Полный текст (8 101 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.
стр. 6581
وَيُقَالُ: أَعطِني إسْناً مِنْ عَقَبٍ. والإِسْنُ: العَقَبةُ، والجمعُ أُسونٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
وَلَا أَخا طريدةٍ وإسْنِ
وأَسَنَ الرجلُ لأَخيه يأْسِنُه ويأْسُنُه إِذَا كسَعَه برجلِه. أَبو عَمْرٍو: الأَسْنُ لُعْبة لَهُمْ يُسَمُّونَهَا الضَّبْطَة والمَسَّة. وآسانُ الرَّجُلِ: مَذاهبُه وأَخلاقُه؛ قَالَ ضابئٌ البُرْجُمِيّ فِي الآسانِ الأَخلاق:
وقائلةٍ لَا يُبْعِدُ اللهُ ضَابِئًا، ... وَلَا تبْعَدَنْ آسَانُهُ وَشَمَائِلُهُ
والآسانُ والإِسانُ: الْآثَارُ القديمةُ. والأُسُن: بقيَّة الشَّحْمِ الْقَدِيمِ. وسَمِنت عَلَى أُسُنٍ أَي عَلَى أَثارة شَحْمٍ قَدِيمٍ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: الأُسُنُ الشحمُ الْقَدِيمُ وَالْجَمْعُ آسانٌ. الْفَرَّاءُ: إِذَا أَبقيتَ مِنْ شَحْمِ النَّاقَةِ وَلَحْمِهَا بَقِيَّةً فاسمُها الأُسُنُ والعُسُنُ، وَجَمْعُهَا آسانٌ وأَعْسانٌ. يقال: سَمِنَت ناقتُه عَنْ أُسُنٍ أَي عَنْ شحمٍ قَدِيمٍ. وآسانُ الثّيابِ: مَا تقطَّع مِنْهَا وبَلِيَ. يُقَالُ: مَا بَقِيَ مِنَ الثَّوْبِ إِلَّا آسانٌ أَي بَقَايَا، وَالْوَاحِدُ أُسُنٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا أَخَوَيْنا مِنْ تَميمٍ، عَرِّجا ... نَسْتَخْبِر الرَّبْعَ كآسانِ الخَلَقْ
. وَهُوَ عَلَى آسانٍ مِنْ أَبيه أَي مَشابِهَ، واحدُها أُسُنٌ كعُسُنٍ. وَقَدْ تأَسَّنَ أَباه إِذَا تَقَيّله. أَبو عَمْرٍو: تأَسَّنَ الرجلُ أَباه إِذَا أَخذ أَخْلاقَه؛ قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: إِذَا نزَعَ إِلَيْهِ فِي الشَّبَه. يُقَالُ: هُوَ على آسانٍ من أَبيه أَي عَلَى شَمائلَ مِنْ أَبيه وأَخْلاقٍ مِنْ أَبيه، واحدُها أُسُنٌ مِثْلُ خُلُقٍ وأَخلاق؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شَاهِدُ تأَسَّنَ الرجلُ أَباه قَوْلُ بَشِيرٍ الْفَرِيرِيِّ:
تأَسَّنَ زيدٌ فِعْلَ عَمْرو وخالدٍ، ... أُبُوّة صِدْقٍ مِنْ فريرٍ وبُحْتُر
. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: الأُسُنُ الشبَهُ، وجمعُه آسانٌ؛ وأَنشد:
تعْرِفُ، فِي أَوْجُهِها البَشائِرِ، ... آسانَ كلِّ أَفِقٍ مُشاجِرِ
. وَفِي حَدِيثِ
الْعَبَّاسِ فِي مَوْتِ النَّبِيِّ، ﷺ : قَالَ لعُمَرَ خَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِنَا فَإِنَّهُ يأْسَنُ كَمَا يأْسَنُ الناسُ أَي يتغيَّر، وَذَلِكَ أَن عُمَرَ كَانَ قَدْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّهُ صَعِقَ كَمَا صَعِقَ مُوسَى، وَمَنَعَهُمْ عَنْ دَفْنِه.
وَمَا أَسَنَ لِذَلِكَ يأْسُنُ أَسْناً أَي مَا فَطَنَ. والتأَسُّنُ: التوهُّم والنِّسْيانُ. وأَسَنَ الشيءَ: أَثْبَتَه. والمآسِنُ: منابتُ العَرْفجِ. وأُسُنٌ: ماءٌ لَبَنِيِّ تَمِيمٍ؛ قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
قَالَتْ سُلَيْمَى ببَطْنِ القاعِ مِنْ أُسُنٍ: ... لَا خَيْرَ فِي العَيْشِ بعدَ الشَّيْبِ والكِبَر
وَرُوِيَ عَنِ
ابْنِ عُمَرَ: أَنه كَانَ فِي بيتِه الميْسُوسَنُ، فَقَالَ: أَخْرِجُوه فَإِنَّهُ رِجْسٌ
؛ قَالَ شَمِرٌ: قَالَ الْبَكْرَاوِيُّ المَيْسُوسَنُ شَيْءٌ تَجْعَلُهُ النساء في الغِسْلة لرؤوسهن.
أشن: الأُشْنةُ: شيءٌ مِنَ الطِّيبِ أَبيضُ كأَنه مقشورٌ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الأُشْنُ شَيْءٌ مِنَ الْعِطْرِ أبيضُ دَقِيقٌ كأَنه مقشورٌ مِنْ عِرْقٍ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: مَا أُراه عَرَبِيًّا. والأُشنانُ والإِشْنانُ مِنَ الْحَمْضِ: مَعْرُوفٌ الَّذِي يُغْسَل بِهِ الأَيْدِي، وَالضَّمُّ أَعلى. والأَوْشَنُ: الَّذِي يُزيّن الرجلَ وَيَقْعُدُ مَعَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ يأْكل طعامَه، والله أَعلم.
أضن: إضانٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
تأَمَّلْ خلِيلي، هَلْ تَرَى مِنْ ظَعائنٍ ... تَحَمَّلْنَ بالعَلْياءِ فوقَ إضانِ؟
وَيُرْوَى بِالطَّاءِ والظاء.
стр. 6582
أطن: إطانٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ وأَنشد بَيْتَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
تأَمل خَلِيلِي، هَلْ تَرَى مِنْ ظعائن ... تحملن بالعلياء فَوْقَ إِطَانِ؟
وَيُرْوَى إِظَانُ بالظاء المعجمة.
أطربن: الأَطْرَبونُ مِنَ الرُّومِ: الرئيسُ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: المُقدَّم فِي الْحَرْبِ؛ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبْرة الحَرَشيّ:
فَإِنْ يَكُنْ أطْرَبونُ الرُّومِ قَطَّعها، ... فَإِنَّ فِيهَا، بحَمْدِ اللَّهِ، مُنْتَفَعا
قَالَ ابْنُ جِنِّي: هِيَ خُمَاسِيَّةٌ كَعَضْرَفوط.
أظن: إظانٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
تأَمل خَلِيلِي، هَلْ تَرَى مِنْ ظعائن ... تحملن بالعلياء فَوْقَ إِظَانِ؟
وَيُرْوَى بِالضَّادِ وبالطاء، وقد تقدم.
أفن: أَفَنَ الناقةَ والشاةَ يأْفِنُها أَفْناً: حلَبها فِي غَيْرِ حِينِهَا، وَقِيلَ: هُوَ استخراجُ جَمِيعِ مَا فِي ضَرْعِهَا. وأَفَنْتُ الإِبلَ إِذَا حلَبْتَ كلَّ مَا فِي ضَرْعِهَا. وأَفَنَ الحالبُ إِذَا لَمْ يدَعْ فِي الضَّرْع شَيْئًا. والأَفْنُ: الحَلْب خِلَافُ التَّحْيين، وَهُوَ أَن تَحْلُبَها أَنَّى شئتَ مِنْ غَيْرِ وَقْتٍ مَعْلُومٍ؛ قَالَ المُخبَّل:
إِذَا أُفِنَتْ أَرْوَى عِيالَك أَفْنُها، ... وَإِنْ حُيّنَت أَرْبى عَلَى الوَطْبِ حِينُها
. وَقِيلَ: هُوَ أَن يحتَلِبها فِي كُلِّ وَقْتٍ. والتَّحْيِينُ: أَن تُحْلَب كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: ومِن هَذَا قِيلَ للأَحمق مأْفونٌ، كأَنه نُزِع عَنْهُ عقلُه كلُّه. وأَفِنَت الناقةُ، بِالْكَسْرِ: قلَّ لبنُها، فَهِيَ أَفِنةٌ مَقْصُورَةٌ، وَقِيلَ: الأَفْنُ أَن تُحْلَبَ الناقةُ والشاةُ فِي غَيْرِ وَقْتِ حَلْبِها فَيُفْسِدُهَا ذَلِكَ. والأَفْنُ: النقصُ. والمُتأَفِّنُ المُتنقِّص. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ: إيّاكَ ومُشاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رأْيَهنّ إِلَى أَفْنٍ
؛ الأَفْنُ: النقصُ. وَرَجُلٌ أَفينٌ ومأْفونٌ أَي ناقصُ العقلِ. وَفِي حَدِيثِ
عَائِشَةَ: قَالَتْ لِلْيَهُودِ عَلَيْكُمُ اللعنةُ والسامُ والأَفْنُ
؛ والأَفْنُ: نقصُ اللبَنِ. وأَفَنَ الفصيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّه إِذَا شرِبَه كلَّه. والمأْفونُ والمأْفوكُ جَمِيعًا مِنَ الرِّجَالِ: الَّذِي لَا زَوْرَ لَهُ وَلَا صَيُّورَ أَي لَا رأْيَ لَهُ يُرْجَعُ إِلَيْهِ. والأَفَنُ، بِالتَّحْرِيكِ: ضعفُ الرأْي، وَقَدْ أَفِنَ الرجلُ، بِالْكَسْرِ، وأُفِنَ، فَهُوَ مأْفونٌ وأَفينٌ. وَرَجُلٌ مأْفونٌ: ضعيفُ العقلِ والرأْيِ، وَقِيلَ: هُوَ المُتمدِّحُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ، والأَول أَصح، وَقَدْ أفِنَ أَفْناً وأَفَناً. والأَفينُ: كالمأْفونِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي أَمثال الْعَرَبِ: كثرةُ الرِّقين تُعَفِّي عَلَى أَفْنِ الأَفِين أَي تُغطِّي حُمْقَ الأَحْمَق. وأَفَنَه اللَّهُ يأْفِنُه أَفْناً، فَهُوَ مأْفونٌ. وَيُقَالُ: مَا فِي فُلَانٍ آفِنةٌ أَي خَصْلَةٌ تأْفِنُ عقلَه؛ قَالَ الْكُمَيْتُ يَمْدَحُ زِيَادَ بْنَ مَعْقِل الأَسديّ:
مَا حَوَّلَتْك عَنِ اسْمِ الصِّدْقِ آفِنَةٌ ... من العُيوبِ، ما يبرى بِالسَّيْبِ «١»
. يَقُولُ: مَا حَوَّلَتْك عَنِ الزِّيَادَةِ خَصلةٌ تنْقُصُك، وَكَانَ اسْمُهُ زِياداً. أَبو زَيْدٍ: أُفِنَ الطعامُ يُؤْفَنُ أَفْناً، وَهُوَ مأْفونٌ، لِلَّذِي يُعْجِبُك وَلَا خَيْرَ فِيهِ. والجَوْزُ المأْفونُ: الحَشَف. وَمِنْ أَمثال الْعَرَبِ: البِطْنةُ تأْفِنُ الفِطْنَة؛ يُرِيدُ أَن الشِّبَعَ والامْتِلاءَ يُضْعف الفِطنةَ أَي الشَّبْعان لَا يَكُونُ فَطِناً عَاقِلًا. وأَخذَ الشيءَ بإِفّانِه أَي بِزَمَانِهِ وأَوَّله، وَقَدْ يَكُونُ فِعْلاناً. وجاءَه عَلَى إفَّان ذَلِكَ أَي إِبَّانِهِ وعلى حِينه.
стр. 6583
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إفَّانٌ فِعْلانٌ، وَالنُّونُ زَائِدَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ أَتيتُه عَلَى إِفّانِ ذَلِكَ وأَفَفِ ذَلِكَ. قَالَ: والأَفينُ الفَصيل، ذَكَرًا كَانَ أَو أُنثى. والأَفانى: نبتٌ، وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: هُوَ شَجَرٌ بِيضٌ؛ وأَنشد:
كأَنّ الأَفانى سَبيبٌ لَهَا، ... إِذَا التَفَّ تحتَ عَناصي الوَبَرْ
وقال أَبو حَنِيفَةَ: الأَفانى مِنَ العُشْب وهو غَبْرَاءُ لَهَا زَهْرَةٌ حَمْرَاءُ وَهِيَ طيِّبةٌ تَكْثُرُ وَلَهَا كَلَأٌ يَابِسٌ، وَقِيلَ: الأَفانى شَيْءٌ يَنْبُتُ كأَنه حَمْضةٌ يُشَبَّه بِفِرَاخِ القَطا حِينَ يُشَوِّك تبدَأُ بَقْلَةً ثُمَّ تَصِيرُ شَجَرَةً خَضْرَاءَ غَبْرَاءَ؛ قَالَ النَّابِغَةُ فِي وَصْفِ حَمِير:
توالِبُ تَرْفَعُ الأَذْنابَ عَنْهَا، ... شَرَى أَسْتاههنَّ مِنَ الأَفانى
وَزَادَ أَبو الْمَكَارِمِ: أَن الصبْيان يَجْعَلُونَهَا كَالْخَوَاتِمِ فِي أَيديهم، وأَنها إِذَا يَبِسَت وابيضَّتْ شَوَّكت، وشوْكَها الحَماطُ، وَهُوَ لَا يَقَعُ فِي شَرَابٍ إِلَّا رِيحَ مَنْ شرِبه؛ وقال أَبو السَّمْح: هِيَ مِنَ الجَنْبة شَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ، مُجْتَمِعٌ وَرَقُهَا كالكُبَّة، غُبَيراء مَلِيسٌ وَرَقَهَا، وَعِيدَانُهَا شِبْه الزَّغَب، لَهَا شُوَيكٌ لَا تَكَادُ تستَبينُه، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى جِلْدِ الإِنسان وجَدَه كأَنه حريقُ نَارٍ، وَرُبَّمَا شَرِيَ مِنْهُ الجلدُ وَسَالَ مِنْهُ الدَّمُ. التهذيب: والأَفانى نَبْتٌ أَصفر وأَحمر، وَاحِدَتُهُ أَفانِية. الْجَوْهَرِيُّ: والأَفانى نبتٌ مَا دَامَ رَطْباً، فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ الحَماطُ، وَاحِدَتُهَا أَفانية مِثْلُ يمانيةٍ، وَيُقَالُ: هُوَ عِنَب الثَّعْلَبِ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلِ فَنِيَ، وَذَكَرَهُ اللُّغَوِيُّ فِي فَصْلِ أَفن، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهُوَ غلط.
أقن: الأُقْنةُ: الحُفرة فِي الأَرض، وَقِيلَ: فِي الْجَبَلِ، وَقِيلَ: هِيَ شِبْهُ حُفْرَةٍ تَكُونُ فِي ظُهُورِ القِفاف وأَعالي الْجِبَالِ، ضيِّقةُ الرأْس، قعْرُها قَدْرُ قَامَةٍ أَو قَامَتَيْنِ خِلْقةً، وَرُبَّمَا كَانَتْ مَهْواة بَيْنَ شَقَّين. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: بُيُوتُ الْعَرَبِ سِتَّةٌ: قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ، ومِظَلَّة مِنْ شعَر، وخِباءٌ مِنْ صوفٍ، وَبِجَادٌ مِنْ وَبَر، وَخَيْمَةٌ مِنْ شَجَرٍ، وأُقْنة مِنْ حَجَرٍ، وَجَمْعُهَا أُقَنٌ. ابْنُ الأَعرابي: أَوْقَنَ الرجلُ إِذَا اصْطَادَ الطيرَ مِنْ وُقْنَتِه، وَهِيَ مَحْضِنُه، وَكَذَلِكَ يُوقَنُ إِذَا اصْطَادَ الْحَمَامَ مِنْ مَحاضِنها فِي رؤُوس الْجِبَالِ. والتَّوَقُّن: التَّوَقُّل فِي الْجَبَلِ، وَهُوَ الصُّعُودُ فِيهِ. أَبو عُبَيْدَةَ: الوُقْنةُ والأُقْنةُ والوُكْنةُ مَوْضِعُ الطَّائِرِ فِي الْجَبَلِ، وَالْجَمْعُ الأُقَنات والوُقَنات والوُكَنات؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ:
فِي شَناظِي أُقَنٍ، بينَها ... عُرَّةُ الطيرِ كصَوم النَّعامِ
الْجَوْهَرِيُّ: الأُقْنةُ بَيْتٌ يُبْنى مِنْ حَجَرٍ، وَالْجَمْعُ أُقَنٌ مِثْلُ رُكْبة ورُكَب، وأَنشد بَيْتَ الطرماح.
ألن: فَرَسٌ أَلِنٌ: مُجْتَمِعٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ؛ قَالَ الْمَرَّارُ الْفَقْعَسِيُّ:
أَلِنٌ إذْ خَرَجَتْ سَلَّتُه، ... وهِلًا تَمْسَحُه، ما يَسْتَقِرّ.
ألبن: قَالَ ابْنُ الأَثير: أَلْبُونُ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، مَدِينَةٌ بِالْيَمَنِ زَعَمُوا أَنها ذاتُ الْبِئْرِ المُعطَّلة وَالْقَصْرِ المَشيد، قَالَ: وَقَدْ تُفْتَحُ الْبَاءُ.
ألين: فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ حصين أَلْيُون؛ هو بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَضَمِّ الْيَاءِ، اسْمُ مَدِينَةِ مِصْرَ قَدِيمًا فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ وسمَّوْها الفُسْطاطَ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ الأَثير،
стр. 6584
قَالَ: وأَلْبُونُ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، مدينةٌ بِالْيَمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذكرها، والله أَعلم.
أمن: الأَمانُ والأَمانةُ بِمَعْنًى. وَقَدْ أَمِنْتُ فأَنا أَمِنٌ، وآمَنْتُ غَيْرِي مِنَ الأَمْن والأَمان. والأَمْنُ: ضدُّ الْخَوْفِ. والأَمانةُ: ضدُّ الخِيانة. والإِيمانُ: ضدُّ الْكُفْرِ. والإِيمان: بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ، ضدُّه التَّكْذِيبُ. يُقَالُ: آمَنَ بِهِ قومٌ وكذَّب بِهِ قومٌ، فأَما آمَنْتُه الْمُتَعَدِّي فَهُوَ ضدُّ أَخَفْتُه. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
. ابْنُ سِيدَهْ: الأَمْنُ نَقِيضُ الْخَوْفِ، أَمِن فلانٌ يأْمَنُ أَمْناً وأَمَناً؛ حَكَى هَذِهِ الزَّجَّاجُ، وأَمَنةً وأَماناً فَهُوَ أَمِنٌ. والأَمَنةُ: الأَمْنُ؛ وَمِنْهُ: أَمَنَةً نُعاساً
، وإذ يَغْشاكم النعاسُ أَمَنةً مِنْهُ، نصَب أَمَنةً لأَنه مَفْعُولٌ لَهُ كَقَوْلِكَ فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذَر الشَّرِّ؛ قَالَ ذَلِكَ الزَّجَّاجُ. وَفِي حَدِيثِ نُزُولِ الْمَسِيحِ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
وَتَقَعُ الأَمَنةُ فِي الأَرض
أَي الأَمْنُ، يُرِيدُ أَن الأَرض تَمْتَلِئُ بالأَمْن فَلَا يَخَافُ أَحدٌ مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ. وَفِي الْحَدِيثِ:
النُّجومُ أَمَنةُ السَّمَاءَ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النجومُ أَتى السماءَ مَا تُوعَد، وأَنا أَمَنةٌ لأَصحابي فَإِذَا ذهبتُ أَتى أَصحابي مَا يُوعَدون، وأَصحابي أَمَنةٌ لأُمَّتي فَإِذَا ذهبَ أَصْحَابِي أَتى الأُمَّةَ مَا تُوعَد
؛ أَراد بِوَعْد السَّمَاءِ انشقاقَها وذهابَها يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وذهابُ النُّجُومِ: تكوِيرُها وانكِدارُها وإعْدامُها، وأَراد بوَعْد أَصحابه مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الفِتَن، وَكَذَلِكَ أَراد بوعْد الأُمّة، والإِشارةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى مَجِيءِ الشَّرِّ عِنْدَ ذهابِ أَهل الْخَيْرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ النَّاسِ كَانَ يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوفِّي جَالَتِ الآراءُ وَاخْتَلَفَتِ الأَهْواء، فَكَانَ الصَّحابةُ يُسْنِدونَ الأَمرَ إِلَى الرَّسُولِ فِي قَوْلٍ أَو فِعْلٍ أَو دَلَالَةِ حَالٍ، فَلَمَّا فُقِدَ قَلَّت الأَنوارُ وقَويَت الظُّلَمُ، وَكَذَلِكَ حالُ السَّمَاءِ عِنْدَ ذَهَابِ النُّجُومِ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: والأَمَنةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَمْعُ أَمينٍ وَهُوَ الْحَافِظُ. وَقَوْلُهُ : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
؛ قَالَ أَبو إسحق: أَراد ذَا أَمْنٍ، فَهُوَ آمِنٌ وأَمِنٌ وأَمِين؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَرَجُلٌ أَمِن وأَمين بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
؛ أَي الآمِن، يَعْنِي مَكَّةَ، وَهُوَ مِنَ الأَمْنِ؛ وَقَوْلُهُ:
أَلم تعْلمِي، يَا أَسْمَ، ويحَكِ أَنني ... حلَفْتُ يَمِينًا لَا أَخونُ يَميني
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّمَا يُرِيدُ آمنِي. ابْنُ السِّكِّيتِ: والأَمينُ المؤتمِن. والأَمين: المؤتَمَن، مِنَ الأَضداد؛ وأَنشد ابْنُ اللَّيْثِ أَيضاً: لَا أَخونُ يَمِيني أَي الَّذِي يأْتَمِنُني. الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ الأَمينُ المأْمونُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَا أَخون أَميني أَي مأْمونِي. وَقَوْلُهُ : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
؛ أَي قَدْ أَمِنُوا فِيهِ الغِيَرَ. وأَنتَ فِي آمِنٍ أَي فِي أَمْنٍ كَالْفَاتِحِ. وَقَالَ أَبو زِيَادٍ: أَنت فِي أَمْنٍ مِنْ ذَلِكَ أَي فِي أَمانٍ. وَرَجُلٌ أُمَنَةٌ: يأْمَنُ كلَّ أَحد، وَقِيلَ: يأْمَنُه الناسُ وَلَا يَخَافُونَ غائلَته؛ وأُمَنَةٌ أَيضاً: موثوقٌ بِهِ مأْمونٌ، وَكَانَ قياسُه أُمْنةً، أَلا تَرَى أَنه لَمْ يعبَّر عَنْهُ هَاهُنَا إِلَّا بِمَفْعُولٍ؟ اللِّحْيَانِيُّ: يُقَالُ مَا آمَنْتُ أَن أَجِدَ صَحَابَةً إِيمَانًا أَي مَا وَثِقْت، والإِيمانُ عِنْدَهُ الثِّقةُ. وَرَجُلٌ أَمَنةٌ، بِالْفَتْحِ: لِلَّذِي يُصَدِّق بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ وَلَا يُكَذِّب بِشَيْءٍ. وَرَجُلٌ أَمَنةٌ أَيضاً إِذَا كَانَ يَطْمَئِنُّ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ ويَثِقُ بِكُلِّ أَحد، وَكَذَلِكَ الأُمَنَةُ، مِثَالُ الهُمَزة. وَيُقَالُ: آمَنَ فلانٌ العدُوَّ إِيمَانًا، فأَمِنَ يأْمَنُ، والعدُوُّ مُؤْمَنٌ، وأَمِنْتُه عَلَى كَذَا وأْتَمَنْتُه بِمَعْنًى، وَقُرِئَ:
مَا لَك لَا تأَمَننا عَلَى يُوسُفَ
، بَيْنَ الإِدغامِ والإِظهارِ؛ قَالَ الأَخفش: والإِدغامُ أَحسنُ.
