٥٠٠ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثنا سفيان بن عيينة.
عن عمرو بن دينار. قال: رأيت الحجاج بن يوسف بين عبد الله بن جعفر وبين محمد بن الحنفية.
قال محمد بن سعد: قال محمد بن عمر وكان عبد الله بن جعفر قد خرب فوه وسقطت أسنانه. فكان يعمل له الثريد (١) والشيء اللين فيأكله. وكان إذا قيل له: إنك ليس تأكل. شق عليه ذلك.
٥٠١ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني محمد بن رفاعة بن ثعلبة بن أبي مالك. عن أبيه. عن جده. قال: حضرت يوم مات عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب وعلى المدينة يومئذ أبان بن عثمان. وكان لابن جعفر
стр. 527
صديقا. كان كثير الغشيان له. وكان ممن حضر غسله وكفنه. ولقد رأيته أخرج به من داره وعلى كفنه لفافة برد مبرك (١) إني لأراه ثمن مائة دينار.
والولائد خلف سريره قد شققن الجيوب. والناس يزدحمون على سريره. وأبان ابن عثمان قد حمل السرير بين العمودين فما فارقه حتى وضعه بالبقيع. وإن دموعه لتسيل على خديه وهو يقول: كنت والله خيرا لا شر فيك. وكنت والله شريفا واصلا برا. كنت والله وكنت.
قال محمد بن عمر: مات عبد الله بن جعفر سنة ثمانين. وهو عام الجحاف (٢): سيل كان ببطن مكة جحف الحاج وذهب بالإبل وعليها الحمولة. وكان الوالي يومئذ على المدينة أبان بن عثمان في خلافة عبد الملك بن مروان. وهو صلّى عليه. وكان عبد الله بن جعفر يوم توفي ابن تسعين سنة (٣).
стр. 528
١٠ - عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي.
وأمه عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم (١).
٥٠٢ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني هشام بن عمارة.
عن أبي الحويرث. قال: أول قتيل قتل من الروم يوم أجنادين (٢). برز
стр. 529
بطريق معلم (١) يدعو إلى البراز. فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب.
فاختلفا ضربات. ثم قتله عبد الله بن الزبير ولم يعرض لسلبه. ثم برز آخر يدعو إلى البراز. فبرز إليه عبد الله بن الزبير. فتشاولا (٢) بالرمحين ساعة.
وصارا إلى السيفين. فحمل عليه عبد الله بن الزبير فضربه- وهو دارع (٣) - على عاتقه وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب. فأثبته وقطع سيفه الدرع وأسرع في منكبه. ثم ولى الرومي منهزما. وعزم عليه عمرو ابن العاص أن لا يبارز. فقال عبد الله: إني والله ما أجدني أصبر. فلما اختلطت السيوف. وأخذ بعضها بعضا. وجد في ربضة (٤) من الروم عشرة حجزة (٥) مقتولا. وهم حوله قتلى وقائم السيف في يده قد غري (٦). فبعد نهار ما نزع من يده. وإن في وجهه لثلاثين ضربة بالسيف.
٥٠٣ - قال: محمد بن سعد: قال محمد بن عمر: فحدثت بهذا الحديث الزبير بن سعيد النوفلي فقال: سمعت شيوخنا يقولون: لما (٧) انهزمت الروم
стр. 530
بعد أجنادين. انهزموا عند العصر. فولوا في كل وجه. وعسكر المسلمون موضعا. فاجتمعوا فيه ونصبوا راياتهم. وبعثوا في الطلب وأن لا يمعنوا (١) قدر ما يرجع إلى العسكر قبل الليل. وتفقد الناس حوامهم (٢) وقراباتهم.
فقال الفضل بن العباس: عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب؟ فقال عمرو:
انطلق في مائة من أصحابك فاطلبه. فقال قائل: عهدي به في الميسرة وهو منفرد. فانطلق الفضل في أصحابه في الميسرة نحوا من ميل أو أكثر. فيجده مقتولا في عشرة من الروم قد قتلهم. ويجد السيف في يده قد غري قائمه.
فما خلصوه إلا بعد عناء. ثم حفروا له وقبروه ولم يصل عليه. ثم رجعوا إلى عمرو فأخبروه فترحم عليه.
