← Джавами‘

Джавами‘ · id 16928

مجموع رسائل الحافظ العلائي جـ 1

صلاح الدين العلائي

Полный текст (342 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ مني إلا ما كان من عبد اللَّه بن عمرو فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب (١). وفي "الصحيح" أيضًا عنه أنه قال: إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا ألزم رسول اللَّه ﷺ على ملء بطني؛ فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، وقد قال رسول اللَّه ﷺ في حديث يحدثه: "إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ ثَوْبَهُ حتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ". قال: فبسطت نمرة كانت عليَّ حتى إذا قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول اللَّه ﷺ تلك من شيء (٢). وفي "صحيح مسلم" أن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤمِنينَ". قال أبو هريرة ﵁: فلا يسمع بي مؤمن إلا أحبني (٣). وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ. توفي في قصره بالعقيق على أميال من المدينة سنة ثمان وخمسين في قول الأكثرين -وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع- وحمل إلى المدينة فدفن بها، وكان سِنُّه يوم مات ثمانيًا وسبعين سنة ﵁. اتفق البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث من عدة طرق: فأَمَّا طَرِيقُ طَاوُسٍ: فرواها البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب (٤). وأخرجها مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة (٥). وعن محمد ابن حاتم، عن بهز بن أسد، عن وهيب بن خالد، كلاهما عن عبد اللَّه بن طاوس،

стр. 107

عن أبيه به (١). ورواها النسائي عن خشيش بن أصرم، عن عبد الرزاق كما رويناه أولا فوقع بدلًا له عاليًا (٢). وَطَرِيقُ الأَعْرَجِ: رواها البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب كما رويناه عنه (٣). ومسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة كما رويناه أَيضًا (٤). وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي صَالِحٍ، عن أبي هريرة فانفرد بها مسلم فرواها عن قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب، كلاهما عن جرير بن عبد الحميد، عن الأَعمش، عن أبي صالح -واسمه ذكوان- عنه (٥). وكذلك انفرد مسلم أَيضًا بطريق همام بن منبه، عن أبي هريرة كما سقناه من حديثه (٦). وأخرجه أَيضًا من حديث أبي حازم سلمان مولى عزة الأشجعية، عن أبي هريرة، ومن حديث ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان ﵁، عن النبي ﷺ (٧)، وقد وقع لنا عاليًا من هذا الوجه أَيضًا: أَخْبَرَنَاهُ أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن حامد الأرموي وأبو عبد اللَّه محمد بن منصور الحلبي وأبو العباس أحمد بن أبي العز إبراهيم بن أبي عمر وأبو محمد حمزة بن عبد اللَّه بن حمزة ومحمد بن إبراهيم بن مرى ومحمد بن عبد اللَّه بن أحمد الصالحيون وجماعة آخرون. قال الأولان: أنا أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي. وقال الأول أَيضًا: أنا إسماعيل بن عبد القوي الأنصاري.

стр. 108

وقال الثاني أَيضًا: أنا عبد اللَّه بن عبد الواحد المصري. وقال الباقون: أنا محمد بن إسماعيل المقدسي، قالوا: أنا هبة اللَّه بن علي البوصيري، أنا مرشد بن يحيى المديني، أنا محمد بن الحسين النيسابوري، أنا محمد ابن عبد اللَّه بن حيويه، ثنا أحمد بن شعيب النسائي الحافظ، أنا واصل بن عبد الأعلى، ثنا ابن فضيل، عن أبي مالك الأَشجعي. ح. وَأَخْبَرَنَا القاسم بن مظفر الدمشقي بقراءتي، عن الأنجب بن أبي السعادات وعبد اللطيف بن محمد البغداديين، قالا: أنا طاهر بن محمد المقدسي، أنا محمد بن مكي ابن الهيثم، أنا القاسم بن أبي المنذر الخطيب، أنا علي بن إبراهيم بن سلمة، ثنا محمد ابن ماجه الحافظ، ثنا علي بن المنذر، ثنا ابن فضيل، ثنا أبو مالك الأَشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. وعن ربعي بن حراش، عن حذيفة ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبتِ وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْم الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنيَا الأَوَّلُونَ يَوْم الْقِيَامَةِ الْمقْضِي لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائقِ". هذا لفظ رواية النسائي (١)، ورواية ابن ماجه (٢) مختصرة عن هذا بمعناه. أخرجه مسلم (٣) عن واصل بن عبد الأعلى كما رويناه فوافقناه فيه بعلو، وقد رواه عن أبي هريرة أيضًا: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف فيما: أَخْبَرَتْنَا وزيرة بنت عمر التنوخية، أنا الحسين بن المبارك، أنا طاهر بن محمد، أنا مكي بن علان، أنا أحمد بن الحسن، أنا محمد بن يعقوب، أنا الربيع بن سليمان، أنا الإمام محمد بن إدريس، أنا إبراهيم بن محمد، حدثني محمد بن عمرو بن علقمة،

стр. 109

عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَةِ. . . " فذكره كما تقدم. فهؤلاء سبعة رووه عن أبي هريرة ﵁ فهو مشهور عنه وهو عزيز عن النبي ﷺ بمتابعة حذيفة بن اليمان لأبي هريرة ﵃. وَالْمَبَاحِثُ المُتَعلِّقَةُ بِهَذَا السَّنَدِ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ كَثيرَةٌ لَكِنْ نُشِيرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الاخْتِصَارِ: وهو أنه قد تقرر أن الخبر على قسمين: مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ، وأن المتواتر خبر الجماعة المفيد بنفسه العلم بصدق ذلك الخبر، وشرطه استواء الطرفين والواسطة، والبحث فيه مع من ينكر إفادته العلم مشهور فلا فائدة في ذكره وكذلك الكلام في اشتراط عدد المخبرين، والصحيح أنه لا يشترط فيه عدد. وأما خبر الواحد فهو ما لم ينته إلى التواتر وهو على ضربين: مستفيض وغيره، والأول هو المسمى عند أهل الحديث بالمشهور: وهو ما زادت نقلته على ثلاثة، وينقسم إلى: - مشهور بين أهل الحديث وغيرهم كحديث: "الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" (١). - وإلى مشهور بين أهل الحديث خاصة وهو الكثير، وينقسم أَيضًا إلى: • مشهور صحيح كهذا الحديث عن أبي هريرة. • وإلى مشهور ضعيف كحديث: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (٢). وغير المشهور ما نقص عن هذه الدرجة، وكل منها مفيد للظن القاصر عن العلم عند الجمهور من أئمة الأصول والفقه، لكن الظن الحاصل من الخير المشهور أقوى منه من غيره وتظهر فائدة ذلك عند التعارض والترجيح، وذهب جمهور أهل

стр. 110

الحديث إلى أن الخبر المشهور الذي تعددت طرقه وكثرت مخارجه وهي صحيحة كلها تفيد العلم النظري لا الضروري، وهذا اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (١) وأبي بكر بن فورك (٢) والإمام أبي منصور التميمي (٣)، وفي كلام إمام الحرمين (٤) ما يقتضي الميل إليه، وكذلك القاضي الماوردي (٥) كما سنحكيه عنه، وعلى هذا ينبغي أن يتنزل قول الإمام أحمد أن خبر الواحد يفيد العلم لا مطلقًا فإنه بعيد أن يقول به، والصحيح أن مثل هذا وإن أفاد العلم فلا يفيده لكل أحد ولا