стр. 6585
وَتَقُولُ: اؤتُمِن فلانٌ، عَلَى مَا لَمْ يُسمَّ فاعلُه، فَإِنِ ابتدأْت بِهِ صيَّرْت الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ وَاوًا، لأَن كلَّ كَلِمَةٍ اجْتَمَعَ فِي أَولها هَمزتانِ وَكَانَتِ الأُخرى مِنْهُمَا سَاكِنَةً، فَلَكَ أَن تُصَيِّرها وَاوًا إِذَا كَانَتِ الأُولى مَضْمُومَةً، أَو يَاءً إِنْ كَانَتِ الأُولى مَكْسُورَةً نَحْوَ إيتَمَنه، أَو أَلفاً إِنْ كَانَتِ الأُولى مَفْتُوحَةً نَحْوَ آمَنُ. وَحَدِيثُ
ابْنِ عُمَرَ: أَنه دَخَلَ عَلَيْهِ ابنُه فَقَالَ: إِنِّي لَا إيمَنُ أَن يَكُونَ بَيْنَ الناسِ قتالٌ
أَي لَا آمَنُ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَكْسِرُ أَوائل الأَفعال الْمُسْتَقْبَلَةِ نَحْوَ يِعْلَم ونِعْلم، فَانْقَلَبَتِ الأَلف يَاءً لِلْكَسْرَةِ قَبْلَهَا. واسْتأْمَنَ إِلَيْهِ: دَخَلَ فِي أَمانِه، وَقَدْ أَمَّنَه وآمَنَه. وقرأَ أَبو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ: لستَ مُؤَمَّناً أَي لَا نُؤَمِّنك. والمَأْمَنُ: موضعُ الأَمْنِ. والأَمِنُ: المستجيرُ ليَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:
فأَحْسِبُوا لَا أَمْنَ مِنْ صِدْقٍ وبِرْ، ... وَسَحِّ أَيْمانٍ قَليلاتِ الأَشرْ
أَي لَا إِجَارَةَ، أَحْسِبُوه: أَعطُوه مَا يَكْفيه، وقرئَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ:
إِنَّهُمْ لَا إِيمانَ لَهُمْ
؛ مَنْ قرأَه بِكَسْرِ الأَلف مَعْنَاهُ أَنهم إِنْ أَجارُوا وأَمَّنُوا الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَفُوا وغَدَروا، والإِيمانُ هَاهُنَا الإِجارةُ. والأَمانةُ والأَمَنةُ: نقيضُ الْخِيَانَةِ لأَنه يُؤْمَنُ أَذاه، وَقَدْ أَمِنَه وأَمَّنَه وأْتَمَنَهُ واتَّمَنه؛ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَهِيَ نَادِرَةٌ، وعُذْرُ مَن قَالَ ذَلِكَ أَن لَفْظَهُ إِذَا لَمْ يُدْغم يَصِيرُ إِلَى صُورَةِ مَا أَصلُه حرفُ لِينٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي افْتَعَل مِنَ الأَكل إيتَكَلَ، وَمِنَ الإِزْرةِ إيتَزَرَ، فأَشْبه حينئذٍ إيتَعَدَ فِي لُغَةِ مَنْ لَمْ يُبْدِل الْفَاءَ يَاءً، فَقَالَ اتَّمَنَ لِقَوْلِ غَيْرِهِ إيتَمَنَ، وأَجود اللُّغَتَيْنِ إقرارُ الْهَمْزَةِ، كأَن تَقُولَ ائْتَمَنَ، وَقَدْ يُقَدِّر مثلُ هَذَا فِي قَوْلِهِمُ اتَّهَلَ، واسْتَأْمَنه كَذَلِكَ. وَتَقُولُ: اسْتَأْمَنني فلانٌ فآمَنْتُه أُومِنُهُ إِيمَانًا. وَفِي الْحَدِيثِ:
المُؤَذِّنُ مؤتَمَنٌ
؛ مُؤْتَمَنُ الْقَوْمِ: الَّذِي يثِقون إِلَيْهِ وَيَتَّخِذُونَهُ أَمِيناً حَافِظًا، تَقُولُ: اؤتُمِنَ الرَّجُلُ، فَهُوَ مُؤْتَمَن، يَعْنِي أَن المؤذِّنَ أَمينُ الناسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ. وَفِي الْحَدِيثِ:
المَجالِسُ بالأَمانةِ
؛ هَذَا ندْبٌ إِلى تركِ إعادةِ مَا يَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قولٍ أَو فعلٍ، فكأَنَّ ذَلِكَ أَمانةٌ عِنْدَ مَن سَمِعه أَو رَآهُ، والأَمانةُ تَقَعُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ والثِّقةِ والأَمان، وَقَدْ جَاءَ فِي كُلٍّ مِنْهَا حَدِيثٌ. وَفِي الْحَدِيثِ:
الأَمانةُ غِنًى
أَي سَبَبُ الْغِنَى، وَمَعْنَاهُ أَن الرَّجُلَ إِذَا عُرِفَ بِهَا كثُر مُعاملوه فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغناه. وَفِي حَدِيثِ أَشْراطِ السَّاعَةِ:
والأَمانة مَغْنَماً
أَي يَرَى مَن فِي يَدِهِ أَمانةٌ أَن الخِيانَة فِيهَا غَنيمةٌ قَدْ غَنِمها. وَفِي الْحَدِيثِ:
الزَّرعُ أَمانةٌ والتاجِرُ فاجرٌ
؛ جَعَلَ الزَّرْعَ أَمانَةً لسلامتِه مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي تَقَعُ فِي التِّجارة مِنَ التَّزَيُّدِ فِي الْقَوْلِ والحَلِف وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيُقَالُ: مَا كَانَ فلانٌ أَميناً وَلَقَدْ أَمُنَ يأْمُنُ أَمانةً. ورجلٌ أَمينٌ وأُمّانٌ أَي لَهُ دينٌ، وَقِيلَ: مأْمونٌ بِهِ ثِقَةٌ؛ قَالَ الأَعشى:
ولَقَدْ شَهِدْتُ التّاجرَ الأُمّانَ ... مَوْروداً شرابُهْ
التاجِرُ الأُمّانُ، بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ: هُوَ الأَمينُ، وَقِيلَ: هُوَ ذُو الدِّين والفضل، وقال بَعْضُهُمْ: الأُمّان الَّذِي لَا يكتب لأَنه أُمِّيٌّ، وقال بَعْضُهُمْ: الأُمّان الزُّرَّاعُ؛ وَقَوْلُ ابْنِ السِّكِّيتِ:
شَرِبْت مِنْ أَمْنِ دَواء المَشْي ... يُدْعى المَشُوَّ، طعْمُه كالشَّرْي
الأَزهري: قرأْت فِي نَوَادِرِ الأَعراب أَعطيت فُلَانًا مِنْ أَمْنِ مَالِي، وَلَمْ يُفَسِّرْ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: كأَنَّ مَعْنَاهُ مِنْ خالِص مَالِي ومِنْ خَالِصِ دَواءِ المَشْي. ابْنُ
стр. 6586
سِيدَهْ: مَا أَحْسَنَ أَمَنَتَك وإِمْنَك أَي دِينَكَ وخُلُقَكَ. وآمَنَ بِالشَّيْءِ: صَدَّقَ وأَمِنَ كَذِبَ مَنْ أَخبره. الْجَوْهَرِيُّ: أَصل آمَنَ أَأْمَنَ، بِهَمْزَتَيْنِ، لُيِّنَت الثَّانِيَةُ، وَمِنْهُ المُهَيْمِن، وأَصله مُؤَأْمِن، لُيِّنَتْ الثانيةُ وَقُلِبَتْ يَاءً وَقُلِبَتِ الأُولى هَاءً، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُهُ بِهَمْزَتَيْنِ لُيِّنَتْ الثَّانِيَةُ، صَوَابُهُ أَن يَقُولَ أُبدلت الثانية؛ وأَما مَا ذَكَرَهُ فِي مُهَيْمِن مِنْ أَن أَصلَه مُؤَأْمِن لُيِّنَتْ الهمزةُ الثَّانِيَةُ وَقُلِبَتْ يَاءً لَا يصحُّ، لأَنها سَاكِنَةٌ، وَإِنَّمَا تَخْفِيفُهَا أَن تُقْلَبَ أَلفاً لَا غَيْرُ، قَالَ: فَثَبَتَ بِهَذَا أَن مُهَيْمِناً منْ هَيْمَنَ فَهُوَ مُهَيْمِنٌ لَا غَيْرُ. وحدَّ الزجاجُ الإِيمانَ فَقَالَ: الإِيمانُ إظهارُ الْخُضُوعِ والقبولِ للشَّريعة ولِما أَتَى بِهِ النبيُّ، ﷺ ، واعتقادُه وتصديقُه بِالْقَلْبِ، فَمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفة فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُسْلِم غَيْرُ مُرْتابٍ وَلَا شاكٍّ، وَهُوَ الَّذِي يَرَى أَن أَداء الْفَرَائِضِ واجبٌ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُهُ فِي ذَلِكَ ريبٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
؛ أَي بمُصدِّقٍ. والإِيمانُ: التصديقُ. التَّهْذِيبُ: وأَما الإِيمانُ فَهُوَ مَصْدَرُ آمَنَ يُؤْمِنُ إِيمَانًا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ. واتَّفق أَهلُ الْعِلْمِ مِنَ اللُّغَويّين وَغَيْرِهِمْ أَن الإِيمانَ مَعْنَاهُ التَّصْدِيقُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
«٢» قَالَ: وَهَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى تَفْهيمه وأَين يَنْفَصِل المؤمِنُ مِنَ المُسْلِم وأَيْنَ يَسْتَويانِ، والإِسْلامُ إظهارُ الْخُضُوعِ وَالْقَبُولِ لِمَا أَتى بِهِ النَّبِيُّ، ﷺ ، وَبِهِ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الإِظْهارِ اعتِقادٌ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، فَذَلِكَ الإِيمانُ الَّذِي يُقَالُ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ هُوَ مؤمنٌ مسلمٌ، وَهُوَ المؤمنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ غَيْرَ مُرْتابٍ وَلَا شاكٍّ، وَهُوَ الَّذِي يَرَى أَن أَداء الْفَرَائِضِ واجبٌ عَلَيْهِ، وأَن الجِهادَ بنفسِه وَمَالِهِ واجبٌ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُهُ فِي ذَلِكَ رَيْبٌ فَهُوَ المؤمنُ وَهُوَ المسلمُ حَقًّا، كَمَا قَالَ اللَّهُ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
؛ أَي أُولئك الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا مُؤْمِنُونَ فَهُمُ الصَّادِقُونَ، فأَما مَنْ أَظهرَ قَبولَ الشَّرِيعَةِ واسْتَسْلَم لِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلمٌ وباطِنُه غيرُ مصدِّقٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ أَسْلَمْتُ لأَن الإِيمان لَا بُدَّ مِنْ أَن يَكُونَ صاحبُه صِدِّيقاً، لأَن قولَكَ آمَنْتُ بِاللَّهِ، أَو قَالَ قَائِلٌ آمَنْتُ بِكَذَا وَكَذَا فَمَعْنَاهُ صَدَّقْت، فأَخْرج اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الإِيمان فَقَالَ: ولَمّا يدْخل الإِيمانُ فِي قُلوبِكم؛ أَي لَمْ تُصدِّقوا إِنَّمَا أَسْلَمْتُمْ تَعَوُّذاً مِنَ الْقَتْلِ، فالمؤمنُ مُبْطِنٌ مِنَ التَّصْدِيقِ مثلَ مَا يُظْهِرُ، والمسلمُ التامُّ الإِسلامِ مُظْهرٌ لِلطَّاعَةِ مؤمنٌ بِهَا، والمسلمُ الَّذِي أَظهر الإِسلامَ تعوُّذاً غيرُ مؤمنٍ فِي الْحَقِيقَةِ، إِلَّا أَن حُكْمَه فِي الظَّاهِرِ حكمُ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إخْوة يوسف لأَبيهم: ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
؛ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهل التَّفْسِيرِ أَنّ مَعْنَاهُ مَا أَنت بمُصدِّقٍ لَنَا، والأَصلُ فِي الإِيمان الدخولُ فِي صِدْقِ الأَمانةِ الَّتِي ائْتَمَنه اللَّهُ عَلَيْهَا، فَإِذَا اعْتَقَدَ التصديقَ بِقَلْبِهِ كَمَا صدَّقَ بلِسانِه فَقَدْ أَدّى الأَمانةَ وَهُوَ مؤمنٌ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدِ التَّصْدِيقَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ غَيْرُ مؤدٍّ للأَمانة الَّتِي ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُنافِقٌ، ومَن زَعَمَ أَن الإِيمان هُوَ إِظْهَارُ الْقَوْلِ دُونَ التصديقِ بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ أَحدهما أَن يَكُونَ مُنافِقاً يَنْضَحُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ تأْييداً لَهُمْ، أَو يَكُونَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَمَا يُقالُ لَهُ، أَخْرَجَه الجَهلُ واللَّجاجُ إِلى عِنادِ الحقِّ وتَرْكِ قبولِ الصَّوابِ، أَعاذنا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ وَجَعَلَنَا مِمَّنْ عَلِم فاسْتَعْمل مَا عَلِم، أَو جَهِل
стр. 6587
فَتَعَلَّمَ مِمَّنْ عَلِمَ، وسلَّمَنا مِنْ آفَاتِ أَهل الزَّيْغ والبِدَع بمنِّه وَكَرَمِهِ. وَفِي قَوْلَ اللَّهِ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
؛ مَا يُبَيّنُ لَكَ أَن المؤمنَ هُوَ الْمُتَضَمِّنُ لِهَذِهِ الصِّفَةِ، وأَن مَن لَمْ يتضمّنْ هَذِهِ الصِّفَةَ فَلَيْسَ بمؤمنٍ، لأَن إِنَّمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَجِيءُ لِتَثْبيتِ شيءٍ ونَفْيِ مَا خالَفَه، وَلَا قوّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وأَما قَوْلُهُ : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
؛ فَقَدْ رُوِيَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنهما قَالَا: الأَمانةُ هَاهُنَا الفرائضُ الَّتِي افْتَرَضَها اللَّهُ تَعَالَى على عباده
؛ وقال
ابْنُ عُمَرَ: عُرِضَت عَلَى آدمَ الطاعةُ والمعصيةُ وعُرِّفَ ثوابَ الطَّاعَةِ وعِقَابَ المعْصية، قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَن الأَمانة هَاهُنَا النِّيّةُ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا الإِنسان فِيمَا يُظْهِره بِاللِّسَانِ مِنَ الإِيمان ويؤَدِّيه مِنْ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ فِي الظَّاهِرِ، لأَن اللَّهَ ائْتَمَنَه عَلَيْهَا وَلَمْ يُظْهِر عَلَيْهَا أَحداً مِنْ خَلْقِه، فَمَنْ أَضْمر مِنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ مثلَ مَا أَظهرَ فَقَدْ أَدَّى الأَمانةَ، وَمَنْ أَضمَر التكذيبَ وَهُوَ مُصَدِّقٌ بِاللِّسَانِ فِي الظَّاهِرِ فَقَدْ حَمَل الأَمانةَ وَلَمْ يؤدِّها، وكلُّ مَنْ خَانَ فِيمَا اؤتُمِنَ عَلَيْهِ فَهُوَ حامِلٌ، والإِنسان فِي قَوْلِهِ: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ؛ هُوَ الْكَافِرُ الشاكُّ الَّذِي لَا يُصدِّق، وَهُوَ الظَّلُوم الجهُولُ، يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، ﷺ : الإِيمانُ أَمانةٌ وَلَا دِينَ لِمَنْ لا أَمانةَ لَهُ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:
لَا إيمانَ لِمَنْ لا أَمانةَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
؛ قَالَ ثَعْلَبٌ: المؤمِنُ بِالْقَلْبِ والمُسلِمُ بِاللِّسَانِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: صفةُ الْمُؤْمِنِ بِاللَّهِ أَن يَكُونَ رَاجِيًا ثوابَه خَاشِيًا عِقَابَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
؛ قَالَ ثَعْلَبٌ: يُصَدِّق اللهَ ويُصدق الْمُؤْمِنِينَ، وأَدخل اللام للإِضافة، فأَما قول بَعْضُهُمْ: لَا تجِدُه مُؤْمِنًا حَتَّى تجِدَه مؤمنَ الرِّضا مؤمنَ الْغَضَبِ أَي مؤمِناً عندَ رِضَاهُ مُؤْمِنًا عِنْدَ غَضَبِهِ. وَفِي حَدِيثِ
أَنس: أَن النَّبِيَّ، ﷺ ، قَالَ: المؤمنُ مَن أَمِنَه الناسُ، والمسلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسانه ويَدِه، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَر السُّوءَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يدخلُ رجلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جارُهُ بوائقَه.
وَفِي الْحَدِيثِ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتى رجلٌ رسولَ اللَّهِ، ﷺ ، وقال: مَنِ المُهاجرُ؟ فَقَالَ: مَنْ هجَر السيئاتِ، قَالَ: فمَن المؤمنُ؟ قَالَ: مَنِ ائْتَمَنه النَّاسُ عَلَى أَموالِهم وأَنفسهم، قَالَ: فَمَن المُسلِم؟ قَالَ: مَن سلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لسانِه وَيَدِهِ، قَالَ: فمَن المجاهدُ؟ قَالَ: مَنْ جاهدَ نفسَه.
قَالَ النَّضْرُ: وَقَالُوا لِلْخَلِيلِ مَا الإِيمانُ؟ قَالَ: الطُّمأْنينةُ، قَالَ: وَقَالُوا لِلْخَلِيلِ تَقُولُ أَنا مؤمنٌ، قَالَ: لَا أَقوله، وَهَذَا تَزْكِيَةٌ. ابْنُ الأَنباري: رَجُلٌ مُؤمِنٌ مُصَدِّقٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وآمَنْت بِالشَّيْءِ إِذَا صَدَّقْت بِهِ؛ وقال الشَّاعِرُ:
ومِنْ قَبْل آمَنَّا، وَقَدْ كانَ قَوْمُنا ... يُصلّون للأَوثانِ قبلُ، مُحَمَّدًا
مَعْنَاهُ وَمِنْ قبلُ آمَنَّا مُحَمَّدًا أَي صدَّقناه، قَالَ: والمُسلِم المُخْلِصُ لله الْعِبَادَةَ. وَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى، ﵇: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
؛ أَراد أَنا أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأَنّك لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا. وَفِي الْحَدِيثِ:
نَهْرانِ مؤمنانِ ونَهْرانِ كافرانِ: أَما المؤمنانِ
стр. 6588
فالنيلُ والفراتُ، وأَما الْكَافِرَانِ فدِجْلةُ ونهْرُ بَلْخ
، جَعَلَهُمَا مؤمنَيْن عَلَى التَّشْبِيهِ لأَنهما يفيضانِ عَلَى الأَرضِ فيَسقِيانِ الحَرْثَ بلا مَؤُونةٍ، وَجَعَلَ الآخَرَيْنِ كافِرَيْن لأَنهما لَا يسقِيانِ وَلَا يُنْتَفَعُ بهما إلا بمؤونة وكُلفةٍ، فَهَذَانِ فِي الخيرِ والنفعِ كالمُؤْمِنَيْنِ، وَهَذَانِ فِي قلَّة النَّفْعِ كالكافِرَين. وَفِي الْحَدِيثِ:
لَا يَزْني الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ
؛ قِيلَ: مَعْنَاهُ النَّهْي وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ، والأَصلُ حذْفُ الْيَاءِ مِنْ يَزْني أَي لَا يَزْنِ المؤمنُ وَلَا يَسْرِقْ وَلَا يَشْرَبْ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَفعال لَا تليقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: هُوَ وعيدٌ يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْع، كَقَوْلِهِ ﵇:
لَا إيمانَ لمنْ لا أمانة له
،
والمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ مِنْ لِسانِه ويدِه
، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَزْني وَهُوَ كاملُ الإِيمانِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَن الْهَوَى يُغطِّي الإِيمانَ، فصاحِبُ الهَوى لَا يَزني إِلَّا هَوَاهُ وَلَا ينْظُر إِلَى إِيمَانِهِ النَّاهِي لَهُ عَنِ ارتكابِ الْفَاحِشَةِ، فكأَنَّ الإِيمانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قد انْعَدم، قال: وَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ، ﵄: الإِيمانُ نَزِهٌ، فإِذا أَذْنَبَ العبدُ فارَقَه
؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
إِذَا زَنَى الرجلُ خرجَ مِنْهُ الإِيمانُ فَكَانَ فوقَ رأْسه كالظُّلَّةِ، فإِذا أَقْلَع رجَع إِلَيْهِ الإِيمانُ
، قَالَ: وكلُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ ونَفْي الكمالِ دُونَ الْحَقِيقَةِ وَرَفْعِ الإِيمان وإِبْطالِه. وَفِي حَدِيثِ الْجَارِيَةِ:
أَعْتِقْها فَإِنَّهَا مُؤمِنةٌ
؛ إِنَّمَا حكَمَ بإيمانِها بمُجرَّد سُؤاله إِيَّاهَا: أَين اللَّهُ؟ وإشارَتِها إِلَى السَّمَاءِ، وَبُقُولِهِ لَهَا: مَنْ أَنا؟ فأَشارت إِلَيْهِ وَإِلَى السَّمَاءِ، يَعْنِي أَنْتَ رسولُ اللَّهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الإِسلام والإِيمان دُونَ الإِقرار بالشهادَتَيْن والتبرِّي مِنْ سَائِرِ الأَديان، وَإِنَّمَا حَكَمَ ﵇ بِذَلِكَ لأَنه رَأَى مِنْهَا أَمارة الإِسلام وكوْنَها بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَحْتَ رِقِّ المُسْلِم، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي علَماً لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الإِسلامُ لَمْ يُقْتَصَرْ مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ إِنِّي مُسْلِمٌ حَتَّى يَصِفَ الإِسلامَ بِكَمَالِهِ وشرائِطه، فَإِذَا جَاءَنَا مَنْ نَجْهَل حالَه فِي الْكُفْرِ والإِيمان فَقَالَ إِنِّي مُسْلِم قَبِلْناه، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَمارةُ الإِسلامِ مِنْ هَيْئَةٍ وشارةٍ ودارٍ كَانَ قبولُ قَوْلِهِ أَولى، بَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بالإِسلام وإنْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. وَفِي حَدِيثِ
عُقْبة بْنِ عَامِرٍ: أَسْلم الناسُ وآمَنَ عمرُو بْنُ الْعَاصِ
؛ كأَنَّ هَذَا إشارةٌ إِلَى جماعةٍ آمَنوا مَعَهُ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وأنَّ عَمْراً كَانَ مُخْلِصاً فِي إِيمَانِهِ، وَهَذَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي يُرادُ بِهِ الْخَاصُّ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا مِنْ نبيٍّ إلَّا أُعْطِيَ منَ الآياتِ مَا مثلُه آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْياً أَوْحاهُ اللهُ إِليَ
أَي آمَنوا عِنْدَ مُعايَنة مَا آتَاهُمْ مِنَ الآياتِ والمُعْجِزات، وأَراد بالوَحْيِ إعْجازَ الْقُرْآنِ الَّذِي خُصَّ بِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ المُنزَّلة كَانَ مُعْجِزاً إِلَّا الْقُرْآنُ. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَنْ حَلَف بالأَمانةِ فَلَيْسَ مِنَّا
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: يُشْبِهُ أَن تَكُونَ الكراهةُ فِيهِ لأَجل أَنه أُمِر أَن يُحْلَفَ بأَسماءِ اللَّهِ وصفاتِه، والأَمانةُ أَمرٌ مِنْ أُمورِه، فنُهُوا عَنْهَا مِنْ أَجل التَّسْوِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَسماء اللَّهِ، كَمَا نُهوا أَن يحلِفوا بِآبَائِهِمْ. وَإِذَا قَالَ الحالفُ: وأَمانةِ اللَّهِ، كَانَتْ يَمِينًا عِنْدَ أَبي حَنِيفَةَ، والشافعيُّ لَا يعدُّها يَمِينًا. وَفِي الْحَدِيثِ:
أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دينَكَ وأَمانتَكَ
أَي أَهلك ومَنْ تُخَلِّفُه بَعْدَكَ مِنْهُمْ، ومالَكَ الَّذِي تُودِعُه وتستَحْفِظُه أَمِينَك ووكِيلَكَ. والأَمينُ: القويُّ لأَنه يُوثَقُ بقوَّتِه. وناقةٌ أَمون: أَمينةٌ وثِيقةُ الخَلْقِ، قَدْ أُمِنَتْ أَن تَكُونَ ضَعِيفَةً، وَهِيَ الَّتِي أُمِنتْ العِثَارَ والإِعْياءَ، وَالْجَمْعُ أُمُنٌ، قَالَ: وَهَذَا فعولٌ جَاءَ فِي مَوْضِعِ
стр. 6589
مَفْعولةٍ، كَمَا يُقَالُ: نَاقَةٌ عَضوبٌ وحَلوبٌ. وآمِنُ المالِ: مَا قَدْ أَمِنَ لنفاسَتِه أَن يُنْحَرَ، عنَى بِالْمَالِ الإِبلَ، وَقِيلَ: هُوَ الشريفُ مِنْ أَيِّ مالٍ كانَ، كأَنه لَوْ عَقَلَ لأَمِنَ أَن يُبْذَل؛ قَالَ الحُوَيْدرة:
ونَقِي بآمِنِ مالِنا أَحْسابَنا، ... ونُجِرُّ فِي الهَيْجا الرِّماحَ وندَّعي
. قولُه: ونَقِي بآمِنِ مالِنا «٣». أَي ونَقِي بخالِصِ مالِنا، نَدَّعي نَدْعُو بأَسمائنا فَنَجْعَلُهَا شِعاراً لَنَا فِي الْحَرْبِ. وآمِنُ الحِلْم: وَثِيقُه الَّذِي قَدْ أَمِنَ اخْتِلاله وانْحِلاله؛ قَالَ:
والخَمْرُ لَيْسَتْ منْ أَخيكَ، ولكنْ ... قَدْ تَغُرُّ بآمِنِ الحِلْمِ
ويروى: تَخُون بثامِرِ الحِلْمِ أَي بتامِّه. التَّهْذِيبُ: والمُؤْمنُ مِن أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي وَحَّدَ نفسَه بِقَوْلِهِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، وَبِقَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وَقِيلَ: المُؤْمِنُ فِي صِفَةِ اللَّهِ الَّذِي آمَنَ الخلقَ مِنْ ظُلْمِه، وَقِيلَ: المُؤْمن الَّذِي آمَنَ أَوْلياءَه عذابَه، قَالَ: قَالَ ابْنُ الأَعرابي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ سَمِعْتُ أَبا الْعَبَّاسِ يَقُولُ: المُؤْمنُ عِنْدَ الْعَرَبِ المُصدِّقُ، يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصدّق عبادَه الْمُسْلِمِينَ يومَ الْقِيَامَةِ إِذَا سُئلَ الأُمَمُ عَنْ تَبْلِيغِ رُسُلِهم، فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ رسولٍ وَلَا نَذِيرٍ، ويكذِّبون أَنبياءَهم، ويُؤْتَى بأُمَّة مُحَمَّدٍ فيُسْأَلون عَنْ ذَلِكَ فيُصدِّقونَ الماضِينَ فيصدِّقُهم اللَّهُ، ويصدِّقهم النبيُّ مُحَمَّدٌ، ﷺ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا ... جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً، وَقَوْلُهُ: وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
؛ أَي يصدِّقُ المؤْمنين؛ وَقِيلَ: المُؤْمن الَّذِي يَصْدُق عبادَه، مَا وَعَدَهم، وكلُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ لأَنه صَدَّق بِقَوْلِهِ مَا دَعَا إِلَيْهِ عبادَه مِنْ تَوْحِيدٍ، وكأَنه آمَنَ الخلقَ مِنْ ظُلْمِه وَمَا وَعَدَنا مِنَ البَعْثِ والجنَّةِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ، والنارِ لِمَنْ كفرَ بِهِ، فَإِنَّهُ مصدِّقٌ وعْدَه لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ ابْنُ الأَثير: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى المُؤْمِنُ، هُوَ الَّذِي يَصْدُقُ عبادَه وعْدَه فَهُوَ مِنَ الإِيمانِ التصديقِ، أَو يُؤْمِنُهم فِي الْقِيَامَةِ عذابَه فَهُوَ مِنَ الأَمانِ ضِدِّ الْخَوْفِ. الْمُحْكَمِ: المُؤْمنُ اللهُ تَعَالَى يُؤْمِنُ عبادَه مِنْ عذابِه، وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ؛ قَالَ الْفَارِسِيُّ: الهاءُ بدلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءُ مُلْحِقةٌ ببناء مُدَحْرِج؛ وقال ثَعْلَبٌ: هُوَ المُؤْمِنُ المصدِّقُ لعبادِه، والمُهَيْمِنُ الشاهدُ عَلَى الشَّيْءِ القائمُ عَلَيْهِ. والإِيمانُ: الثِّقَةُ. وَمَا آمنَ أَن يَجِدَ صَحابةً أَي مَا وَثِقَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا كادَ. والمأْمونةُ مِنَ النِّسَاءِ: المُسْتراد لِمِثْلِهَا. قَالَ ثَعْلَبٌ: فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ
مَا آمَنَ بِي مَن باتَ شَبْعانَ وجارُه جائعٌ
؛ مَعْنَى مَا آمَنَ بِي شديدٌ أَي يَنْبَغِي لَهُ أَن يُواسيَه. وآمينَ وأَمينَ: كلمةٌ تُقَالُ فِي إثْرِ الدُّعاء؛ قَالَ الْفَارِسِيُّ: هِيَ جملةٌ مركَّبة مِنْ فعلٍ وَاسْمٍ، مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِي، قَالَ: ودليلُ ذَلِكَ
أَن مُوسَى، ﵇، لَمَّا دَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ وأَتباعه فَقَالَ: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ، قَالَ هَارُونُ، ﵇: آمِينَ
، فطبَّق الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَى آمينَ كَذَلِكَ يكونُ، وَيُقَالُ: أَمَّنَ الإِمامُ تأْميناً إِذَا قَالَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أُمِّ الكِتاب آمِينَ، وأَمَّنَ فلانٌ تأْميناً. الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِ الْقَارِئِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آمينَ: فِيهِ لُغَتَانِ: تَقُولُ الْعَرَبُ أَمِينَ بِقَصْرِ الأَلف، وآمينَ بِالْمَدِّ، والمدُّ أَكثرُ، وأَنشد فِي لغة مَنْ قَصَر:
стр. 6590
تباعَدَ منِّي فُطْحُلٌ، إِذْ سأَلتُه ... أَمينَ، فزادَ اللهُ ما بيْننا بُعْدا
وروى ثَعْلَبٌ فُطْحُل، بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْحَاءِ، أَرادَ زادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْداً أَمين؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِشَاعِرٍ:
سَقَى اللَّهُ حَيّاً بَيْنَ صارةَ والحِمَى، ... حِمَى فَيْدَ صَوبَ المُدْجِناتِ المَواطرِ
أَمِينَ ورَدَّ اللهُ رَكْباً إليهمُ ... بِخَيْرٍ، ووَقَّاهُمْ حِمامَ المقادِرِ
وَقَالَ عُمَر بْنُ أَبي رَبِيعَةَ فِي لُغَةِ مَنْ مدَّ آمينَ:
يَا ربِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أَبَداً، ... ويرْحمُ اللهُ عَبْداً قَالَ: آمِينا
قَالَ: وَمَعْنَاهُمَا اللهمَّ اسْتَجِبْ، وَقِيلَ: هُوَ إيجابٌ ربِّ افْعَلْ قَالَ: وَهُمَا مَوْضُوعَانِ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الاستحابةِ، كَمَا أَنَّ صَهْ موضوعٌ موضعَ سُكوتٍ، قَالَ: وحقُّهما مِنَ الإِعراب الوقفُ لأَنهما بِمَنْزِلَةِ الأَصْواتِ إِذَا كَانَا غيرَ مُشْتَقَّيْنِ مِنْ فعلٍ، إِلَّا أَن النُّونَ فُتِحت فِيهِمَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَلَمْ تُكسر النونُ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْيَاءِ، كَمَا فَتَحُوا أَينَ وكيفَ، وتشديدُ الْمِيمِ خطأٌ، وَهُوَ مبنيٌّ عَلَى الْفَتْحِ مِثْلَ أَينَ وَكَيْفَ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: قَالَ أَحمد بْنُ يَحْيَى قَوْلُهُمْ آمِينَ هُوَ عَلَى إشْباع فتحةِ الْهَمْزَةِ، ونشأَت بَعْدَهَا أَلفٌ، قَالَ: فأَما قَوْلُ أَبي الْعَبَّاسِ إنَّ آمِينَ بِمَنْزِلَةِ عاصِينَ فَإِنَّمَا يريدُ بِهِ أَن الْمِيمَ خَفِيفَةٌ كصادِ عاصِينَ، لَا يُريدُ بِهِ حقيقةَ الْجَمْعِ، وَكَيْفَ ذلك وقد حكي عن الْحَسَنِ، ﵀، أَنه قَالَ: آمِينَ اسمٌ مِنْ أَسماء اللَّهِ ، وأَين لَكَ فِي اعْتِقَادِ مَعْنَى الْجَمْعِ مَعَ هَذَا التَّفْسِيرِ؟ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آمِينَ اسْمٌ مِنْ أَسماء اللَّهِ؛ قَالَ الأَزهري: وَلَيْسَ يَصِحُّ كَمَا قَالَهُ عِنْدَ أَهل اللُّغَةِ أَنه بِمَنْزِلَةِ يَا اللَّهُ وأَضمر اسْتَجِبْ لِي، قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لرُفِعَ إِذَا أُجْرِي وَلَمْ يَكُنْ مَنْصُوبًا. وَرَوَى
الأَزهري عَنْ حُمَيْد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّه أُمِّ كُلْثومٍ بِنْتِ عُقبة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، قَالَتْ: غُشِيَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوفٍ غَشيةَ ظَنُّوا أَنَّ نفْسَه خَرَجَتْ فِيهَا، فَخَرَجَتِ امرأَته أُم كُلْثُومٍ إِلَى الْمَسْجِدِ تسْتَعين بِمَا أُمِرَتْ أَن تسْتَعينَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَمَّا أَفاقَ قَالَ: أَغُشِيَ عليَّ؟ قَالُوا: نعمْ، قَالَ: صدَقْتُمْ، إِنَّهُ أَتاني مَلَكانِ فِي غَشْيَتِي فَقَالَا: انْطلِقْ نحاكِمْكَ إِلَى الْعَزِيزِ الأَمين، قَالَ: فانطَلَقا بِي، فلقِيَهُما مَلَكٌ آخرُ فَقَالَ: وأَين تُرِيدانِ بِهِ؟ قَالَا: نُحَاكِمُهُ إِلَى الْعَزِيزِ الأَمين، قَالَ: فارْجِعاه فَإِنَّ هَذَا مِمَّنْ كتَب اللَّهُ لَهُمُ السعادةَ وَهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتهم، وسَيُمَتِّعُ اللَّهُ بِهِ نبيَّه مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَعَاشَ شَهْرًا ثُمَّ ماتَ.
والتَّأْمينُ: قولُ آمينَ. وَفِي حَدِيثِ
أَبي هُرَيْرَةَ: أَن النَّبِيَّ، ﷺ ، قَالَ: آمِينَ خاتَمُ ربِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
؛ قَالَ أَبو بَكْرٍ: مَعْنَاهُ أَنه طابَعُ اللَّهِ عَلَى عبادِه لأَنه يَدْفعُ بِهِ عَنْهُمُ الْآفَاتِ والبَلايا، فَكَانَ كخاتَم الْكِتَابِ الَّذِي يَصُونه وَيَمْنَعُ مِنْ فسادِه وإِظهارِ مَا فِيهِ لِمَنْ يُكْرَهُ عِلْمُهُ بِهِ ووُقوفَه عَلَى مَا فِيهِ.