قال محمد بن عمر: وكان فتح أجنادين (٣) يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁.
стр. 531
وكان عبد الله بن الزبير يوم قبض النبي ﷺ له نحو من ثلاثين (١) سنة ولا نعلمه غزا مع رسول الله ﷺ شيئا ولا روى عنه حديثا.
стр. 532
١١ - عبد الله بن الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. ويكنى أبا بكر
(١). وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق. فولد عبد الله بن الزبير اثني عشر رجلا وخمس نسوة: خبيبا لا بقية له. وحمزة. وعبادا. وثابتا. وأمهم: تماضر بنت منظور بن زبان بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سمي ابن مازن بن فزارة (٢).
وهاشما. وقيسا. وعروة. قتل مع أبيه. والزبير. وأمهم: أم هاشم زجلة بنت منظور بن زبان بن سيار (٣).
وعامرا. وموسى. وأم حكيم. وفاطمة. وفاختة. وأمهم: حنتمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة (٤).
وأبا بكر. وأمه: ريطة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة (٥).
стр. 533
وبكرا. ورقية. وأمهما: عائشة بنت عثمان بن عفان (١).
وعبد الله بن عبد الله. لأم ولد (٢). وبكرا آخر. وأمه: نفيسة (٣).
وهي أم الحسن بنت الحسن بن علي بن أبي طالب. مات صغيرا.
[فرح المسلمين بولادته]
٥٠٤ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني مصعب بن ثابت.
عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن. قال: لما قدم المهاجرون المدينة. أقاموا لا يولد مولود من المهاجرين. فقالوا: سحرتنا يهود. حتى كثرت في ذلك القالة. وتلاقى الناس بذلك. فكان أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بعد الهجرة عبد الله بن الزبير. قال: فكبر المسلمون تكبيرة واحدة حتى ارتجت المدينة تكبيرا. وفرح المسلمون. وكان ولاد ابن الزبير في شوال على
стр. 534
رأس عشرين شهرا (١) من الهجرة. فكان يهنأ به الزبير. وأبو بكر الصديق.
وهو جده ثم حملته أمه إلى رسول الله ﷺ في خرقة. فحنكه رسول الله ﷺ بتمرة وبارك عليه. وكان رسول الله ﷺ أمر أن يؤذن في أذنيه بالصلاة فأذن أبو بكر الصديق في أذنيه.
٥٠٥ - قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة. قال: حدثنا هشام بن عروة. عن أبيه. عن أسماء. أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت:
فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت قباء فولدته بقباء. ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول
стр. 535
شيء. دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ . قالت: ثم حنكه بالتمرة. ثم دعا له وبارك عليه. وكان أول مولود ولد في الإسلام.
٥٠٦ - قال: أخبرنا أبو معاوية. عن هشام بن عروة. عن أبيه. قال:
كان عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام. ولدته أسماء بقباء. فجاءت به النبي ﷺ . فسماه عبد الله. وحنكه بتمرة مضغها ثم أدخلها فاه.
٥٠٧ - قال: أخبرنا الفضل بن دكين. قال: حدثنا محمد بن شريك.
قال: حدثني ابن أبي مليكة. عن عبد الله بن الزبير. قال: سميت باسم جدي أبي بكر وكنيت بكنيته.
٥٠٨ - قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى. قال: أخبرنا إسرائيل. عن
стр. 536
أبي إسحاق. عن رجل. حدثه أن أبا بكر طاف (١) بعبد الله بن الزبير في خرقة. وهو أول مولود ولد في الإسلام.
قال محمد بن سعد: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا غلط بين. عبد الله بن الزبير أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة. لا اختلاف بين المسلمين في ذلك. ومكة يومئذ دار حرب لم يدخلها رسول الله ﷺ ولا أحد من المسلمين إلى عمرة القضية سنة سبع. فكيف طاف به في خرقة؟
ومتى وصل إلى مكة. وهل فارق رسول الله ﷺ منذ هاجر معه إلى أن قبض رسول الله ﷺ ؟ (٢).
