← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 168

تفسير مبهمات القرآن

البلنسي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أزواج النّبي ﷺ ولم يذكرها ابن عبد البر، ومنهن مليكة (١) بنت داود الليثيّة ذكرها ابن حبيب (٢) في أزواجه اللاتي لم يبن بهن، حكى ذلك ابن رشد (٣) في المقدّمات (٤)، ومنهنّ خولة (٥) بنت الهذيل ذكر ذلك ابن أبي خيثمة (٦)، ولم يذكرها ابن عبد البر (٧)، ومنهن الشّنباء (٨)، روي أنّها لمّا أدخلت عليه مات في تلك الأيام ابنه إبراهيم فقالت: لو كان نبيا ما مات أحبّ الناس إليه! وأوجب لها المهر، ذكرها ابن رشد (٩) في المقدّمات. قال المؤلف - وفّقه الله -: فجملة نسائه ﵇ المدخول بهنّ وغير المدخول بهنّ الثابتات على ملكه واللّواتي فارقهنّ أو خطبهنّ سبع وعشرون

стр. 912

امرأة، المتّفق عليه منهنّ من الحرائر إحدى عشرة امرأة، وهنّ اللّواتي ذكر الشيخ أبو زيد أولا إلى قوله: وقد ذكروا في أزواجه نساء أكثر من هؤلاء، ستّ من قريش، وواحدة من بني إسرائيل من ولد هارون ﵇، وأربع من سائر العرب، ومن السّراري ثنتان مارية وريحانة، والبواقي مختلف فيهن، وقد فارقهنّ، والله أعلم. [٦٩] ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا.﴾ (سه) (١) يريد قارون وأشياعه (٢)، وكانوا قد دسّوا إلى امرأة فاجرة أن تقول في ملاء من بني إسرائيل: إنّي حامل من موسى على الزّنا، فبرّأه الله مما قالوا، فأكذبت نفسها وتابت مما قالت. (سي) وقيل (٣) الإذاية إنّ موسى وهارون خرجا من فحص التيه (٤) إلى جبل فمات فيه هارون فجاء موسى وحده، فقال قوم من بني إسرائيل: هو قتله، فبعث الله ملائكة حملوا هارون حتى طافوا به في أسباط بني إسرائيل ورأوا آية عظيمة دلّتهم على صدق موسى ولم يكن فيه أثر، وروي أنّه حيي فأخبرهم

стр. 913

بأمره، وقيل (١) الإذاية قولهم في موسى إنّه أدر (٢) وأبرص فبرّأه الله مما قالوا بأن فرّ الحجر بثوبه حين كان يغتسل فرأوه سليما كما في الحديث الصحيح (٣).والله تعالى أعلم.

стр. 914

سورة سبأ [٣] ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ.﴾ سي (١) قائل هذه المقالة فيما ذكر عط (٢): أبو سفيان بن حرب قال: واللاّت والعزّى ما ثمّ ساعة تأتي ولا قيامة ولا حشر، فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقسم بربه مقابلة لقسم أبي سفيان ردّا وتكذيبا وإيجابا لما نفاه. [٦] ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.﴾ عس (٣) هم مسلموا أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ونظرائه (٤)، وقيل (٥) هم أصحاب محمد ﷺ ، وهو أظهر لأنّ السورة مكية (٦) والله أعلم.

стр. 915

[٧] ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ.﴾ (عس) (١) هو محمد رسول الله ﷺ . [١٤] ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ.﴾ (عس) (٢) يعني سليمان (٣) بن داود ﵉، وتوفّي وهو ابن نيّف وخمسين سنة، وبقي ميتا متوكئا على عصاه سنة، وسقط بأكل الأرضة عصاه، ولم تعلم الجنّ كم له ميتا فوضعت الأرضة على عصاه فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة، وكان ﵇ أبيض جسيما، وضيئا، كثير الشعر، يلبس البياض والله أعلم. [١٤] ﴿إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ.﴾ (سه) (٤) ﴿(دَابَّةُ الْأَرْضِ)﴾ وهي الارضة (٥)، ومعنى (٦) ﴿(دَابَّةُ الْأَرْضِ)﴾ من قولهم أرضت الخشبة تؤرض أرضا شديدا، فأضيفت السّوسة إلى الأرض الذي هو فعلها، والمنسأة: هي العصا كانت من خروب (٧) وكانت قد نبتت في مصلاّه شجرة منه فقال لها: ما أنت؟ فقالت: أنا الخروبة (٨) نبتّ لخراب ملكك، فاتّخذ منها عصى. وأمّا سبأ (٩) فقد تقدّم ذكره وأنّ اسمه عبد شمس (١٠) بن يشجب بن

стр. 916

يعرب، وقد سئل رسول الله ﷺ عن سبأ؟ فقال: رجل ولد عشرة تيامنت منهم ستة، وتشاءمت منهم أربعة، فذكر الذين تشاءموا وهم: لخم وجذام وغسّان وعاملة، وذكر الذين تيامنوا وهم الأزد وحمير وكندة ومذحج والأشعرون وأنمار، فقال رجل: وما أنمار؟ فقال: والد خثعم وبجيلة، رواه الترمذي (١) من طريق فروة بن مسيك المرادي. (عس) (٢) تكلّم الشيخ على ﴿(دَابَّةُ الْأَرْضِ)﴾ فقال: هي الأرضة، وقد حكى الطبري (٣) أنّها تسمى [القادح] (٤)، وأنّ الشياطين شكروا لها ما صنعت فقالوا لها: «لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنّا سننقل إليك الماء والطين» (٥).فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، ألم تر إلى الطين الذي في جوف الخشبة فهو مما تأتيها به الشياطين شكرا لما صنعت. [١٦] ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ.﴾ (سه) (٦) هو السيل الذي أهلكهم عند انخراق السّدّ - سد مأرب، ومأرب (٧) اسم لكل ملك كان يملكهم، كما أنّ كسرى اسم لكلّ من ملك

