وجعل ابن حزم هذا قولًا آخر مباينًا لما تقدم وهو قول مشكل؛ لأن التحريم إن كان يقتضي فراقًا فهو الطلاق وإلا فهو الظهار، فوجب الكفارة ويمتنع به الوطء حتى يكفر أو يكون يمينًا فلا بد له إن حنث من الكفارة، وإما تحريم لا إلى غاية ولا كفارة فيه ولا يقتضي فرقة فهو عدم النظير، ويشبه أن يكون هذا قولًا بالوقف عن الحكم فيه بشيء، وقد عده بعضهم قولًا مباينًا أيضًا لما تقدم وأسند فيه إلى ما تقدم من رواية الشعبي عن علي ﵁ أنه قال لمن سأله: لا آمرك أن تتقدم، ولا آمرك أن تتأخر.
وهذا لا ينبغي أن يعد قولًا في المسألة لأنه ليس بحكم بل (ص ١٤) هو عدم للقول بشيء فلا حاصل له ولالما نقله ابن حزم أَيضًا، ثم إن القول الذي اختاره واحتج له هو ما تقدم أولًا أنه لا يلزم به شيء ظاهره أنه وإن نوى به الطلاق أو الظهار فلا يقعان به وذلك جار على طريقته أن الطلاق لا يقع بشيء من الكنايات مع النية ولا ينفذ إلا بلفظ الطلاق والفراق والسراح وكذلك الظهار يتقيد نفوذه بلفظه المشهور فيه وهي طريقة ضعيفة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لابنة الحارث لما قالت له: أعوذ باللَّه منك: "الحقي بأهلك" (١).
وثبت في حديث توبة كعب بن مالك ﵁ أنه قال لامرأته: الحقي باهلك حتى يقضي اللَّه في هذا الأمر، ولم يكن ذلك طلاقًا (٢).
فجمع العلماء بينهما بأن وقوعه في لفظ النبي ﷺ كان مع نية الطلاق، وفي قول كعب ﵁ لم ينو به طلاقًا فلم يقع عليه فكذلك بقية الكنايات، وموضع البسط في ذلك غير هذه الأوراق.
وأما اختلاف الأقوال المتقدمة فالسبب فيه أن مسألة الحرام لم يرد فيها نص صريح ولا ظاهر في الكتاب والسنة يوقف عنده.
واختلف العلماء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله:
стр. 177
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) واختلفت الآثار المروية فيه أَيضًا وأن النبي ﷺ هل كان حرم منه أو حلف أن لا يطأها، أو حرم العسل أو حلف لا يشربه كما سيأتي بيان ذلك مبسوطًا (ص ١٥) إن شاء اللَّه تعالى؟
وعلى تقدير أن يكون حرم أمته فهل تلحق الزوجة بها أم لا؟
فالظاهر أنهم تمسكوا بالبراءة الأصلية وقالوا: لم يثبت فيها حكم خاص فلا يلزم بها شيء، والجمهور ردوا هذه اللفظة إلى ما يقتضيه معناها من الأصول فمنهم من نظر إلى التحريم الكامل في حق الزوجة هو ما تقتضيه البينونة الكبرى بوقوع الثلاث فجعلها تقتضي ذلك، ومن المالكية من رجح هذا المعنى بعرف ادعوا ثبوته صيرها تقتضي ذلك وهو بعيد، ومنهم من نظر إلى أن إيقاع الثلاث من غير نية الزوج العدد بعيد، فاقتصر على البينونة الصغرى فقال: تقع به طلقة بائنة؛ لأن بها يحصل التحريم لأن الرجعية غير محرمة من كل وجه ومن قال: إن وطء الرجعية محرم اقتصر على أنها طلقة رجعية؛ لأن الأصل عدم زائد عليها.
ومنهم من نظر إلى أن الأصل عدم الفرقة ورأى أن تحريم الزوجة مع بقاء النكاح بلفظ من الزوج إنما يكون بالظهار فجعل هذا اللفظ يدخل فيه.
وأما من قال أنه يمين يلزم بمخالفته كفارة اليمين فاعتمد قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) بعد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٣) وقالوا: كان النبي ﷺ حرم مارية أو شرب ذلك العسل، وسيأتي ما يتعلق بذلك إن شاء اللَّه تعالى، ومن رأى أن الكفارة تلزم به وليس بيمين تمسك بالقصة مع أن اليمين لا يكون إلا باسم من أسماء اللَّه تعالى (ص ١٦) أو بصفاته.
وأما من رأى أنه كناية في شيء مما تقدم فعمدته أن اللفظ لم يشتهر في شيء من ذلك لا في الكتاب ولا في السنة ولا في عرف حملة الشريعة؛ لأن اختلاف الصحابة
стр. 178
المتقدم ومن بعدهم يمنع ذلك فاقتصر به على المتحقق وهو الكناية وجعل ذلك إنما يعتبر مع النية فيه.
وأما الإِمام الشافعي فإنه جمع بين هذه الماخذ كلها وبين أقوال الصحابة ﵃ على وجه حسن كما سيأتي تقريره إن شاء اللَّه تعالى مع تفريع مسائل المذهب في هذه اللفظة، فهذه إشارة إلى مأخذ الأقوال المتقدمة، وهذا كله في حق الزوجة.
أما إذا قال ذلك لأمته: فمذهب الشافعي أنه إن نوى عتقها به عتقت، وإن نوى تحريم عينها لزمه كفارة يمين ولم يكن يمينًا، وإن لم ينو شيئًا فالقولان المتقدمان وأصحهما أنه يلزمه بذلك كفارة يمين، وبه قال جمهور العلماء فيما حكاه القاضي عياض.
وَالثَّانِي: هو لغو ولا يلزمه شيء وهو مذهب مالك في الصورتين، وحكى القرطبي في "شرح مسلم" عن مالك أنه يقع به العتق إذا نواه.
وقال أبو حنيفة: إذا حرم الأمة كان يمينًا ويجب عليه الكفارة بالمخالفة، وطرد ذلك في سائر المباحات من المطعوم والمشروب والملبوس ونحو ذلك، ومذهب الشافعي ومالك وجمهور العلماء أن تحريم ذلك لغو ولا شيء فيه.
وهذا له تعلق بالآية الكريمة وما روي في سبب (ص ١٧) نزولها عليه والآثار في ذلك متعارضة: ففي "صحيح مسلم" (١) من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، سمع عائشة ﵃ تخبر أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا، قالت: فتواطئت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟
فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: "بَل شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَب بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ" فنزل ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا".
وأخرجه البخاري من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريج بهذا السند وفيه
стр. 179
أنه ﷺ قال: "لَا، وَلَكِنِّي شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينَب بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا" (١).
قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن ثور عن ابن جريج، وفي حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ في هذه القصة: "وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُهُ" (٢).
انتهى كلامه ولم أقف على طريق هذه الرواية.
وقد تقدم قول ابن عباس ﵄ إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها وتلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وأنه في "الصحيحين" بهذا اللفظ، وفيه إشعار بأن الكفارة التي شرعها اللَّه لنبيه ﷺ في الآية كانت لتحريم أمته (ص ١٨) وقد جاء ذلك مصرحًا به فيما روى النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب [عن أبيه] (٣) عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كانت له أمة يطأها فلم تزل به عائشة وحفصة ﵄ حتى حرمها فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى آخر الآية (٤).
وأخرجه الحافظ ضياء الدين في كتاب "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين" من طريق هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة (٥).
ورواه البيهقي من حديث محمد بن بكير الحضرمي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس وقال فيه: حتى جعلها على نفسه حرامًا؛ فأنزل اللَّه هذه الآية (٦).
ومحمد بن بكير هذا وثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان، والحديث على شرط مسلم من طريقيه ولم أجد أحدًا علله، والعجب من كونه ليس في شيء من الكتب
стр. 180
الخمسة.
وروى سعيد بن منصور في "سننه" (١) عن هشيم، أنا عبيدة، عن إبراهيم وجويبر بن الضحاك؛ أن حفصة أم المؤمنين زارت أباها ذات يوم وكان يومها فلما جاء النبي ﷺ فلم يرها في المنزل أرسل إلى جاريته مارية القبطية فأصاب منها في بيت حفصة ﵁ فجاءت حفصة على تلك الحال، فقالت: يا رسول اللَّه أتفعل هذا في بيتي وفي يومي؟
قال: "فَإِنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ، لَا تُخبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا".
فانطلقت حفصة إلى عائشة ﵄ فأخبرتها بذلك؛ فأنزل اللَّه في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى (ص ١٩) قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأمر أن يكفر عن يمينه ويراجع أمته.
وهذا مرسل صحيح، والعمدة فيه رواية إبراهيم النخعي دون جويبر.
وفي "سنن الدارقطني" من حديث أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجدت في كتاب أبي عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس ﵄ قال: وجدت حفصة ﵂ عن رسول اللَّه ﷺ مع أم إبراهيم في يوم عائشة ﵂ فقالت: لأخبرنها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هِيَ عَليَّ حَرَامٌ إِنْ قَرُبْتهَا" فأخبرت عائشة بذلك، فأعلم اللَّه رسوله ذلك فعرف حفصة بعض ما قالت، قالت: من أخبرك؟
قال: "نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الخَبِيرُ" فآلى رسول اللَّه ﷺ من نسائه شهرًا؛ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ الآية.
قال ابن عباس ﵄: فسألت عمر ﵁ من اللتان تظاهرتا على رسول اللَّه ﷺ ؟
فقال: حفصة وعائشة ﵄ (٢).
قُلْتُ: محمد بن عبد العزيز هذا إن كان الزهري فقد ضعفه الدارقطنى وغيره، وقال النسائي: متروك.
