٥٤١ - قال: أخبرنا روح بن عباده ويحيى بن عباد. قالا: حدثنا حماد
стр. 562
ابن سلمة. عن عمار بن أبي عمار. أن عبد الله بن الزبير كان يواصل سبعة أيام. فإذا كانت ليلة السابعة. دعا بإناء من سمن فشربه. ثم أتى بثريدة في صحفة (١) عليها عرقان (٢). ويؤتي الناس بالجفان (٣) فتوضع بين أيديهم فيقول: يا أيها الناس هذا من خالص مالي وهذا من بيت مالكم.
٥٤٢ - حدثنا روح بن عباده. قال: حدثنا حبيب بن الشهيد. عن ابن أبي مليكة. قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام. فيصبح اليوم الثامن وهو أليثنا (٤).
٥٤٣ - قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوضي. قال: حدثنا يزيد بن
стр. 563
إبراهيم. قال: حدثنا عمرو بن دينار. أن ابن الزبير كان يواصل بين السبع.
٥٤٤ - قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي. قال: حدثنا أبو المليح.
عن ميمون. أن ابن الزبير كان يواصل الصيام من الجمعة إلى الجمعة. فإذا أفطر. استغاث بالسمن يحسوه يلين أمعاءه.
٥٤٥ - قال: أخبرنا عبد الوهاب (١) بن عطاء. عن هشام بن
стр. 564
حسان. قال: كان عبد الله بن الزبير يصوم عشرة أيام لا يفطر فيها. قال: فكان إذا دخل رمضان. أكل أكلة في نصف الشهر.
٥٤٦ - قال: أخبرنا المعلى بن أسد. قال: حدثنا سلام بن أبي مطيع. عن هشام بن عروة. أن عمه ابن الزبير كان يغتسل كل ليلة مرة وكل يوم مرة.
٥٤٧ - قال: أخبرنا سليمان بن حرب. قال: حدثنا جرير بن حازم.
عن عبد الله (١) بن عبيد بن عمير. قال: كان ابن الزبير إذا كان في اهله
стр. 565
جنازة. كان كأنه قائم على رجل (١) حتى يخرجها.
٥٤٨ - قال: أخبرنا أزهر بن سعد السمان. عن ابن عون. عن محمد. قال:
دخل ابن عمر على امرأة ابن الزبير فقالت: إنما بي أنك ترى أنه يقاتل على الدنيا قال:
هو في نفسي ولو شاء الله لم يجعله.
٥٤٩ - قال: أخبرنا أبو أسامة. عن الأعمش. عن شمر بن عطية. عن هلال بن يساف. قال: حدثني البريد الذي جاء برأس المختار إلى عبد الله ابن الزبير قال:
لما وضعته بين يديه قال: ما حدثني كعب بشيء أصبته في
стр. 566
سلطاني. إلا قد رأيته غير هذا. فإنه حدثني أنه يقتلني رجل من ثقيف فأراني الذي قتلته.
قال محمد بن عمر: وكان مصعب بن الزبير هو الذي قتل المختار وبعث برأسه إلى عبد الله بن الزبير. وتخلف على العراق ووجه إلى خراسان.
رجع الحديث إلى الأول (١): [غزو أهل الشام للمدينة بعد خلعهم ليزيد]
قال: ولما بلغ يزيد بن معاوية وثوب أهل المدينة وإخراجهم عامله وأهل بيته عنها. وجه إليهم مسلم بن عقبة المري (٢). وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة. كانت به النوطة (٣). فوجهه في جيش كثيف. فكلمه عبد الله بن جعفر في أهل المدينة. وقال: إنما تقتل بهم نفسك. فقال: أجل أقتل بهم نفسي. وأشفي نفسي. ولك عندي واحدة. آمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقا. فإن هم تركوه. ولم يعرضوا له. ولم ينصبوا الحرب.
تركهم. ومضى إلى ابن الزبير فقاتله. وإن هم منعوه أن يدخلها ونصبوا له الحرب. بدأ بهم. فناجزهم القتال. فإن ظفر بهم قتل من أشرف له.
وأنهبها ثلاثا ثم مضى إلى عبد الله بن الزبير. فرأى عبد الله بن جعفر. في هذا فرج كبير. وكتب بذلك إليهم. وأمرهم أن لا يعرضوا لجيشه إذا مر
стр. 567
بهم. حتى يمضي عنهم إلى حيث أرادوا. وأمر يزيد. مسلم بن عقبة بذلك.
وقال: إن حدث بك حدث. فحصين بن نمير على الناس. فورد مسلم بن عقبة المدينة. فمنعوه أن يدخلها. ونصبوا له الحرب. ونالوا من يزيد. فأوقع بهم وأنهبها ثلاثا (١). ثم خرج يريد ابن الزبير. وقال: اللهم إنه لم يكن قوم
стр. 568
أحب إلي أن أقاتلهم من قوم خلعوا أمير المؤمنين. ونصبوا لنا الحرب. اللهم فكما أقررت عيني من أهل المدينة. فأبقني حتى تقر عيني من ابن الزبير. ومضى (١).
стр. 569
فلما كان بالمشلل (١) نزل به الموت.
[الحصين بن نمير يغزو ابن الزبير في مكة]
فدعا حصين بن نمير فقال له: يا برذعة (٢) الحمار. لولا عهد أمير المؤمنين إلي فيك ما عهدت إليك. اسمع عهدي. لا تمكن قريشا من أذنك. ولا تزدهم على ثلاث. الوقاف. ثم الثقاف (٣). ثم الانصراف. وأعلم الناس أن الحصين وإليهم. ومات مكانه. فدفن على ظهر المشلل لسبع ليال بقين من المحرم سنة أربع وستين.