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنه قَالَ: آمينَ درجةٌ فِي الجنَّة
؛ قَالَ أَبو بَكْرٍ: مَعْنَاهُ أَنها كلمةٌ يكتَسِبُ بِهَا قائلُها دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ. وَفِي حَدِيثِ
بِلَالٍ: لَا تسْبِقْني بآمينَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: يُشْبِهُ أَن يَكُونَ بلالٌ كَانَ يقرأُ الفاتحةَ فِي السَّكتةِ الأُولى مِنْ سكْتَتَي الإِمام، فَرُبَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهَا شيءٌ وَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، قَدْ فرَغ مِنْ قراءتِها، فاسْتَمْهَلَه بِلَالٌ فِي التأْمينِ بِقَدْرِ مَا يُتِمُّ فِيهِ قراءةَ بقيَّةِ السُّورَةِ حَتَّى يَنَالَ بركةَ موافَقتِه فِي التّأْمين.
стр. 6591
أنن: أَنَّ الرجلُ مِنَ الْوَجَعِ يَئِنُّ أَنيناً، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
يَشْكو الخِشاشَ ومَجْرى النَّسْعَتَين، كَمَا ... أَنَّ المرِيضُ، إِلَى عُوَّادِه، الوَصِبُ
والأُنانُ، بِالضَّمِّ: مِثْلُ الأَنينِ؛ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَبْناء يُخَاطِبُ أَخاه صَخْرًا:
أَراكَ جَمَعْتَ مسْأَلةً وحِرْصاً، ... وَعِنْدَ الفَقْرِ زَحّاراً أُنانا
وَذَكَرَ السِّيرَافِيُّ أَن أُناناً هُنَا مِثْلُ خُفافٍ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ فَيَكُونُ مِثْلَ زَحّار فِي كَوْنِهِ صِفَةً، قَالَ: والصِّفتان هُنَا واقِعتان مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ، قال: وكذلك التأْنانُ؛ وقال:
إنَّا وجَدْنا طَرَدَ الهَوامِلِ ... خَيْرًا مِنَ التَّأْنانِ والمَسائِلِ
«١». وعِدَةِ العامِ وعامٍ قابِلِ ... مَلْقوحةً فِي بَطْنِ نابٍ حائلِ
. مَلْقُوحَةً: منصوبةٌ بالعِدَة، وَهِيَ بِمَعْنَى مُلْقَحَةً، وَالْمَعْنَى أَنها عِدةٌ لَا تَصِحُّ لأَن بطنَ الْحَائِلِ لَا يَكُونُ فِيهِ سَقْبٌ مُلْقَحة. ابن سيدة: أَنَّ الرجلُ يَئِنُّ أَنّاً وأَنيناً وأُناناً وأَنَّةً تأَوَّه. التَّهْذِيبُ: أَنَّ الرجلُ يَئِنُّ أَنيناً وأَنَتَ يأْنِتُ أَنيتاً ونأَتَ يَنْئِتُ نَئِيتاً بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَرَجُلٌ أَنّانٌ وأُنانٌ وأُنَنةٌ: كثيرُ الأَنين، وَقِيلَ: الأُنَنةُ الكثيرُ الْكَلَامِ والبَثِّ والشَّكْوَى، وَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ فِعْلٌ، وَإِذَا أَمرت قُلْتَ: إينِنْ لأَن الْهَمْزَتَيْنِ إِذَا التَقَتا فَسَكَنَتِ الأَخيرة اجْتَمَعُوا عَلَى تَلْيينِها، فأَما فِي الأَمر الثَّانِي فَإِنَّهُ إِذَا سَكَنَتِ الْهَمْزَةُ بَقِيَ النونُ مَعَ الْهَمْزَةِ وَذَهَبَتِ الْهَمْزَةُ الأُولى. وَيُقَالُ للمرأَة: إنِّي، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ اقْرِرْ، وللمرأَة قِرِّي، وامرأَة أنّانةٌ كَذَلِكَ. وَفِي بَعْضِ وَصَايَا الْعَرَبِ: لَا تَتّخِذْها حَنَّانةً وَلَا مَنّانةً وَلَا أَنّانةً. وَمَا لَهُ حانَّةٌ وَلَا آنّةٌ أَي مَا لَه ناقةٌ وَلَا شاةٌ، وَقِيلَ: الحانّةُ الناقةُ والآنّةُ الأَمَةُ تَئِنّ مِنَ التَّعَبِ. وأَنَّتِ القوسُ تَئِنُّ أَنيناً: أَلانت صوتَها ومَدّته؛ حَكَاهُ أَبو حَنِيفَةَ؛ وأَنشد قَوْلَ رُؤْبَةَ:
تِئِنُّ حينَ تجْذِبُ المَخْطوما، ... أَنين عَبْرَى أَسْلَمت حَميما
. والأُنَنُ: طائرٌ يَضْرِبُ إِلَى السَّواد، لَهُ طَوْقٌ كَهَيْئَةِ طَوْق الدُّبْسِيّ، أَحْمَرُ الرِّجْلين والمِنْقار، وَقِيلَ: هُوَ الوَرَشان، وَقِيلَ: هُوَ مِثْلُ الْحَمَامِ إِلَّا أَنه أَسود، وصوتُه أَنِينٌ: أُوهْ أُوهْ. وإنَّه لَمِئنّةٌ أَن يَفْعَلَ ذَلِكَ أَي خَليقٌ، وَقِيلَ: مَخْلَقة مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الإِثنان وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ مَئِنّةٌ فَعِلَّةً، فَعَلَى هَذَا ثلاثيٌّ. وأَتاه عَلَى مَئِنّةِ ذَلِكَ أَي حينهِ ورُبّانِه. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ طُولَ الصلاةِ وقِصَرَ الخُطْبةِ مَئِنّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ
أَي بيانٌ مِنْهُ. أَبو زَيْدٍ: إِنَّهُ لَمَئِنّةٌ أَن يفعل ذلك، وأَنتما وَإِنَّهُنَّ لَمَئِنّةٌ أَن تَفْعَلُوا ذَلِكَ بِمَعْنَى إِنَّهُ لخَليق أَن يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
ومَنْزِل مِنْ هَوَى جُمْلٍ نَزَلْتُ بِهِ، ... مَئِنّة مِنْ مَراصيدِ المَئِنّاتِ
بِهِ تَجَاوَزَتُ عَنْ أُولى وكائِده، ... إِنِّي كَذَلِكَ رَكّابُ الحَشِيّات
. أَول حِكَايَةٍ «٢». أَبو عَمْرٍو: الأَنّةُ والمَئِنّة والعَدْقةُ
стр. 6592
والشَّوْزَب وَاحِدٌ؛ وَقَالَ دُكَيْن:
يَسْقِي عَلَى درّاجةٍ خَرُوسِ، ... مَعْصُوبةٍ بينَ رَكايا شُوسِ،
مَئِنّةٍ مِنْ قَلَتِ النُّفوسِ
يُقَالُ: مَكَانٍ مِنْ هلاكِ النُّفُوسِ، وقولُه مَكَانٍ مِنْ هَلَاكِ النُّفُوسِ تفسيرٌ لِمَئِنّةٍ، قَالَ: وكلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنه بِمَنْزِلَةِ مَظِنَّة، والخَروسُ: البَكْرةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِصَافِيَةِ الصوتِ، والجَروسُ، بِالْجِيمِ: الَّتِي لَهَا صَوْتٌ. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الأَصمعي سأَلني شُعْبَةُ عَنْ مَئِنَّة فَقُلْتُ: هُوَ كَقَوْلِكَ عَلامة وخَليق، قَالَ أَبو زَيْدٍ: هُوَ كَقَوْلِكَ مَخْلَقة ومَجْدَرة؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أَن هَذَا مِمَّا يُعْرَف بِهِ فِقْهُ الرَّجُلِ ويُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ، قَالَ: وكلُّ شيءٍ دلَّكَ عَلَى شيءٍ فَهُوَ مَئِنّةٌ لَهُ؛ وأَنشد لِلْمَرَّارِ:
فَتَهامَسوا سِرّاً فَقَالُوا: عَرِّسوا ... مِنْ غَيْر تَمْئِنَةٍ لِغَيْرِ مُعَرِّسِ
قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَالَّذِي رَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ عَنِ الأَصمعي وأَبي زَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ المَئِنّة صحيحٌ، وَأَمَّا احْتِجاجُه برأْيه ببَيْت الْمَرَّارِ فِي التَّمْئِنَة للمَئِنَّة فَهُوَ غَلَطٌ وسهوٌ، لأَن الميمَ فِي التَّمْئِنة أَصليةٌ، وَهِيَ فِي مَئِنّةٍ مَفْعِلةٌ لَيْسَتْ بأَصلية، وسيأْتي تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ مأَن. اللِّحْيَانِيُّ: هُوَ مَئِنَّةٌ أَن يَفْعَلَ ذَلِكَ ومَظِنَّة أَن يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ وأَنشد:
إنَّ اكتِحالًا بالنَّقِيّ الأَمْلَجِ، ... ونَظَراً فِي الحاجِبِ المُزَجَّجِ
مَئِنَّةٌ منَ الْفِعَالِ الأَعْوجِ
فكأَن مَئِنّةً، عِنْدَ اللِّحْيَانِيِّ، مبدلٌ الهمزةُ فِيهَا مِنَ الظَّاءِ فِي المَظِنَّة، لأَنه ذَكَرَ حُرُوفًا تُعاقِب فِيهَا الظاءُ الهمزةَ، مِنْهَا قولُهم: بيتٌ حسَنُ الأَهَرَةِ والظَّهَرةِ. وَقَدْ أَفَرَ وظَفَر أَي وثَب. وأَنَّ الماءَ يؤُنُّه أَنًّا إِذَا صبَّه. وَفِي كَلَامِ الأَوائل: أُنَّ مَاءً ثُمَّ أَغْلِه أَي صُبَّه وأَغْلِه؛ حَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ يَرْوِيهِ أُزّ مَاءً ويزعُمُ أَنَّ أُنَّ تصحيفٌ. قَالَ الْخَلِيلُ فِيمَا رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ: إنَّ الثقيلةُ تَكُونُ منصوبةَ الأَلفِ، وتكونُ مكسورةَ الأَلف، وَهِيَ الَّتِي تَنْصِبُ الأَسماء، قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ مُبتَدأَةً لَيْسَ قَبْلَهَا شيءٌ يُعْتمد عَلَيْهِ، أَو كَانَتْ مستأْنَفَةً بَعْدَ كَلَامٍ قَدِيمٍ ومَضَى، أَو جَاءَتْ بَعْدَهَا لامٌ مؤكِّدَةٌ يُعْتمد عَلَيْهَا كُسِرَتْ الأَلفُ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ تُنْصَب الأَلف. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي إنَّ: إِذَا جَاءَتْ بَعْدَ الْقَوْلِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَتْ حِكَايَةً لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا القولُ وَمَا تصرَّف مِنْهُ فَهِيَ مَكْسُورَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَفْسِيرًا لِلْقَوْلِ نَصَبَتْها وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلَ اللَّهِ : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
؛ وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى استئنافٌ كأَنه قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ العزَّة لله جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
، كسَرْتَها لأَنها بَعْدَ الْقَوْلِ عَلَى الْحِكَايَةِ، قَالَ: وأَما قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِنَّكَ فتحْتَ الأَلفَ لأَنها مفسِّرة لِمَا وَمَا قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا القولُ فنصبَها وموضعُها نصبٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ: قَدْ قُلْتُ لَكَ كَلَامًا حسَناً أَنَّ أَباكَ شريفٌ وأَنك عاقلٌ، فتحتَ أَنَّ لأَنها فسَّرت الْكَلَامَ والكلامُ منصوبٌ، وَلَوْ أَردْتَ تكريرَ الْقَوْلِ عَلَيْهَا كسَرْتَها، قَالَ: وَقَدْ تَكُونُ إنَّ بَعْدَ الْقَوْلِ مَفْتُوحَةً إِذَا كَانَ الْقَوْلُ يُرافِعُها، منْ ذَلِكَ أَن تَقُولَ: قولُ عَبْدِ اللَّهِ مُذُ اليومِ أَن النَّاسَ خَارِجُونَ، كَمَا تَقُولُ: قولُكَ مُذ اليومِ كلامٌ لَا يُفْهم. وَقَالَ اللَّيْثُ: إِذَا وَقَعَتْ إنَّ عَلَى الأَسماء وَالصِّفَاتِ فَهِيَ مُشَدِّدَةٌ، وَإِذَا
стр. 6593
وَقَعَتْ عَلَى فعلٍ أَو حرفٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِي صِفةٍ أَو تصريفٍ فخفِّفْها، تَقُولُ: بَلَغَنِي أَن قَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، تخفِّف مِنْ أَجل كَانَ لأَنها فِعْلٌ، وَلَوْلَا قَدْ لَمْ تَحْسُنْ عَلَى حَالٍ مِنَ الْفِعْلِ حَتَّى تَعْتَمِدَ عَلَى مَا أَو عَلَى الْهَاءِ كَقَوْلِكَ إِنَّمَا كَانَ زَيْدٌ غَائِبًا، وبلَغني أَنه كَانَ أَخو بَكْرٍ غَنِيّاً، قَالَ: وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي أَنه كَانَ كَذَا وَكَذَا، تُشَدِّدُها إِذَا اعتمدَتْ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: إنْ رُبَّ رَجُلٍ، فَتُخَفِّفُ، فَإِذَا اعتمدَتْ قُلْتَ: إِنَّهُ رُبَّ رَجُلٍ، شدَّدْت وَهِيَ مَعَ الصِّفَاتِ مُشَدَّدَةٌ إنَّ لَكَ وإنَّ فِيهَا وإنَّ بِكَ وأَشباهها، قَالَ: وَلِلْعَرَبِ لُغَتَانِ فِي إنَّ المشدَّدة: إِحْدَاهُمَا التَّثْقِيلُ، والأُخرى التَّخْفِيفُ، فأَما مَن خفَّف فَإِنَّهُ يَرْفَعُ بِهَا إِلَّا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهل الْحِجَازِ يخفِّفون وَيَنْصِبُونَ عَلَى توهُّم الثَّقِيلَةِ، وقرئَ:
وأنْ كُلًّا لَمَّا ليُوفّينّهم
؛ خَفَّفُوا وَنَصَبُوا؛ وأَنشد الْفَرَّاءُ فِي تَخْفِيفِهَا مَعَ الْمُضْمَرِ:
فلوْ أَنْكِ فِي يَوْمِ الرَّخاءِ سأَلْتِني ... فِراقَك، لَمْ أَبْخَلْ، وأَنتِ صديقُ
وأَنشد الْقَوْلَ الْآخَرَ:
لقد عَلِمَ الضَّيفُ والمُرْمِلون، ... إِذَا اغْبَرَّ أُفْقٌ وهَبَّتْ شَمَالًا،
بأَنَّكَ ربيعٌ وغَيْثٌ مَرِيعٌ، ... وقِدْماً هناكَ تكونُ الثِّمالا
قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الْكِسَائِيُّ فِي قَوْلِهِ : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
؛ كُسِرَتْ إِنَّ لِمكان اللَّامِ الَّتِي اسْتَقْبَلَتْهَا فِي قَوْلِهِ لَفي، وَكَذَلِكَ كلُّ مَا جاءَك مِنْ أَنَّ فَكَانَ قَبْلَهُ شيءٌ يَقَعُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْصُوبٌ، إِلَّا مَا استقبَله لامٌ فَإِنَّ اللَّامَ تُكْسِره، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ انَّ إِلَّا فَهِيَ مَكْسُورَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اسْتَقبَلَتْها اللَّامُ أَو لَمْ تَسْتَقْبِلْهَا كَقَوْلِهِ : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ
؛ فَهَذِهِ تُكْسر وَإِنْ لَمْ تَسْتَقْبِلْهَا لامٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ جَوَابًا ليَمين كَقَوْلِكَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لقائمٌ، فَإِذَا لَمْ تأْتِ بِاللَّامِ فَهِيَ نصبٌ: واللهِ أَنَّكَ قَائِمٌ، قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَالنَّحْوِيُّونَ يَكْسِرُونَ وَإِنْ لَمْ تَسْتَقْبِلْهَا اللامُ. وَقَالَ أَبو طَالِبٍ النَّحْوِيُّ فِيمَا رَوَى عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ: أَهل الْبَصْرَةِ غَيْرَ سِيبَوَيْهِ وذَوِيه يَقُولُونَ الْعَرَبُ تُخَفِّف أَنَّ الشَّدِيدَةَ وتُعْمِلها؛ وأَنشدوا:
ووَجْهٍ مُشْرِقِ النَّحْر، ... كأَنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ
أَراد كأَنَّ فخفَّف وأَعْمَلَ، قَالَ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ لَمْ نَسْمَعِ العربَ تخفِّف أَنَّ وتُعْمِلها إِلَّا مَعَ المَكْنيّ لأَنه لَا يتبيَّن فِيهِ إِعْرَابٌ، فأَما فِي الظَّاهِرِ فَلَا، وَلَكِنْ إِذَا خَفَّفوها رفَعُوا، وأَما مَنْ خفَّف
وإنْ كُلًّا لمَا ليُوَفِّيَنَّهم
، فإنهم نصبوا كُلًّا بِلَيُوَفِّيَنَّهم كأَنه قَالَ: وإنْ ليُوفِّينَّهم كُلًّا، قَالَ: وَلَوْ رُفِعت كلٌّ لصلَح ذَلِكَ، تَقُولُ: إنْ زيدٌ لقائمٌ. ابْنُ سِيدَهْ: إنَّ حَرْفُ تأْكيد. وَقَوْلُهُ : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
، أَخبر أَبو عَلِيٍّ أَن أَبا إسحق ذَهَبَ فِيهِ إِلَى أَنَّ إنَّ هُنَا بِمَعْنَى نَعَمْ، وَهَذَانِ مرفوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وأَنَّ اللامَ فِي لَساحران داخلةٌ عَلَى غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وأَن تَقْدِيرَهُ نَعَمْ هَذَانِ هُمَا ساحِران، وَحُكِيَ عَنْ أَبي إسحق أَنه قَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي عِنْدِي فِيهِ، وَاللَّهُ أَعلم. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ بيَّن أَبو عليٍّ فسادَ ذَلِكَ فغَنِينا نَحْنُ عَنْ إِيضَاحِهِ هُنَا. وَفِي التَّهْذِيبِ: وأَما قَوْلُ اللَّهِ : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
، فإنَّ أبا إسحق النَّحْوِيَّ اسْتَقْصى مَا قَالَ فِيهِ النَّحْوِيُّونَ فحَكَيْت كَلَامَهُ. قَالَ: قرأَ المدنيُّون وَالْكُوفِيُّونَ إِلَّا عَاصِمًا: إنَّ هَذَانِ لَساحِران، وَرُوِيَ
عَنْ عَاصِمٍ أَنه قرأَ: إنْ هَذَانِ
، بِتَخْفِيفِ إنْ، وَرُوِيَ
عَنِ الْخَلِيلِ: إنْ هَذَانِ
стр. 6594
لساحِران
، قَالَ: وقرأَ
أَبو عَمْرٍو إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ
، بِتَشْدِيدِ إِنَّ ونصْبِ هَذَيْنِ، قال أَبو إسحق: والحجةُ فِي إِنَّ هَذَانِ لساحِران، بِالتَّشْدِيدِ وَالرَّفْعِ، أَن أَبا عُبَيْدَةَ رَوَى عَنْ أَبي الْخَطَّابِ أَنه لغةٌ لكنانةَ، يَجْعَلُونَ أَلفَ الِاثْنَيْنِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، يَقُولُونَ: رأَيت الزَّيْدَانَ، وَرَوَى أَهلُ الْكُوفَةِ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: أَنها لغة لبني الحرث بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماء: هَاهُنَا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، الْمَعْنَى: إِنَّهُ هذانِ لساحِران، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ فِي مَعْنَى نعَمْ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وأَنشدوا لِابْنِ قَيْسِ الرُّقَيَّات:
بَكَرَتْ عليَّ عواذِلي ... يَلْحَيْنَنِي وأَلومُهُنَّهْ
ويَقُلْنَ: شَيْبٌ قدْ علّاكَ، ... وَقَدْ كَبِرْتَ، فقلتُ: إنَّهْ
. أَي إِنَّهُ قَدْ كَانَ كَمَا تَقُلْن؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَهَذَا اختصارٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يُكتفى مِنْهُ بِالضَّمِيرِ لأَنه قَدْ عُلِم مَعْنَاهُ؛ وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي هَذَا: إِنَّهُمْ زَادُوا فِيهَا النونَ فِي التَّثْنِيَةِ وَتَرَكُوهَا عَلَى حَالِهَا فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، كَمَا فعَلوا فِي الَّذِينَ فَقَالُوا الَّذِي، فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، قَالَ: فَهَذَا جَمِيعُ مَا قَالَ النَّحْوِيُّونَ فِي الْآيَةِ؛ قال أَبو إسحق: وأَجودُها عِنْدِي أَن إِنَّ وَقَعَتْ مَوْقِعَ نَعَمْ، وأَن اللَّامَ وَقَعتْ موقِعَها، وأَنّ الْمَعْنَى نعَمْ هَذَانِ لَهُمَا سَاحِرَانِ، قَالَ: وَالَّذِي يَلِي هَذَا فِي الجَوْدَة مذهبُ بني كنانة وبَلْحَرِث بن كَعْبٍ، فأَما قراءةُ أَبي عَمْرٍو فَلَا أُجيزُها لأَنها خلافُ الْمُصْحَفِ، قَالَ: وأَستحسن قراءةَ عَاصِمٍ وَالْخَلِيلِ إنْ هَذَانِ لَساحِران. وَقَالَ غيرُه: الْعَرَبُ تَجْعَلُ الْكَلَامَ مُخْتَصَرًا مَا بعْدَه عَلَى إنَّه، وَالْمُرَادُ إِنَّهُ لَكَذَلِكَ، وَإِنَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ، قَالَ: وأَما قَوْلُ الأَخفش إنَّه بِمَعْنَى نَعَمْ فَإِنَّمَا يُراد تأْويله لَيْسَ أَنه مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِذَلِكَ، قَالَ: وَهَذِهِ الْهَاءُ أُدْخِلت لِلسُّكُوتِ. وَفِي حَدِيثِ
فَضالة بْنِ شَريك: أَنه لقِيَ ابنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِنَّ نَاقَتِي قَدْ نَقِبَ خفُّها فاحْمِلْني، فَقَالَ: ارْقَعْها بجِلدٍ واخْصِفْها بهُلْبٍ وسِرْ بِهَا البَرْدَين، فَقَالَ فَضالةُ: إِنَّمَا أَتَيْتُك مُسْتَحْمِلًا لَا مُسْتَوْصِفاً، لَا حَمَلَ اللَّهُ نَاقَةً حمَلتْني إِليك فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ وراكِبَها
أَي نعَمْ مَعَ رَاكِبِهَا. وَفِي حَدِيثِ
لَقيط بْنِ عَامِرٍ: وَيَقُولُ رَبُّكَ وَإِنَّهُ
أَي وَإِنَّهُ كَذَلِكَ، أَو إِنَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ، وَقِيلَ: إنَّ بِمَعْنَى نَعَمْ وَالْهَاءُ لِلْوَقْفِ، فأَما قَوْلُهُ : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
، وإِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ
، وَنَحْوُ ذَلِكَ فأَصله إنَّنا وَلَكِنْ حُذِفَت إِحْدَى النُّونَين مِنْ إنَّ تَخْفِيفًا، وَيَنْبَغِي أَن تكونَ الثانيةَ مِنْهُمَا لأَنها طرَفٌ، وَهِيَ أَضعف، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُبْدِلُ هَمْزَتَها هَاءً مَعَ اللَّامِ كَمَا أَبدلوها فِي هَرَقْت، فَتَقُولُ: لَهِنَّك لَرَجُلُ صِدْقٍ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَيْسَ كلُّ الْعَرَبِ تَتَكَلَّمُ بِهَا؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلا يَا سَنا بَرْقٍ عَلَى قُنَنِ الحِمَى، ... لَهِنّكَ مِنْ بَرْقٍ عليَّ كَرِيمُ
وحِكى ابْنُ الأَعرابي: هِنّك وواهِنّك، وَذَلِكَ عَلَى الْبَدَلِ أَيضاً. التَّهْذِيبُ فِي إِنَّمَا: قَالَ النَّحْوِيُّونَ أَصلها مَا مَنَعت إنَّ مِنَ الْعَمَلِ، وَمَعْنَى إِنَّمَا إثباتٌ لِمَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا ونفيٌ لِمَا سِوَاهُ كَقَوْلِهِ:
وَإِنَّمَا يُدافعُ عَنْ أَحسابهم أَنا ومِثْلي
الْمَعْنَى: مَا يُدافع عَنْ أَحسابِهم إِلَّا أَنا أَو مَنْ هُوَ مِثْلي، وأَنَّ: كَإِنَّ فِي التأْكيد، إِلَّا أَنها تَقَعُ مَوْقِعَ الأَسماء وَلَا تُبْدَل همزتُها هَاءً، وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَيْسَ أَنَّ كإنَّ، إنَّ كالفِعْلِ، وأَنَ
стр. 6595
كالاسْمِ، وَلَا تَدْخُلُ اللامُ مَعَ الْمَفْتُوحَةِ؛ فأَما قِرَاءَةُ
سَعِيدِ بْنِ جُبيَر: إلَّا أَنهم ليأْكلون الطَّعَامَ
، بِالْفَتْحِ، فَإِنَّ اللَّامَ زَائِدَةٌ كَزِيَادَتِهَا فِي قَوْلِهِ:
لَهِنَّك فِي الدُّنْيَا لبَاقيةُ العُمْرِ
الْجَوْهَرِيُّ: إنَّ وأَنَّ حَرْفَانِ يَنْصِبَانِ الأَسماءَ وَيَرْفَعَانِ الأَخبارَ، فالمكسورةُ مِنْهُمَا يُؤكَّدُ بِهَا الخبرُ، وَالْمَفْتُوحَةُ وَمَا بَعْدَهَا فِي تأْويل الْمَصْدَرِ، وَقَدْ يُخَفَّفان، فَإِذَا خُفِّفتا فَإِنْ شئتَ أَعْمَلْتَ وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْمِلْ، وَقَدْ تُزادُ عَلَى أَنَّ كافُ التَّشْبِيهِ، تَقُولُ: كأَنه شمسٌ، وَقَدْ تُخَفَّفُ أَيضاً فَلَا تعْمَل شَيْئًا؛ قَالَ:
كأَنْ ورِيداهُ رِشاءَا خُلُب
وَيُرْوَى: كأَنْ ورِيدَيْهِ؛ وَقَالَ آخَرُ:
ووَجْهٍ مُشْرِقِ النحرِ، ... كأَنْ ثَدْياه حُقَّانِ
وَيُرْوَى ثَدْيَيْه، عَلَى الإِعمال، وَكَذَلِكَ إِذَا حذفْتَها، فَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَ، وَإِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ، قَالَ طَرَفَةُ:
أَلا أَيُّهَذا الزاجِرِي أَحْضُرَ الوغَى، ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ، هَلْ أَنتَ مُخْلدي؟
يُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى الإِعمال، والرفْعُ أَجود. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: كأَنَّ أَصلُها أَنَّ أُدخِلَ عَلَيْهَا كافُ التَّشْبِيهِ، وَهِيَ حرفُ تَشْبِيهٍ، والعربُ تَنْصِبُ بِهِ الاسمَ وَتَرْفَعُ خبرَه، وقال الْكِسَائِيُّ: قَدْ تَكُونُ كأَنَّ بِمَعْنَى الْجَحْدِ كَقَوْلِكَ كأَنك أميرُنا فتأْمُرُنا، مَعْنَاهُ لستَ أَميرَنا، قَالَ: وكأَنَّ أُخرى بِمَعْنَى التَّمَنِّي كَقَوْلِكَ كأَنك بِي قَدْ قلتُ الشِّعْرَ فأُجِيدَه، مَعْنَاهُ لَيْتَني قَدْ قلتُ الشِّعْرَ فأُجيدَه، وَلِذَلِكَ نُصِب فأُجيدَه، وَقِيلَ: تَجِيءُ كأَنَّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ والظنِّ كَقَوْلِكَ كأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وكأَنك خارجٌ؛ وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تُنشِد هَذَا الْبَيْتَ:
ويومٍ تُوافينا بوَجْهٍ مُقَسَّمٍ، ... كأَنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إِلَى ناضِرِ السَّلَمْ
وكأَنْ ظَبْيَةٍ وكأَنْ ظَبْيَةٌ، فَمَنْ نَصَبَ أَرادَ كأَنَّ ظَبْيَةً فَخَفَّفَ وأَعْمَل، ومَنْ خفَض أَراد كظَبْيَةٍ، ومَن رَفَعَ أَراد كأَنها ظبْيَةٌ فخفَّفَ وأَعْمَل مَعَ إضمارِ الكِناية؛ الْجَرَّارُ عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه أَنشد:
كأمَّا يحْتَطِبْنَ عَلَى قَتادٍ، ... ويَسْتَضْحِكْنَ عَنْ حَبِّ الغَمامِ
. قَالَ: يُرِيدُ كأَنما فَقَالَ كأَمَّا، وَاللَّهُ أَعلم. وإنِّي وإنَّني بِمَعْنًى، وَكَذَلِكَ كأَنِّي وكأَنَّني ولكنِّي وَلَكِنَّنِي لأَنه كثُر اسْتِعْمَالُهُمْ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ، وَهُمْ قَدْ يَسْتَثْقِلون التَّضْعِيفَ فَحَذَفُوا النُّونَ الَّتِي تَلي الْيَاءَ، وَكَذَلِكَ لَعَلِّي ولَعَلَّني لأَن اللَّامَ قَرِيبَةٌ مِنَ النُّونِ، وَإِنْ زِدْتَ عَلَى إنَّ مَا صارَ للتَّعيين كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ
، لأَنه يُوجِبُ إثْباتَ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ ونَفْيَه عَمَّا عَدَاهُ. وأَنْ قَدْ تَكُونُ مَعَ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي مَعْنَى مصدرٍ فتَنْصِبُه، تَقُولُ: أُريد أَنْ تقومَ، وَالْمَعْنَى أُريد قيامَك، فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ ماضٍ كَانَتْ مَعَهُ بِمَعْنَى مصدرٍ قَدْ وقَع، إِلَّا أَنها لَا تَعْمَل، تَقُولُ: أَعْجَبَني أَن قُمْتَ وَالْمَعْنَى أَعجبني قيامُك الَّذِي مَضَى، وأَن قَدْ تَكُونُ مخفَّفة عَنِ المشدَّدة فَلَا تَعْمَلُ، تَقُولُ: بَلَغَني أَنْ زيدٌ خارجٌ؛ وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها
؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُهُ فَلَا
стр. 6596