стр. 181
وقد ذكر أبو بكر الرازي في كتابه "أحكام القرآن" معلقًا عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أصاب مارية القبطية ﵂ في بيت حفصة، فعلمت به فجزعت منه، فقال لها: "ألا ترضن أن أحرمها فلا أقربها؟ (ص ٢٠)
قالت: بلى؛ فحرمها وقال: "لَا تَذْكُرِي ذَلِكَ لأَحَدٍ" فذكرته لعائشة ﵂ فأظهره اللَّه عليه وأنزل عليه الآية (١).
ومحمد بن إسحاق متكلم فيه وهو مدلس أَيضًا.
وروى البيهقي القصة مطولة من طريق عطية بن سعد العوفي، عن ابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال لحفصة ﵁: "وَاللَّهِ لَأُرْضِيَنَّكِ إِنِّي مُسِرٌّ إِلَيْكِ سِرًّا فَاحْفَظِيهِ، إِنَّ سَرِيَّتي هَذِهِ عَلَيَّ حَرَامٌ رِضًى لَكِ" (٢).
فانطلقت حفصة فأسرت إلى عائشة ﵂ فأسرت إليها ذلك، فنزلت الآية.
وعطية هذا مشهور [. . .] (٣) لكن هذه الروايات كلها يعتضد باجتماعها وبالحديث الذي رواه النسائي، وثابت في "الصحيحين" (٤) من قول عمر ﵁ أن المتظاهرتين عائشة وحفصة ﵄، وفي قول ابن عباس المتقدم في "الصحيحين" إذا حرم الرجل امرأته. . . الحديث إشارة إلى ذلك أَيضًا كما تقدم.
وقد ذكر ابن العربي وغيره أن الأصح كون الآية نزلت في قضية العسل لكونها مخرجة في "الصحيحين" دون قصة تحريم مارية ﵂، وفي ذلك نظر لما أشرنا إليه من أن قصة التحريم لمارية لها أصل في "الصحيحين" أَيضًا.
وقال أبو بكر الرازي: يحتمل أن تكون الآية نزلت عقيب كل من القصتين وكانتا مقاربتين في الوقت يعني فظن كل من روى قصة أنها نزلت في تلك فقط.
стр. 182
وقد قال الثعلبي في "تفسيره": إن أكثر المفسرين على أنها نزلت في تحريم مارية (ص ٢١).
قُلْتُ: ومع ذلك فقد روي فيهما اليمين على التحريم كما قال مثله في العسل، ففي "المراسيل" لأبي داود من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: كان رسول اللَّه ﷺ في بيت حفصة ﵂ فدخلت فرأت معه فتاته فقالت: في بيتي ويومي؟
فقال: "اسْكُتِي فَوَاللَّهِ لَا أَقْرَبُهَا وَهِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ" (١)،
وروى سعيد بن منصور عن هشيم، أنا داود، عن الشعبي، عن مسروق، قال: إن رسول اللَّه ﷺ حلف لحفصة أن لا يقرب أمته وقال: "هِيَ عَليَّ حَرَامٌ" فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل اللَّه (٢).
رواه البيهقي (٣)، وكل من هذين المرسلين صحيح، وأحدهما يقوى بالآخر.
وروى ابن وهب عن مالك، عن زيد بن أسلم، قال: حرم النبي ﷺ أم ولده فقال: "أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ" فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.
ذكره أبو بكر ابن العربي وغيره، وهذا مرسل آخر.
وقد رواه الدارقطني مسندًا عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد اللَّه، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن عمر ﵄ فذكر القصة بنحو ما تقدم، وفيه أن النبي ﷺ قال لحفصة ﵂: "هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرُبْتهَا".
فقالت حفصة: فكيف تحرم عليك وهي أمتك؟
فحلف لها لا يقربها، وقال النبي ﷺ : "لَا تَذْكُرِيهِ لِأَحَدٍ" فذكرته لعائشة ﵂؛ فآلى رسول اللَّه ﷺ من نسائه شهرًا واعتزلهن؛ فأنزل اللَّه الآية (٤).
стр. 183
ولكن في إسناده إسحاق بن محمد الفروي وهو ضعيف جدًّا.
وفي "جامع الترمذي" (١) و"سنن ابن ماجه" (٢) من طريق مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ (٢٢) قالت: آلى رسول اللَّه ﷺ من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالًا وجعل في اليمين كفارة.
ثم قال الترمذي: رواه علي بن مسهر وغيره عن داود، عن الشعبي، عن النبي ﷺ ، والمرسل أصح.
قال: وقولها: "جعل الحرام حلالًا" أي جعل الشيء الذي حرم حلالًا وهو العسل ومارية جاريته ﷺ .
وجعل ابن القطان المغري العمدة في تصحيح المرسل أن مسلمة بن علقمة ضعفه أحمد بن حنبل وقال: حدث عن داود بن أبي هند بمناكير.
قُلْتُ: وقد وثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم الرازي: صحيح الحديث، وقال أبو زرعة: لا بأس به يروي عن داود بن أبي هند أحاديث حسانًا، وقد احتج به مسلم وذلك يدفع كل قول فيه، وفي الحقيقة هذا المرسل هو الذي تقدم عن سعيد ابن منصور ولكن هناك فيه زيادة مسروق، وقد علم من قاعدة الشافعي أن المرسل إذا اعتضد بمسند قوي أو بمرسل آخر، فقد تحصل من كل ما تقدم أن كلًّا من القصتين لم يجيء فيه التحريم فقط بل روي فيه أَيضًا اليمين على الترك لكن اليمين في قضية العسل أثبت منها في قصة مارية لإخراج البخاري لها.
ثم ينظر في مقتضى الآية الكريمة فإن إطلاق التحريم على الحلف إنما هو على وجه المجاز وهو مجاز التشبيه؛ لأن المحلوف عليه يصير ممتنع الوقوع على الحالف بما أكد به امتناعه من القسم باسم اللَّه كما أن الحرام يكون (ص ٢٣) ممتنع الوقوع إلا أن في صورة اليمين لا يمتنع ذلك جزمًا كما هو في المحرم، بل هو مباح على ما كان في نفس الأمر وله مخالفة اليمين ثم تكون الكفارة جابرة لما حصل من انتهاك
стр. 184
الاسم المعظم بالمخالفة لما عقد به يمينه فكذلك قلنا: إن إطلاق التحريم على المحلوف عليه مجاز، وكذلك أَيضًا تسمية التحريم يمينًا في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) ليس حقيقة أَيضًا لأن حقيقة اليمين تأكيد الحث أو المنع أو التصديق بالاسم المعظم فالحكم عليه بأنه يمين يحتاج فيه إلى إثبات شرع صريح بذلك فلو لم يرد في شيء من قصة العسل أو تحريم مارية وفي اليمين أمكن أن يتعلق في جعله يمينًا بإطلاق قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢).
ويقال: الأصل في هذا الإطلاق الحقيقة ولكن منع من هذا ورود الحلف في كل منهما وهو زيادة على التحريم يلزم قبولها؛ فيبطل حينئذ التعلق بإطلاق الآية ويكون مصروفه إلى تحلة ما حلف به؛ فبطل تعلق الحنفية بالآية في أن تحريم المباح من المأكول والمشروب وغير ذلك يكون يمينًا ويلزم الكفارة به عند المخالفة؛ لأنه يقال: إن الكفارة في الآية إنما ذكرت لما تقدم من النبي ﷺ من الحلف لا سيما على العسل مع ثبوته في "صحيح البخاري".
وقد تقدم في حديث الترمذي أنه ﷺ آلى وحرم فجعل الحرام حلالًا وجعل في اليمين الكفارة، وهذا يقتضي أن تحريم ما حرم (٢٤) لم يتعلق به كفارة وإنما ترتبت الكفارة على اليمين.
وتقدم أَيضًا اختلاف الأحاديث في سبب نزول الآية، وأن بعضهم رجح أن سببها تحريم العسل أو الحلف عليه لثبوت ذلك في "الصحيحين" ولا ريب في أن الروايات المقتضية لنزولها في قصة مارية يفيد مجموعها الصحة أيضًا كما تقدم، ثم يتأيد ترجيح ذلك بأن اللَّه تعالى أخبر عن نبيه ﷺ بأن تحريم ما حرم كان لأن يبتغي بذلك مرضات أزواجه وهذا لا ينطبق إلا على تحريم مارية لرضى حفصة أو عائشة ﵄ وأما تحريم العسل فإنما كان لما كرهه من الريح التي قيل له عنها لا لرضى أزواجه، فهذا مما يقوي القول بأن سبب الآية كان تحريم مارية ولابد وأن قضية
стр. 185
العسل وإن كانت تقدمت قريبًا من ذلك ونزلت الآية عقيبها فليست يراد بها لما أشرنا إليه، وحينئذ لو لم يرد في تحريم مارية حلف عليها فلا ينبغي أن يلحق بالأمة غيرها من المأكول والمشروب فإن الأبضاع لها أحكام خاصة لا توجد في غيرها فكيف وقد ورد في كل منها أنه ﷺ حلف فيه.
فأما ما رواه الدارقطني من حديث علي بن ثابت، عن عبد اللَّه بن محرر، عن سعيد بن جبير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ أنه جعل الحرام يمينًا (١) فلا يحتج به؛ لأن عبد اللَّه بن محرر هذا ضعيف باتفاقهم متروك فلا اعتبار بهذه الرواية والمعروف في ذلك ما (٢٥) تقدم عن الصحابة ﵃ ولم تتفق أقوالهم على شيء خاص، فيحتمل أن يكون من جعله منهم يمينًا تعلق بظاهر الآية في الموضعين من قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ مع قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) ولم يبلغه أن النبي ﷺ كان منه قسم في شيء من ذلك وهذا هو الأظهر.
