و"الرَّسُولُ" أصله من الرسل وهو الانبعاث على تؤدة ورفق، يقال: ناقة رسول إذا كانت سهلة السير، ثم يصدر منه الرفق فقط تارة فيقال لمن أمر به: على رسلك وإن لم يكن ثَمَّ سير، وتارة الانبعاث فقط فاشتق منه لفظ الرسول.
وأما في حق رسول اللَّه فلا يخلو عن المعنى الآخر؛ لما أمر به رسل اللَّه من الرفق بأممهم:
قال اللَّه سبحانه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (١).
وقال لنبينا ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. . . الآية (٢).
وَفِي وَصْفِ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَائِدَتَانِ أَيْضًا:
إِحْدَاهُمَا: الرد على اليهود لعنهم اللَّه في إنكارهم نبوة عيسى ﵊ وطعنهم عليه.
وَالثَّانِيَةُ: الرد على النصارى لعنهم اللَّه تعالى في دعواهم أنه ابن اللَّه؛ إذ لو كان ابنه أو شريكًا له في الإلهية لم يرسله، ويقوى هذا بالإعراب الذي ذكره أبو البقاء (٣) ﵀ من جعله خبر المبتدأ ﴿رَسُولِ اللَّهِ﴾ فيكون مفيدًا انحصار عيسى في هذا الوصف، واللَّه أعلم.
ومعنى كون عيسى ابن مريم كلمة اللَّه: أنه وجد بكلمة اللَّه وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة.
والمراد بكلمة اللَّه: قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ قال اللَّه سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤).
وَقِيلَ: سماه كلمة؛ لأن اللَّه سبحانه بشر به في الكتب السالفة فلما. . . (٥).
كما يقول الذي يخبر بشيء أنه سيقع فلما يوجد: قد جاء قولي وكلامي.
стр. 142
وَقِيلَ: لأن اللَّه يهدي به كما عدي بكلمته، وقيل غير ذلك، والمعنى الأول أظهر.
ومعنى ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: أوصلها إليها وحصلها فيها.
وذكر العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ وجوها:
أَحَدُهَا وهو الذي اختاره صاحب "الكشاف" ما تقدم في جعله كلمة اللَّه ومعنى ذلك أنه ذو روح وجسد وليس جزءًا من ذي روح وجسد كالنطفة المنفصلة من الأب الحي، وإنما اخترع اختراعًا من عند اللَّه بقدرته الخالصة (١)، قال أبي بن كعب ﵁: خلق اللَّه تعالى أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم ﵇ وأمسك عنه روح عيسى ﵇ فلما أن أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم فكان عيسى (٢).
ومعنى. . . (٣)
في نار أمر صاحبه بالنفخ فيها:
فقلت له ارفعها إليك وأحيها ... بروحك. . . البيت
روي أن جبريل ﵇ نفخ في درع مريم فحملت بإذن اللَّه وأمره.
وعلى هذا الوجه معنى قوله ﴿مِّنْهُ﴾: بأمره؛ لأن نفخ جبريل كان بإذن اللَّه وأمره.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أن معنى الروح هنا: الرحمة، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٤) أي: برحمة، وكذلك قيل في قراءة ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (٥) بضم الراء، أي: فرحمة.
стр. 143
فعيسى ﷺ كان رحمة من اللَّه لمن اتبعه وأطاعه كما قال ﷺ : "إِنَّمَا أَنَّا رَحْمَةٌ مُهدَاة" (١) وهذا الوجه يلزم منه تسمية النبي ﷺ روح اللَّه ولم يطلق عليه، والأولان أقوى.
وقيل أيضًا فيه وجه رابع: وهو أن المراد بالروح ها هنا جبريل ﵇؛ لأنه يطلق عليه الروح، قال اللَّه تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٢) ويكون "رُوح" هنا معطوفًا على الضمير المستكن في ﴿أَلْقَاهَا﴾ وتأويله: ألقاها اللَّه إلى مريم وجبريل.
ومعنى ﴿مِّنْهُ﴾ أي: بإذنه وأمره، كقولك: قلت لفلان منك قولًا، أي: بإذنك في ذلك، وهذا وجه صحيح أَيضًا، وعلى الأوجه الأول يكون "رُوح" معطوفًا على "رسول" الخبر.
وأما ﴿أَلْقَاهَا﴾ فهو في موضع الحال، و"قَدْ" مقدرة معه، هذا على قول الجمهور، وأما عند سيبويه فإنه يمنع وقوع الماضي المثبت حالًا إلَّا بأن يلفظ بـ "قَدْ" معه، وفي [. . .] (٣)
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٤) إنما جمع الرسل لأن المراد أن يدخلوا في دين الإِسلام، فلو قيل: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لتوهم عود الضمير إلى عيسى ﵇ ولم يكن فيه حمل على الدخول في هذا الدين، وأما الإيمان باللَّه وجميع الرسل فإنه
стр. 144
من خصائص هذا الدين القويم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ "ثَلَاثَةٌ" خبر مبتدأ محذوف، ويحتمل أن يكون المبتدأ "اللَّه ثَلَاثَةٌ" ويكون ذلك ردًّا على من يقول منهم: الإله جوهر واحد مشتمل على ثلاثة أقانيم (١): أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، ويريدون باقنوم الأب: الذات، وبأقنوم الابن: العلم، وبأقنوم روح القدس: الحياة، وهذا قول اليعقوبية منهم لعنهم اللَّه وهم الذين عناهم اللَّه سبحانه بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٢).
ويحتمل أن يكون المبتدأ: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة، ويكون ردًّا على القائلين منهم بأن اللَّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة تعالى اللَّه عما يقولون علوًّا كبيرًا، وهذا قول الملكية لعنهم اللَّه وهم جمهور النصارى قالوا: إن عيسىى ﵇ إله تام كله وإنسان تام كله ليس أحدهما غير الآخر، وأن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل، وأن الإله منه لم ينله شيء، وأن مريم ولدت الإله والإنسان معًا وأنهما معًا شيء واحد، تعالى اللَّه عن كفرهم وهؤلاء هم الذين عناهم اللَّه سبحانه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٣).
والنسطورية فرقة من الملكية قالوا: إن مريم لم تلد الإله وإنما ولدت الإنسان،
وأن اللَّه. . . (٤).
والجاحدون علوًّا كبيرًا.
واختلف النحاة في الذي انتصب به ﴿خَيْرًا﴾ في قوله تعالى هنا: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وذلك لأن ﴿انْتَهُوا﴾ لازم لا يجوز أن ينتصب به ولا يجوز نصبه على تقدير إسقاط حرف الجر، أي: انتهوا عن خير لكم؛ لأنه يكون أمرًا بالشر إذ هو
стр. 145
انتهاء عن الخير فتعين التقدير، فمذهب سيبويه أنه انتصب بفعل مقدر علم بخصوصيته مع كثرة الاستعمال، وذلك أن القائل إذا قال: انته، فقد أمره بترك شيء، وترك ذلك الشيء: فعل ضده فإنه لما قال: ﴿انْتَهُوا﴾ علم أن المنهي عنه شر؛ فكأنه أمرهم بالكف عن الشر وأن يأتوا الخير لا بالكف عن الشر والإمساك عنه فقط، فتقديره: انتهوا وائتوا خيرًا لكم.
وقال الكسائي: انتصب ﴿خَيْرًا﴾ لأنه خبر "كان" مضمرة فتقديره يكن الانتهاء خيرًا لكم، وجوز الفراء فيه وجهًا آخر وهو أنه منصوب على اتصاله بـ ﴿انْتَهُوا﴾ والتقدير في الأصل: انته هو خير لك، أي: الانتهاء خير لك، فهذا أسقطت "هو" اتصل بما قبله فنصب على الحال من المضمر المعرفة، وقد جوز سيبويه النصب على الحال منه، والوجهان الأولان أقوى؛ لأنه قد جاء مثله فيما ليس بمصدر نحو قولهم: وراءك أوسع لك، فعند سيبويه أن وراءك اسم لـ "ارجع"، وأوسع وصف لموصوف محذوف مع فعله أي: رأيت مكانًا أوسع لك، وعند الكسائي تقديره يكون أوسع لك وربما رجح قول الكسائي بقلة المضمر فيه، ولا يمكن هنا تقدير ما قاله الفراء.
ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ردًّا على النصارى في التثليث، ونصًّا على الحق أماتنا اللَّه عليه، وقد تقدم في صدر الآية أن اللَّه بين أن المسيح ﵊ ولد لمريم. . . (١)
به اتصال الأبناء بالآباء، تعالى اللَّه وتقدس عن ذلك.
قال أبو علي الفارسي: قولهم: "واحد" اسم جرى على وجهين في كلامهم:
أَحَدُهُمَا: أن يكون اسمًا.
وَالآخَرُ: أن يكون وصفًا، فالاسم الذي ليس بصفة قولهم في العدد واحد اثنان، وأما مجيئه صفة فكقولهم: هذا شيء واحد؛ فإذا جرى هذا الاسم على اللَّه سبحانه جاز أن يكون وصفًا كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو اسم كقولنا شيء.
стр. 146
قُلْتُ: كل منهما هنا محتمل، فالاسم ينفي أن يكون معه إله آخر سبحانه وتعالي، والوصف ينفي أن يكون متعددًا في ذاته ويجوز أن يراد المعنيان جميعًا.
قال الإِمام فخر الدين ﵀: الحق واحد باعتبارين:
أَحَدُهُمَا: أنه ليست ذاته مركبة من اجتماع أمور كثيرة.
وَالثَّانِي: أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود وكونه مبدأ لجميع الكائنات، ثم قرر البرهان على كونه سبحانه واحدًا بالاعتبار الأول بأنه سبحانه لو كان مركبًا لافتقر تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره فكل مركب فهو ممكن لذاته، واللَّه سبحانه واجب الوجود لذاته فليس ممكنًا فثبت أنه ليس مركبًا.
قُلْتُ: ومن وجه آخر يخص النصارى في قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (١) لأنهم إما أن يقولوا بالحلول أو بالاتحاد؛ والحلول باطل؛ لأنه لا يعقل إلا إذا كان الحال مفتقرًا إلى المحل؛ فإن كان حلوله سبحانه في المسيح على وجه الجواز لم يكن الحال مفتقرًا إلى المحل فيستحيل الحلول، وإن كان على وجه الوجوب لزم افتقار الواجب إلى غيره ضرورة افتقار الحال إلى المحل ولزم من ذلك حدوث الرب أو قدم المحل، وكل من ذلك مستحيل، فالحلول باطل والاتحاد أَيضًا باطل؛ لأن المتحدين إما أن يبقيا عند الاتحاد أو ينعدما ويحصل ثالث أو يبقى أحدهما دون الآخر وعلى القسمين الأولين تنتفي صورة الاتحاد، وكذلك أَيضًا في القسم الثالث لاستحالة كون المعدوم عين الموجود.
وأما كونه سبحانه وتعالي واحدًا بالاعتبار الثاني، وهو أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه إلهًا واجب الوجود وكونه مبدأ لجميع الكائنات فقال أصحابنا: إنه واحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له.
стр. 147
أما الأول فلأن تلك الذات المخصوصة التي هي المشار إليها بقولنا: هو الحق سبحانه إما أن تكون حاصلة في شخص آخر سواه أولا تكون كذلك، فإن كان الأول كان امتياز ذاته المعينة عن المعين الآخر لا بد وأن يكون بقيد زائد فيكون مركبًا في نفسه مما به الاشتراك وما به الامتياز، وكل مركب فهو مفتقر كما تقدم، وكل مفتقر ممكن لذاته وذلك محال في حقه ، وإن لم يكن ذلك فقد ثبت أنه سبحانه في ذاته لا قسيم له، وأيضًا لو وجد إلهان لكان كل منهما قادرًا على كل المقدورات؛ لأن هذه من خواص الإلهية فهذا قصد كل واحد منهما إلى إيجاد شيء امتنع وقوعه بهما؛ لأن الأثر مع المؤثر التام واجب الوقوع ووجوب وقوعه بذلك يمنع أن يكون مستندًا في وقوعه إلى غير ذلك المؤثر، فلو استند إليهما لانقطع عنهما ولم يقع بواحد منهما ويمتنع أن لا يقع بواحد منهما؛ لأن المانع من وقوعه بأحدهما وقوعه بالآخر فلو لم يقع بهما لوقع بهما ويمتنع وقوعه بأحدهما دون الآخر؛ لأنه لا يكون الآخر قادرًا على كل المقدورات، وإذا بطلت كل هذه الأقسام لزم أن لا يكون الإله إلا واحدًا .
وأما كونه تعالى واحدًا في صفاته لا شبيه له؛ فلأن صفاته سبحانه أزلية قديمة وصفات غيره حادثة متغيرة، وأيضًا فلأن صفاته سبحانه غير متناهية بحسب التعلقات فإن علمه متعلق بجميع المعلومات وقدرته متعلقة بجميع المقدورات بخلاف صفات غيره.
وأما كونه واحدًا في أفعاله فظاهر؛ لأن الموجود إما واجب أو ممكن، وبرهان الحصر ما تقدم، فالواجب هو اللَّه والممكن ما عداه وكل ما كان ممكنًا فإنه لا يوجد ما لم يستند إلى الواجب في إيجاده؛ لأن ماهيته قابلة للوجود والعدم فيمتنع حصول أحدهما إلا بمرجح وذلك المرجح هو اللَّه سبحانه الموجد القادر ولا يختلف هذا الحكم باختلاف أقسام الممكنات سواء كان مالكًا أو مملوكًا أو فعلًا للعباد؛ لأن كل ما عداه فهو ملكه وتحت قدرته وتصرفه واستيلائه وليس له فيه شريك ولا معين .
فهذه نبذة مختصرة في تقرير وحدانيته وبطلان قول فرق النصارى، وبسط ذلك لا يحتمله هذا الموضع، واللَّه سبحانه الموفق بكرمه.
стр. 148
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فالتسبيح: تنزيه اللَّه عن السوء والنقائص وتبعيده من ذلك، هذا مما لا اختلاف فيه عند أهل اللغة.
وأصله من السبح وهو المرُّ السريع، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (١)، و ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (٢).
وللنحاة اختلاف طويل في ﴿سُبْحَانَهُ﴾ وانتصابه على ماذا يرجع حاصله إلى أنه عند سيبويه والمحققين أنه اسم موضوع موضع المصدر قائم مقامه لا أنه مصدر، وأن انتصابه لقيامه مقام المصدر وليس بعلم إلا إذا أضيف فإنه يتعرف بالإضافة، وشبهه سيبويه بقولهم حجرًا وسلامًا.
وذهب الأخفش إلى أنه علم على التسبيح سواءً استعمل مضافًا أو مقطوعًا عن الإضافة، وأن الإضافة فيه للبيان لا للتعريف نحو زيد الخيل وزيد المعارك، وأنه لا ينصرف لاجتماع الألف والنون الزائدتين فيه مع العلمية.
واحتج على ذلك بقول الأَعمش:
أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
فلم يصرفه مع قطعه عن الإضافة فدل على علميته وهذا هو اختيار المبرد والزمخشري وجماعة، وقد عارضهم الأولون بقول أمية بن أبي الصلت:
سبحانه ثم سبحانًا نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد
وأجاب الفراء عن بيت الأَعمش بأن ترك التنوين فيه على تأويل ترك الإضافة، أي: إنه أراد أن يقول: سبحانك، فحذف المضاف إليه وترك المضاف على حالة نحو قول بعضهم:
إلا علالة أو بدا ... هة سابح نهد الجزاره
وقول الفرزدق: *بين ذراعي وجبهة الأسد*
وبسط الكلام في ذلك ليس موضعه هذا.
стр. 149
قال الفراء: يصلح في ﴿سُبْحَانَهُ﴾ (١) هنا من وعن، أي: سبحانه من أن يكون له ولد وعن أن يكون له ولد فيكون أن في موضع نصب عند الجمهور، وعند الكسائي في موضع خفض بإعمال حرف الجر مع تقديره.