تَعْمَلُ يريدُ فِي اللَّفْظِ، وأَما فِي التَّقْدِيرِ فَهِيَ عاملةٌ، وَاسْمُهَا مقدَّرٌ فِي النيَّة تَقْدِيرُهُ: أَنه تِلْكُمْ الْجَنَّةُ. ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا أَفعل كَذَا مَا أَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْماً؛ حَكَاهُ يَعْقُوبُ وَلَا أَعرف مَا وجهُ فتْح أَنَّ، إِلَّا أَن يَكُونَ عَلَى توهُّم الْفِعْلِ كأَنه قَالَ: مَا ثَبَتَ أَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْماً، أَو مَا وُجد أَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْماً. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: مَا أَنَّ ذَلِكَ الجَبَل مكانَه، وَمَا أَنَّ حِراءً مكانَه، وَلَمْ يُفَسِّرْهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَقَالُوا لَا أَفْعَله مَا أَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْمٌ، وَمَا عَنَّ فِي السَّمَاءِ نجْمٌ أَي مَا عَرَضَ، وَمَا أَنَّ فِي الفُرات قَطْرةٌ أَي مَا كَانَ فِي الفُراتِ قطرةٌ، قَالَ: وَقَدْ يُنْصَب، وَلَا أَفْعَله مَا أَنَّ فِي السَّمَاءِ سَمَاءً، قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: مَا كانَ وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ عَلَى الْمَعْنَى. وكأَنَّ: حرفُ تشْبيهٍ إِنَّمَا هُوَ أَنَّ دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْكَافُ؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: إِنْ سأَل سائلٌ فَقَالَ: مَا وَجْهُ دُخُولِ الْكَافِ هَاهُنَا وَكَيْفَ أَصلُ وضْعِها وَتَرْتِيبِهَا؟ فالجوابُ أَن أَصلَ قَوْلِنَا كأَنَّ زَيْدًا عمرٌو إِنَّمَا هُوَ إنَّ زَيْدًا كعمْرو، فَالْكَافُ هُنَا تشبيهٌ صريحٌ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ فكأَنك قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا كائنٌ كعمْرو، وَإِنَّهُمْ أَرادُوا الاهتمامَ بِالتَّشْبِيهِ الَّذِي عَلَيْهِ عقَدُوا الجملةَ، فأَزالُوا الْكَافَ مِنْ وسَط الْجُمْلَةِ وَقَدَّمُوهَا إِلَى أَوَّلها لإِفراطِ عنايَتهم بِالتَّشْبِيهِ، فَلَمَّا أَدخلوها عَلَى إنَّ مِنْ قَبْلِها وَجَبَ فتحُ إنَّ، لأَنَّ الْمَكْسُورَةَ لَا يتقدَّمُها حرفُ الْجَرِّ وَلَا تَقَعُ إلَّا أَولًا أَبداً، وبقِي مَعْنَى التَّشْبِيهِ الَّذِي كانَ فِيهَا، وَهِيَ مُتوسِّطة بحالِه فِيهَا، وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: كأَنَّ زَيْدًا عمرٌو، إِلَّا أَنَّ الكافَ الآنَ لمَّا تقدَّمت بطَل أَن تَكُونَ معلَّقةً بفعلٍ وَلَا بشيءٍ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، لأَنها فارَقَت الموضعَ الَّذِي يُمْكِنُ أَن تتعلَّق فِيهِ بِمَحْذُوفٍ، وَتَقَدَّمَتْ إِلَى أَوَّل الْجُمْلَةِ، وَزَالَتْ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ مُتَعَلِّقَةً بخبرِ إنَّ الْمَحْذُوفِ، فَزَالَ مَا كَانَ لَهَا مِنَ التعلُّق بِمَعَانِي الأَفعال، وَلَيْسَتْ هُنَا زَائِدَةٌ لأَن مَعْنَى التَّشْبِيهِ موجودٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تقدَّمت وأُزِيلت عَنْ مَكَانِهَا، وَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ زَائِدَةٍ فَقَدْ بَقي النظرُ فِي أنَّ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَلْ هِيَ مَجْرُورَةٌ بِهَا أَو غَيْرُ مَجْرُورَةٍ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَقوى الأَمرين عَلَيْهَا عِنْدِي أَن تَكُونَ أنَّ فِي قَوْلِكَ كأَنك زيدٌ مَجْرُورَةً بِالْكَافِ، وَإِنْ قُلْتَ إنَّ الكافَ فِي كأَنَّ الْآنَ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ بمانعٍ مِنَ الجرِّ فِيهَا، أَلا تَرَى أَن الْكَافَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ جَارَّةٌ؟ ويُؤَكِّد عِنْدَكَ أَيضاً هُنَا أَنها جَارَّةٌ فتْحُهم الْهَمْزَةَ بَعْدَهَا كَمَا يفْتحونها بَعْدَ العَوامِل الْجَارَّةِ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: عجِبتُ مِن أَنك قَائِمٌ، وأَظنُّ أَنك مُنْطَلِقٌ، وبلغَني أَنك كريمٌ، فَكَمَا فُتِحَتْ أَنَّ لوقوعِها بَعْدَ الْعَوَامِلِ قَبْلَهَا موقعَ الأَسماء كَذَلِكَ فُتِحَتْ أَيضاً فِي كأَنك قَائِمٌ، لأَن قَبْلَهَا عَامِلًا قَدْ جرَّها؛ وأَما قَوْلُ الرَّاجِزِ:
فبادَ حَتَّى لَكأَنْ لمْ يَسْكُنِ، ... فاليومَ أَبْكي ومَتى لمْ يُبْكنِي «٣»
. فَإِنَّهُ أَكَّد الْحَرْفَ بِاللَّامِ؛ وَقَوْلُهُ:
كأَنَّ دَريئةً، لَمَّا التَقَيْنا ... لنَصْل السيفِ، مُجْتَمَعُ الصُّداعِ
أَعْمَلَ مَعْنَى التَّشْبِيهِ فِي كأَنَّ فِي الظَّرْفِ الزَّمانيّ الَّذِي هُوَ لَمَّا التَقَيْنا، وَجَازَ ذَلِكَ فِي كأَنَّ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَقَدْ تُخَفَّف أَنْ ويُرْفع مَا بَعْدَهَا؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَنْ تقْرآنِ عَلَى أَسْماءَ، وَيحَكُما ... منِّي السلامَ، وأَنْ لا تُعْلِما أَحَدا
стр. 6597
قَالَ ابْنُ جِنِّي: سأَلت أَبا عَلِيٍّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لِمَ رَفَع تَقْرآنِ؟ فَقَالَ: أَراد النُّونَ الثَّقِيلَةَ أَي أَنكما تقْرآن؛ قَالَ أَبو عَلِيٍّ: وأَوْلى أَنْ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ الْفِعْلَ بِلَا عِوَض ضَرُورَةً، قَالَ: وَهَذَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بعضُ الصَّنعة فَهُوَ أَسهلُ مِمَّا ارْتَكَبَهُ الْكُوفِيُّونَ، قَالَ: وقرأْت عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَحمد بْنِ يَحْيَى فِي تَفْسِيرِ أَنْ تقْرآنِ، قَالَ: شبَّه أَنْ بِمَا فَلَمْ يُعْمِلها فِي صِلَتها، وَهَذَا مَذْهَبُ البَغْداديّين، قَالَ: وَفِي هَذَا بُعْدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ أَنْ لَا تَقَعَ إِذَا وُصلت حَالًا أَبداً، إِنَّمَا هِيَ للمُضيّ أَو الِاسْتِقْبَالِ نَحْوَ سَرَّني أَن قَامَ، ويُسرُّني أَن تَقُومَ، وَلَا تَقُولُ سَرَّني أَن يَقُومَ، وَهُوَ فِي حَالِ قِيَامٍ، وَمَا إِذَا وُصِلت بِالْفِعْلِ وَكَانَتْ مَصْدَرًا فَهِيَ لِلْحَالِ أَبداً نَحْوَ قَوْلِكَ: مَا تقومُ حسَنٌ أَي قيامُك الَّذِي أَنت عَلَيْهِ حَسَنٌ، فيَبْعُد تشبيهُ واحدةٍ مِنْهُمَا بالأُخرى، ووُقوعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَوْقِعَ صَاحِبَتِهَا، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَنصب بِهَا مُخَفَّفَةً، وَتَكُونُ أَنْ فِي مَوْضِعِ أَجْل. غَيْرُهُ: وأَنَّ المفتوحةُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى لَعَلَّ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: إئتِ السوقَ أَنك تَشْتَرِي لَنَا سَويقاً أَي لَعَلَّكَ، وَعَلَيْهِ وُجِّه قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ
؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً عَنْهَا لَكَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُمْ، قَالَ الْفَارِسِيُّ: فسأَلتُ عَنْهَا أَبا بَكْرٍ أَوانَ الْقِرَاءَةِ فَقَالَ: هُوَ كَقَوْلِ الإِنسان إنَّ فُلَانًا يَقْرأُ فَلَا يَفْهم، فَتَقُولُ أَنتَ: وَمَا يُدْريك أَنه لَا يَفْهَمُ «١». وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ:
لَعَلَّهَا إِذَا جاءَت لَا يؤْمنون
؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَالَ حُطائِط بْنُ يعْفُر، وَيُقَالُ هُوَ لدُريد:
أَريني جَواداً مَاتَ هَزْلًا، لأَنَّني ... أَرى مَا تَرَيْنَ، أَو بَخيلًا مُخَلَّدا
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَنشده أَبو زَيْدٍ لِحَاتِمٍ قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُهُ فِي شِعْرِ مَعْن بْنِ أَوس المُزَني؛ وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
أَعاذِلَ، مَا يُدريكِ أَنَّ مَنِيَّتي ... إِلَى ساعةٍ فِي الْيَوْمِ، أَو فِي ضُحى الغَدِ؟
أَي لَعَلَّ مَنِيَّتِي؛ وَيُرْوَى بَيْتُ جَرِيرٍ:
هَلَ انْتُمْ عَائِجُونَ بِنا لأَنَّا ... نَرَى العَرَصاتِ، أَو أَثَرَ الخِيامِ
قَالَ: ويدُلك عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْتُ فِي أَنَّ فِي بَيْتِ عَدِيٍّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، وَمَا يُدْريك لَعَلَّ الساعةَ تَكُونُ قَرِيبًا. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وتُبْدِل مِنْ هَمْزَةِ أَنَّ مَفْتُوحَةً عَيْنًا فَتَقُولُ: علمتُ عَنَّكَ مُنْطَلِقٌ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
قَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الأَنصارَ قَدْ فَضَلونا، إِنَّهُمْ آوَوْنا وفَعَلوا بِنَا وفَعَلوا، فَقَالَ: تَعْرفون ذَلِكَ لَهُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فإنَّ ذَلِكَ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هَكَذَا جَاءَ مَقْطُوعَ الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ إنَّ اعْتِرَافَكُمْ بِصَنِيعِهِمْ مُكافأَةٌ مِنْكُمْ لَهُمْ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ:
مَنْ أُزِلَّتْ إِلَيْهِ نِعمةٌ فليُكافِئْ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يجِدْ فَليُظهِر ثَنَاءً حسَناً، فإنَّ ذَلِكَ
؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
أَنه قَالَ لِابْنِ عُمَرَ فِي سِيَاقِ كلامٍ وَصَفه بِهِ: إنَّ عبدَ اللَّهِ، إنَّ عَبْدَ اللَّهِ
، قَالَ: وَهَذَا وأَمثاله مِنِ اخْتِصَارَاتِهِمُ الْبَلِيغَةِ وَكَلَامِهِمُ الْفَصِيحِ. وَأَنَّى
стр. 6598
أَي مَا كُنَّا فَاعِلِينَ، قَالَ: وَتَجِيءُ إنْ فِي مَوْضِعِ لَقَدْ، ضَرْبُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
؛ الْمَعْنَى: لقَدْ كَانَ مِنْ غَيْرِ شكٍّ مِنَ الْقَوْمِ، وَمِثْلُهُ: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
، وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ
؛ وَتَجِيءُ إنْ بِمَعْنَى إذْ، ضَرْبُ قَوْلِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
؛ الْمَعْنَى إذْ كُنْتُمْ مُؤْمنين، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
؛ مَعْنَاهُ إذْ كُنْتُمْ، قَالَ: وأَنْ بِفَتْحِ الأَلف وَتَخْفِيفِ النُّونِ قَدْ تَكُونُ فِي مَوْضِعِ إذْ أَيضاً، وإنْ بخَفْض الأَلف تَكُونُ موضعَ إِذَا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : لَا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا
؛ مَنْ خَفضَها جعلَها فِي مَوْضِعِ إِذَا، ومَنْ فَتَحَهَا جَعَلَهَا فِي مَوْضِعِ إذْ عَلَى الْوَاجِبِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ
؛ مَنْ خَفَضَهَا جَعَلَهَا فِي مَوْضِعِ إِذَا، وَمَنْ نَصَبَهَا فَفِي إِذْ. ابْنُ الأَعرابي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
؛ قَالَ: إنْ فِي مَعْنَى قَدْ، وقال أَبو الْعَبَّاسِ: الْعَرَبُ تَقُولُ إنْ قَامَ زِيدٌ بِمَعْنَى قَدْ قَامَ زَيْدٌ، قَالَ: وَقَالَ الْكِسَائِيُّ سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَهُ فظَنَنْتُه شَرْطاً، فسأَلتهم فَقَالُوا: نُرِيدُ قَدْ قَامَ زَيْدٌ وَلَا نُرِيدُ مَا قَامَ زيد. وقال الْفَرَّاءُ: إِنِ الخفيفةُ أُمُّ الْجَزَاءِ، وَالْعَرَبُ تُجازِي بِحُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ كُلِّهَا وتَجْزمُ بِهَا الْفِعْلَيْنِ الشرطَ والجزاءَ إلَّا الأَلِفَ وهَلْ فَإِنَّهُمَا يَرْفعَانِ مَا يَلِيهِمَا. وَسُئِلَ ثعلبٌ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لامرأَته إِنْ دَخلتِ الدارَ إِنْ كَلَّمْتِ أَخاكِ فأَنتِ طالقٌ، مَتَى تَطْلُق؟ فَقَالَ: إِذَا فَعَلَتْهما جَمِيعًا، قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لأَنه قَدْ جَاءَ بِشَرْطَيْنِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ لَهَا أَنتِ طالقٌ إِنِ احْمَرّ البُسْرُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ مسأَلةُ مُحَالٍ لأَن البُسْرَ لَا بُدّ مِنْ أَن يَحْمَرّ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ أَنت طالِقٌ إِذَا احْمَرَّ البُسْرُ؟ قَالَ: هَذَا شَرْطٌ صَحِيحٌ تطلُقُ إِذَا احْمرَّ البُسْرُ، قَالَ الأَزهري: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا أُثْبِت لَنَا عَنْهُ: إِنْ قَالَ الرَّجُلُ لامرأَته أَنتِ طالقٌ إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُعْلَم أَنه لَا يُطَلِّقُها بِمَوْتِهِ أَو بموتِها، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ، وَلَوْ قَالَ إِذَا لَمْ أُطَلِّقْك وَمَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْك فأَنت طَالِقٌ، فسكتَ مدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا الطَّلَاقُ، طَلُقَت؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إنْ بِمَعْنَى مَا فِي النَّفْيِ ويُوصل بِهَا مَا زَائِدَةٌ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:
مَا إنْ يَكادُ يُخلِّيهمْ لِوِجْهَتِهمْ ... تَخالُجُ الأَمْرِ، إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَدْ تُزَادُ إنْ بَعْدَ مَا الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِ المَعْلوط بْنِ بَذْلٍ القُرَيْعيّ أَنشده سِيبَوَيْهِ:
ورجِّ الْفَتَى للْخَيْر، مَا إنْ رأَيْتَه ... عَلَى السِّنِّ خَيْرًا لَا يَزالُ يَزِيدُ
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنَّمَا دخَلت إنْ عَلَى مَا، وَإِنْ كَانَتْ مَا هَاهُنَا مَصْدَرِيَّةً، لِشَبَهَها لَفْظًا بِمَا النَّافِيَةِ الَّتِي تُؤكَّد بأَنْ، وشَبَهُ اللَّفْظِ بَيْنَهُمَا يُصَيِّر مَا المصدريةَ إِلَى أَنها كأَنها مَا الَّتِي مَعْنَاهَا النفيُ، أَلا تَرَى أَنك لَوْ لَمْ تَجْذِب إِحْدَاهُمَا إِلَى أَنها كأَنها بِمَعْنَى الأُخرى لَمْ يَجُزْ لَكَ إلحاقُ إنْ بِهَا؟ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وقولُهم افْعَل كَذَا وَكَذَا إِمَّا لَا، أَلْزَموها مَا عِوَضًا، وَهَذَا أَحْرى إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ آثِراً مَا، فيُلْزمون مَا، شبَّهوها بِمَا يَلْزَم مِنَ النُّونَاتِ فِي لأَفعلنّ، واللامِ فِي إِنْ كَانَ لَيَفْعل، وَإِنْ كَانَ ليْس مِثْلَه، وإنَّما هُوَ شَاذٌّ، ويكونُ الشرطَ نَحْوَ إنْ فعلتَ فعلتُ. وَفِي حَدِيثِ بَيْعِ الثَّمَرِ:
إِمَّا لَا فَلَا تبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صلَاحُه
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هَذِهِ كَلِمَةٌ تَرِدُ فِي
стр. 6599
المُحاورَات كَثِيرًا، وَقَدْ جاءَت فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وأَصلها إنْ وَمَا وَلَا، فأُدْغِمت النونُ فِي الْمِيمِ، وَمَا زائدةٌ فِي اللَّفْظِ لَا حُكمَ لَهَا، وَقَدْ أَمالت العربُ لَا إِمَالَةً خَفِيفَةً، والعوامُّ يُشْبِعون إمالَتها فتَصيرُ أَلفُها يَاءً، وَهِيَ خطأٌ، وَمَعْنَاهَا إنْ لَمْ تَفعلْ هَذَا فلْيَكن هَذَا، وأَما إنْ الْمَكْسُورَةُ فَهُوَ حرفُ الْجَزَاءِ، يُوقِع الثانيَ مِنْ أَجْل وُقوع الأَوَّل كَقَوْلِكَ: إنْ تأْتني آتِك، وَإِنْ جِئْتني أَكْرَمْتُك، وَتَكُونُ بِمَعْنَى مَا فِي النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ
؛ ورُبَّما جُمِع بَيْنَهُمَا للتأْكيد كَمَا قَالَ الأَغْلَبُ العِجْليُّ:
مَا إنْ رَأَينا مَلِكاً أَغارا ... أَكْثَرَ مِنْهُ قِرَةً وقَارا
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إنْ هنا زائدةٌ وليست نَفْيًا كَمَا ذَكَرَ، قَالَ: وَقَدْ تَكُونُ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ، تَقُولُ: وَاللَّهِ إنْ فعلتُ أَي مَا فَعَلْتُ، قَالَ: وأَنْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى أَي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا
؛ قَالَ: وأَن قَدْ تَكُونُ صِلةً لِلَمَّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ
؛ وَقَدْ تَكُونُ زَائِدَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
؛ يُرِيدُ وَمَا لهُم لَا يعذِّبُهُم اللَّهُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ إنَّها تكونُ صِلَةً لِلَمّا وَقَدْ تَكُونُ زَائِدَةً، قَالَ: هَذَا كلامٌ مكرَّر لأَنَّ الصلةَ هِيَ الزائدةُ، وَلَوْ كَانَتْ زَائِدَةً فِي الْآيَةِ لَمْ تَنْصِب الفعلَ، قَالَ: وَقَدْ تكونُ زَائِدَةً مَعَ مَا كَقَوْلِكَ: مَا إنْ يقُومُ زَيْدٌ، وَقَدْ تَكُونُ مُخَفَّفَةً مِنَ الْمُشَدَّدَةِ فَهَذِهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يدخُلَ اللامُ فِي خَبَرِهَا عِوَضًا مِمَّا حُذِفَ مِنَ التَّشْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
؛ وإنْ زيدٌ لأَخوك، لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بإنْ الَّتِي بِمَعْنَى مَا لِلنَّفْيِ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: اللامُ هُنَا دَخَلَتْ فَرْقًا بَيْنَ النَّفْيِ والإِيجاب، وإنْ هَذِهِ لَا يَكُونُ لَهَا اسمٌ وَلَا خَبَرٌ، فقولُه دَخَلَتِ اللامُ فِي خَبَرِهَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَقَدْ تدخُلُ هَذِهِ اللامُ مَعَ المَفعول فِي نَحْوِ إنْ ضَرَبْتُ لزَيداً، وَمَعَ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِكَ إِنْ قَامَ لزيدٌ، وَحَكَى ابْنُ جِنِّي عَنْ قُطْرُبٍ أَن طَيِّئاً تَقُولُ: هِنْ فَعَلْتَ فعلتُ، يُرِيدُونَ إنْ، فيُبْدِلون، وَتَكُونُ زَائِدَةً مَعَ النَّافِيَةِ. وَحَكَى ثَعْلَبٌ: أَعْطِه إنْ شَاءَ أَي إِذَا شَاءَ، وَلَا تُعْطِه إنْ شاءَ، مَعْنَاهُ إِذَا شَاءَ فَلَا تُعْطِه. وأَنْ تَنْصب الأَفعال المضارِعة مَا لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى أَنَّ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وقولُهم أَمَّا أَنت مُنْطلِقاً انْطلقْتُ مَعَك إِنَّمَا هِيَ أَنْ ضُمّت إِلَيْهَا مَا، وَهِيَ مَا لِلتَّوْكِيدِ، ولَزِمَت كَرَاهِيَةَ أَن يُجْحِفوا بِهَا لِتَكُونَ عِوَضًا مِنْ ذَهاب الْفِعْلِ، كَمَا كَانَتِ الهاءُ والأَلفُ عِوَضًا فِي الزّنادقةِ واليَماني مِنَ الْيَاءِ؛ فأَما قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تعَرَّضَتْ لِي بمكانٍ حِلِّ، ... تَعَرُّضَ المُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ،
تَعَرُّضاً لَمْ تأْلُ عَنْ قَتْلًا لِي
فَإِنَّهُ أَراد لَمْ تأْلُ أَن قَتْلًا أَي أَنْ قَتَلَتْني، فأَبدل العينَ مَكَانَ الْهَمْزَةِ، وَهَذِهِ عَنْعنةُ تميمٍ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي مَوْضِعِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَراد الْحِكَايَةَ كأَنه حَكَى النصبَ الَّذِي كَانَ مُعْتَادًا فِي قَوْلِهَا فِي بَابِهِ أَي كَانَتْ تَقُولُ قَتْلًا قَتْلًا أَي أَنا أَقْتُلُه قَتْلًا، ثُمَّ حَكَى مَا كَانَتْ تَلَفَّظُ بِهِ؛ وَقَوْلُهُ:
إِنِّي زَعيمٌ يَا نُوَيْقَةُ، ... إنْ نجَوْتِ مِنَ الرَّزاح،
أَنْ تَهْبِطينَ بلادَ قَوْمٍ ... يَرْتَعُون مِنَ الطِّلاح
. قَالَ ثَعْلَبٌ: قَالَ الْفَرَّاءُ هَذِهِ أَن الدائرةُ يَلِيهَا الْمَاضِي
стр. 6600
وَالدَّائِمُ فتَبْطُل عَنْهُمَا، فَلَمَّا وَلِيها الْمُسْتَقْبَلُ بَطَلَتْ عَنْهُ كَمَا بَطَلَتْ عَنِ الْمَاضِي وَالدَّائِمِ، وَتَكُونُ زَائِدَةً مَعَ لَمَّا الَّتِي بِمَعْنَى حِينَ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى أَي نَحْوَ قَوْلِهِ: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا
؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا لأَنها تأْتي ليُعبَّر بِهَا وَبِمَا بَعْدَهَا عَنْ مَعْنَى الْفِعْلِ الَّذِي قَبْلُ، فالكلامُ شديدُ الحاجةِ إِلَى مَا بَعْدَهَا ليُفَسَّر بِهِ مَا قَبْلَهَا، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ امْتَنَعَ الوقوفُ عَلَيْهَا، ورأَيت فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُحْكَمِ وأَنْ نِصْفُ اسمٍ تمامُه تَفْعَل، وَحَكَى ثَعْلَبٌ أَيْضًا: أَعْطِه إِلَّا أَن يشاءَ أَي لَا تُعْطِه إِذَا شَاءَ، وَلَا تُعْطِه إِلَّا أَن يشاءَ، مَعْنَاهُ إِذَا شَاءَ فأَعْطِه. وَفِي حَدِيثِ رُكوبِ الهَدْيِ:
قَالَ لَهُ ارْكَبْها، قَالَ: إِنَّهَا بَدنةٌ، فَكَرَّرَ عَلَيْهِ القولَ فَقَالَ: ارْكَبْها وإنْ
أَي وَإِنْ كَانَتْ بَدنةً. التَّهْذِيبُ: لِلْعَرَبِ فِي أَنا لغاتٌ، وأَجودها أَنَّك إِذَا وقفْتَ عَلَيْهَا قُلْتَ أَنا بِوَزْنِ عَنَا، وَإِذَا مضَيْتَ عَلَيْهَا قُلْتَ أَنَ فعلتُ ذَلِكَ، بِوَزْنِ عَنَ فَعَلْتُ، تُحَرِّكُ النُّونَ فِي الْوَصْلِ، وَهِيَ سَاكِنَةٌ منْ مثلِه فِي الأَسماء غَيْرِ الْمُتَمَكِّنَةِ مِثْلِ مَنْ وكَمْ إِذَا تحرَّك مَا قَبْلَهَا، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ أَنا فَعَلْتُ ذَلِكَ فيُثْبِتُ الأَلفَ فِي الْوَصْلِ وَلَا يُنوِّن، وَمِنْهُمْ مَن يُسَكِّنُ النونَ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ، فَيَقُولُ: أَنْ قلتُ ذَلِكَ، وقُضاعةُ تمُدُّ الأَلفَ الأُولى آنَ قلتُه؛ قَالَ عَدِيٌّ:
يَا لَيْتَ شِعْري آنَ ذُو عَجَّةٍ، ... مَتى أَرَى شَرْباً حَوالَيْ أَصيصْ؟
وَقَالَ العُدَيْل فِيمَنْ يُثْبِت الأَلفَ:
أَنا عَدْلُ الطِّعانِ لِمَنْ بَغاني، ... أَنا العَدْلُ المُبَيّنُ، فاعْرِفوني
وأَنا لَا تَثنيةَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ إِلَّا بنَحْن، وَيَصْلُحُ نحنُ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ثَنَّوا أَنْت فَقَالُوا أَنْتُما وَلَمْ يُثَنُّوا أَنا؟ فَقِيلَ: لمَّا لَمْ تُجِزْ أَنا وأَنا لرجلٍ آخرَ لَمْ يُثَنُّوا، وأَما أَنْتَ فَثَنَّوْه بأَنْتُما لأَنَّك تُجِيزُ أَن تَقُولَ لِرَجُلٍ أَنتَ وأَنتَ لآخرَ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ، وأَما إنِّي فتَثْنيتُه إنَّا، وَكَانَ فِي الأَصل إنَّنا فكثُرت النوناتُ فحُذِفت إِحْدَاهَا، وَقِيلَ إنَّا، وَقَوْلُهُ : إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ
«١» الْمَعْنَى إنَّنا أَو إنَّكم، فَعُطِفَ إِيَّاكُمْ عَلَى الِاسْمِ فِي قَوْلِهِ إنَّا عَلَى النُّونِ والأَلف كَمَا تَقُولُ إِنِّي وإيَّاك، مَعْنَاهُ إِنِّي وإنك، فافْهمه؛ وقال: إِنَّا اقْتَسَمْنا خُطَّتَيْنا بَعْدَكم، فحَمَلْت بَرَّةَ واحْتَمَلت فَجارِ إنَّا تثنيةُ إِني فِي الْبَيْتِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وأَما قَوْلُهُمْ أَنا فَهُوَ اسمٌ مكنيٌّ، وَهُوَ للمتكَلِّم وحْدَه، وَإِنَّمَا يُبْنى عَلَى الْفَتْحِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَن الَّتِي هِيَ حرفٌ نَاصِبٌ لِلْفِعْلِ، والأَلفُ الأَخيرةُ إِنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ فِي الْوَقْفِ، فَإِنْ وُسِّطت سَقَطت إِلَّا فِي لُغَةٍ رديئةٍ كَمَا قَالَ:
أَنا سَيْفُ العَشيرةِ، فاعْرفوني ... جَمِيعًا، قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنامَا
وَاعْلَمْ أَنه قَدْ يُوصل بِهَا تاءُ الْخِطَابِ فيَصيرانِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ أَن تَكُونَ مُضَافَةً إِلَيْهِ، تَقُولُ: أَنت، وَتَكْسِرُ للمؤَنث، وأَنْتُم وأَنْتُنَّ، وَقَدْ تدخلُ عَلَيْهِ كافُ التَّشْبِيهِ فَتَقُولُ: أَنتَ كأَنا وأَنا كأَنتَ؛ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْعَرَبِ، وكافُ التَّشْبِيهِ لَا تتَّصِلُ بِالْمُضْمَرِ، وَإِنَّمَا تَتَّصِلُ بالمُظهر، تَقُولُ: أَنتَ كزيدٍ، وَلَا تَقُولُ: أَنت كِي، إِلَّا أَن الضَّمِيرَ المُنْفَصل عِنْدَهُمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ المُظْهَر، فَلِذَلِكَ حَسُنَ وفارقَ المُتَّصِل. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَنَ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِذَا وَقفْت أَلْحَقْتَ
стр. 6601
أَلفاً لِلسُّكُوتِ، مَرْويّ عَنْ قُطْرُبٍ أَنه قَالَ: فِي أَنَ خمسُ لُغَاتٍ: أَنَ فعلتُ، وأَنا فعلْتُ، وآنَ فَعلتُ، وأَنْ فَعَلْتُ، وأَنَهْ فَعَلْتُ؛ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ جِنِّي، قَالَ: وَفِيهِ ضَعْفٌ كَمَا تَرَى، قَالَ ابْنُ جِنِّي: يَجُوزُ الْهَاءُ فِي أَنَهْ بَدَلًا مِنَ الأَلف فِي أَنا لأَن أَكثر الِاسْتِعْمَالِ إِنَّمَا هُوَ أَنا بالأَلف وَالْهَاءِ قِبَلَه، فَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الأَلف، وَيَجُوزُ أَن تَكُونَ الهاءُ أُلْحِقَتْ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ كَمَا أُلحقت الأَلف، وَلَا تَكُونُ بَدَلًا مِنْهَا بَلْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا كَالَّتِي فِي كتابِيَة وحسابِيَة، ورأَيت فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْمُحْكَمِ عَنِ الأَلف الَّتِي تَلْحَقُ فِي أَنا لِلسُّكُوتِ: وَقَدْ تحذفُ وإثباتُها أَحْسَنُ. وأَنْتَ: ضميرُ المخاطَب، الاسمُ أَنْ وَالتَّاءُ علامةُ المخاطَب، والأُنثى أَنْتِ، وَتَقُولُ فِي التَّثْنِيَةِ أَنْتُما، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَيْسَ بتثنيةِ أَنْتَ إِذْ لَوْ كَانَ تثنيتَه لَوَجَبَ أَن تَقُولَ فِي أَنْتَ أَنْتانِ، إِنَّمَا هُوَ اسمٌ مصوغٌ يَدُلُّ عَلَى التَّثْنِيَةِ كَمَا صيغَ هَذَانِ وَهَاتَانِ وكُما مِنْ ضرَبْتُكما وهُما، يدلُّ عَلَى التَّثْنِيَةِ وَهُوَ غيرُ مُثَنًّى، عَلَى حَدِّ زَيْدٍ وَزَيْدَانِ. وَيُقَالُ: رَجُلٌ أُنَنَةٌ قُنَنَةٌ أَي بليغ.