وكذلك من قال: فيه الكفارة وليس بيمين؛ أعمل قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ في ظاهر حقيقته دون مجازه من اليمين وقال: معنى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣) الإشارة إلى أن ما شرعه اللَّه في كفارة اليمين من الخصال فهو مشروع هاهنا ولا يلزم من ذلك أن يكون مجرد التحريم يمينًا وهذا هو الذي اعتمده الإمام الشافعي، ورد عليه أن النبي ﷺ كان تقدم منه يمين لا سيما في قضية شرب العسل فلا تكون الكفارة على مجرد التحريم ثم على تقدير قصة نزول الآية في تحريم الأمة فإلحاق الزوجة بذلك يكون بالقياس والجامع بينهما استحلال البضع.
ويمكن الفرق بينهما بأن الزوجة يحصل تحريم بضعها بالطلاق أو الظهار فلا حاجة إلى تحصيله بغير ذلك، بخلاف الأمة فإن تحريم بضعها مع بقائها في ملكه لا
стр. 186
يقع بالطلاق والظهار مختلف فيه وهو محرم فسوغ لفظ التحريم فيها ويكون الخلاص منه بالكفارة الصغرى فلا يلزم طرد ذلك في الزوجة.
فقد تبين بهذا كله أن التعويل في إيجاب الكفارة في تحريم الزوجة (ص ٢٦) على مجرد دلالة الآية وسبب نزولها غير واف بالمقصود بل لا بد معه من اعتبار مدلول اللفظ فإلي ماذا يرجع من القواعد التي يلحقه المجتهد بها كما تقدمت الإشارة إليه وسنزيده إيضاحًا، وكذلك التمسك فيه بأقوال الصحابة لا ينتهض بمجرده؛ لتباين أقوالهم في ذلك وكثرة اختلافهم كما تقدم؛ لأن من يقول بأن قول الصحابي ليس بحجة فعدم تمسكه بذلك ظاهر؛ وأما على القول بحجيته فذاك إنما يكون إذا لم يعارضه قول غير هذا؛ وأما عند اختلافهم كمثل هذه المسألة فإما أن يقال: يتساقط الجميع والمرجوع إلى غيره من المأخذ، وإما أن يرجع إلى الترجيح وقد نص الشافعي على أنه إذا اختلفت أقوال الصحابة أنه يرجع إلى ما قاله أحد الخلفاء الأربعة.
وإما أن يجمع بين جميع الأقوال يحمل كل واحد منهما على صورة غير الصورة التي يحمل عليها القول الآخر وكأنه الذي لحظه الإِمام الشافعي ﵀ في هذه المسألة، وهذا أولى من إلغاء بعضها وإن كان فيه تخصيص لكل قول منها وإخراجه عن ظاهره فإن ذلك أسهل من تركه بالكلية.
وبيان هذا أن من قال بأنه طلقة رجعية أو ثلاث طلقات فهو محمول على ما إذا نوى باللفظ ذلك وكذلك من قال إنه ظهار، وقول من قال: إنه يجب به الكفارة محمول على ما إذا نوى تحريم عينها أو وطئها ونحو ذلك أو في حالة الإطلاق على القول المرجح، وقول من قال: لا شيء عليه محمول على حالة الإطلاق على القول الآخر، وقول من (٢٧) قال: إنها طلقة بائنة محمول على ما إذا نوى به الطلاق وهي غير مدخول بها.
وفي هذا أَيضًا جمع بين المعاني التي يمكن رد اللفظ إليها بطريق الإمكان ولا يبقى إلا قول من قال بأنه يمين كما تقدم مصرحًا به عن ابن عباس وغيره فحمله الشافعي على المجاز أي يشبه اليمين في لزوم الكفارة فيه؛ لأن حقيقة اليمين ما عقد فيه باسم من أسماء اللَّه تعالى أو صفة من صفاته مع حرف من حروف القسم؛ ولأنه
стр. 187
شيبه بالظهار من جهة أنه تحريم ما لم مجرمه اللَّه، وقد شرع اللَّه في الظهار الكفارة الكبرى فكان التحريم هنا فيه الكفارة الصغرى لتقاعده عنه بعدم التشبه بأنه الذي وصفه اللَّه تعالى بأنه منكر من القول وزور فلما شرعت فيه الكفارة الصغرى كان مشبهًا لليمين فيحمل الإطلاق عل الاستعارة مثل زيد الأسد.
وقد ذم اللَّه تعالى محرم الحلال بقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (١) ولا شك أن اللَّه تعالى شرع تحريم الزوجة بالطلاق القاطع للنكاح؛ وأما تحريمها مع بقاء النكاح فهو داخل في هنا الذم، فينبغي أن يقال حيث أريد بالتحريم الطلاق لا يكون اللفظ محرمًا أو مكروهًا، وأما إذا أريد به تحريم عينها فلا ينفك عن أن يكون محرمًا أو مكروهًا فلذلك وجبت فيه الكفارة جابرة لذلك، كما أنه إذا نوى الظهار يكون محرمًا (٢٨) بل كبيرة على القول بأن الظهار من الكبائر فيجب به الكفارة الكبرى.
وأما عند الإطلاق فمأخذ القول بأنه لا يجب به شيء يخلف المعنى عنه؛ إذ لم يقصد به شيئًا لكن القول الآخر أرجح؛ لأن اللفظ حقيقة في معناه الذي وضع له أولًا فينصرف إليه وتجب الكفارة اعتبارًا لمعناه.
فهذا توجيه الفصل الذي ذكره الإمام الشافعي ﵀ وظهر به أنه جمع بين أقوال الصحابة ﵃ على وجه حسن مع اعتبار معنى اللفظ، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى تفصيل مسائل المذهب الفروعية في ذلك.
وأما في الأمة فمأخذ قوله أن اللفظ لما صلح أن يكون كناية في الطلاق أو الظهار صلح أن يكنى به عن العتق؛ لأنه مجرم الأمة كما يحرم الطلاق الزوجة، فهذا لم ينو به العتق ونوى تحريم عينها كان في ايجاب الكفارة كما تقدم للمعنى الذي ذكرناه ولحديث أنس الذي رواه النسائي في تحريم مارية وما تابعه من غير اعتبار وقوع يمين في ذلك، وفيه ما تقدم من احتمال عود الكفارة إلى اليمين وأن مجموع الروايات التي ذكر فيها أنه ﷺ حلف عل ذلك يقتضي قوة تفيد الاحتجاج بها،
стр. 188
ولكن يمكن توجيه ذلك باعتبار عموم اللفظ وأنه لا يقصر به على السبب الوارد عليه، والآية أشارت إلى التكفير بعد ذكر التحريم من غير تعرض لذكر اليمين؛ إذ لا يلزم من إشارته سبحانه إلى أنه شرع تحلة الأيمان أن (ص ٢٩) يكون ما تقدم يمينًا كما سبقت الإشارة إليه؛ بل غايته أن الذي شرعه من تحلة اليمين يجري في التحريم وحينئذ فيحمل اللفظ على عمومه ولا يقتصر به على سببه إن كان [. . .] (١) على يمين محلوفة ولا يخلو هذا التوجيه أيضًا عن نظر.
وأما مذهب مالكٍ فقد تقدم أن المأخذ فيه ما تقدم عن علي وغيره من الصحابة ﵃ أنه جعل الحرام ثلاثًا وأن ذلك مقتضى دلالة اللفظ؛ إذ به تحرم الزوجة، لكنه على القول المشهور لما كانت التي لم يدخل بها تبين بواحدة قال: إذا نوى به فيها واحدة لم يزد عليها وتقبل نيته لذلك.
ويرد على هذا أن اللفظ إذا كان مقتضاه البينونة الكبرى فلا ينبغي أن يختلف مدلوله بين المدخول بها وغيرها لاسيما وقد بنوا ذلك أيضًا على قاعدة لهم أن من الكنايات ما يقتضى وقوع الثلاث إذا نوى اللافظ بها الطلاق وإن لم ينو بذلك ثلاثًا وهي الخلية والبرية والبتة والبتلة والبائن والحرام، وفي ذلك بعض آثار عن بعض الصحابة وغيرهم ويلزم على هذا أن تكون هذه الكنايات أقوى من الصرائح؛ لأن الصرائح لا يلحق فيها عدد إلا إذا قصده إما بلفظ أو إشارة تفيده ونحو ذلك، ولا ريب أن الكنايات متقاعدة في الإفادة عن رتبة الصرائح فكيف يكون أعلى منها، ولهذا رجح ابن العربي وغيره من المالكية أن الحرام (ص ٣٠) يقع به طلقة بائنة كما روى ابن خويز منداد عن مالك، ويرد عليه أن ذلك يقتضي كونه صريحًا في الطلاق والأمور المشترطة في كون اللفظ صريحًا في الطلاق غير موجودة؛ لأنه لم يرد في الكتاب ولا السنة بهذا المعنى ولا اشتهر في اصطلاح حملة الشريعة ولا اتفاق عليه أيضًا، وبقية الأقوال التي في مذهب مالك تقدمت الإشارة إلى مأخذها والاعتراض عليها كما ذكرناه.
стр. 189
وأما مذهب الحنفية فالقول بأنه كناية في الطلاق يقع به إذا نواه تقدم توجيهه، لكنهم ضموا إلى ذلك اعتبار معنى اللفظ من التحريم فأوقعوا الطلقة إذا نواها بائنة؛ لأن الطلاق الرجعي عندهم لا يحرم الاستمتاع إلا أن ينوي الثلاث بذلك فتقع الثلاث، لكن قولهم: إن عند نية الاثنتين إنما تقع واحدة بائنة لا وجه له؛ إذ يجوز أن تقع عليه طلقة ثانية تكون بها بائنة فلا يمنع شيء من ذلك إذا نواها على أصلهم، وقالوا: إذا لم ينو بلفظ الحرام الطلاق لا يقع طلاق إلا أن يكون في حال مذاكرة الطلاق فإنه يحكم عليه به، وإذا قال: لم أنوه فيدين في الفتوى، وحكى صاحب "الهداية" عن بعض مشايخهم أنهم قالوا: ينصرف لفظ التحريم إلى الطلاق من غير نية بحكم العرف الشائع فيه، قال: وعليه الفتوى.
