← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 168

تفسير مبهمات القرآن

البلنسي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

محمد ﵇، ونزع إلى قوله من قال في تفسير (يس) يا محمد (١)، وهذا القول يبطل من وجوه كثيرة: أحدها: أنّ سياق الكلام في قصة الياسين يلزم أن تكون كما هي في قصة إبراهيم ونوح وموسى وهارون، وأنّ التسليم راجع عليهم ولا معنى للخروج عن مقصود الكلام لقول قيل في تلك الآية الأخرى مع ضعف ذلك القول أيضا، فإنّ يس، وحم، والم، ونحو ذلك القول فيها واحد، وإنّما هي حروف مقطّعة، إمّا مأخوذة من أسماء الله كما قال ابن عباس (٢)، وإمّا من صفات القرآن (٣)، وإما كما قال الشعبي (٤): «لله في كلّ كتاب سر، وسرّه في القرآن فواتح السّور»، وأيضا فإنّ رسول الله ﷺ قال (٥): «لي خمسة أسماء» ولم يذكر فيها يس، وأيضا فإنّ (يس) جاءت التلاوة فيها بالسّكون والوقوف، ولو كان اسما للنّبي ﷺ لقال: يسن بالضم كما قال: ﴿(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ)﴾ (٦)، وإذا بطل هذا القول بما ذكرناه ف (آل ياسين) هم آل الياسين المذكور، وعليه وقع التسليم ولكنّه اسم أعجمي، والعرب تضطرب في هذه الأسماء الأعجميّة ويكثر تغييرهم لها، قال ابن جنّي (٧): العرب تتلاعب بالأسماء الأعجميّة تلاعبا فياسين وإلياس وإلياسين شيء واحد».

стр. 947

وقال بعضهم: (١): من قرأ (إلياسين) (٢) فهو جمع مثل الأشعرين يعني إلياس ورهطه كما تقول المهالبة أي المهلّب وأهله، وهذا أيضا لا يصحّ، بل هي لغة في إلياس كما تقدّم، ولو أراد ما قالوه لأدخل الألف واللام كما تدخل في المهالبة والأشعرين فكان يقول: سلام على الإلياسين، لأن العلم إذا جمع تنكّر حتى يعرّف بالألف واللام لا تقول سلام على زيدين، (بل: السلام على الزيدين) بالألف واللام، فإلياس ﵇ فيه ثلاث لغات كما ذكرنا، غير أنّ الطبري (٣) ذكر في نسبه أنّه إلياس بن ياسين بن عيزار بن هارون، وإذا صح هذا فآل ياسين يدخل فيهم إلياس وأبوه ولا يكون في المسألة إشكال ولا تغيير لفظ عن وجهه المعروف فيه، والله أعلم. (عس) (٤) ذكر الشيخ إلياس وتكلّم عليه، وقال القتبي (٥): إنّ إلياس هو من سبط يوشع بن نون، بعثه الله إلى أهل بعلبك وكانوا يعبدون صنما يقال له: بعل وهو المذكور في الآية، وكان لهم ملك يقال له: أحب (٦) وكانت له امرأة يقال لها: أزبيل (٧) كان يستخلفها على ملكه، وكانت قد قتلت جملة من الأنبياء،

стр. 948

وكانت قد قتلت يحيى بن زكريا ﵇ وعمّرت عمرا طويلا وتزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل، ورفع الله إليه إلياس بعد أن كساه الريش وصار يطير مع الملائكة (١)، والله أعلم. (سي) وظاهر حكاية الشيخ أبي عبد الله في رفع إلياس أنّه إدريس وقد تقدّم في سورة الأنعام (٢) من كلام القاضيين أبي بكر (٣) بن العربي وأبي الفضل (٤) عياض صحة قول من قال: إنّ إلياس هو إدريس وانتزاعهما ذلك من حديث الإسراء (٥)، ومما تقدّم في سورة الكهف من حديث ابن أبي الدّنيا في شأن إلياس يؤذن بأنّه خلاف إدريس، فالله أعلم. وقد صرّح بأنّه خلاف إدريس حديث رواه عبد الله بن علي المقرئ (٦)

стр. 949

- بسند طويل اختصرته - عن داود بن يحيى مولى عوف الغفاري عن رجل كان مرابطا في بيت المقدس وبعسقلان قال: بينما أنا أسير بوادي الأردن (١) إذا أنا برجل في ناحية الوادي قائم يصلى فإذا سحابة تظلّه عن الشمس فوقع في قلبي أنّه إلياس النّبي ﵇ فسلّمت عليه، فانفتل (٢) من صلاته فردّ عليّ السلام فقلت له: من أنت يرحمك الله؟ فلم يردّ علي شيئا، فأعدت عليه القول مرتين فقال: أنا إلياس النّبي، فأخذتني رعدة شديدة خفت على عقلي أن يذهب فقلت له: إن رأيت رحمك الله أن تدعو لي أن يذهب الله عنّي ما أجد حتى أفهم حديثك، فدعا لي بثماني دعوات، قال: «يا برّ يا رحيم، يا حي يا قيّوم، يا حنّان يا منّان، ياهيا شراهيا»، فذهب عني ما كنت أجد فقلت له: إلى من بعثت؟ قال: إلى أهل بعلبكّ قلت: فهل يوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بعث محمد خاتم النّبيين ﷺ لم يوح لي، فقلت: فكم من الأنبياء في الحياة؟ قال: أربعة أنا والخضر في الأرض، وإدريس، وعيسى في السماء، قلت: فهل تلتقي أنت والخضر؟ قال: نعم في كل عام بعرفات، قلت: فما حديثكما؟ قال: يأخذ من شعري وآخذ من شعره قلت: فكم الأبدال (٣)؟ قال: هم ستون رجلا، خمسون ما بين عريش (٤) مصر إلى شاطئ الفرات، ..

