← Акыда

Акыда · id 16932

تسديد الإصابة فيما شجر بين الصحابة

ذياب الغامدي

Полный текст (194 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قَالَ ابنُ تَيْمِيَةّ ﵀: «ويَتَبَرَّؤُوْنَ (أَي السَلَفُ) مِنْ طَرِيْقَةِ الرَّوَافِضِ والشِّيَعَةِ الَّذِيْنَ يُبْغِضُوْنَ الصَّحَابَةَ ويَسُبُّونَهُم، وطَرِيْقَةِ النَّوَاصِبِ والخَوَارِجِ الَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ أهْلَ البَيْتِ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ» (١). وبَعْدَ هَذا؛ فمَنْ أرَادَ السَّلامَةَ لِدِيْنِهِ فَليُحِبَّهُم جَمِيْعًا، وأنْ يَخْتِمَ ذَلِكَ على نَفْسِهِ، وعلى كُلِّ أبْنَاءِ جِنْسِهِ؛ لأنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ على جَمِيْعِ الأمَّةِ، واتَّفَقَ على ذَلِكَ الأئمَّةُ، فلا يَزُوْغُ عَنْ حُبِّهِم إلاَّ هَالِكٌ، ولا يَزُوْغُ عَنْ وُجُوبِ ذَلِكَ إلاَّ آفِكٌ (٢).

стр. 107

الفَصْلُ الثَّالِثُ وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ لِلصَّحَابَةِ ﵃ وَاجِبٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ عِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِيْنَ أنْ يَدْعُوَ لَهُم، ويَسْتَغْفِرَ لَهُم، ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم لِمَا لَهُم مِنَ القَدْرِ العَظِيْمِ، ولِمَا حَازُوْهُ مِنَ المَنَاقِبِ الحَمِيْدَةِ، والسَّوَابِقِ القَدِيْمَةِ، والمَحَاسِنِ المَشْهُوْرَةِ، ولِمَا لَهُم مِنَ الفَضْلِ الكَبِيْرِ على كُلِّ مَنْ أتَى بَعْدَهُم (١). وأخْرَجَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ أبي حَاتِمٍ، وابنُ الأنْبَارِيِّ في (المَصَاحِفِ)، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِي ﷺ ، فَسَبُّوهُم!، ثُمَّ قَرَأتُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآيَةُ» (٢).

стр. 108

قَالَ النَّوَوَيُّ ﵀: «أمَّا قَوْلُهَا: (أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَبُّوْهُم)، قَالَ القَاضِي: الظَّاهِرُ أنَّهَا قَالَتْ هذا عِنْدَما سَمِعَتْ أهْلَ مِصْرَ يَقُوْلُوْنَ في عُثْمَانَ ما قَالُوا، وأهْلَ الشَّامِ في عَلِيٍّ ما قَالُوا، والحَرُوْرِيَّةَ في الجَمِيْعِ ما قَالُوا! وأمَّا الأمْرُ بالاسْتِغْفَارِ الَّذِي أشَارَتْ إلَيْهِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآيَةُ. وبِهَذا احْتَجَّ مَالِكٌ في أنَّهُ لاحَقَّ في الفَيْءِ لِمَن سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃؛ لأنَّ اللهَ تَعَالى إنَّمَا جَعَلَهُ لِمَن جَاءَ بَعْدَهُم ممَّنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ لَهُم، واللهُ أعْلَمُ» (١). وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ (، فَإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُوْنَ» (٢). * * *