فأما إذا نوى به الظهار فيصير به مظاهرًا عند أبي حنيفة وأبي (ص ٣١) يوسف؛ لأن الظهار نوع حرمة فيصح جعله كناية فيه ويكون ذلك من حمل المطلق على المقيد بالنية.
وقال محمد بن الحسن: لا يصح به لعدم أداة التشبيه فيه التي هي ركن في الظهار.
وإن قال: أردت التحريم ولم أرد شيئًا؛ فعندهم أنه يمين تجب به الكفارة عند المخالفة وكذلك إذا حرم شيئًا من المأكول والمشروب ونحوهما، ولكن الفرق عندهم بين هذا واليمين من جهة أنه إذا حلف لا يأكلن هذا الرغيف لم يحنث بأكل بعضه، ولو حرمه لزمته الكفارة بأكل البعض.
قَالُوا: لأن تحريمه على نفسه بمنزلة قوله: واللَّه لا آكل شيئًا منه تشبيهًا له بسائر ما حرم اللَّه.
وَقَالُوا: إذا قال كل حل علي حرام انصرف ذلك إلى المطعوم والمشروب خاصة ولا ينصرف إلى الملبوس وغيره إلا بالنية، خلافًا لزفر فإنه قال بالعموم في كل الأشياء حتى تلزمه الكفارة عقيب كلامه؛ لأنه باشر فعلًا مباحًا وهو التنفس، واحتج الأولون بأن المقصود من لفظه وهو البر لا يتحصل مع اعتبار العموم فسقط اعتباره، وحينئذ ينصرف إلى ما يغلب استعماله وهو الطعام والشراب لأنه المعتاد غالبًا وهذا يرد عليه أن الملبوس أغلب منه؛ لأن عدم انفكاكه عنه أغلب من الطعام والشراب فلم لا يندرج تحت لفظه وكذلك الزوجة والأمة أيضًا لكن هذا القول على
стр. 190
غير الذي اختاره صاحب "الهداية" ونقله عن جماعة من المشايخ (ص ٣٢) أنه إذا لم ينو به شيئًا يقع به الطلاق لغلبة الاستعمال، وذكروا فيما إذا قال: قصدت به الكذب خلافًا، فمنهم من قال: لا يلزمه شيء، ومنهم من قال: لا يلزمه شيء يصدق في الحكم؛ لأنه يمين ظاهرًا، وتمسكوا في كونه يمينًا يطرد في كل مباح بظاهر الآية من قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ مع قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
قالوا: وظاهر الآية يقتضى أن التحريم بمجرده يكون يمينًا، وجعلوا ما ورد في بعض الطرق والحلف زيادة على ظاهر الآية فلم يقبلوه على، قاعدتهم، والاعتراض على هذا من وجوه:
أَحَدُهُا: ما تقدم أن تسمية التحريم يمينًا ليس على وجه الحقيقة بل هو مجاز كما سبق تقريره.
وَثَانِيهَا: أن الآية لا دلالة فيها على أن قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ المراد به التحريم السابق لو لم يرد فيه أنه ﷺ كان أقسم؛ إذ يجوز أن يكون مراد الآية أن الذي شرعه اللَّه في الأيمان من الكفارة فهو جار في التحريم، ولا يلزم من ذلك أن يكون مجرد التحريم يمينًا فكيف وقد جاء أن النبي ﷺ جرى منه حلف وتحريم فإن من حلف على شيء لا يفعله فالتزام مقتضى اليمين يجعل ذلك الشيء كالمحرم عليه فارشد اللَّه تعالى إلى أن هذا الامتناع له منه خلاص بالكفارة، وهذا منطبق على الحديث الذي رواه الترمذي من أن النبي ﷺ (٣٣) آلى وحرم [فجعل] (١) الحرام حلالًا وجعل في اليمين الكفارة.
وَثَالِثُهَا: إذا لم تكن دلالة الآية ظاهرة في أن المراد بالأيمان فيها هو التحريم؛ تعين الرجوع التي الروايات الواردة في سبب نزول الآية، وقد تقدم أن قضية شرب العسل ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ حلف عليه، وأن الأظهر في سبب نزول الآية أن تكون قضية مارية ﵂ لما تقدم من دلالة قوله تعالى: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ على ذلك دون قصة العسل، وحينئذ فإما أن يكون وقع من النبي ﷺ يمين
стр. 191
على ذلك أولًا، فإن كان في القضية قسم فالكفارة راجعة إليه، وإن لم يكن إلا مجرد التحريم أو قلنا بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الوجه المتقدم؛ فلا يلزم من شرعية الكفارة في ذلك أن يكون مجرد التحريم يسمى يمينًا لما تقدم، ولو لزم ذلك فإنما وردت الآية في الأمة ولا يقاس على الأبضاع غيرها، بل إنما تلحق بها الزوجة كما تقدم بحرمة الأبضاع، وأما المأكول والمشروب وغيرهما فالفرق بينها وبين الأبضاع ظاهر لاسيما ووجوب الكفارة على خلاف القياس فلا يلتحق بمورد النص غيره مع قصوره عنه، وباللَّه التوفيق.
وأما مذهب أحمد بن حنبل فقد تقدم أن مأخذ كونه صريحًا في الظهار اعتبار معنى اللفظ مع أن الأصل (ص ٣٤) عدم الفرقة فيقتصر به على الظهار ويرد عليه أن أصل وضع الظهار هو تشبيهها بظهر أمه فلا يلتحق به صريحًا ما ليس فيه ذلك وفيه من المنكر والزور الذي اقتضى إيجاب الكفارة الكبرى ما ليس في مطلق التحريم فيتقاصر عنه.
وقد يرد قول أحمد على الرواية الأخرى إذا جعله كناية في الطلاق ونواه به هل يقع واحدة أو ثلاث بناء على انقسام الكنايات عنده إلى خلية وخفية؟
فالخلية إذا نوى بها أصل الطلاق وقع الثلاث، والأظهر عندهم على هذه الرواية أنه من الكنايات الخلية، ومأخذ القول الآخر البناء على أن الطلاق الرجعي يحرم الاستمتاع بالزوجة والأصل عدم زائد على ذلك.
وأما على الرواية الثالثة أنه يكون يمينًا إذا نوى به اليمين، فقد نص على أنه يكون مؤليًا وإذا مضت أربعة أشهر تطالب بالفيئة كمذهب أبي حنيفة ﵀.
وحكى شارح "المقنع" فيما إذا قال: ما أحل اللَّه علي حرام أعني به الطلاق أن أحمد قال: تطلق امرأته ثلاثًا، وإن قال: أعني به طلاقًا؛ طلقت واحدة، رواه جماعة عنه.
قال: وروى أبو عبد اللَّه النيسابوري عنه أنه قال في الصورة الأولى أنه رجع عن القول بأنها تطلق، وقال: بل يكفر كفارة الظهار، ووجهه أن هذا اللفظ صريح في الكفارة فلا يكون كناية في غيرها.
وذكر القاضي أبو يعلى أن جمهور الأصحاب على الرواية (٣٥) الأولى؛ لأنه
стр. 192
صرح بإرادة الطلاق، قال: واللفظ ليس صريحًا في الظهار بل في التحريم والتحريم صالح للطلاق والظهار، وإنما اقتصر به على الظهار؛ لأن الأصل عدم الفرقة فإذا صرح بإرادة الطلاق انصرف إليه.
وأما الفرقة في إيقاع الثلاث وايقاع الواحدة فلأنه إذا قال: أريد به الطلاق -والطلاق اسم جنس محلى بلام الجنس- فيقتضي الاستغراق بخلاف ما إذا قال: أريد به طلاقًا؛ لأنه منكر لا عموم له فيقتصر على طلقة.
وحكى أيضًا فيما إذا قال: أنت علي كالميتة والدم، إن نوى به شيئًا من الطلاق أو الظهار أو اليمين نفذ فيه؛ لأنه يصلح جعله كناية في كل واحد منها؛ لأن التحريم ملازم لكل واحد منها، وإذا نوى به الطلاق لم يقع إلا واحدة إلا أن ينوي عددًا فينصرف إليه؛ لأن هذا من الكنايات الجلية كالبتة والبتلة والبائن إذا نوى بها الطلاق يقتضي الثلاث دون الخفية وقد تقدم هذا عنهم.
وإن لم ينو بهذا اللفظ شيئًا ففيه وجهان لهم:
أَحَدُهُمَا: إنه ظهار؛ لأن معنى قولها "أنت علي كالميتة والدم" أنت علي حرام، وذلك محمول على الظهار يعني على الراجح عندهم.
وَالثَّانِي: إنه يكون يمينًا؛ لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة العظمى، فإذا أتى بلفظ محتمل عمل بذلك الأصل ولا تثبت كفارة الظهار بالشك.
هذا بعض تفاريع (ص ٣٦) المذاهب الثلاثة.
وأما تفريع أصحابنا فقد تقدم أن قاعدة المذهب أن هذا اللفظ يصلح كونه كناية في الطلاق أو الظهار؛ لأن التحريم ملازم لكل من المعينين وأنه إذا نوى به الطلاق وقع رجعيًّا إلا أن ينوي عددًا معينًا فيقع ما نواه، وهذه قاعدة الشافعي أيضًا في سائر الكنايات وإن كانت ظاهرة كالخلية والبرية والبائن والبتة ونحوها.
وقد احتج لذلك فيما روى البويطي عنه بأن أصحاب رسول اللَّه ﷺ اختلفوا في ذلك، قال: فوجدنا أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ" (١).
стр. 193
وَقَدْ قِيلَ: ان معناه كل شرط خلاف كتاب اللَّه .