ومضى حصين بن نمير في أصحابه حتى قدم مكة فنزل بالحجون إلى بئر ميمون (٤) وعسكر هناك. فحاصر ابن الزبير قبل سلخ المحرم بأربع ليال وصفر وشهر ربيع الأول. فكان الحصر أربعة وستين يوما. يتقاتلون فيها أشد القتال. ونصب الحصين المنجنيق على ابن الزبير وأصحابه ورمى الكعبة. ولقد قتل من الفريقين بشر كثير. وأصاب المسور فلقة من حجر المنجنيق فمات ليلة جاء نعي يزيد بن معاوية. وذلك لهلال شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين. فكلم حصين بن نمير ومن معه من أهل الشام عبد الله بن الزبير أن يدعهم يطوفوا بالبيت وينصرفوا عنه. فشاور في ذلك أصحابه ثم أذن لهم فطافوا. وكلم ابن الزبير الحصين بن نمير وقال له: قد مات يزيد وأنا أحق الناس بهذا الأمر. لأن عثمان عهد إلي في ذلك عهدا. صلّى به خلفي طلحة.
والزبير. وعرفته أم المؤمنين (٥). فبايعني. وادخل فيما دخل فيه الناس
стр. 570
معي. يكن لك ما لهم. وعليك ما عليهم. قال له الحصين بن نمير: إني والله يا أبا بكر لا أتقرب إليك بغير ما في نفسي. أقدم الشام فإن وجدتهم مجتمعين لك أطعتك. وقاتلت من عصاك. وإن وجدتهم مجتمعين على غيرك أطعته وقاتلتك ولكن سر أنت معي إلى الشام أملكك رقاب العرب.
فقال ابن الزبير: أو أبعث رسولا.
قال: تبا لك سائر اليوم. إن رسولك لا يكون مثلك.
[بيعة أهل الأمصار لابن الزبير بعد موت يزيد]
وافترقا وأمن الناس ووضعت الحرب أوزارها. وأقام أهل الشام أياما يبتاعون حوائجهم. ويتجهزون. ثم انصرفوا راجعين إلى الشام. فدعا ابن الزبير من يومئذ إلى نفسه (١). فبايع الناس له على الخلافة. وسمي أمير المؤمنين (٢). وترك الشعار الذي كان عليه. ويدعى به. عائذ الله. ولا حكم إلا لله. قبل أن يموت مصعب بن عبد الرحمن بن عوف والمسور بن مخرمة.
стр. 571
وفارقته الخوارج وتركوه (١). وولي العمال. فولى المدينة: مصعب (٢) بن الزبير بن العوام فبايع له الناس. وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة (٣) إلى البصرة فبايعوه. وبعث عبد الله بن مطيع (٤) إلى الكوفة فبايعوه. وبعث عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم (٥) الفهري إلى مصر أميرا فبايعوه. وبعث
стр. 572
واليه إلى اليمن فبايعوه. وبعث واليه إلى خراسان فبايعوه. وبعث الضحاك ابن قيس الفهري (١) إلى الشام واليا فبايع له عامة أهل الشام. واستوسقت له البلاد كلها. ما خلا طائفة من أهل الشام. كان بها مروان بن الحكم وأهل بيته (٢).
٥٥٠/ ١ - قال: وأخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثنا موسى بن يعقوب. عن عمه ابن أبي الحارث عبد الله بن وهب بن زمعة. قال:
٥٥٠/ ٢ - وأخبرنا شرحبيل بن أبي عون وعبد الله بن جعفر. عن أبي عون. قال:
стр. 573
[عمارة ابن الزبير للكعبة على قواعد إبراهيم]
٥٥٠/ ٣ - وأخبرنا إبراهيم بن موسى. عن عكرمة بن خالد. قال:
٥٥٠/ ٤ - وأخبرنا أبو صفوان العطاف بن خالد. عن أخيه. قالوا:
لما ارتحل الحصين بن نمير من مكة لخمس ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين. أمر عبد الله بن الزبير بتلك الخصاص (١) التي كانت حول الكعبة فهدمت. فبدت الكعبة. وأمر بالمسجد فكنس ما فيه من الحجارة والدماء. فإذا الكعبة تنغض (٢) متوهنة من أعلاها إلى أسفلها. فيها أمثال
стр. 574
جيوب النساء من حجارة المنجنيق. وإذا الركن قد اسود واحترق من الحريق الذي كان حول الكعبة. فشاور ابن الزبير الناس في هدمها وبنائها. فأشار عليه جابر بن عبد الله بن عمير وغيرهما بأن يهدمها ويبنيها. وأبى ذلك عليه عبد الله بن عباس وقال: أخشى أن يأتي من بعدك فيهدمها فلا تزال تهدم.
فيتهاون الناس بحرمتها فلا أحب لك (١).
وكان قد شاور المسور بن مخرمة قبل أن يموت في هدمها. فأشار عليه بذلك. فمكث أياما يشاور في هدمها. ثم انبرى (٢) له أن يهدمها.
فغدا عليها بالفعلة يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين (٣). فهدمها حتى وضعها كلها بالأرض. ثم حفر الأساس فوجد واصلا بالحجر مشبكا كأصابع يدي هاتين. فدعا خمسين رجلا (٤) من
стр. 575
قريش. وأشهدهم على ذلك. وجعل الحجر عنده في تابوت في سرقة (١) من حرير. ثم بنى البيت وأدخل الحجر فيه. وجعل للكعبة بابين موضوعين بالأرض. باب يدخل منه. وباب يخرج منه بإزائه من خلفه (٢). وقال:
[إن عائشة حدثتني أن رسول الله ﷺ قال لها:، إن أراد قومك يبنون البيت على ما كان على عهد إبراهيم فليفعلوا ذلك]،. فأرتني عائشة الذي أراها رسول الله ﷺ . فكان عندي مذروعا حتى وليت هذا الأمر. فلم أعد به ما قال رسول الله ﷺ . فرأى الناس يومئذ أنه قد أصاب (٣). وبنى البيت حتى بلغ موضع الركن الأسود فوضعه. وكان الذي وضعه حمزة بن عبد الله ابن الزبير (٤). وشده بالفضة لأنه كان انصدع. ثم رد الكعبة على بنائها.