стр. 950

ورجلان بالمصيصة (١)، ورجل بأنطاكية، وسبعة في سائر الأمصار بهم تسقون الغيث، وبهم تنصرون على العدو، وبهم يقيم الله أمر الدنيا حتى إذا أراد أن يهلك الدنيا أماتهم جميعا (٢).انتهى. قال المؤلف - وفقه الله -: فقوله في هذا الحديث: أنا والخضر في الأرض، وإدريس وعيسى في السماء نصّ على المخالفة، فيتحصّل من الخلاف في نسب إلياس ثلاثة أقوال الأول: ما حكاه هنا الشيخ أبو زيد أنه إلياس بن إلياسين بن عيزار بن هارون. الثاني: ما ذكره الشيخ أبو عبد الله بن عسكر في سورة الأنعام (٣) أنه إلياس بن خسي (٤) بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، فعلى هذين القولين يكون إلياس بن سبط لاوى بن يعقوب. القول الثالث: ما حكاه هنا الشيخ أبو عبد الله من أنّه من سبط يوشع بن نون بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب ﵈ والله أعلم.

стр. 951

[١٤٦] ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ.﴾ (سه) (١) اليقطين كلّ شجرة لا تقوم على ساق (٢)، وأراد (٣) به هنا القرع (٤)، وخصّت شجرة القرع بهذه الخاصية فيها وهي أنّ الذّباب لا يألفها كما يألف العشب، وكان يونس ﵇ حين لفظه الحوت متقشّرا يؤلّمه الذباب فسترته الشجرة بورقها (٥)، وقد ذكر النقّاش هذا المعنى وأكثر من هذا، والله أعلم. (عس) (٦) واشتقاق اليقطين من قطن بالمكان إذا أقام فيه فوزنه يفعيل، وواحدته يقطينة (٧). [١٥٨] ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً.﴾ (عس) (٨) هم اليهود زعموا أنّ الله تعالى صاهر الجنّ فكانت من بينهم الملائكة (٩)، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

стр. 952

[١٦٧، ١٦٨] ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ.﴾ (عس) (١) يعني قريشا هم قائلو ذلك (٢)، والله أعلم.

стр. 953

سورة ص [٦] ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ.﴾ (عس) (١) هم أشراف قريش عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، وأبو سفيان بن حرب في رجال منهم حين مشوا إلى أبي طالب وكلّموه في أمر رسول الله ﷺ ، فقال لهم رسول الله ﷺ : كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات، فقال: تقولون لا إله إلاّ الله وتخلعون ما تعبدون من دونه، فصفّقوا بأيديهم ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا، إنّ أمرك لعجيب! ثم تفرّقوا فنزلت الآيات من أول سورة (ص) حكاه ابن إسحاق (٢)، والله أعلم. [٦] ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا.﴾ (عس) (٣) حكى المهدوي (٤) أنّ قائلها عقبة بن أبي معيط، والله أعلم.

стр. 954

[٧] ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ.﴾ (عس) (١) يعنون ملّة النّصارى (٢)، لأنّ ملّة اليهود متقدمة عليها وخصّوا ملّة النّصارى لقولهم (٣) (إنّ الله ثالث ثلاثة)، والله أعلم. [١١] ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ.﴾ (عس) (٤) روى ابن سلاّم أنّ هذه الآية نزلت في بني أمية وبني المغيرة وآل أبي طلحة بن عبد العزى قال: لأنهم تحازبوا على الله ورسوله (٥)، وقد روي (٦) أنّ المراد بالآية قريش بجملتها، والله أعلم. [٢١] ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ الآية. (سه) (٧) هما جبريل وميكائيل (٨)، وقال (تسوّروا) وإن كانا اثنين حملا على لفظ الخصم إذ كان بلفظ الجمع، ومضارعا له مثل الرّكب والصّحب،

стр. 955

والنّعجة في قوله (ولي نعجة واحدة) كناية عن المرأة (١)، والذي قيل له (اكفلنيها) هو أورياء (٢) بن جنات والمرأة هي أمّ سليمان (٣) ﵇ وهي امرأة أورياء المذكور قبل أن ينكحها داود ﵇. تحقيق: قال المؤلف - وفّقه الله -: قد ولع أكثر أهل التفسير والقصّاص من أهل الحشو (٤) بذكر أشياء في أمر داود وأورياء بما لا يثبت له سند، ولا يجوز اعتقاده في نبي من أنبياء الله من القتل والميل إلى مزاحمة الأصحاب في الزّوجات، ولا يحلّ أن يجترئ على شيء من ذلك إلا بعد المعرفة بصحّته والتماس التأويل له، وقد روي (٥) عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّه قال: «من حدّث بما قال هؤلاء القصّاص في أمر داود ﵇ جلدته حدّين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محلّه». قال الزّهراوي ﵀: أصحّ (٦) ما روي في ذلك ما رواه مسروق (٧)