стр. 111

يطرد في كل خبر مشهور بل يختص ذلك بالذي صحت طرقه كلها وسلمت عن التعليل ويختص بأئمة الحديث المتبحرين فيه، والكلام في هذا قريب من الكلام في خبر الواحد إذا احتفت به القرائن فقد اختار الغزالي (١) والأمدي (٢) وابن الحاجب (٣) وغيرهما أنه قد يفيد العلم أَيضًا لكنه لا يطرد في كل خبر احتفت به القرائن كما ذكرناه. وقد سلك القاضي الماوردي في كتابه "الحاوي" مسلكًا غريبًا وهو أنه جعل المستفيض أقوى من المتواتر وجعل كلًّا منهما يفيد العلم، قال: فالمستفيض أن ينتشر من ابتدائه من البر والفاجر وهلم جرًّا إلى آخره يعني استوى فيه الطرفان والواسطة، والمتواتر: ما ابتدأ به الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم ويبلغوا عددًا ينتفي عن مثلهم الغلط والتواطؤ، فيكون في أوله من أخبار الآحاد وفي آخره من أخبار التواتر ويكون الفرق بين خبر التواتر والاستفاضة من ثلاثة أوجه: أَحَدُهَا: ما ذكرنا من اختلافهما في الابتداء واتفاقهما في الانتهاء.

стр. 112

وَالثَّانِي: أن أخبار الاستفاضة لا يراعى فيها عدالة المخبر، وأخبار التواتر يراعى فيها ذلك. وَالثَّالِثُ: أن أخبار التواتر هي التي انتشرت عن قصد لروايتها، وأخبار الاستفاضة تنتشر من غير قصد لروايتها. ثم قال: والمستفيض من أخبار السنة مثل أعداد الركعات، والمتواتر مثل نصب الزكوات، هذا خلاصة ما ذكره وحاصله القول بأن الخبر المشهور يفيد العلم، لكنه عكس التسمية فسمى المتواتر بالمستفيض والمستفيض بالمتواتر. وقوله في الاستفاضة هنا موافق لما اختاره في الشهادات أن الشهادة بالاستفاضة يشترط فيها أن يكون سمع ذلك من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب وهو اختيار ابن الصباغ (١) والغزالي والمتأخرين. قال الرافعي (٢): وهو أشبه بكلام الشافعي ﵀. والذي اختاره الشيخ أبو حامد الإسفراييني (٣) والشيخ أبو إسحاق (٤) في "التنبيه"

стр. 113

وأبو حاتم القزويني (١) أن الاستفاضة تثبت بسماعه من اثنين، وإليه ميل إمام الحرمين ﵀. فَهَذَا بَعْضُ مَا يتَعلَّقُ بِسَنَدِهِ. قوله ﷺ : "نَحْنُ الْآخِرُون" يعني في الدنيا "وَنحْنُ السَّابِقُونَ" يعني يوم القيامة في القضاء بينهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنة كما صرح به في بعض الروايات المتقدمة. و"بَيْدَ" قال أبو عبيد: يكون بمعنى "غير"، وبمعنى "على"، وبمعنى "من أَجل". والكل صحيح هنا وموضعها نصب على الاستثناء. وقوله ﷺ : "فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ" يعني يوم الجمعة، وَقَدْ اخْتُلِفَ في كَيْفِيَّة هَذَا الاخْتلَاف: فَقَالَ جَمَاعَةٌ: إن اللَّه تعالى أمر اليهود بيوم غير معين من أيام الأسبوع يجتمعون

стр. 114

فيه ويعظمون اللَّه تعالى، فاجتهدوا واختاروا يوم السبت، وكذلك النصارى فاختاروا يوم الأحد، وكل منهما أخطأ في اجتهاده ما أمره اللَّه به. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ وغيره أن موسى ﵇ أمر بني إسرائيل عن اللَّه تعالى بيوم الجمعة على التعيين فناظروه على ذلك، وقالوا: يوم السبت أولى، وعدلوا عن يوم الجمعة إليه ظلمًا وعدوانًا. وَالأَوَّلُ أَظْهَرٌ؛ لحديث حذيفة المتقدم: "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبلَنَا. . . " الحديث، ولقوله ﷺ : "فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ" أي أخطئوا لما اختلفوا في اجتهادهم، ولو كان عينه لهم ثم عدلوا عنه إلى غيره لقال: "خالفوا فيه". وَكَذَلِكَ اختُلِفَ أَيضًا في معنى قوله ﷺ : "فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ" هل كان فعل الجمعة عن إلهام من اللَّه للصحابة وهداية منهم إليه من غير توقيف، أو عن توقيف من النبي ﷺ لهم على قولين: أَحَدُهُمَا -وإليه مال السهيلي (١): أنه كان بتوقيف من النبي ﷺ وروى فيه حديثًا عن ابن عباس ﵄ قال: أذن رسول اللَّه ﷺ بالجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة ولا يبدي لهم ذلك؛ فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد، فانظر قبل اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم فأجمعوا نساءكم وأبناءكم، فهذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى اللَّه بركعتين. قال: فهو أول من جمع مصعب بن عمير حتى قدم النبي ﷺ . وذكر هذا الحديث بسند فيه انقطاع، وفيه من هو مضعف، ومن يجهل حالة ولا تنتهض به الحجة. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أن الصحابة ﵃ جمعوا بالمدينة قبل أن يأمرهم النبي ﷺ بذلك، وقد روى عبد بن حميد في "تفسيره" عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن

стр. 115

سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموه الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى كذلك، فهلم فلنجعل يومًا نجتمع فيه نذكر اللَّه ونصلي ونشكر أو كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى؛ فاجعلوه يوم العروبة -وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة- فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة ﵁ فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم وذبح لهم شاة فتغدوا منها وتعشوا لقلتهم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم إليه، ثم أنزل اللَّه بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١) يعني ففرضها عليهم (٢). وهذا وإن كان حديثًا مرسلًا فهو صحيح الإسناد من أحسن المراسيل، ويقويه ما صح عن كعب بن مالك ﵁ أنه كان إذا سمع النداء للجمعة ترحم على أبي أمامة أسعد بن زرارة ﵁ فسأله ابنه عن ذلك فقال: يا بني هو أول من صلى بنا الجمعة (٣). فهذا يدل على خلاف الرواية الأولى، وأن مصعب بن عمير لم يصل بهم أولًا، ويتأيد هذا القول أيضًا بما تقدم من قوله ﷺ : "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا" وقال فيه: "فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ". وَالظَّاهِرُ أن هاتين الركعتين اللتين كان أسعد بن زرارة يصليهما بهم غير صلاة الجمعة؛ لأن فرضهم أولًا كان صلاة الظهر ولم يكن لهم تركها إلى هاتين الركعتين إلا بتوقيف، ثم لما فرض اللَّه عليهم الجمعة استقرت الركعتان عوضًا عن صلاة الظهر. وإنما عدلت اليهود إلى يوم السبت، والنصارى إلى يوم الأحد؛ لما زعموا جميعًا