وزاد في طولها فجعله سبعا وعشرين ذراعا (٥). وخلق جوفها. ولطخ جدرها بالمسك حتى فرغ منها من خارج. وسترها بالديباج.
وهو أول من كساها الديباج (٦). فلما فرغ من بناء الكعبة اعتمر من خيمة
стр. 576
جمانة (١) ماشيا معه رجال من قريش. ابن صفوان وعبيد بن عمير وغيرهما.
ولبى حتى نظر إلى البيت (٢). وخيمة جمانة عند مسجد عائشة.
[النزاع بين ابن الزبير وبني أمية]
٩٤/ ٨/ ب ب قال: وبايع أهل الشام مروان بن الحكم. فسار إلى الضحاك بن قيس الفهري وهو في طاعة ابن الزبير يدعو له. فلقيه بمرج راهط (٣). فقتله وفض جمعه (٤). ثم رجع فوجه حبيش بن دلجة القيني (٥) في ستة آلاف وأربع مائة إلى ابن الزبير. فسار حتى نزل بالجرف (٦) في عسكره. ودخل المدينة فنزل في دار مروان- دار الإمارة- واستعمل على سوق المدينة رجلا من قومه يدعى مالكا. أخاف أهل المدينة خوفا شديدا وآذاهم. وجعل يخطبهم
стр. 577
فيشتمهم ويتوعدهم وينسبهم إلى الشقاق والنفاق والغش لأمير المؤمنين.
فكتب عبد الله بن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة (١) وهو واليه على البصرة. أن يوجه إلى المدينة جيشا. فبعث الحنتف (٢) بن السجف التميمي في ثلاثة آلاف. فخرجوا معهم ألف وخمس مائة فرس وبغال وحمولة.
وبلغ الخبر حبيش بن دلجة. فقال: نخرج من المدينة فنلقاهم. فإنا لا نأمن أهل المدينة أن يعينوهم علينا. فخرج وخلف على المدينة ثعلبة الشامي. فالتقوا بالربذة عند الظهر. فاقتتلوا قتالا شديدا. فقتل حبيش بن دلجة. وقتل من أصحابه خمس مائة. وأسر منهم خمس مائة. وانهزم الباقون أسوأ هزيمة (٣).
ففرح أهل المدينة بذلك. وقدم بالأسارى فحبسوا في قصر خل (٤). فوجه إليهم عبد الله بن الزبير مصعب بن الزبير فضرب أعناقهم جميعا (٥).
قالوا: فلما بويع عبد الملك بن مروان. بعث عروة بن أنيف (٦) في ستة
стр. 578
آلاف إلى المدينة. وأمرهم أن لا ينزلوا على أحد. ولا يدخلوا المدينة إلا لحاجة لا بد منها. وأن يعسكروا بالعرصة. فنزل عروة بجيشه العرصة. وهرب الحارث بن حاطب (١) عامل ابن الزبير على المدينة. فكان عروة ينزل فيصلي بالناس الجمعة. ثم يرجع إلى معسكره. فلم يبعث إليهم ابن الزبير أحدا ولم يلقوا قتالا. فكتب إليهم عبد الملك. أن يقبلوا إلى الشام ففعلوا. ولم يتخلف منهم أحد. ورجع الحارث بن حاطب إلى المدينة عاملا لابن الزبير. ثم بعث عبد الملك بن مروان. عبد الملك بن الحارث بن الحكم (٢) في أربعة آلاف إلى المدينة فما دونها. يلقون جموع ابن الزبير ومن أشرف لهم من عماله (٣).
وكان سليمان بن خالد بن أبي خالد الزرقي عابدا له فضل. فولاه ابن الزبير خيبر وفدك (٤). فخرج فنزل في عمله. فبعث عبد الملك بن الحارث.
أبا القمقام في خمس مائة إلى سليمان بن خالد. فقتله. وقتل من كان معه.
فلما انتهى خبره إلى عبد الملك بن مروان أغاظه (٥) وكره قتله (٦).
стр. 579
ووجه عبد الملك بن مروان طارق بن عمرو (١) في ستة آلاف وأمره أن يكون فيما بين أيلة (٢) ووادي القرى (٣) مددا لمن يحتاج إليه من عمال عبد الملك بن مروان أو من كان يريد قتاله من أصحاب ابن الزبير. وكان أبو بكر بن أبي قيس في طاعة ابن الزبير قد ولاه جابر بن الأسود (٤) خيبر.
فقصد له طارق فقتله في ست مائة (٥) من أصحابه. وهرب من بقي منهم في كل وجه. فكتب الحارث بن حاطب إلى عبد الله بن الزبير أن عبد الملك ابن مروان بعث طارق بن عمرو في جمع كثير. فهم فيما بين أيلة إلى ذي خشب (٦). يجدوا (٧) في أموال الناس ويقتطعونها ويظلمونهم. فلو بعثت إلى
стр. 580
المدينة رابطة (١) لا تدخل فكتب ابن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. أن يوجه إلى المدينة ألفين. ويستعمل عليهم رجلا فاضلا. فوجه إليهم ابن رواس في ألفين. فقدموا المدينة فمنعوها من جيوش أهل الشام. وكانوا قوما لا بأس بهم. وكانت المدينة مرة في يد ابن الزبير. ومرة في يد عبد الملك ابن مروان. أيهما غلب عليها استولى على أمرها. وكانت أكثر ذلك تكون في يد ابن الزبير. فلما بلغ ابن الزبير مقتل أبي بكر بن أبي قيس (٢). كتب إلى ابن رواس أن يخرج في أصحابه إلى طارق بن عمرو. فشق ذلك على أهل المدينة. وخرج ابن رواس وبلغ ذلك طارقا فندب أصحابه. ثم التقوا بشبكة الدوم (٣) على تعبية. فاقتتلوا قتالا شديدا. ثم كانت الدولة لطارق وأصحابه. فقتل ابن رواس وأصحابه قتلا ذريعا. ونجا رجل منهم. فقدم المدينة فأخبر بمقتل ابن رواس وأصحابه. فسيء بذلك أهل المدينة. ثم خرج ذلك الرجل إلى عبد الله بن الزبير. فأخبره الخبر. ورجع طارق إلى وادي القرى. وكتب ابن الزبير إلى واليه بالمدينة (٤) أن يفرض لألفين من أهل المدينة يكونوا ردءا للمدينة ممن يدهمها. ففرض الفرض ولم يأت المال.