стр. 956

عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما زاد داود ﵇ على أن قال: (اكفلنيها) أي تحوّل لي عنها وطلّقها قال: وهذا كما تقول لرجل بعني جاريتك، قال بعض العلماء (١): كان من أهل زمان داود يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته أن يتزوّجها إذا أعجبته، وكان ذلك جائزا فيما بينهم فلذلك أقدم عليه داود فعاتبه الله على اشتغال قلبه بالمباح من الدنيا والتّزيّد منها لكونه نبيا كريما على الله، هذا قول ابن مسعود وابن عباس والعلماء المتقدمين. قال الزهراوي: ومن تخطّى إلى غير هذا فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم ويلحقه فيه الإثم العظيم. قال الإمام فخر الدين (٢) ﵁: وتأويل الآية عند أهل التحقيق أنها حكاية عن جماعة تسوّروا قصره قاصدين قتله والإساءة إليه في أهله وماله، فأتوه في وقت ظنّوا أنّه فيه غافل فلما رآهم داود ﵇ خافهم، لما تقرّر في العرف أنّه لا يتسوّر أحد دار غيره من غير أمره إلاّ لقصد السّوء وخصوصا إذا كان صاحب الدار شخصا معظّما، فلمّا رأوه مستيقظا انتقض عليهم تدبيرهم وخافوا، فاخترع بعضهم عند ذلك خصومة لا أصل لها، وزعموا أنّهم إنّما قصدوه من أجلها فقالوا: (خصمن) أي نحن خصمان إلى آخر الآية، وهذا التأويل الذي ذكرنا يطلق عليه لفظ القرآن من غير عدول عن ظاهر الكلام، ولا احتياج إلى إسناد الكذب إلى الملائكة وحمل النّعاج إلى النّسوان، قال: وبالجملة فليس في الآية لفظ يشهد في الظاهر ما ذكروه إلا ثلاثة ألفاظ: أحدها: قوله ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ (٣). الثاني: قوله ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ.﴾

стр. 957

الثالث: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ﴾ (١). واعلم أنّ شيئا من ذلك لا يدلّ على قولهم، أمّا قوله: ﴿فَتَنّاهُ﴾ فمعناه هاهنا امتحنّاه (٢) واختبرناه صبره، وذلك أنّه ﵇ لمّا أساء الظنّ بهم لم يعاجلهم بالعقوبة ولم ينتقم منهم مع كمال سلطنته وقوة مملكته بل صبر وغفر، فكان ذلك سببا لازدياد منصبه صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وأمّا قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ فليس في الآية ما يدلّ على أنّ الاستغفار لنفسه أو لغيره، وقد تقرّر أنّ الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام يستغفرون للمؤمنين وإذا كان كذلك احتمل استغفاره ﵇ وجهين: أحدهما: أن يكون المراد أنّ القوم لمّا أقدموا على ذلك الفعل المنكر لم يعاجلهم داود بالعقوبة، بل أظهر الحلم، وزاد على ذلك حيث طلب من الله أن يعفو عنهم ويغفر لهم، وهذا التأويل هو الذي يليق به أن يذكر عقبه قوله تعالى: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٣).لأنّ من بلغت رحمته وشفقته مع الرّعيّة إلى هذا الحد كان اللائق بأرحم الراحمين تفويض الخلافة إليه، ويليق به أن يأمر محمدا ﷺ عند [تأذّيه] (٤) من قومه بأن [يقتدى] (٥) به وذلك قوله في أوّل الآية (٦): ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ الآية. الثاني: أنّ الاستغفار يحتمل أن يكون لنفسه، ولكنّ سببه أنّ القوم لمّا تسوّروا قصره ظنّ بهم السوء، ثمّ إنّه لمّا لم تظهر الإمارات الدالّة على أنّ ذلك الظنّ حقّ ندم داود على ذلك الظنّ، فكان الاستغفار بسبه وهذا الظنّ منه ﵇ معفو عنه لكونه حكما بالظاهر والله يتولى السرائر، ولكنّ الأنبياء - عليهم

стр. 958

السلام - يعدّون الشيء النزر (١) عظيما لعلو منصبهم صلوات الله عليهم، وأمّا قوله: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ فعلى الاحتمال الأول يكون المراد فغفرنا لأجل حرمته وبركة شفاعته ذلك الفعل المنكر الذي أتى به أولئك النّفر المتسوّرون محرابه، وعلى الاحتمال الثّاني يكون المعنى فغفرنا له ذلك الظن الذي ظنّه بأولئك النفر. قال فخر الدين ﵁ ومن طلب الحقّ وأنصف علم أنّ ما ذكرناه هو الحقّ الصريح. قال المؤلف - وفقه الله -: انتهى معنى ما ذكره ابن الخطيب إلا أنّه لم يرتّبه هذا الترتيب، ولا هذّبه (٢) هذا التهذيب، مع أني لم أر لغيره هذا التحقيق، ولا من سلك تحرير هذه الآية نهج هذا الطريق والحمد لله على ما أنعم وعلّم (٣).

стр. 959

[٣٤] ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ الآية. (سه) (١) هو صخر الجنّي فيما ذكروا (٢)، وقيل (٣) في اسمه [حنفق] (٤) وكان قد سرق خاتم سليمان ﵇ وقعد على كرسيّه فسلب سليمان الملك أربعين يوما ثم ردّه عليه، ومن أجل ذلك قال (٥): ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ الآية، ويقال في اسمه حبقيق (٦) ذكره الطبري (٧) أيضا. (عس) (٨) وقد روى عبد الرزاق (٩) ويحيى بن سلاّم في تفسيريهما عن مجاهد (١٠) أن اسمه آصف، وأنّه وافق اسم آصف، وهو الذي كان عنده علم من

