل الحِلّ. وقوله: في كل مكيل ... إلخ، أي: بأن كان جنسه ذلك، وإن لم يتأت فيه إما لقلته كالحبة والحفنة، وما دون الأرزة من الذهب والفضة، أو كثرته كالزبرة العظيمة. ورخص أبو حنيفة في الحفنة بالحفنتين، وسائر المكيل الذي لا يتأتى كيله، ووافق في الموزون، واحتج بأن العلة: الكيل، ولم يوجد في اليسير. ولنا: قوله ﷺ : "التمر بالتمر، مثلاً بمثل ... إلخ". ١ ولا يجوز بيع تمرة بتمرة ولا حفنة بحفنة. قال أحمد: لا بأس بالثوب بالثوبين، وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال: لا يباع الفلس بالفلسين، ولا السكين بالسكينين، ولا الإبرة بالإبرتين، أصله الوزن. ونقل القاضي حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى، فجعل في الجميع روايتين: إحداهما: لا يجري في الجميع، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، لأنه ليس بموزون ولا مكيل؛ وهذا هو الصحيح، إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والإجماع فيه. والثانية: يجري في الجميع، لأن أصله الوزن، فلا يخرج عنه بالصناعة. ويجري الربا في لحم الطير، وعن أبي يوسف: لا يجري فيه، لأنه يباع بغير وزن. ولنا: أنه لحم، وهو من جنس ما يوزن، أشبه ما يباع من الخبز عدداً، والجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور، سواء. وهذا قول الأكثر. وحكي عن مالك: جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكره أصحابه. وحكي عن أحمد: أنه لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة، لأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف. ولنا: قوله: "الذهب بالذهب، مثلاً بمثل ... إلخ". ٢ وكل ما حرم فيه ربا الفضل، حرم فيه النسأ بغير خلاف.

стр. 488

ويحرم التفرق قبل القبض، لقوله ﷺ : "عينا بعين". ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً، وقال مالك: يجوز بيع بعض الموزونات ببعض جزافاً. ولنا: قوله: "الذهب بالذهب، وزناً بوزن ... إلخ". ١ ولو باع بعضه ببعض جزافاً، أو كان جزافاً من أحد الطرفين، لم يجز. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن ذلك لا يجوز، إذا كان من صنف واحد، لما روى مسلم عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها، بالكيل المسمى من التمر" ٢. وفي قوله: "الذهب بالذهب ... إلخ" دليل على أنه لا يجوز إلا كذلك، قال ابن المنذر: أجمع أكثر أهل العلم على أن بيع الصبرة من الطعام بالصبرة لا يدري كم كيل هذه ولا كيل هذه من صنف واحد، غير جائز، ولا بأس به من صنفين، استدلالاً بقوله: "فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم". وذهب بعض أصحابنا إلى منع بيع المكيل بالمكيل، والموزون بالموزون، جزافاً. قال أحمد في رواية: أكره ذلك، وقاله القاضي والشريف، قالوا: لأن النبي ﷺ "نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة". ولنا: قوله: "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، يداً بيد". ٣ وحديثهم أراد به الجنس الواحد، ولهذا جاء في بعض ألفاظه: "نهى أن تباع الصبرة لا يعلم مكيلها من التمر بالصبرة لا يعلم مكيلها من التمر". ٤ واختلفت الرواية في البر والشعير، فظاهر المذهب أنهما جنسان، وعنه: جنس واحد، لقول معمر: "إني أخاف أن يضارع الربا"، أخرجه مسلم. ولنا: قوله: "بيعوا البر بالشعير كيف شئتم.. . إلخ"، ٥ وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس بدليل سائر أجناس الطعام. ويحتمل أنه أراد المعهود، فإنه قال في الخبر: "وكان طعامنا يومئذ الشعير، وفعله معمر وقوله لا يعارض قول النبي ﷺ ".