فبطل ذلك الفرض وسمي فرض الريح (٥).
стр. 581
[أخبار عن المختار بن أبي عبيد وقتله]
٥٥١/ ١ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثنا عبد الله بن جعفر.
عن أم بكر بنت المسور. عن أبيها.
٥٥١/ ٢ - ورياح بن مسلم. عن أبيه.
٥٥١/ ٣ - وإسماعيل بن إبراهيم. عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي. عن أبيه. قالوا: قدم أبو عبيد الثقفي (١) من الطائف- وكان رجلا صالحا- وندب عمر الناس إلى أرض العراق. فخرج أبو عبيد إليها فقتل وبقي ولده بالمدينة. وكان المختار يومئذ غلاما يعرف بالانقطاع إلى
стр. 582
بني هاشم. ثم خرج في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد إلى البصرة.
فأقام بها يظهر ذكر الحسين بن علي. فأخبر بذلك عبيد الله بن زياد. فأخذه فجلده مائة جلدة ودرعه عباءه. وبعث به إلى الطائف (١). فلم يزل بها حتى قام عبد الله بن الزبير ودعا إلى ما دعا إليه. فقدم عليه. فأقام معه من أشد الناس قتالا وأحسنهم (٢) نية ومناصحة فيما يرون. وكان يختلف إلى محمد ابن الحنفية. ويسمعون منه كلاما ينكرونه. فلما مات يزيد. ومات المسور ابن مخرمة (٣). ومصعب بن عبد الرحمن. استأذن المختار ابن الزبير في الخروج إلى العراق. فأذن له. وهو لا يشك في مناصحته وهو مصر على الغش له. فكتب ابن الزبير إلى عبد الله بن مطيع. وهو عامله على الكوفة.
يذكر له حاله عنده ويوصيه به (٤). فكان يختلف إلى ابن مطيع. ويظهر مناصحة ابن الزبير ويعيبه في السر. ويذكر محمد بن الحنفية فيمدحه. ويصف حاله ويدعو إليه. وحرض الناس على ابن مطيع واتخذ شيعة يركب في جماعة وخيل. فعدت خيله على خيل ابن مطيع فأصابوهم. وخافه ابن مطيع فهرب. فلم يطلبه المختار. وقال: أنا على طاعة ابن الزبير. فلأي شيء خرج ابن مطيع؟. وكتب إلى ابن الزبير يقع بابن مطيع ويجنبه. ويقول: رأيته مداهنا لبني أمية فلم يسعني أن أقره على ذلك. لما حملت في عنقي من بيعتك.
فخرج من الكوفة وأنا ومن قبلي على طاعتك. فقبل منه ابن الزبير وصدقه.
стр. 583
وأقره واليا على الناس (١). فلما اطمأن ورأى أن ابن الزبير قد قبل منه. سار إلى منزل عمر بن سعد بن أبي وقاص فقتله في داره. وقتل ابنه حفصا أسوأ قتلة (٢). وجعل يتتبع قتلة الحسين من الديوان (٣) الذين خرجوا إليه. فيقتل كل من قدر عليه (٤). وتغيب كل من خالفه من أهل الكوفة. ثم بعث مسالحة إلى السواد. والمدائن. وعمال الخراج. فجبيت إليه الأموال. فبعث إليه عبد الملك بن مروان. عبيد الله بن زياد. في ستين ألفا من أهل الشام.
فأخذ على الموصل. فبعث المختار. إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفا من أصحابه. لقتال عبيد الله بن زياد. فلقيه بأرض الموصل. على نهر يدعى الخازر (٥) فتراشقوا بالنبل ساعة. وتشاولوا بالرماح. ثم صاروا إلى السيوف. فاقتتلوا أشد القتال. إلى أن ذهب ثلث الليل. وقتل أهل الشام تحت كل حجر. وهرب من هرب منهم. وقتل عبيد الله بن زياد. والحصين ابن نمير في المعرك (٦). وبعث بالرءوس إلى المختار. فبعث برأس عبيد الله بن زياد. وبرأس الحصين بن نمير وستة نفر من رؤسائهم مع خلاد بن السائب
стр. 584
الخزرجي (١). فقدم بها المدينة يوما إلى الليل. ثم خرج بها إلى ابن الزبير.
فنصبها على ثنية الحجون (٢).
وجعل ابن الزبير يسأل خلاد بن السائب عن التقائهم وقتالهم. فيخبره.
فقال: فكيف رأيت مناصحة المختار؟ فقال: رأيته على ما يحب أمير المؤمنين.
يدعو له على منبره. ويذكر طاعتك ومفارقة بني مروان.
ورجع المختار ومن معه إلى الكوفة. وكتب إلى ابن الزبير يخدعه ويخبره أنه إنما يقوم بأمره. ويسكنه حتى يمكنه ما يريد.
فأبصر ابن الزبير أمره. وكلمه فيه عروة بن الزبير. وعبد الله بن صفوان.