٥٠٩ - حدثنا عبد الوهاب بن عطاء. قال: أخبرنا سعيد. عن عمرو ابن عامر. عن صاحب له. عن أم كلثم. عن عائشة. قالت: لما ولد ابن الزبير انطلقت به إلى النبي ﷺ . فحنكه وسماه عبد الله. وقال لعائشة:
أنت أم عبد الله. قالت أم كلثم: فما زلنا نكنيها أم عبد الله وما ولدت ولدا قط.
стр. 537
[أخبار متفرقة]
٥١٠ - قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم. عن أيوب. عن ابن أبي مليكة. قال: كان مع عثمان يوم الدار عصابة مستنصرة (١). منهم عبد الله ابن الزبير.
стр. 538
٥١١ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني شرحبيل بن أبي عون. عن أبيه. قال: سمعت ابن الزبير يقول على منبر مكة: والله لقد استخلفني أمير المؤمنين عثمان على الدار. فلقد كنت أنا الذي أقابلهم. ولقد كنت أخرج في الكتيبة فأباشر القتال بنفسي. فجرحت بضعة عشر جرحا.
فإني لأضع اليوم يدي على بعض تلك الجراحة التي جرحت مع عثمان ﵀. فأرجو أن يكون خير أعمالي.
٥١٢ - أخبرنا محمد بن عمر. عن محمد بن عبد الله. عن الزهري.
عن عروة قال: كان عثمان قد أمر عبد الله بن الزبير أن يصلي بأهل داره ما كان محصورا. وكان يصلي بهم في صحن الدار.
стр. 539
٥١٣ - قال: أخبرنا أبو عبيد. عن هشام بن عروة. عن أبيه. قال:
كان عبد الله بن الزبير قد شهد يوم الجمل مع أبيه وعائشة. وكان لا يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل. فجاء عبد الله بن الزبير بخطامه. فقالت عائشة:
من أنت؟ قال: عبد الله بن الزبير. قالت: وا ثكل أسماء. قال: فأقبل الأشتر فعرفني وعرفته ثم اعتنقني (١) واعتنقته فقلت: اقتلوني ومالكا. وقال الأشتر: اقتلوني وعبد الله. ولو قلت: الأشتر لقتلنا جميعا.
٥١٤ - قال: أخبرنا أبو عبيد. قال: حدثنا أبو بكر الهذلي. عن محمد
стр. 540
ابن المرتفع. قال: حدثنا ابن الزبير قال: خرج إلينا رجل من أصحاب علي فقال: يا معشر شباب قريش اكفونا أنفسكم فإن لم تفعلوا فإني أحذركم رجلين. أما أحدهما فجندب بن زهير الأزدي (١). وسأصفه لكم هو رجل طويل. طويل الرمح يحتزم على درعه حتى يقلص عن ساقيه. وأما الآخر:
فالأشتر مالك بن الحارث. وسأصفه لكم هو رجل طويل. طويل الرمح يسحب درعه سحبا يخب (٢) عند النزال. قال ابن الزبير: فبينا أنا أقاتل إذ أقبل جندب فعرفته بصفته فأردت أن أحيد عنه. فقلت: والله ما حدت عن قرن (٣) قط فانتهى إلي فطعنني في وجه حديد كان علي فزلق الرمح.
فقال: أولى لك. قد عرفتك. لولا خالتك لقتلتك. ثم دفع إلى عبد الرحمن ابن عتاب بن أسيد فطعنه فأذراه (٤) كالنخلة السحوق معتصبا ببردة حبرة.
ثم قاتلت ساعة فإذا أنا بمالك قد أقبل فعرفته بصفته فأردت أن أحيد عنه فقلت: والله ما حدت عن قرن قط. فدفع إلي فتطاعنا برمحينا حتى كأنهما قضيبان. ثم اضطربنا بسيفينا حتى كأنهما مخراقان (٥). ثم احتملني فضرب
стр. 541
بي الأرض وقال: لولا خالتك (١) ما شربت الماء البارد.
٥١٥ - قال: أخبرنا يحيى بن عباد والحسن بن موسى. قالا: حدثنا حماد بن سلمة. عن هشام بن عروة. عن أبيه. أن عبد الله بن الزبير ارتث (٢) يوم الجمل. فلما كان عند غروب الشمس قيل له: الصلاة.
فقال: أما الصلاة فإني لا أستطيعها ولكن أكبر.
