← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 168

تفسير مبهمات القرآن

البلنسي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

[١٠٥] ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ.﴾ (سه) (١) هي الشّام (٢)، وقيل (٣): أرض الجنّة، والأول قول أبي الدرداء (٤) وجماعة، وعباده الصالحون أمة محمّد (٥) ﷺ .

стр. 772

سورة الحجّ [٣] ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.﴾ (عس) (١) هو: النّضر بن الحارث، ذكره الطبري (٢) وابن سلاّم وغيرهما (٣)، والله أعلم. (سي) وقيل (٤): نزلت في أبيّ بن خلف مع النّضر، وقيل (٥): نزلت في أبي جهل ابن هشام، ثم هي بعد ذلك تتناول كلّ من اتّصف بصفتهم. وهؤلاء هم المعنيّون بقوله ثانيا ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦) في قول الجمهور (٧)، كرّر على جهة التوبيخ لأن الله تعالى يقول

стр. 773

هذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ومن الناس مع ذلك من يجادل في الله بغير علم، فالواو هاهنا واو الحال وفي الأولى واو العطف. وحكى النّقّاش أنّ هذه الآية الثانية لا تكرار فيها إلا في اللفظ خاصة وأنّها نزلت في الأخنس بن شريق (١)، والله أعلم. [١١] ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ.﴾ (عس) (٢) اختلفت الروايات فيمن عني بهذه الآية، فقيل (٣): نزلت في النّضر بن الحارث، وهذا عندي غير صحيح، لأنّ النّضر لم يكن ممن يعبد الله على حرف، لأنّه لم يزل مظهرا للكفر طاعنا على الإسلام غير مظهر لشيء منه، إلى أن قتله النّبيّ (٤) ﷺ صبرا في غزوة بدر، وقيل (٥): إنّها نزلت في شيبة بن ربيعة كان أسلم ثم ارتدّ، وقيل (٦): إنّها نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون على النّبيّ ﷺ فيسلمون فإن نالوا خيرا أقاموا، وإن أصابتهم شدّة ارتدّوا، وهو الأظهر من مساق الآية، والله أعلم.

стр. 774

[١٥] ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ﴾ ﴿يَنْصُرَهُ اللهُ﴾ الآية. (عس) (١) المشار إليه بالضمير في (ينصره) هو رسول (٢) الله ﷺ ، ومعنى الآية من كان يظنّ أن لن ينصر الله محمدا ﷺ فليختنق حتى ينظر هل يذهب غيظه، والله أعلم. [١٨] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماااتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. (سي) نصّ الله تعالى في هذه الآية على بطلان رأي من عبد شيئا مما ذكر في هذه الآية، وسجد له من دون الله تعالى وذلك في قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ﴾ وبيّن أنّ شيئا من ذلك لا يستحق أن يكون إلها لقيام دليل الحدوث فيها، وهو خضوعها وانقيادها لأمر الله تعالى، وهو المعبّر عنه بالسّجود، فوجب علينا بشرط الكتاب أن نسمي من كان يعبد شيئا من ذلك من البشر، فنقول ذكر القاضي أبو محمّد بن عطية وغيره من العلماء ﵃ أنّ الشّمس كانت تعبدها حمير وهم قوم بلقيس، وذلك نص القرآن (٣) وأمّا القمر فكانت تعبده كنانة، والدّبران كانت تعبده تميم والمشتري كانت تعبده لخم، والثريّا كانت تعبدها طيء، والشعرى كانت تعبدها قريش، وعطارد كانت تعبده أسد، وأمّا الجبال فمنها الأصنام وقد عبدها خلق كثير، وأمّا الشجر فمنها النّار وقد عبدتها

стр. 775

المجوس، وأمّا الدّوابّ فمنها البقرة وقد عبدها قوم منهم السّامري ومنها الديك وقد عبد من دون الله. قال المؤلف - وفّقه الله -: ومن الشّجر أيضا العزّى التي كانت تعبدها غطفان وهي سمرة، وبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة وهي تدعو بالويل والثّبور ويأتي خبرها في سورة النّجم إن شاء الله تعالى نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله العصمة ودوام المعرفة من الرحمن. [١٩] ﴿هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ.﴾ (سه) (١) هم ثلاثة من أصحاب النّبيّ ﷺ وثلاثة من كفّار قريش التقوا يوم بدر فقتل الكفّار (٢)، فالثلاثة المؤمنون حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث (٣)، والكفّار عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد ابن عتبة. [٢٣] ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ الآية. (عس) (٤) قيل: إنّها نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر، وقد سمّاهم الشيخ في كتابه. وروى ابن فطيس عن ابن عباس أنّها نزلت في أبي حذيفة بن عتبة، واسمه مهشم، وسالم مولى أبي حذيفة، وابن جحش وعكاشة بن محصن وشجاع (٥) بن أبي وهب،.