стр. 109

وذَكَرَ البَغَوَيُّ ﵀ عِنْدَ تَفْسِيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ قَالَ: قَالَ عَامِرُ بنُ شُرَاحِيْلِ الشَّعْبِيُّ: يا مَالِكُ تَفَاضَلَتْ (أيْ: فَضُلَتْ) اليَهُوْدُ والنَّصَارَى الرَّافِضَةَ بِخِصْلَةٍ، سُئِلَتِ اليَهُوْدُ مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالَتْ: أصْحَابُ مُوْسَى ﵇، وسُئِلَتِ النَّصَارَى: مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: حَوَارِيُّ عِيْسَى ﵊، وسُئِلَتِ الرَّافِضَةُ: مَنْ شَرُّ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ . أُمِرُوا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم فَسَبُّوهُم، فالْسَّيْفُ عَلَيْهِم مَسْلُوْلٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا تَقُوْمُ لَهُم رَايَةٌ، ولا يَثْبُتُ لَهُم قَدَمٌ، ولا تَجْتَمِعُ لَهُم كَلِمَةٌ، كُلَّمَا أوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ بِسَفْكِ دِمَائِهِم وتَفْرِيْقِ شَمْلِهِم وإدْحَاضِ حُجَّتِهِم، أعَاذَنَا اللهُ وإيَّاكُم مِنَ الفِتَنِ المُضِلَّةِ» (١).

стр. 110

وأخِيْرًا هَاكَ ما قَالَهُ الإمَامُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةُ: «أمَرَهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ أنْ يَطْلُبُوا مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ أنْ يَنْزِعَ مِنْ قُلُوبِهِمُ الغِلَّ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا على الإطْلاقِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الصَّحَابَةُ دُخُولاً أوَّلِيًّا لِكَوْنِهِم أشْرَفَ المُؤْمِنِيْنَ، ولِكَوْنِ السِّيَاقُ فِيْهِم، فَمَن لم يَسْتَغْفِرْ لِلْصَّحَابَةِ على العُمُومِ، ويَطْلُبْ رِضْوَانَ اللهِ لَهُم فَقَدْ خَالَفَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فإنْ وَجَدَ في قَلْبِهِ غِلاًّ لَهُم فَقَدْ أصَابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وحَلَّ بِهِ نَصِيْبٌ وافِرٌ مِنْ عِصْيَانِ اللهِ لِعَدَاوَةِ أولِيَائِهِ وخَيْرِ أُمَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وانْفَتَحَ لَهُ بَابُ الخُذْلانِ يَفِدُ بِهِ على نارِ جَهَنَّمَ إنْ لم يَتَدَارَكْ نَفْسَهُ باللَّجَأ إلى اللهِ سُبْحَانَه، والاسْتِغَاثَةِ بِهِ بِأنْ يَنْزِعَ عَنْ قِلْبِهِ ما طَرَقَهُ مِنَ الغِلِّ لِخَيْرِ القُرُونِ وأشْرَفِ هَذِهِ الأمَّةِ، فإنْ جَاوَزَ ما يَجِدُهُ مِنَ الغِلِّ إلى شَتْمِ أحَدٍ مِنْهُم، فَقَدْ انْقَادَ لِلْشَّيْطَانِ بِزِمَامٍ وَوَقَعَ في غَضَبِ اللهِ وسَخَطِهِ، وهذا الدَّاءُ العُضَالُ إنَّمَا يُصَابُ بِهِ مَنِ ابْتُلِيَ بِمُعَلِّمٍ مِنَ الرَّافِضَةِ، أو صَاحِبٍ مِنْ أعْدَاءِ خَيْرِ الأمَّةِ الَّذِيْنَ تَلاعَبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ، وزَيَّنَ لَهُم الأكَاذِيْبَ المُخْتَلَقَةَ، والأقَاصِيْصَ المُفْتَرَاةَ، والخُرَافَاتِ المَوْضُوْعَةَ، وصَرَفَهُم عَنْ كِتَابِ اللهِ الَّذِي لا يَأتِيْهِ