ثم أتبع تنزيهه بقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ومعنى ذلك أن من كان مالكًا لكل ما في السماوات وما في الأرض كان مالكًا لعيسى ومريم؛ لأنه إذا كان مالكًا لما هو أعظم منهما وما هو محتو عليهما كان مالكًا لهما بطريق الأولى، وإذا كانا مملوكين له فكيف يعقل كونه ولدًا أو كونها زوجة؛ لأنه لا يكون بعض ملكه جزءًا له فلهذا المعنى أتبع كل موضع نزه فيه نفسه عن الولد والصاحبة كونه مالكًا لما في السماوات وما في الأرض، ويفيد ذلك نفي الشريك أَيضًا؛ لأنه إذا كان كل ما في السماوات وما في الأرض ملكًا له فكيف يكون ما هو مملوك له شريكًا في ملكه، هذا مستحيل، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣).
ثم قال تعالى ختمًا للآية: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ والمعنى أن اللَّه سبحانه كاف في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر، وإلى هذا أشار المتكلمون بقولهم: لما كان عالمًا بجميع المعلومات قادرًا على كل المقدورات كان كافيًا في الإلهية، فلو فرضنا إلهًا آخر معه سبحانه كان معطلًا لا فائدة فيه، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلها، وباللَّه التوفيق.
أخبرنا أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود الدمشقي قراءة عليه، عن أبي الوفاء محمود بن إبراهيم بن منده، أنا أبو عبد اللَّه الحسن بن العباس الرستمي، أنا أبو
стр. 150
عمرو عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق، أنا أبي الحافظ أبو عبد اللَّه، أنا خيثمة بن سليمان [عن] (١) العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي.
(ح) وأخبرنا (محمد بن يعقوب بن يوسف بن أحمد بن علي بن عمرو بن أبي سلمة) (٢) قالا: ثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ العبسي، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثني عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَن شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الجَنَّة عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٣) من حديث مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي به.
وأخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) أَيضًا من حديث الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ بلفظ آخر نحو هذا.
وبه إلى أبي عبد اللَّه الحافظ قال: أنا محمد بن الحسن أبو طاهر النيسابوري، ثنا عبد الملك بن محمد أبو قلابة، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، أنا شعبة، عن خالد
стр. 151
الحذاء، عن الوليد بن مسلم أبي بشر، عن حمران بن أَبان، عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ عَلِمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ".
صحيح أخرجه مسلم (١) بنحو هذا اللفظ.
ورواه معاذ بن جبل (٢) وغيره عن النبي ﷺ أَيضًا.
وأخرجه البخاري بغير هذا اللفظ (٣).
أخبرنا أبو الفضل سليمان بن حمزة الحاكم وهدية بنت علي بن عسكر وأبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم، وإسماعيل بن يوسف بن مكتوم، وعبد الأحد بن أبي القاسم الحراني، وأحمد بن أبي طالب المعمر، وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي، وزينب ابنة أحمد بن شكر، قال الثلاثة الأولون: أنا الحسن بن المبارك الربعي والأول حاضر، وقال الأولان أَيضًا والباقون: أنا عبد اللَّه بن عمر الخزيمي قالا: أنا عبد الأول بن عيسى الهروي، أنا محمد بن أبي مسعود الفارسي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح الأنصاري، ثنا عبد اللَّه بن محمد البغوي، ثنا العلاء بن موسى الباهلي، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو -يعني ابن دينار- عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ﵄ قال: أخبرني من شهد معاذًا ﵁ حين حضرته الوفاة يقول: اكشفوا عني سجف القبة فإني سمعت من رسول اللَّه ﷺ حديثًا لم يمنعني أن أحدثكموه إلا مخافة أن تتكلوا، سمعته يقول: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه مُخْلِصًا (وَثبتًا) (٤) مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ" (٥).
كذا رواه سفيان بن عيينة وسعيد بن زيد وسعيد بن سليمان، عن عمرو بن دينار
стр. 152
وغيرهم.
ورواه عبد اللَّه بن بكر، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو، عن جابر قال: سمعت معاذًا.
أخبرنا الرباني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبري بمنى شرفها اللَّه، أنا أبو الحسن علي بن هبة اللَّه الشافعي، أنا أبو شاكر يحيى بن يوسف السقلاطوني، أنا ثابت بن بندار البقال، أنا الحسن بن أحمد بن شاذان، أنا عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا يحيى بن جعفر، ثنا عبد اللَّه بن بكر، ثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت معاذًا ﵁ حين حضر قال: ارفعوا عني سجف هذه القبة فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (١).
رجال هذا الإسناد ثقات.
وكذلك رواه صالح بن عمر، عن حاتم، وخالفهما خالد بن الحارث ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري فروياه عن حاتم بن أبي صغيرة فقالا فيه عن جابر: لما حضر معاذ لم يقل فيه: سمعت معاذًا، وهذا هو الصحيح.
ورواه أنس بن مالك عن معاذ ﵄ بلفظ آخر:
أخبرناه القاسم بن مظفر الدمشقي بها، أنا علي بن أبي عبد اللَّه البغدادي وأنا في الرابعة، عن نصر بن نصر العكبري ومحمد بن عبيد اللَّه الزاغوني قالا: أنا علي بن أحمد بن البسري، أنا محمد بن عبد الرحمن الذهبي، ثنا يحيى -يعني ابن صاعد- ثنا لوين محمد بن سليمان، ثنا حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَا مُعَاذُ".
قلت: لبيك يا رسول اللَّه.
قال: " بَشِّرَ النَّاسَ -أَوْ أَخْبِرِ النَّاسَ- أَنَّهُ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ".
стр. 153
هذا حديث متفق على صحته، أخرجاه في "الصحيحين" (١) من طرق عدة.
ورواه عبد الرحمن بن سمرة، عن معاذ أَيضًا:
أخبرناه عيسى بن عبد الرحمن المطعم بقراءتي عليه، أنا جعفر بن علي الهمداني، أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، أنا عبد الرحمن بن عمر السمناني، أنا الحسن بن أحمد بن شاذان، ثنا أحمد بن كامل القاضي، ثنا عبد الملك بن محمد، ثنا قريش بن أنس، ثنا حبيب بن الشهيد، عن حميد بن هلال، عن هصان بن [كاهل] (٢)، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ مَاتَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ يَرْجعُ ذَلِكَ إِلَى قَلْبِ مُوقِنٍ دَخَلَ الْجَنَّة" (٣).
ورواه أنس بن مالك عن معاذ بلفظ آخر أَيضًا:
أخبرناه أبو محمد بن أبي غالب بن عساكر، عن أبي الوفاء بن أبي إسحاق العبدي، أنا أبو عبد اللَّه الرستمي، أنا أبو عمرو بن منده، أنا أبي، أنا أحمد بن محمد ابن زياد، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا عبد اللَّه بن نمير.
(ح) قال: وأنا محمد بن عمر بن حفص، ثنا إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحارث، ثنا يعلي بن عبيد كلاهما، عن الأَعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتينا معاذ بن جبل ﵁ فقلنا: حدثنا من غرائب حديث رسول اللَّه ﷺ .
فقال: كنت ردف رسول اللَّه ﷺ على حمار فقال: "يَا مُعَاذُ".
قلت: لبيك يَا رسول اللَّه.
قال: "تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّه عَلَى الْعِبَادِ"؟
стр. 154
قلت: اللَّه ورسوله أعلم.
قال: "أَن يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشرِكُوا بِهِ شَيْئًا".
ثم قال: "تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ"؟
قلت: اللَّه ورسوله أعلم.
قال: "فَإنَّ حَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ".
اتفقا عليه من حديث قتادة عن أنس (١).
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا من حديث عمرو بن ميمون والأسود بن هلال عن معاذ. أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الرحيم القرشي بقراءتي عليه غير مرة، أنا عبد الوهاب بن ظافر الأزدي، أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، أنا محمد بن عبد السلام الأنصاري، أنا الحسن بن أحمد بن شاذان، أنا علي بن عبد الرحمن بن ماتي، ثنا إبراهيم بن عبد اللَّه العبسي، ثنا وكيع بن الجراح، عن الأَعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد ﵄ شك الأَعمش- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه، مَن لَقِيَ اللَّه بِهِمَا غَيْرَ شَاكٍّ لَمْ يُحْجَبْ عَنِ الجَنَّةِ".
أخرجه مسلم (٣) من حديث أبي معاوية، عن الأَعمش، وفيه قصة.