стр. 776

وربيعة (١) بن أكثم وعثمان بن عفان وعدة من بني عبد شمس وحلفائهم شهدوا بدرا (٢) والله أعلم. [٣٩] ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا.﴾ (عس) (٣) هم النّبيّ ﷺ وأصحابه الذين هاجروا معه من مكة إلى المدينة، وذلك أنهم لمّا خرجوا قال أبو بكر ﵁: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أخرج رسول الله ﷺ ، والله ليهلكنّ جميعا فنزلت (٤) الآية فعرف أبو بكر أنّه سيكون قتال، وهي أول (٥) آية نزلت في القتال. [٤٠] ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ.﴾

стр. 777

(عس) (١) قيل (٢): إنّها نزلت في أصحاب محمّد ﷺ ومعناها: لولا دفع الله بأصحاب محمّد عمّن بعدهم، والله أعلم. [٤٥] ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ.﴾ (سه) (٣) قيل: إن البئر هي الرس (٤)، وكانت بعدن (٥) لأمّة من بقايا ثمود، وكان لهم ملك، عدل، حسن السيرة، يقال له العلس، وكانت البئر تسقي المدينة كلّها وباديتها وجميع ما فيها من الدّوابّ والبقر والغنم وغير ذلك لأنّها كانت لها بكرات (٦) كثيرة منصوبة عليها ورجال كثيرون موكّلون بها، وأبازن (٧) - بالنون - من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للنّاس وأخر للدواب وأخر للغنم والبقر، والقوّام عليها يستقون الليل والنّهار يتداولون، ولم يكن لهم ماء غيرها، وطال عمر الملك فلما جاءه الموت اطّلى بدهن لتبقى صورته ولا تتغير، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم فلما مات شقّ ذلك عليهم ورأوا أنّ أمرهم قد فسد، وضجّوا جميعا بالبكاء، واغتنمها الشيطان منهم فدخل لهم في جثّة الملك بعد موته بأيام كثيرة فكلّمهم وقال: إني لم

стр. 778

أمت ولكنّي تغيّبت عنكم حتى أرى صنيعكم، ففرحوا أشدّ الفرح، وأمر خاصّته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم يكلّمهم من ورائه كي لا يعرف الموت في صورته، فنصبوه صنما من وراء حجاب لا يأكل ولا يشرب وأخبرهم أنّه لا يموت أبدا وأنّه إله لهم، وذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه فصدّق كثير منهم وارتاب بعضهم، وكان المؤمن المكذّب منهم أقلّ من المصدّق فكلّما تكلّم ناصح منهم زجر وقهر، فاتفقوا على عبادته فبعث الله لهم نبيا كان ينزل عليه الوحي في النّوم دون اليقظة، وكان اسمه حنظلة بن صفوان، فأعلمهم أنّ الصورة صنم لا روح له (١)، وأنّ الشيطان قد أضلّهم، وأنّ الله لا يتمثل بالخلق، وأنّ الملك لا يجوز له أن يكون شريكا لله، ووعظهم ونصحهم وحذّرهم سطوة ربّهم ونقمته فآذوه وعادوه، وهو يتعاهدهم بالموعظة ولا يغبّهم (٢) بالنصيحة حتى قتلوه وطرحوه في بئر، فعند ذلك حلّت عليهم النّقمة فباتوا شباعا رواء من الماء، وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها، وتعطل رشاؤها، فصاحوا بأجمعهم وضجّ النساء والولدان وضجّت البهائم عطشا، حتى عمّهم الموت وشملهم الهلاك، وخلّفتهم في أرضهم السباع، وفي منازلهم الثعالب والضّباع، وتبدّلت جناتهم وأموالهم بالسّدر وشوك العضاة (٣) والقتاد (٤) فلا يسمع فيها إلا عزيف (٥) الجنّ، وزئير

стр. 779

الأسد نعوذ بالله من سطواته ومن (١) الإصرار على ما يوجب نقماته. هذا معنى ما أورده أبو بكر محمد بن الحسن المقرئ في تفسيره اختصرته ولخصته (٢). وأمّا القصر المشيد، فقصر بناه شدّاد (٣) بن عاد بن إرم، لم يبن في الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا، وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنس وإقفاره بعد العمران، وأنّ أحدا لا يستطيع أن يدنو منه على أميال لما يسمع فيه من عزيف الجنّ والأصوات المنكرة بعد النّعيم، والعيش الرغد، وبهاء الملك، وانتظام الأهل كالسلك، فبادوا وما عادوا، فذكرهما الله تعالى في هذه الآية موعظة وذكرى وتحذيرا من مغبّة المعصية وسوء عاقبة المخالفة نعوذ بالله من ذلك ونستجير به من سوء المآل. تكميل: قال المؤلف - وفقه الله -: وهذه البئر فيما ذكر بعض أهل التاريخ على مسيرة سبعة أيام من مصر على طريق الحبشة، وفيه إلى الآن أعجوبة ذكر ابن الصّفّار في كتابه الذي شرح به الصفرة الجغرافية أنّ هذه البئر يفيض ماؤها ويخرج عن فمها نحوا من عشرين ذراعا من كل ناحية، فإذا أراد أحد الوصول إلى الماء والقرب منه ولّى الماء وانقبض، فكلّما مشى إليه نقص الماء حتى يصير إلى فم البئر، فإن أراد أن يأخذ من ذلك الماء شيئا نقص الماء فإن أدلى فيه دلوا هبط الماء إلى قعر البئر، ولو كان الحبل من ألفي ذراع لم يبلغ الماء، ومتى خرج الدّلو خرج الماء على إثره حتى يخرج الدّلو على فم البئر فيخرج الماء على فم البئر، وإذا بعد الرجل من فم البئر خرج الماء، وكلما تباعد خرج الماء، حتى يعود إلى حدّه الأول، فإن كان أحد راكبا على حصان من عتاق الخيل وهمّ أن يسرع إلى الماء انقبض الماء منه أسرع من لمح البصر، وهذا غريب غير أنّه يتلاشى في جنب قدرة الله تعالى.