فلما نطق الكتاب بالرجعة في الواحدة والثنتين وأمر رسول اللَّه ﷺ ابن عمر ﵁ بذلك ولم يختلف العلماء فيه؛ قلنا: إن قول من قال من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : إن له الرجعة أولى بهذه الألفاظ، ولأن الأصل أنها زوجة فلا يزول يقين نكاحها بالاختلاف.
واحتج الشافعي أيضًا في موضع آخر بحديث ركانة أنه طلق امرأته البتة فسأله النبي: ﷺ "مَا أَرَدْتَ بِذَلِكَ"؟
فقال: واحدة.
قال: "آللَّه"؟
قال: آللَّه.
فقال: "هُوَ مَا أَرَدْتَ".
رواه أبو داود (١)، وصححه جماعة.
ففيه دليل عل أن هذه اللفظة صالحة للواحدة وما بعدها فكذلك غيرها، وقد (ص ٣٧) حكى الحناطي وجهًا لبعض الأصحاب أنه لا يقع بلفظ الحرام الطلاق وإن نواه اذا فرعنا عل القول بأنه صريح في إيجاب الكفارة وهو الذي صححه المتأخرون، وجزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" بهذا الوجه، وذكر الرافعي وغيره أن هذا الوجه وإن كان غريبًا فهو مقتضى الأصل المشروط الذي قاله إمام الحرمين وغيره أن اللفظ اذا كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًا في موضعه فلا سبيل التي رده عن العمل فيما هو صريح فيه بأن يكون كناية في غيره، إذ يستحيل أن يكون صريحًا نافذًا في أصله وكناية منوية في وجه آخر.
стр. 194
وقد أجاب مجلى في "الذخائر" عن هذا بأن اللفظ إنما يكون صريحًا في إيجاب الكفارة إذا لم ينو به الطلاق، وعند نية الطلاق لا يكون كذلك كما أنه إذا نوى به الظهار تجب به الكفارة العظمى، وفي هذا الجواب نظر وسيأتي ما هو أقوى منه.
وقد اتفق الأصحاب على أنه إذا نوى به الطلاق والظهار معا لا يثبتان جميعًا لما بينهما من التناقض؛ فإن الطلاق يزيل الملك والظهار يستدعي بقاءه، ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه:
أَصَحُّهَا وبه قال ابن الحداد والأكثرون: أنه يتخير، فما اختاره منهما ثبت وترتب عليه حله.
وَالثَّانِي: أنه يكون طلاقًا؛ لأنه أقوى من جهة أنه مزيل للملك.
وَالثَّالِثُ: أنه يكون ظهارًا؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
أما إذا نوى أحدهما (٣٨) قبل الآخر:
فقال ابن الحداد: إن نوى الظهار أولًا نفذا جميعًا وإن نوى الطلاق أولًا، فإن كان بائنًا فلا معنى للظهار بعده، وإن كان رجعيًّا كان الظهار موقوفًا إن راجعها فهو صحيح والرجعة عود وإلا فهو لغو.
قال الشيخ أبو علي: وهذا عندي فاسد؛ لأن اللفظ الواحد إذا لم يجز أن يراد به التصرفان فلا يفترق الحال بين أن يريد أحدهما معًا أو يريد هذا ثم يريد هذا، وأيضًا فإنه إذا نواهما على التعاقب كانت كل واحدة من النيتين مقارنة لبعض اللفظ لا لجميعه وفي ذلك خلاف، قال: وموضع هذا النظر والتفصيل ما إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي.
قُلْتُ: هذه المسألة لها أحوال:
الحَالَةُ الْأُولَى: أن لا ينوي بها شيئًا فلا يقع بها طلاق؛ لأنه لم ينوه وليس اللفظ صريحًا فيه، والأظهر أنه يقع به الظهار وهو ما نص عليه في "الأم"؛ لأن لفظ الحرام يكون بانضمام النية إليه ظهارًا فلأن يكون ذلك كذلك مع اللفظ أولى، وأيضًا فإنه لو لم يأت بقوله حرام كان ظهارًا ولابد، فإذا أكد ذلك بالتحريم كان أولى.
ومن الأصحاب من قال: لا يثبت به ظهار بناء على ما تقدم أنه صريح في إيجاب الكفارة فيصير كما لو قال: أنت طالق كظهر أمي من غير نية، وقد قالوا أنه لا يقع به
стр. 195
الطلاق ولا يحصل الظهار.
والجواب عنه بما تقدم أن كونه صريحًا في الكفارة إنما هو حالة التجرد، فأما مع قوله: "كظهر أمي" فهو تأكيد لمقصود الظهار (ص ٣٩).
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أن يريد به الظهار فقط فهو ظهار؛ لما تقدم أن نية الظهار مع لفظ الحرام تصيره ظهارًا فمع التصريح به أولى، وخرج الرافعي فيه الوجه المتقدم عن رواية الحناطي أنه لا يصح به الظهار بناء على أنه صريح في اقتضاء الكفارة الصغرى وفيه ما تقدم.
الثَّالِثَةُ: أن ينوي به مجرد الطلاق ففيه طريقان للأصحاب:
أَظْهَرْهُمَا أن المسألة على قولين:
أَحَدُهُمَا: أنه يكون ظهارًا وهو ما يوجد في بعض نسخ "المختصر" ووجهه ما تقدم.
وَالثَّانِي: أنه طلاق وهو كذلك في بعض نسخ "المختصر"، وكذلك نقله الربيع والبويطي أيضًا؛ لأن نية الطلاق مع لفظ الحرام بمنزلة صريحه ولو قال: "أنت طالق كظهر أمي" كان طلاقًا، وهذا هو الصحيح المشهور.
والطريق الثاني القطع به.
وفيه طريق ثالث أنه يكون ظهارًا قولًا واحدًا، ورد الخلاف إلى أنه هل يقع الطلاق مع الظهار أم لا؟
الرَّابِعَةُ: أن ينوي الطلاق والظهار جميعًا وله ثلاثة أحوال:
إِحْدَاهَا: أن يريدهما بمجموع الكلام أو بقوله: "أنت علي حرام" فلا يثبتان جميعًا لما تقدم من تنافي موجبهما وفيما ثبتت به الأوجه الثلاثة المتقدمة، ووجه الثالث وهو أنه يثبت الظهار بأن قوله: "أنت علي حرام" يحتملهما جميعًا، فإذا نواهما تعارضا وتساقطا وبقي قوله: "كظهر أمي" لا معارض له (ص ٤٠) وهو صريح في الظهار فيثبت.
الثَّانِيَةُ: أن يريد بقوله: "أنت علي حرام" الطلاق، وبقوله: "كظهر أمي" الظهار فيقع الطلاق، ثم إن كان رجعيًّا ثبت الظهار، وإن كان بائنًا فلا.
وفيه وجه أن الظهار لا يصح هنا؛ لأن قوله: "كظهر أمي" غير مفيد بمجرده
стр. 196
فلا يثبت به شيء، ثم الأول مفرع على أنه إذا نوى به الطلاق وحده نفذ أما إذا قيل بالقول المتقدم أنه يكون ظهارًا فلا يقع الطلاق هنا أيضًا ويتمحض الظهار، ذكره ابن الرفعة وبه ينتظم في هذه الصورة ثلاثة أوجه.
الثَّالِثَةُ: أن يعكس فيريد بقوله: "أنت حرام" الظهار، وبقوله: "كظهر أمي" الطلاق؛ ففيه وجهان: الصحيح أنه يصح الظهار فقط ولا يقع طلاق؛ لأن لفظ الظهار صريح في معناه فلا يجعل كناية في غيره مع إمكان نفوذه في حقيقته.
وعن الشيخ أبي محمد وغيره أنه يقع الطلاق أيضًا لأن قوله: "كظهر أمي" قد خرج عن كونه صريحًا في الظهار لعدم استقلاله فجاز أن يكون كناية عن الطلاق.
الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: أن يريد بذلك تحريم عينها الذي توجبه الكفارة الصغرى؛ ففيه وجهان:
أَصَحُّهُمَا: أنه يقبل منه؛ لموافقة لفظ الحرام ذلك.
وَالثَّانِي: لا يقبل ويكون مظاهرًا؛ لأنه وصف التحريم بما يقتضي الكفارة العظمى فلا يقبل في الرد إلى الكفارة الصغرى.
وبنى جماعة هذا الخلاف على ما إذا نوى به الطلاق فقط، فإن جعلناه طلاقًا قبل منه هنا ولزمته الكفارة، وإن جعلناه ظهارًا هناك فكذلك هنا (٤١) بل أولى، وذكر ابن الرفعة أن هذا الخلاف أيضًا مفرع على أن لفظ التحريم ليس صريحًا في إيجاب الكفارة، أما إذا قلنا: إنه صريح فيقبل هنا قولًا واحدًا، وصرح به الإمام وغيره.
قال الرافعي: وإذا قلنا بالأول فإن لم ينو بقوله: "كظهر أمي" الظهار لم يلزمه شيء سوى كفارة اليمين، فكان قوله: "كظهر أمي" تأكيدًا لتحريم الذات، وإن نوى به الظهار كان مظاهرًا ولزمته الكفارة.
قُلْتُ: ومقتضى هذا أنه تندرج الكفارة الصغرى في الكبرى، فقد قال الرافعي بعد ذلك: لو قال: "أنت علي كظهر أمي حرام" كان مظاهرًا لصريح لفظه، ثم قال في "التتمة": إن لم ينو بقوله: "حرام" شيئًا؛ كان تأكيدًا للظهار، وإن نوى تحريم عينها فكذلك، ومقتضى التحريم وهو الكفارة الصغرى يدخل في مقتضى الظهار وهو الكفارة الكبرى، وإن نوى بالحرام الطلاق فقد عقب الظهار بالطلاق فلا عود.
أما إذا نوى بالحرام تحريم عينها فالصحيح المشهور من المذهب أن الكفارة
стр. 197
تجب لمجرد اللفظ ولا يتوقف على الوطء لأن هذه الصيغة ليست يمينًا كما تقدم.