أخبرنا إسماعيل بن يوسف وعيسى بن عبد الرحمن وأحمد بن طالب قالوا: أنبأنا عبد اللَّه بن عمر، أنا عبد الأول بن عيسى، أنا عبد الرحمن بن المظفر، أنا عبد اللَّه ابن حمويه، أنا إبراهيم بن خزيم، ثنا عبد بن حميد (٤)، حدثني مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام الدستوائي، ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَن لَقِيَ اللَّه عز
стр. 155
وجل لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا أَدَخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ أَدَخَلَهُ النَّارَ" (١).
رواه محمد بن عبيد، عن الأَعمش، عن أبي سفيان، عن جابر.
وكل من هذين الإسنادين على شرط مسلم.
أخبرنا أبو نصر محمد بن محمد بن الشيرازي، أنا جدي القاضي أبو نصر محمد بن هبة اللَّه حضورًا، أنا إبراهيم بن الحسن الحصني والخضر بن شبل الحارثي قالا: أنا محمد بن الحسين الحنائي وعلي بن الحسين المدائني قالا: أنا محمد بن عبد السلام بن سعدان، ثنا محمد بن موسى بن فضالة، أنا الحسين بن محمد بن جمعة، ثنا محمد بن أحمد الصيدلاني، ثنا عيسى بن يونس، عن الأَعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه ﵁ قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، قالوا: يا رسول اللَّه وأينا لا يظلم نفسه؟!
قال: "لَيْسَ ذَلِكَ عَنى، هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ لُقمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ".
هذا حديث صحيح (٢).
أخبرنا أبو الفضل سليمان بن حمزة ومحمد بن موسى بن خلف وعبد اللَّه بن أحمد بن تمام الصالحيون بها قالوا: أنا يحيى بن أبي السعود الأزجي، أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد الإبري، أنا الحسين بن أحمد بن طلحة، أنا علي بن محمد بن بشران، ثنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عبد الكريم -يعني ابن الهيثم- ثنا أبو توبة -هو الربيع بن نافع- ثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام قال: حدثني الحارث الأشعري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ حدثهم قال: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا صلى اللَّه عليهما بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ يَعْمَلُ بِهِنَّ، وَيَأْمُرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ فَكَانَ يُبطئُ بِهِنَّ، فَقَالَ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنّكَ أُمِرْتَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ تَعْمَل بهِنَّ وَتَأْمُرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، فَإمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ وَإِمَّا أَنْ أَقُومَ فَآمُرَهُمْ بِهِنَّ
стр. 156
قَالَ يَحْيَى: إِنَّكَ إِنْ تَسْبِقْنِي بِهِنَّ أَخَافْ أَنْ أُعَذَّبَ أَوْ يُخْسَفَ بِي، فَجَمَعَ بَنِي إِسرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقدِسِ حَتَّى امْتَلأ الْمَسْجِدُ حَتَّى جَلَسَ النَّاسُ عَلَى الشُّرُفَاتِ، فَوَعَظَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّه تعالى أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَعْمَلُ بِهِنَّ، وَآمُرُكُم أن تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أُولاهُنَّ أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، فَإنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي وَعَمَلِي، فَاعْمَلْ وَأَدِّ عَمَلَكَ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي عَمَلَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ فَأَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدٌ كَذَلِكَ يُؤَدِّي عَمَلَهُ لِغَيْرِ سَيِّدِه؟ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ فَلا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا. . . " وذكر بقية الحديث، وهو صحيح أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١).
أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف المعدل، أنا الإِمام أبو عبد اللَّه محمد بن أبي الفضل المرسي، أنا منصور بن عبد المنعم الفراوي، أنا عبد الجبار بن محمد الخواري، أنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين (٢)، أنا علي بن محمد المقرئ، أنا الحسن ابن محمد بن إسحاق [حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا نصر بن علي، حدثنا وهب ابن جرير، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق] (٣) حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وعن عروة ابن الزبير -وصلب الحديث عن أبي بكر- عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ لما فتن أصحابه بمكة أشار عليهم أن يلحقوا بأرض الحبشة. . . فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: فكلمه جعفر ﵁ يعني النجاشي- فقال: كنا على دينهم -يعني دين أهل مكة- حتى بعث اللَّه فينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وعفافه فدعا إلى أن نعبد اللَّه وحده لا شريك له ونخلع ما كان يعبد قومنا وغيرهم من دونه، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، وأمرنا بالصلاة والصيام والصدقة وصلة الرحم وكل
стр. 157
ما يعرف من الأخلاق الحسنة، وعلمنا تنزيلًا جاءه من اللَّه لا يُشبهه شيء غيره فصدقناه وآمنا به وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند اللَّه ففارقنا عند ذلك قومنا وآذونا.
فقال النجاشي: هل معكم مما نزل عليه شيء تقرءونه علي؟
قال جعفر ﵁: نعم، فقرأ ﴿كهيعص﴾ فلما قرأها بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم.
فقال النجاشي ﵁: إن هذا والكلام الذي جاء به موسى ليخرجان من مشكاة واحدة (١).
وأخبرنا أبو الربيع بن قدامة القاضي سماعًا عليه، عن إسماعيل بن علي بن باتكين، أنا أبو بكر أحمد بن المقرئ، أنا أبو الطاهر أحمد بن محمد الباقلاني، أنا ضمرة بن الحسن الكوفي، ثنا علي بن محمد الشونيزي، ثنا أحمد بن زنجويه المخرمي، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، فذكر قصة الهجرة إلى الحبشة وبعث قريش إلى النجاشي ﵁ في شأنهم، وذكر نحوًا مما تقدم وزاد فيه أن جعفرًا ﵁ قال للنجاشي:
وأما عيسى بن مريم فهو عبد اللَّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وابن العذراء البتول.
قال: فأخذ -يعني النجاشي- عودًا منها -يعني الأرض- فقال: واللَّه ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود.
فقال عظماء الحبشة: واللَّه لئن سمعت الحبشة بهذا لتخلعنك.
فقال النجاشي: واللَّه لا أقول في عيسى ابن مريم غير هذا أبدًا. . . وذكر بقية القصة بكمالها.
أخبرنا محمد بن أبي العز الدمشقي وأحمد بن أبي طالب الصالحي ووزيرة بنت عمر التنوخي قالوا: أنا الحسين بن المبارك، أنا عبد الأول بن عيسى، أنا أبو الحسن
стр. 158
عبد الرحمن بن المظفر، أنا عبد اللَّه بن حمويه، أنا محمد بن يوسف، ثنا الإمام محمد ابن إسماعيل، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، ثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أَبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "سَلُوهُ لِأَيِّ شيْءٍ يَصْنعُ ذَلِكَ".
فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها.
فقال النبي ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّه يُحِبُّهُ".
كذا رواه البخاري في "صحيحه" (١).
وأخرجه مسلم، عن أحمد بن عبد الرحمن، عن ابن وهب به (٢).
أخبرناه عاليًا القاسم بن مظفر بقراءتي، أخبرتنا كريمة بنت عبد الوهاب حضورًا، أنبأنا مسعود بن الحسن الثقفي، أنا عبد الوهاب بن محمد بن منده، أنا إبراهيم -يعني ابن محمد القفال- ثنا أبو بكر -هو ابن زياد الإِمام- ثنا أحمد بن عبد الرحمن وعيسى بن إبراهيم الغافقي قالا: ثنا ابن وهب فذكره.
فوقع لنا في هذه الرواية موافقة وبدلًا لهما عاليين.
وزاد بعض الرواة فيه عن ابن وهب قال ابن أبي هلال: فحدثني محمد بن عمرو أنه بلغه أن أهل الكتاب والمشركين قالوا: يا محمد انسب لنا ربك حتى نعرفه.
قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.
قالوا: فما الصمد؟
قال: "الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ".