стр. 111

البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ، وعَنْ سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ المنقُوْلَةِ إلَيْنَا بِرِوَايَاتِ الأئِمَةِ الأكَابِرِ في كُلِّ عَصْرٍ مِنَ العُصُوْرِ فاشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بالهُدَى، واسْتَبْدَلُوا الخُسْرَانَ العَظِيْمَ بالرِّبْحِ الوَافِرِ، وما زَالَ الشَّيْطَانُ الرَّجِيْمُ يَنْقُلُهُم مِنْ مَنْزِلَةٍ إلى مَنْزِلَةٍ، ومِنْ رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ حَتَّى صَارُوا أعْدَاءَ كِتَابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسُوْلِهِ، وخَيْرِ أُمَّتِهِ، وصَالِحِي عِبَادِهِ، وسَائِرِ المُؤْمِنِيْنَ، وأهْمَلُوا فَرَائِضَ اللهِ، وهَجَرُوا شَعَائِرَ الدِّيْنَ، وسَعُوا في كَيْدِ الإسْلامِ وأهْلِهِ كُلَّ السَّعْي، ورَمُوا الدِّيْنَ وأهْلَهُ بِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ واللهُ مِنْ ورَائِهِم مُحِيْطٌ» (١). * * * فَهَذِهِ النُّصُوْصُ الَّتِي سُقْنَاهَا في هذا المَبْحَثِ عَنِ المُتَقَدِّمِيْنَ والمُتَأخِّرِيْنَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ كُلُّهَا تُبَيِّنُ: أنَّهُم هُمُ الفَائِزُوْنَ بِسَلامَةِ الصُّدُورِ مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ لأصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وأنَّهُم يَعْتَقِدُوْنَ أنَّ مِنْ حَقِّ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ على مَنْ بَعْدَهُم التَّرَحُّمَ عَلَيْهِمْ، والاسْتِغْفَارَ لَهُم، فأهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ يَتَرَحَّمُوْنَ على أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، صَغِيْرِهِم وكَبِيْرِهِم، وأوَّلِهِم وآخِرِهِم، ويَذْكُرُونَ مَحَاسِنَهُم

стр. 112

ويَنْشُرُونَ فَضَائِلَهُم، ويَقْتَدُوْنَ بِهَدْيِهِم، ويَقْتَفُونَ آثارَهُم، ويَعْتَقِدُوْنَ أنَّ الحَقَّ في كُلِّ مَا قَالُوْهُ، والصَّوَابَ فِيْمَا فَعَلُوْهُ (١). وبَعْدَ هَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مَنْ لم يَتَرَحَّمْ على الصَّحَابَةِ، ويَسْتَغْفِرْ لَهُم، ولَيْسَ لَهُ حَظٌ في شَيْءٍ مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِيْنَ كَمَا ذَكَرَهُ الإمَامُ مَالِكُ ﵀ وغَيْرُهُ.

стр. 113

الفَصْلُ الرَّابِعُ عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ ﵃ أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على: أنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيْعَهُم عُدُوْلٌ بِلاَ اسْتِثْنَاءٍ سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتْنَةَ مِنْهُم أوْ لا، نَظَرًا لِمَا أكْرَمَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ شَرَفِ الصُّحْبَةِ لِنَبِيِّهِ ﷺ ، ولِمَا لَهُمْ مِنَ المآثِرِ الجَلِيْلَةِ، والمَوَاقِفِ العَظِيْمَةِ مَعَ النَّبِي ﷺ ، مِنْ مُنَاصَرَةٍ، ومُؤَازَرَةٍ، وإيْمَانٍ، ومُتَابَعَةٍ، وإيْثَارٍ، وجِهَادٍ، بَيْنَ يَدَيْهِ! وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على عَدَالَتِهِم جَمْعٌ غَفِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ. قَالَ الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ ﵀ (٤٦٣) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الأدِلَّةَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وسُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، الَّتِي دَلَّتْ على عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وأنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ، قَالَ: «هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ العُلَمَاءِ، ومَنْ يَعْتَدُّ بِقَوْلِهِم مِنَ الفُقَهَاءِ» (١).