стр. 116

أن بدء الخلق كان يوم الأحد وآخر الأيام الستة يوم الجمعة؛ فعظمت اليهود السبت لأنهم اعتقدوه اليوم السابع وزادوا كفرًا وعدوانًا بأن سموه يوم الراحة، قالوا: استراح اللَّه فيه من الخلق تعالى اللَّه عما يقولون علوًّا كبيرًا، وعظمت النصارى يوم الأحد لأنه الذي ابتدئ فيه بخلق المخلوقات، وكل ذلك ليس بصحيح بل الصحيح ما ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ. . . " (١) الحديث، فآخر الأيام الستة إذن يوم الخميس فكان يوم الجمعة هو اليوم السابع، وفيه خلق آدم ﵇ فأكرم اللَّه بنيه بأن يجتمعوا يوم خلقه ويشكروا اللَّه تعالى ويذكروه لأنه جعل فيه بدء خلقهم وكذلك جعل فيه فناءهم، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ" (٢) فكان الاجتماع فيه للتذكرة بالمبدأ والمعاد، ولهذا خص البيع فيه بالنهي عند السعي إلى الجمعة تذكرة باليوم الذي لا بيع فيه ولا خلال، ولأجل التذكرة بالمبدأ والمعاد كان النبي ﷺ واللَّه أعلم- يقرأ سورة الجمعة في صبحه. وَاسْتَحَبَّ الفقهاء قراءتها لما اشتملت عليه من ذكر خلق آدم من طين، ولما فيها من ذكر يوم القيامة، ثم كان هذا اليوم مناسبًا لسبق هذه الأمة إلى كل خير؛ لأنه سابق ليومي اليهود والنصارى؛ ولأنه وتر الأيام التي قبله على ما تقدم أن أول المخلوقات كان يوم السبت واللَّه تعالى وتر يحب الوتر. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ الأَيَّامِ أَوْ يَوْمُ عَرَفَةَ؟ وهما وجهان لأصحابنا، ورجح المتأخرون منهم تفضيل يوم عرفة؛ لحديث هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ من يَوْمِ عَرَفَةَ. . . " الحديث، أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣) وإسناده على شرط مسلم.

стр. 117

وفي "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَا مِن يَوْمٍ أَكْثَر مِنْ أَنْ يَعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. . . " (١) الحديث. وحجة الوجه الآخر حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ" رواه مسلم (٢) والترمذي (٣)، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" من وجه آخر على شرط مسلم، ولفظه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَلَا تَغْرُبُ عَلَى يَوْمٍ أَفضَل مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ" (٤). وروى البيهقي من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الأَيَّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَهُ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ من يوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى" (٥). وفي إسناده عبد اللَّه بن محمد بن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به، والترمذي يحسن حديثه. وَتَظْهَرُ فائدة الخلاف فيما لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، وحكى الشيخ محيي الدين (٦) عن الأصحاب أن صورة هذه المسألة إذا لم يكن له نية، فإن أراد أفضل أيام السنة فيتعين يوم عرفة، وإن أراد أفضل أيام الجمعة فيتعين يوم الجمعة؛ وفي هذا نظر لأن الظاهر أن من يقول: يوم الجمعة أفضل الأيام فهو أول أفضل أيام السنة عنده فهذا جاء يوم الجمعة طلقت ولا ينتظر يوم عرفة، نعم لو أراد

стр. 118

أفضل أيام جمعة معينة ولم يكن فيها يوم عرفة فينصرف إلى يوم الجمعة، وإن قلنا: إن يوم عرفة أفضل منه. وَمِنْ خَصَائِصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: ساعة الإجابة فيه التي لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل اللَّه فيها خيرًا إلا أعطاه إياه كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وقد ذهب شذوذ من الناس إلى أنها رفعت، وهو قول مردود، والذي عليه علماء الأمصار أنها باقية في كل جمعة. قال عبد اللَّه بن [يحنس] (١): قلت لأبي هريرة: زعموا أن الساعة التي في الجمعة رفعت. قال: كذب من قال ذلك. قلت: هي في كل جمعة أستقبلها؟ قال: نعم (٢). وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في تَعْيِينِ وَقْتِهَا عَلَى أَقْوَالٍ أَشْهَرُهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهَا: أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة، وهذا هو الذي رجحه النووي وغيره من المتأخرين؛ لما روى مسلم في "صحيحه" عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ" (٣). وَقَالَ آخَرُونَ: هي ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهو قول عبد اللَّه ابن سلام وعبد اللَّه بن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد، وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد وإسحاق، وكان شيخنا إمام الأئمة أبو المعالي (٤) ﵀ يختاره وذكر أنه قول الشافعي ﵀، ويرجحه على القول الأول بِأُمُورٍ:

стр. 119

أَحَدُهَا: كَثْرَةُ الأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، فَمِنْهَا: حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر ﵁[عن رسول اللَّه ﷺ ] (١) قال: "يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشَرَةَ سَاعَةٍ فِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيئًا إِلَّا أَعْطَاهُ؛ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بعْدَ العَصْرِ" رواه أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وإسناده على شرط مسلم. وحديث موسى بن وردان، عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ" رواه الترمذي وقال: غريب (٤). وحديث عبد السلام بن حفص، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ السَّاعَةَ الَّتِي يُتَحَرَّى فِيهَا الدُّعَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ من الْجُمُعَةِ". وحديث سليمان بن بلال، عن أبيه، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "السَّاعَةُ الَّتي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ يَومَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ" رواهما ابن عبد البر في "التمهيد" (٥) ورجالهما ثقات. قال الإِمام أحمد بن حنبل: أكثر الحديث في ساعة الجمعة أنها بعد العصر. وَثَانِيهَا: أنها الساعة التي خلق آدم فيها كما ورد في الحديث؛ فأكرم بنوه بأن جعلت تلك الساعة يستجاب فيها دعاؤهم، وقد أشار إلى هذه العلة كعب وغيره. وَثَالِثُهَا: أن ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة بين أذانين وبين كل أذانين ساعة إجابة، فلا خصوصية للجمعة في ذلك بخلاف القول بأنها بعد العصر،

стр. 120

وعلى هذا القول فيحمل قوله ﷺ في الحديث المتقدم: "لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي" على القيام بمعنى المواظبة كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (١) أي: مواظبًا، على أنه قد روى الطبراني هذا الحديث بسند صحيح وزاد فيه: "وَهُوَ يُصَلِّي أوْ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ". ومن العلماء من جمع بين الأحاديث بأنها تنتقل في ساعات الجمع بحسب الأيام كما قيل بمثله في ليلة القدر، واللَّه أعلم. الْوَجْهُ الْخَامِسُ من الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ: وأشكل ما فيها الكلام على قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (٢) فإن من قال: فعلت كذا لأعلم كذا أوهم قوله أن العلم بذلك لم يكن حاصلًا وأنه إنما فعل ذلك الفعل ليحصل له ذلك العلم واللَّه منزه عن ذلك لقدم علمه وتعلقه بالأشياء كلها قبل حدوثها، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾. . . الآية (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ (٥). والكلام في كشف هذا الإشكال يستدعي الكلام في أن اللَّه تعالى عالم بالجزئيات وجميع المعلومات، وقد سلك الإِمام فخر الدين (٦) في كتابه "الأربعين" للدليل على