وهذه الزيادة رويت مسندة من حديث أبي بن كعب ﵁ (٣):
стр. 159
أخبرناه عبد الرحيم بن يحيى بن سلمة وأحمد بن عبد اللَّه القرشي بدمشق وأحمد ابن إدريس بن مزيز بحلب قال الأولان: أنا أحمد بن علي بن المفرج الأموي، وقال الأول أَيضًا والثالث: أنا مكي بن منصور بن علان قالا: أنا الحافظ أبو القاسم علي ابن عساكر، أنا أحمد بن الحسن بن البنا، أنا الحسن بن علي الجوهري، أنا علي بن محمد بن لؤلؤ، ثنا محمد بن أحمد الشطوي، ثنا أحمد بن منيع، ثنا محمد بن ميسر أبو سعد الصغاني، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب ﵁ أن المشركين قالوا لرسول اللَّه ﷺ : انسب لنا ربك، فأنزل اللَّه تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.
قال: "الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا سَيَمُوتُ وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلَّا سَيُورَثُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَث".
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
قال: "لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا عِدْلٌ وَلَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ".
رواه الترمذي (١) عن أحمد بن منيع، عن الموافقة.
أخبرنا محمد بن يعقوب الجرائدي بقراءتي عليه بدمشق، أنا عبد الرحمن بن علي ابن الحاسب بمصر، أنا جدي الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي بثغر الإسكندرية، أنا أبو القاسم الفضل بن عمر، ومحمد بن أبي القاسم القصار وغيرهما بأصفهان قالوا: أنا محمد بن عبد اللَّه بن ريذة، ثنا سليمان بن أحمد الحافظ، ثنا أحمد ابن رشدين المصري، ثنا عيسى بن حماد، ثنا الليث بن سعد، عن الخليل بن مرة، عن الأزهر بن عبد اللَّه الحمصي، عن تميم الداري ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَاحِدًا أَحَدًا صَمَدًا لَمْ يتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَرْبَعِينَ الْفَ حَسَنَةٍ" (٢).
الخليل بن مرة تُكلم فيه، وأزهر بن عبد اللَّه لم يدرك تميمًا، واللَّه أعلم.
стр. 160
قال مؤلفه: آخر الجزء والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
علقه مخرجه خليل بن العلائي الشافعي في يوم الثلاثاء رابع شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ببيت المقدس.
وعلقه من خطه رحمه اللَّه تعالى محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن حامد غفر اللَّه لهم أجمعين وذلك في عاشر شهر رمضان المعظم قدره سنة ثمان وستين وثمانمائة بالخانقاة الفخرية من المسجد الأقصى الشريف منزل كاتبه.
وعلقته أنا من خط محمد بن أحمد بن حامد وأنا الفقير يحيى بن أبي النصر بن
أحمد بن حامد الأنصاري القدسي المالكي غفر اللَّه لنا ولهم ولجميع المسلمين أجمعين في ثامن عشر جمادى الأول من شهور سنة تسع عشرة بعد الألف أحسن ختامها.
سمع هذا الجزء من لفظه الجماعة السادة: الصدر علاء الدين علي بن فتح الدين أحمد بن عبد الواحد بن عبد اللَّه الأنصاري بن الزملكاني، والفقيه شمس الدين محمد ابن حامد بن أحمد المقدسي، والفقيه ناصر الدين محمد بن الباروقي المقيم بخانقاة الطواوشى، والشيخ محمد بن علاء الدين علي بن أحمد الطواوشي الصدفي، وعثمان إبراهيم خادمًا علاء الدين بن الزملكاني المذكور، وآخرون يوم الثلاثاء خامس شهر شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بكنيسة بيت لحم.
стр. 161
تَحْرِيرُ الْمَقَالِ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ
стр. 162
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين، صلى اللَّه عليه وعلى إله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمَّا بَعْدُ:
فهذه رسالة تسمى بـ "تحرير المقال في تحريم الحلال" للحافظ العلائي تكلم فيها عن مسألة هامة وهي مسألة تحريم الزوجة.
أسال اللَّه أن ينفع به المسلمين، وأن يسدد خطانا في سبيل ضبط ونشر كتب سلفنا الصالحين، رحمة اللَّه عليهم أجمعين، والحمد للَّه رب العالمين.
стр. 163
التوصيف العلمي للنسخة الخطية
اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسخة خطية فريدة لم أظفر بغيرها وهي نسخة متقنة جدًّا ومقابلة:
وهي عبارة عن النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٤٣٥) فقه تيمور.
- اسم الناسخ: ابن العلائي.
- تاريخ النسخ: في حدود القرن السابع.
- نوع النسخ: نسخ معتاد.
- عدد الأوراق: ٢٥ ورقة.
توثيق الكتاب:
الناظر لأول وهلة في هذه الرسالة يعلم إن شاء اللَّه تعالى أنها للإمام الحافظ العلائي.
وقد وجد على طرة النسخه الخطية نسبة هذه الرسالة للإمام العلائي وأيضًا في مقدمة الرسالة، وفي آخرها أَيضًا.
стр. 164
طرة النسخة الخطية
стр. 165
الورقة الأخيرة من النسخة الخطية
стр. 166
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَمَّا بَعْدُ:
حمدًا للَّه الذي وسع كل شيء رحمة وعلمًا، ومنح من اختصه بالعلم الشريف دراية وفهمًا، ووسع باختلافهم على عبادة المُؤْمنين رفقًا بهم ورحمى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بالمحل الأسمى والشفاعة العظمى والمعجزات الباقيات تنمى وتنمى، وعلى آله وصحبه المحكوم لهم بالمزية على من بعدهم حتمًا، المرجوع إليهم في الدين نقلًا وحكمًا.
فإن مسألة تحريم الزوجة وغيرها قد تباينت فيها المذاهب وتعارضت المطالب مع كثرة وقوعها وتشعب فروعها واختلاف تفصيلها ومجموعها؛ فعلقتها في هذه الأوراق مستعينًا بالواحد الخلاق، بدأت أولًا بأقوال الصحابة ﵃ المنقولة فيها، ثم ترتيب المذاهب فمن بعدهم على وجه يحويها، ثم بما يستند إليه من الأدلة محررًا، وما يتفرع عليها من مسائل المذهب محبرًا، ولم آل في توجيه الراجح من مباحثها مقررًا، واللَّه تعالى يوفق للصواب في ذلك ويهدينا إلى أرشد المسالك بمنه وكرمه.
أما المروي فيها عن الصحابة ﵃ ففي "صحيح البخاري" من طريق معاوية ابن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعلي بن حكيم، عن سعيد بن جبير؛ أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: إذا حرم الرجل امرأته ليس بشيء (ص ٣) وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
هكذا رواه في كتاب الطلاق (١)، وأخرجه في التفسير من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير بسنده ولفظه: قال في الحرام يكفر، وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢).
وبهذا اللفظ أخرجه مسلم (٣) من الطريقين ولفظه في طريق معاوية بن سلام أن
стр. 167
ابن عباس ﵄ قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
قال ابن عبد البر: وروى سعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومطرف، عن ابن عباس ﵄ كمثله.
قُلْتُ: طريق جابر بن زيد أخرجها الدارقطني من جهة سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄ قال: في الحرام يمين تكفر (١).
وروى البيهقي من طريق سفيان الثوري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جببر، عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: اني جعلت امرأتي علي حرامًا؟
فقال له: كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة (٢).
وذكره ابن عبد البر من طريق الثوري، عن منصور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في الحرام قال: عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا.
ثم قال: وكذلك روى خصيف، عن سعيد بن جبير (ص ٤) عن ابن عباس (٣).
وروى عبد اللَّه بن [صالح] (٤) عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أمر اللَّه النبي ﷺ والمؤمنين إذا حرموا شيئًا مما أحل اللَّه أن يكفروا عن أيمانهم بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وليس يدخل في ذلك طلاق.
أخرجه البيهقي (٥) وهو مرسل؛ لأن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس
стр. 168
إنما روى عن أصحابه، وهو متكلم فيه أَيضًا.
وروى البيهقي أَيضًا من حديث شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك؛ أن أعرابيًّا أتى ابن عباس ﵄ فقال: إني جعلت امرأتي على حرامًا؟
قال: ليست عليك بحرام.
قال: أرأيت قول اللَّه تعالى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾؟
فقال ابن عباس: إن إسرائيل كانت به الأنسى فجعل على نفسه إن شفاه اللَّه أن لا يأكل العروق من كل شيء فليست بحرام (١).
وهذا إسناد صحيح، وظاهره أنه لم يجعل عليه فيه شيئًا.