стр. 917

الفرس، وطاقان اسم لكلّ من ملك الصين، وكذلك قيصر في الروم، وكذلك فرعون لكلّ من ملك مصر، وتبّع لكل من ملك الشحر واليمن وحضرموت، والنّجاشي لكلّ من ملك الحبشة (١).وقد قيل مأرب اسم لقصر كان لهم ذكره المسعودي (٢)، وذكر القول الأول أيضا. وأما العرم فاسم للوادي (٣)، وقيل (٤) اسم للفأر الذي خرق السّد، وقيل (٥) العرم السّد بلغه حمير، وقيل (٦) وصف للسيل من العرامة، وكان الذي بنى السد (٧) سبأ بن يشجب بناه بالرخام (٨)، وساق إليه سبعين واديا ومات قبل أن يستتمّ فأتمّ بعده. (سي) (٩) روي أنّ الذي أتمّه بهرام، وقيل بنته بلقيس، وقيل (١٠) الذي بناه أولا حمير بن سبأ أبو القبائل اليمانيّة، قال الأعشى (١١): وفي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قضى عليها العرم

стр. 918

رخام بناه لهم حمير ... إذا جاء موارّه (١) لم يرم وكان طول هذا السدّ من المشرق إلى المغرب مسيرة ثلاثين يوما بين الجبل المسمّى بجبل (٢) عبقر، والجبل المسمّى بجبل النّعمان، وكان عرضه من الشمال إلى الجنوب مسيرة تسعة أيام، ولقد كان الرجل يخرج لزيارة أقاربه وعلى رأسه مكتل (٣) أو طبق فارغ فلا يصل إلى حيث يريد إلا والطبق قد امتلأ فاكهة مما تسقطه الرياح دون أن تمدّ يده (٤) إلى شيء من ثمرها (٥)، وكان الناس يتعاطون السّرج على جنبتي هذا الوادي كما قال تعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ (٦) مسيرة أربعين يوما بسبب سقي هذا الوادي المرتفع ماؤه من السّد المذكور، ومن عجائب هذا الوادي أنّه كان لا يدخله برغوث ولا نملة ولا بعوضة ولا عقرب ولا شيء من الحيوان الضار، وإذا جاء به إنسان من سفر سقط ميّتا عند أول الوادي حكاه عط (٧) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁. فلما أعرضوا وكفروا بنعم الله انخرق عليهم السّد فغرّق جنّاتهم وكثيرا منهم، وقيل بل لمّا انخرق السّد يبست جنّاتهم بسبب ذلك فهلك أكثرهم، وتفرّق الباقون في الأرض، ومزّقوا كلّ ممزّق وفيهم جاء المثل السائر تفرّقوا أيدي

стр. 919

سبأ وأيادي سبأ يقال المثل بالوجهين (١) - والله أعلم -. [١٦] ﴿ذَااتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ.﴾ (عس) (٢) الأكل الخمط: الأراك، والأثل: الطرفاء ذكره البخاري (٣) وغيره (٤) - والله أعلم -. [١٨] ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ الآية. (عس) روي (٥) أنّها بيت المقدس - والله أعلم -. [١٩] ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.﴾ (عس) يعني قبائل سبأ وهم غسّان (٦) لحقوا بالشام، والأنصار لحقوا بيثرب، وخزاعة لحقوا بتهامة، والأزد لحقوا بعمان (٧) - والله أعلم -.

стр. 920

[٥١] ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ.﴾ (عس) روي (١) أنّهم قتلى المشركين ببدر: أبو جهل وأصحابه - والله أعلم -.

стр. 921

سورة فاطر (عس) (١) لم يذكرها الشيخ ﵀ وفيها ثلاث آيات. [٣٧] ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ.﴾ (عس) قيل (٢) هو محمد ﷺ ، وقد قيل (٣) هو الشيب، والأول أظهر لما روي (٤) أنّ هذه الآية نزلت وفيهم ابن ثمان عشرة سنة رواه ابن سلاّم، فعلى هذا لم يكن الشّيب عمّ جميعهم ومجيء النذير عام لجميعهم - والله أعلم -. [٤٢] ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ.﴾ (عس) قيل (٥) إنّ المراد بهم اليهود والنّصارى حكاه المهدويّ - والله أعلم -.

стр. 922

﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ.﴾ (عس) هو محمد (١) ﷺ وهذا يدلّ على صحة القول الأول في الآية - والله أعلم -.