стр. 121

ذلك مسلكًا يحتاج إلى فصل نظر، وخلاصة ما ذكره أن اللَّه سبحانه حيٌّ والحيُّ هو الذي يصح أن يعلم كل المعلومات، والموجب لعالميته للبعض ذاته تعالى ونسبة ذاته إلى الكل سواء فلزم عالميته للكل، واعترض القاضي سراج الدين (١) على هذا الدليل بأن لقائل أن يقول: عدم أولوية البعض في نفس الأمر ممنوع وبالنسبة إليها لا يفيد، وقد ذكر الإِمام فخر الدين هذا الدليل في "المحصل" ولم يتعرض فيه لإيجاب الذات العالمية فقال: لنا أن اللَّه تعالى لكونه حيًّا يصح أن يكون عالمًا بكل المعلومات، فلو اختصت عالميته بالبعض دون البعض لافتقر إلى المخصص وهو محال. وقال النصير الطوسي: على هذا الكلام لقائل أن يقول: بالبديهة عرفت أن المخصص هنا محال أم بالدليل؟ فإن قلت بالبديهة فقد كابرت، وإن قلت بالدليل فأين الدليل؟ غاية ما في الباب أن نقول: نحن ما نعرف جواز المخصص أو امتناعه. وهذا الذي ذكره الإِمام فخر الدين ﵀ أولًا في "الأربعين" من كون الموجب لعالميته ذاته شعبة فلسفة دخلت عليه ولا يناسب ما قرره في قواعد الصفات من إثبات مذهب أهل السنة الذي هو الحق فيها أن اللَّه تعالى عالم بعلم؛ حتَّى عدَّ بعض من شرح كلامه هذا الدليل مدسوسًا عليه في كتابه أو مما أفسده النقلة من حذف ما يستقيم به الكلام ونحوه. وأما الذي ذكره في "المحصل" فلم يحل فيه إيجاب العالمية على الذات، ويمكن أن يقرر على وجه يسلم مما ذكره النصير الطوسي، وهو أن يقال: قد ثبت أنه حيٌّ على ما تقرر ذلك في موضعه، وكل حيٍّ يصح منه أن يعلم كل واحد من المعلومات وما صح للَّه تعالى من الصفات الذاتية وجب له لأنه يستحيل أن يتصف بجائز، إذ لو اتصف بجائز لزم قيام الحوادث بذاته تعالى وذلك محال، وأيضًا لو

стр. 122

كانت صفته ممكنة لصح تعلق القدرة بإيجادها وذلك محال، فبهذا التقدير يتضح معنى قول الإِمام فخر الدين في "المحصل" لو اختصت عالميته بالبعض دون البعض لافتقرت إلى المخصص ويكون الدليل الذي طالبه الطوسي به هو الدليل على افتقار الممكنات إلى المخصص واستحالة ذلك المخصص الذي يفتقر إليه الممكن في صفات اللَّه تعالى. فإذا تقرر أنه سبحانه عالم بكل المعلومات تعين حمل قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ (١) على غير ظاهره من تجدد العلم في ذاته تعالى. وَيَتَحَصَّلُ مِن كَلَامِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ فِي تَأْوِيلِهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أن المراد إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما قالوا: فتح عمر السواد؛ وإنما فتحه جيشه. وَالثَّانِي: أن المراد إلا لنعلمه موجودًا، وهذا على قول من يقول: إن العلم بأن الشيء سيوجد غير العلم بوجوده إذا وجد، وهو قول كثير من أصحابنا المتكلمين والخلاف فيه مشهور. وَالثَّالِث: أن المراد إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم، فإن ذلك أحد ثمرات العلم. وَالرَّابعُ: أن المراد بالعلم الرؤية، وروي عن ابن عباس ﵁. وَالْخَامِسُ: أن المراد ليعلموا يعني به المخالفين كما يقول الرجل للآخر: النار تحرق الحطب، فيقول الآخر: لا بل الحطب يحرق النار، فيقول الأول: سنجمع بينهما لنعلم أي لتعلم أيها المنكر. وَالسَّادِسُ: أن المراد أن يعامله معاملة المختبر لهم. وَالسَّابعُ: أن ذكر العلم هنا صلة في الكلام وتقديره إلا ليتبع الرسول من يتبعه وينقلب على عقبيه من ينقلب، وهو أضعفها.

стр. 123

الْوَجهُ السَّادِسُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ من أُصُولِ الْفِقهِ: فمما يتعلق بها ما احتج به أكثر العلماء منها على وقوع نسخ السنة بالقرآن؛ فإنه ليس في القرآن وجوب التوجه إلى بيت المقدس وهذه الآية ناسخة لذلك الحكم، وقد قال بهذا جمهور الفقهاء وأهل الأصول، ومنعه الإِمام الشافعي ﵀ في كتاب "الرسالة" (١)، وخرج ابن سريج (٢) قولًا للإمام الشافعي بالجواز أخذًا من استدلاله بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٣) مع أن النبي ﷺ كان عاقد قريشًا على أن من جاءه منهم رده إليهم، فلما هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط طلب المشركون ردها إليهم؛ فأنزل اللَّه هذه الآية ونسخ بها وجوب الوفاء برد النساء المهاجرات دون الرجال (٤). ولقائل أن يمنع صحة هذا التخريج فقد حكى الأصحاب عن الشافعي ﵀ قولين في أن شرط الرد في عقد الحديبية هل شمل النساء أم لا؟ فعلى القول بأنه لم يشمل النساء ولم يتناولهن لا يكون نسخ شيء؛ وأما على القول الآخر فإنما دخل النساء في عموم لفظ "مَنْ" فلا يكون إخراج النساء نسخًا، بل هو تخصيص لأنه لم يمنع رد الجميع وإنما منع رد النساء فقط وأبقى الرجال على حكمهم في الرد فلا يصير بهذا الاحتجاج للشافعي ﵀ قول في جواز نسخ السنة بالقرآن، ولا يقال: التخصيص إذًا ورد بعد العمل بالعام في محل التخصيص يكون

стр. 124

نسخًا؛ لأنا نقول: لم يعمل بالعام في رد النساء أصلًا بل أول من هاجر منهن بعد عقد الحديبية أم كلثوم المذكورة ومنع اللَّه من ردها بالآية المذكورة. وَاحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِوُقُوعِهِ في عدَّةِ صُوَرٍ: إِحْدَاهَا: قصة رد النساء المهاجرات وقد ذكرنا ما يتعلق بها آنفًا. وَثَانِيهَا: أن صوم عاشوراء كان واجبًا بالسنة ثم نسخ بإيجاب صوم رمضان في القرآن، ولقائل أن يقول: ليس في إيجاب صيام رمضان ما يقتضي نسخ صيام عاشوراء؛ إذ شرط النسخ التضاد وهو منتف هنا؛ وإنما نسخ صوم عاشوراء قوله ﷺ لما فرض رمضان: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ" يعني: عاشوراء "وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ" (١) فهو من نسخ السنة بالسنة. وَثَالِثُهَا: أن تأخير الصلاة حالة القتال كان جائزًا كما فعله النبي ﷺ يوم الخندق، ثم نسخ ذلك بصلاة الخوف، ولقائل أن يمنع أن ذلك كان حكمًا شرعيًا، بل الظاهر من الروايات أن تأخير النبي ﷺ الصلاة يوم الخندق كان لشغله عنها، ويؤيد ذلك أنه ﷺ صلى صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع وكانت في المحرم سنة خمس، ثم كانت غزوة الخندق بعد ذلك في أثناء السنة فلم تنسخ صلاة الخوف شيئًا. وَرَابِعُهَا: أن المباشرة في ليل الصيام كان تحريمها ثابتًا بالسنة، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٢). وَخَامِسُهَا: ما دلت هذه الآية من نسخ التوجه الثابت إلى بيت المقدس وكان ثابتًا بالسنة ثم نسخ بالقرآن. قال الإِمام الشافعي ﵁: لا توجد سنة إلا ولها في كتاب اللَّه أصل. وتكون السنة فيه بيانًا لمجمله فإذا ورد الكتاب بنسخها كان نسخًا لما في الكتاب من أصلها فصار ذلك نسخا للكتاب بالكتاب، وأيضًا فإنه يجوز أن يحصل ذلك النسخ بالسنة ثم ينزل القرآن على وفقها، فَإِنْ قِيلَ: هذا يؤدي إلى عدم تعيين