فهذه الروايات تشتمل على أربعة أقوال مختلفة عن ابن عباس ﵄ في ذلك، وكذلك اختلفت عن غيره أَيضًا:
روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عبد الرحيم بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك؛ أن أَبا بكر وعمر وابن مسعود ﵄ قالوا: من قال لامرأته هي عليه حرام (ص ٥) فليست بحرام، وعليه كفارة يمين (٢).
وهذا منقطع، وجويبر ضعيف جدًّا.
وروى الدارقطني من طريق هشام الدستوائي قال: كتب إلى يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، أن عمر ﵁ قال: الحرام يمين يكفرها (٣).
وهو مرسل أَيضًا.
وكذلك رواه معمر، عن يحيى بن أبي كثير وأيوب عن عكرمة، وأسنده عبد اللَّه ابن الوليد العدني عن سفيان الثوري عن جابر وهو الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس أن عمر ﵄ كان يجعل الحرام يمينًا (٤).
стр. 169
وبسنده عن سفيان أَيضًا عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم -يعني النخعي- عن عمر ﵁ أنه أتاه رجل قد طلق امرأته تطليقتين فقال: أنت علي حرام، فقال له عمر ﵁: لا أردها إليك (١).
وحكى الإِمام الشافعي عن أبي يوسف القاضي، عن أشعث بن سوار، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه قال في الحرام: إن نوى يمينًا فيمين، وإن نوى طلاقًا فطلاق، وهو ما نوى من ذلك.
ذكره البيهقي عنه (٢).
ثم روى من طريق الثوري عن أشعث، عن الحكم، عن إبراهيم، عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول: نيته في الحرام ما نوى إن لم يكن نوى طلاقًا فهي يمين (٣).
وهذا وإن كان مرسلًا فمراسيل إبراهيم النخعي عن ابن مسعود صحيحة؛ لأنه صرح بأن ما أرسله عنه فقد سمعه (ص ٦) من جماعة أصحابه.
وذكر ابن عبد البر عن الشعبي عن ابن مسعود مثل ذلك فاعتضدت كل طريق بالأخرى.
وروى عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ أن ابن مسعود قال في التحريم: هي يمين يكفرها (٤).
ذكره عنه هكذا ابن حزم.
وروى جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي ﵁ في الذي يقول لامرأته: أنت علي حرام، قال: هي ثلاث.
ذكره عنه ابن عبد البر (٥).
стр. 170
وفي "مصنف عبد الرزاق" عن ابن التيمي، عن أبيه؛ أن عليًّا وزيدًا يعني ابن ثابت ﵄ فرقا بين رجل وامرأته قال: هي علي حرام (١).
وروى سعيد بن منصور في "سننه" عن هشيم، عن منصور، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علي ﵁ في الحرام والبرية والبتة قال: هي ثلاث ثلاث (٢).
قال ابن عبد البر: وروى قتادة، عن خلاس بن عمرو و [أبي حسان الأعرج] (٣) أن عدي بن قيس أحد بني كلاب جعل امرأته عليه حرامًا، فقال له علي ﵁: هي ثلاث، والذي نفسي بيده إن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك (٤).
قُلْتُ: وهذا متصل تعتضد به المراسيل المتقدمة، ومثله أَيضًا ما روى البيهقي من حديث جعفر بن عون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي قال: كان علي ﵁ يجعل الخلية والبرية والبتة والحرام ثلاثًا (٥).
وقد أخرج البخاري للشعبي عن علي ﵁ وذلك يقتضي أنه سمع منه؛ فإن البخاري لا يكتفي بإمكان اللقاء.
ثم روى البيهقي من طريق أبي نعيم، عن حسن يعني بن موسى الأشيب، عن أبي سهل، عن (ص ٧) الشعبي، عن علي ﵁ قال: الخلية والبرية والبائن والحرام إذا نوي بها بمنزلة الثلاث (٦).
وأبو سهل هذا هو كثير بن زياد البصري وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي.
стр. 171
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن يعلي بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي، أنه سمعه يقول: أنا أعلمكم بما قال علي ﵁ في الحرام؛ إنما قال: لا آمرك أن تتقدم ولا آمرك أن تتأخر (١).
فهذه ثلاثة أقوال اختلفت عن الشعبي في قول علي ﵁.
وتقدم عن زيد بن ثابت أنه فرق بها بين الرجل وامرأته من "مصنف عبد الرزاق"، وكذلك روي أَيضًا عن معمر عن الزهري أن زيد بن ثابت ﵁ قال: هي ثلاث.
وكذلك روى ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة؛ أن زيد بن ثابت ﵁ كان يقول في الحرام ثلاث (٢).
قال: وثنا عبد الوهاب يعنيِ الثقفي، عن سعيد [عن] (٣) مطر، عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام؛ أن زيد بن ثابت ﵁ قال: هي ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره (٤).
وهذه كلها مراسيل يعتضد بعضها ببعض.
"وقد روى ابن حزم في "المحلى" بسند صحيح عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن قبيصة بن ذؤيب قال: سألت زيد بن ثابت وابن عمر ﵄ عمن قال لامرأته: أنت علي حرام، فقالا جميعًا: كفارة يمين (٥).
وذكر أَيضًا عن (ص ٨) إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا المقدمي، ثنا حماد بن زيد، عن صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: الحرام يمين (٦).
стр. 172
وروى البيهقي من طريق عبد الوهاب (١)، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر، عن عطاء، عن عائشة ﵄ أنها قالت في الحرام يمين (٢).
قال: ورواه عبد اللَّه بن [بكر] (٣) عن سعيد بن أبي عروبة فقال: فيه يمين يكفرها (٤).
فهذه الآثار التي وقفت عليها مسندة عن الصحابة ﵃ ونقل عن بعض منهم أقوال بغير سند ستأتي الإشارة إليها إن شاء اللَّه تعالى.
وَأَمَّا الْمَذَاهِبُ المُتَبَايِنَة فِيهَا لِمَنْ بَعْدِ الصَّحَابَةِ فَيَتَحَصَّلُ مِنْهَا نَحْوَ عِشْرِينَ قَولًا:
الأَوَّلُ: أنه لغو لا شيء فيه ولا يلزم القائل به شيء، وهو مقتضى ما تقدم في رواية يوسف بن ماهك عن ابن عباس، وبه قال مسروق والشعبي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وذهب إليه أصبغ بن الفرج من المالكية، وداود الظاهري وأتباعه، واختاره ابن حزم.
وَالقَوْل الثَّانِي مقابله في التشديد: وهو أنه يقع به الطلاق الثلاث سواءً كانت مدخولًا بها أو لا وسواءً نوى ذلك أو نوى غيره أو لم ينو شيئًا، وقد تقدم عن علي وزيد بن ثابت ﵄ (ص ٩) في روايات عدة، ونقله ابن حزم أَيضًا عن ابن عمر ﵄، وحكاه أبو بكر ابن العربي وغيره عن أبي هريرة ﵁ أَيضًا، وبه قال الحسن البصري والحكم بن عتيبة وهو قول مالك المشهور من مذهبه إلا أنه قال: إذا نوى في غير المدخول بها واحدة أو اثنتين قبل منه ولا يوقع عليه إلا ما نواه.
وَالثَّالِثُ كذلك إلا أنه لا تقبل نيته في غير المدخول بها كما لا تقبل في المدخول؛ بل تقع فيهما الثلاث وإن نوى غيره، قاله محمد بن أبي ليلى وعبد الملك
стр. 173
ابن الماجشون من المالكية، والظاهر أنه مقتضى المنقول عن الصحابة الذين تقدم النقل عنهم آنفًا.
الرَّابعُ: أنه يقتضي البينونة؛ فإن كان المرأة مدخولًا بها وقع عليها الثلاث، وإن لم يكن مدخولًا بها فواحدة، قاله أبو مصعب الزهري ومحمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم من المالكية.
وَالْخَامِسُ: أنها طلقة واحدة بائنة، وإن كانت مدخولًا بها، حكاه القرطبي في "تفسيره" عن زيد بن ثابت، وبه قال زيد بن أسلم وحماد بن أبي سليمان، وقد تقدم في رواية عن عمر ﵁، ونقله ابن خويز منداد عن مالك، وهو قول إبراهيم النخعي في رواية عنه، وقال في أخرى: إلا أن ينوي الثلاث فيكون ما نواه.