٥١٦ - قال: أخبرنا الفضل بن دكين. قال: حدثنا مسعود بن سعد.
стр. 542
قال: حدثني يزيد بن مالك. عن زحر بن قيس. قال: دخلت مع ابن الزبير الحمام. فإذا في رأسه ضربة لو صب فيها قارورة من دهن لاستقر.
قال: تدري من ضربني هذه؟ ابن عمك الأشتر.
٥١٧ - أخبرنا يزيد بن هارون. قال: أخبرنا جرير بن حازم. قال:
حدثنا حبيب بن الشهيد. عن أبي مجلز قال: دخل معاوية بيتا وفيه عبد الله ابن عامر. وابن الزبير. فلما رآه ابن عامر قام. ولم يقم ابن الزبير-
стр. 543
وكان أرجح الرجلين- فقال معاوية لابن عامر: اجلس يا ابن عامر. فإني [سمعت رسول الله ﷺ يقول:، من أحب أن يمثل له العباد قياما فليتبوأ بيتا أو قال مقعدا من النار]،.
٥١٨ - قال: أخبرنا عارم بن الفضل. قال: حدثنا مهدي بن ميمون.
قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الضبي. أن معاوية بن أبي سفيان كان يلقى ابن الزبير فيقول: مرحبا يا ابن عمة (١) رسول الله وابن حواري رسول الله ﷺ . ويأمر له بمائة ألف.
٥١٩ - قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم. قال: حدثني الحارث بن عبيد.
قال: حدثنا أبو عمران الجوني. أن نوفا كان يقول: إني أجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير (٢) فارس (٣) الخلفاء.
стр. 544
[ذكر رفضه لبيعة يزيد بن معاوية]
٥٢٠/ ١ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني عبد الله بن جعفر. عن عمته أم بكر بنت المسور بن مخرمة قال:
٥٢٠/ ٢ - وحدثني شرحبيل بن أبي عون. عن أبيه قال:
٥٢٠/ ٣ - وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد. وغيرهم أيضا قد حدثني بطائفة من هذا الحديث. قالوا: لم يزل ابن الزبير مقيما بالمدينة في خلافة
стр. 545
معاوية بن أبي سفيان فتوفي معاوية. فبعث يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان وهو يومئذ والي المدينة ينعى معاوية. ويأمره أن يبايع من قبله من الناس. فجاءه الرسول ليلا فأرسل إلى ابن الزبير فدعاه إلى البيعة فقال:
حتى تصبح. فتركه. فخرج ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي نعرف.
والله ما أحدث خيرا ولا مروءة. وخرج من ليلته إلى مكة. فلم يزل مقيما بها حتى خرج حسين بن علي منها إلى العراق. ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المعافري (١) وجعل يحرض الناس على بني أمية. وبلغ يزيد ذلك. فوجد عليه. فقال ابن الزبير: أنا على السمع والطاعة لا أبدل ولا أغير. ومشى إلى يحيى بن حكيم (٢) بن صفوان بن أمية الجمحي وهو والي مكة ليزيد بن معاوية. فبايعه له على الخلافة. فكتب بذلك يحيى إلى يزيد فقال: لا أقبل هذا منه حتى يؤتى به في جامعة (٣). فقال له ابنه معاوية بن يزيد: يا أمير المؤمنين ادفع الشر عنك ما اندفع. فإن ابن الزبير رجل لحز (٤)
стр. 546
لجوج (١). ولا يطيع بهذا أبدا. وإن تكفر عن يمينك وتلهي (٢) منه حتى تنظر ما يصير إليه أمره أفضل. فغضب يزيد وقال: إن في أمرك لعجب. قال:
فادع عبد الله بن جعفر فسله عما أقول وتقول. فدعى عبد الله بن جعفر فذكر له قولهما. فقال عبد الله: أصاب أبو ليلى ووفق. فأبى يزيد أن يقبل ذلك. وعزل الوليد بن عتبة عن المدينة. وولاها عمرو بن سعيد بن العاص.