стр. 923

سورة يس (عس) (١) قيل إنّه (٢) اسم من أسماء محمد ﷺ ومعناه يا محمد، وقيل (٣) معناه يا إنسان - والله أعلم -. [٦] ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ.﴾ (عس) (٤) يعني قريشا. واختلف في معنى (ما) في هذه الآية فقيل (٥): هي نافية، ومعناها على هذا لم ينذر آباؤهم، وقيل (٦) إنها بمعنى الذي فالمعنى

стр. 924

على هذا لتنذرهم بالذي أنذر آباؤهم يعني بما أنذرت به الرّسل المتقدّمة ويكون ذلك قوله ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١). [٨، ٩] ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً﴾ ... إلى قوله ... ﴿لا يُبْصِرُونَ.﴾ (عس) (٢) هي إشارة إلى أبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وغيرهما من أشراف قريش حين باتوا على باب دار النّبي ﷺ يريدون قتله، فأعلمه الله بذلك فخرج وبقي القوم كذلك حتى أصبحوا فعاينوا ما بهم فعلموا أنّه قد عصم منهم (٣). [١٢] ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ.﴾ (عس) (٤) حكى ابن بطّال (٥) عن ابن عباس: أنّها نزلت في الأنصار (٦)

стр. 925

حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب مسجد النّبي ﷺ فأمرهم الرسول ﷺ بالمقام في مواضعهم وقال: ألا تحتسبون آثاركم. [١٣] ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ.﴾ (سه) (١) هي أنطاكيّة (٢) نسبت إلى أهل أنطيخس وهو اسم الذي بناها (٣) ثم غيّر لمّا عرّب. ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ صادق وصدوق وشلوم هو الثالث هذا قول الطبري (٤)، وقال غيره (٥): شمعون ويحيى ولم [يذكر] صادقا وصدوقا. (عس) (٦) ذكر أسماء المرسلين الثلاثة وقد اختلف فيهم فقيل (٧) كانوا أنبياء

стр. 926

رسلا أرسلهم الله تعالى، وقيل (١) كانوا من الحواريّين أرسلهم عيسى بن مريم إلى أهل القرية المذكورة ولكن لمّا كان إرساله إيّاهم بمن أمره أضاف الإرسال إليه، وكانت قصتهم في أيّام ملوك الطوائف، واختلف في أسمائهم فقيل ما ذكره الشيخ، وقيل (٢) يحنّى وبولس والثالث شمعون، وأمّا ملك القرية فهو [نحتاطيس] (٣). (سي) ذكر الشيخ أبو عبد الله أنّ بختلطيس هو ملك القرية وحكى (٤) الزّهراوي عن وهب وكعب ﵄ أنهما قالا: أرسل الله إلى أنطيخس الفرعون - الذي بأنطاكيّة وكان يعبد الأصنام - اثنين ثم عزّز (٥) بثالث، وذكر الشيخ أبو زيد أنّ أنطيخس هو اسم الذي بناها - فالله أعلم -. [٢٠] ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى.﴾ (سه) (٦) اسمه حبيب (٧) بن مري يقال كان نجّارا، وذكروا أنّه كان به داء

стр. 927

الجذام فدعا له الحواري فشفي، ولذلك قال: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ.﴾ (١) نكتة: قال المؤلف - وفقه الله -: إن قيل ما الحكمة في تقديم (من أقصى المدينة) على (رجل) الفاعل في هذه الآية وتأخيره عنه في القصص (٢)؟ فالجواب: أن يقال قصد الآية هنا الإعلام بأنّه جاء من مكان بعيد، لا يحضر موضع الدّعوة ولا مشهد المعجزة (٣) رجل تحقّق عنده صدق المرسلين فحثّ قومه على اتباعهم واقتفاء آثارهم، فكان في قوّة الكلام أن يقال هذه حالهم تبيّنت للبعيد الدار فأحق أن تبيّن للمنزل منزلة الشعار (٤)، فقدّم ما يكون التبكيت (٥) به أشهر، والتّعجّب منه أكبر، وأمّا آية القصص فالمراد منها أنّه جاء رجل لا يعرفه موسى من مكان غير مجاور له [فأعلمه] (٦) بما فيه الكفّار من الائتمار به، فاستوى حكم الفاعل والمكان الذي جاء منه فقدّم الفاعل الذي أصله التقديم إذ لم يكن في أقصى المدينة هنالك تبكيت للقوم - والله أعلم -، ذكر ذلك الأردستاني (٧) في كتاب الدرّة بلفظ آخر. [٤١] ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ.﴾ (عس) (٨) قيل (٩): إنّ الضمير لقريش و ﴿(الْفُلْكِ)﴾ سفينة نوح فالذّرّيّة على

стр. 928

هذا تقع على الآباء كما تقع على الأبناء، لأنّ المحمولين في الفلك هم آباؤهم، فأهل مكة من أبناء الذّرّيّة، فأطلق الذّرّيّة على الأصل كما تطلق على الفرع، وقد قيل (١): إنّ الفلك اسم جنس والله أعلم. (سي) وهذا القول (٢) الثاني هو الأصح. والضمير المتّصل (٣) بالذّرّيّات هو ضمير الجنس، كأنّه قال: ذريات جنسهم ونوعهم. قال عط (٤): وخلط بعض النّاس في هذا حتى قال: الذّرّيّة تقع على الآباء وهذا لا يعرف لغة. [٧٨] ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ.﴾ (سه) (٥) هو أبيّ بن خلف (٦) بن وهب بن حذافة بن جمح أتى النّبيّ ﷺ بعظم بال ففتّه وقال: أتزعم أنّ ربّك يحيي هذا بعد ما ترى؟ فأنزل الله : ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ.﴾ (عس) (٧) وقد قيل (٨) هو عبد الله بن أبي،.