стр. 780

وأمّا القصر المشيد فاختصر الكلام فيه الشيخ أبو زيد، وذكر صاحب الكتاب المذكور أنّ هذا القصر بينه وبين البئر المذكورة قدر رمية قوس، وأنّ طوله على الأرض مائة ذراع وعرضه مثل ذلك وارتفاعه في الهواء مائة وعشرون ذراعا، في رأسه خمسمائة شرفة (١)، وله درج من خارجه في الجانب الغربي عددها مائة وخمسون درجة، وليس له باب، ولا يعلم أحد ممّن هو مبني، ولا يظهر فيه عمود ولا لبنة ولا جصّ ولا شيء من آلات البناء إلا لوح من الرّخام الأبيض في وسط الحائط من ناحية الشمال مما يقابل البئر مكتوب فيه بالقلم السرياني: «بنينا وشيّدنا فمن ادّعى اليوم أنّه مثلنا فليهدم ما بنينا فالهدم أسهل من البناء فلو اجتمع أهل الأرض أن يهدموا منه شيئا ما قدروا على ذلك»، وقد همّ زياد حين كان عاملا على مصر أن يمشي إلى القصر ويتعرض لهدمه فشاور معاوية ﵁ فردّه عن ذلك وقال له: إنّك لن تقدر على ذلك. ومن عجائب هذا القصر أنّه إن طلع أحد على تلك الأدراج حتى ينتهي إلى آخرها وأشرف على القصر ونظر إلى ما في جوفه صاح صيحة وترامى فيه فلا يرى أبدا. وقد تعرّض أقوام لأن يشرفوا على هذا القصر وقدّموا واحدا منهم وربطوه بشرائط القنّب (٢) وحبسوه بها، فلما كشف على القصر صاح صيحة وهم أن يترامى فيه فجبذوه (٣) بتلك الشرائط فما زالوا يجبذونه ليردّوه حتى صاح صيحة ثانية فمات، ولا يعلم أحد ما في جوف هذا القصر. وذكر الفلاسفة أنّ الذي في القصر هي أحجار البهت (٤) التي تجذب الإنسان إليها على البعد الكثير، انتهى.

стр. 781

وقد قيل إنّ هذا القصر يسمى إرم، وهو الذي عنى (١) الله تعالى بقوله: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ (٢)، وهو على شكل مدينة تحتوي على قصور، حكى الزّمخشري (٣) أنّ شدّاد بن عاد ملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذّهب والفضّة، وأساطينها (٤) من الزّبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطّردة، فلما تمّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن (٥) قلابة أنّه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثمّ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقصّ عليه الخبر، فبعث إلى كعب الأحبار فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمنك أحمر، أشقر، قصير، على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة وقال: هذا والله هو ذلك الرجل، انتهى (٦).

стр. 782

[٤٦] ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ﴾. (عس) (١) حكي أنّها (٢) نزلت في عبد الله بن أم مكتوم، حكاه المهدوي. وأمّ مكتوم هي أمّه، واسمها عاتكة (٣)، وأمّا أبوه فقيل (٤) فيه قيس، وقيل زائدة، وقيل شريح، وقيل في اسمه هو أنّه عمرو وعليه أكثر أهل الحديث، وفي تفسير ابن سلاّم أنّها نزلت في عبد الله بن زيد والله أعلم. [٤٧] ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾. (عس) (٥) قيل (٦): إنه يريد يوما من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وقيل (٧): يريد يوما من أيام الآخرة، والله أعلم.

стр. 783

سورة المؤمنون [١٢] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ.﴾ (عس) (١) هو: آدم (٢) ﵇، والسّلالة في قول بعض المفسرين (٣) ما انسلّ بين أصابع القابض على الطين. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ يريد ابن آدم (٤)، والضمير راجع عليه، ولم يجر له ذكر، ولكن لمّا كان كآدم في الصورة والتركيب كنّى عنه كناية عن آدم. وقيل (٥): إنّ المراد ب ﴿الْإِنْسانَ﴾ ابن آدم، وإنّه مخلوق [مما] (٦) انسل من طين، يعني ماء آدم. [١٨] ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ.﴾

стр. 784

(عس) (١) قيل (٢): إنّ المراد به الأنهار الخمسة، سيحون (٣) نهر الهند وجيحون نهر بلخ (٤)، والفرات والدجلة نهرا العراق، والنّيل نهر مصر حكاه ابن العربي في كتاب القبس (٥)، وقيل (٦): إنّه ماء العيون والأنهار، وقد قيل (٧): هو جميع المياه المستقرّة في الأرض، والله أعلم. قال المؤلف - وفقه الله تعالى -: والصحيح الأول للحديث (٨) الوارد في ذلك عن عكرمة عن ابن عباس أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أنزل الله الأنهار الخمسة من عين واحدة من الجنّة في أسفل درجة منها على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى السّماء وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا. ذكره الزّهراوي.