وأرسل إليه أن أمير المؤمنين يقسم بالله لا يقبل من ابن الزبير شيئا حتى يؤتى به في جامعة. فعرضوا ذلك على ابن الزبير فأبى فبعث يزيد: الحصين بن نمير وعبد الله بن عضاة الأشعري بجامعه إلى ابن الزبير يقسم له بالله لا يقبل منه إلا أن يؤتى به فيها. فمرا بالمدينة فبعث إليه مروان معهما عبد العزيز بن مروان (٣). يكلمه في ذلك ويهون عليه الأمر. فقدموا عليه مكة فأبلغوه يمين يزيد بن معاوية ورسالته. وقال له عبد العزيز بن مروان: إن أبي أرسلني إليك عناية بأمرك وحفظا لحرمتك. فأبرر يمين أمير المؤمنين. فإنما تجعل عليك جامعة فضة أو ذهب وتلبس عليها برنسا فلا تبدوا إلا أن يسمع صوتها. فكتب ابن الزبير إلى مروان يجزيه خيرا ويقول: قد عرفت عنايتك ورأيك. فأما هذا فإني لا أفعله أبدا. فليكفر يزيد عن يمينه أو يدع.
وقال ابن الزبير: اللهم إني عائذ ببيتك الحرام. وقد عرضت عليهم السمع والطاعة فأبوا إلا أن يحلوا بي ويستحلوا مني ما حرمت.
стр. 547
فمن يومئذ سمي العائذ. وأقام بمكة لا يعرض لأحد ولا يعرض له أحد.
فكتب يزيد بن معاوية إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندا فسأل عمرو ابن سعيد: من أعدى الناس لعبد الله بن الزبير؟ فقيل أخوه عمرو بن الزبير (١). فولاه شرطه بالمدينة فضرب ناسا كثيرا من قريش والأنصار بالسياط. وقال: هؤلاء شيعة عبد الله بن الزبير. وفر منه قوم كثير في نواحي المدينة. ثم وجه إلى عبد الله بن الزبير في جيش من أهل الشام ألف رجل.
وأمره بقتاله فمضى عمرو بن الزبير حتى قدم مكة فنزل بذي طوى (٢).
وأتى الناس عمرو بن الزبير يسلمون عليه. وقال: جئت لأن يعطي عبد الله الطاعة ليزيد ويبر قسمه. فإن أبى قاتلته. فقال له جبير بن شيبة (٣): كان غيرك أولى بهذا منك. تسير إلى حرم الله وأمنه. وإلى أخيك في سنة.
وفضله. تجعله في جامعة. ما أرى الناس يدعونك وما تريد. قال: أرى أن أقاتل من حال دون ما خرجت له. ثم أقبل عمرو. فنزل داره عند الصفا.
وجعل يرسل إلى أخيه. ويرسل إليه أخوه فيما قدم له. وكان عمرو يخرج فيصلي بالناس. وعسكره بذي طوى. وابن الزبير معه يشبك أصابعه في أصابعه. ويكلمه في الطاعة. ويلين له الكلام. فقال عبد الله بن الزبير:
ما بعد هذا شيء إني لسامع مطيع. أنت عامل يزيد وأنا أصلي خلفك.
ما عندي خلاف. فأما أن تجعل في عنقي جامعة ثم أقاد إلى الشام. فإني نظرت في ذلك فرأيته لا يحل لي أن أحل بنفسي. فراجع صاحبك (٤).
стр. 548
واكتب إليه. قال: لا والله ما أقدر على ذلك. فهيأ عبد الله بن صفوان قوما كانوا معدين مع ابن الزبير من أهل السراة (١) وغيرهم. فعقد لهم لواء.
وخرج عبد الله بن صفوان من أسفل مكة من الليط (٢) فلم يشعر أنيس بن عمرو الأسلمي (٣) وهو على عسكر عمرو بن الزبير. إلا بالقوم. فصاح بأصحابه وهم قريب على عدة فتصافوا فقتل أنيس بن عمرو في المعرك. ووجه عبد الله بن الزبير مصعب بن عبد الرحمن بن عوف (٤) في جمع إلى عمرو بن الزبير. فلقوه فتفرق أصحابه عنه وانهزم عسكره من ذي طوى. وجاء عبيدة ابن الزبير (٥) إلى عمرو بن الزبير فقال: أنا أجيرك من عبد الله. فجاء به إلى عبد الله أسيرا والدم يقطر على قدميه. فقال: ما هذا الدم. فقال:
لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطر الدم (٦)
فقال: تكلم. أي عدو الله. المستحل لحرمة الله. فقال عبيدة: إني قد أجرته فلا تخفر جواري. فقال: أنا أجير جوارك لهذا الظالم الذي فعل ما فعل؟! فأما حق الناس فإني أقتص لهم منه. فضربه بكل سوط ضرب به
стр. 549
أحدا من الذين بالمدينة وغيرهم. إلا محمد بن المنذر بن الزبير (١) فإنه أبى أن يقتص. وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام (٢) فإنه أبى أيضا. وأمر به فحبس في حبس زيد عارم (٣). وكان زيد عارم. مع عمرو بن الزبير.