وَالسَّادِسُ: أنها طلقة يملك بها الرجعة، حكاه القرطبي أَيضًا في "تفسيره" عن عمر ﵁ والزهري وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة المالكي فيما نقله (ص ١٠) عنه سحنون وغيره.
وَالسَّابعُ ما قاله يحيى بن عمر من المالكية: يكون طلاقًا رجعيًّا فإن ارتجعها لم يجز له وطئها حتى يكفر كفارة الظهار.
فَهَذهِ سِتَّةُ أَقوَالِ في مَذهبِ مالك ﵀.
وَالقَوْل الثَّامِن: مذهب الشافعي الصحيح عند أصحابه المتأخرين إن نوى به الطلاق كان طلاقًا ويقع به ما نواه من العدد؛ فإن أطلق فواحدة رجعية، وإن نوى الظهار كان ظهارًا، فإن نوى تحريم عينها لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين ولا يكون ذلك يمينًا حتى يتوقف لزوم الكفارة على المخالفة، وإن لم ينو شيئًا فيلزمه كفارة يمين كذلك أَيضًا.
وَالتَّاسِعُ كذلك أَيضًا: إلا أنه إذا لم ينو شيئًا فهو لغو لا شيء فيه، وهو القول الثاني للشافعي رحمة اللَّه عليه.
وَالْعَاشِرُ: مذهب أبي حنيفة وأصحابه إن نوى به طلاقًا فهو طلقة بائنة إلا أن ينوي به الثلاث فيكون ثلاثًا؛ فإن نوى اثنتين فهو واحدة بائنة.
وقال زفر منهم: يكون اثنتين وإن لم ينو طلاقًا فهو يمين ويكون مؤليًا.
واختلف الصاحبان فيما إذا نوى به الظهار:
стр. 174
فقال أبو يوسف: يكون مظاهرًا.
وقال محمد بن الحسن: لا يكون ظهارًا.
وَالْحَادِي عَشَر: أنه ظهار بكل حال وإن نوى به الطلاق أو أطلق فيجب به كفارة الظهار مع العود، تقدم في رواية عن ابن عباس وحكاه (ص ١١) العبدري وغيره عن عثمان ﵁ أَيضًا، وبه قال أبو قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وميمون بن مهران وعثمان البتي وإسحاق بن راهويه، وهو أرجح الروايات عن أحمد بن حنبل اختارها الخرقي والمتأخرون من أصحابه.
وَالثَّانِي عَشَر: أنه كناية في الطلاق أو الظهار يقع به ما نواه منهما، فإن لم ينو واحدًا منهما كان لغوًا لا شيء فيه، وهي رواية ثانية عن أحمد اختارها ابن عقيل، والمباينة بين هذا والقول الثاني المتقدم للشافعي أنه إذا نوى تحريمها لا يلزمه شيء، وعند الشافعي فيه كفارة يمين.
وَالثَّالِثُ عَشَر: أنه يمين مغلظة يجب بها عتق رقبة من غير تخيير، تقدم ذلك عن ابن عباس ﵄ في رواية، وحكاه ابن عبد البر عن سعيد بن جبير وأنه قال: إذا قال ذلك لأربع نسوة أعتق أربع رقاب.
وَالرَّابِعُ عَشَر: أنه يمين يجب به كفارة يمين، تقدم هذا صريحًا عن عمر وابنه عبد اللَّه ابن عباس وعائشة ﵃، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري في رواية وعطاء بن أبي رباح وطاوس وسليمان بن يسار وقتادة ونافع مولى ابن عمر.
ومقتضى هذا أنه لو نوى به الطلاق أو الظهار لم ينصرف إليه، وقد صرح بذلك عطاء (ص ١٢) وقتادة فيما حكاه ابن حزم عنهما، ولا يلزم فيه الكفارة حتى يطأ، وبذلك صرح أحمد بن حنبل وهو الرواية الثالثة عنه لكنه قيد ذلك بما إذا نوى به اليمين وأما الأولون فأطلقوا.
وَالْخَامِسَةُ عَشَر: أنه يجب كفارة اليمين وليس بيمين وهو قضية ما تقدم في رواية الضحاك عن أبي بكر وعمر وابن مسعود ﵃ وقد ذكرنا ثم أنها منقطعة وضعيفة السند، وحكاها ابن العربي وغيره أَيضًا عن ابن عباس في رواية وذكر أنه أحد القولين للشافعي.
قُلْتُ: إنما يجعله الشافعي كذلك إذا لم ينو به شيئًا من الطلاق والظهار ومتى
стр. 175
نوى واحدًا منهما انصرف إليه، ومقتضى المنقول عن الصحابة ﵃ أنه يجب به كفارة اليمين وإن نوى ذلك، والفرق بينه وبين القول الذي قبله أن الكفارة لا تتوقف فيه على المخالفة بل تجب بمجرد اللفظ كما تقدم.
السَّادِسُ عَشَر: إن نوى واحدة أو عددًا من الطلاق فهو ما نواه، وإن نوى اليمين فهو يمين، وإن لم ينو شيئًا من ذلك فهو لغو، وقد تقدم هذا في رواية عن ابن مسعود ﵁ وبه قال سفيان الثوري وكذلك الأوزاعي وأبو ثور إلا أنهما قالا: إذا لم ينو شيئًا فكفارة يمين، كذلك حكاه عنهما القاضي عياض وابن عبد البر عن الأوزاعي، وحكى أبو العباس القرطبي في "شرح مسلم" عنهما أنه إذا لم ينو شيئًا فطلقة واحدة.
وَالسَّابعُ عَشَر: حكاه القاضي عياض وغيره عن الزهري (ص ١٣) أنه يقع به ما نواه ولا يكون أقل من طلقة ومباينته لما تقدم أنه لا ينصرف إلى اليمين إذا نواها به ولا إلى الظهار كذلك.
فهذه سبعة عشر قولًا ظاهرة التباين، وحكي عن [. . .] (١) فيما تقدم عن إبراهيم النخعي في الرواية الثانية، وعن زفر والأوزاعي ثلاثة أقوال أخر فيصير المجموع عشرين قولًا.
وقد حكى ابن العربي والقرطبي في "تفسيره" عن ابن القاسم أنه لا تنفعه نية الظهار وإنما تكون طلاقًا وجعله قولًا مباينًا لكل ما تقدم؛ وفيه نظر لأنه ليس زائدًا عليها.
وكذلك أَيضًا حكى ابن حزم في "المحلى" قولًا آخر أنها تصير بذلك حرامًا قال: ولم يذكروا طلاقًا، صح هذا عن علي بن أبي طالب ورجال لم يسموا من الصحابة ﵃ وعن أبي هريرة ﵁.
قال: وصح عن الحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة؛ أنهم أمروه باجتنابها فقط.
стр. 176
وجعل ابن حزم هذا قولًا آخر مباينًا لما تقدم وهو قول مشكل؛ لأن التحريم إن كان يقتضي فراقًا فهو الطلاق وإلا فهو الظهار، فوجب الكفارة ويمتنع به الوطء حتى يكفر أو يكون يمينًا فلا بد له إن حنث من الكفارة، وإما تحريم لا إلى غاية ولا كفارة فيه ولا يقتضي فرقة فهو عدم النظير، ويشبه أن يكون هذا قولًا بالوقف عن الحكم فيه بشيء، وقد عده بعضهم قولًا مباينًا أيضًا لما تقدم وأسند فيه إلى ما تقدم من رواية الشعبي عن علي ﵁ أنه قال لمن سأله: لا آمرك أن تتقدم، ولا آمرك أن تتأخر.
وهذا لا ينبغي أن يعد قولًا في المسألة لأنه ليس بحكم بل (ص ١٤) هو عدم للقول بشيء فلا حاصل له ولالما نقله ابن حزم أَيضًا، ثم إن القول الذي اختاره واحتج له هو ما تقدم أولًا أنه لا يلزم به شيء ظاهره أنه وإن نوى به الطلاق أو الظهار فلا يقعان به وذلك جار على طريقته أن الطلاق لا يقع بشيء من الكنايات مع النية ولا ينفذ إلا بلفظ الطلاق والفراق والسراح وكذلك الظهار يتقيد نفوذه بلفظه المشهور فيه وهي طريقة ضعيفة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لابنة الحارث لما قالت له: أعوذ باللَّه منك: "الحقي بأهلك" (١).