стр. 125

ناسخ أبدًا، قُلْنَا: وإن كان خلاف الظاهر فتجويزه غير ممتنع وهو كاف في المنع من الاستدلال على ما ذهبوا إليه. وقد احتج من نصر قول الشافعي المنصوص بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) والنسخ رفع لا بيان، وبأنه لو نسخ السنة بالقرآن لزم من ذلك تنفير الناس عن النبي ﷺ وعن طاعته لإيهام الجاهل أن اللَّه تعالى لم يرض ما سنه رسوله. وَأُجِيبُ عَنِ الأَوَّلِ: بأن المراد بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ لتبلغ، فلا يدل على امتناع كون القرآن ناسخًا للسنة، ولئن سلم أن المراد به بيان المجمل ونحوه فلا يسلم انحصار سنته في البيان خاصة بل جاز مع كونه مبينًا أن ينطق بغير البيان. وَعَنِ الثَّانِي: أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن للنفرة عن قول الرسول ﵊؟ لامتنع ذلك في نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة وهو خلاف الإجماع، بل إذا علم أن الرسول ﷺ مبلغ عن اللَّه فلا نفرة حينئذ، واللَّه أعلم. الْوَجْهُ السَّابعُ فِيمَا يتَعلَّقُ بِهَا من عِلمِ الْفِقهِ: لما تقرر أن الوسط: العدل كما تقدم في الحديث الصحيح، وقد علل اللَّه تعالى إكرامه هذه الأمة بالعدالة ليكونوا شهداء على الناس؛ لزم من ذلك أن الشاهد لا بد وأن يكون عدلًا لتفيد شهادته، وقد دل القرآن العظيم أَيضًا في مواضع غير هذه الآية: فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣) ومن ليس بعدل فليس بمرضي. فلتتكلم على حد العدالة وما اشترط فيها، وحاصل ما قيل فيها يرجع إلى استقامة الدين والسيرة، فلهذا كان أحسن حدودها أنها محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة حتى تحصل ثقة النفوس بقوله، ثم إن

стр. 126

المراد بذلك الأغلب من أحواله. قال الشافعي ﵀: ليس أحد من الناس نعلمه إلا أن يكون قليلًا يمحض (١) الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحض المعصية [ويترك] (٢) المروءة حتى لا يخلطهما بشيء من الطاعة والمروءة، فإذا كان الأغلب على الرجل والأظهر من أمره الطاعة والمروءة؛ قبلت شهادته، وإن كان الأغلب على الرجل والأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة؛ ردت شهادته (٣). وإنما قال الإِمام الشافعي ﵀ ذلك؛ لإن الإنسان لا يمكنه أن ينجو من خطيئة وزلل وإن قل، ويدل على اعتبار الأغلب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) الآية والتي بعدها، فاعتبر الخفة والثقل مع وجود خلافهما. فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَيُخَرَّجُ بِالْحَدِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: الْكُفْرُ. فلا تقبل شهادة الكافر على مسلم ولا على كافر. وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم. وعن أحمد بن حنبل رواية أن شهادة الكافر تقبل على المسلم في السفر في الوصية إذا لم يكن هناك غيره. لنا قوله تعالى: "إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتثبتوا" (٥) فأمر بالتثبت عند إخبار الفاسق، والكفر أعلى درجات الفسق، فإما أن تكون الآية عامة بلفظها في كل فاسق فهو

стр. 127

مندرج تحتها، أو لا تكون عامة اللفظ فهي عامة بالنظر إلى المعنى الذي رتب عليه التثبت وهو الفسق لأنه جعله علة للرد وهو متحقق فيما نحن فيه. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)، والكافر غير عدل اتفاقًا وليس بمرضي. قال الإِمام الشافعي ﵀: كيف تجوز أن ترد شهادة مسلم بأن تعرفه يكذب على بعض الآدميين، وتجيز شهادة ذمي وهو يكذب على اللَّه تعالى (٣)؟! ولنا أيضًا عموم قوله ﷺ : "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ. . . " الحديث، أخرجه البخاري (٤) وهو وإن كان ورد على سبب خاص في إخبارهم عن التوراة فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وروى البيهقي عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَةٍ عَلَى مِلَّةِ إِلَّا شَهَادَةُ المُسْلِمِينَ فَإِنَّهَا تَجُوزُ عَلَى جَمِيعِ الْمِلَلِ" (٥). فإن اعترض على هذا الحديث بأن في إسناده عمر بن راشد اليمامي وقد ضعفه يحيى بن معين وغيره؛ قُلْنَا: قد قال فيه أحمد العجلي: لا بأس به. فَإن قِيلَ: فمفهومه أنه تقبل شهادته على أهل دينه؛ قُلْنَا: هم لا يقولون بالمفهوم ونحن لا نقول به هنا أَيضًا لقيام الدليل الدال على رد شهادتهم مطلقًا فسقط القول به هنا بالإجماع. ولنا أَيضًا أن كل من لم تقبل شهادته على المسلمين لم تقبل شهادته على غيرهم

стр. 128

كفساق المسلمين طردًا، وعكسه عدول المسلمين لما قبلت شهادتهم على المسلمين قبلت على غيرهم، ولأنها شهادة من كافر فوجب ردها كما لو شهد على مسلم. فَإِنْ قَالُوا: إنما لم تقبل شهادته على المسلمين لما بينهما من العداوة الظاهرة فإن التهمة قائمة بخلاف ما إذا شهد بعضهم على بعض. قُلْنَا: فيجب ألا تقبل شهادة اليهودي على النصراني وعكسه كما هو مذهب الزهري والشعبي؛ لما بينهما من العداوة الظاهرة. احْتَجُّوا بِالنَّقْلِ وَالْمَعْنَى: أما النقل: فذكروا أن النبي ﷺ لما أتي بالزانيين من اليهود قال: "إِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ مِنْكُمْ رَجَمْتُهُمَا". وروى الشعبي، عن جابر ﵁؛ أن النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض (١). قُلْنَا: أَمَّا الأَوَّلُ فلا توجد هذه الزيادة في قصة الزانيين بسند أصلًا، ولا يثبت حديث عن النبي ﷺ إلا بسند صحيح، والمعروف في هذا الحديث أن النبي ﷺ رجم اليهوديين باعترافهما. وَأمَّا الثَّانِي فقد تفرد بروايته عن الشعبي مجالد بن سعيد، وقد قال فيه أحمد بن حنبل: ليس بشيء، وقال يحيى بن معين: لا محتج به، وقد خالفه فيه جماعة من الثقات فرووه عن الشعبي عن شريح من قوله. وَأَمَّا الْمَعْنَى فاعتمدوا القياس على ولايتهم في المال والنكاح. قُلْنَا: الفرق بين ذلك وبين الشهادة أن ولاية النكاح والمال تتعين عليه ولا يقوم غيره مقامه فيها لكمال شفقته على موليه واجتهاده في النظر لهم بخلاف الشهادة فإنها لم تتعين عليه، كما أن على أصل أبي حنيفة يجوز أن يكون الفاسق وليًّا في نكاح ابنته لتعين ذلك في حقه ولا تقبل شهادة الفاسق ولا يجوز أَيضًا أن يكون الحاكم وليًّا مع