стр. 785

[٢٠] ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ.﴾ (عس) (١) هي الزّيتونة (٢)، و (طور سيناء) جبل (٣) بيت المقدس وهو طور سينين، ومعناه: الحسن (٤)، وقيل (٥): المبارك، والله أعلم. [٣١] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ.﴾ (سه) (٦) يعني قوم عاد أنشأهم بعد قوم نوح (٧). [٣٢] ﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ.﴾ (سه) (٨) يعني هودا ﵇، وهو هود بن عبد الله بن رياح وقيل: هو ابن عابر بن شالخ، وقد تقدّم. [٥٠] ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ.﴾

стр. 786

(سه) (١) ذكر أهل التفاسير أنّها مدينة دمشق (٢)، وهي تسمى جيرون وقال أبو دهبل (٣) الجمحي واسمه وهب بن زمعة: صاح حيا الإله أهلا ودارا ... عند شرق القناة من جيرون (٤) وكان جيرون الذي بناها وعرفت به من عاد بن إرم، وهو جيرون بن سعد وكان بناها على عمد من رخام، ذكر أنّه وجد فيها أربعمائة ألف عمود وأربعون ألف عمود من رخام وأنّ الإشارة إليها بقوله: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ يعني هذه العماد التي كان البناء عليها في هذه المدينة، والله أعلم. وسمّيت دمشق بدمشق بن النمرود عدوّ إبراهيم ﵇، وكان دمشق قد أسلم وهاجر مع إبراهيم ﵇ إلى الشّام، وجدت هذا القول لأبي عبيد البكري (٥). وقوله تعالى: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ﴾ يريد حيّز هذه البلدة التي هي جيرون إلى قرية منها يقال لها ناصرة، إليها أوت مريم بعيسى ﵇ طفلا،

стр. 787

وبناصرة تسمّى النّصارى واشتق اسمهم منها فيما ذكروا (١)، والله أعلم. (سي) وقيل (٢): يريد بالرّبوة الغوطة من ناحية دمشق، وقيل (٣): هي الرّملة (٤) من فلسطين، وضعّفه الطبري (٥) بأنّها لا يجري فيها ماء البتّة وذكر الزّهراوي في تفسيره عن معمر (٦) عن قتادة أنّه قال (٧): الربوة بيت المقدس. وزعم كعب (٨) الأحبار أنّ في التوراة إنّ بيت المقدس أقرب الأرض إلى السّماء وإنّه يزيد على أعلى الأرض ثمانية عشر ميلا. وقال وهب (٩) بن منبه: هي مصر، قال عط: ويضعّف هذا القول بأنّه لم يرو أنّ عيسى ومريم ﵉ كانا بأرض مصر، ولا حفظت لهما بها قصة. قال المؤلف - وفقه الله -: وقد تقدّم من كلام الشيخ أبي عبد الله في

стр. 788

سورة مريم قصة خروجها مع ابنها إلى مصر خوفا من هيردوس الملك، فالله أعلم. وقيل الرّبوة: قرية يقال لها بيت لحم على أميال من بيت المقدس، لأنّ ولادة عيسى كانت هنالك وحينئذ كان الإيواء وهذا القول رجّحه عط، فالله أعلم. [٥١] ﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ.﴾ (سي) في (الرّسل) هنا مما يليق بشرط الكتاب قولان: أحدهما (١): أن (الرّسل) هنا كناية عن محمّد ﷺ ، ولهذا القول وجهان: أحدهما (٢): أنّه ﵇ أقيم مقام الرّسل (٣) تنويها له وتشريفا. الثاني (٤): أنّ هذا كما تقول لتاجر معين: يا تجّار ينبغي أن تجتنبوا الرّبا، فالخطاب مواجهة للحاضر وقرينة اللفظ، والمعنى تصلح لجميع صنفه. الثاني (٥): أنّ الخطاب ب (الرسل) لعيسى ﵇ وحده فروي (٦) أنّه كان لا يأكل إلا من غزل أمّه، وقيل (٧): من بقل البرّيّة ووجه هذا القول ما ذكرنا في الوجه الثاني من توجيه قول من قال إنّه محمّد ﷺ ذكره عط. وقيل: الخطاب لجميع الرّسل وهو الأظهر (٨)، والله أعلم. نكتة: قال المؤلف - وفقه الله -: إن قلت ما الحكمة في قوله تعالى في

стр. 789

هذه الآية: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ وفي سورة الأنبياء ﵈: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١). فالجواب: أن يقال: هذه الآية كما تقدّم خطاب للرّسل ﵈ وهم لا شك عابدون فخوطبوا بما يخاطب به المؤمنون والصالحون قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ في مواضع أي احترزوا بطاعتي عمّا أعددته لأهل معصيتي، فكان ذكر التقوى هنا أليق وبالمعنى ألبق، وأمّا التي في سورة الأنبياء فالخطاب بها للفرق التي تفرّقت في طرق الباطل من أمم الأنبياء ﵈ والمعنى وأنّ هذه أمتكم في حال كونهم جماعة واحدة وعلى دين واحد في أصول الشّرع كالتوحيد وصفات الله تعالى وإثبات النّبوات فمتى تفرّقوا في طرق الباطل فليس بينكم وبينهم نسب (وأنا ربّكم) أي القائم بمصالحكم، أنا لا غيري، فاعبدوني وحدي فكان ذكر العبادة هنا أوجب والمعنى به أنسب، هذّبته من كلام الأردستاني (٢) ﵀. [٥٣] ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ.﴾ (عس) (٣) يعني اليهود (٤) والنّصارى، وقيل (٥): المراد بهم أهل مكة والله أعلم. [٦٤] ﴿حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ.﴾

стр. 790

(عس) (١) قيل (٢): إنه يعني أبا جهل وأصحابه الذين قتلوا ببدر والضمير في قوله إذا هم يجأرون يراد به أهل مكة، والله أعلم. [٦٩] ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ الآية. (سي) هو: محمد (٣) ﷺ ، والمعنى أم لم يعرفوا صدقه وهو قد نشأ بين أظهرهم، وهذا الاستفهام على جهة التّقريع والتوبيخ، لأنّهم ما عرفوه قط إلا صادقا، كما ذكر أبو سفيان في حديث هرقل (٤)، والمعنى أنّكم يا معشر قريش عرفتم صدقه من لدن شبيبته فلمّا كبر وشاب رأسه وجاءكم بالحقّ والهدى كذّبتموه وقلتم ساحر مجنون وذلك لمخالفة الشرع لأهوائكم، فبئس ما صنعتم، ولو اتّبع الحق سبحانه أهواءكم أيّها المشركون لاضطرب التّدبير ولفسدت السموات والأرض ومن فيهن، فسبحان المنفرد بالتّدبير المستغني بجلاله عن وزير أو ظهير. [١١٣] ﴿فَسْئَلِ الْعادِّينَ.﴾ (عس) (٥) قيل (٦): هم الملائكة، وقيل (٧): أهل الحساب، والله أعلم.