стр. 929

وقيل (١) أميّة بن خلف وقيل (٢) العاص بن وائل، والله أعلم. قال المؤلف - وفّقه الله -: وقد وهم (٣) من نسب إلى ابن عباس أنّ الجائي بالعظم هو عبد الله بن أبي لأنّ السورة والآية مكّيّة بإجماع، ولأنّ عبد الله بن أبي لم يجاهر قطّ هذه المجاهرة (٤)، والصحيح أنّه أبي بن خلف، قاله ابن إسحاق (٥)، ورواه ابن وهب عن مالك (٦). تحقيق: قال المؤلف - وفّقه الله -: لمّا كان الباري جلّ وتعالى قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات الكلية والجزئية، كان عالما بأنّ الجزء الذي تحت قعر البئر (٧) الفلاني من الجزء الذي فوق الجبل الفلاني مجموعهما هو قلب زيد المطيع فالله تعالى قادر على جميع (٨) أجزاء زيد وإعادته كما كان، ثم يعيد روح ذلك الجسد الباقي إلى جسده، ولم يكن ذلك الروح فانيا ولا يوصف بالفناء، فإذا عاد كما كان أوّل مرة أثابه إن كان مطيعا وعاقبه إن كان

стр. 930

عاصيا، [وهذا] (١) الذي قلناه من حشر الأجساد والأرواح معا هو مذهب جمهور المحقّقين من أهل الملّة والسّنة، وذلك أنّهم أرادوا الجمع بين الحكمة والشريعة فقالوا: دلّ العقل على أنّ سعادة الأرواح في معرفة الله تعالى، وفي محبّته، وعلى أنّ سعادة الأجسام في إدراك المحسوسات، قالوا: إلا أنّ الاستقراء دلّ على أنّ الجمع بين هاتين السعادتين في الحياة الدّنيويّة غير ممكن، وذلك أنّ الإنسان حال كونه مستغرقا في تجلّي أنوار عالم الغيب لا يمكنه الالتفات إلى شيء من اللّذّات الجسمانيّة، وحال كونه مشغولا باستيفاء اللّذّات الجسمانيّة لا يمكنه (٢) الالتفات إلى اللّذّات الرّوحانيّة، لكنّ هذا الجمع إنّما تعذّر لأجل أنّ الأرواح البشرية ضعيفة في هذا العالم، فإذا مات الجسد وانتقلت الأرواح من هذا العالم استمدّت من عالم القدس والطهارة فقويت وكملت، فإذا أعيدت إلى الأبدان مرة أخرى صارت هنالك قوية قادرة على الجمع بيني الأمرين، ولا شكّ أنّ هذه الحالة هي الغاية القصوى في مراتب السّعادة، قال فخر الدّين (٣): وهذا المعنى لم يقم على امتناعه دليل [جلي] (٤) ولا برهان عقلي، وهو جمع بين الحكمة النّبويّة والقوانين الفلسفيّة فوجب المصير إليه، والله أعلم. [٨٠] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً.﴾ (سي) الإشارة هنا (٥) إلى المرخ والعفار (٦)، وهما اسمان لنوعين من الشّجر، يحكّ غصن منهما بالآخر وكلّ واحد من ما أخضر فيتّقد منهما النار.

стр. 931

قال الزّهراوي وابن عطية: وهما كانا زناد العرب. ومن هذا الشجر أيضا الشجر المعروف بشجر البلسان (١) ولا يوجد إلا في جزيرة لكين من جزائر الصين، تضطرب أغصانه حال كونها خضراء مورقة فيتّقد فيها النار، ولهذا الشجر دهن هو أحد عجائب الدنيا، ذكرت الأطباء له منافع كثيرة في أجسام البشر، ومن عجائب هذا الزيت أنّه بالعكس من جميع زيوت الأرض، لأنّ كلّ زيت إذا اختلط بالماء عام على وجهه، وهذا الزيت إذا اختلط بالماء رسب إلى أسفله، ومن عجائبه أيضا أنّه إذا حمّيّت حديدة وأدخلت في الإناء الذي فيه هذا الزيت تعلّق بها وخرج عن إنائه، ومن عجائبه أيضا أنّه إذا أسرج به سراج وأدخل في الماء لم ينطفئ السّراج وخرج لسانه على وجه الماء، وبسبب هذا الزيت عملت الفلاسفة النّفط، وهو المعروف بالنّار الصادقة التي تتّقد في الماء، نقلت هذا من كتاب «شرح السفرة الجغرافية» لابن الصّفّار، وذكره غيره، والله أعلم.