стр. 489

وفروع الأجناس أجناس، كالأدقة والأخباز والأدهان. وعن أحمد: أن خل التمر وخل العنب جنس واحد، لأن الاسم الخاص يجمعهما. وهذا منقوض بسائر فروع الأصول التي ذكرنا، وقد يكون الجنس مشتملا على جنسين، كالتمر على النوى، واللبن على الزبد، فما داما متصلين فهما جنس، فإذا ميز أحدهما من الآخر صارا جنسين. واللحم أجناس باختلاف أصوله، وعنه: جنس واحد، وعنه: أربعة أجناس: لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم دواب الماء. وفي اللبن روايتان. واللحم والشحم والكبد أجناس، وقال القاضي: لا يجوز بيع اللحم بالشحم، وكرهه مالك إلا أن يتماثلا. ولا يجوز بيع لحم الحيوان بحيوان من جنسه، وهو مذهب مالك والشافعي، وبغير جنسه وجهان. وحكي عن مالك: لا يباع بحيوان معدّ للحم، ويجوز بغيره. وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقاً. ولنا: "نهيه ﷺ من بيع اللحم بالحيوان"، رواه مالك. ولا يجوز بيع حب بدقيقه، وعنه: أنه جائز؛ فعليها يباع وزناً، لأن الدقيق يأخذ من المكيال كثيراً، وبهذا قال إسحاق. فأما الخبز والهريسة والفالوذج وأشباهها، فلا يباع بالحنطة، وقال أبو حنيفة: يجوز، بناء على مسألة "مد عجوة". ولا يجوز بيع أصل بعصيره، ولا خالصه بمشوبه، وقال أبو ثور: يجوز. وقال أبو حنيفة: يجوز إذا علم أن ما في الأصل من الدهن والعصير أقل من المفرد. وعن أحمد: يجوز بيع اللبن بالزبد، إذ الزبد المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن. ولا يجوز بيع الخالص بالمشوب، كحنطة فيها شعير بخالصه، ولبن مشوب بخالص، واللبن بالكشك الكامخ، ويتخرج الجواز إذا كان اللبن أكثر من الذي

стр. 490

في الكشك والكامخ، بناء على مسألة "مدّ عجوة". [ولا يجوز بيع المشوب بالمشوب، بناء على مسألة "مد عجوة"] ١. ويجوز بيع نوع بنوع آخر إذا لم يكن فيه منه، وممن أجاز بيع الزبد بالمخيض: الشافعي وإسحاق، لأن اللبن الذي في الزبد غير مقصود، كالملح في الشيرج. ولا يجوز بيع الزبد بالسمن، لأن في الزبد لبناً يسيراً فيحيل التماثل، واختار القاضي جوازه، لأن اللبن غير مقصود، ولا يصح ذلك لأن التماثل شرط، كتمر منزوع النوى بما نواه فيه. "ولا يجوز بيع رطب بيابس، كالرطب بالتمر، والعنب بالزبيب"، وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن المسيب. وقال أبو حنيفة: يجوز، لأنه إما أن يكون جنساً فيجوز متماثلاً، وجنسين فيجوز. وعن سعد: "أن النبي ﷺ سئل: عن بيع الرطب بالتمر؟ (فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟) قالوا: نعم. فنهى عن ذلك". ٢ رواه مالك. ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة، والمشهور عن الشافعي: المنع. وذكر القاضي: يباع وزناً بوزن، ولا وجه له. ولا يباع الدقيق بالسويق، وعنه: الجواز. ويجوز بيع الخبز بالخبز وزناً، إذا تساويا في النشافة والرطوبة، وقال مالك: إذا تحرى المماثلة فلا بأس. وعن أبي حنيفة: لا بأس قرصاً بقرصين. وقال الشافعي: لا يباع بعضه ببعض، إلا أن ييبس ويدق ويباع كيلاً، ففيه قولان. ويجوز بيع العصير بجنسه متماثلاً ومتفاضلاً بغير جنسه، وقال أصحاب الشافعي: لا يباع المطبوخ بجنسه، لأن النار تعقد أجزاءهما فتختلف. وإن باع