وغيرهما وأعلموه غشه وسوء مذهبه. وأنه ليس له بصاحب. قال: فمن أولى؟ احتاج إلى رجل جلد مجزئ مقدام. فقال له مصعب بن الزبير: لا تول أحدا أقوم بأمرك مني. قال: فقد وليتك العراق. فسر إلى الكوفة.
قال: ليس هذا برأي. أقدم على رجل قد عرفته. إنما هواه ورأيه في غيرنا.
وإنما يستتر بنا. وقد اجتمع معه من الشيعة بشر كثير. ولكني أقدم البصرة وأهلها سامعون مطيعون. ثم أزحف إليه بالجنود إن شاء الله. فقال ابن الزبير:
هذا الرأي. فسار مصعب إلى البصرة واليا عليها. وبلغ المختار. فعرف أنه الشر والسيف. فكتب إلى ابن الزبير يشتمه ويعيبه ويقول: إنه لا طاعة لك على أحد ممن قبلي. فأجلب بخيلك ورجلك. وخطب المختار الناس بالكوفة.
وأظهر عيب ابن الزبير. وخلعه. ودعا إلى الرضا من آل محمد ﷺ . وذكر محمد بن الحنفية فقرظه وسماه المهدى. وكتب ابن الزبير إلى مصعب يأمره بالمسير إلى المختار في أهل البصرة. فأمر مصعب بالتهيؤ ثم عسكر. واستعمل على ميمنته الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. وعلى ميسرته عبد الله بن مطيع.
стр. 585
واستخلف على البصرة عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر (١).
٩٨/ ٨/ اوبلغ المختار مسير مصعب بالجنود. فبعث إليه أحمر بن شميط البجلي. وأمره أن يواقعهم بالمذار (٢). فبيتهم أصحاب مصعب فقتلوا ذلك الجيش. فلم يفلت منهم إلا الشريد (٣). وقتل تلك الليلة عبيد الله بن علي بن أبي طالب.
وكان في عسكر مصعب مع أخواله بني نهشل بن دارم (٤).
وخرج المختار في عشرين ألفا حتى وقف بإزائهم. وهم فيما بين الجسر إلى نهر البصريين (٥). وزحف مصعب ومن معه فوافوهم مع الليل. ولم يكن بينهم حرب. فأرسل المختار إلى أصحابه حين أمسى. أن لا يبرحن أحد منكم موقفه حتى تسمعوا مناديا ينادي يا محمد. فإذا سمعتم. فاحملوا على القوم.
واقتلوا من لم تسمعوه مناديا ينادي يا محمد. ثم أمهل. حتى إذا حلق القمر واتسق (٦) أمر مناديا فنادى: يا محمد. ثم حملوا على مصعب وأصحابه فهزموهم. ودخلوا عسكرهم. فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا. وأصبح المختار وليس عنده أحد له ذكر غير عشرة فوارس. وإذا أصحابه قد وغلوا
стр. 586
جميعا في أصحاب مصعب. فانصرف المختار منهزما فأغذ السير حتى أتى الكوفة. فدخل القصر ورجع أصحاب المختار حين أصبحوا حتى وقفوا موقفهم فلم يروا المختار. وقالوا: قد قتل. فهرب منهم من أطاق الهرب.
واختفى الباقون. وتوجه منهم ثمانية آلاف إلى الكوفة. فوجدوا المختار في القصر فدخلوا معه (١).
وأقبل مصعب حتى خندق على سدة القصر والمسجد. وحصرهم أشد الحصار. فخرج المختار يوما على بغلة شهباء. فقاتلهم في الزياتين (٢).
فقتلوه. وطلب أهل القصر الأمان من مصعب فآمنهم. وفيهم سبع مائة من العرب وسائرهم من الموالي والعجم. فأراد قتل هؤلاء. وترك العرب فقيل له: ما هذا بدين. ذنبهم واحد. تقتل العجم وتترك العرب. فقدمهم جميعا فضرب أعناقهم صبرا (٣). وبعث برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع رجل من الشرط. فقدم الرسول فانتهى إلى ابن الزبير وهو في المسجد الحرام قد صلّى عشاء الآخرة. ثم قام يتنفل. قال: فو الله ما التفت إليه ولا أنصرف حتى أسحر فأوتر. ثم جلس.
فدنا الرسول فدفع إليه الكتاب. فقرأه. ثم دفعه إلى غلام له. فقال الرسول:
يا أمير المؤمنين هذا الرأس معي. فقال: ألقه فألقاه على باب المسجد. ثم أتاه فقال:
جائزتي قال: خذ الرأس الذي جئت به.
ولما قتل مصعب المختار. وظفر بالعراق. واستعمل العمال. وجبى الأموال. وكتب إليه إبراهيم الأشتر يعلمه بأنه على طاعته. وأسرع الناس إليه مع عداوته لأهل الشام. وقتله إياهم. ويسأله أن يأذن له في الوفادة إليه.
стр. 587
فأجابه مصعب إلى ذلك (١). فخلف أبا قارب على الجزيرة وقدم على مصعب. فأخذ بيعته لعبد الله بن الزبير وأقام عنده. آثر الناس عنده.
وأكرمهم عليه. إنما كان يجلسه على سريره. واستعمل مصعب المهلب بن أبي صفرة على الجزيرة والموصل وأذربيجان (٢) / وأرمينية (٣).
وفرق العمال في البلدان. ثم جمع أشراف أهل المصرين. ووفد إلى عبد الله بن الزبير. وجعل إبراهيم بن الأشتر على الوفد (٤) جميعا.
فقال له عبد الله: نظرت إلى راية قد خفضها الله فرفعتها.
قال: يا أمير المؤمنين. هذا سيد من خلفي. إن رضي رضوا. وإن سخط سخطوا. فحل عبد الله بن الزبير إزاره فإذا ضربة على منكبه قد أجافته.