أنبجن: فِي الْحَدِيثِ:
ائْتُوني بأَنْبِجانِيَّةِ أَبي جَهْمٍ
؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: المحفوظُ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا، يُقَالُ: كساءٌ أَنْبِجانيّ، مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبِج الْمَدِينَةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَهِيَ مَكْسُورَةُ الْبَاءِ ففُتحَت فِي النَّسَبِ، وأُبدلت الميمُ هَمْزَةً، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى مَوْضِعٍ اسْمُهُ أَنْبِجان، قَالَ: وَهُوَ أَشبه لأَن الأَولَ فِيهِ تعسُّف، وَهُوَ كِساءٌ مِنَ الصُّوف لَهُ خَمَلٌ وَلَا علمَ لَهُ، وَهِيَ مِنْ أَدْوَنِ الثِّيَابِ الْغَلِيظَةِ، وَإِنَّمَا بَعثَ الخميصةَ إِلَى أَبي جَهْمٍ لأَنه كَانَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ، ﷺ ، خَمِيصَةً ذاتَ أَعلامٍ، فَلَمَّا شَغَلَتْه فِي الصَّلَاةِ قَالَ: رُدُّوها عَلَيْهِ وأْتُوني بأَنْبِجانيَّته، وَإِنَّمَا طَلَبها مِنْهُ لِئَلَّا يُؤَثِّرَ رَدُّ الهديَّةِ فِي قلْبِه، وَالْهَمْزَةُ فِيهَا زائدةٌ، فِي قَوْلٍ.
أنتن: الأَزهري: سَمِعْتُ بَعْضَ بَنِي سُلَيم يَقُولُ كَمَا انْتني «٢». يقولُ انْتَظِرْني فِي مكانك.
أهن: الإِهانُ: عُرْجُونُ الثَّمرةِ، وَالْجَمْعُ آهِنَة وأُهُنٌ. اللَّيْثُ: هُوَ العُرْجونُ، يَعْنِي مَا فَوْقَ الشَّمَارِيخِ، وَيُجْمَعُ أُهُناً، والعددُ ثلاثةُ آهِنةٍ؛ قَالَ الأَزهري: وأَنشدني أَعرابي:
مَنَحْتَني، يَا أَكرمَ الفِتْيان، ... جَبّارةً ليستْ مِنَ العَيْدان
حَتَّى إِذَا مَا قلتُ أَلآنَ الْآنْ، ... دَبَّ لَهَا أَسْودُ كالسِّرْحان،
بِمِخْلَبٍ، يَخْتَذِمُ الإِهان
وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ حَبْناء:
فَمَا بَيْنَ الرَّدَى والأَمْن إِلَّا ... كَمَا بينَ الإِهانِ إِلَى العَسِيب.
أون: الأَوْنُ: الدَّعَةُ والسكينةُ والرِّفْقُ. أُنْتُ بِالشَّيْءِ أَوْناً وأُنْتُ عَلَيْهِ، كِلَاهُمَا: رَفَقْت. وأُنْتُ فِي السَّيْرِ أَوْناً إِذَا اتّدَعْت وَلَمْ تَعْجَل. وأُنْتُ أَوْناً: تَرَفّهْت وتوَدَّعْت: وَبَيْنِي وَبَيْنَ مَكَّةَ عشرُ ليالٍ آيناتٌ أَي وادعاتٌ، الياءُ قَبْلَ النُّونِ. ابْنُ الأَعرابي: آنَ يَؤُونُ أَوْناً إِذَا اسْتَراحَ؛ وأَنشد:
غَيَّر، يَا بنتَ الحُلَيْسِ، لَوْني ... مَرُّ اللَّيالي، واخْتِلافُ الجَوْنِ،
وسَفَرٌ كانَ قليلَ الأَوْنِ
أَبو زَيْدٍ: أُنْتُ أَؤُونُ أَوْناً، وَهِيَ الرَّفاهية والدَّعَةُ، وَهُوَ آئنٌ مِثَالُ فاعِلٍ أَي وادعٌ رافِهٌ. وَيُقَالُ: أُنْ
стр. 6602
عَلَى نَفْسِكَ أَي ارْفُقْ بِهَا فِي السَّيْرِ واتَّدِعْ، وَتَقُولُ لَهُ أَيضاً إِذَا طاشَ: أُنْ عَلَى نفسِك أَي اتَّدِعْ. وَيُقَالُ: أَوِّنْ عَلَى قَدْرِك أَي اتَّئِدْ عَلَى نحوِك، وَقَدْ أَوَّنَ تأْويناً. والأَوْنُ: المَشْيُ الرُّوَيْدُ، مُبَدَّلٌ مِنَ الهَوْنِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: أَوِّنُوا فِي سَيْرِكم أَي اقْتَصِدوا، مِنَ الأَوْنِ وَهُوَ الرِّفْقُ. وَقَدْ أَوَّنْتُ أَي اقْتَصَدْتُ. وَيُقَالُ: رِبْعٌ آئنٌ خيرٌ مِنْ عَبٍّ حَصْحاصٍ. وتأَوَّنَ فِي الأَمر: تَلَبَّث. والأَوْنُ: الإِعياءُ والتَّعَبُ كالأَيْنِ. والأَوْنُ: الجمَل. والأَوْنانِ: الخاصِرتان والعِدْلان يُعْكَمانِ وجانِبا الخُرج. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: الأَوْنُ العِدْل والخُرْجُ يُجْعل فِيهِ الزادُ؛ وأَنشد:
وَلَا أَتَحَرَّى وُدَّ مَنْ لَا يَوَدُّني، ... وَلَا أَقْتَفي بالأَوْنِ دُونَ رَفِيقي
. وَفَسَّرَهُ ثَعْلَبُ بأَنه الرِّفْقُ والدَّعَةُ هُنَا. الْجَوْهَرِيُّ: الأَوْنُ أَحدُ جانِبَي الخُرج. وَهَذَا خُرْجٌ ذُو أَوْنَين: وَهُمَا كالعِدْلَيْنِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ وَهُوَ مِنْ أَبيات الْمَعَانِي:
وخَيْفاء أَلْقَى الليثُ فِيهَا ذِراعَه، ... فَسَرَّتْ وساءتْ كلَّ ماشٍ ومُصْرِمِ
تَمَشَّى بِهَا الدَّرْماءُ تَسْحَبُ قُصْبَها، ... كأَنْ بطنُ حُبْلى ذاتِ أَوْنَينِ مُتْئِمِ
. خَيْفاء: يَعْنِي أَرضاً مُخْتَلِفَةَ أَلوان النباتِ قَدْ مُطِرت بِنَوْءِ الأَسدِ، فسَرَّت مَنْ لَهُ ماشِيةٌ وساءَت مَنْ كَانَ مُصْرِماً لَا إبِلَ لَهُ، والدَّرْماءُ: الأَرْنَب، يَقُولُ: سَمِنَت حَتَّى سَحَبَت قُصْبَها كأَنّ بَطْنَها بطنُ حُبْلى مُتْئِمٍ. وَيُقَالُ: آنَ يَؤُونُ إِذَا اسْتَرَاحَ. وخُرْجٌ ذُو أَوْنَينِ إِذَا احْتَشى جَنْباه بالمَتاعِ. والأَوانُ: العِدْلُ. والأَوانانِ: العِدْلانِ كالأَوْنَينِ؛ قَالَ الرَّاعِي:
تَبِيتُ، ورِجْلاها أَوانانِ لاسْتِها، ... عَصاها اسْتُها حَتَّى يكلَّ قَعودُها
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَقَدْ قِيلَ الأَوانُ عَمُودٌ مِنْ أَعْمِدة الخِباء. قَالَ الرَّاعِي: وأَنشد الْبَيْتَ، قَالَ الأَصمعي: أقامَ اسْتَها مُقامَ العَصا، تدفعُ البعيرَ باسْتِها لَيْسَ مَعَهَا عَصَا، فَهِيَ تُحرِّك اسْتَها عَلَى البعيرِ، فقولُه عَصَاهَا اسْتُها أَي تُحرِّك حِمارَها باسْتِها، وَقِيلَ: الأَوانانِ اللِّجامانِ، وَقِيلَ: إناءَانِ مَمْلُوءَانِ عَلَى الرَّحْل. وأَوَّنَ الرجلُ وتَأَوَّنَ: أَكَلَ وَشَرِبَ حَتَّى صَارَتْ خاصِرتاه كالأَوْنَيْنِ. ابْنُ الأَعرابي: شرِبَ حَتَّى أَوَّنَ وَحَتَّى عَدَّنَ وَحَتَّى كأَنَّه طِرافٌ. وأَوَّنَ الحِمارُ إِذَا أَكلَ وشربَ وامْتَلأَ بطنُه وامتدَّت خاصِرتاه فَصَارَ مِثْلَ الأَوْن. وأَوَّنَت الأَتانُ: أَقْرَبَت؛ قَالَ رُؤْبَةُ:
وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربَّ الفَلَقْ ... سِرّاً، وَقَدْ أَوَّنَ تأْوِينَ العُقُقْ
. التَّهْذِيبُ: وصفَ أُتُناً وَرَدَتِ الْمَاءَ فشَرِبت حَتَّى امتلأَت خَواصِرُها، فَصَارَ الماءُ مثلَ الأَوْنَيْنِ إِذَا عُدلا عَلَى الدَّابَّةِ. والتَّأَوُّنُ: امْتِلاءُ البَطْنِ، ويُريدُ جمعَ العَقوقِ، وَهِيَ الحاملُ مِثْلُ رَسُولٍ ورُسُل. والأَوْنُ: التَّكَلُّفُ للنَّفَقة. والمَؤُونة عِنْدَ أَبي عَلِيٍّ مَفْعُلةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنها فَعُولة مِنْ مأَنْت. والأَوانُ والإِوانُ: الحِينُ، وَلَمْ يُعلَّ الإِوانُ لأَنه لَيْسَ بِمَصْدَرٍ. اللَّيْثُ: الأَوانُ الحينُ والزمانُ، تَقُولُ: جَاءَ أَوانُ البَردِ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ:
هَذَا أَوانُ الجِدِّ إذْ جَدَّ عُمَرْ
стр. 6603
الكسائي قَالَ: أَبو جَامِعٍ هَذَا إوانُ ذَلِكَ، والكلامُ الفتحُ أَوانٌ. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: أَتَيتُه آئِنةً بَعْدَ آئنةٍ «١». بِمَعْنَى آوِنة؛ وأَما قَوْلُ أَبي زَيْدٍ:
طَلَبُوا صُلْحَنا، ولاتَ أَوانٍ، ... فأَجَبْنا: أَن لَيْسَ حينَ بَقَاءٍ
. فَإِنَّ أَبا الْعَبَّاسِ ذَهَبَ إِلَى أَن كسرة أَوان ليس إِعْرَابًا وَلَا عَلَماً لِلْجَرِّ، وَلَا أَن التَّنْوِينَ الَّذِي بَعْدَهَا هُوَ التَّابِعُ لِحَرَكَاتِ الإِعراب، وَإِنَّمَا تَقْدِيرُهُ أَنّ أَوانٍ بِمَنْزِلَةِ إِذْ فِي أَنَّ حُكْمَه أَن يُضاف إِلَى الْجُمْلَةِ نَحْوَ قَوْلِكَ جِئْتُ أَوانَ قَامَ زَيْدٍ، وأَوانَ الحَجّاجُ أَميرٌ أَي إِذْ ذاكَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا حَذَفَ المضافَ إِلَيْهِ أَوانَ عَوّض مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ تَنْوِينًا، وَالنُّونُ عِنْدَهُ كَانَتْ فِي التَّقْدِيرِ سَاكِنَةً كَسُكُونِ ذَالِ إذْ، فَلَمَّا لَقِيها التنوينُ سَاكِنًا كُسِرت النُّونُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا كُسِرت الذالُ مِنْ إِذْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَجَمْعُ الأَوان آوِنةٌ مِثْلَ زَمَانٍ وأَزْمِنة، وأَما سِيبَوَيْهِ فَقَالَ: أَوان وأَوانات، جَمَعُوهُ بِالتَّاءِ حِينَ لَمْ يُكسَّر هَذَا عَلَى شُهْرةٍ آوِنةً، وَقَدْ آنَ يَئينُ؛ قال سِيبَوَيْهِ: هُوَ فَعَلَ يَفْعِل، يَحْمِله عَلَى الأَوان؛ والأَوْنُ الأَوان يُقَالُ: قَدْ آنَ أَوْنُك أَي أَوانك. قال يَعْقُوبُ: يُقَالُ فلانٌ يصنعُ ذَلِكَ الأَمر آوِنةً إِذَا كَانَ يَصْنعه مِرَارًا ويدَعه مِرَارًا؛ قَالَ أَبو زُبيد:
حَمّال أثقالِ أَهلِ الوُدِّ، آوِنةً، ... أُعْطِيهمُ الجَهْدَ مِنِّي، بَلْهَ مَا أَسَعُ
وَفِي الْحَدِيثِ:
مَرَّ النبيُّ، ﷺ ، برجُل يَحْتَلِب شَاةً آوِنةً فَقَالَ دعْ داعِيَ اللَّبَنِ
؛ يَعْنِي أَنه يحْتَلِبها مَرَّةً بَعْدَ أُخرى، وَدَاعِيَ اللَّبَنِ هُوَ مَا يَتْرُكُهُ الحالبُ مِنْهُ فِي الضَّرْعِ وَلَا يَسْتَقْصيه لِيَجْتَمِعَ اللبنُ فِي الضَّرع إِلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّ آوِنة جَمْعُ أَوانٍ وَهُوَ الْحِينُ وَالزَّمَانُ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
هَذَا أَوانُ قطَعَتْ أَبْهَري.
والأَوانُ: السَّلاحِفُ؛ عَنْ كُرَاعٍ، قَالَ: وَلَمْ أَسمع لَهَا بِوَاحِدٍ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
وبَيَّتُوا الأَوانَ فِي الطِّيّاتِ
الطِّيّات: المنازِلُ. والإِوانُ والإِيوانُ: الصُّفَّةُ الْعَظِيمَةُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: شِبْهُ أَزَجٍ غَيْرُ مسْدود الْوَجْهِ، وَهُوَ أَعجمي، وَمِنْهُ إيوانُ كِسْرى؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِيوَانُ كِسْرى ذِي القِرى والرَّيحان
. وَجَمَاعَةُ الإِوان أُوُنٌ مِثْلَ خِوان وخُوُن، وَجَمَاعَةُ الإِيوان أَواوِينُ وإيواناتٌ مِثْلَ دِيوان ودَواوين، لأَن أَصله إوّانٌ فأُبدل مِنْ إِحْدَى الواوَين يَاءٌ؛ وأَنشد:
شَطَّتْ نَوى مَنْ أَهْلُه بالإِيوان
. وجماعةُ إيوانِ اللِّجامِ إيواناتٌ. والإِوانُ: مِنْ أَعْمِدة الْخِبَاءِ؛ قَالَ: كلُّ شيءٍ عَمَدْتَ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ إِوَانٌ لَهُ؛ وأَنشد بَيْتُ الرَّاعِي أَيضاً:
تبيتُ ورِجْلاها إِوانانِ لاسْتِها
. أَي رِجْلاها سَنَدان لاسْتها تَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا. والإِوانةُ: ركيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ؛ عَنِ الْهِجْرِيِّ، قَالَ: هِيَ بالعُرْف قُرْبٌ وَشْحى والوَرْكاء والدَّخول؛ وأَنشد:
فإنَّ عَلَى الإِوانةِ، مِنْ عُقَيْلٍ، ... فَتًى، كِلْتا اليَدَين لَهُ يَمينُ.
أين: آنَ الشيءُ أَيناً: حانَ، لُغَةٌ فِي أَنى، وَلَيْسَ بِمَقْلُوبٍ عَنْهُ لِوُجُودِ المصدر؛ وقال:
أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تُجَلَّى عمايَتي، ... وأُقْصِرَ عَنْ ليْلى؟ بَلى قَدْ أَنى لِيا
стр. 6604
فجاء باللغتين جميعاً. وقالوا: آنَ أَيْنُك وإينُك وَآنَ آنُك أَي حانَ حينُك، وآنَ لَكَ أَن تَفْعَلَ كَذَا يَئينُ أَيْناً؛ عَنْ أَبي زَيْدٍ، أَي حانَ، مِثْلَ أَنى لَكَ، قَالَ: وَهُوَ مقلوبٌ مِنْهُ. وَقَالُوا: الْآنَ فَجَعَلُوهُ اسْمًا لِزَمَانِ الْحَالِ، ثُمَّ وَصَفُوا للتوسُّع فَقَالُوا: أَنا الآنَ أَفعل كَذَا وَكَذَا، والأَلف وَاللَّامَ فِيهِ زَائِدَةٌ لأَنَّ الاسمَ مَعْرِفَةٌ بِغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةٌ بِلَامٍ أُخرى مقدَّرة غَيْرِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ. ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ ابْنُ جِنِّي قَوْلُهُ : قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ
؛ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَن اللَّامَ فِي الْآنَ زَائِدَةٌ أَنها لَا تَخْلُو مِنْ أَن تكونَ لِلتَّعْرِيفِ كَمَا يظنُّ مخالفُنا، أَو تَكُونَ زَائِدَةٌ لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ كَمَا نَقُولُ نَحْنُ، فَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنها لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ أَنَّا اعْتَبَرْنَا جميعَ مَا لامُه لِلتَّعْرِيفِ، فَإِذَا إسقاطُ لامِه جَائِزٌ فِيهِ، وَذَلِكَ نَحْوَ رَجُلٍ وَالرَّجُلِ وَغُلَامٍ وَالْغُلَامِ، وَلَمْ يَقُولُوا افْعَلْه آنَ كَمَا قَالُوا افعَلْه الآنَ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَن اللامَ فِيهِ لَيْسَتْ لِلتَّعْرِيفِ بَلْ هِيَ زَائِدَةٌ كَمَا يُزاد غيرُها مِنَ الْحُرُوفِ، قَالَ: فَإِذَا ثَبتَ أَنها زائدةٌ فَقَدْ وَجَبَ النظرُ فِيمَا يُعَرَّف بِهِ الْآنَ فَلَنْ يَخْلُوَ مِنْ أَحد وُجُوهِ التَّعْرِيفِ الْخَمْسَةِ: إِمَّا لأَنه مِنَ الأَسماء المُضْمَرة أَو مِنَ الأَسماء الأَعلام، أَو مِنَ الأَسماء المُبْهَمة، أَو مِنَ الأَسماء الْمُضَافَةِ، أَوْ مِنَ الأَسماء المُعَرَّفة بِاللَّامِ، فمُحالٌ أَن تَكُونَ مِنَ الأَسماء الْمُضْمَرَةِ لأَنها مَعْرُوفَةٌ مَحْدُودَةٌ وَلَيْسَتِ الْآنَ كَذَلِكَ، ومُحالٌ أَن تَكُونَ مِنَ الأَسماء الأَعْلام لأَن تِلْكَ تخُصُّ الْوَاحِدَ بعَيْنه، وَالْآنَ تقعَ عَلَى كلِّ وقتٍ حَاضِرٍ لَا يَخُصُّ بعضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحدٌ إِنَّ الْآنَ مِنَ الأَسماء الأَعلام، ومُحالٌ أَيضاً أَنْ تَكُونَ مِنْ أَسماء الإِشارة لأَن جَمِيعَ أَسماء الإِشارة لَا تَجِدُ فِي واحدٍ مِنْهَا لامَ التَّعْرِيفِ، وَذَلِكَ نَحْوَ هَذَا وَهَذِهِ وَذَلِكَ وَتِلْكَ وَهَؤُلَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وذهب أَبو إسحق إِلَى أَن الْآنَ إِنَّمَا تَعَرُّفه بالإِشارة، وأَنه إِنَّمَا بُنِيَ لِمَا كَانَتِ الأَلف واللام فيه لغير عهد مُتَقَدِّمٍ، إِنَّمَا تقولُ الْآنَ كَذَا وَكَذَا لِمَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَكَ مَعَهُ ذِكْر الْوَقْتِ الْحَاضِرِ، فأَما فَسَادُ كَوْنِهِ مِنْ أَسماء الإِشارة فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكرُه، وأَما مَا اعْتَلَّ بِهِ مِنْ أَنه إِنَّمَا بُنيَ لأَن الأَلف واللام فيه لغير عهدٍ متقَدِّمٍ ففاسدٌ أَيضاً، لأَنا قَدْ نَجِدُ الأَلف وَاللَّامَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَسماء عَلَى غَيْرِ تقدُّم عهْد، وَتِلْكَ الأَسماء مَعَ كَوْنِ اللَّامِ فِيهَا مَعارف، وَذَلِكَ قَوْلُكَ يَا أَيها الرجلُ، ونظَرْتُ إِلَى هَذَا الْغُلَامِ، قَالَ: فَقَدْ بطلَ بِمَا ذكَرْنا أَن يَكُونَ الآنَ مِنَ الأَسماء الْمُشَارِ بِهَا، ومحالٌ أَيضاً أَن تَكُونَ مِنَ الأَسماء المتعَرِّفة بالإِضافة لأَننا لَا نُشَاهِدُ بَعْدَهُ اسْمًا هُوَ مُضَافٌ إِلَيْهِ، فَإِذَا بَطَلَت واسْتَحالت الأَوجه الأَربعة المقَدَّم ذكرُها لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَن يَكُونَ معرَّفاً بِاللَّامِ نَحْوَ الرَّجُلِ وَالْغُلَامِ، وَقَدْ دَلَّتِ الدلالةُ عَلَى أَن الْآنَ لَيْسَ مُعَرَّفاً بِاللَّامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي فِيهِ، لأَنه لَوْ كَانَ مَعرَّفاً بِهَا لجازَ سُقوطُها مِنْهُ، فلزومُ هَذِهِ اللَّامِ لِلْآنَ دليلٌ عَلَى أَنها لَيْسَتْ لِلتَّعْرِيفِ، وَإِذَا كَانَ مُعَرَّفاً بِاللَّامِ لَا محالَةَ، واستَحال أَن تكونَ اللَّامُ فِيهِ هِيَ الَّتِي عَرَّفَتْه، وَجَبَ أَن يَكُونَ مُعَرَّفاً بِلَامٍ أُخرى غَيْرِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَمْسِ فِي أَنه تَعَرَّف بِلَامٍ مُرَادَّةٍ، وَالْقَوْلُ فِيهِمَا واحدٌ، وَلِذَلِكَ بُنِيَا لتضمُّنهما مَعْنَى حَرْفِ التَّعْرِيفِ؛ قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَهَذَا رأْيُ أَبي عَلِيٍّ وَعَنْهُ أَخَذْتُه، وَهُوَ الصوابُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَقَالُوا الْآنَ آنُكَ، كَذَا قرأْناه فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ بِنَصْبِ الآنَ ورفعِ آنُك، وَكَذَا الآنَ حدُّ الزمانَيْن، هَكَذَا قرأْناه أَيضاً بِالنَّصْبِ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: اللَّامُ فِي قَوْلِهِمُ الآنَ حَدُّ الزَّمَانَيْنِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي قَوْلِكَ الرجلُ أَفضلُ مِنَ المرأَة
стр. 6605
أَي هَذَا الجنسُ أَفضلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَكَذَلِكَ الْآنَ، إِذَا رَفَعَه جَعَلَه جنسَ هَذَا المُسْتَعْمَلِ فِي قَوْلِهِمْ كنتُ الْآنَ عِنْدَهُ، فَهَذَا مَعْنَى كُنتُ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْحَاضِرِ بعْضُه، وَقَدْ تَصَرَّمَتْ أَجزاءٌ مِنْهُ عِنْدَهُ، وبُنيت الْآنَ لتَضَمُّنها مَعْنَى الْحَرْفِ. وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: أَتَيْتُه آئِنَةً بَعْدَ آئِنَةٍ بِمَعْنَى آوِنةٍ. الْجَوْهَرِيُّ: الْآنَ اسمٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي أَنت فِيهِ، وَهُوَ ظَرْف غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وَقَع مَعْرِفةً وَلِمَ تدخُل عَلَيْهِ الأَلفُ واللامُ لِلتَّعْرِيفِ، لأَنَّه لَيْس لَهُ مَا يَشْرَكُه، وربَّما فَتَحوا اللامَ وحَذَفوا الهمْزَتَيْنِ؛ وأَنشد الأَخفش:
وَقَدْ كُنْتَ تُخْفِي حُبَّ سَمْراءَ حِقْبَةً، ... فَبُحْ، لانَ منْها، بِالَّذِي أَنتَ بائِحُ
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قولُه حَذَفوا الهمزَتَين يَعْنِي الهمزةَ الَّتِي بَعْد اللامِ نَقَلَ حَرَكَتَهَا عَلَى اللامِ وحَذَفها، ولمَّا تَحَرَّكَت اللامُ سَقَطَتْ همزةُ الوَصْلِ الداخلةُ على اللام؛ وقال جَرِيرٌ:
أَلانَ وَقَدْ نَزَعْت إِلَى نُمَيْرٍ، ... فَهَذَا حينَ صِرْت لَهُمْ عَذابا
. قَالَ: ومثْلُ البيتِ الأَوَّل قولُ الآخَر:
أَلا يَا هِنْدُ، هِنْدَ بَني عُمَيْرٍ، ... أَرَثٌّ، لانَ، وَصْلُكِ أَم حَديدُ؟
وَقَالَ أَبو المِنْهالِ:
حَدَبْدَبَى بَدَبْدَبَى منْكُمْ، لانْ، ... إنَّ بَني فَزارَةَ بنِ ذُبيانْ
قَدْ طرقَتْ ناقَتُهُمْ بإنْسانْ ... مُشَنَّإٍ، سُبْحان رَبِّي الرحمنْ
أَنا أَبو المِنْهالِ بَعْضَ الأَحْيانْ، ... لَيْسَ عليَّ حَسَبي بِضُؤْلانْ
. التَّهْذِيبُ: الْفَرَّاءُ الْآنَ حرفٌ بُنِيَ عَلَى الأَلف وَاللَّامِ وَلَمْ يُخْلَعا مِنْهُ، وتُرِك عَلَى مَذْهَب الصفةِ لأَنَّه صفةٌ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ كَمَا رأَيتهم فَعَلوا بِالَّذِي وَالَّذِينَ، فَتَرَكوهما عَلَى مَذْهَبِ الأَداةِ والأَلفُ واللامُ لَهُمَا غَيْرُ مفارِقَةٍ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فإِن الأُلاء يَعْلَمُونَكَ مِنْهُمْ، ... كَعِلْمِ مَظْنُولٍ مَا دُمْتَ أَشعرا «٢»
. فأَدْخلَ الأَلف وَاللَّامَ عَلَى أُولاء، ثُمَّ تَرَكَها مَخْفُوضَةً فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ أَن تدخُلَها الأَلف وَاللَّامُ؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ:
وإنِّي حُبِسْتُ اليومَ والأَمْسِ قَبْلَه ... بِبابِكَ، حَتَّى كادَتِ الشمسُ تَغْربُ
فأَدخَلَ الأَلفَ وَاللَّامَ عَلَى أَمْسِ ثُمَّ تَرَكَهُ مَخْفُوضًا عَلَى جِهَةِ الأُلاء؛ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ:
وجُنَّ الخازِبازِ بِهِ جُنوناً
فمثلُ الْآنَ بأَنها كَانَتْ مَنْصُوبَةً قَبْلَ أَن تُدْخِلَ عَلَيْهَا الأَلفَ وَاللَّامَ، ثُمَّ أَدْخَلْتَهما فَلَمْ يُغَيِّراها، قَالَ: وأَصلُ الْآنَ إِنَّمَا كَانَ أَوَان، فحُذِفَت مِنْهَا الأَلف وغُيِّرت واوُها إِلَى الأَلف كَمَا قَالُوا فِي الرَّاحِ الرَّياح؛ قَالَ أَنشد أَبو القَمْقام:
كأَنَّ مكاكِيَّ الجِواءِ غُدَيَّةً، ... نَشاوَى تَساقَوْا بالرَّياحِ المُفَلْفَلِ
فَجَعَلَ الرَّياحَ والأَوانَ مرَّة عَلَى جِهَةٍ فَعَلٍ، وَمَرَّةً عَلَى جِهَةِ فَعالٍ، كَمَا قَالُوا زَمَن وزَمان، قَالُوا: وَإِنْ شِئْتَ جعلتَ الْآنَ أَصلها مِنْ قولِه آنَ لَكَ أَن تفعلَ، أَدخَلْتَ عَلَيْهَا الأَلفَ وَاللَّامَ ثُمَّ تركتَها عَلَى مَذْهَبِ فَعَلَ، فأَتاها النصبُ مِنْ نَصْبِ فعَل، وهو وجهٌ
стр. 6606
جَيِّدٌ كَمَا قَالُوا:
نَهى رسولُ اللَّهِ، ﷺ ، عَنْ قِيلَ وقالَ
، فَكَانَتَا كَالِاسْمَيْنِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَلَوْ خَفَضْتَهما عَلَى أَنهما أُخْرِجتا مِنْ نِيَّةِ الْفِعْلِ إِلَى نِيَّةِ الأَسماء كَانَ صَوَابًا؛ قَالَ الأَزهري: سَمِعْتُ الْعَرَبَ يَقُولُونَ: مِنْ شُبَّ إِلَى دُبَّ، وبعضٌ: مِنْ شُبٍّ إِلَى دُبٍّ، وَمَعْنَاهُ فعَل مُذْ كَانَ صَغِيرًا إِلَى أَن دَبّ كَبِيرًا. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْآنَ مبنيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، تَقُولُ نحنُ مِنَ الآنَ نَصِيرُ إِلَيْكَ، فَتُفْتَحُ الآنَ لأَنَّ الأَلفَ وَاللَّامَ إِنَّمَا يدخُلانِ لعَهْدٍ، والآنَ لَمْ تعْهَدْه قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ، فَدَخَلَتِ الأَلف وَاللَّامُ للإِشارة إِلَى الْوَقْتِ، وَالْمَعْنَى نحنُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ نفعلُ؛ فَلَمَّا تضمَّنَت مَعْنًى هَذَا وجَب أَن تَكُونَ مَوْقُوفَةً، ففُتِحَت لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهُمَا الأَلف وَالنُّونُ. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وأَنكر الزجاجُ مَا قَالَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الآنَ إِنَّمَا كَانَ فِي الأَصل آنَ، وأَن الأَلف وَاللَّامَ دَخَلَتَا عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ وَقَالَ: مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ نَحْوَ قَوْلِكَ قَامَ، إِذَا سَمَّيْتَ بِهِ شَيْئًا، فجعلتَه مَبْنِيًّا عَلَى الْفَتْحِ لَمْ تدخُلْه الأَلفُ وَاللَّامُ، وَذَكَرَ قولَ الْخَلِيلِ: الآنَ مبنيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ : الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ
؛ فِيهِ ثلاثُ لُغاتٍ: قالُوا الْآنَ
، بِالْهَمْزِ وَاللَّامُ سَاكِنَةٌ،
وَقَالُوا أَلانَ
، مُتَحَرِّكَةُ اللَّامِ بِغَيْرِ هَمْزٍ وتُفْصَل، قَالُوا مِنْ لانَ، وَلُغَةٌ ثَالِثَةٌ
قَالُوا لانَ جئتَ بِالْحَقِّ
، قَالَ: والآنَ منصوبةُ النُّونِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا حرفٌ خافضٌ كَقَوْلِكَ مِنَ الآنَ، وَذَكَرَ ابْنُ الأَنباري الْآنَ فَقَالَ: وانتصابُ الْآنَ بِالْمُضْمَرِ، وعلامةُ النَّصْبِ فِيهِ فتحُ النُّونِ، وأَصلُه الأَوانُ فأُسقِطَت الأَلف الَّتِي بَعُدَ الْوَاوِ وجُعِلَت الواوُ أَلفاً لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، قَالَ: وَقِيلَ أَصله آنَ لَكَ أَن تفعلَ، فسُمِّي الوقتُ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي وتُرِك آخرُه عَلَى الْفَتْحِ، قَالَ: وَيُقَالُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنا لَا أُكلِّمُك مِنَ الآنَ يَا هَذَا، وَعَلَى الْجَوَابِ الأَول مِنَ الآنِ؛ وأَنشد ابْنُ صَخْرٍ:
كأَنهما ملآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا، ... وَقَدْ مَرَّ للدارَين مِن بعدِنا عَصْرُ
وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: هَذَا أَوانُ الآنَ تَعْلم، وَمَا جئتُ إلَّا أَوانَ الآنَ أَي مَا جِئْتُ إِلَّا الْآنَ، بِنَصْبِ الْآنَ فِيهِمَا.