وحكى صاحب "التقريب"، وغيره وجهًا لبعضهم أنها إنما تلزم إذا أصابها وأن هذا اللفظ مع نية التحريم بمثابة الحلف على ترك الإصابة وهذا ظاهر قول الغزالي في "الوسيط" وإن نوى التحريم كان يمينًا، وقد قال الشافعي في "الإملاء": وإن نوى الإصابة قلنا: أصب وكفر (ص ٤٢) وهذا يشعر بتوقف الكفارة على الإصابة، فعلى هذا يصير مؤليًا بقوله: "أنت علي حرام" كما تقدم عن الحنفية، والجمهور أولوا نص الشافعي على أنه أراد به أن الإصابة لا تحرم قبل التكفير بخلاف الظهار كيف وأن الإيلاء هو اليمين وهي لا تكون إلا باسم من أسماء اللَّه تعالى أو بصفة من صفاته، وعلى هذا فلو قال: أردت بقولي: "أنت علي حرام" الامتناع عن الوطء ففي قبوله وجهان:
أَصَحُّهُمَا: المنع؛ لأن مجرد التحريم لا يصلح أن يكون كناية في اليمين وليس صريحًا فيها قطعًا، وكذلك لو نوى بهذا اللفظ الإيلاء لم يصر به مؤليًا على الأصح.
ولو قال: أردت به إن وطئتك فأنت علي حرام؛ فالمشهور أنه لا يقبل ذلك منه لأنه يروم به تأخير الكفارة وهي واجبة على الفور.
وقال ابن الصباغ والمتولي: يؤاخذ بموجب الإيلاء لإقراره بأنه مؤل، أما إذا لم ينو به شيئًا فقد تقدم للشافعي قولان، والذي نص عليه في مواضع أنه تجب فيه كفارة يمين، وقال في "الإملاء" بعد ذلك: ولو قال قائل إنه لا شيء فيه كان مذهبًا، والأظهر عند جمهور الأصحاب وجوب الكفارة، وأن قوله: "أنت علي حرام" صريح في ذلك، وعلى القول الآخر هو كناية في لزوم الكفارة فلا تجب إلا إذا نوى تحريم عينها.
ووجه هذا بأنه لو كان صريحًا في ذلك لامتنع كونه كناية في الطلاق أو الظهار للقاعدة المعروفة (٤٣) أن اللفظ إذا كان صريحًا في شيء ووجد نفاذًا في ذلك الشيء لا يكون كناية في غيره ولا ينصرف عنه بالنية.
وأجاب الجمهور بوجهين:
أَحَدُهُمَا: أن التزام الكفارة لا يختص بالنكاح بل يجري في ملك اليمين أيضًا إذا قال لأمته: "أنت علي حرام" ونوى به تحريم عينها دون العتق، وإذا لم يختص
стр. 198
بالنكاح لم يبعد أن يصرف من حكم من أحكام النكاح إلى حكم آخر بالنية.
وَالثَّانِي: إن كون الحرام صريحًا في إلزام الكفارة ليس على سبيل القطع بل يحتمل الطلاق وغيره؛ لأنه مجتهد فيه وقد اختلف الصحابة فيه كثيرًا كما تقدم فيجوز أن يكون كناية في غيره كلفظ الخلع فإنه على القول بأنه فسخ، وهو الذي اختاره جماعة من الأصحاب ونصره الجمهور في الخلاف يكون صريحًا فيه ومع ذلك إذا نوى به الطلاق كان طلاقًا؛ لأن كونه فسخًا ليس على سبيل القطع بل هو مجتهد فيه بخلاف لفظ الطلاق والظهار والعتق ونحو ذلك فإن كلل لفظ منها مقطوع بصراحته في حقيقته فإذا وجد نفاذًا فيه لا ينصرف إلى غيره بالنية.
وقد قالوا فيما إذا قال لأمته: "أنت علي حرام، ونوى به الظهار أنه لا يصير ظهارا؛ لأنه لا مجال فيه للأمة عندنا فيلغو.
وقال صاحب "الشامل": عندي أن نية الظهار كنية التحريم؛ لأن معنى نية الظهار أن ينوي أنها كظهر أمه في التحريم وهذا نية التحريم بصفة (ص ٤٤) مؤكدة.
قُلْتُ: وأيضًا إذا كان اللفظ صريحًا في وجوب الكفارة عند الإطلاق على الأظهر فينبغي أن تلغو نية الظهار فيبقى اللفظ مطلقًا فلا يلغى اللفظ بل تجب به الكفارة لاسيما وقد ذكروا في إطلاق هذا اللفظ في الأمة طريقين:
أَظْهَرْهُمَا: أنه على الخلاف في الزوجة.
وَالثَّانِيَةُ: القطع بوجوب الكفارة لورود هذه القصة في تحريم الأمة كما تقدم، ويتحصل من ذلك بالنسبة إلى مطلق اللفظ في الزوجة والأمة ثلاثة أقوال:
ثَالِثُهَا: الفرق بين الأمة والزوجة، والأظهر فيهما وجوب الكفارة كما تقدم ولذلك قال ابن الصباغ: ينبغي أن لا يفرق أن يقول: أردت بقولي أنت حرام التحريم وبين أن يقول: لم أرد به شيئًا؛ لأن اللفظ صريح في المعنى فلا وجه لاعتبار النية.
قال الرافعي: وحاصل هذا طريقة جازمة بأن صورة الإطلاق حكمها حكم ما لو قال: قصدت التحريم، ثم قال بعد ذلك: واعلم أنه قد تكرر في كلام الأصحاب أن قوله: "أنت علي حرام" هل هو صريح في الزام الكفارة أو كناية؟
وفي الحقيقة ليس لزوم الكفارة أو التزامها معنى اللفظ حتى يقال: هو صريح فيه
стр. 199
أو كناية وإنما هو حكم رتبه الشرع على التلفظ بهذه اللفظة، فاختلفوا في أن هذا الحكم هل يتوقف على أن ينوي التحريم أو لا يتوقف؟
فتوسعوا بإطلاق لفظ الصريح والكناية، وهذا تحقيق حسن.
ثم هنا صور يتعين التنبيه عليها:
إِحْدَاهَا: إذا قال: "أنت حرام" ولم يقل: "علي" قال البغوي: هو كناية قولًا واحدًا (ص ٤٥).
الثَّانِيَةُ: إذا قال: "أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير" فحكمه عند الجمهور، كما لو قال: "أنت علي حرام".
وقال الإمام: يجوز أن لا تجعل هذه الألفاظ صرائح وتخصيص الحرام بكونه صريحًا لورود القرآن به وهذا ما جزم به البغوي في "التهذيب".
وقال الحناطي: الخلاف عند الاطلاق هاهنا مرتب على مثله في لفظ الحرام وهذا أولى بأن لا يجعل صريحًا، وحكى هنا قولًا آخر أنه لا تجب الكفارة به وإن أراد التحريم.
وقال النووي: هو شاذ.
وقال الشيخ أبو حامد وغيره: لو قال: أردت أنها حرام علي؛ فإن جعلناه صريحًا وجبت الكفارة، وإن جعلناه كناية لم تجب لأنه لا يكون للكناية كناية.
قال الرافعي: وهذا لا يكاد يتحقق تصويره فإنه إذا كان المنوي المعنى فلا فرق بين أن يقال: نوى التحريم أو نوى به أنت علي حرام، ثم حكى عن أبي الفرج السرخسي أنه إذا قال: أردت أنها كالميتة في النفرة والاستقذار؛ قبل منه ولم يلزمه شيء.
الثَّالِثَةُ: قال إسماعيل البوشنجي: إنما يقع الطلاق بقوله: "أنت علي حرام" إذا نوى حقيقة الطلاق وقصد إيقاعه؛ أما إذا لم ينو كذلك فلا يقع وإن اعتقد كونه موقعًا وظن أنه قد وقع، وتبعه على ذلك الرافعي والنووي، وهذا إنما يجيء إذا لم يشتهر في الطلاق ولم يقل أنه يكون حينئذ من صرائحه، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
الرَّابِعَةُ: إذا قال: متى قلت. لامرأتي: "أنت علي حرام" فإني أريد (٤٦) به
стр. 200
الطلاق، ثم قال لها ذلك بعد مدة؛ فقال أبو العباس الروياني: يحتمل وجهين:
أَحَدُهُمَا: الحمل على الطلاق؛ لكلامه السابق.
وَالثَّانِي: أنه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن نيته قد تغيرت.
قُلْتُ: وهذا أيضًا انما يجيء كما تقدم، وقد صحح النووي الوجه الثاني.
الْخَامِسَةُ: إن نوى به التحريم أو أطلق وقلنا بوجوب الكفارة وكانت الزوجة تعتد عن وطء شبهة أو محرمة أو كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو معتدة أو مزوجة؛ ففيه وجهان:
أَحَدُهمُا: أنه لا يجب عليه شيء؛ لأنها محرمة في الحال فهو صادق في وصفها بذلك؛ وإنما أوجب الشارع ذلك إذا خالف حكمه ووصف الحلال بالحرمة فهو كما لو كانت الأمة أخته فإن الكفارة لا تجب قولًا واحدًا.
وَالثَّانِي: أنها تجب؛ لأنها محل الاستباحة في الجملة بخلاف الأخت فيكون كما لو كانت حائضًا أو نفساء أو صائمة ومقتضى هذا التوجيه أن الكفارة تجب في هؤلاء قطعًا وهو المذهب المشهور؛ لأن هذه الأمور عوارض سريعة الزوال، وقد طرد الحناطي الخلاف فيهن أيضًا وهو ضعيف، وكذلك طرد الحناطي الخلاف أيضًا فيما إذا خاطب به الرجعية وهو ما أبداه الإمام احتمالًا، والجمهور جزموا بأنه لا شيء عليه.