стр. 960

الكتاب المذكور في سورة النمل، وذكر أنّ الجني سرق خاتم سليمان. والذي وقع في أكثر التواريخ (١) والتفاسير (٢) أنّ سليمان دفع الخاتم إلى جارية من جواريه عند ما دخل الخلاء، فتصوّر الجنّي على صورة سليمان وخرج عليها فدفعت له الخاتم، فقعد على كرسي سليمان ثم خرج سليمان فسألها؟ فقالت: قد أعطيتكه، فخرج على وجهه حتى ردّه الله إليه بعد أربعين يوما وجده في جوف سمكة فردّ الله عليه ملكه، وأخذ الجنّي فجاب له صخرة وشدّ عليه بأخرى ثم شدّه بالحديد والرّصاص وقذف به في البحر (٣)، والله أعلم. تحقيق: قال المؤلف - وفقه الله -: لا يصح ما نقله الأخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع من تشبّه الشيطان بنبيّه وتسلّطه على ملكه، وتصرّفه في أمّته، والجور في حكمه. قال القاضي أبو الفضل عياض (٤): الشياطين لا يسلّطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. وقال القاضي أبو بكر بن العربي (٥) ﵁ ما كان الله ليسلّط شيطانا على نبي من أنبيائه (٦)، وصفيّ من أصفيائه هذا [التسليط] (٧)، ولا

стр. 961

يلتفت إلى ما سطّره في قصة سليمان ﵇ أهل الحشو مما لا يثبت إسناده ولا يحل اعتقاده. وقد حكى السّمرقندي (١) ﵀ إنكار قول من قال بتسليط الشيطان على ملك سليمان ﵇ وأنّ مثل هذا لا يصح. وقال فخر الدين (٢) ابن الخطيب ﵁: أمّا الحكاية التي ترويها الحشوية فكتاب الله مبرّأ عنها، وليس الجسد الذي ألقي على كرسيّه بشيطان (٣). والجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: أنّه ثبت في الصحيح (٤) عن النّبي ﷺ أنّه قال: «إن سليمان ﵇ قال: لأطوفنّ الليلة على مائة (٥) امرأة فتلد كلّ امرأة غلاما»، وفي

стр. 962

رواية (١): «كلّهنّ يأتين بفارس مجاهد في سبيل الله ونسي أن يقول إن شاء الله فلم تحمل منهنّ إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل، قال ﵇: والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله». قال القاضي (٢) أبو الفضل والإمام (٣) فخر الدين: فهذا الشّق هو الجسد الذي ألقي على كرسيّه ألقته القابلة (٤) بين يديه فكان هذا الابتلاء لأجل ترك الاستثناء. الثاني (٥): أنّه ولد لسليمان ولد فخاف أن يهلكه الشيطان فأمر السّحاب فحملته وأمر الريح أن تحمل إليه غذاءه فمات الولد وألقي ميتا في سريره، وإنّما فعل الله تعالى ذلك لأنّه خاف الشيطان، وقد تقدّم في النمل (٦) أنّ هذا الغلام كان اسمه داود وأنّ أمّه بلقيس. الثالث: أنّه تعالى امتحنه بمرض شديد فصار جسدا لا حراك له مشرفا على الموت، كما يقال لحم على وضم (٧)، وجسد بلا روح، على معنى شدّة الضعف، والتقدير: وألقينا على كرسيّه جسده فحذف الهاء اتباعا والله أعلم. وأمّا قوله (٨) ﴿(وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي)﴾ فلم يقل ذلك غيرة

стр. 963

على الدنيا ولا نفاسة (١) فيها كما ظنّ بعض المعتزلة، ولا كما قال الحجّاج (٢)، روي في مثالبه (٣) أنّه لمّا قرأ هذه الآية قال: لقد كان حسودا وتبا لهم فما قدروا النّبوّة حقّ قدرها، وإنّما قال ذلك لأحد ثلاثة أوجه (٤): الأول: أنّ معجزة كلّ نبي إنّما هي من جنس ما يفتخر به أهل ذلك الزمان، ولمّا كانت منافسة أهل زمان سليمان ﵇ بالمال والجاه طلب ملكا فائقا على جميع مملكة سائر ملوك الأرض ليكون ملكه معجزة له. الثاني: أنّه ﵇ لمّا مرض ثمّ رجع إلى الصّحّة علم أنّ خيرات الدنيا منتقلة عنه بالموت إلى غيره فسأل ربّه ملكا لا ينتقل عنه إلى غيره وهو ملك الدّين. الثالث: من النّاس من يقول: الاحتراز عن لذّات الدنيا مع القدرة عليها غير ممكن فقال ﵇: (هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) حتى أنّي مع ذلك الملك العظيم في الدنيا أشتغل بطاعتك بحيث لا ألتفت البتة إلى ذلك الملك ليعلم النّاس أنّ ملك الدنيا لا يمنع من خدمة المولى (٥)، والله أعلم. [٤٣] ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ.﴾

стр. 964

(عس) (١) يعني (٢) زوجته رحمة (٣) وأولاده، وكانوا ثلاثة عشر ثمّ زاده الله تعالى بعد ذلك ثلاثة عشر ولدا وصار ملك دمشق، رواه ابن سلاّم (٤)، والله أعلم. [٤٤] ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ.﴾ (سه) (٥) المضروبة بالضّغث (٦) هي زوجته، وكان حلف أن يضربها مائة سوط (٧)، فأمر أن يبرّ قسمه ويضربها بضغث من الأسل (٨) وهو الأيس (٩) أو نحو ذلك، وقد روي (١٠) أنّ رسول الله ﷺ فعل مثل هذا بالمحبون (١١) الذي وجد يخبث بأمة من إماء الأنصار فأمرهم أن يأخذوا عثكالا (١٢) فيه مائة