ثم قال لمصعب: أتراني كنت أحب الأشتر بعد هذه الضربة ضربنيها يوم الجمل (٥).
وقال مصعب: يا أمير المؤمنين سم للوفد ما بدا لك من الجائزة وأنا أعطيهم إياه من العراق. قال: لا والله ولا درهما.
ثم خطب عبد الله بن الزبير فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل العراق.
стр. 588
أتيتمونا أوباشا من كل جمة (١). والله لو كانت تصرف لصرفناكم صرف الذهب. والله لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلا من أهل الشام.
فقام إليه أبو حاضر الأسدي- وكان قاص الجماعة بالبصرة (٢) - فقال:
يا أمير المؤمنين. إن لنا ولك مثلا قد مضى. هو ما قاله الأعشى:-
علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري … وعلق أخرى غيرها الرجل (٣)
علقناك. وعلقت أهل الشام. وعلق أهل الشام آل مروان. فما عسينا أن نصنع. قال الشعبي: فما سمعت جوابا أحسن منه.
ثم انصرف مصعب والوفد إلى الكوفة. ثم قدم مصعب البصرة. فجمع مالا ووفد الثانية على عبد الله بن الزبير بمال العراق. فعزله عن البصرة. وولاها ابنه حمزة بن عبد الله (٤) وكان شابا تائها. فأقام مصعب عند عبد الله بن الزبير. ومضى حمزة إلى البصرة. فمنع الناس العطاء وأمر بالمال يحمل إلى ابن الزبير (٥) فمنعه من ذلك مالك بن مسمع (٦) ووجوه أهل البصرة ونخسوا
стр. 589
به. فخرج من البصرة. فبلغ ذلك ابن الزبير. فولى مصعب البصرة وأمره أن يتوجه إلى العراق.
قال الشعبي: فما رأينا أمير فرقة كان أشبه بأمراء الجماعة من مصعب ابن الزبير.
ولم يزل مصعب أحب أمراء العراق إليهم. كان يعطيهم عطاءين في السنة عطاء للشتاء. وعطاء للصيف. وكان يشتد في موضع الشدة. ويلين في موضع اللين. وكان محكما لأمره قويا على شأنه.
وكان عبد الملك بن مروان يكتب إلى شيعته بالعراق في اغتيال مصعب (١). وكتب إلى شيعته بالبصرة يأمرهم أن يخرجوا على مصعب.
وأخبرهم أنه باعث إليهم بألف من أهل الشام. ولم يطمع في ذلك بالكوفة ومصعب بها. وكان يخرج كل سنة حتى يأتي بطنان حبيب (٢). وهي من قنسرين (٣) فيعسكر بها. وهي أقصى سلطانه. ويخرج مصعب بن الزبير حتى ينزل باجميرى (٤) من أرض الموصل. فيعسكر. وهي أقصى سلطانه.
فقال أبو الجهم الكناني:
أبيت يا مصعب إلا سيرا … أكل عام لك باجميرى (٥)
стр. 590
وكان إذا اشتد البرد وارتج الشتاء. انصرفوا جميعا معا. هذا إلى دمشق.
وهذا إلى الكوفة. وكان ابن الزبير يكتب إلى مصعب في عبد الملك: لا تغفله واغزه قبل أن يغزوك. فإنك في عين المال والرجال.
ففرض مصعب الفروض. وأخذ في التهيئة للخروج. وقسم أموالا وأخرج العطاء. وبلغ ذلك عبد الملك. فجمع جنوده. وسار بنفسه يؤم العراق لقتال مصعب. وقال لروح بن زنباع (١) وهو يتجهز: والله إن في أمر هذه الدنيا لعجب لقد رأيتني ومصعب بن الزبير أفقده الليلة الواحدة من الموضع الذي نجتمع فيه فكأني واله. ويفقدني فيفعل مثل ذلك. ولقد كنت أوتي باللطف.
فما أراه يجوز لي أن آكله حتى أبعث به إليه أو ببعضه. وكان يفعل مثل ذلك. ثم صرنا إلى السيف!!! ولكن هذا الملك عقيم (٢).
فلما أجمع مصعب الخروج من الكوفة يريد عبد الملك. خرج وقد اصطف له الناس بالكوفة صفين. وقد اعتم عمته العقداء (٣). وهو مقبل على معرفة (٤) دابته. ثم نظر في وجوه القوم يمينا وشمالا. فوقعت عينه على عروة بن المغيرة ابن شعبة (٥). فقال: يا عروة. قال: لبيك. قال: ادن. فدنا. فسار
стр. 591
معه. فقال: أخبرني عن حسين بن علي كيف صنع حين نزل به. قال:
فأنشأت أحدثه عن صبرة وإبائه ما عرض عليه. وكراهته أن يدخل في طاعة عبيد الله بن زياد حتى قتل.
قال: فضرب بسوطه على معرفة برذونة. ثم قال:-
إن الألى بالطف من آل هاشم … تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
قال: فعرفت والله أنه لن يفر وأنه سيصبر حتى يقتل (١).
قال: والشعر لسليمان بن قتة. قال: ثم سار عبد الملك. وسار مصعب.
حتى التقيا بمن معهما بمسكن (٢). فقال عبد الملك: ويلكم ما أصبهان هذه؟ قيل سرة العراق. قال: فقد- والله- كتب إلى أكثر من ثلاثين رجلا من أشراف أهل العراق. وكلهم يقولون: إن خست (٣) بمصعب فلي أصبهان؟ قال: فكتبت إليهم جميعا: أن نعم. فلما التقوا. قال مصعب لربيعة: تقدموا للقتال. فقالوا: هذه مخروءة (٤) بين أيدينا. فقال: ما تأتون أنتن من المخروءة- يعني تخلفهم عن القتال- وقد كانت ربيعة قبل ذلك مجمعة على خذلانه. فأظهرت ذلك. فخذله الناس ولم يتقدم أحد يقاتل دونه.