стр. 491

عصير شيء من ذلك بتفله، فإن كان فيه بقية من المستخرج منه لم يجز، إلا على قولنا بجواز "مدّ عجوة". ويجوز بيع الرطب بالرطب، والعنب بمثله، في قول الأكثرين؛ ومنع منه الشافعي فيما يبس، فأما ما لا ييبس كالخيار، فعلى قولين. ولنا: أن نهيه عن بيع التمر بالتمر يدل على إباحة بيع كل واحد منهما بمثله. ويجوز بيع الدبس والخل، كل نوع بعضه ببعض متساوياً، قال أحمد في خل الدقل: يجوز بيع بعضه ببعض متساوياً، لأن الماء في كل واحد منهما غير مقصود. ولا يباع نوع بآخر، لأن في كل واحد منهما من غير جنسه يقلّ ويكثر، فيفضي إلى التفاضل. ولا يباع خل العنب بخل الزبيب، لانفراد أحدهما بما ليس من جنسه. ويجوز بيع خل الزبيب بعضه ببعض، كخل العنب وخل التمر. ويجوز بيع اللحم باللحم رطباً، وقال الخرقي: لا يجوز إلا إذا تناهى جفافه؛ وهذا مذهب الشافعي. وإذا جاز الرطب بالرطب، فهنا أولى، فأما رطبه بيابسه، ونيئه بمطبوخه، فلا يجوز. وقال القاضي: لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا بعد نزع العظام، كالعسل بمثله بعد التصفية. ولا يجوز بيع المحاقلة، وهو: الحب المشتد في سنبله، بجنسه، قال جابر: المحاقلة: أن يبيع الزرع بمائة فرق من الحنطة، وفسره أبو سعيد باستكراء الأرض بالحنطة. ولأنه بيع الحب بجنسه جزافاً من أحد الجانبين، فإن كان بدراهم أو دنانير جاز، وإن باعه بغير جنسه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، لقوله: "إذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم". والثاني: لا يجوز، لعموم الحديث. ولا بيع المزابنة، وهو: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العرايا،

стр. 492

وقال أبو حنيفة: لا تحل، لعموم الحديث. قال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وحديثهم في سياقه: "إلا العرايا"، وإنما تجوز بشروط خمسة: (أحدها) : أن تكون فيما دون خمسة أوسق، ولا خلاف أنه لا يجوز في زيادة عليها، وإنما تجوز فيما نقص عنها. وأما الخمسة فظاهر المذهب أنه لا يجوز فيها، وبه قال ابن المنذر. وقال مالك: يجوز، لأن في حديث زيد وسهل: "أنه رخص في العرايا مطلقاً، ثم استثنى ما زاد على الخمسة"، وشك الراوي في الخمسة، فبقي المشكوك فيه على الإباحة. ولنا: النهي عن المزابنة، ثم رخص في العرية فيما دون خمسة، وشك فيها، فتبقى على العموم في التحريم. وقولهم: أرخص فيها مطلقاً، فلم يثبت أن الرخصة المطلقة ثابتة سابقة على الرخصة المقيدة ولا متأخرة عنها؛ بل الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة، فيصير القيد المذكور كأنه مذكور في الآخر، ولذلك تقيد فيما زاد على الخمسة، باتفاقنا. ولا يشتري أكثر من خمسة فيما زاد على صفقة من واحد وجماعة، وقال الشافعي: يجوز للرجل بيع حائطه كله عرايا، من واحد أو رجال، في عقود متكررة، لعموم حديث زيد، ولأن كل عقد جاز مرة جاز أن يتكرر. ولنا: عموم النهي عن المزابنة، استثنى منها ما ذكر؛ فما زاد يبقى على التحريم، ولأن ما لا يجوز العقد عليه مرة إذا كان نوعاً واحداً لا يجوز في عقدين، كالجمع بين الأختين. ولا تعتبر حاجة البائع، فلو باع رجل عرية من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز. وقال القاضي: لا يجوز، لما ذكرنا في المشتري. ولنا: أن المغلب في التجويز حاجة المشتري.