стр. 791

سورة النّور [٣] ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية. (عس) (١) قيل (٢): إنّها نزلت في امرأة يقال لها مهزول كانت تسافح، فاستأذن رجل من المسلمين رسول الله ﷺ في تزوّجها، فنزلت الآية. وقيل: نزلت في رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة، استأذن رسول الله ﷺ في امرأة بغي يقال لها عناق وكانت صديقة له في الجاهلية فأنزل الله الآية، خرّجه أبو داود (٣)، والله أعلم. (سي) كذا وقع للشيخ أبي عبد الله في اسم هذه المرأة أنّها مهزول بإسقاط

стр. 792

أم، والصحيح أنّها أمّ مهزول (١)، غلبت عليها الكنية ذكر ذلك الزّهراوي والمهدوي (٢) وغيرهما. ويقال في هذه المرأة أيضا أم مهزم (٣) بالميم وفتح الزاي، روي عن مجاهد (٤). [٦] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْااجَهُمْ﴾ الآية. (سه) (٥) نزلت (٦) الآية في هلال بن أميّة الواقفي، قذف امرأته بشريك بن سحماء، وقيل (٧): نزلت في عويمر (٨) العجلاني، وإنّه هو القاذف لامرأته، والحديث في كل واحد منهما صحيح، فيحتمل أن تكونا قصّتين (٩) نزل القرآن في إحداهما، وحكم في الأخرى بما حكم في الأولى. وقال المهلّب (١٠): إنّما الصحيح أنّه عويمر بن أبيض العجلاني ويقال فيه

стр. 793

ابن أشقر (١)، وذكر هلال في هذا الحديث غلط (٢)، والله أعلم. [١١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية. (سه) (٣) هم (٤): عبد الله بن أبيّ بن مالك، المعروف بابن سلول وسلول أمّ أبيه، وحمنة (٥) بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. أخت زينب بنت جحش وعبد الله بن جحش، وأبي أحمد (٦) بن جحش، وأمّهم أميمة بنت عبد المطلب فحمنة هذه وعبد الله بن جحش وأبو أحمد أشقّاء بنو عمّة رسول الله ﷺ ، ومسطح بن أثاثة بن عبّاد بن عبد المطلب واسم مسطح عوف، وحسّان بن ثابت الشاعر، وأمّه الفريعة بنت خالد بن خنبش، وكان يعرف بابن الفريعة، فهؤلاء هم الذين جاءوا بالإفك، أي بالكذب على عائشة أمّ المؤمنين، وقد قيل إنّ حسّانا لم يكن فيهم فممّن قال كان فيهم أنشد البيت المروي في شأنهم حين جلدوا الحدّ:

стр. 794

لقد ذاق حسّان الذي كان أهله ... وحمنة إذ [قالوا] (١) هجيرا ومسطح (٢) ومن برأ حسان من الإفك قال إنما الرواية في البيت: * لقد ذاق عبد الله ما كان أهله * ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ.﴾ (عس) (٣) هو: عبد الله (٤) بن أبيّ وهو الصحيح، وقد ذكر (٥) معه غيره. (سي) يريد بالغير (٦) ما حكاه الزّهراوي وغيره أنّه مسطح عذّبه الله بذهاب بصره. وحكى المهدوي عن عائشة (٧) ﵂ أنّ (الذي تولّى كبره) حسان بن ثابت، وأنّها قالت حين ذهب بصره: لعلّ العذاب العظيم الذي وعده الله به ذهاب بصره. قال المؤلف - وفقه الله -: والصحيح (٨) إن شاء الله أنّ حسّانا رضي الله

стр. 795

عنه لم يكن من أهل الإفك، وما زالت عائشة ﵂ تقرّ بفضله لذبّه عن الإسلام بلسانه، روى أبو عمر (١) بن عبد البرّ إمام أهل الحديث في عصره: أنّ عائشة ﵂ سمعت أمّ حكيم بنت خليد بن العاصي، وأمّ حكيم بنت عبد الله بن أبي ربيعة يسبّان حسّانا، فقالت: ابن الفريعة تسبّان! إني لأرجو أن يدخله الله الجنّة بذبّه عن رسول الله ﷺ بلسانه، وقال (٢) ﷺ في حقّه: «اللهم أيّده بروح القدس» لمناضلته عن المسلمين. توفي ﵀ قبل الأربعين في خلافة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وقيل: مات سنة خمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة عاش في الجاهليّة ستين سنة وفي الإسلام كذلك، وكان يكنّى أبا عبد الرحمن، وقيل أبا الوليد، وقيل أبا الحسام، وأدرك النابغة الذبياني والأعشى، وأنشدهما من شعره وكلاهما قال له: إنّك شاعر (٣). [٢٢] ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ الآية. (سه) (٤) هو: أبو بكر الصديق ﵁، كان ينفق على مسطح، وهو