فلما رأى مصعب ما صنع الناس وخذلانهم إياه. قال: المرء ميت على كل
стр. 592
حال. فو الله لئن يموت كريما أحسن به من أن يضرع (١) إلى من قد وتره.
لا أستعين بربيعة أبدا ولا بأحد من أهل العراق. ما وجدنا لهم وفاء. انطلق يا بني- لابنه عيسى وهو معه- فاركب إلى عمك بمكة فأخبره بما صنع أهل العراق. ودعني فإني مقتول. فقال له ابنه: والله لا أخبر نساء قريش بشر عنك أبدا. قال: فإن أردت أن تقاتل. فتقدم فقاتل حتى أحتسبك.
فدنا ابنه عيسى فقاتل قتالا شديدا حتى أخذته الرماح من كل ناحية. وكثره القوم فقتل. ومصعب جالس على سريره. فأقبل إليه نفر ليقتلوه فقاتلهم أشد القتال حتى قتل. وجاء عبيد الله بن ظبيان فاحتز رأسه فأتى به عبد الملك بن مروان.
فأعطاه ألف دينار. فأبى أن يأخذها (٢). وكان مصعب قتل على نهر يقال له: دجيل (٣). عند دير (٤) الجاثليق. فأمر به عبد الملك وبابنه عيسى فدفنا. ثم سار عبد الملك حتى نزل النخيلة (٥). ودعا أهل العراق إلى البيعة فبايعوه. واستخلف على الكوفة بشر بن مروان أخاه (٦). ثم رجع إلى الشام (٧).
стр. 593
٥٥٢ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني عثمان بن محمد العمري. عن عمر بن نافع. عن أبيه. عن ابن عمر. أنه قيل له: أي ابني الزبير كان أشجع؟ قال: ما منهما إلا شجاع. كلاهما مشى إلى الموت وهو يراه.
٥٥٣/ ١ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثنا مصعب بن ثابت.
عن أبي الأسود عن عباد بن عبد الله بن الزبير. قال:
٥٥٣/ ٢ - وحدثنا شرحبيل بن أبي عون. عن أبيه- وكان عالما بأمر ابن الزبير- قال:
стр. 594
٥٥٣/ ٣ - وحدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد. عن هشام بن عروة.
عن أبيه. قال:
٥٥٣/ ٤ - وحدثنا عبد الله بن جعفر. عن أبي عون مولى عبد الرحمن ابن مسور. قال:
٥٥٣/ ٥ - وحدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة.
عن عمه أبي الحارث بن عبد الله. قال:
٥٥٣/ ٦ - وحدثنا عبد الله بن جعفر. عن أم بكر بنت المسور. قال:
وغير هؤلاء أيضا قد حدثني. وكتبت كل ما حدثوني به في مقتل عبد الله ابن الزبير.
стр. 595
مقتل عبد الله بن الزبير: -
قالوا: لما قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير. بعث الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبير بمكة في ألفين من جند أهل الشام. فأقبل حتى نزل الطائف. فكان يبعث البعوث إلى عرفة. ويبعث ابن الزبير بعثا. فيلتقون فتهزم خيل ابن الزبير. وترجع خيل الحجاج إلى الطائف. فكتب الحجاج إلى عبد الملك في دخول الحرم ومحاصرة ابن الزبير. وأن يمده برجال. فأجابه عبد الملك إلى ذلك. وكتب إلى طارق بن عمرو. يأمره أن يلحق بالحجاج.
فسار طارق في أصحابه وهم خمسة آلاف فلحق بالحجاج. فنزل الحجاج من الطائف. فحصر ابن الزبير في المسجد. وحج بالناس الحجاج سنة اثنتين وسبعين. وابن الزبير محصور. ثم صدر الحجاج وطارق حين فرغا من الحج.
فنزلا بئر ميمون. ولم يطوفا بالبيت. ولم يقربا النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير. فطافا بالبيت. وذبحا جزرا. وحصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين (١). ستة أشهر وسبع عشرة ليلة. وقتل يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين (٢).
стр. 596
وقدم على ابن الزبير حبشان من أرض الحبشة يرمون بالمزاريق (١). فقدمهم لأهل الشام. فجعلوا يرمون بمزاريقهم. فلا يقع لهم مزراق إلا في إنسان. فقتلوا من أهل الشام قتلى كثيرة. ثم حمل عليهم أهل الشام حملة واحدة. فانكشفوا.
وكان ابن الزبير يقدم أصحاب النكاية (٢) بالسيوف. ويتقدم هو ما يستفزه صياحهم. وكان معه قوم من أهل مصر. فقاتلوا معه قتالا شديدا. وكانوا خوارجا. حتى ذكروا عثمان فتبرءوا منه. فبلغ ابن الزبير فناكرهم. وقال: ما بيني وبين الناس إلا باب عثمان فانصرفوا عنه.
ونصب الحجاج المنجنيق يرمي بها أحث (٣) الرمي. وألح عليهم بالقتال من كل وجه. وحبس عنهم الميرة. وحصرهم أشد الحصار. حتى جهد أصحاب ابن الزبير. وأصابتهم مجاعة شديدة. وكان ابن الزبير قد وضع في كل موضع يخاف منه مسلحة (٤). فكانت مسالحة كثيرة يطوف عليها أهل الثبات من أصحابه. وهم على ذلك مبلوغون من الجوع ما يقدر الرجل يقاتل ولا يحمل السلاح كما يريد من الضعف. وكانوا يستغيثون بزمزم فيشربون منها. فتعصمهم.