стр. 129

فسقه لعدم تعين ذلك عليه إذ غيره يقوم مقامه. واحتج من نصر قول الإمام أحمد في جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. . . (١) الآية، وما روي في القصة أن النبي ﷺ أجاز شهادة تميم الداري وعدي بن بداء على ذلك وهما نصرانيان (٢). قُلْنَا: اختلف في تفسير الآية: فروي عن الحسن أنه قال: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (٣) قال: يعني من غير قبيلتكم من المسلمين، وكذلك قاله عكرمة وغيره، ورجح الإِمام الشافعي ﵀ هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (٤) والصلاة الموقتة للمسلمين، ولئن سلم أن المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير دينكم؛ فقد روى البيهقي (٥) عن ابن عباس ﵁ أنها منسوخة. قال الشافعي ﵀: وناسخها قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٦). وأما قصة تميم الداري وعدي بن بداء فلم يكونا شاهدين بل كانا وصيين بمعنى أنهما حملة تركة السهمي الذي مات معهما إلى أهله ولذلك أحلفهما النبي ﷺ أنهما ما خانا ولا كتما فلم تكن ثم شهادة. الثَّانِي: الصَّبِيّ: فلا تقبل شهادة الصبي لأنه غير مكلف. وقال مالك ﵀: تقبل شهادة الصبيان على الجراحات الواقعة بينهم في الملعب ما لم يتفرقوا. وهو رواية عن الإِمام أحمد ﵀، وعنه رواية أخرى أنه تقبل شهادتهم مطلقًا

стр. 130

بشرط التمييز. لنا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١). وقوله ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَ. . . " وذكر منهم: "الصَّبِيُّ حَتَّى يَحْتَلِمَ" (٢) وبأنه لا يقبل إقراره وهو أوسع حالًا من الشهادة بدليل قبوله من الفاسق والكافر والذين لا تقبل شهادتهم؛ فلئن لا تقبل من الصبي بطريق الأولى. احتجوا بما روي عن عبد اللَّه بن الزبير ﵄ أنه كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح. قُلْنَا: هو قول صحابي، ولئن سلمنا أنه حجة فذاك إذا لم يعارضه قول صحابي آخر، وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه كان لا يجيز شهادة الصبيان ويقول: قال اللَّه تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣) وهذا ليس بمرضي (٤). الثَّالِثُ: مُرتَكِبُ المَعَاصِي فلا تقبل شهادة صاحب الكبيرة لفسقه، ولا المصرّ على الصغيرة لما يشعر بتهاونه في الدين بأموره فيكون كمرتكب الكبيرة. وهل الإصرار على الصغيرة أن يصرّ على نوع واحد من الصغائر فيداوم عليها، أو يصرّ على أنواع مختلفة من الصغائر؟ فيه اختلاف كلام للأصحاب، وكلام الشافعي الذي قدمناه يوافق الثاني. ومدار هذا كله على أن ملازمة العدالة تزع (٥) عن الكذب في الشهادة كما يزع الطبع عن الكذب في الإقرار، ولهذا قبل الإقرار من المسلم والكافر والبر والفاجر؛

стр. 131

لأن طباعهم تزعهم عن. . . (١) الإقرار المضرّ بهم في حقوقهم كالدماء والأبضاع والأموال، ولم تقبل الشهادة إلا من عدل؛ لأن الفاسق لا يزعه طبعه عن الكذب على الغير كما يزعه عن الكذب على نفسه، وكذلك يقبل إقرار العبد بما يوجب الحد والقصاص؛ لأن طبعه يزعه عن الكذب بما يوجب قتله أو قطعه أو جلده، وإن كان ذلك يضر بالسيد بخلاف إقراره بالمال فإنه مضرة للسيد خاصة. فإذا عرف ذلك فلا بد من تحقق عدالة الشاهد حتى يقبل قوله ويترتب عليه مقتضاه، وقد استثني من ذلك: مَسْأَلَةُ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِشَهَادَةِ مَسْتَورَينِ وهما اللذان يجهل حالهما في الفسق والعدالة مع سلامة الظاهر، والصحيح من المذهب انعقاد النكاح بهما؛ لأن النكاح يغلب وقوعه في البوادي والقرى حيث يتعذر الوصول إلى العدل في الباطن والظاهر، فلو اشترط معرفة العدالة الباطنة لطال الأمر وشق على المتعاقدين بخلاف الحكم حيث لا يجوز بشهادة المستورين لأنه يسهل على الحاكم مراجعة المزكين ومعرفة عدالة الشاهدين باطنًا وظاهرًا، وَلِهَذَا قُلْنَا: ينعقد النكاح بالمستورين وإذا شهدا به عند الحاكم لم يجز له الحكم به حتى تتحقق عدالتهما، وعن الإصطخري (٢) وجه أنه لا ينعقد بشهادة المستورين وهو جار على القواعد ومقتضى الدليل، واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 132

آخِرُ الدَّرْسِ الْمُبَارَكِ بِالْمَدْرَسَةِ الصَّلَاحِيةِ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ رَحِمَ اللَّهُ وَاقِفَهَا، وكان إلقاؤه بها يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين. * * *

стр. 133

رِسَالَة في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾

стр. 134

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بَعْدُ: فهذه رسالة للحافظ العلائي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ وهي من أفضل الرسائل التي فسر فيها الحافظ العلائي بعض الآيات، فقد فسر فيها الآية الكريمة تفسيرًا جيدًا، وتكلم خلال تفسيره للآية عن غلو اليهود والنصارى في حق سيدنا عيسى ﵇ والرد على ذلك، وأيضًا تكلم عن سبب تسمية عيسى ﵇ بالمسيح وذكر الأقوال في ذلك، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة التي ستجدها إن شاء اللَّه في هذه الرسالة، فرحم اللَّه مؤلفها ومحققها وكل من شارك في إخراجها رحمة واسعة، آمين.

стр. 135

التوصيف العلمي للنسخة الخطية اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسخة خطية فريدة لم أظفر بغير ذلك من النسخ الخطية: وهي نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية ضمن مجموع تحت رقم (٣٦٠٢) ج. - اسم الناسخ: يحيى بن أبي النصر بن أحمد بن حامد الأنصاري المالكي. - تاريخ النسخ: ثامن عشر جمادى الأول سنة تسع عشرة بعد الألف. - نوع النسخ: نسخ معتاد. - عدد الأوراق: ١٠ ورقات. توثيق الكتاب: الناظر في هذه الرسالة يعلم إن شاء اللَّه تعالى أنها من تصنيف الإمام الحافظ العلائي من خلال أسانيده وشيوخه الذين روى عنهم وأسلوبه في التأليف، وأيضًا: وجد على طرة النسخة الخطية نسبة هذه الرسالة للإمام العلائي.