стр. 932

سورة الصّافّات [١٤] ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ.﴾ (سي) روي (١) أنّ هذه الآية نزلت في رجل من المشركين اسمه ركانة (٢) بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي، وكان من أقوى أهل زمانه وأشدّهم، فلقيه رسول الله ﷺ فقال له: يا ركانة أرأيت إن صرعتك أتؤمن بي؟ قال: نعم، فصرعه رسول الله ﷺ مرّتين، وقيل ثلاث مرات، ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها ونحو ذلك مما اختلفت فيه ألفاظ الأحاديث، فلما فرغ من ذلك كله لم يؤمن وجاء إلى مكة فقال: يا بني هاشم إنّ صاحبكم ساحر (٣). وقد وهم هنا أبو محمد بن عطية حيث قال: نزلت هذه الآية في ركانة وهو رجل من المشركين من أهل الكتاب، والصحيح أنّه ليس من أهل الكتاب،

стр. 933

وإنما هو قرشي كما تقدّم في نسبه، ذكره أبو عمر (١) وغيره (٢). وكان ممن أسلم يوم الفتح، وهو جدّ زيد بن طلحة بن ركانة، وفي موطأ (٣) مالك عن سلمة (٤) بن صفوان الزّرقي عن زيد (٥) بن طلحة بن ركانة يرفعه أنّ رسول الله ﷺ قال: «لكلّ دين خلق وخلق الإسلام الحياء». [٥١] ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ.﴾ (سه) (٦) قد تقدّم (٧) في سورة الكهف أنّه أحد الرّجلين اللّذين قال فيهما ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ﴾ (٨)، وقوله: ﴿كانَ لِي قَرِينٌ﴾ يعني الرجل الذي دخل جنّته وهو ظالم لنفسه وقد تقدّم اسم كل واحد منهما هناك. (سي) وقيل (٩) هما اللّذان ذكر الله تعالى في قوله (١٠): ﴿يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ وقد تقدّم أنّهما أميّة بن خلف وعقبة بن أبي معيط - والله أعلم -.

стр. 934

[٧٧] ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ.﴾ (سه) (١) ذكر (٢) عن رسول الله ﷺ أنّه قال في قوله: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ إنهم: «سام وحام ويافث».وعن عبد الصّمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول (٣): إنّ سام بن نوح أبو العرب وفارس والروم، وإن حام أبو السودان، وإن يافث أبو الترك وإنّ يأجوج ومأجوج بنو عمّ الترك. وقيل كانت زوجة يافث أدبسيسة بنت مرازيل بن الدرمشيل بن مخويل، فولدت له سبعة نفر وامرأة، فممّن ولدت له من الذكور جومر بن يافث، وخرج بن يافث، وهوشط (٤) بن يافث، ووائل بن يافث، وجوران بن يافث، وتوفيل بن يافث، وترس بن يافث، وشبكة بن يافث، قال (٥): فمن بني يافث كانت يأجوج ومأجوج والصقالبة والروم الأول والترك فيما يزعمون، وكانت امرأة حام بن نوح تخلب (٦) بنت مأرب بن الدرمشيل بن مخويل فولدت له ثلاثة نفر: كوش بن حام، وقوط بن حام، وكنعان بن حام فنكح كوش بن حام قرنبيك (٧) ابنة بتاويل بن ترس بن يافث فولدت له الحبشة، والسند، والهند فيما يزعمون، ونكح قوط بن حام بخت ابنة بتاويل فولدت له القبط - قبط مصر - فيما يزعمون ونكح كنعان بن حام أرتيك (٨) ابنة بتاويل فولدت له الأساود: نوبة وفزان، والزنج، وزغاوة، وأجناس السودان كلّها، قال (٩): وكانت امرأة سام بن نوح

стр. 935

صليب ابنة بتاويل بن مخويل بن خنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن آدم فولدت له نفرا أرفخشذ بن سام، وأشوذ بن سام، ولاوذ بن سام، وعويلم بن سام، وكان لسام إرم بن سام قال (١): ولا أدري أإرم لأم أرفخشذ وإخوته أم لا؟ - والله أعلم -. [٨٣] ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ.﴾ (عس) (٢) قيل (٣) إنّ الضمير راجع إلى نوح ﵇، وروي (٤) عن الكسائي والفرّاء (٥) أنّ الضمير راجع إلى محمد ﷺ ، أي أنّ إبراهيم على منهاج محمد ودينه، وهذا على هذا القول مما أضمر ولم يجر له ذكر لقوّة الكلام كقوله تعالى (٦): ﴿حَتّى تَاارَتْ بِالْحِجابِ﴾ يريد الشمس ولم يجر لها ذكر، وجعل إبراهيم على منهاج محمد ﵉ وإن كان متقدّما لأنّ محمدا ﵇ إذا كان على منهاج إبراهيم، فإبراهيم على منهاجه، فأجرى عليه وقد (٧) سبقه فهو كالآية المتقدمة في سورة يس في قوله: ﴿أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٨) - والله أعلم -.

стр. 936

[٨٨] ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ.﴾ (عس) (١) هو إبراهيم ﵇، وكان بقرية (٢) بين البصرة والكوفة يقال لها هرمزخرد (٣) حكاه ابن سلاّم، و ﴿(النُّجُومِ)﴾ هي الكواكب المعلومة (٤)، وقيل (٥) إنّه يريد فيما نجم له من الرأي والفكر فيكون مصدر نجم الشيء نجوما إذا ظهر، والأول أظهر لأنّ هذا خروج عن ظاهر الكلام بغير دليل - والله أعلم - وحكاه المهدوي. تحقيق قال المؤلف: - وفّقه الله - في هذه الآية سؤالان أحدهما أن يقال: النظر في علم النّجوم حرام، فكيف ساغ له ﵇ أن ينظر في ذلك؟ السؤال الثاني: قوله (إنّي سقيم) ولم يكن كذلك؟ والجواب عن السؤال الأول من أربعة أوجه:

стр. 937

الأول: أنه ﵇ نظر فيما نجم له من الرأي كما تقدم فليست النجوم المعلومة. الثاني (١): أن يقال: لا نسلّم أنّ النظر في علم النّجوم حرام مطلقا، بل من نظر فيها واستدلّ بها على توحيد الله تعالى كان ذلك من أعظم الطاعات، ولهذا استحقّ إبراهيم ﵇ المدح بالنّظر في النّجوم في قوله (٢) ﴿(فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ)﴾ الآية. الثالث (٣): أن يقال: لعلّ الله أخبر الخليل ﵇ أنّه مهما (٤) طلع النّجم الفلاني فإنك تمرض، فلمّا نظر إلى النّجوم رأى ذلك النّجم فقال: ﴿(إِنِّي سَقِيمٌ).﴾ الرابع (٥): أن يقال: لعلّه نظر في النّجوم تشبّها بأهل زمانه في الظاهر وحكم بأنّه سيسقم إيهاما لقومه أنّه إنّما حكم بهذا الحكم بناء على النّجوم، لأنّ علم النّجوم كان عندهم منظورا فيه مستعملا، فقعد عن الخروج معهم لعيدهم، وفي هذا التخلف كسّر أصنامهم وجعلهم (٦) جذاذا - والله أعلم -. والجواب عن السؤال الثاني من ثلاثة أوجه: أحدها (٧): أنّه ﵇ عرف من نفسه أنّه سيصير سقيما في الزمان الثاني فقال: ﴿(إِنِّي سَقِيمٌ)﴾ على تأويل أني أكون سقيما في ذلك الوقت الذي

стр. 938

دعوتموني فيه للخروج معكم، كمن تعتاده الحمّى مثلا وقت (١) الزّوال، ثمّ إنّه دعي في وقت يلزمه القعود فيه إلى الزّوال فإنّه يقول إني محموم. الثاني (٢): أنّه أراد سقم القلب بسبب ما فيه من الغمّ والحزن بسبب عنادهم وكفرهم. الثالث: أن يقال: لا نسلّم أنّ قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كذب بل لعلّه كان سقيما في تلك الساعة. قال المؤلف: - وفقه الله (٣) - هذه الأجوبة الثلاثة حسنة [قالها] (٤) الإمام فخر (٥) الدين بن الخطيب، غير أنّها لا تتنزّل على الحديث الصحيح، والأظهر أنّه ﵇ لم يكن سقيم البدن حينئذ وأنّها كذبة في ذات الله تعالى، وإيهام لقومه ليتخلّف عنهم كما تقدم، والدليل على هذا قوله ﵇ في الحديث الصحيح (٦): «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله (٧): ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ وقوله في سارّة هي أختي».وتسميتها كذبات مجاز واتّساع، والكذب الذي لا يجوز على الأنبياء ﵈ هو قصد قول الباطل من غير منفعة شرعيّة (٨) - والله أعلم -.

стр. 939

[٩٧] ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً﴾ الآية. (سه) (١) ذكر الطبري (٢) أنّ الذي أشار عليهم بهذا اسمه الهيزن (٣) بالنون - رجل من أعراب فارس وهم الكرد، وهو الرجل الذي جاء فيه الحديث (٤): «بينما رجل (٥) يمشي في حلّة يتبختر فيها إذ خسف به فهو يتجلجل (٦) في الأرض إلى يوم القيامة». نكتة: قال المؤلف - وفّقه الله تعالى -: إن قيل لم قال هنا ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ وفي الأنبياء ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (٧) والقصة واحدة؟ فالجواب: أن يقال اقترن هنا ما يناسبه السّفل وهو ذكر البناء الذي بنوه عاليا ليقذفوا إبراهيم ﵇ منه في النار [فعادوا أسفلين بظهوره عليهم،

стр. 940

وهلاكهم في الدنيا، وانسفال درجتهم في الآخرة وكان ﵇] (١) هو العالي عليهم، وأمّا سورة الأنبياء ﵈ فليس فيها إلا ذكر مكايدتهم له، وأنّه ﵇ كادهم ولم يكيدوه فخسروا في كيدهم فكان ذكر الخسران هنا أنسب - والله أعلم - ذكر ذلك الإمام أبو إسحاق الأردستاني في كتاب (٢) درة التنزيل. [١٠١] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (٣) الآية. (سه) (٤) يعني بإسحاق (٥)، ألا تراه يقول في آية أخرى (٦) ﴿(فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ)﴾ وقال في آية أخرى (٧): ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ الآية و ﴿اِمْرَأَتُهُ﴾ هي سارّة فإذا كانت البشارة بإسحاق نصا، فالذبيح لا شك إسحاق لقوله هاهنا ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ الآية وأيضا فإنه قال: ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ولم يكن معه بالشّام إلاّ إسحاق، وأمّا إسماعيل فكان قد استودعه مع أمه في بطن مكة، وبهذا القول قال (٨) ابن مسعود، ورواه (٩) ابن جبير عن ابن عباس، وروي أيضا عن ابن عباس مرفوعا عن النّبي ﷺ غير أنّ

стр. 941

الإسناد فيه لين، وبهذا قال (١) كعب، وبه قال (٢) شيخ التفسير محمد بن جرير، وروي (٣) أيضا عن مالك بن أنس. وقالت (٤) طائفة: الذبيح إسماعيل، يروى هذا القول بإسناد عن الفرزدق (٥) الشاعر عن أبي.