وسأَل رجلٌ ابنَ عُمَرَ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: أَنشُدك اللهَ هَلْ تعْلم أَنه فرَّ يَوْمَ أُحُد وَغَابَ عَنْ بدرٍ وَعَنْ بَيْعةِ الرِّضْوَانِ؟ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: أَما فِرارُه يَوْمَ أُحُد فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ؛ وأَما غَيْبَتُه عَنْ بدرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ بنتُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً وَذَكَرَ عُذْرَه فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: اذهبْ بِهَذِهِ تَلآنَ مَعَك
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ الأُمَويّ قَوْلُهُ تَلآنَ يُرِيدُ الْآنَ، وَهِيَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ، يَزِيدُونَ التاءَ فِي الْآنِ وَفِي حينٍ وَيَحْذِفُونَ الْهَمْزَةَ الأُولى، يُقَالُ: تَلآن وتَحين؛ قَالَ أَبو وَجْزَةَ:
العاطِفون تحينَ مَا مِنْ عاطِفٍ، ... والمُطْعِمونَ زمانَ مَا مِنْ مُطْعِم
. وَقَالَ آخَرُ:
وصَلَّيْنا كَمَا زَعَمَت تَلانا
. قَالَ: وَكَانَ الْكِسَائِيُّ والأَحمر وغيرُهما يَذْهَبُونَ إِلَى أَن الرِّوَايَةَ العاطفونَة فَيَقُولُ: جَعَلَ الْهَاءَ صِلَةً وَهُوَ وَسَطُ الْكَلَامِ، وَهَذَا لَيْسَ يُوجد إِلَّا عَلَى السَّكْتِ، قَالَ: فحَدَّثتُ بِهِ الأُمَويَّ فأَنكره، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَهُوَ عِنْدِي عَلَى مَا قَالَ الأُمَويُّ وَلَا حُجَّةَ لِمَنِ احْتَجَّ
стр. 6607
بالكتاب فِي قَوْلِهِ: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، لأَن التَّاءَ منفصلةٌ مِنْ حِينٍ لأَنهم كَتَبُوا مِثْلَهَا مُنْفَصِلًا أَيضاً مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يُفْصَل كقوله: يَا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ، واللامُ مُنْفَصِلَةٌ مِنْ هَذَا. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَالنَّحْوِيُّونَ عَلَى أَن التَّاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلاتَ حِينَ فِي الأَصل هاءٌ، وَإِنَّمَا هِيَ وَلاهْ فَصَارَتْ تَاءً للمرورِ عَلَيْهَا كالتاءَاتِ المؤَنثة، وأَقاوِيلُهم مَذْكُورَةٌ فِي تَرْجَمَةٍ لَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ مَرَرْتُ بزيدِ اللَّانَ، ثقَّلَ اللامَ وَكَسَرَ الدَّالَّ وأَدْغم التَّنْوِينَ فِي اللَّامِ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ
أَبي ذَرٍّ: أَما آنَ لِلرَّجُلِ أَن يَعْرف مَنزِله
أَي أَما حانَ وقرُبَ، تَقُولُ مِنْهُ: آنَ يَئينُ أَيْناً، وَهُوَ مِثْلُ أَنَى يَأْني أَناً، مقلوبٌ مِنْهُ. وآنَ أَيْناً: أَعيا. أَبو زَيْدٍ: الأَيْنُ الإِعْياء وَالتَّعَبُ. قَالَ أَبو زَيْدٍ: لَا يُبْنى مِنْهُ فِعْلٌ وَقَدْ خُولِفَ فِيهِ، وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: لَا فِعْل لِلأَين الَّذِي هُوَ الإِعياء. ابْنُ الأَعرابي: آنَ يَئِينُ أَيْناً مِنَ الإِعياء؛ وأَنشد:
إنَّا ورَبِّ القُلُص الضَّوامِرِ
إِنَّا أَي أَعْيَينا. اللَّيْثُ: وَلَا يشتَقُّ مِنْهُ فِعْل إلَّا فِي الشِّعْر؛ وَفِي قَصِيدِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
فِيهَا عَلَى الأَيْنِ إِرْقالٌ وتَبْغيلُ
الأَيْنُ: الإِعياء وَالتَّعَبُ. ابْنُ السِّكِّيتِ: الأَيْنُ والأَيْمُ الذَّكَر مِنَ الْحَيَّاتِ، وَقِيلَ: الأَينُ الحيَّةُ مِثْلَ الأَيمِ، نُونُهُ بدلٌ مِنَ اللَّامِ. قَالَ أَبو خَيْرَةَ: الأُيونُ والأُيومُ جَمَاعَةٌ. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: والأَينُ والأَيم أَيضاً الرَّجُلُ والحِمل. وأَيْنَ: سُؤَالٌ عَنْ مكانٍ، وَهِيَ مُغْنية عَنِ الْكَلَامِ الْكَثِيرِ وَالتَّطْوِيلِ، وَذَلِكَ أَنك إِذَا قُلْتَ أَيْنَ بَيْتُك أَغناك ذَلِكَ عَنْ ذِكْر الأَماكن كُلِّهَا، وَهُوَ اسمٌ لأَنك تَقُولُ مِنْ أَينَ؛ قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هِيَ مُؤَنثة وَإِنْ شِئْتَ ذكَّرْت، وَكَذَلِكَ كلُّ مَا جَعَلَهُ الكتابُ اسْمًا مِنَ الأَدوات والصِّفات، التأْنيثُ فِيهِ أَعْرَفُ والتذكيرُ جائز؛ فأَما قَوْلُ حُمَيد بْنِ ثَوْرٍ الْهِلَالِيِّ:
وأَسماء، مَا أَسماءُ لَيْلَةَ أَدْلَجَتْ ... إِلَيَّ، وأَصحابي بأَيْنَ وأَيْنَما
. فَإِنَّهُ جَعَلَ أَينَ عَلَمًا للبُقْعة مُجَرَّدًا مِنْ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، فمنَعَها الصَّرْفَ لِلتَّعْرِيفِ والتأْنيث كأُنَى، فتكونُ الفتحةُ فِي آخِرِ أَين عَلَى هَذَا فتحةَ الجرِّ وَإِعْرَابًا مِثْلَهَا فِي مررْتُ بأَحْمَدَ، وَتَكُونُ مَا عَلَى هَذَا زَائِدَةً وأَينَ وَحْدَهَا هِيَ الِاسْمُ، فَهَذَا وجهٌ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ ركَّب أَينَ مَعَ مَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ فَتَحَ الأُولى مِنْهَا كَفَتْحَةِ الْيَاءِ مِنْ حَيَّهَلْ لَمَّا ضُمَّ حَيَّ إِلَى هَلْ، والفتحةُ فِي النُّونِ عَلَى هَذَا حادثةٌ لِلتَّرْكِيبِ وَلَيْسَتْ بِالَّتِي كَانَتْ فِي أَيْنَ، وَهِيَ اسْتِفْهَامٌ، لأَن حَرَكَةَ التَّرْكِيبِ خَلَفَتْها ونابَتْ عَنْهَا، وَإِذَا كَانَتْ فتحةُ التَّرْكِيبِ تؤَثر فِي حَرَكَةِ الإِعراب فتزيلُها إِلَيْهَا نَحْوَ قَوْلِكَ هَذِهِ خمسةٌ، فتُعْرِب ثُمَّ تَقُولُ هَذِهِ خمْسةَ عشَر فتخلُف فتحةُ التَّرْكِيبِ ضمةَ الإِعراب عَلَى قُوَّةِ حَرَكَةِ الإِعراب، كَانَ إبدالُ حَرَكَةِ الْبِنَاءِ مِنْ حَرَكَةِ الْبِنَاءِ أَحرى بِالْجَوَازِ وأَقرَبَ فِي الْقِيَاسِ. الْجَوْهَرِيُّ: إِذَا قلتَ أَين زَيْدٌ فَإِنَّمَا تسأَلُ عَنْ مَكَانِهِ. اللَّيْثُ: الأَينُ وقتٌ مِنَ الأَمْكِنة «١». تَقُولُ: أَينَ فلانٌ فَيَكُونُ مُنْتَصِبًا فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا مَا لَمْ تَدْخُلْه الأَلف وَاللَّامُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَينَ وَكَيْفَ حَرْفَانِ يُسْتَفْهَم بِهِمَا، وَكَانَ حقُّهما أَن يَكُونَا مَوْقوفَين، فحُرِّكا لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ ونُصِبا وَلَمْ يُخْفَضا مِنْ أَجل الْيَاءِ، لأَن الْكَسْرَةَ مَعَ الْيَاءِ تَثْقُل والفتحةُ أَخفُّ. وقال الأَخفش
стр. 6608
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى، فِي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ
أَينَ أَتى
، قَالَ: وَتَقُولُ العرب جئتُك مِنْ أَينَ لَا تَعْلَم؛ قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: أَما مَا حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ جئتُك مِنْ أَين لَا تعْلم فَإِنَّمَا هُوَ جَوَابُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ فَاسْتَفْهَمَ، كَمَا يَقُولُ قَائِلٌ أَينَ الماءُ والعُشْب. وَفِي حَدِيثِ خُطْبَةِ الْعِيدِ:
قَالَ أَبو سَعِيدٍ وَقَلْتُ أَيْنَ الابتداءُ بِالصَّلَاةِ أَي أَينَ تذْهَب، ثُمَّ قَالَ: الابْتِداءُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ
، وَفِي رِوَايَةٍ:
أَين الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ
أَي أَينَ يَذْهَبُ الإِبتداءُ بِالصَّلَاةِ، قَالَ: والأَول أَقوى. وأَيّانَ: مَعْنَاهُ أَيُّ حينٍ، وَهُوَ سُؤَالٌ عَنْ زمانٍ مِثْلَ مَتَى. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: أَيَّانَ مُرْساها*
. ابْنُ سِيدَهْ: أَيَّان بِمَعْنَى مَتى فَيَنْبَغِي أَن تَكُونَ شَرْطًا، قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَصحابنا فِي الظُّرُوفِ الْمَشْرُوطِ بِهَا نَحْوَ مَتى وأَينَ وأَيٌّ وحِينَ، هذا هُوَ الْوَجْهُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَن يَكُونَ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ وَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا صَحِيحًا كإِذا فِي غَالِبِ الأَمر؛ قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ يَهْجُو امرأَة شبَّه حِرَها بفُوق السَّهْمِ:
نفاثِيّة أَيّانَ مَا شاءَ أَهلُها، ... رَوِي فُوقُها فِي الحُصِّ لَمْ يَتَغَيّب
. وَحَكَى الزَّجَّاجُ فِيهِ إيَّانَ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ*
؛ أَي لَا يَعْلَمُونَ مَتَى البَعْث؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: قرأَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمي إيّانَ يُبْعَثون، بِكَسْرِ الأَلف، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ مَتَى إوانُ ذَلِكَ، وَالْكَلَامُ أَوان. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَلَا يَجُوزُ أَن تقولَ أَيّانَ فَعَلْتَ هَذَا. وَقَوْلُهُ : يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ
، لَا يَكُونُ إِلَّا اسْتِفْهَامًا عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يَجِئْ. والأَيْنُ: شجرٌ حِجَازِيٌّ، وَاحِدَتُهُ أَينةٌ؛ قَالَتِ الْخَنْسَاءُ:
تذَكَّرْتُ صَخْراً، أَنْ تَغَنَّتْ حمامةٌ ... هَتُوفٌ عَلَى غُصنٍ مِنَ الأَيْنِ تَسْجَعُ
والأَواينُ: بَلَدٌ؛ قَالَ مَالِكُ بْنُ خَالِدٍ الهُذليّ:
هَيْهاتَ ناسٌ مِنْ أُناسٍ ديارُهم ... دُفاقٌ، ودارُ الآخَرينَ الأَوايِنُ
قَالَ: وَقَدْ يَجُوزُ أَن يَكُونَ وَاوًا.
فصل الباء الموحدة
ببن: التَّهْذِيبِ فِي حَدِيثِ
عُمَرَ، ﵁: لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لأُلْحِقَنَّ آخِرَ النَّاسِ بأَوَّلهم حَتَّى يَكُونُوا بَبّاناً وَاحِدًا
؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: قَالَ ابْنُ مَهديّ يَعْنِي شَيْئًا وَاحِدًا، قَالَ: وَذَلِكَ الَّذِي أَرادَ عمرُ، قَالَ: وَلَا أَحسب الْكَلِمَةَ عَرَبِيَّةً وَلَمْ أَسمعها إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: بَبّانٌ هُوَ فَعّالٌ لَا فَعْلانٌ، قَالَ: وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا أَبو عَلِيٍّ فِي التَّذْكِرَةِ، قَالَ: وَلَمْ تُحْمل الْكَلِمَةُ عَلَى أَن فاءَها وعينَها ولامَها مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي فَصْلٍ بَبَبَ. النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ
عُمَرَ أَيضاً: لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبّاناً وَاحِدًا مَا فُتِحَت عَلَيَّ قريةٌ إِلَّا قَسَمْتُها
أَي أَتركُهم شَيْئًا وَاحِدًا، لأَنَّه إِذَا قَسَمَ البلادَ المفتوحةَ عَلَى الغانِمينَ بقيَ مَنْ لَمْ يحضُر الغنيمةَ، وَمَنْ يَجِيء بعدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ تَرَكَهَا لِتَكُونَ بَيْنَهُمْ جَمِيعِهِمْ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَلَا أَحسبه عَرَبِيًّا، وَقَالَ أَبو سَعِيدٍ الضَّرير: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بَبّان، قَالَ: والصحيحُ عِنْدَنَا بَيّاناً وَاحِدًا، قَالَ: والعربُ إِذَا ذَكَرت مَنْ لَا يُعْرف قَالُوا هَذَا هَيَّانُ بْنُ بَيّان، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لأُسَوِّيَنَّ بَيْنَهُمْ فِي العَطاء حَتَّى يَكُونُوا شَيْئًا وَاحِدًا لَا فَضْلَ لأَحدٍ عَلَى غَيْرِهِ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: قَالَ الأَزهري
стр. 6609
لَيْسَ الأَمرُ كَمَا ظنَّ، قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ أَهْلُ الإِتقان، وكأَنَّها لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ وَلَمْ تَفْشُ فِي كَلَامِ مَعدٍّ، وَهُوَ البأْجُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: الكواكبُ الْبَابَانِيَاتُ هِيَ الَّتِي لَا يَنْزِل بِهَا شمسٌ وَلَا قمرٌ، إنَّما يُهْتَدى بِهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَهِيَ شَامِيَّةٌ، ومهبُّ الشَّمالِ مِنْهَا، أَولُها الْقُطْبُ، وَهُوَ كوكبٌ لَا يزولُ، والجَدْيُ والفَرْقَدان، وَهُوَ بَيْنَ الْقُطْبِ «١». وَفِيهِ بناتُ نَعْشٍ الصُّغْرى.
بثن: البَثْنَةُ والبِثْنَةُ: الأَرضُ السَّهْلَةُ اللَّينة، وَقِيلَ: الرَّملة، وَالْفَتْحُ أَعلى؛ وأَنشد ابْنُ بَري لِجَمِيلٍ:
بَدَتْ بَدْوةً لمَّا اسْتَقَلَّت حُمولُها ... بِبَثْنةَ، بَيْنَ الجُرْفِ وَالْحَاجِّ والنُّجْلِ
. وَبِهَا سُمِّيَتِ المرأَة بَثْنة، وَبِتَصْغِيرِهَا سُمِّيَتْ بُثَيْنة. والبَثَنِيّةُ: الزُّبْدةُ. والبَثَنِيَّةُ: ضَرْبٌ مِنَ الْحِنْطَةِ. والبَثَنِيَّةُ: بلادٌ بالشأْم. وَقَوْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لمَّا عَزَلَه عمرُ عَنِ الشَّامِ حِينَ خطَبَ الناسَ فَقَالَ: إنَّ عُمَر اسْتَعْمَلني عَلَى الشَّامِ وَهُوَ لَهُ مُهِمٌّ، فَلَمَّا أَلْقَى الشامُ بَوانِيَه وصارَ بَثَنِيَّةً وَعَسَلًا عزَلني وَاسْتَعْمَلَ غَيْرِي؛ فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ البَثَنِيَّة حِنْطَةٌ منسوبةٌ إِلَى بَلْدَةٍ معروفةٍ بِالشَّامِ مِنْ أَرض دِمَشق، قَالَ ابْنُ الأَثير: وَهِيَ نَاحِيَةٌ مِنْ رُسْتاقِ دِمشق يُقال لَهَا البَثَنِيَّة، وَالْآخِرُ أَنه أَراد البَثَنِيَّة النَّاعِمَةَ مِنَ الرَّمْلَةِ اللَّينة يُقَالُ لَهَا بَثْنة، وَتَصْغِيرُهَا بُثَيْنَة، فأَراد خالدٌ أَن الشأْم لمَّا سَكَنَ وَذَهَبَتْ شَوْكَتُه، وَصَارَ لَيِّنًا لَا مكْروهَ فِيهِ، خِصْباً كالحِنْطة والعسلِ، عَزَلَنِي، قَالَ: والبَثْنةُ الزُّبْدة النَّاعِمَةُ أَي لَمَّا صَارَ زُبْدة نَاعِمَةً وَعَسَلًا صِرْفَيْن لأَنها صَارَتْ تُجْبَى أَموالها مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ، قَالَ: وَيَنْبَغِي أَن يَكُونَ بُثَيْنةُ اسْمَ المرأَة تصغيرَها أَعني الزُّبْدَةَ فَقَالَ جَمِيلٌ:
أُحِبُّكَ أَنْ نَزَلْتَ جِبال حِسْمَى، ... وأَنْ ناسَبْتَ بَثْنةَ مِنْ قريبٍ «٢»
. البَثْنةُ هَاهُنَا: الزبدةُ. والبَثْنةُ: النَّعْمةُ فِي النِّعْمةِ. والبَثْنَةُ: الرَّملةُ اللَّيِّنة. والبَثْنةُ: المرأَةُ الحَسْناء الْبَضَّةُ؛ قَالَ الأَزهري: قرأْتُ بِخَطِّ شَمِرٌ وَتَقْيِيدُهُ: البِثْنة، بِكَسْرِ الْبَاءِ، الأَرض اللَّيِّنَةُ، وجمعُها بِثَنٌ؛ وَيُقَالُ: هِيَ الأَرض الطَّيِّبَةُ، وَقِيلَ: البُثُنُ الرِّيَاضُ؛ وأَنشد قَوْلَ الْكُمَيْتِ:
مباؤكَ فِي البُثُنِ النَّاعِمَاْتِ ... عَيْناً، إِذَا رَوَّحَ المؤْصِل
يَقُولُ: رِياضُك تَنْعَمُ أَعْيُنَ الناسِ أَي تُقِرُّ عيونَهم إِذَا أَراحَ الرَّاعِي نَعَمَه أَصيلًا، والمَباءُ والمَباءةُ: المنزلُ. قَالَ الْغَنَوِيُّ: بَثَنِيَّةُ الشَّامِ حنطةٌ أَو حَبَّةٌ مُدَحْرجَةٌ، قَالَ: وَلَمْ أَجد حَبّةً أَفضلَ مِنْهَا؛ وَقَالَ ابْنُ رُوَيشد الثَّقَفِيُّ:
فأَدْخَلْتُها لَا حِنْطةً بَثَنِيَّةً ... تُقَابِلُ أَطْرافَ البيوتِ، وَلَا حُرْفا
قَالَ: بَثَنِيّة منسوبةٌ إِلَى قَرْيَةٍ بِالشَّامِ بَيْنَ دِمَشْقَ وأَذْرِعات، وَقَالَ أَبو الْغَوْثِ: كلُّ حِنْطَةٍ تَنْبُت فِي الأَرض السَّهْلة فَهِيَ بَثَنيَّة خِلَافَ الجبَليَّة، فَجَعَلَهُ مِنَ الأَول.
بحن: بَحْنةُ: نخلةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَبَنَاتُ بَحْنَةَ: ضربٌ مِنَ النَّخْلِ طِوالٌ، وَبِهَا سمِّي ابنُ بُحَينة. وابنُ بَحْنَة: السوطُ تَشْبيهاً بِذَلِكَ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: قِيلَ لِلسَّوْطِ ابنُ بَحْنةَ لأَنه يُسَوّى مِنْ قُلوس الْعَرَاجِينِ. وبَحْنَةُ: اسمُ امرأَةٍ نُسِبَ إِلَيْهَا نَخْلاتٌ كُنَّ عِنْدَ بَيْتِهَا كَانَتْ تَقُولُ: هُنَّ بَنَاتِي، فَقِيلَ: بناتُ بَحْنةَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: حَكَى أَبو سهل عن التميمي
стр. 6610
فِي قَوْلِهِمْ بِنْتُ بحْنة أَن البَحْنة نَخْلَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْمَدِينَةِ، وَبِهَا سُمِّيَتِ المرأَة بَحْنة، وَالْجَمْعُ بَنَاتُ بَحْنٍ. الْمُحْكَمُ: وبَحْنةُ وبُحَيْنَةُ اسمُ امرأَتين؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. والبَحْونُ: رملٌ متراكبٌ؛ قَالَ:
مِنْ رَمْلِ تُرْنَى ذِي الرُّكامِ البَحْون
وَرَجُلٌ بَحْوَنٌ وبَحْوَنةٌ: عظيمُ الْبَطْنِ. والبَحْوَنةُ: القِرْبةُ الواسعةُ الْبَطْنِ؛ أَنشد ابْنَ بَرِّيٍّ للأَسود بْنِ يَعْفُر:
جَذْلان يَسَّرَ جُلَّةً مَكْنُوزَةً، ... حَبْناءَ بَحْوَنةً ووَطْباً مِجْزَما «٣»
. أَبو عَمْرٍو: البَحْنانةُ الجُلَّة العظيمةُ البَحْرانية الَّتِي يُحْملُ فِيهَا الكَنْعَد المالحُ، وَهِيَ البَحْوَنةُ أَيضاً، وَيُقَالُ للجُلَّة الْعَظِيمَةِ البَحْناء. وَفِي الْحَدِيثِ:
إِذَا كَانَ يومُ الْقِيَامَةِ تخرجُ بَحْنانةٌ مِنْ جَهَنَّمَ فتلْقُطُ الْمُنَافِقِينَ لَقْطَ الحَمامةِ القِرْطِمَ
؛ البَحْنانةُ: الشرارةُ مِنَ النَّارِ. ودلْوٌ بَحْوَنيٌّ: عظيمٌ كثيرُ الأَخْذِ لِلْمَاءِ. وجُلَّة بَحْوَنةٌ: عظيمةٌ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ. والبَحْوَنُ: ضربٌ مِنَ التَّمْرِ؛ حَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ: فَلَا أَدري مَا حقيقتُه. وبَحْوَن وبَحْوَنةُ: اسمان.
بخن: رَجُلٌ بَخْنٌ: طويلٌ مِثْلُ مَخْن؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه بَدَلًا. ابْنُ بَرِّيٍّ: بَخَنَ، فَهُوَ باخِنٌ، طَالَ؛: قَالَ الشَّاعِرُ:
فِي باخِنٍ منْ نهارِ الصَّيْفِ مُحْتَدِم
التَّهْذِيبُ: وَيُقَالُ لِلنَّاقَةِ إِذَا تمدَّدَت لِلْحَالِبِ قَدِ ابْخَأَنَّت، وَيُقَالُ لِلْمَيِّتِ أَيضاً ابْخَأَنَّ؛ قَالَ الرَّاجِزُ فَتَرَكَ الهمزة:
مُرِبَّة [مُرَبَّة] بالنَّقْرِ والإِبْساسِ، ... ولابْخِنانِ الدَّرِّ والنُّعاسِ
يُقَالُ: قَدِ ابْخأَنَّتْ وابْخانَّت، مَهْمُوزٌ وَغَيْرُ مهموز.
بخدن: امرأَة بَخْدَنٌ: رَخصةٌ نَاعِمَةٌ تارَّةً. وبَخْدَن وبِخْدِن والبِخْدِنُ، كلُّ ذَلِكَ: اسمُ امرأَة؛ قَالَ:
يَا دارَ عَفْراءَ ودارَ البِخْدِنِ.