стр. 136

الورقة الأولى

стр. 137

الورقة الأخيرة

стр. 138

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَلْتُ قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١). جميع ما تقدم من الآيات من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. . (٢) إلى هنا إنما هو خطاب مع اليهود، والخطاب في هذه الآية للنصارى، هذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين، وجوز بعض الأئمة أن يكون الخطاب فيها للفريقين جميعًا؛ لأن كلا منهما غلا في حق المسيح ﵊، فاليهود غلت في طرف الرد والإنكار حتَّى قالوا فيه ما قالوا وبهتوا أمه بما برأها اللَّه منه، والنصارى غلت في تعظيمه حتى قالوا: هو ابن اللَّه؛ فرد اللَّه تعالى عليهم جميعًا ونهاهم عن ذلك بهذه الآية، وهذا فيه نظر من جهة أن قول اليهود في عيسى ﵇ ليس غلوًّا وإنما هو بخس لحقه. والغلو: تجاوز الحد في جانب المدح، ولو قدر أن يكون الغلو في جانب الذم أَيضًا فقوله تعالى في هذه الآية بعد ذلك: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ (٣) يؤيد قول جمهور المفسرين أن الخطاب بها للنصارى. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٤) يعني: لا تصفوه بالحلول في بدن

стр. 139

الإنسان والاتحاد بروحه؛ فإن ذلك مح الذي حقه تعالى كما سنقرره بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى. و ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول ﴿تَقُولُوا﴾ أي: ولا تقولوا إلا القول الحق؛ لأنه بمعنى لا تذكروا ولا تعتقدوا، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: القول الحق. والقول هنا: هو الذي تعبر عنه الجملة في قولك: قلت: زيد منطلق، أي: قلت هذا الكلام، وأصله في اللغة: كل ما تقلقل به اللسان من الأصوات المعتمدة على المقاطع، وقد يطلق على غير ذلك مجازًا، كما في قول أبي النجم: *قَالت لَهُ الطَّيْرُ تَقَدَّمْ رَاشِدَا* ويطلق أَيضًا على الآراء والاعتقادات مجازًا فيقال: أنا أقول بقول الشافعي، أي: باعتقاده، ووجه هذا المجاز أن الاعتقاد لا يظهر إلا بالقول فهو سبب لظهوره فسمي به. ثم لما منعهم اللَّه من الغلو أرشدهم إلى الطريق الحق وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه وعبده. وَفِي تَسْمِيَةِ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالْمَسِيحِ وُجُوهٌ: قيلَ: هو اسم علم. وَقِيلَ: هو فعيل بمعنى مفعول كأنه مسح بالدهن أو بالبركة، أو مسحه اللَّه من الذنوب وطهره من الأدناس، وهذا قول مجاهد. وَقِيلَ: هو فعيل بمعنى فاعل، أي: عليه مسحة جمال كما يقال: فلان جميل، أو يمسح الزمن (١) فيبرأ، أو يمسح الطائر فيحيا بإذن اللَّه، أو يمسح الأرض بالمشي وهو قول مالك. وَقِيلَ: هو معرب وأصله مشيحًا فعرب كما عرب موسى وأصله موسى، وهذا لائق بمن جعله علمًا، فأما من قال: إنه صفة فلا يتأتى هذا على مذهبه، وقرأ جعفر ابن محمد الصادق "إِنَّما الْمِسِّيحُ" بوزن السكيت.

стр. 140

وَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِهِ المَسِيح وَهُوَ يَكْفِي في التَّعْرِيفِ فَائِدَتَانِ جَلِيلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: بيان أن عيسى صلوات اللَّه عليه ليس له أبي ولا ينتسب إلا إلى أمه، فكرر اللَّه تعالى نسبته إلى أمه في القرآن كثيرًا لتستشعر النفوس ما يجب عليها من اعتقاد ذلك من تنزيه اللَّه سبحانه عن الولد وتنزيه مريم الطاهرة عما كذبته عليها اليهود لعنهم اللَّه، ولهذا المعنى ينبغي أن يكون ﴿الْمَسِيحُ﴾ في هذه الآية مبتدأ و ﴿عِيسَى﴾ بدل منه، أو عطف بيان و ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هو الخبر للمبتدأ و ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ صفة له و ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ عطف على الصفة، ويكون فائدة ذلك انحصار وصف عيسى ﵊ في كونه ابن مريم فقط؛ لكونه رسول اللَّه وكلمته لما تقتضيه ﴿إنَّمَا﴾ من حصر المبتدأ في الخبر. وجعل أبو البقاء ﴿الْمَسِيحُ﴾ مبتدأ وخبره ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾، و ﴿عِيسَى﴾ إما بدل من المبتدأ أو عطف بيان له (١) كما ذكرنا وهو متجه أَيضًا، لكن الأول أقوى؛ للفائدة التي أشرنا إليها من الحصر وإبطال ما ادعته النصارى واليهود في حقه ﵇، ويتأيد ذلك بإثبات الألف في ابن مريم هنا في رسم المصحف إجماعًا وذلك يرجح كون "ابْن" خبرًا لا وصفًا، واللَّه أعلم. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن عادة الملوك والأشراف أنهم لا يذكرون حرائرهم في ملأ الناس ولا يصرحون بأسمائهن بل يكنون عنهن بالأهل والعيال ونحو ذلك، فإذا ذكروا الإماء صرحوا باسمائهن ولم يصونوهن عن الابتذال، فلما قالت النصارى لعنهم اللَّه في حق اللَّه ما قالوا من جهة مريم صرح اللَّه تعالى باسمها في نحو ثلاثين موضعًا من القرآن ولم يسم في القرآن امرأة غيرها، بل كنى عن امرأة فرعون وامرأة نوح وامرأة لوط وأزواج النبي ﷺ ولم يكن عن مريم تأكيدًا للأموة والعبودية التي هي صفة لها وإجراء للكلام على عادة الرؤساء في ذكر إمائها، وهذا ذكره السهيلي ﷺ وهو معنى حسن.

стр. 141

و"الرَّسُولُ" أصله من الرسل وهو الانبعاث على تؤدة ورفق، يقال: ناقة رسول إذا كانت سهلة السير، ثم يصدر منه الرفق فقط تارة فيقال لمن أمر به: على رسلك وإن لم يكن ثَمَّ سير، وتارة الانبعاث فقط فاشتق منه لفظ الرسول. وأما في حق رسول اللَّه فلا يخلو عن المعنى الآخر؛ لما أمر به رسل اللَّه من الرفق بأممهم: قال اللَّه سبحانه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (١). وقال لنبينا ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. . . الآية (٢). وَفِي وَصْفِ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَائِدَتَانِ أَيْضًا: إِحْدَاهُمَا: الرد على اليهود لعنهم اللَّه في إنكارهم نبوة عيسى ﵊ وطعنهم عليه. وَالثَّانِيَةُ: الرد على النصارى لعنهم اللَّه تعالى في دعواهم أنه ابن اللَّه؛ إذ لو كان ابنه أو شريكًا له في الإلهية لم يرسله، ويقوى هذا بالإعراب الذي ذكره أبو البقاء (٣) ﵀ من جعله خبر المبتدأ ﴿رَسُولِ اللَّهِ﴾ فيكون مفيدًا انحصار عيسى في هذا الوصف، واللَّه أعلم. ومعنى كون عيسى ابن مريم كلمة اللَّه: أنه وجد بكلمة اللَّه وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة. والمراد بكلمة اللَّه: قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ قال اللَّه سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤). وَقِيلَ: سماه كلمة؛ لأن اللَّه سبحانه بشر به في الكتب السالفة فلما. . . (٥). كما يقول الذي يخبر بشيء أنه سيقع فلما يوجد: قد جاء قولي وكلامي.