стр. 942

هريرة (١) عن النّبي ﷺ ، ولو صحّ إسناده عن الفرزدق لكان في الفرزدق نفسه مقال (٢)، وروي (٣) أيضا من طريق معاوية قال: سمعت رجلا يقول للنّبي ﷺ : «يا ابن الذبيحين» في حديث ذكره فتبسّم النّبيّ ﷺ ، ولو صحّ إسناد هذا الحديث لم تقم به حجّة، لأنّ العرب تجعل العمّ أبا، قال الله تعالى: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً ااحِداً﴾ (٤) الآية وقال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٥) وهما أبوه وخالته. ومن حجّتهم (٦) أيضا أنّ الله تعالى لمّا فرغ من قصّة الذّبيح قال (٧): ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ.﴾ والجواب عنه من وجهين: أحدهما أنّ البشارة الثانية إنّما هي بنبوّة إسحاق، والأول بولادته، ألا تراه يقول ﴿(وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا)﴾ ولا تكون النّبوّة إلا في حال الكبر، ونبيا نصب على الحال. والجواب الثاني: أنّ قوله: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ﴾ تفسير، كأنّه قال بعد ما فرغ من ذكر المبشّر به وذكر ذبحه وكانت البشارة بإسحاق كما روت (٨) عائشة

стр. 943

رضي الله عنها: (والصلاة الوسطى وصلواة العصر) أي وهي صلاة العصر، فعطف الاسم على الاسم والمسمّى واحد، وممّا احتجّوا به (١) أيضا قوله: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ في قراءة من نصب (٢)، أي ومن بعد إسحاق يعقوب فكيف يبشّر بإسحاق وأنّه يلد يعقوب ثم يؤمر بذبحه؟ والجواب: أنّ هذا الاحتجاج باطل من طريق النّحو، لأنّ يعقوب ليس [مخفوضا] (٣) عطفا على إسحاق، ولو كان كذلك لقال: ومن وراء إسحاق فيعقوب، لأنّك إذا فصلت بين واو العطف وبين المخفوض بجار ومجرور لم يجز، لا تقول مرّ بزيد وبعده عمر، ولا أن تقول وبعده عمرو، وإذا بطل أن يكون يعقوب مخفوضا، ثبت أنّه منصوب بفعل مضمر وتقديره ووهبنا له يعقوب (٤)، فبطل ما نزعوا به وثبت (٥) ما قدّمناه، والله أعلم.

стр. 944

[١٠٧] ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.﴾ (عس) (١) يعني (٢) كبش (٣) إبراهيم الذي فدي به الذبيح. وحكى المهدوي (٤) أنّه فدي بوعل (٥)، والله أعلم. نكتة: (سي) قال الإمام أبو القاسم القشيري ﵀: إن قلت ما لحكمة في أنّ الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده؟.

стр. 945

فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أنّ إبراهيم سأل من الله إحياء الموتى (١) فسأل الله منه إماتة حيّ. الثاني: أنّ إبراهيم كان يحبّ ولده فابتلاه الله، ويقال من أحبّ شيئا أكثر بلواه من أجله، ألا ترى إلى بلوى يعقوب من أجل حبه يوسف، فإن قيل فلم كان الأمر بذلك في المنام ولم يكن مواجهة؟. فالجواب: أنّه كان حالا كريها عند إبراهيم من جهة الطبع فلم يرد الله أن يواجه خليله (٢) بما فيه كراهية له فأراه ذلك في المنام كأنه أخفّ. [١٢٥] ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً.﴾ (عس) (٣) قيل (٤): هو اسم صنم كانوا يعبدونه، وقد قيل (٥): إنّه اسم امرأة كانوا يعبدونها، والله أعلم. [١٣٠] ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ.﴾ (سه) (٦) قال بعض المتكلّمين في معاني القرآن (٧) إنّ (آل ياسين) آل

стр. 946

محمد ﵇، ونزع إلى قوله من قال في تفسير (يس) يا محمد (١)، وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة: أحدها: أنّ سياق الكلام في قصة الياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوح وموسى وهارون، وأنّ التسليم راجع عليهم ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضا، فإنّ يس، وحم، والم، ونحو ذلك القول فيها واحد، وإنّما هي حروف مقطّعة، إمّا مأخوذة من أسماء الله كما قال ابن عباس (٢)، وإمّا من صفات القرآن (٣)، وإما كما قال الشعبي (٤): «لله في كلّ كتاب سر، وسرّه في القرآن فواتح السّور»، وأيضا فإنّ رسول الله ﷺ قال (٥): «لي خمسة أسماء» ولم يذكر فيها يس، وأيضا فإنّ (يس) جاءت التلاوة فيها بالسّكون والوقوف، ولو كان اسما للنّبي ﷺ لقال: يسن بالضم كما قال: ﴿(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ)﴾ (٦)، وإذا بطل هذا القول بما ذكرناه ف (آل ياسين) هم آل الياسين المذكور، وعليه وقع التسليم ولكنّه اسم أعجمي، والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجميّة ويكثر تغييرهم لها، قال ابن جنّي (٧): العرب تتلاعب بالأسماء الأعجميّة تلاعبا فياسين وإلياس وإلياسين شيء واحد».