فأخذه فحبسه مع عمرو بن الزبير. فسمي ذلك الحبس سجن عارم. وبنى لزيد عارم ذراعين في ذراعين. وأدخله. وأطبق عليه بالجص والأجر (٤).
стр. 550
وقال عبد الله بن الزبير: من كان يطلب عمرو بن الزبير بشيء فليأتنا نقصه منه. فجعل الرجل يأتي فيقول: نتف أشفاري (١). فيقول انتف أشفاره.
وجعل يقول الآخر: نتف حلمتي (٢). فيقول: انتف حلمته. وجعل الرجل يأتي فيقول: لهزني (٣) فيقول: الهزة. وجعل الرجل يجيء فيقول: نتف لحيتي فيقول: انتف لحيته. وكان يقيمه كل يوم. ويدعو الناس إلى القصاص منه سنة.
فقام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فقال: جلدني مائة جلدة بالسياط. وليس بوال. ولم آت قبيحا. ولم أركب منكرا. ولم أخلع يدا من طاعة. فأمر بعمرو أن يقام. ودفع إلى مصعب سوطا وقال له عبد الله بن الزبير: اضرب. فجلده مصعب مائة جلدة بيده. فنغل (٤) جسد عمرو فمات. فأمر به عبد الله فصلب.
قالوا: ونحى عبد الله بن الزبير. الحارث بن خالد (٥) عن الصلاة بمكة.
وكان عاملا ليزيد بن معاوية عليها. وأمر مصعب بن عبد الرحمن أن يصلي
стр. 551
بالناس. فكان يصلي بهم. وكان لا يقطع أمرا دون المسور بن مخرمة (١).
ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف. وجبير بن شيبة. وعبد الله بن صفوان ابن أمية. يشاورهم في أمره كله. ويريهم أن الأمر شورى بينهم لا يستبد بشيء منه دونهم. ويصلي بهم الصلوات والجمع ويحج بهم.
وعزل يزيد بن معاوية. عمرو بن سعيد عن المدينة. وولاها الوليد بن عتبة. ثم عزله. وولي عثمان بن محمد بن أبي سفيان (٢). فوثب عليه أهل المدينة فأخرجوه. وكانت وقعة الحرة (٣).
وكانت الخوارج قد أتته. وأهل الأهواء كلهم. وقالوا: عائذ الله. وكان شعاره. لا حكم إلا الله. فلم يزل (٤) على ذلك بمكة. وحج بالناس عشر سنين ولاء (٥). أولها سنة اثنتين وستين. وآخرها سنة إحدى وسبعين (٦).
стр. 552
[إقامته بمكة وأخبار متفرقة عن علمه وعبادته]
٥٢١ - قال: أخبرنا عارم بن الفضل. قال: حدثنا حماد بن زيد. عن هشام بن عروة. قال: كان عبد الله بن الزبير بمكة تسع سنين.
٥٢٢ - قال: أخبرنا أنس بن عياض. عن هشام بن عروة. أن عبد الله ابن الزبير أقام بمكة تسع سنين. يهل بالحج لهلال ذي الحجة.
٥٢٣ - قال: أخبرنا كثير بن هشام. قال: حدثنا جعفر بن برقان.
قال: حدثنا ميمون بن مهران. قال: شهدت الموسم مع عبد الله بن الزبير.
قال: فعلم الناس مناسكهم. ثم قال: إذا انصرفتم- إن شاء الله- إلى أهليكم. فاذكروا الله وكبروه عند كل (١) هبوط وصعود.