وجعلت الحجارة من المنجنيق يرمي بها الكعبة. حتى يؤثر
стр. 597
فيها كأنها جيوب النساء (١). ويرمى بالمنجنيق من أبي قبيس فتمر الحجارة وابن الزبير يصلي عند المقام كأنه شجرة قائمة ما ينثني. تهوى الحجارة ململمة ملس كأنها خرطت (٢) وما يصيبه منها شيء ولا يتنحى عنها ولا يفزع لها.
وحشر الحجاج أهل الشام يوما وخطبهم. وأمرهم بالطاعة وأن يرى أثرهم اليوم. فإن الأمر قد اقترب. فأقبلوا ولهم زجل (٣) وفرح. وسمعت بذلك أسماء بنت أبي بكر الصديق أم عبد الله بن الزبير. فقالت لعبد الله- مولاها-:
اذهب فانظر ما فعل الناس. إن هذا اليوم يوم عصيب. اللهم أمضي ابني على نيته. فذهب عبد الله ثم رجع فقال: رأيت أهل الشام قد أخذوا بأبواب المسجد. وهم من الأبواب إلى الحجون. فخرج أمير المؤمنين يخطر (٤) بسيفه وهو ويقول:
إني إذا أعرف يومي أصبر … إذ بعضهم يعرف ثم ينكر
فدفعهم دفعة تراكموا منها فوقعوا على وجوههم. وأكثر فيهم القتل. ثم رجع إلى موضعه. قالت: من رأيت معه؟ قال: معه أهل بيته ونفير قليل.
قالت أمه: خذلوه وأحبوا الحياة. ولم ينظروا لدينهم ولا لأحسابهم. ثم قامت تصلي وتدعو وتقول: اللهم إن عبد الله بن الزبير كان معظما لحرمتك. كريه إليه أن تعصى. وقد جاهد فيك أعداءك. وبذل مهجة نفسه لرجاء ثوابك.
اللهم فلا تخيبه. اللهم ارحم ذلك السجود والنحيب والظمأ في تلك الهواجر.
اللهم لا أقوله تزكية. ولكن الذي أعلم. وأنت أعلم به. اللهم وكان برا بالوالدين.
стр. 598
قال: ثم جاء عبد الله بن الزبير. فدخل على أمه وعليه الدرع والمغفر.
فوقف عليها. فسلم. ثم دنا فتناول يدها فقبلها وودعها. فقالت: هذا وداع فلا تبعد إلا من النار.
فقال ابن الزبير: نعم جئت مودعا لك. إني لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمر بي. واعلمي يا أمه أني إن قتلت. فإنما أنا لحم ودم لا يضرني ما صنع بي. قالت: صدقت. فأمض على بصيرتك (١). ولا تمكن ابن أبي عقيل منك (٢). وادن مني أودعك. فدنا منها فعانقها. فمست الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد فقال: ما لبست الدرع إلا لأشد منك.
قالت (٣): فإنه لا يشد مني بل يخالفني. فنزعها. ثم أدرج كمه وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت القميص وأدخل أسفلها في المنطقة. وأمه تقول:
أليس (٤) ثيابك مشمرة؟ قال: بلى هي على عهدك.
قالت: ثبتك الله. فانصرف من عندها وهو يقول:
إني إذا أعرف يومي أصبر … إذ بعضهم يعرف ثم ينكر
ففهمت قوله. فقالت: تصبر والله إن شاء الله. أليس أبوك الزبير (٥)؟.
قال: ثم لاقاهم فحمل عليهم حملة هزمهم. حتى أوقفهم خارجا من الباب. ثم حمل عليه أهل حمص. فحمل عليهم فمثل ذلك (٦) …
стр. 599
٥٥٤ - قال: أخبرنا محمد بن عمر. قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد. عن مخرمة بن سليمان الوالبي. قال: دخل عبد الله بن الزبير على أمه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانهم إياه. فقال: يا أمه. خذلني الناس حتى ولدي وأهلي. فلم يبق معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة.
والقوم يعطوني ما أردت من الدنيا. فما رأيك؟ فقالت أمه: أنت والله يا بني أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو. فأمض له. فقد قتل عليه أصحابك. ولا تمكن من رقبتك فتلعب بك غلمان بني أمية. وإن كنت إنما أردت الدنيا. فبئس العبد أنت!. أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك (١).
قال: فدنا ابن الزبير فقبل رأسها. فقال: هذا والله رأيي. والذي قمت به داعيا إلى يومي هذا. ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها. وما دعاني إلى الخروج إلا (٢) الغضب لله. ولكن أحببت أعلم رأيك. فزدتني قوة وبصيرة مع بصيرتي. فانظري يا أمه. فإني مقتول من يومي هذا. لا يشتد جزعك على.
سلمي لأمر الله. فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر.
стр. 600
ولا عمل بفاحشة. ولم يجر في حكم. ولم يغدر في أمان. ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد. ولم يبلغني عن عمالي فرضيته بل أنكرته. ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي. اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي. أنت أعلم بي ولكني أقوله تعزية لأمي لتسلو به عني. فقالت له أمه: إني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني. وإن تقدمتك. ففي نفسي حوجا (١) حتى انظر إلى ما يصير إليه أمرك. قال: جزاك الله يا أمه خيرا.
فلا تدعى الدعاء لي بعد قتلي (٢). قالت: لا أدعه. لست بتاركه ذلك أبدا. فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق. وخرج. وقالت أمه: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل. وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة. وبره بأبيه وبي. اللهم إني سلمت فيه لأمرك. ورضيت فيه بما قضيت. فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين والشاكرين.
٥٥٥ - قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل. قال: حدثنا صالح بن الوليد الرياحي. قال: أخبرتني جدتي ريطة بنت عبد الله الرياحية. قالت: كنت عند أسماء إذ جاء ابنها عبد الله فقال: إن هذا الرجل قد نزل بنا. وهو رجل