стр. 947

وقال بعضهم: (١): من قرأ (إلياسين) (٢) فهو جمع مثل الأشعرين يعني إلياس ورهطه كما تقول المهالبة أي المهلّب وأهله، وهذا أيضا لا يصحّ، بل هي لغة في إلياس كما تقدّم، ولو أراد ما قالوه لأدخل الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعرين فكان يقول: سلام على الإلياسين، لأن العلم إذا جمع تنكّر حتى يعرّف بالألف واللام لا تقول سلام على زيدين، (بل: السلام على الزيدين) بالألف واللام، فإلياس ﵇ فيه ثلاث لغات كما ذكرنا، غير أنّ الطبري (٣) ذكر في نسبه أنّه إلياس بن ياسين بن عيزار بن هارون، وإذا صح هذا فآل ياسين يدخل فيهم إلياس وأبوه ولا يكون في المسألة إشكال ولا تغيير لفظ عن وجهه المعروف فيه، والله أعلم. (عس) (٤) ذكر الشيخ إلياس وتكلّم عليه، وقال القتبي (٥): إنّ إلياس هو من سبط يوشع بن نون، بعثه الله إلى أهل بعلبك وكانوا يعبدون صنما يقال له: بعل وهو المذكور في الآية، وكان لهم ملك يقال له: أحب (٦) وكانت له امرأة يقال لها: أزبيل (٧) كان يستخلفها على ملكه، وكانت قد قتلت جملة من الأنبياء،

стр. 948

وكانت قد قتلت يحيى بن زكريا ﵇ وعمّرت عمرا طويلا وتزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل، ورفع الله إليه إلياس بعد أن كساه الريش وصار يطير مع الملائكة (١)، والله أعلم. (سي) وظاهر حكاية الشيخ أبي عبد الله في رفع إلياس أنّه إدريس وقد تقدّم في سورة الأنعام (٢) من كلام القاضيين أبي بكر (٣) بن العربي وأبي الفضل (٤) عياض صحة قول من قال: إنّ إلياس هو إدريس وانتزاعهما ذلك من حديث الإسراء (٥)، ومما تقدّم في سورة الكهف من حديث ابن أبي الدّنيا في شأن إلياس يؤذن بأنّه خلاف إدريس، فالله أعلم. وقد صرّح بأنّه خلاف إدريس حديث رواه عبد الله بن علي المقرئ (٦)

стр. 949

- بسند طويل اختصرته - عن داود بن يحيى مولى عوف الغفاري عن رجل كان مرابطا في بيت المقدس وبعسقلان قال: بينما أنا أسير بوادي الأردن (١) إذا أنا برجل في ناحية الوادي قائم يصلى فإذا سحابة تظلّه عن الشمس فوقع في قلبي أنّه إلياس النّبي ﵇ فسلّمت عليه، فانفتل (٢) من صلاته فردّ عليّ السلام فقلت له: من أنت يرحمك الله؟ فلم يردّ علي شيئا، فأعدت عليه القول مرتين فقال: أنا إلياس النّبي، فأخذتني رعدة شديدة خفت على عقلي أن يذهب فقلت له: إن رأيت رحمك الله أن تدعو لي أن يذهب الله عنّي ما أجد حتى أفهم حديثك، فدعا لي بثماني دعوات، قال: «يا برّ يا رحيم، يا حي يا قيّوم، يا حنّان يا منّان، ياهيا شراهيا»، فذهب عني ما كنت أجد فقلت له: إلى من بعثت؟ قال: إلى أهل بعلبكّ قلت: فهل يوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بعث محمد خاتم النّبيين ﷺ لم يوح لي، فقلت: فكم من الأنبياء في الحياة؟ قال: أربعة أنا والخضر في الأرض، وإدريس، وعيسى في السماء، قلت: فهل تلتقي أنت والخضر؟ قال: نعم في كل عام بعرفات، قلت: فما حديثكما؟ قال: يأخذ من شعري وآخذ من شعره قلت: فكم الأبدال (٣)؟ قال: هم ستون رجلا، خمسون ما بين عريش (٤) مصر إلى شاطئ الفرات، ..

стр. 950

ورجلان بالمصيصة (١)، ورجل بأنطاكية، وسبعة في سائر الأمصار بهم تسقون الغيث، وبهم تنصرون على العدو، وبهم يقيم الله أمر الدنيا حتى إذا أراد أن يهلك الدنيا أماتهم جميعا (٢).انتهى. قال المؤلف - وفقه الله -: فقوله في هذا الحديث: أنا والخضر في الأرض، وإدريس وعيسى في السماء نصّ على المخالفة، فيتحصّل من الخلاف في نسب إلياس ثلاثة أقوال الأول: ما حكاه هنا الشيخ أبو زيد أنه إلياس بن إلياسين بن عيزار بن هارون. الثاني: ما ذكره الشيخ أبو عبد الله بن عسكر في سورة الأنعام (٣) أنه إلياس بن خسي (٤) بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، فعلى هذين القولين يكون إلياس بن سبط لاوى بن يعقوب. القول الثالث: ما حكاه هنا الشيخ أبو عبد الله من أنّه من سبط يوشع بن نون بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب ﵈ والله أعلم.
следующие страницы →