стр. 142

وَقِيلَ: لأن اللَّه يهدي به كما عدي بكلمته، وقيل غير ذلك، والمعنى الأول أظهر. ومعنى ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: أوصلها إليها وحصلها فيها. وذكر العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ وجوها: أَحَدُهَا وهو الذي اختاره صاحب "الكشاف" ما تقدم في جعله كلمة اللَّه ومعنى ذلك أنه ذو روح وجسد وليس جزءًا من ذي روح وجسد كالنطفة المنفصلة من الأب الحي، وإنما اخترع اختراعًا من عند اللَّه بقدرته الخالصة (١)، قال أبي بن كعب ﵁: خلق اللَّه تعالى أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم ﵇ وأمسك عنه روح عيسى ﵇ فلما أن أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم فكان عيسى (٢). ومعنى. . . (٣) في نار أمر صاحبه بالنفخ فيها: فقلت له ارفعها إليك وأحيها ... بروحك. . . البيت روي أن جبريل ﵇ نفخ في درع مريم فحملت بإذن اللَّه وأمره. وعلى هذا الوجه معنى قوله ﴿مِّنْهُ﴾: بأمره؛ لأن نفخ جبريل كان بإذن اللَّه وأمره. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أن معنى الروح هنا: الرحمة، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٤) أي: برحمة، وكذلك قيل في قراءة ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (٥) بضم الراء، أي: فرحمة.

стр. 143

فعيسى ﷺ كان رحمة من اللَّه لمن اتبعه وأطاعه كما قال ﷺ : "إِنَّمَا أَنَّا رَحْمَةٌ مُهدَاة" (١) وهذا الوجه يلزم منه تسمية النبي ﷺ روح اللَّه ولم يطلق عليه، والأولان أقوى. وقيل أيضًا فيه وجه رابع: وهو أن المراد بالروح ها هنا جبريل ﵇؛ لأنه يطلق عليه الروح، قال اللَّه تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٢) ويكون "رُوح" هنا معطوفًا على الضمير المستكن في ﴿أَلْقَاهَا﴾ وتأويله: ألقاها اللَّه إلى مريم وجبريل. ومعنى ﴿مِّنْهُ﴾ أي: بإذنه وأمره، كقولك: قلت لفلان منك قولًا، أي: بإذنك في ذلك، وهذا وجه صحيح أَيضًا، وعلى الأوجه الأول يكون "رُوح" معطوفًا على "رسول" الخبر. وأما ﴿أَلْقَاهَا﴾ فهو في موضع الحال، و"قَدْ" مقدرة معه، هذا على قول الجمهور، وأما عند سيبويه فإنه يمنع وقوع الماضي المثبت حالًا إلَّا بأن يلفظ بـ "قَدْ" معه، وفي [. . .] (٣) ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٤) إنما جمع الرسل لأن المراد أن يدخلوا في دين الإِسلام، فلو قيل: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لتوهم عود الضمير إلى عيسى ﵇ ولم يكن فيه حمل على الدخول في هذا الدين، وأما الإيمان باللَّه وجميع الرسل فإنه

стр. 144

من خصائص هذا الدين القويم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ "ثَلَاثَةٌ" خبر مبتدأ محذوف، ويحتمل أن يكون المبتدأ "اللَّه ثَلَاثَةٌ" ويكون ذلك ردًّا على من يقول منهم: الإله جوهر واحد مشتمل على ثلاثة أقانيم (١): أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، ويريدون باقنوم الأب: الذات، وبأقنوم الابن: العلم، وبأقنوم روح القدس: الحياة، وهذا قول اليعقوبية منهم لعنهم اللَّه وهم الذين عناهم اللَّه سبحانه بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٢). ويحتمل أن يكون المبتدأ: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة، ويكون ردًّا على القائلين منهم بأن اللَّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة تعالى اللَّه عما يقولون علوًّا كبيرًا، وهذا قول الملكية لعنهم اللَّه وهم جمهور النصارى قالوا: إن عيسىى ﵇ إله تام كله وإنسان تام كله ليس أحدهما غير الآخر، وأن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل، وأن الإله منه لم ينله شيء، وأن مريم ولدت الإله والإنسان معًا وأنهما معًا شيء واحد، تعالى اللَّه عن كفرهم وهؤلاء هم الذين عناهم اللَّه سبحانه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٣). والنسطورية فرقة من الملكية قالوا: إن مريم لم تلد الإله وإنما ولدت الإنسان، وأن اللَّه. . . (٤). والجاحدون علوًّا كبيرًا. واختلف النحاة في الذي انتصب به ﴿خَيْرًا﴾ في قوله تعالى هنا: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وذلك لأن ﴿انْتَهُوا﴾ لازم لا يجوز أن ينتصب به ولا يجوز نصبه على تقدير إسقاط حرف الجر، أي: انتهوا عن خير لكم؛ لأنه يكون أمرًا بالشر إذ هو

стр. 145

انتهاء عن الخير فتعين التقدير، فمذهب سيبويه أنه انتصب بفعل مقدر علم بخصوصيته مع كثرة الاستعمال، وذلك أن القائل إذا قال: انته، فقد أمره بترك شيء، وترك ذلك الشيء: فعل ضده فإنه لما قال: ﴿انْتَهُوا﴾ علم أن المنهي عنه شر؛ فكأنه أمرهم بالكف عن الشر وأن يأتوا الخير لا بالكف عن الشر والإمساك عنه فقط، فتقديره: انتهوا وائتوا خيرًا لكم. وقال الكسائي: انتصب ﴿خَيْرًا﴾ لأنه خبر "كان" مضمرة فتقديره يكن الانتهاء خيرًا لكم، وجوز الفراء فيه وجهًا آخر وهو أنه منصوب على اتصاله بـ ﴿انْتَهُوا﴾ والتقدير في الأصل: انته هو خير لك، أي: الانتهاء خير لك، فهذا أسقطت "هو" اتصل بما قبله فنصب على الحال من المضمر المعرفة، وقد جوز سيبويه النصب على الحال منه، والوجهان الأولان أقوى؛ لأنه قد جاء مثله فيما ليس بمصدر نحو قولهم: وراءك أوسع لك، فعند سيبويه أن وراءك اسم لـ "ارجع"، وأوسع وصف لموصوف محذوف مع فعله أي: رأيت مكانًا أوسع لك، وعند الكسائي تقديره يكون أوسع لك وربما رجح قول الكسائي بقلة المضمر فيه، ولا يمكن هنا تقدير ما قاله الفراء. ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ردًّا على النصارى في التثليث، ونصًّا على الحق أماتنا اللَّه عليه، وقد تقدم في صدر الآية أن اللَّه بين أن المسيح ﵊ ولد لمريم. . . (١) به اتصال الأبناء بالآباء، تعالى اللَّه وتقدس عن ذلك. قال أبو علي الفارسي: قولهم: "واحد" اسم جرى على وجهين في كلامهم: أَحَدُهُمَا: أن يكون اسمًا. وَالآخَرُ: أن يكون وصفًا، فالاسم الذي ليس بصفة قولهم في العدد واحد اثنان، وأما مجيئه صفة فكقولهم: هذا شيء واحد؛ فإذا جرى هذا الاسم على اللَّه سبحانه جاز أن يكون وصفًا كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو اسم كقولنا شيء.
следующие страницы →