стр. 965

شمراخ (١) فيضربوه (٢) ضربة واحدة، وليس عليه العمل عند أكثر الفقهاء لضعف في إسناده، والمرأة اسمها ليا بنت يعقوب، وقيل اسمها رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، ذكر الطبري (٣) القولين جميعا. (عس) (٤) ذكر قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ وقال: ضربها بضغث من الأسل، وقد روي (٥) أنّه أخذ مائة سنبلة في كفّ واحدة فضربها بها، وكانت العين (٦) التي تفجّرت له ببيت المقدس، وكان زمانه قبل موسى ﵇ وهو من بني إسرائيل، وذكر قصة المحبون، والمحبون الذي به الحبون وهي الإنبات، قال ابن جنّي (٧): الحبن ورم في أسفل السّرّة، يقال منه رجل أحبن، وامرأة حبناء وأنشد: وكانت من نتاج شييخ سوء ... من الأكراد أحبن ذي سعال تذييل: قال المؤلف - وفقه الله -: ذكر الشيخ أبو عبد الله في هذا الفصل أنّ أيوب ﵇ من بني إسرائيل وسبقه إلى هذا القول أبو محمد بن عطية وغيره، والصحيح أنّه ليس من بني إسرائيل وإنما هو من ذرّيّة عيصو بن إسحاق كما تقرّر في نسبه في سورة الأنعام (٨)، وبنو إسرائيل هم ذرّيّة يعقوب،

стр. 966

وعلى كونه من ذرّيّة عيصو جلّ من يعتدّ بقوله من شيوخ النّسب كالطبري (١)، والمسعودي (٢) [وأبي] (٣) عمر بن (٤) عبد البر، والشيخ أبي زيد (٥) السهيلي رحمة الله عليهم. قال المسعودي (٦): وكان أيوب في عصر يوسف ﵇. وكذلك ذكر أنّ العين التي تفجّرت له كانت ببيت المقدس والذي ذكره المسعودي وغيره أنّ هذه العين على ثلاثة أميال من مدينة [نوى] (٧) من أرض دمشق، وهذه المدينة ما بين دمشق وطبريّة من بلاد الأردن، وأنها مشهورة إلى زمانه، وذكر أبو محمد (٨) بن عطية أنّه نبع له عينان شرب من إحداهما (٩)، واغتسل من الأخرى، فالله أعلم.

стр. 967

سورة الزّمر [٩] ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً.﴾ (عس) (١) حكى أبو نعيم الحافظ في كتابه: «حلية الأولياء» (٢) أنّه عثمان بن عفان ﵁. (سي) وقيل (٣) هو عمّار بن ياسر وأبو حذيفة المخزومي، وقيل (٤): هو أبو بكر وصهيب، وابن مسعود وأبو ذر ﵃، وقيل (٥): هو رسول الله ﷺ .

стр. 968

[١٠] ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الآية. (سي) نزلت هذه الآية في جعفر بن أبي طالب وأصحابه الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، ذكر (١) ذلك عط، وكان قدوم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من أرض الحبشة في السنة السابعة من الهجرة يوم فتح خيبر (٢)، فتلقّاه رسول الله ﷺ [واعتنقه] (٣) وقال: ما أدري بأيهما أنا أشدّ فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر (٤).وتوفي رحمة الله عليه يوم مؤته (٥) شهيدا وذلك في السنة الثامنة في جمادى الأولى بعد ما عرقب (٦) فرسه، وقاتل حتى قطعت يداه جميعا، فأبدل الله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة، حيث يشاء، وكان يكنّى أبا عبد الله (٧) بابنه عبد الله، رحمة الله عليهم أجمعين. [١٧] ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها.﴾

стр. 969

(عس) (١) قيل (٢): إنّها نزلت في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير حين سألوا أبا بكر فأخبرهم بإيمانه فآمنوا، حكاه المهدوي. وروى الطبري (٣): أنّها نزلت في ثلاثة نفر زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي، والأول أظهر لأنّ ذكر سلمان لا يصح لأنّ السورة مكية، وسلمان أسلم بالمدينة، فنزول الآية قبل إسلام سلمان (٤)، والله أعلم. [٢٢] ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ.﴾ (عس) (٥) قيل (٦): إنّ المراد بها علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب. والمراد بقوله ﴿(فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)﴾ أبو لهب وولده حكاه المهدوي (٧)، والله أعلم. [٣٣] ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ.﴾

стр. 970

(سه) (١) ﴿(الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ)﴾ هو رسول الله (٢) ﷺ ، والذي ﴿(صَدَّقَ بِهِ)﴾ هو الصّدّيق، ثم دخل في الآية بالمعنى كل من صدّق به ولذلك قال ﴿(أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)﴾. (عس) (٣) وقيل (٤): إنّ ﴿(الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ)﴾ جبريل، ﴿(وَصَدَّقَ بِهِ)﴾ رسول الله ﷺ ، وقيل (٥): إنّ ﴿(الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ)﴾ رسول الله ﷺ ﴿(وَصَدَّقَ بِهِ)﴾ المؤمنون. [(سي)] (٦) وقيل (٧): إنّ ﴿(الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ)﴾ محمد رسول الله ﷺ ﴿(صَدَّقَ بِهِ)﴾ علي بن أبي طالب ﵁ قاله أبو (٨) الأسود،