стр. 493

(الثاني) : أن يكون مشتريها محتاجاً إلى أكلها رطباً، فلا يجوز لغني، وهو أحد قولي الشافعي. وله قول: تباح مطلقاً، لأن كل ما بيع وقد جاز للمحتاج جاز للغني، كسائر البياعات، ولأن حديث أبي هريرة وسهل مطلقان. ولنا: حديث زيد بن ثابت، وإذا خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفة بدونه، ولا يلزم من إباحته للحاجة إباحته مع عدمها، كالزكاة للمساكين. ولو باعها لواهبها، تحرزاً من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك، أو لغيره، لم يجز. وقال ابن عقيل: يباح، ويحتمله كلام أحمد، لأن الحاجة وجدت من الجانبين. ولنا: حديث زيد: "شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون رطباً، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر". والرخصة لمعنى خاص، فلا تجوز مع عدمه، ولأن في حديث زيد وسهل يأكلها أهلها رطباً، ولو جازت لتخليص المعرى لما شرط ذلك. (الثالث) : ألا يكون للمشتري نقدٌ يشتري به، للخبر المذكور. (الرابع) : أن يشتريها بخرصها من التمر، ويجب أن يكون التمر معلوماً بالكيل لا جزافاً، لا نعلم خلافاً في هذا عند من أباح بيع العرايا، لقوله: "تباع بخرصها كيلاً"، ١ ومعناه: أن ينظر الخارص إلى العرية كم تجيء من التمر، فللمشتري بمثله؛ وبها قال الشافعي. ونقل حنبل: بخرصها رطباً ويعطى تمراً، وهذا يحتمل الأول، ويحتمل أن يشتريها بتمر مثل الرطب الذي عليها؛ قال القاضي: والأول أصح، لأنه يبتني على خرص الثمار في العشر، والصحيح: ثم خرصه تمراً، ولأن المماثلة معتبرة حالة الادخار، وبيع الرطب بمثله تمراً يفضي إلى فوات ذلك. وإن اشتراها بخرصها رطباً، لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب

стр. 494

الشافعي. والثاني: يجوز. والثالث: لا يجوز مع اتفاق النوع. ووجه جوازه: ما روى الجوزجاني عن زيد، مرفوعاً: "أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو التمر". ١ ولنا: ما روى مسلم عنه: "رخص رسول الله ﷺ في العرايا، تؤخذ بمثل خرصها تمراً". ٢ وحديثهم شك في الرطب أو التمر، فلا يجوز مع الشك. (الخامس) : التقابض في المجلس، لا نعلم فيه مخالفاًً، ولا يشترط فيها أن تكون موهوبة لبائعها، وبه قال الشافعي. وقال مالك: بيع العرايا الجائز: أن يعري الرجل النخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط دخوله حائطه، لأنه ربما كان مع أهله في الحائط، فيجوز أن يشتريها. واحتجوا بأن العرية في اللغة هبة ثمرة النخل عاماً، قال أبو عبيد: الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخلة عامها ذلك، فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه في اللغة ما لم يوجد ما يصرفه. ولنا: حديث زيد، وهو حجة على مالك، لتصريحه في جواز بيعها من غير الواهب، ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق. وفيه حجة على أن من اشترط كونها موهوبة لبائعها، لأن العلة حاجة المشتري، ولأن اشتراط ذلك مع حاجة المشتري إلى أكلها رطباً ولا ثمن معه يفضي إلى سقوط الرخصة، إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين. وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار، وهو قول مالك والأوزاعي، ويحتمل أن يجوز في العنب دون غيره، وهو قول الشافعي. ووجه الأولى: "أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة، التمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمرة بخرصه"، ٣ وهذا حديث حسن رواه الترمذي، وهو يدل على تخصيصها

стр. 495

بالتمر. وعن زيد بن ثابت عنه ﷺ : "أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك". (فصل) : ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما، كمد عجوة ودرهم، بمدين، أو بدرهمين، أو بمد ودرهم. وعنه: يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، هذه تسمى "مدّ عجوة". وظاهر المذهب: أنه لا يجوز، نص عليه أحمد في مواضع. روي عن سالم والقاسم وبه قال الشافعي. وقال حرب: قلت لأحمد: دفعت ديناراً كوفياً ودرهماً، وأخذت ديناراً شامياً، وزنهما سواء، قال: لا يجوز، إلا أن ينقص الدينار فيعطيه بحسابه فضة. وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن: الدراهم بعضها صفر وبعضها فضة بالدراهم؟ فقال: لا أقول فيه شيئاً. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: يجوز بما ذكرنا من على الشرط، وقال الحسن: "لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم"، وبه قال الشعبي والنخعي، واحتجوا بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد، وقد أمكن جعل الجنس في مقابلة غير الجنس، أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل. ولنا: ما روى فضالة قال: "أتي النبي ﷺ بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة، فقال ﷺ : لا، حتى تميز بينهما. قال: فردّه حتى ميز بينهما". ١ رواه أبو داود. ولمسلم: "أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال: الذهب بالذهب، وزناً بوزن"، ٢ ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس، وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه، فإذا فعلنا ذلك فيمن باع
следующие страницы →