стр. 796

ابن خالته، فلما خاض في الإفك حلف ألاّ ينفق عليه فلما نزلت الآية كفّر عن يمينه وعاد إلى الإنفاق عليه (١). [٢٤] ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ الآية. (عس) (٢) حكى ابن سلاّم أنّ المراد بذلك عبد الله بن أبيّ لتكلّمه في أمر عائشة (٣)، وقد قيل (٤): هو على العموم. فإن قيل: كيف تشهد (٥) عليهم ألسنتهم، وقد قال في آية أخرى ﴿(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْااهِهِمْ)﴾ (٦)؟. فالجواب: أنّ المراد بذلك أن (٧) يختم على الأفواه، وينطق اللّسان بغير اختيار من صاحبه فيشهد عليه بالحق، وقيل (٨): تشهد ألسنة بعضهم على بعض، فليس بين الآيتين تعارض، والله أعلم. [٢٦] ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية. (عس) (٩) قيل (١٠): إنّ المراد بها الذين تكلّموا في أمر عائشة ﵂، فيكون المعنى أنّ الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال وكذلك سائر الآية.

стр. 797

﴿أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ.﴾ (عس) قيل (١): إنّ المراد بها عائشة ﵂ وصفوان (٢) بن المعطل الذي رماها به أهل الإفك، فالضمير في (يقولون) عائد على أصحاب الإفك، واللفظ في (أولئك) للجمع، والمراد به التثنية (٣) كقوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ (٤) والله أعلم. [٣٣] ﴿فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً.﴾ (عس) (٥) روي (٦) أنّها نزلت في صبيح (٧) مولى حويطب (٨) بن عبد العزّى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فنزلت الآية. ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ.﴾ (سه) (٩) هما أمتان لعبد الله بن أبي بن سلول، اسم الواحدة معاذة والأخرى

стр. 798

مسيكة كان يكرههما على البغاء، وهو الزّنا، من أجل ما كانتا تعطيان عليه، فأنزل الله الآية (١)، وكان ابن مسعود يقرأ (٢): (من بعد إكراههن لهن غفور رحيم). (سي) وقد قيل: كان اسم إحدى الأمتين زينب والأخرى معاذة (٣)، ومعاذة هي أمّ خولة بنت حكيم التي جادلت النّبيّ ﷺ في زوجها، ذكره المهدوي (٤)، والله أعلم. [٣٥] ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ الآية. (سي) الهاء في (نوره) عائدة على اسم الله تعالى على الأظهر، والنور هاهنا فيه قولان: أحدهما (٥): روي عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير ﵄ أنّهما قالا: النور هاهنا محمّد ﷺ والمراد: إذ كان مستودعا في الأصلاب، وأحسن بهذا القول، فلقد روي (٦) عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إن الله تعالى حين شاء تقدير الخليقة، وذرء البريّة، نصب الخلق في صور كالهباء (٧)

стр. 799

قبل دحو (١) الأرض ورفع السماء، ثمّ أشاع نورا من نوره، فلمع قبس من ضيائه، فسطع ثم اجتمع النّور في وسط تلك الصور الخفيّة فوافق ذلك صورة نبينا محمّد ﷺ ، فقال الله له: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطّح البطحاء وأموّج الماء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعذاب - في حديث طويل - ثم إنّ الله تعالى ضمّن ذلك النور نطفة في صلب آدم، ثمّ لم يزل ينتقل في الأصلاب الزّكيّة إلى الأرحام الطاهرة حتى برز إلى الوجود فاستنارت به الآفاق، كما قال العبّاس ﵁ في مدحه ﷺ : وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق ... فنحن في ذلك الضياء، وفي النّور، وسبل الرّشاد نخترق ف «المشكوة» هنا كناية عن أصلاب آبائه و ﴿(الزُّجاجَةُ)﴾ صدره، و ﴿(الْمِصْباحُ)﴾ قلبه، والشجرة المباركة جدّه إبراهيم ﵇ فكان محمّد ﷺ نورا أولا وهو كذلك أبدا، فجسمه ﵇ نور، وصدره نور، ومعرفته نور، وقوله نور وفعله نور، فهو نور على نور، ولهذا كان (٢) ﵇ لا ظلّ له، وكان كلّه وجها يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وكان يبصر في الظّلمة كما يبصر في الضوء ﷺ وشرّف وكرّم.

стр. 800

القول الثاني: أنّ النّور هاهنا القرآن، قاله (١) زيد بن أسلم ﵁ والمعنى مثل ما أنار الله من القلوب بهذا التنزيل ﴿(كَمِشْكاةٍ)﴾ وهي القائم في وسط القنديل (٢) الذي تدخل فيه الفتيلة، وقيل (٣): المشكاة الكوّة غير النافذة، تكون فيها الزّجاجة ويكون في الزّجاجة مصباح، فالمشكاة كناية عن صدر المؤمن، والزّجاجة كناية عن قلبه، وشبّهها في صفاها بالكوكب الدّرّي. قال الضّحاك (٤): الكوكب هنا يراد به الزهرة، وهو منسوب إلى الدّر. قال الزهراوي: فضله في الضياء على سائر الكواكب كفضل الدّرّ على سائر الحبّ والمصباح كناية عن الإيمان والقرآن. ومعنى (يوقد من شجرة مباركة) أي من دهن شجرة، وكنّي بها عن شجرة الإخلاص في قول بعضهم، ومعنى (نور على نور) أي (٥) نور النّار ونور الزّيت، ونور الزّجاجة، فكذلك القرآن نور وحججه نور، والعمل به نور، والإيمان نور، وقلب المؤمن نور، وعمله نور، ومصيره يوم القيامة إلى النّور. نكتة: قال الإمام (٦) جمال الإسلام أبو القاسم القشيريّ ﵀: العالم كلّه مبنيّ على سبعة أشياء: ضوء، ونور وظلام، ولطافة، وكثافة (٧)، ورقّة، ودقّة، فالضوء للشّمس، والنور للقمر والظلام للشّياطين، واللّطافة