стр. 553
٥٢٤ - قال: أخبرنا الفضل بن دكين. قال: حدثنا أبو سعيد ابن (١) عوذ البراد. قال: حدثنا محمد بن المرتفع. قال: سمعت ابن الزبير يقول: يا معشر الحاج. سلوني فعلينا كان التنزيل. ونحن حضرنا التأويل. فقال له رجل من أهل العراق: دخلت في جرابي فأرة أيحل لي قتلها وأنا محرم؟ قال: اقتل الفويسقة. قال: أخبرنا ب الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ. والليال العشر؟ قال: العشر: الثمان وعرفة والنحر. والشفع: من تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وهو اليوم.
٥٢٥ - قال: أخبرنا الفضل بن دكين. قال: حدثنا سفيان. عن محمد
стр. 554
ابن المنكدر. قال: رأيت ابن الزبير يأتي الجمار ماشيا.
٥٢٦ - أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي. قال: حدثنا أبو عوانة. عن أبي بشر. قال: حدثني من رأى ابن الزبير صائما يوم عرفة.
٥٢٧ - قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس. قال: حدثنا زهير.
قال: حدثنا زيد بن جبير الجشمي. أنه رأى عبد الله بن الزبير يطوف
стр. 555
بالبيت وعليه برطلة (١).
٥٢٨ - قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس. قال: حدثنا زهير.
قال: حدثنا عروة بن عبد الله بن قشير. قال: ما رأيت إنسانا أسرع مشيا حول البيت من ابن الزبير. قال: وكان يؤمنا عند المقام. فإذا فرغ من المكتوبة صلّى تحت الميزاب قائما ما يحرك منه شيء.
٥٢٩ - قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعارم بن الفضل. قالا: حدثنا
стр. 556
حماد بن زيد. قال: حدثنا ثابت البناني. قال: ذكر ابن الزبير قال: كنا نمر به خلف المقام يصلي كأنه شيء منصوب موضوع.
٥٣٠ - قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى. قال: أخبرنا حسن بن صالح.
عن موسى بن أبي عائشة. قال: كان ابن الزبير يصف قدميه في الصلاة.
٥٣١ - قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى. قال: أخبرنا إسرائيل. عن
стр. 557
منصور. عن مجاهد. عن عبد الله بن الزبير. أنه كان يقوم في الصلاة كأنه عود. وكان أبو بكر يفعل ذلك. قال مجاهد: هو الخشوع في الصلاة.
٥٣٢ - قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم. قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق أبو إسماعيل الثقفي مولى الحجاج بن يوسف. قال: حدثنا أبي- وكان خادما لعبد الله بن الزبير- قال: كان عبد الله بن الزبير إذا سمع أذان المغرب. قام فصلى ركعتين بين الأذان والإقامة. فإذا انصرف من الصلاة انصرف عن يمينه.
٥٣٣ - قال: أخبرنا معن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب.
قالا: حدثنا مالك بن أنس. عن عامر بن عبد الله بن الزبير. عن أبيه.
стр. 558
أنه كان إذا سمع الرعد. ترك الحديث. وقال: سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إن هذا لوعيد لأهل الأرض شديد.
٥٣٤ - قال: أخبرنا عفان بن مسلم. قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم.
قال: سمعت عمرو بن دينار. قال: كان ابن الزبير إذا صلّى يرسل يديه.
٥٣٥ - قال: أخبرنا عارم بن الفضل. قال: حدثنا حماد بن زيد. قال:
حدثنا عسل بن سفيان. عن عطاء بن أبي رباح. قال: صليت مع ابن الزبير
стр. 559
المغرب فسلم في ركعتين. ثم قام إلى الركن ليمسحه فسبح القوم. فرجع فصلى بهم الركعة. ثم سلم. ثم سجد سجدتين. فأتيت ابن عباس من فوري فأخبرته. فقال: لله أبوك. فكيف صنع فأخبرته. فقال: ما ماط (١) عن سنة نبيه.
٥٣٦ - قال: أخبرنا عفان بن مسلم. قال: حدثنا حماد بن سلمة.
قال: أخبرنا عمرو بن دينار. قال: صلّى بنا ابن الزبير في جمعه. ويوم فطر.