بدن: بَدَنُ الإِنسان: جسدُه. والبدنُ مِنَ الجسدِ: مَا سِوَى الرأْس والشَّوَى، وَقِيلَ: هُوَ العضوُ؛ عَنْ كُرَاعٍ، وَخَصَّ مَرّةً بِهِ أَعضاءَ الجَزور، وَالْجَمْعُ أَبْدانٌ. وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ: إِنها لحَسنةُ الأَبدانِ؛ قَالَ أَبو الْحَسَنِ: كأَنهم جَعَلُوا كُلَّ جُزْءٍ مِنْهَا بَدَناً ثُمَّ جَمَعُوهُ عَلَى هَذَا؛ قَالَ حُمَيد بْنُ ثَوْرٍ الْهِلَالِيُّ:
إِنَّ سُلَيْمى واضِحٌ لَبَّاتُها، ... لَيِّنة الأَبدانِ مِنْ تحتِ السُّبَجْ
. وَرَجُلٌ بادنٌ: سِمِينٌ جَسِيمٌ، والأُنثى بادنٌ وبادنةٌ، والجمعُ بُدْنٌ وبُدَّنٌ؛ أَنشد ثَعْلَبُ:
فَلَا تَرْهَبي أَن يَقْطَع النَّأْيُ بَيْنَنَا، ... ولَمّا يُلَوِّحْ بُدْنَهُنَّ شُروبُ
وَقَالَ زُهَيْرٌ:
غَزَتْ سِماناً فآبَتْ ضُمَّراً خُدُجاً، ... مِنْ بَعْدِ مَا جَنَّبوها بُدَّناً عُقُقا
وَقَدْ بَدُنَتْ وبَدَنَتْ تَبْدُن بَدْناً وبُدْناً وبَداناً وَبَدَانَةً؛ قَالَ:
وانْضَمَّ بُدْنُ الشَّيْخِ واسمَأَلَّا
إِنَّمَا عَنَى بالبُدن هُنَا الجوهرَ الَّذِي هُوَ الشَّحْمُ، لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى هَذَا لأَنك إِنْ جَعَلْتَ البُدْنَ عرَضاً جَعَلْتَهُ مَحَلًّا لِلْعَرَضِ. والمُبَدَّنُ والمُبَدّنةُ: كالبادِنِ والبادنةِ، إِلَّا أَن المُبَدَّنةَ صيغةُ مفعول. والمِبْدانُ:
стр. 6611
الشَّكورُ السَّريعُ السَّمَن؛ قَالَ:
وَإِنِّي لَمِبْدانٌ، إِذَا القومُ أَخْمصُوا، ... وفيٌّ، إِذَا اشتدَّ الزَّمانُ، شحُوب
. وبَدَّنَ الرجلُ: أَسَنَّ وَضَعُفَ. وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ، ﷺ ، أَنه قَالَ: لَا تُبادروني بِالرُّكُوعِ وَلَا بالسجودِ، فَإِنَّهُ مهْما أَسْبِقكم بِهِ إِذَا ركعتُ تُدْرِكوني إِذَا رَفَعْتُ، ومهما أَسْبقْكم إذا سَجَدْتُ تُدْرِكوني إِذَا رفعتُ، إِنِّي قَدْ بَدُنْتُ
؛ هَكَذَا رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ بَدُنْت؛ قَالَ الأُموي: إِنَّمَا هُوَ بَدَّنْت، بِالتَّشْدِيدِ، يَعْنِي كَبِرْتُ وأَسْنَنْتُ، والتخفيفُ مِنَ الْبَدَانَةِ، وَهِيَ كثرةُ اللَّحْمِ، وبَدُنْتُ أَي سَمِنْتُ وضَخُمْتُ. وَيُقَالُ: بَدَّنَ الرجلُ تَبْديناً إِذَا أَسَنَّ؛ قَالَ حُمَيد الأَرقط:
وكنْتُ خِلْتُ الشَّيْبَ والتَّبْدينا ... والهَمَّ مِمَّا يُذْهِلُ القَرينا
قَالَ: وأَما قولُه قَدْ بَدُنْتُ فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى إِلَّا كَثْرَةُ اللَّحْمِ وَلَمْ يَكُنْ، ﷺ ، سَميناً. قَالَ ابْنُ الأَثير: وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَتِهِ فِي حَدِيثِ
ابْنِ أَبي هالةَ: بادِنٌ مُتمَاسِك
؛ والبادنُ: الضخمُ، فَلَمَّا قَالَ بادِنٌ أَرْدَفَه بمُتماسِكٍ وَهُوَ الَّذِي يُمْسِكُ بعضُ أَعْضائِه بَعْضًا، فَهُوَ مُعْتَدِلُ الخَلْقِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
أَتُحِبُّ أَنّ رَجُلًا بادِناً فِي يَوْمٍ حارٍّ غَسَلَ مَا تَحتَ إزارِه ثُمَّ أَعْطاكَه فشَرِبْتَه؟
وبَدَنَ الرجلُ، بِالْفَتْحِ، يَبْدُنُ بُدْناً وبَدانةً، فَهُوَ بادِنٌ إِذَا ضخُمَ، وَكَذَلِكَ بَدُنَ، بِالضَّمِّ، يَبْدُن بَدانةً. وَرَجُلٌ بادِنٌ ومُبَدَّنٌ وامرأَة مُبَدَّنةٌ: وَهُمَا السَّمينانِ. والمُبَدِّنُ: المُسِنُّ. أَبو زَيْدٍ: بَدُنَت المرأَةُ وبَدَنَت بُدْناً؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ: بُدْناً وبَدانةً عَلَى فَعالة، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وامرأَةٌ بادِنٌ أَيضاً وبَدين. وَرَجُلٌ بَدَنٌ: مُسِنٌّ كَبِيرٌ؛ قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ:
هَلْ لِشَبابٍ فاتَ مِنْ مَطْلَبِ، ... أَمْ مَا بكاءُ البَدَنِ الأَشْيَبِ؟
والبَدَنُ: الوعِلُ المُسِنُّ؛ قَالَ يصفَ وعِلًا وكَلْبة:
قَدْ قُلْتُ لَمَّا بَدَتِ العُقابُ، ... وضَمّها والبَدَنَ الحِقابُ:
جِدِّي لكلِّ عاملٍ ثَوابُ، ... والرأْسُ والأَكْرُعُ والإِهابُ
. العُقابُ: اسمُ كَلْبَةٍ، والحِقابُ: جَبَلٌ بِعَيْنِهِ، والبَدَنُ: المُسِنُّ مِنَ الوُعول؛ يَقُولُ: اصْطادي هَذَا التيْسَ وأَجعلُ ثوابَك الرأْسَ والأَكْرُعَ والإِهابَ، وبيتُ الِاسْتِشْهَادِ أَورده الْجَوْهَرِيُّ: قَدْ ضمَّها، وَصَوَابُهُ وضمَّها كَمَا أَوردناه؛ ذَكَرَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ، وَالْجَمْعُ أَبْدُنٌ؛ قَالَ كُثَيّر عَزَّةَ:
كأَنّ قُتودَ الرَّحْلِ مِنْهَا تُبِينُها ... قُرونٌ تَحَنَّتْ فِي جَماجِمِ أَبْدُنِ
وبُدونٌ، نَادِرٌ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. والبَدنةُ مِنَ الإِبلِ وَالْبَقَرِ: كالأُضْحِيَة مِنَ الْغَنَمِ تُهْدَى إِلَى مَكَّةَ، الذَّكَرُ والأُنثى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ الْجَوْهَرِيُّ: البَدْنةُ ناقةٌ أَو بقرةٌ تُنْحَرُ بِمَكَّةَ، سُمِّيت بِذَلِكَ لأَنهم كَانُوا يُسَمِّنونَها، وَالْجَمْعُ بُدُنٌ وبُدْنٌ، وَلَا يُقَالُ فِي الْجَمْعِ بَدَنٌ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا خَشَبٌ وأَجَمٌ ورَخَمٌ وأَكَمٌ، اسْتَثْنَاهُ اللِّحْيَانِيُّ مِنْ هَذِهِ. وَقَالَ أَبو بَكْرٍ فِي قَوْلِهِمْ قَدْ ساقَ بَدَنةً: يَجُوزُ أَن تَكُونَ سُمِّيَتْ بَدَنةً لِعِظَمِها وضَخامتِها، وَيُقَالُ: سمِّيت بدَنةً لسِنِّها. والبُدْنُ: السِّمَنُ والاكتنازُ، وَكَذَلِكَ البُدُن مِثْلُ عُسْر وعُسُر؛ قَالَ شَبيب بْنُ البَرْصاء:
стр. 6612
كأَنها، مِنْ بُدُنٍ وإيفارْ، ... دَبَّت عَلَيْهَا ذَرِباتُ الأَنبارْ
وَرُوِيَ: مِنْ سِمَنٍ وَإِيغَارٍ. وَفِي حَدِيثِ
النَّبِيِّ، ﷺ : أَنه أُتِيَ ببَدَناتٍ خَمْسٍ فطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِليه بأَيَّتِهِنَّ يَبْدأُ
؛ البَدَنةُ، بِالْهَاءِ، تَقَعُ عَلَى النَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالْبَعِيرِ الذَّكر مِمَّا يَجُوزُ فِي الهدْي والأَضاحي، وَهِيَ بالبُدْن أَشْبَه، وَلَا تَقَعُ عَلَى الشَّاةِ، سمِّيت بَدَنةً لِعِظَمِها وسِمَنِها، وَجَمْعُ البَدَنةِ البُدْن. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: بَدَنة وبُدْن، وَإِنَّمَا سُمِّيت بَدَنةً لأَنها تَبْدُنُ أَي تَسْمَنُ. وَفِي حَدِيثِ
الشَّعْبِيِّ: قِيلَ لَهُ إِنَّ أَهلَ العِراق يَقُولُونَ إِذا أَعْتَقَ الرجلُ أَمَتَه ثُمَّ تَزوَّجها كَانَ كمَنْ يَرْكَبُ بدَنتَه
؛ أَي مَنْ أَعْتَقَ أَمتَه فَقَدْ جَعَلَهَا مُحرَّرة لِلَّهِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ البَدَنةِ الَّتِي تُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي الْحَجِّ فَلَا تُرْكبُ إِلَّا عَنْ ضرورةٍ، فَإِذَا تزَوَّجَ أَمتَه المُعْتَقة كَانَ كَمَنْ قَدْ رَكِبَ بدَنتَه المُهْداةَ. والبَدَنُ: شِبْهُ دِرْعٍ إِلَّا أَنه قَصِيرٌ قَدْرُ مَا يَكُونُ عَلَى الْجَسَدِ فَقَطْ قَصِيرُ الكُمَّينِ. ابْنُ سِيدَهْ: البَدَنُ الدِّرعُ الْقَصِيرَةُ عَلَى قَدْرِ الْجَسَدِ، وَقِيلَ: هِيَ الدِّرْعُ عامَّة، وَبِهِ فَسَّرَ ثَعْلَبٌ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
؛ قَالَ: بِدِرْعِك، وَذَلِكَ أَنهم شكُّوا فِي غَرَقِه فأَمرَ اللهُ البحرَ أَن يَقْذِفَه عَلَى دَكَّةٍ فِي الْبَحْرِ بِبَدنه أَي بِدرْعِهِ، فَاسْتَيْقَنُوا حِينَئِذٍ أَنه قَدْ غَرِقَ؛ الْجَوْهَرِيُّ: قَالُوا بجَسَدٍ لَا رُوحَ فِيهِ، قَالَ الأَخفش: وقولُ مَن قالَ بِدرْعِك فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَبْدانٌ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، كَرَّمَ الله وجهَه: لَمَّا خطَب فاطمةَ، رضوانُ اللَّهِ عَلَيْهَا، قِيلَ: مَا عندكَ؟ قَالَ: فَرَسي وبَدَني
؛ البَدَنُ: الدِّرْع مِنَ الزَّرَدِ، وَقِيلَ: هِيَ القصيرةُ مِنْهَا. وَفِي حَدِيثِ
سَطيح: أَبْيَضُ فَضْفاضُ الرِّداءِ والبَدَنِ
أَي واسعُ الدِّرْعِ؛ يُرِيدُ كثرةَ الْعَطَاءِ. وَفِي حَدِيثِ مَسْح الخُفَّين:
فأَخْرجَ يدَه مِنْ تحتِ بدَنِه
؛ اسْتعارَ البَدَنَ هَاهُنَا للجُبَّةِ الصغيرةِ تَشْبِيهًا بالدِّرع، وَيُحْتَمَلُ أَن يُرِيدَ مِنْ أَسفَل بدَنِ الجُبَّة، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخرى: فأَخرجَ يَدَهُ مِنْ تحتِ البَدَنِ. وبدَنُ الرجلِ: نَسَبُه وحسبُه؛ قَالَ:
لَهَا بدَنٌ عاسٍ، ونارٌ كريمةٌ ... بمُعْتَركِ الآريّ، بين الضَّرائِم.
بذن: قَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ فِي المَنْطِق: بأْذَنَ فلانٌ مِنَ الشَّرِّ بأْذَنةً، وَهِيَ المُبَأْذَنةُ، مَصْدَرٌ، وَيُقَالُ: أَنائِلًا تريدُ ومُعَتْرَسةً، أَراد بالمُعَترسة الِاسْمَ يُرِيدُ بِهِ الفعلَ مثل المُجاهَدة «١».
بذبن: باذَبِينُ: رسولٌ كَانَ لِلْحَجَّاجِ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي كِلَابٍ:
أَقولُ لِصَاحِبِي وجَرَى سَنيحٌ، ... وآخرُ بارِحٌ مِن عنْ يَميني
وَقَدْ جَعَلَتْ بَوائقُ مِنْ أُمورٍ ... تُوَقِّعُ دونَه، وتَكُفُّ دُوني:
نشدْتُك هلْ يَسُرُّك أَنّ سَرْجي ... وسَرْجَك فوقَ بَغْلٍ باذَبِيني؟
قَالَ: نَسَبَهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كان رسولًا للحجاج.
برن: البَرْنيُّ: ضرْبٌ مِنَ التَّمْرِ أَصْفَرُ مُدَوّر، وَهُوَ أَجود التَّمْرِ، واحدتُه بَرْنِيّةٌ؛ قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أَصله فَارِسِيٌّ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ بارِنيّ، فَالْبَارُ الحَمْلُ، ونِيّ تعظيمٌ وَمُبَالَغَةً؛ وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
خَالِيَ عُوَيْفٌ وأَبو عَلِجِّ، ... المُطْعِمانِ اللحْمَ بالعَشِجِ
стр. 6613
وبالغَداةِ كِسَرَ البَرْنِجِّ، ... يُقْلَعُ بالوَدِّ وبالصِّيصِجِ
فَإِنَّهُ أَراد: أَبو عَلِيٍّ وَبِالْعَشِيِّ وَالْبَرْنِيِّ والصِّيصِيّ، فأَبدل مِنَ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ جِيمًا. التَّهْذِيبُ: البَرْنِيُّ ضربٌ مِنَ التَّمْرِ أَحمرُ مُشْرَب بصُفْرة كَثِيرُ اللِّحاء عَذْب الحَلاوة. يُقَالُ: نخلةٌ بَرْنِيَّة ونخلٌ بَرْنِيٌّ؛ قَالَ الرَّاجِزُ:
بَرْنِيّ عَيْدانٍ قَليل قشْرُهْ
ابْنُ الأَعرابي: البَرْنِيُّ الدِّيَكةُ، وَقِيلَ: البَرَانيُّ، بِلُغَةِ أَهل الْعِرَاقِ، الدِّيَكةُ الصِّغارُ حِينَ تُدْرِك، واحدتُها بَرْنِيّة. والبَرْنِيَّةُ: شبْهُ فخّارةٍ ضخمةٍ خَضْراء، وَرُبَّمَا كَانَتْ مِنَ القَواريرِ الثِّخانِ الواسعةِ الأَفْواه. غَيْرُهُ: والبَرْنيَّة إناءٌ مِنْ خَزَفٍ. ويَبْرينُ: مَوْضِعٌ، يُقَالُ: رملُ يَبْرينَ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: حقُّ يَبْرينَ أَنْ يُذْكَر فِي فَصْلِ بَرَى مِنْ بَابِ الْمُعْتَلِّ لأَنّ يبرينَ مِثْلُ يَرْمينَ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يَبْرونَ فِي الرَّفْعِ وَيَبْرِينَ فِي النَّصْبِ وَالْجَرِّ، وَهَذَا قاطعٌ بِزِيَادَةِ النُّونِ؛ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ يَبْرين فَعْلينَ، لأَنه لَمْ يأْتِ لَهُ نظيرٌ، وَإِنَّمَا فِي الْكَلَامِ فِعْلينٌ مثلُ غِسْلينٍ، قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَبي الْعَبَّاسِ، أَعني أَن يَبْرين مثلُ يَرْمين، قال: وهو الصحيح.
برثن: البُرْثُنُ: مِخْلَبُ الأَسَد، وَقِيلَ: هُوَ للسبُع كالإِصْبَع للإِنسان، وَقِيلَ: البُرْثُنُ الكَفُّ بِكَمَالِهَا مَعَ الأَصابع. اللَّيْثُ: البَراثِن أَظْفار مَخالِب الأَسَد، يُقَالُ: كأَنّ بَراثِنَه الأَشافي. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: البُرْثُن مِثْلُ الإِصْبع، والمِخْلَبُ ظُفُر البُرْثُن؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسَ:
وتَرى الضّبَّ خَفِيفًا ماهِراً، ... رَافعاً بُرْثُنَه مَا يَنْعَفِرْ
وَالْمَشْهُورُ فِي شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ: ثَانِيًا بُرْثُنَهُ، يَصِفُ مَطَرًا كَثِيرًا أَخرجَ الضَّبَّ مِنْ جُحْره، فعامَ فِي الْمَاءِ مَاهِرًا فِي سباحَته يَبْسُطُ بَراثْنه ويَثْنيها فِي سِباحَته، وقولُه مَا يَنْعَفِر أَي لَا يُصِيبُ بَراثنَه الترابُ، وَهُوَ العَفَرُ، والبَراثن لِلسِّبَاعِ كُلِّهَا، وَهِيَ مِنَ السباعِ وَالطَّيْرِ بمَنْزلة الأَصابع مِنَ الإِنسان؛ وَقَدْ تُستعارُ البَراثِنُ لأَصابع الإِنسان كَمَا قال ساعدةُ ابنُ جُؤَيَّةَ يَذْكُرُ النَّحْلَ ومُشْتَار العَسَلِ:
حتَّى أُشِبَّ لَهَا، وَطَالَ أَبابُها، ... ذُو رُجْلَةٍ شَتْنُ البَراثِنِ جَحْنَبُ
والجَحْنَب: القَصير، وَلَيْسَ يَهْجوه وَإِنَّمَا أَراد أَنه مُجْتَمِعُ الخَلْق. وَفِي حَدِيثِ القبائِلِ:
سُئِلَ عَنْ مُضَرَ فَقَالَ: تَميمٌ بُرْثُمَتُها وجُرْثُمَتُها
؛ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا هُوَ بُرْثُنَتُها، بِالنُّونِ، أَي مَخالِبُها، يُرِيدُ شَوْكَتها وقُوَّتَها، والميمُ والنونُ يتَعاقبان، فَيَجُوزُ أَن تكونَ الميمُ لُغَةً، وَيَجُوزُ أَن تكونَ بَدَلًا لازْدِواج الْكَلَامِ فِي الجُرْثومة كَمَا قَالَ الغَدايا والعَشايا. والبُرْثُن لِمَا لَمْ يَكنْ مِنْ سِباعِ الطَّيْرِ مثلُ الْغُرَابِ وَالْحَمَامِ، وَقَدْ يكونُ للضَّبِّ والفأْر واليَرْبوع. وبُرْثُنُ: قَبِيلَةٌ؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ لقَيْسِ بنِ المُلَوَّح:
لَخُطَّابُ لَيْلى، يالَ بُرْثُنَ منكُمُ، ... أَدَلُّ وأَمْضَى مِنْ سُلَيكِ المَقانِبِ
غَيْرُهُ: بُرْثُن حَيٌّ مِنْ بَنِي أَسد؛ قَالَ: وَقَالَ قُرّانٌ الأَسَديّ:
لَزُوّارُ لَيْلى، منكُمُ آلَ بُرْثُن، ... عَلَى الهَوْلِ أَمْضَى مِنْ سُلَيْكِ المَقانِب
تَزُورُونَها وَلَا أَزورُ نِساءَكم، ... أَلَهْفي لأَولاد الإِماءِ الحَواطِب
стр. 6614
قَالَ: وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ الأَوّلُ، جَعَلَ اهتِداءَهم لِفَسادِ زوجتِه كاهْتِداء سُلَيْكِ بْنِ السُّلَكةِ فِي سَيْره فِي الفَلَوات. وَفِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الأَثير: بَرْثان، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَادٍ فِي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، إِلَى بَدْرٍ، قَالَ: وَقِيلَ فِي ضبطه غيرُ ذلك.
برذن: البِرْذَوْنُ: الدَّابَّةُ، مَعْرُوفٌ، وسَيْرَتُه البَرْذَنَةُ، والأُنثى بِرْذَوْنَةٌ، قال:
رأَيتُكَ، إذْ جالَتْ بكَ الخَيْلُ جَوْلةً، ... وأَنتَ عَلَى بِرْذَوْنةٍ غَيْرَ طائلِ
وجَمْعُه بَراذينُ. وَالْبَرَاذِينُ مِنَ الخَيْلِ: مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ نِتاج العِرابِ. وبَرذَنَ الفرسُ: مَشَى مشيَ البَراذينِ. وبَرْذَنَ الرجلُ: ثَقُلَ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وأَحسِبُ أَن البرْذَوْن مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وحكي عَنِ الْمُؤَرِّجِ أَنه قَالَ: سأَلتُ فُلَانًا عَنْ كَذَا وَكَذَا فبَرْذَنَ لِي أَي أَعْيا وَلَمْ يُجِبْ فيه.
برزن: البِرْزينُ، بِالْكَسْرِ: إِنَاءٌ مِنْ قِشْرِ الطَّلْع يُشْرَب فِيهِ، فَارِسِيٌّ مُعرّب، وَهِيَ التَّلْتَلة. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: البِرْزِينُ قِشْرُ الطَّلْعةِ يُتَّخَذ مِنْ نِصْفِهِ تَلْتَلةٌ؛ وأَنشد لعَديّ بْنِ زَيْدٍ:
إنَّما لِقْحَتُنا باطيةٌ، ... جَوْنةٌ يَتْبَعُها بِرْزِينُها
فإِذا مَا حارَدتْ أَو بَكَأَتْ، ... فُكَّ عَنْ حاجِبِ أُخْرى طينُها
وَفِي التَّهْذِيبِ:
إِنَّمَا لِقْحتُنا خابيةٌ
شَبَّه خابيتَه بلِقْحةٍ جَوْنةٍ أَي سوداءَ، فإِذا قَلَّ مَا فِيهَا أَو انْقَطَعَ فُتِحَتْ أُخرى، قَالَ: وصوابُ برْزينٍ أَن يُذْكَر فِي فَصْلِ برَز، لأَنّ وَزْنه فِعْلينٌ مثل غِسْلين، قال: وَالْجَوْهَرِيُّ جَعَلَ وَزْنَهُ فِعْليلًا. النَّضْر: البِرزين كُوز يُحْمَلُ بِهِ الشَّرابُ مِنَ الخابِية. الْجَوْهَرِيُّ: البِرْزينُ، بِالْكَسْرِ، التَّلْتَلةُ، وَهِيَ مِشْرَبة تُتّخذ مِنْ قِشر الطَّلعة.
بركن: التَّهْذِيبُ فِي الرُّبَاعِيِّ: الْفَرَّاءُ يُقَالُ لِلْكِسَاءِ الأَسود بَرْكان وَلَا يُقَالُ بَرَنكان.
برهن: التَّهْذِيبُ: قَالَ اللَّهُ : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ*
؛ البُرْهان الحُجّة الْفَاصِلَةُ الْبَيِّنَةُ، يُقَالُ: بَرْهَنَ يُبَرْهِنُ بَرْهَنةً إِذَا جَاءَ بحُجّةٍ قَاطِعَةٍ لِلَدَد الخَصم، فَهُوَ مُبَرْهِنٌ. الزَّجَّاجُ: يُقَالُ لِلَّذِي لَا يُبَرْهِنُ حَقِيقَتَهُ إِنَّمَا أَنت متمنٍّ، فجعلَ يُبَرْهن بِمَعْنَى يُبَيِّن، وجَمْعُ البرهانِ براهينُ. وَقَدْ بَرْهَنَ عَلَيْهِ: أَقام الْحُجَّةَ. وَفِي الْحَدِيثِ:
الصَّدَقةُ بُرْهانٌ
؛ البُرْهانُ: الحجّةُ وَالدَّلِيلُ أَي أَنها حُجَّةٌ لِطَالِبِ الأَجْر مِنْ أَجل أَنَّها فَرْضٌ يُجازِي اللهُ بِهِ وَعَلَيْهِ، وَقِيلَ: هِيَ دَليلٌ عَلَى صِحَّةِ إِيمَانِ صَاحِبِهَا لِطِيبِ نَفْسه بإخْراجها، وَذَلِكَ لعَلاقةٍ مَّا بَيْنَ النفْسِ والمال.
برهمن: البُرَهْمِنُ: العالِم، بالسُّمَنيَّة. التَّهْذِيبُ: البُرَهْمِنُ بالسُّمَنِيّة عالِمُهم وعابِدُهم.
بزن: الأَبْزَنُ: شيءٌ يُتَّخَذ مِنَ الصُّفْر لِلْمَاءِ وَلَهُ جَوْف، وَقَدْ أَهْمله اللَّيْثُ؛ وَجَاءَ فِي شعرٍ قَدِيمٍ: قَالَ أَبو دُوادٍ الإِياديّ يَصِفُ فَرَسًا وَصَفه بِانْتِفَاخِ جَنْبَيْه:
أَجْوَفُ الجَوْفِ، فَهُوَ مِنْهُ هواءٌ، ... مِثْلَ مَا جافَ، أَبْزَناً، نَجَّارُ
أَصله آبْزَنَ فَجَعَلَهُ الأَبْزَنَ حَوْض مِنْ نُحاسٍ يَسْتَنْقعُ فِيهِ الرجلُ، وَهُوَ مُعَرّب، وجعَل صانِعَه نَجَّارًا جافَ أَبَزْناً وسَّع جوفَه لِتَجْوِيدِهِ إِيَّاهُ. ابْنُ بَرِّيٍّ: الأَبْزَنُ شَيْءٌ يَعْمَله النَّجَّارُ مِثْلَ التَّابُوتِ؛
стр. 6615
وأَنشد بَيْتَ أَبي دُواد:
مِثل مَا جَافَ أَبزناً نجّارُ
أَبو عَمْرٍو الشّيْباني: يُقَالُ إبْزِيمٌ وإبْزِينٌ ويُجْمَع أَبازينَ؛ قَالَ أَبو دُوَادَ فِي صِفَةِ الْخَيْلِ:
إنْ لَم تَلِطْني بهمْ حَقًّا، أَتَيْتُكُمُ ... حُوّاً وكُمْتاً تَعادَى كَالسَّرَاحِينِ
مِنْ كُلِّ جَرْداءَ قَدْ طارَتْ عقيقتُها، ... وَكُلِّ أَجْرَدَ مُسْتَرْخِي الأَبازِينِ
جمعُ إبْزِين، وَيُقَالُ للقُفْل أَيضاً الإِبْزيمَ لأَنّ الإِبْزِيم إفْعيل مِنْ بَزَمَ إِذَا عَضَّ، وَيُقَالُ أَيضاً إبْزين، بِالنُّونِ. الْجَوْهَرِيُّ: البُزْيونُ، بِالضَّمِّ، السُّنْدُس؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هُوَ رَقيقُ الدِّيبَاجِ، قَالَ: والإِبْزين لغةٌ فِي الإِبزيم؛ وأَنشد:
وَكُلِّ أَجردَ مُسْترْخي الأَبازينِ
بسن: الباسِنةُ: كالْجُوالِقِ غَليظٌ يُتَّخذُ مِنْ مُشاقةِ الكَتَّان أَغْلظُ مَا يَكونُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْمِزها. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: البأْسِنةُ كِساء مَخيطٌ يُجْعلُ فِيهِ طَعَامٌ، والجمعُ البَآسِنُ. والبآسِنةُ: اسْمٌ لِآلَاتِ الصُّنَّاع، قَالَ: وَلَيْسَ بَعَرَبيّ مَحْضٍ. وَفِي حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَل آدمُ، ﵇، مَنْ الجَنة بالباسِنةِ
، التفسيرُ للهرَويّ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: قِيلَ إِنَّهَا آلاتُ الصُّنَّاع، وَقِيلَ: إِنَّهَا سِكّةُ الحَرْث، قَالَ: وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ. ابْنُ بَرِّيٍّ: البَواسِنُ جمعُ باسِنةٍ سِلال الفُقّاع، قَالَ: حَكَاهُ ابنُ دَرَسْتَوَيْه عَنِ النَّضْر بنِ شُمَيْل. وحَسَنٌ بَسَنٌ إتْباعٌ. ابْنُ الأَعرابي: أَبْسَنَ الرجلُ إِذَا حَسُنَتْ سَحْنَتُه. وبَيْسانُ: مَوْضِعٌ بِنَوَاحِي الشَّامِ؛ قَالَ أَبو دُواد:
نَخَلاتٌ مِنْ نَخْلِ بَيْسانَ أَينَعْنَ ... جميعاً، ونَبْتُهنَّ تُؤامُ
بصن: بُصان: اسمُ رَبيعٍ الآخِرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ هَكَذَا حَكَاهُ قُطْربٌ عَلَى شَكْل غُرابٍ، قَالَ: وَالْجَمْعُ أَبْصِنَةٌ وبِصْنانٌ كأَغْربةٍ وغِرْبانٍ، وأَما غيرُه مِنَ اللغويِّين فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَهُمْ وَبُصان، عَلَى مِثَالِ سَبُعان، ووَبِصان، عَلَى مِثال شَقِرانٍ، قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ أَبو إسحق: سُمّي بذلك لِوبيص السِّلَاحِ فِيهِ أَي بَريقه. التَّهْذِيبُ: بَصَنَّى «٢». قَرْيَةٌ فِيهَا السُّتور البَصَنِّيّة، وَلَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ.