وثبت في حديث توبة كعب بن مالك ﵁ أنه قال لامرأته: الحقي باهلك حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر، ولم يكن ذلك طلاقًا (٢).
فجمع العلماء بينهما بأن وقوعه في لفظ النبي ﷺ كان مع نية الطلاق، وفي قول كعب ﵁ لم ينو به طلاقًا فلم يقع عليه فكذلك بقية الكنايات، وموضع البسط في ذلك غير هذه الأوراق.
وأما اختلاف الأقوال المتقدمة فالسبب فيه أن مسألة الحرام لم يرد فيها نص صريح ولا ظاهر في الكتاب والسنة يوقف عنده.
واختلف العلماء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله:
стр. 177
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) واختلفت الآثار المروية فيه أَيضًا وأن النبي ﷺ هل كان حرم منه أو حلف أن لا يطأها، أو حرم العسل أو حلف لا يشربه كما سيأتي بيان ذلك مبسوطًا (ص ١٥) إن شاء اللَّه تعالى؟
وعلى تقدير أن يكون حرم أمته فهل تلحق الزوجة بها أم لا؟
فالظاهر أنهم تمسكوا بالبراءة الأصلية وقالوا: لم يثبت فيها حكم خاص فلا يلزم بها شيء، والجمهور ردوا هذه اللفظة إلى ما يقتضيه معناها من الأصول فمنهم من نظر إلى التحريم الكامل في حق الزوجة هو ما تقتضيه البينونة الكبرى بوقوع الثلاث فجعلها تقتضي ذلك، ومن المالكية من رجح هذا المعنى بعرف ادعوا ثبوته صيرها تقتضي ذلك وهو بعيد، ومنهم من نظر إلى أن إيقاع الثلاث من غير نية الزوج العدد بعيد، فاقتصر على البينونة الصغرى فقال: تقع به طلقة بائنة؛ لأن بها يحصل التحريم لأن الرجعية غير محرمة من كل وجه ومن قال: إن وطء الرجعية محرم اقتصر على أنها طلقة رجعية؛ لأن الأصل عدم زائد عليها.
ومنهم من نظر إلى أن الأصل عدم الفرقة ورأى أن تحريم الزوجة مع بقاء النكاح بلفظ من الزوج إنما يكون بالظهار فجعل هذا اللفظ يدخل فيه.
وأما من قال أنه يمين يلزم بمخالفته كفارة اليمين فاعتمد قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) بعد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٣) وقالوا: كان النبي ﷺ حرم مارية أو شرب ذلك العسل، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء اللَّه تعالى، ومن رأى أن الكفارة تلزم به وليس بيمين تمسك بالقصة مع أن اليمين لا يكون إلا باسم من أسماء اللَّه تعالى (ص ١٦) أو بصفاته.
وأما من رأى أنه كناية في شيء مما تقدم فعمدته أن اللفظ لم يشتهر في شيء من ذلك لا في الكتاب ولا في السنة ولا في عرف حملة الشريعة؛ لأن اختلاف الصحابة
стр. 178
المتقدم ومن بعدهم يمنع ذلك فاقتصر به على المتحقق وهو الكناية وجعل ذلك إنما يعتبر مع النية فيه.
وأما الإِمام الشافعي فإنه جمع بين هذه الماخذ كلها وبين أقوال الصحابة ﵃ على وجه حسن كما سيأتي تقريره إن شاء اللَّه تعالى مع تفريع مسائل المذهب في هذه اللفظة، فهذه إشارة إلى مأخذ الأقوال المتقدمة، وهذا كله في حق الزوجة.
أما إذا قال ذلك لأمته: فمذهب الشافعي أنه إن نوى عتقها به عتقت، وإن نوى تحريم عينها لزمه كفارة يمين ولم يكن يمينًا، وإن لم ينو شيئًا فالقولان المتقدمان وأصحهما أنه يلزمه بذلك كفارة يمين، وبه قال جمهور العلماء فيما حكاه القاضي عياض.
وَالثَّانِي: هو لغو ولا يلزمه شيء وهو مذهب مالك في الصورتين، وحكى القرطبي في "شرح مسلم" عن مالك أنه يقع به العتق إذا نواه.
وقال أبو حنيفة: إذا حرم الأمة كان يمينًا ويجب عليه الكفارة بالمخالفة، وطرد ذلك في سائر المباحات من المطعوم والمشروب والملبوس ونحو ذلك، ومذهب الشافعي ومالك وجمهور العلماء أن تحريم ذلك لغو ولا شيء فيه.
وهذا له تعلق بالآية الكريمة وما روي في سبب (ص ١٧) نزولها عليه والآثار في ذلك متعارضة: ففي "صحيح مسلم" (١) من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، سمع عائشة ﵃ تخبر أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا، قالت: فتواطئت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟
فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: "بَل شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَب بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ" فنزل ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا".
وأخرجه البخاري من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج بهذا السند وفيه
стр. 179
أنه ﷺ قال: "لَا، وَلَكِنِّي شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينَب بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا" (١).
قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن ثور عن ابن جريج، وفي حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ في هذه القصة: "وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُهُ" (٢).
انتهى كلامه ولم أقف على طريق هذه الرواية.
وقد تقدم قول ابن عباس ﵄ إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها وتلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وأنه في "الصحيحين" بهذا اللفظ، وفيه إشعار بأن الكفارة التي شرعها اللَّه لنبيه ﷺ في الآية كانت لتحريم أمته (ص ١٨) وقد جاء ذلك مصرحًا به فيما روى النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب [عن أبيه] (٣) عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كانت له أمة يطأها فلم تزل به عائشة وحفصة ﵄ حتى حرمها فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى آخر الآية (٤).
وأخرجه الحافظ ضياء الدين في كتاب "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين" من طريق هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة (٥).
ورواه البيهقي من حديث محمد بن بكير الحضرمي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس وقال فيه: حتى جعلها على نفسه حرامًا؛ فأنزل اللَّه هذه الآية (٦).
ومحمد بن بكير هذا وثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان، والحديث على شرط مسلم من طريقيه ولم أجد أحدًا علله، والعجب من كونه ليس في شيء من الكتب
стр. 180
الخمسة.
وروى سعيد بن منصور في "سننه" (١) عن هشيم، أنا عبيدة، عن إبراهيم وجويبر بن الضحاك؛ أن حفصة أم المؤمنين زارت أباها ذات يوم وكان يومها فلما جاء النبي ﷺ فلم يرها في المنزل أرسل إلى جاريته مارية القبطية فأصاب منها في بيت حفصة ﵁ فجاءت حفصة على تلك الحال، فقالت: يا رسول اللَّه أتفعل هذا في بيتي وفي يومي؟
قال: "فَإِنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ، لَا تُخبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا".
فانطلقت حفصة إلى عائشة ﵄ فأخبرتها بذلك؛ فأنزل اللَّه في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى (ص ١٩) قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأمر أن يكفر عن يمينه ويراجع أمته.
وهذا مرسل صحيح، والعمدة فيه رواية إبراهيم النخعي دون جويبر.
وفي "سنن الدارقطني" من حديث أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجدت في كتاب أبي عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس ﵄ قال: وجدت حفصة ﵂ عن رسول اللَّه ﷺ مع أم إبراهيم في يوم عائشة ﵂ فقالت: لأخبرنها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هِيَ عَليَّ حَرَامٌ إِنْ قَرُبْتهَا" فأخبرت عائشة بذلك، فأعلم اللَّه رسوله ذلك فعرف حفصة بعض ما قالت، قالت: من أخبرك؟
قال: "نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الخَبِيرُ" فآلى رسول اللَّه ﷺ من نسائه شهرًا؛ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ الآية.
قال ابن عباس ﵄: فسألت عمر ﵁ من اللتان تظاهرتا على رسول اللَّه ﷺ ؟
فقال: حفصة وعائشة ﵄ (٢).
قُلْتُ: محمد بن عبد العزيز هذا إن كان الزهري فقد ضعفه الدارقطنى وغيره، وقال النسائي: متروك.