السَّادِسَةُ: إذا قال: "كل ما أملكه حرام علي" وله زوجات وإماء ونوى تحريمهن أو أطلق وجعلناه صريحًا، أو قال لزوجاته الأربع: "أنتن علي حرام" والصورة ما ذكرنا (٤٧) فهل تتعدد الكفارة أم تكفي كفارة واحدة؟
فيه طرق يرجع حاصلها إلى ثلاثة أقوال:
أَصَحُّهَا: أنه كفارة واحدة كما لو حلف أن لا يكلم جماعة فكلمهم.
وَالثَّانِي: تتعدد الكفارة بتعدد الأشخاص كما قيل على قول فيمن ظاهر من نسوة بكلمة واحدة.
وَالثَّالِثُ: أنه تجب للزوجات كفارة وللإماء كفارة.
قال الرافعي: وحكى الحناطي وجهًا ضعيفًا أنه يكفر للمال أيضًا وربما جاء على ضعفه فيما إذا وصف المال بالتحريم.
стр. 201
قُلْتُ: حكى القاضي أبو الحسن الجوزي في كتابه "الموجز" عن ابن حربويه أنه أوجب الكفارة فيما إذا حرم مالًا له من ثوب أو عبد ونحو ذلك كمذهب أبي حنيفة المتقدم وسوى بينه وبين البضع، والمذهب الصحيح الفرق بما تقدم من اختصاص الأبضاع بمزيد الحظر والاحتياط، ولذلك كان تأثيرها بالتحريم أشد بدليل أنه يؤثر فيها الظهار ولا يؤثر في الأموال، وأما قصة العسل ونزول الآية فقد تقدم الجواب عنه.
السَّابِعَةُ: إذا قال لامرأته: "أنت علي حرام" وكرر ذلك ناويًا به التحريم أو أطلق وجعلناه صريحًا، فإن كان ذلك في مجلس واحد كفاه كفارة واحدة، وإن تعددت المجالس وأراد بالثاني وما بعده التأكيد فكذلك أيضًا، وإن أراد الاستئناف فالصحيح أن عليه لكل مرة كفارة، وقيل: يكفي للجميع كفارة، وإن أطلق فعلى قولين.
قال الرافعي: هكذا (٤٨) رتبه الحناطي.
قُلْتُ: وينبغي أن يقال أنه إذا أراد الاستئناف بالثاني وما بعده مع اتحاد المجلس أنه تتعدد الكفارة كما قيل في تكرر الطلاق، واللَّه أعلم.
خَاتِمَةٌ
جميع ما تقدم من التفصيل في لفظ الحرام هو فيما إذا لم يشتهر بين أهل القطر الذي قاله اللافظ به في الطلاق؛ فأما إذا اشتهر فيه واستمر العرف بينهم بذلك فهل يلتحق بصرائح الطلاق الثلاثة أو يبقى على حاله كما لم يشتهر فيستمر فيه التفصيل المتقدم؟
فيه اختلاف الأصحاب، مأخذه أن الصرائح تؤخذ من الشيوع والاستفاضة فقط أو من ذلك مع ورود اللفظ في القرآن العظيم، فعلى الثاني لا يكون اللفظ صريحًا في الطلاق وإن اشتهر لعدم وروده في القرآن أو السنة بمعنى الطلاق وهو الذي رجحه أكثر المتقدمين وصاحب "التتمة" وقطع به العراقيون كما ذكره النووي واختاره أيضًا.
وعلى المأخذ الأول يكون لفظ الحرام صريحًا في الطلاق على الوجه المذكور،
стр. 202
ولا تنحصر الصرائح في الألفاظ الثلاثة، بل كل لفظ شاع استعماله في قوم أو قطر لإرادة الفراق يقع به الطلاق ولا يحتاج إلى نية.
قال الرافعي: وهذا هو الأظهر، والمذكور في "التهذيب" وعليه تنطبق فتاوى القفال والقاضي حسين والمتأخرين.
قُلْتُ: وبه أفتى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام وغيره أيضًا من (ص ٤٩) المتأخرين وهو اختيار إمام الحرمين أيضًا، واحتج له بأن الفقهاء قاطبة اتفقوا على أن المعتبر في الأقارير والمعاملات إشاعة الألفاظ وما يفهم منها في العرف المطرد والعبارات عن العقود تقصد لمعانيها وألفاظ الطلاق عبارة عن مقاصدها فكانت بمثابتها.
وفيه وجه ثالث حكاه القاضي حسين عن القفال أنه إن نوى شيئًا آخر من طعام أو غيره فلا طلاق، وإذا ادعاه صدق وإن لم ينو شيئًا آخر، فإن كان فقيهًا يعلم أن الكناية لا تعمل إلا بالنية لم يقع طلاقه، وإن كان عاميًّا سألناه عما يفهم منه إذا سمعه من غيره فإن قال: يسبق إلى فهمي منه الطلاق؛ حملناه على ما يفهم من غيره.
قَالَ: وهذه درجة متوسطة بين الصريح والكناية، نقله هكذا الإمام في "النهاية" ثم قال: أما قوله: "إن نوى غيره قبل" فحسن؛ لأنه يظهر استعمال هذا اللفظ في أغراض غير الطلاق، وأما قوله: "إن لم ينو" يدل على فهمه فيكاد أن يكون تحكمًا؛ إذ لا عهد بمثل ذلك في الصرائح والكنايات.
قُلْتُ: والذي حكاه أبو سعد المتولي في "التتمة" عن القفال أنه قال: إن نوى غير الزوجة فذاك، وإلا حكمنا بوقوع الطلاق للعرف، ألا ترى أن في العادات لا يحلف بهذا اللفظ من لا زوجة له، وهذا أقرب مما نقله الإمام عن القاضي.
وقد اختلف جواب القاضي حسين في "فتاويه" فيما إذا قال: "حلال اللَّه علي حرام" وله زوجتان فأكثر، فقال في موضعين منها: إنه يقع على كل واحدة طلقة، وقال في موضع آخر: يطلق واحدة منهن؛ لأنه اليقين ويؤمر بالتعيين.
فإذا عرف ذلك فيتصدى العلم في لفظ الحرام إذا أطلق في بلد شاع فيه استعماله في الطلاق، وقد تقدم أن الأظهر كونه صريحًا في إيجاب الكفارة بمقتضى الدليل
стр. 203
الشرعي كما سبق تقريره فأي الصريحين نقدم؟
حكى الرافعي وغيره عن صاحب "التهذيب" أنه يتعين هنا للطلاق وكان مأخذه أن شيوع ذلك في الطلاق يتنزل منزلة ما إذا نواه حالة اللفظ وأيضًا ففيه احتياط للأبضاع والطلاق أقوى من التحريم، ويمكن معارضة هذا بأن الأصل عدم الفرقة وبقاء النكاح فيرجح إعمال لزوم الكفارة، وذكر الإمام فيه كلامًا طويلًا ملخصه أن شيوع استعماله في الطلاق لا يمنع صرفه بالنية إلى التحريم الموجب للكفارة، كما أنا وإن جعلناه صريحًا في الكفارة عند الإطلاق يجوز صرفه بالنية إلى الطلاق.
قُلْتُ: والسبب في ذلك ما تقدم أن جعله صريحًا في واحد منهما ليس على وجه القطع بل بالاجتهاد فيجوز أن يصرف عن ذلك إلى غيره بالنية، ثم قال الإمام: وأما إذا أطلق وفرعنا على أنه صريح في الكفارة فيبنى على أن الصرائح تؤخذ من الشيوع والاستفاضة فحسب أو منه ومن ورود القرآن والشريعة به؛ فإن حكمنا بأن مأخذ الصراحة (٥١) الشيوع فقط فلا يتصور كون لفظ التحريم صريحًا في التأبين، فإن مبنى الشيوع أن لا يستعمل في اطراد العادة إلا في المطلوب وحينئذ فلا يتصور أن يشيع لفظ على الحد الذي ذكرناه في المعنيين مع اتحاد الزمان والمكان؛ فإن ضاع أحد المعنيين كان صريحًا فيه كناية في الشيء ولزم الحمل على الغالب الشائع، وإن جوزنا أن يكون للصرائح مأخذان:
أَحَدُهُمَا: ورود الشرع.
وَالثَّانِي: الشيوع على النعت المتقدم.
فلو فرض شيوع التحريم في الطلاق فلا يتجه إلا أحد شيئين:
إما تغليب وقوع الطلاق، فإنه يحرم النفس والتحريم الموجب للكفارة لا يحرمها، وإما خروج اللفظ عن كونه صريحًا في التأبين جميعًا؛ لتعارض العرف والشرع واستحالة الجمع وامتناع تخصيص أحد الجانبين فلا يعمل اللفظ إذا في أحد المعنيين إلا بقصد، واللَّه سبحانه أعلم.
آخر تحرير المقال في تحريم الحلال .
قال مؤلفه فسح اللَّه في مدته: فرغت منه كتابة وتصنيفًا ببيت المقدس شرفه اللَّه
стр. 204
وحماه في يوم الجمعة سلخ شهر رجب سنة سبع وخمسين وسبعمائة، والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وحسبنا اللَّه تعالى ونعم الوكيل.
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين المبعوث رحمة للعالمين، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وبعد:
فهذه رسالة للحافظ العلائي تكلم فيها عن التطوع بالصلوات في أحد المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال، وذكر الأحاديث الواردة في ذلك وخرجها، وتكلم عليها وعلى بعض رواتها، وجمع مذاهب العلماء وأقوالهم، ورجح بينها؛ فجاءت رسالة نافعة بإذن اللَّه.
стр. 207
وصف النسخة الخطية
اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسخة خطية فريدة لم أظفر بغير ذلك من النسخ الخطية وهي نسخة متقنة، وهي عبارة عن النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية ضمن مجموع تحت رقم (١٢٣) مجاميع.
- اسم الناسخ: غير معروف.
- نوع النسخ: نسخ معتاد.