بطن: البَطْنُ مِنَ الإِنسان وسائِر الْحَيَوَانِ: معروفٌ خِلَافَ الظَّهْر، مذكَّر، وَحَكَى أَبو عُبَيْدَةَ أَن تأْنيثه لغةٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ التَّذْكِيرِ فِيهِ قولُ ميّةَ بنتِ ضِرار:
يَطْوي، إذا مَا الشُّحُّ أَبْهَمَ قُفْلَه، ... بَطْناً، مِنَ الزادِ الخبيثِ، خَميصا
وَقَدْ ذَكرْنا فِي تَرْجَمَةٍ ظَهَرَ فِي حَرْفِ الرَّاءِ وجهَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ مِنْ قولِ الْعَرَبِ: ضُرِبَ عبدُ اللَّهُ بَطْنُه وظهرُه، وضُرِبَ زيدٌ البطنُ والظهرُ. وجمعُ البَطْنِ أَبطُنٌ وبُطُونٌ وبُطْنانٌ؛ التَّهْذِيبُ: وَهِيَ ثلاثةُ أَبْطُنٍ إِلَى العَشْرِ، وبُطونٌ كَثِيرَةٌ لِما فوْقَ العَشْرِ، وتصغيرُ البَطْنِ بُطَيْنٌ. والبِطْنةُ: امتلاءُ البَطْنِ مِنَ الطَّعَامِ، وَهِيَ الأَشَرُ مِنْ كَثْرةِ الْمَالِ أَيضاً. بَطِنَ يَبْطَنُ بَطَناً وبِطْنةً وبَطُنَ وَهُوَ بَطينٌ، وَذَلِكَ إِذَا عَظُمَ بطْنُه. وَيُقَالُ: ثَقُلَتْ عَلَيْهِ البِطْنةُ، وهي
стр. 6616
الكِظَّة، وَهِيَ أَن يَمْتلِئَ مِنَ الطَّعَامِ امْتِلَاءً شَدِيدًا. وَيُقَالُ: لَيْسَ للبِطْنةِ خيرٌ مِنْ خَمْصةٍ تَتْبَعُها؛ أَراد بالخَمْصَة الجوعَ. وَمِنْ أَمثالهم: البِطْنة تُذْهِبُ الفِطْنةَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا بَني المُنْذرِ بن عَبْدانَ، والبِطنةُ ... مِمَّا تُسَفِّهُ الأَحْلاما
وَيُقَالُ: مَاتَ فلانٌ بالبَطَنِ. الْجَوْهَرِيُّ: وبُطِنَ الرجلُ، عَلَى مَا لَمْ يسمَّ فَاعِلَهُ، اشْتَكَى بَطْنَه. وبَطِن، بِالْكَسْرِ، يَبْطَن بَطَناً: عَظُم بَطْنُه مِنَ الشِّبَعِ؛ قَالَ القُلاخ:
وَلَمْ تَضَعْ أَولادَها مِنَ البَطَنْ، ... وَلَمْ تُصِبْه نَعْسَةٌ عَلَى غَدَنْ
والغَدَنُ: الإِسْتِرخاءُ والفَتْرة. وَفِي الْحَدِيثِ:
المَبْطونُ شهيدٌ
أَي الَّذِي يموتُ بمَرَض بَطْنه كالاسْتِسْقاء وَنَحْوِهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:
أَنَّ امرأَةً مَاتَتْ فِي بَطَن
، وَقِيلَ: أَراد بِهِ هَاهُنَا النِّفاسَ، قَالَ: وَهُوَ أَظهر لأَن الْبُخَارِيَّ ترْجَم عَلَيْهِ بَابَ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَساء. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ:
تَغْدُو خِماصاً وتَرُوحُ بِطاناً
أَي ممتَلِئةَ البُطونِ. وَفِي حَدِيثِ
مُوسَى وشعيبٍ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وعَوْد غَنَمِه: حُفَّلًا بِطاناً
؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ
عَلِيٍّ، ﵇: أَبِيتُ مِبْطاناً وحَوْلي بُطونٌ غَرْثى
؛ المِبْطان: الكثيرُ الأَكل والعظيمُ البطنِ. وَفِي صِفَةِ
عَلِيٍّ، ﵇: البَطِينُ الأَنْزَعُ
أَي العظيمُ البطْنِ. ورجلٌ بَطِنٌ: لَا هَمَّ لَهُ إلَّا بَطْنُه، وَقِيلَ: هُوَ الرَّغيب الَّذِي لَا تَنْتَهِي نفسُه مِنَ الأَكل، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يَزَالُ عظيمَ البَطْنِ مِنْ كثرةِ الأَكل، وَقَالُوا: كِيسٌ بَطينٌ أَي مَلآنُ، عَلَى المَثَل؛ أَنشد ثعلبٌ لِبَعْضِ اللُّصوص:
فأَصْدَرْتُ مِنْهَا عَيْبةً ذاتَ حُلَّةٍ، ... وكِيسُ أَبي الجارُودِ غَيْرُ بَطينِ
وَرَجُلٌ مِبْطانٌ: كثيرُ الأَكل لَا يَهُمُّه إِلَّا بَطْنُه، وبَطينٌ: عظيمُ البَطْنِ، ومُبَطَّنٌ: ضامِر البَطْنِ خَميصُه، قَالَ: وَهَذَا عَلَى السَّلْب كأَنه سُلِبَ بَطْنَه فأُعْدِمَه، والأُنثى مُبَطَّنةٌ، ومَبْطونٌ: يَشْتَكي بَطْنَه؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
رَخِيمات الكلامِ مُبَطَّنات، ... جَواعِل فِي البُرَى قَصَباً خِدالا
وَمِنْ أَمثالهم: الذِّئْبُ يُغْبَط بِذي بَطْنه؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَذَلِكَ أَنه لَا يُظَنُّ بِهِ أَبداً الْجُوعُ إِنَّمَا يُظَنّ بِهِ البِطْنةُ لِعَدْوِه عَلَى النَّاسِ والماشِيَةِ، ولعلَّه يكونُ مَجْهوداً مِنَ الْجُوعِ؛ وأَنشد:
ومَنْ يَسْكُنِ البَحْرَيْنِ يَعْظُمْ طِحالُه، ... ويُغْبَطُ مَا فِي بَطْنه وهْو جائعُ
وَفِي
صِفَةِ عِيسَى، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفضل الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: فَإِذَا رجُل مُبَطَّنٌ مثلُ السَّيف
؛ المُبَطَّنُ: الضامِرُ البَطْن، وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَزالُ ضَخْمَ البطنِ مِنْ كَثْرَةِ الأَكل مِبْطانٌ، فَإِذَا قَالُوا رَجُلٌ مُبَطَّنٌ فَمَعْنَاهُ أَنه خَميص البَطْن؛ قَالَ مُتمّم بْنُ نُوَيرة:
فَتًى غَيْرَ مِبْطانِ العَشِيَّةِ أَرْوعا
وَمِنْ أَمثال الْعَرَبِ الَّتِي تُضْرَب للأَمر إِذَا اشْتَدَّ: التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ، وأَما قَوْلُ الرَّاعِي يَصِفُ إِبَلًا وَحَالِبَهَا:
إِذَا سُرِّحَتْ مِنْ مَبْرَكٍ نامَ خلفَها، ... بمَيْثاءَ، مِبْطان الضُّحى غَيْرَ أَرْوعا
مِبْطانُ الضُّحى: يَعْنِي رَاعِيًا يُبادِر الصَّبوح فيشرَبُ حَتَّى يَميلَ مِنَ اللَّبَن. والبَطينُ: الَّذِي لَا يَهُمُّه إِلَّا
стр. 6617
بَطْنُه. والمَبْطُونُ: العَليل البَطْنِ. والمِبْطانُ: الَّذِي لَا يزالُ ضخْمَ البطنِ. والبَطَنُ: داءُ البَطْن. وَيُقَالُ: بَطَنَه الداءُ وَهُوَ يَبْطُنُه، إِذَا دَخَله، بُطوناً. وَرَجُلٌ مَبْطونٌ: يَشْتَكي بَطْنَه. وَفِي حَدِيثِ
عَطَاءٍ: بَطَنتْ بِكَ الحُمَّى
أَي أَثَّرَت فِي بَاطِنِكَ. يُقَالُ: بَطَنَه الداءُ يبطُنه. وَفِي الْحَدِيثِ:
رَجُلٌ ارْتَبَطَ فرَساً لِيَسْتبْطِنَها
أَي يَطْلُبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ النِّتاج. وبَطَنَه يبْطُنُه بَطْناً وبَطَنَ لَهُ، كِلاهما: ضرَب بَطْنَه. وضرَب فلانٌ البعيرَ فبَطَنَ لَهُ إِذَا ضرَب لَهُ تَحْتَ البَطْن؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا ضرَبْتَ مُوقَراً فابْطُنْ لهْ، ... تحتَ قُصَيْراهُ ودُون الجُلَّهْ،
فإنَّ أَنْ تَبْطُنَهُ خَيرٌ لَهْ
أَراد فابطُنْه فَزَادَ لَامًا، وَقِيلَ: بَطَنَه وبَطَن لَهُ مِثْلَ شَكَره وشَكَرَ لَهُ ونصَحَه ونصحَ لَهُ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَإِنَّمَا أَسكن النُّونَ للإِدغام فِي اللَّامِ؛ يَقُولُ: إِذَا ضَرَبْتَ بَعِيرًا مُوقَراً بحِمْله فاضْرِبْه فِي مَوْضِعٍ لَا يَضُرُّ بِهِ الضربُ، فَإِنَّ ضرْبَه فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ بطْنه خَيْرٌ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ. وأَلقَى الرجلُ ذَا بَطْنه: كِنَايَةٌ عَنِ الرَّجيع. وأَلْقَت الدَّجاجةُ ذَا بَطْنِها: يَعْنِي مَزْقَها إِذَا بَاضَتْ. ونثرَت المرأَةُ بَطْنَها وَلَدًا: كَثُر ولدُها. وأَلقت المرأَةُ ذَا بطنِها أَي وَلَدَت. وَفِي حَدِيثِ
الْقَاسِمِ بْنِ أَبي بَرَّةَ: أَمَرَ بعشَرَةٍ مِنَ الطَّهارة: الخِتانِ والاستِحدادِ وغَسْلِ البَطِنةِ ونَتْفِ الإِبْطِ وَتَقْلِيمِ الأَظفار وقصِّ الشَّارِبِ والاستِنْثار
؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: البَطِنة هِيَ الدبُر، هَكَذَا رَوَاهَا بَطِنة، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ؛ قَالَ شَمِرٌ: والانتِضاحُ «١». الاسْتِنجاءُ بِالْمَاءِ. والبَطْنُ: دُونَ الْقَبِيلَةِ، وَقِيلَ: هُوَ دُونَ الفَخِذِ وَفَوْقَ العِمارة، مُذَكَّر، وَالْجَمْعُ أَبْطُنٌ وبُطُونٌ. وَفِي حَدِيثِ
عَلِيٍّ، ﵇: كَتَب عَلَى كلِّ بطْنٍ عُقولَه
؛ قَالَ: البَطْنُ مَا دُونَ الْقَبِيلَةِ وَفَوْقَ الفخِذ، أَي كَتَب عَلَيْهِمْ مَا تَغْرَمُه الْعَاقِلَةُ مِنَ الدِّيات فبَيَّن مَا عَلَى كل قَوْمٍ مِنْهَا؛ فأَما قَوْلُهُ:
وإنَّ كِلاباً هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ، ... وأَنتَ بريءٌ مِنْ قبَائِلِها العَشْر
فَإِنَّهُ أَنّث عَلَى مَعْنَى الْقَبِيلَةِ وأَبانَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ. وفرسٌ مُبَطَّنٌ: أَبيضُ البَطْنِ وَالظَّهْرِ كَالثَّوْبِ المُبطَّن ولَوْنُ سائرِه مَا كَانَ. والبَطْنُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: جَوْفُه، وَالْجَمْعُ كَالْجَمْعِ. وَفِي صِفَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ:
لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وبطْن
؛ أَراد بالظَّهْرِ مَا ظَهَرَ بيانُه، وبالبَطْن مَا احْتِيجَ إِلَى تَفْسِيرِهِ كالباطِن خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَالْجَمْعُ بَواطِنُ؛ وَقَوْلُهُ:
وسُفْعاً ضِياهُنَّ الوَقودُ فأَصْبَحَت ... ظواهِرُها سُوداً، وباطِنُها حُمْرا
أَراد: وبواطِنُها حُمْراً فوَضع الواحدَ موضعَ الْجَمْعِ، ولذلك استَجاز أَن يَقُولَ حُمْراً، وَقَدْ بَطُنَ يَبْطُنُ. والباطِنُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ . وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
؛ وتأْويلُه مَا رُوِيَ
عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فِي تَمْجيد الرَّبِّ: اللَّهُمَّ أَنتَ الظاهِر فَلَيْسَ فوقَك شيءٌ، وأَنت الباطِنُ فَلَيْسَ دونَك شَيْءٌ
، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنه علِمَ السرائرَ والخفيَّاتِ كَمَا عَلِمَ كلَّ مَا هُوَ ظاهرُ الخَلْقِ، وَقِيلَ: الباطِن هُوَ المُحْتَجِب عَنْ أَبصار الخلائِق
стр. 6618
وأَوْهامِهم فَلَا يُدرِكُه بَصَر وَلَا يُحيطُ بِهِ وَهْم، وَقِيلَ: هُوَ العالمُ بكلِّ مَا بَطَن. يُقَالُ: بَطَنْتُ الأَمرَ إِذَا عَرَفتَ باطنَه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ
؛ فَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ فَقَالَ: ظاهرُه المُخالَّة وباطنُه الزِّنا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. والباطِنةُ: خلافُ الظَّاهِرَةِ. والبِطانةُ: خلافُ الظِّهارة. وبِطانةُ الرَّجُلِ: خاصَّتُه، وَفِي الصِّحَاحِ: بِطانةُ الرَّجُلِ وَليجتُه. وأَبْطَنَه: اتَّخَذَه بِطانةً. وأَبْطَنْتُ الرجلَ إِذَا جَعَلْتَه مِنْ خَواصِّك. وَفِي الْحَدِيثِ:
مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا استَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطانتانِ
؛ بِطانةُ الرَّجُلِ: صاحبُ سِرِّه وداخِلةُ أَمره الَّذِي يُشاوِرُه فِي أَحواله. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ:
وَجَاءَ أَهلُ البِطانةِ يَضِجُّون
؛ البِطانةُ: الخارجُ مِنَ الْمَدِينَةِ. والنِّعْمة الباطنةُ: الخاصَّةُ، والظاهرةُ: العامَّةُ. وَيُقَالُ: بَطْنُ الراحةِ وظَهْرُ الكَفّ. وَيُقَالُ: باطنُ الإِبْط، وَلَا يُقَالُ بطْن الإِبْط. وباطِنُ الخُفّ: الَّذِي تَليه الرجْلُ. وَفِي حَدِيثِ
النَّخَعي: أَنه كَانَ يُبَطِّنُ لِحْيتَه ويأْخُذُ مِنْ جَوانِبها
؛ قَالَ شَمِرٌ: مَعْنَى يُبَطِّن لحيتَه أَي يأْخذ الشَّعَر مِنْ تَحْتِ الحَنَك والذَّقَنِ، وَاللَّهُ أَعلم. وأَفْرَشَني ظَهْر أَمرِه وبَطْنَه أَي سِرَّه وعلانِيَتَه، وبَطَنَ خبرَه يَبْطُنُه، وأَفرَشَني بَطْنَ أَمره وظَهْرَه، ووَقَف عَلَى دَخْلَته. وبَطَن فلانٌ بِفُلَانٍ يَبْطُنُ بِهِ بُطوناً وَبِطَانَةً إِذَا كان خاصّاً به داخلًافي أَمره، وَقِيلَ: بَطَنَ بِهِ دَخَلَ فِي أَمره. وبَطَنتُ بِفُلَانٍ: صِرْتُ مِنْ خواصِّه. وإنَّ فُلَانًا لَذُو بِطانة بِفُلَانٍ أَي ذُو علمٍ بداخلةِ أَمره. وَيُقَالُ: أَنتَ أَبْطنْتَ فُلَانًا دُونِي أَي جَعلْتَه أَخَصَّ بِكَ مِنِّي، وَهُوَ مُبَطَّنٌ إِذَا أَدخَله فِي أَمره وخُصَّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَصَارَ مِنْ أَهل دَخْلَتِه. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ
؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: البِطانة الدُّخَلاء الَّذِينَ يُنْبَسط إِلَيْهِمْ ويُسْتَبْطَنونَ؛ يُقَالُ: فُلَانٌ بِطانةٌ لِفُلَانٍ أَي مُداخِلٌ لَهُ مُؤانِس، وَالْمَعْنَى أَن الْمُؤْمِنِينَ نُهوا أَن يَتَّخِذوا الْمُنَافِقِينَ خاصَّتَهم وأَن يُفْضُوا إِلَيْهِمْ أَسرارَهم. وَيُقَالُ: أَنت أَبْطَنُ بِهَذَا الأَمر أَي أَخبَرُ بباطِنِه. وتبَطَّنْت الأَمرَ: عَلِمت باطنَه. وبَطَنْت الْوَادِي: دَخَلْته. وبَطَنْت هَذَا الأَمرَ: عَرَفْت باطنَه، وَمِنْهُ الباطِن فِي صِفَةِ اللَّهِ . والبطانةُ: السريرةُ. وباطِنةُ الكُورة: وَسَطُها، وظاهرتُها: مَا تنَحَّى مِنْهَا. والباطنةُ مِنَ البَصْرةِ وَالْكُوفَةِ: مُجْتَمَعُ الدُّور والأَسواقِ فِي قَصَبتها، والضاحيةُ: مَا تنَحَّى عَنِ الْمَسَاكِنِ وَكَانَ بَارِزًا. وبَطْنُ الأَرض وباطنُها: مَا غَمَض مِنْهَا واطمأَنّ. والبَطْنُ مِنَ الأَرض: الغامضُ الداخلُ، والجمعُ الْقَلِيلُ أَبْطِنةٌ، نادرٌ، وَالْكَثِيرُ بُطْنان؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: البُطْنانُ مِنَ الأَرض واحدٌ كالبَطْن. وأَتى فلانٌ الْوَادِيَ فتَبَطَّنه أَي دَخَلَ بطنَه. ابْنُ شُمَيْلٍ: بُطْنانُ الأَرض مَا تَوَطَّأَ فِي بُطُونِ الأَرض سَهْلِها وحَزْنها وَرِيَاضِهَا، وَهِيَ قَرار الْمَاءِ ومستَنْقَعُه، وَهِيَ البواطنُ والبُطون. وَيُقَالُ: أَخذ فلانٌ بَاطِنًا مِنَ الأَرض وَهِيَ أَبطأُ جُفُوفًا مِنْ غَيْرِهَا. وتبطَّنْتُ الْوَادِي: دخلْت بطْنه وجَوَّلْت فِيهِ. وبُطْنانُ الْجَنَّةِ: وسَطُها. وَفِي الْحَدِيثِ:
يُنَادِي مُنادٍ مِنْ بُطْنانُ الْعَرْشِ
أَي مِنْ وسَطه، وَقِيلَ: مِنْ أَصله، وَقِيلَ: البُطْنان جَمْعُ بَطْنٍ، وَهُوَ الْغَامِضُ مِنَ الأَرض، يُرِيدُ من دواخل العرش؛ ومنه كَلَامِ
عَلِيٍّ، ﵇، فِي الِاسْتِسْقَاءِ: تَرْوَى بِهِ القِيعانُ وَتَسِيلُ بِهِ البُطْنان.
والبُطْنُ: مسايلُ الْمَاءِ فِي الغَلْظ، وَاحِدُهَا باطنٌ؛ وَقَوْلُ مُلَيْح:
стр. 6619
مُنِيرٌ تَجُوزُ العِيسُ مِنْ بَطِناتِه نَوًى، ... مِثْلَ أَنْواءِ الرَّضيخِ المُفَلَّق
قَالَ: بَطِناتُه مَحاجُّه. والبَطْنُ: الْجَانِبُ الطويلُ مِنَ الرِّيشِ، وَالْجَمْعُ بُطْنانٌ مِثْلَ ظَهْرٍ وظُهْرانٍ وعَبْدٍ وعُبْدانٍ. والبَطْنُ: الشِّقُّ الأَطولُ مِنَ الرِّيشَةِ، وَجَمْعُهَا بُطْنان. والبُطْنانُ أَيضاً مِنَ الرِّيشِ: مَا كَانَ بطنُ القُذَّة مِنْهُ يَلي بطنَ الأُخرى، وَقِيلَ: البُطْنانُ مَا كَانَ مِنْ تَحْتِ العَسيب، وظُهْرانُه مَا كَانَ فَوْقَ الْعَسِيبِ؛ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: البُطْنانُ مِنَ الرِّيشِ الَّذِي يَلي الأَرضَ إِذَا وقَع الطائرُ أَو سَفَعَ شَيْئًا أَو جَثَمَ عَلَى بَيْضه أَو فِراخه، والظُّهارُ والظُّهْرانُ مَا جُعِلَ مِنْ ظَهر عَسيب الرِّيشَةِ. وَيُقَالُ: راشَ سهمَه بظُهْرانٍ وَلَمْ يَرِشْه ببُطْنانٍ، لأَنَّ ظُهْرانَ الرِّيشِ أَوفَى وأَتَمُّ، وبُطْنانُ الرِّيشِ قِصار، وواحدُ البُطْنانِ بَطْنٌ، وواحدُ الظُّهْرانِ ظَهْرٌ، والعَسِيبُ قَضيبُ الرِّيشِ فِي وسَطِه. وأَبْطَن الرَّجُلُ كَشْحَه سَيفَه وَلِسَيْفِهِ: جَعَلَهُ بطانتَه. وأَبطنَ السيفَ كشْحَه إِذَا جَعَلَهُ تَحْتَ خَصْره. وبطَّنَ ثوبَه بثوبٍ آخَرَ: جَعَلَهُ تَحْتَهُ. وبِطانةُ الثَّوْبِ: خلافُ ظِهارته. وبطَّنَ فُلَانٌ ثَوْبَهُ تَبْطِينًا: جَعَلَ لَهُ بِطَانَةً، ولِحافٌ مَبْطُونٌ ومُبَطَّن، وَهِيَ البِطانة والظِّهارة. قَالَ اللَّهُ : بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ
. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ
؛ قَالَ: قَدْ تكونُ البِطانةُ ظِهارةً والظهارةُ بِطَانَةً، وَذَلِكَ أَن كلَّ واحدٍ مِنْهَا قَدْ يكونُ وَجْهًا، قَالَ: وَقَدْ تَقُولُ العربُ هَذَا ظهرُ السَّمَاءِ وَهَذَا بطنُ السَّمَاءِ لِظَاهِرِهَا الَّذِي تَرَاهُ. وَقَالَ غَيْرُ الْفَرَّاءِ: البِطانةُ مَا بطَنَ مِنَ الثَّوْبِ وَكَانَ مِنْ شأْن النَّاسِ إخْفاؤه، وَالظِّهَارَةُ مَا ظَهَرَ وَكَانَ مِنْ شأْن النَّاسِ إِبْدَاؤُهُ. قَالَ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا قَالَ الْفَرَّاءُ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ إِذَا وَلِيَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قوْماً، كحائطٍ يَلِي أَحد صَفْحَيْه قَوْمًا، والصَّفْحُ الآخرُ قَوْمًا آخَرِينَ، فكلُّ وجهٍ مِنَ الْحَائِطِ ظَهْرٌ لِمَنْ يَلِيهِ، وكلُّ واحدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ظَهْر وبَطْن، وَكَذَلِكَ وجْها الْجَبَلِ وَمَا شاكلَه، فأَما الثوبُ فَلَا يَجُوزُ أَن تكونَ بطانتُه ظِهَارَةً وَلَا ظِهارتُه بِطانةً، وَيَجُوزُ أَن يُجْعَل مَا يَلينا مِنْ وَجْهِ السَّمَاءِ والكواكِب ظهْراً وبطْناً، وَكَذَلِكَ مَا يَلينا مِنْ سُقوف الْبَيْتِ. أَبو عُبَيْدَةَ: فِي باطِن وظِيفَيِ الْفَرَسِ أَبْطَنانِ، وَهُمَا عِرْقان اسْتَبْطَنا الذِّراعَ حَتَّى انغَمَسا فِي عَصَب الوَظيف. الْجَوْهَرِيُّ: الأَبْطَنُ فِي ذِراع الفرسِ عِرْق فِي بَاطِنِهَا، وَهُمَا أَبْطَنانِ. والأَبْطَنانِ: عِرْقان مُسْتَبْطِنا بَواطِن وظِيفَي الذراعَينِ حَتَّى يَنْغَمِسا فِي الكَفَّين. والبِطانُ: الحزامُ الَّذِي يَلي البَطْنَ. والبِطانُ: حِزامُ الرَّحْل والقَتَب، وَقِيلَ: هُوَ لِلْبَعِيرِ كالحِزام لِلدَّابَّةِ، وَالْجَمْعُ أَبطِنةٌ وبُطُن. وبَطَنَه يَبْطُنُه وأَبْطَنَه: شَدَّ بِطانه. قَالَ ابْنُ الأَعرابي وَحْدَهُ: أَبْطَنْتُ الْبَعِيرَ وَلَا يُقَالُ بَطَنْتُه، بِغَيْرِ أَلف؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ الظَّلِيمَ:
أَو مُقْحَم أَضْعَفَ الإِبْطانَ حادجُه، ... بالأَمسِ، فاستَأْخَرَ العِدْلانِ والقَتَبُ
شَبَّه الظَّليمَ بجَمَل أَضْعَفَ حادِجُهُ شَدَّ بِطانِه فاسترْخَى؛ فشبَّه استِرْخاء «٢». عِكْمَيْه بِاسْتِرْخَاءِ جَناحَيِ الظَّليم، وَقَدْ أَنكر أَبو الْهَيْثَمِ بَطَنْت، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا أَبْطَنت، واحتجَّ بِبَيْتِ ذِي الرُّمَّةِ. قَالَ الأَزهري: وبَطَنْتُ لغةٌ أَيضاً.
стр. 6620
والبِطانُ للقَتَب خَاصَّةً، وَجَمْعُهُ أَبْطِنة، والحزامُ للسَّرْج. ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ أَبْطَنَ حِمْلَ البعيرِ وواضَعَه حَتَّى يتَّضِع أَي حَتَّى يَسْترْخي عَلَى بَطْنه وَيَتَمَكَّنَ الحِمْل مِنْهُ. الْجَوْهَرِيُّ: البِطانُ للقَتَب الحزامُ الَّذِي يَجْعَلُ تَحْتَ بَطْنِ الْبَعِيرِ. يُقَالُ: التَقَتْ حَلْقَتا الْبَطَّانِ للأَمر إِذَا اشتدَّ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّصدير للرحْل، يُقَالُ مِنْهُ: أَبْطَنْتُ البعيرَ إِبْطاناً إِذَا شَدَدْتَ بِطانَه. وَإِنَّهُ لعريضُ البِطانِ أَي رَخِيُّ البالِ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي بَابِ الْبَخِيلِ، يموتُ ومالُه وافِرٌ لَمْ يُنْفق مِنْهُ شَيْئًا: مَاتَ فلانٌ بِبِطْنَتِه لَمْ يتَغَضْغَضْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَمِثْلُهُ: مَاتَ فلانٌ وَهُوَ عريضُ البِطانِ أَي مالُه جَمٌّ لَمْ يَذهَبْ مِنْهُ شيءٌ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: ويُضْرَب هَذَا المثلُ فِي أَمر الدِّين أَي خرَجَ مِنَ الدُّنْيَا سَلِيمًا لَمْ يَثْلِمْ دينَه شيءٌ، قَالَ ذَلِكَ عَمْرُو ابنُ الْعَاصِ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوف لَمَّا مَاتَ: هَنِيئًا لَكَ خرَجْتَ مِنَ الدُّنْيَا بِبِطْنَتِكَ لَمْ يتَغَضْغَضْ مِنْهَا شَيْءٌ؛ ضرَبَ البطْنةَ مَثَلًا فِي أَمر الدِّينِ، وتغضْغَضَ الماءُ: نَقَصَ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ ذمَّاً وَلَمْ يُرِدْ بِهِ هُنَا إلْا المَدْحَ. وَرَجُلٌ بَطِنٌ: كثيرُ الْمَالِ. والبَطِنُ: الأَشِرُ. والبِطْنةُ: الأَشَرُ. وَفِي المَثَل: البِطْنةُ تُذْهِبُ الفِطْنةَ، وَقَدْ بَطِنَ. وشأْوٌ بَطِينٌ: واسعٌ. والبَطين: الْبَعِيدُ، يُقَالُ: شأْوٌ بَطِينٌ أَي بَعِيدٌ؛ وأَنشد:
وبَصْبَصْنَ، بَيْنَ أَداني الغَضَا ... وَبَيْنَ عُنَيْزةَ، شأْواً بَطِيناً
قَالَ: وَفِي حَدِيثِ
سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَد: الشَّوْطُ بَطِينٌ
أَي بَعِيدٌ. وتبطَّن الرجلُ جاريتَه إِذَا باشَرها ولمَسَها، وَقِيلَ: تبطَّنها إِذَا أَوْلَج ذكرَه فِيهَا؛ قَالَ إمرؤُ الْقَيْسِ:
كأَنِّي لَمْ أَرْكَبْ جَواداً لِلَذَّةٍ، ... وَلَمْ أَتَبطَّنْ كاعِباً ذاتَ خَلْخالِ
وَقَالَ شَمِرٌ: تبطَّنها إِذَا باشَرَ بطنُه بطنَها فِي قَوْلِهِ:
إِذَا أَخُو لذَّةِ الدُّنْيَا تبطَّنها
وَيُقَالُ: اسْتَبْطَن الفحلُ الشَّوْلَ إِذَا ضربَها فلُقحَت كلُّها كأَنه أَوْدع نطفتَه بُطُونَهَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ:
فَلَمَّا رأَى الجَوْزاءَ أَولُ صابِحٍ، ... وصَرَّتَها فِي الْفَجْرِ كالكاعِب الفُضُلْ،
وخَبَّ السَّفا، واسْتبطن الفحلُ، والتقتْ ... بأَمْعَزِها بُقْعُ الجَنادِبِ تَرْتَكِلْ
صرَّتُها: جماعة كَوَاكِبَهَا، والجَنادِب ترتَكِل مِنْ شِدَّةِ الرَّمْضاء. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَحْر: لَيْسَ مِنْ حَيَوانٍ يتبطَّنُ طَروقتَه غيرُ الإِنسان وَالتِّمْسَاحِ، قَالَ: وَالْبَهَائِمُ تأْتي إِنَاثُهَا مِنْ وَرَائِهَا، والطيرُ تُلْزِق الدُّبُرَ بِالدُّبُرِ، قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ تبطَّنَها أَي عَلَا بطْنَها ليُجامِعَها. واسْتبطنْتُ الشيءَ وتبَطَّنْتُ الكلأَ: جَوَّلتُ فِيهِ. وابْتَطنْتُ الناقةَ عشرةَ أَبطن أَي نَتجْتُها عشرَ مَرَّاتٍ. وَرَجُلٌ بَطِين الكُرْز إِذَا كَانَ يَخبَأُ زادَه فِي السَّفَرِ ويأْكل زادَ صَاحِبِهِ؛ وَقَالَ رُؤْبَةُ يَذُمُّ رَجُلًا:
أَو كُرَّزٌ يَمْشِي بَطينَ الكُرْزِ
والبُطَيْن: نَجْمٌ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ بَيْنَ الشرَطَيْن والثُّرَيَّا، جَاءَ مصغَّراً عَنِ الْعَرَبِ، وَهُوَ ثلاثةُ كواكبَ صِغَارٍ مُسْتَوِيَةِ التَّثْلِيثِ كأَنها أَثافي، وَهُوَ بَطْنُ الحمَل، وصُغِّر لأَن الحمَل نجومٌ كَثِيرَةٌ عَلَى صُورَةِ الحَمَل، والشرَطان قَرْناه، والبُطَيْن بَطنُه، وَالثُّرَيَّا أَليتُه، وَالْعَرَبُ تزعُم أَن البُطَين لَا نَوْء لَهُ إِلَّا الريحُ. والبَطينُ: فَرَسٌ مَعْرُوفٌ مِنْ
следующие страницы →