стр. 971

وحكاه الليث (١) عن مجاهد (٢). تكميل قال المؤلف - وفقه الله -: من خصّص المصدّق (٣) في هذه الآية بأبي بكر أو بعلي بن أبي طالب ﵄ فلا شكّ أنّ غرضه بذلك لأجل سبقهما إلى الإيمان بالله ورسوله، وقد اختلف العلماء ﵃ في السابق إلى الإسلام منهما بعد خديجة ﵂. فذهبت طائفة (٤) إلى أنّ أوّل الناس إيمانا برسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁، واحتجّوا على ذلك بأمرين: أحدهما: أنّه روي (٥) عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ما عرضت الإسلام على أحد إلا وله نبوة (٦) غير أبي بكر فإنّه لم يتلعثم».أي لم يتوقّف. وجه الاستدلال به أنّ النّبي ﷺ بيّن أنّ أبا بكر لم يتوقف في قبول الإسلام، بل

стр. 972

بنفس ما دعاه الرسول أجاب فلو تأخّر إسلامه عن غيره فلا بد أن يكون ذلك التأخير لأحد أمرين: إما لتوقّف منه، وذلك باطل بنص الحديث، وإمّا أنّ الرسول لم يبادر لعرض الإسلام عليه، وهو أيضا باطل لأنّ ذلك طعن في الرسول ﵇، فثبت أنّه ﵇ ما قصّر في عرض الإسلام عليه ولا هو أيضا توقف في قبول الإسلام منه. الثاني (١) قال الشّعبي ﵀ سألت ابن عباس: أيّ الناس كان إسلامه أولا؟ فقال: أما سمعت قول حسّان بن ثابت ﵁ (٢) -: إذا تذكّرت شجوا (٣) ... من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البريّة أتقاها وأعدلها ... بعد النّبي، وأوفاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدّق الرّسلا وذهبت (٤) طائفة إلى أنّ أوّل الناس إسلاما علي بن أبي طالب ﵁، واحتج القائلون بهذا بأمرين أيضا الأثر والنظر. أمّا الأثر (٥) فصحّ عن رسول الله ﷺ من طريق سلمان الفارسي

стр. 973

رضي الله عنه أنّه قال: «أول الناس ورودا على الحوض أوّلها إسلاما علي بن أبي طالب».وفي كتاب ابن أبي (١) خيثمة أنّ رسول الله ﷺ قال لفاطمة: «زوجتك سيّدا في الدنيا والآخرة، وإنّه لأول أصحابي إسلاما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما».وقال أبو عمر بن عبد البر (٢) صحّ عن ابن عباس ﵄ بسند لا مطعن فيه لأحد أنّه قال: أوّل من صلّى مع رسول الله ﷺ بعد خديجة علي بن أبي طالب ﵁، قال: وهو يعارض ما روي عنه في شأن أبي بكر، وكان علي ﵁ يقول على المنبر بحضرة الصحابة: أنا أول من آمن بالله ورسوله ولم يسبقني إلى الصلاة إلا نبي الله، أسلمت وأنا ابن ثلاث عشرة سنة وأنشد: سبقتكم إلى الإسلام طرا (٣) ... غلاما ما بلغت أوان حلمي (٤) وأمّا النّظر فهو أنّ علي بن أبي طالب ﵁ كان ابن عمّ رسول الله ﷺ وفي داره ومختصا به وأبو بكر لم يكن كذلك، وبعيد غاية البعد أن يعرض الإنسان مثل هذه المهمّات العظيمة على الأجانب والأباعد قبل عرضها على الأقارب المختصين به غاية الاختصاص لا سيّما والله يقول ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٥)، فهذا تقرير حجج الفريقين.

стр. 974

قال المؤلف - وفقه الله -: والأظهر والذي عليه حذّاق المتأخرين أنّ علي بن أبي طالب ﵁ كان ثاني خديجة في الإيمان، وأوّل الذكور أسلم وجهه للرحمن (١)، وأمّا ما جاء في شأن أبي بكر فمحمول على أحد وجهين: أحدهما: أنّه أوّل من أظهر الإسلام (٢). الثاني: أنّه أول من أسلم من الكهول (٣)، ولا يلزم من تأخّر إسلامه برهة قليلة من الزمان طعن على الرسول ﵇، لأنّ دعوى جميع الخلق إلى الله في فور واحد متعذّر ولا بدّ أن يكون بتدريج فدعا أولا خديجة فآمنت به، ثمّ دعا [عليا] (٤) لأنّه كان معه وأقرب الخلق إليه فآمن به، ثمّ دعا بعد ذلك من كان يحبه ويميل إليه ويتوسّم (٥) فيه سرعة الانقياد إليه من أكابر قريش وذلك أبو بكر فآمن به بلا طعن في هذا على النّبي كما ذكر الخصم أولا - والله أعلم. وإذا ثبت أنّ إسلام علي كان سابقا لإسلام أبي بكر فلا يلزم من تخصيصه بهذه الخاصية أن يكون أفضل من أبي بكر مطلقا، دليل هذه القاعدة تعرّض الشيطان لرسول الله ﷺ كما ثبت في الصحيح (٦)، وفراره من عمر قال

стр. 975

عليه السلام (١): «ما سلك عمر فجا (٢) إلا وسلك الشيطان فجا غير فجه»، ومعلوم أنّ عمر ليس أفضل من النّبي، وأيضا أبا بكر لمّا أسلم اشتغل بالدعوة إلى الله، والذّبّ (٣) عن رسول الله وكان شيخا وجيها في قريش فأسلم على يديه جماعة من أكابر قريش (٤) كعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعثمان بن مظعون، فحصل بسبب ذلك للإسلام قوة عظيمة. وأمّا علي ﵁ فكان صغير السن لم يخالط الناس فلم يكن إذ ذاك إسلامه سببا لإسلام غيره. وبالجملة فالمقامات لا تنال بالهبات، قال ﵇ (٥): «ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام وإنّما فضلكم بسرّ وقر في صدره».﵃ أجمعين. قال علي بن أبي طالب (٦) ﵁: «لا يفضّلني أحد على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته حدّ المفتري»، والله الموفق لا رب سواه. [٣٦] ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.﴾ (عس) (٧) قيل (٨) إنها نزلت بسبب أنّ رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد

стр. 976

ليكسر العزّى فقال سادنها: - وهو قيّمها - يا خالد إني أحذّركها! إنّ لها شدّة لا يقوم إليها شيء فمشى إليها خالد بالفأس فهشّم أنفها - والله أعلم. [٥٠] ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.﴾ (سي) الإشارة إلى قارون (١) حيث قال (٢): ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي.﴾ والله أعلم. [٥٣] ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.﴾ (عس) (٣) قيل (٤): إنها نزلت في وحشي قاتل حمزة، وقد تقدّم (٥) ذكرها في سورة الفرقان، وقد حكى الطبري (٦) أنها نزلت في عيّاش بن أبي [ربيعة] (٧) والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين، كانوا أسلموا ثمّ فتنوا، وكان المسلمون يقولون: لا يقبل الله منهم شيئا فنزلت الآية، والله أعلم. [٦٨] ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ.﴾

стр. 977

(سه) (١) هم جبريل (٢)، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت عزرائيل وكذلك جاء في أحاديث مسندة (٣)، وإن كان قد قيل فيهم غير هذا القول ولكن هذا أشبه للأثر الذي جاء فهم مستثنون إلى أن يقبض (٤) ملك الموت، وقد قيل إنّ جبريل ﵇ [آخرهم] (٥) موتا ذكره النحاس (٦). (عس) (٧) وقد قيل (٨) إنّ المستثنين هم الشهداء يكونون حول العرش متقلّدي السيوف، والله أعلم. [٧٤] ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ.﴾ (عس) (٩) هي أرض الجنّة التي كانت لأهل النّار لو كانوا أطاعوا حكاه الطبري (١٠)، والله أعلم.

стр. 978

سورة غافر [٢٨] ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.﴾ (سه) (١) قد تقدّم (٢) أنّ اسمه شمعان - بالشين المعجمة - وهو أصح ما قيل (٣) فيه، [وفي تاريخ الطبري (٤) ﵀ اسمه خير] (٥) والله أعلم. (عس) (٦) وقيل (٧) في اسمه حبيب، وقيل (٨) حزقيل، واختلف فيه هل كان قبطيا أو إسرائيليا؟ وصحح الطبري (٩) قول من قال: إنّه قبطي، واستدلّ على ذلك بأنّ فرعون

стр. 979

أصغى لكلامه واستمع منه، ولو كان إسرائيليا لكان عدوا له فلم يكن يصغي لقوله. قال (عس) ومما يستدلّ به أيضا قوله ﴿(مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ)﴾ فقد وصفه بأنّه من آل فرعون. فإن قلت: إنّ «الآل» (١) قد يكون في غير القرابة، بدليل قوله ﴿(أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ)﴾ (٢) ولم يرد إلا كلّ من كان على دينه من ذوي قرابته وغيرهم!. فالجواب: أنّ هذا الرجل لم يكن من أهل دين فرعون وإنّما كان مؤمنا، فإذا لم يكن من أهل دينه فلم يبق لوصفه بأنّه من آله إلا أن يكون من عشيرته. فإن قيل: إنّ قوله ﴿(مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ)﴾ متعلق بقوله (يكتم إيمانه) فمعنى الآية يكتم إيمانه من آل فرعون فلم يصفه بأنّه من آله. فالجواب (٣): أنّ هذا [تقديم] (٤) وتأخير، وهو مجاز ولا يرجع عن مساق الكلام وهو الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، ولا دليل هنا، فصحّ ما ذكرناه والحمد لله، [وقد (٥) حكى المهدوي أنّه ابن عمّ فرعون] (٦) والله أعلم. [٢٩] ﴿ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ.﴾

стр. 980

(عس) يعني أرض مصر (١)، والله أعلم. [٣٤] ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ.﴾ (عس) (٢) قيل هو يوسف بن يعقوب، وقيل (٣) هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب، والله أعلم. [٦٨] ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.﴾ (عس) (٤) قيل إنّ الكناية في قوله (له) عن عيسى ﵇ وقع ذلك في كتاب إضمار القرآن لأبي الطاهر (٥)، وقد قيل (٦): إنّ الكناية عن الأمر، وهو أشبه بسياق الآية، لأنّ عيسى لم يجر له في الآية ذكر ولا إشارة، وإذا كانت الكناية عن الأمر دخل عيسى وغيره تحته. وتعرض هنا مسألة عقليّة وهي أنّ قوله (كن) لا يخلو أن يكون قبل وجود المأمور أو بعد وجوده. فإن قيل قبل وجوده أدّى ذلك إلى مخاطبة المعدوم ولا يصح في العقل، وإن قيل بعد وجوده أدّى ذلك إلى إبطال معنى (كن) لأنّ المأمور إذا كان موجودا قبل الأمر فلا معنى للأمر بالكون. والجواب: أنّ الأمر مقارن للمأمور ولا يتقدّمه ولا يتأخّر عنه فمع قوله (كن) يوجد المأمور. وهذه كمسألة الحركة والسكون في الجوهر، فإنّه إذا قدّرنا جوهرا ساكنا بمحل ثم انتقل إلى محل آخر فإنما انتقل بحركة، فلا تخلو الحركة أن تطرأ عليه في المحلّ الأوّل أو في الثاني، فإن قيل في الأول فقد اجتمعت مع السكون.