стр. 801

للعيون، والكثافة للجبال، والرّقّة للماء والدّقّة للهواء، ثم جمع (١) في ابن آدم هذه الخصال كلّها حسا ومعنى فالضوء نصيب وجهه وهو مثل المعرفة في قلبه، والنور (٢) في بصره وهو مثل اليقين في قلبه، والظلام نصيب شعره وهو مثل الشّكّ في قلبه واللّطافة نصيب قلبه وهو مثل الرّجاء فيه، والكثافة نصيب عظمه وهو مثل الخوف في قلبه، والرّقّة نصيب ريقه وهي مثل المحبّة في قلبه، والدّقّة نصيب نفسه وهي مثل الشّوق في قلبه. قال المؤلف - وفقه الله -: فابن آدم نسخة الوجود اجتمع فيه ما افترق في العالم كلّه، ولهذا المعنى ومعنى الآية أشار بعضهم حيث قال: جمعت (٣) ... يا أيّها الإنسان من ظلم ومن ضياء مع الإظلام ممتزج جهلت نفسك لم تعلم حقيقتها ... فأنت من جملة الجهّال والهمج (٤) جاهد هواك تر الأنوار ساطعة ... فتستنير بصبح فيك منبلج (٥) جواهر العلم في بحر الفؤاد فغص ... فيه عليها وخلّصها من اللّجج (٦) جسومنا كالمشاكي (٧) ... والقلوب لها مثل الزّجاج، ونور العقل كالسّرج جرّب تجد كلّ خير فيك مجتمعا ... وإنّ ابن آدم يعطي أرفع الدّرج

стр. 802

[٣٨] ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ.﴾ (سي) ذكر الزهراوي أنّها الكعبة وبيت المقدس ومسجد النّبي (١) ﷺ ، والأظهر (٢) أنّ ال (بيوت) المساجد كلّها، ومعنى (ترفع) قيل: تبنى، قاله (٣) مجاهد، وقال ابن عباس (٤) والحسن: معناه تصان وتعظّم، ويتعلق (٥) المجرور ب (توقد)، وقيل باسم فاعل حال مما تقدم، وقيل (٦) غير ذلك. [٣٩] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ.﴾ (عس) (٧) قيل: إنّها نزلت في عتبة بن ربيعة بن عبد شمس (٨) كان قد تعبّد ولبس المسوح (٩) والتمس الدّين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام حكاه الزّمخشري في تفسيره (١٠).

стр. 803

[٤٨] ﴿وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. (عس) (١) قيل (٢): نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي، حين اختصما في أرض فجعل اليهوديّ يجرّه إلى رسول الله ﷺ وجعل المنافق يجرّه إلى كعب بن الأشرف. وقيل (٣): كانت بين علي بن أبي طالب ﵁ وبين المغيرة بن وائل خصومة في أرض فقال المغيرة: أمّا محمّد فلست أتحاكم إليه فإنّه يبغضني وأخاف أن يحيف (٤) عليّ، فنزلت الآية، والله أعلم. [٥٥] ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية. (عس) (٥) حكى أبو بكر بن العربي (٦) عن مالك بن أنس أنّه قال: نزلت في أبي بكر وعمر ﵄. (سي) وحكى أئمّة (٧) التفسير وعلماء الكلام أنّها في الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃، قالوا: وفي هذه الآية نصّ على خلافتهم، وإنّ الله استخلفهم ورضي إمامتهم لا يقال هذا في غير الصحابة ممن استخلف في الأرض ومكّن له، لأنّ الله إنما قال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أيّها الحاضرون ولم يستخلف أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم، لأنّ هذه الآية نزلت قبل فتح مكة، أمّا معاوية ﵁ فكان

стр. 804

إسلامه مع أبيه يوم الفتح وقد قال عليه (١) السلام: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة (٢) ثم تصير ملكا» وكانت خلافة الخلفاء الأربعة في هذا القدر، فكان هذا الحديث موافقا للآية وهذا من معجزاته ﷺ . نكتة: فإن قلت فما الحكمة من اختصاص الخلافة بعده بهؤلاء الأربعة؟ فالجواب عن ذلك ما قاله القشيري (٣) ﵀: إنّ محمدا ﷺ (٤) كان رأس المحبّين، وأبو بكر رأس الصّدّيقين وعمر رأس الصالحين، وعثمان رأس المنفقين، وعليّ رأس الراكعين، مع أنّه ﵇ أعطي أربعة أشياء: النّبوّة فصدّقه أبو بكر، والإسلام فأظهره عمر، والقرآن فجمعه عثمان، والعلم فأخذه علي. فإن قلت: فما الحكمة في أنّ الخلافة لم تكن في أهل بيته؟ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أنّ ذلك لرفع التّهمة، ولئلاّ يقال إنّ الأمر يعطى بالميراث، قاله القشيري ﵀.