فخطبنا في ظل الحجر بعد ما ارتفع النهار. وأخر الصلاة بعض التأخير.
فجئت إلى الجمعة فلم يخرج إلينا إلى صلاة العصر.
٥٣٧ - قال: أخبرنا عفان بن مسلم. قال: حدثنا حماد بن سلمة.
قال: أخبرنا حبيب بن أبي بقية المعلم. عن عطاء. أن ابن عباس أخبر بما صنع ابن الزبير فقال: أصاب.
стр. 560
٥٣٨ - قال: أخبرنا عفان بن مسلم. قال: حدثنا حماد بن سلمة.
قال: حدثنا هشام بن عروة. عن أبيه. قال: قال عبد الله بن الزبير: والله ما كنت أمكن من التمر كما أريد. وما هي إلا قبضة تقبض لي من أول النهار وقبضة من آخر النهار.
٥٣٩ - قال: أخبرنا الفضل بن دكين. قال: حدثنا حفص بن غياث.
عن هشام بن عروة. عن عروة. قال: قال عبد الله بن الزبير: أطعموني تمرا. قالوا: قد أكلت اليوم مرة. قال: فلا.
٥٤٠ - قال: أخبرنا روح بن عباده ومسلم بن إبراهيم. قالا: حدثنا الأسود بن شيبان. عن أبي نوفل بن أبي عقرب. قال: دخلت على عبد الله بن الزبير صبيحة خامسة من العشر الأواخر من رمضان وهو يواصل.
стр. 561
٥٤١ - قال: أخبرنا روح بن عباده ويحيى بن عباد. قالا: حدثنا حماد
стр. 562
ابن سلمة. عن عمار بن أبي عمار. أن عبد الله بن الزبير كان يواصل سبعة أيام. فإذا كانت ليلة السابعة. دعا بإناء من سمن فشربه. ثم أتى بثريدة في صحفة (١) عليها عرقان (٢). ويؤتي الناس بالجفان (٣) فتوضع بين أيديهم فيقول: يا أيها الناس هذا من خالص مالي وهذا من بيت مالكم.
٥٤٢ - حدثنا روح بن عباده. قال: حدثنا حبيب بن الشهيد. عن ابن أبي مليكة. قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام. فيصبح اليوم الثامن وهو أليثنا (٤).
٥٤٣ - قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوضي. قال: حدثنا يزيد بن
стр. 563
إبراهيم. قال: حدثنا عمرو بن دينار. أن ابن الزبير كان يواصل بين السبع.
٥٤٤ - قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي. قال: حدثنا أبو المليح.
عن ميمون. أن ابن الزبير كان يواصل الصيام من الجمعة إلى الجمعة. فإذا أفطر. استغاث بالسمن يحسوه يلين أمعاءه.
٥٤٥ - قال: أخبرنا عبد الوهاب (١) بن عطاء. عن هشام بن
стр. 564
حسان. قال: كان عبد الله بن الزبير يصوم عشرة أيام لا يفطر فيها. قال: فكان إذا دخل رمضان. أكل أكلة في نصف الشهر.
٥٤٦ - قال: أخبرنا المعلى بن أسد. قال: حدثنا سلام بن أبي مطيع. عن هشام بن عروة. أن عمه ابن الزبير كان يغتسل كل ليلة مرة وكل يوم مرة.
٥٤٧ - قال: أخبرنا سليمان بن حرب. قال: حدثنا جرير بن حازم.
عن عبد الله (١) بن عبيد بن عمير. قال: كان ابن الزبير إذا كان في اهله
стр. 565
جنازة. كان كأنه قائم على رجل (١) حتى يخرجها.
٥٤٨ - قال: أخبرنا أزهر بن سعد السمان. عن ابن عون. عن محمد. قال:
دخل ابن عمر على امرأة ابن الزبير فقالت: إنما بي أنك ترى أنه يقاتل على الدنيا قال:
هو في نفسي ولو شاء الله لم يجعله.
٥٤٩ - قال: أخبرنا أبو أسامة. عن الأعمش. عن شمر بن عطية. عن هلال بن يساف. قال: حدثني البريد الذي جاء برأس المختار إلى عبد الله ابن الزبير قال:
لما وضعته بين يديه قال: ما حدثني كعب بشيء أصبته في