стр. 981

وإن قيل في الثاني فقد انتقل بغير حركة، وإن قيل لم يطرأ في هذا ولا في هذا، فقد طرأت عليه في غير محل وكلّ ذلك محال. فالجواب: أنّ الحركة هي معنى خصّصه بالمحل الثاني فنفس إخلائه للمحل الأول هو نفس شغله للمحل الثاني. [٦٩] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ.﴾ (عس) حكى الطبري (١) أنها نزلت في القدريّة، وروى عن ابن سيرين أنّه قال: إن لم تكن نزلت في القدريّة، فإني لا أدري فيمن نزلت. وقد قيل (٢) نزلت في أهل الشرك، والله أعلم. [٧٨] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ.﴾ (عس) حكى الطبري (٣) عن أنس: «أنّهم ثمانية آلاف، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل». وروي (٤) عن سلمان عن النّبي ﷺ أنّه قال: «بعث الله أربعة آلاف نبي»، وقال (٥) علي بن أبي طالب: «بعث الله عبدا حبشيا»، فهو المراد بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ﴾

стр. 982

﴿مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ،﴾ وحكى ابن قتيبة - في المعارف (١) - أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل (٢) منهم ثلاثمائة وخمسة عشر نبيا، منهم خمسة عبرانيون (٣) وهو آدم وشيث وإدريس ونوح وإبراهيم، وخمسة من العرب هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد ﷺ أجمعين (٤). قال الشيخ أبو عبد الله: هذا الذي ذكره ابن قتيبة لا يصح لأنّه قد روي أنّه كان من العرب نبي آخر، وهو خالد (٥) بن سنان بن غيث وهو من (٦) عبس بن بغيض. وروي (٧) عن رسول الله ﷺ أنه قال فيه: «ذاك نبي أضاعه قومه». ووردت ابنته على رسول الله ﷺ ، فسمعته يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فقالت: كان أبي يقول هذا (٨).

стр. 983

قال ابن قتيبة (١): وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى. قال الشيخ أبو عبد الله: وهذا عندي غير صحيح، لأنّه إن أراد أوّل الرسل، فقد قال الله تعالى حكاية عن قول الرجل المؤمن من آل فرعون ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ﴾ فقد أخبر أنّه أرسل إليهم يوسف، إمّا أنّه ابن يعقوب أو ابن [إبرافيم] (٢) ابن يوسف بن يعقوب على الخلاف المتقدّم، وإن أراد النّبوّة خاصة فيوسف وإخوته (٣) أنبياء وهم بنو إسرائيل لأنّ يعقوب ﵇ هو إسرائيل، وأوّل الأنبياء آدم وآخرهم محمد ﷺ وخاتمهم. روى ابن سلاّم وغيره عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لا تقولوا لا نبي بعد محمد، وقولوا خاتم النّبيين لأنّه ينزل عيسى بن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا، فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها» (٤). (عس) وقول عائشة ﵂: «لا تقولوا لا نبي بعد محمد» إنما ذلك - والله أعلم - لئلا يتوهم متوهّم دفع ما روي من نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان، وعلى الحقيقة فلا نبي بعد رسول الله ﷺ لأنّ عيسى وإن نزل بعده فهو موجود قبله (٥) حي إلى أن ينزل، وإذا نزل فهو متّبع لشريعته،

стр. 984

مقاتل عليها، فلا يخلق نبي بعد محمد ﷺ ولا تجدّد شريعة بعد شريعته فعلى هذا يصح (لا نبي بعده). وقد ورد في أسماء النّبي ﷺ في كتاب الشمائل (١) وغيره (٢) (والعاقب الذي ليس بعده نبي) فهذه الزيادة وإن لم يذكرها مالك (٣) فهي موجودة في غير الموطأ، ويحتمل أن تكون من (٤) قول النّبي ﷺ ، أو من قول (٥) الراوي. فإن كانت من قول النّبي فحسبك بها حجّة (٦)، وإن كانت من قول الراوي فقد صحّ بها أنّ إطلاق هذا اللفظ غير ممتنع، ولا معارضة بينه وبين حديث عائشة، لأنّ حديث عائشة كما ذكرنا المراد به (لا تقولوا لا نبي بعده) بمعنى أنّه لا يوجد في الدنيا نبي لأن عيسى ينزل إلى الدنيا ويقاتل على شريعة النّبي ﵇. والمراد في الحديث بقوله: (والعاقب الذي ليس بعده نبي) أي ليس يخلق بعده نبي، ولا يبعث بعده نبي ينسخ شريعته، وهذا معنى قوله (٧): ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ،﴾ أي: الذي ختمت النّبوّة والرسالة به، لأن نبوة عيسى قبله، فبنبوّته ﵇ ختمت النّبوّة، وبشريعته ختمت الشرائع، ﷺ .

стр. 985

سورة فصّلت [٢٦] ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ﴾. (عس) (١) قيل (٢) إنّ قائلها أبو جهل بن هشام، والله أعلم. (سي): والقصة في ذلك (٣) أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ القرآن في المسجد الحرام، ويصغي إليه الناس من مؤمن وكافر فخشي أبو جهل استمالة القلوب بذلك، فقال لكفّار قريش: متى قرأ محمد فلنلغط نحن بالمكاء (٤)، والصّفير، والصّياح، وإنشاد الشعر والأرجاز، حتى نخفي صوته ولا يقع الاستماع منه فنزلت الآية، والله أعلم. [٢٩] ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. (سه) (٥) يقال أحدهما قابيل بن آدم، والذي من الجن إبليس (٦) ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع (٧): «ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم
следующие страницы →