- عدد الأوراق: ٧ ورقات من (٣٣ - ٣٩).
توثيق الكتاب:
لم أجد من نسب هذه الرسالة للإمام العلائي، ولم أجد ما يدل على نسبها له إلا أنها وجدت ضمن مجموع للحافظ العلائي، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 208
الورقة الأولى من النسخة الخطية
стр. 209
الورقة الأخيرة من النسخة الخطية
стр. 210
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي ونعم الوكيل
الحمد للَّه رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد عبده ورسوله خاتم النبيين والمرسلين والملائكة والمقربين والصالحين من عباد اللَّه أجمعين.
وبعد:
فهذه أوراق عن التطوع بالصلوات في أحد المساجد الثلاث التي تشد الرحال إليها، ووردت الأحاديث بمضاعفة الصلوات الأجور فيها هل فعلها فيها أفضل من فعلها في البيوت، أو الإتيان بها في البيوت أفضلٍ كبقية المساجد، وهل مضاعفة أجور الصلوات في هذه المساجد الثلاث يعم كلًّا من الفرض والنفل أو يختص بالفرائض فقط ما للعلماء في ذلك اقتضى كتابتها كلام جرى مع إمام من أئمة المسلمين وعلم من أعلام الدين فتيسرت ببركته وتحررت بجميل نيته، واللَّه ولي التوفيق.
روى أبو هريرة ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةِ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ".
متفق عليه (١)، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم "خَيْرٌ مِن أَلْفِ صَلَاةِ فِي غَيْرهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ"، وفي رواية لمسلم (٢) أيضًا "أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ".
وأخرجه أيضًا (٣) بهذا اللفظ من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، ومن حديث ابن عباس (٤) ﵁ عن ميمونة أم المؤمنين ﵂ أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "صَلَاةٌ فِيهِ -يَعْنِي مَسْجِدَهُ- أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةِ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِدِ إِلَّا
стр. 211
مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ".
قال الشيخ محيي الدين ﵀: اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيهما أفضل؛ فذهب الشافعي ﵀ وجماهير العلماء إلى أن مكة أفضل من المدينة وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وعكسه مالك وطائفة، فعند الشافعي والجمهور معناه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي، وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة تفضله بدون الألف (١).
وقال أبو العباس القرطبي في تقرير قول مالك: لا شك أن المسجد الحرام مستثنى من قوله "مِنَ المَسَاجِدِ" وهي بالاتفاق مفضولة والمستثنى من المفضول مفضول إذا سكت عليه فالمسجد الحرام مفضول لكن لا يقال أنه مفضول بألف لأنه قد استثناه منها فلابد أن يكون له مزية على غيره من المساجد لكن ما هي ولم يعينها الشرع فلابد أن يكون له مزية على غيره فيتوقف فيها.
وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: قال عبد اللَّه بن نافع الزبيري صاحب مالك: معنى هذا الحديث أن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام؛ فإن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة [فيه] (٢) بدون الألف.
ثم قال: وهذا التأويل على بعده ومخالفة أهل العلم له لا حظ له في اللسان العربي، وقد قال عامة أهل الأثر: الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد النبي ﷺ بمائة صلاة، ومن الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف صلاة.
ثم روى ابن عبد البر هذا القول عن سفيان بن عيينة وقتادة وعن ابن الزبير من الصحابة ﵃ ابن وهب وأصبغ بن الفرج أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي ﷺ .
стр. 212
قال: فهؤلاء أصحاب مالك قد اختلفوا، وقد روينا عن عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وعبد اللَّه بن مسعود وأبي الدرداء وجابر بن عبد اللَّه ﵃ أنهم كانوا يفضلون مكة ومسجدها وإذا لم يكن بدٌّ من التقليد فهم أولى أن يقلدوا من غيرهم الذين جاءوا من بعدهم هذا كله قول ابن عبد البر ﵀ في كتاب "الاستذكار" (١).
وقال فيه أيضًا قبل ذلك: وأحسن حديث روي في ذلك ما رواه حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد اللَّه بن الزبير ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : في صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنَ الْصَّلَاةِ في مَسجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ".
ثم قال: قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثه.
وسئل أبو زرعة الرازي عن حبيب المعلم فقال: بصري ثقة.
قال أبو عمر: وسائر الإسناد لا يحتاج إلى القول فيه، وقد روي أيضًا من حديث ابن عمر، وحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ مثل حديث ابن الزبير ﵁ (٢).
قُلْتُ: حديث ابن الزبير هذا صححه أيضًا الحاكم في "المستدرك" (٣)، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٤).
ثم قال ابن عبد البر (٥) وذكر البزار قال: حدثنا إبراهيم بن حميد قال: حدثنا محمد ابن يزيد بن شداد، ثنا سعيد بن سالم القداح، ثنا سعيد بن بشير، عن إسماعيل بن عبيد اللَّه، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَة أَلْفِ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْف صَلَاةٍ، وَفِي
стр. 213
[مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ] (١) خَمْسِمِائَة صَلاةٍ".
قال أبو بكر البزار: هذا حديث حسن.
قُلْتُ: هذا الحديث من أجود ما روي في مضاعفة الصلوات بالمسجد الأقصى:
فإسماعيل بن عبيد اللَّه اتفقا على الاحتجاج به ويعرف بابن أبي المهاجر (٢).
وسعيد بن بشير وإن كان بعضهم تكلم فيه:
قال فيه شعبة: كان صدوق اللسان.
وقال ابن عيينة: كان حافظا.
ووثقه ابن دحيم وقال: كان مشايخنا يوثقونه (٣).
وقال ابن أبي حاتم: رأيت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء، وقال: محله الصدق (٤).
وقال فيه ابن عدي: الغالب على كلامه الاستقامة (٥).
وسعيد بن سالم القداح قال فيه ابن معين: ليس به بأس.
وقال أبو حاتم: محله الصدق (٦).
وقال فيه أبو داود (٧): صدوق.
وشيخ البزار فيه وشيخ شيخه لم يتكلم فيهما.
وقد رواه محمد بن إسحاق الصغاني أيضًا عن محمد بن يزيد بن شداد الآدمي،
стр. 214
أخرجه من طريقه القاسم بن عساكر في كتابه "المستقصى"، وقد حسنه البزار كما تقدم، فالحديث جيد، وهو في "مسند" الإمام أحمد بن حنبل من هذا الوجه أيضًا (١)، وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢) بلفظ آخر من حديث أنس بن مالك بإسناد ضعيف، وكذلك أيضًا روي من طرق أخر ضعيفة، وفي هذا الإسناد كفاية وباللَّه التوفيق.
قال القرطبي: اختلفوا في قوله ﷺ : "صَلَاةً فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيْمَا سِوَاهُ" هل المراد بالصلاة هنا الفرض أو هو عام في الفرض والنفل؟
وإلى الأول ذهب الطحاوي، وإلى الثاني ذهب مطرف من أصحابنا.
وقال الشيخ محيي الدين ﵀ في "شرح مسلم" اعلم أن مذهبنا لا يختص هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة، بل يعم الفرض والنقل جميعًا، وبه قال مطرف من أصحاب مالك، وقال الطحاوي: يختص بالفرض وهذا مخالف لإطلاق هذه الأحاديث الصحيحة، واللَّه أعلم (٣).
وقال أيضًا في كتابه هذا في باب استحباب صلاة النافلة في بيته: قوله ﷺ : "خَيْرُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" (٤) هذا عام في جميع النوافل المترتبة مع الفرائض والمطلقة إلا في النوافل التي هي من شعائر الإسلام وهي العيد والكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح على الأصح فإنها مشروعة في جماعة المسجد، والاستسقاء في الصحراء وكذا العيد إذا ضاق المسجد واللَّه أعلم (٥).
وقال أيضًا في صدر هذا الباب: وكذا ما لا يتأتى في غير المسجد كتحية المسجد ويندب كونه في المسجد وهو ركعتا الطواف (٦).
فظاهر هذا أنه لا فرق بين المساجد الثلاثة وبين غيرها في ترجيح فعل النوافل في
стр. 215
البيت فيها؛ لأنه استثنى ركعتي الطواف وهما يفعلان ندبًا في المسجد الحرام خلف المقام؛ فبينه وبين كلامه الأول الذي اختار فيه تعميم المضاعفة في الفرض والنفل ما لا يخفى من التنافي اللهم إلا أن يقال: إن النافلة في أحد المساجد الثلاثة تكون أفضل من ألف مثلها في غير مسجد المدينة مثلًا ويكون فعل هذه النافلة في البيت الذي في تلك البلدة أفضل من فعلها في ذلك المسجد، وهذا فيه نظر أيضًا؛ لأن هذه المضاعفة المخصوصة بهذه المساجد الثلاثة لو لم يختص كل مسجد بما جعله الشارع ﷺ له من المضاعفة لم يبق لذلك المسجد مزية على غيره، فإذا كانت النافلة في البيت تحصل المضاعفة فيها أكثر من ذلك المسجد زالت تلك الخصوصية، وأيضًا يلزم من ذلك استواء المساجد الثلاثة مع ما ليس بمسجد أفضل وفيه ما فيه.
وقال الشيخ محيي الدين أيضًا في "شرح المهذب" (١): قال أصحابنا: إن كانت الصلاة مما يتنفل بعدها فالسنة أن يرجع إلى بيته لفعل النافلة؛ لأن فعلها في البيت أفضل لقوله ﷺ : "صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) وذكر أحاديث أخر وكلامًا، ثم قال: قال أصحابنا: فإن صلى النافلة في المسجد جاز وإن كان خلاف الأفضل؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعدها، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته. رواه البخاري (٤) ومسلم (٥).
قال: فظاهره أن الباقي صلاها في المسجد لبيان الجواز في بعض الأوقات وواظب على الأفضل في معظم الأوقات وهو صلاة النافلة في البيت.