стр. 805

الثاني: أنّ أباهم عليا كرّم الله وجهه كان قد طلّق الدنيا فبتّ طلاقها وزوجة الوالد على الولد حرام، قاله بعض العلماء. [٦٢] ﴿وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ﴾ الآية. (عس) (١) هو يوم الجمعة (٢)، وقيل (٣): إنّ هذه الآية من قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ نزلت يوم الخندق فيمن كان مع رسول الله ﷺ من المسلمين من أهل الخير، والذين يتسلّلون هم المنافقون، حكاه ابن إسحاق (٤). (سي) وروي أنّها نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ استأذن النّبيّ ﷺ في العمرة فأذن له وقال: يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك، ذكر ذلك المهدوي (٥) ﵀ وخرّج هذا الحديث أبو داود (٦) والترمذيّ (٧).

стр. 806

سورة الفرقان [٤] ﴿وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ.﴾ (سه) (١) يعنون (٢) جبرا (٣) مولى الحضرمي، وعدّاسا (٤) غلام عتبة. وكذلك: ﴿تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ يعنون عدّاسا وجبرا أي يمليانها عليه. والقائل: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ (٥) هو أبو جهل، من تفسير ابن سلاّم (٦). (عس) (٧) وقد حكي أنّهم يعنون اليهود، حكاه الطبري (٨).

стр. 807

(سي) وقيل: كان منهم غلام آخر للحضرمي يكنّى أبا فكيهة حكاه المهدوي عن ابن عبّاس (١)، والله أعلم. [٥] ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الآية. (عس) (٢) قائلها النّضر بن الحارث (٣)، والله أعلم. [٧] ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ الآية. (عس) (٤) قالها (٥): أشراف قريش عند اجتماعهم عند ظهر الكعبة للتّكلّم مع رسول الله ﷺ وأسماؤهم مذكورة في سورة سبحان، والحمد لله. [١٧] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (٦)﴾ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ. (عس) (٧) المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ عيسى وعزير والملائكة (٨) وهم المعنيّون بقوله تعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾ (٩) الآية، والله أعلم. [٢٧] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ.﴾

стр. 808

(سه) (١) هو: عقبة (٢) بن أبي معيط، وكان صديقا لأميّة بن خلف الجمحي، ويروى لأبيّ بن خلف أخي أمية، وكان قد صنع وليمة فدعى إليها قريشا ودعا رسول الله ﷺ فأبى أنّ يأتيه إلاّ أن يسلم، وكره عقبة أن يتأخّر عن طعامه من أشراف قريش أحد فأسلم فأتاه رسول الله ﷺ وأكل طعامه، فعاتبه خليله أمية بن خلف أو أبي بن خلف فقال عقبة: رأيت عظيما ألاّ يحضر طعامي رجل من أشراف قريش، فقال له خليله: لا أرضى حتى ترجع وتبصق في وجهه وتقول: كيت وكيت (٣)، ففعل عدوّ الله ما أمره به خليله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآية. [٢٨] ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً.﴾ (سه) (٤) يعني أميّة (٥) بن خلف وأبيّ (٦) بن خلف، وكنّي عنه ولم يصرّح باسمه لئلا يكون هذا الوعيد مخصوصا به ومقصورا عليه بل يتناول جميع من فعل مثل فعليهما، والله أعلم. (سي) وقيل (٧): يعني بفلان (٨) الشيطان لعنه الله.

стр. 809

[٣٨] ﴿وَأَصْحابَ الرَّسِّ.﴾ (عس) (١) قيل (٢): هم فرقة من ثمود، وقيل (٣): إن (الرّسّ) قرية يقال لها الفلج من اليمامة، وقيل (٤): هي بئر بفلج (٥)، وكان سببها أنّهم عدوا على نبيهم فألقوه في تلك البئر، وأطبقوا عليه، وكان عندهم عبد أسود فكان يحتطب على ظهره فيبيع الحطب ويشتري بثمنه طعاما ويأتي البئر فيرفع الصخرة فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم إنّ قومه استخرجوه وآمنوا به وصدّقوه فسألهم عن الأسود؟ فقالوا: لا ندري ما فعل، وقد كان ضرب الله على أذنه فنام ثمّ أهبّه الله من نومته بعد وفاة ذلك النّبي. وقد روي (٦) هذا الحديث بتمامه عن النّبي ﷺ وقال: إنّ ذلك العبد الأسود أول من يدخل الجنّة، وقد روي (٧) أنّ نبيّهم المذكور شعيب، والله أعلم.

стр. 810

(سي) وقد تقدّم من كلام (سه) عند قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (١) قصة أصحاب الرّس على نوع آخر، فلينظر هناك، وذكر أنّ نبيّهم كان اسمه حنظلة بن صفوان. وذكر المهدوي (٢) أنّ نومة هذا العبد الأسود كانت أربع عشرة سنة فإن صحّ عنه ﵇ أنّ ذلك العبد أوّل من يدخل الجنّة فيكون معناه أول من يدخلها من الأمم السابقة المؤمنة، وإلا فالجنّة حرام على الأمم حتى يدخلها محمّد رسول الله ﷺ ثم تدخلها أمّته، كذا صح عنه ﵊ (٣). [٤٠] ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ.﴾ (عس) (٤) هي سدوم قرية قوم لوط (٥)، والله أعلم. [٥٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً.﴾ (سي) قيل (٦): إنّه آدم ﵇ لأنّه خلق من الأرض، والأرض (٧) مخلوقة من الماء، وقيل (٨): نزلت هذه الآية في النّبي ﷺ وعلي بن أبي طالب ﵁ لأنّه جمعه معه نسب وصهر حكاه عط عن ابن سيرين، وقيل (٩):
следующие страницы →