стр. 114

وقَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أيْضًا: «ونَحْنُ وإنْ كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ قَدْ كُفِيْنَا البَحْثَ عَنْ أحْوَالِهِم لإجْمَاعِ أهْلِ الحَقِّ مِنَ المُسْلمِيْنَ وَهُم أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على: أنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ، فَوَاجِبٌ الوُقُوْفُ على أسْمَائِهِم» (١). وقَدْ نَقَلَ الإجْمَاعَ على عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ كالإمَامِ الجُوَيْنِيِّ، والغَزَالِيِّ، وابنِ الصَّلاحِ، والنَّوَوَيِّ، وابنِ كَثِيْرٍ، والعِرَاقِيِّ، وابنِ حَجَرٍ، والسَّخَاوِيِّ، والألُوْسِيِّ، وغَيْرِهِم ممَّا لا تَسَعُهُم هَذِهِ الرِّسَالَةُ (٢). * * * وبَعْدَ هذا؛ نَخْتِمُ بِقَوْلِ أبي زُرَعَةَ الرَّازِيِّ ﵀ كَمَا مَرَّ مَعَنَا: «إذا رَأيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فاعْلَمْ أنَّهُ

стр. 115

زِنْدِيْقٌ ... وإنَّمَا يُرِيْدُوْنَ أنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنا لِيُبْطِلُوا الكِتَابَ والسُّنَّةَ، والجَرْحُ بِهِم أوْلَى وهُم زَنَادِقَةٌ» (١) رَوَاهُ الخَطِيْبُ. فَقَدْ صَدَقَ ﵀ فلا يَتَجَرَّأُ على تَجْرِيْحِ الصَّحَابَةِ إلاَّ مَجْرُوحٌ في دِيْنِهِ ودُنْيَاهُ، زِنْدِيْقٌ في مُعْتَقَدِهِ، عَبْدٌ لِهَوَاهُ، عَدُوٌ للهِ وأوْلِيَائِهِ. وأخِيْرًا؛ فَهَذَا ما عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ: وهُوَ أنَّهُم كُلُّهُم عُدُوْلٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ ومَنْ لم يُلابِسْها. وما أحْسَنَ ما قَالَهُ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀ (٧٤٨) في هَذِهِ المَسْألَةِ حَيْثُ قَالَ: «فأمَّا الصَّحَابَةُ ﵃ فَبُسَاطُهُم مَطْوِيٌّ وإنْ جَرَى ما جَرَى، إذْ على عَدَالَتِهِم وقَبُولِ ما نَقَلُوْهُ العَمَلُ، وبِهِ نَدِيْنُ اللهَ تَعَالى» (٢).

стр. 116

الفَصْلُ الخَامِسُ حُكْمُ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃ إنَّ سَبَّ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، مُحَرَّمٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ وإجْمَاعِ السَّلَفِ والخَلَفِ، وهو ما عَلَيْهِ اعْتِقَادُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، وعَلى هَذا جَاءتِ الأدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا يَلِي: قَال تَعَالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وكَذَا قَوْلُهُ ﷺ : «لا تَسُبُّوا أصْحَابي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيْفَهُ» (١) البُخَارِيُّ. وهو عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ أبي سَعِيْدٍ ﵁ بِلَفْظٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الوَلِيْدِ، وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ فَقَالَ: رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَذَكَرَهُ (٢).

стр. 117

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّ أصْحَابي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، والمَلائِكَةِ، والنَّاسِ أجْمَعِيْنَ» (١) الطَّبَرَانِيُّ. وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أيْضًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ أصْحَابي» (٢). قَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: «واعْلَمْ أنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ ﵃ حَرَامٌ مِنْ فَوَاحِشِ المُحَرَّمَاتِ، سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتَنَ مِنْهُم ومِنْ غَيْرِهِم لأنَّهُم مُجْتَهِدُوْنَ في تِلْكَ الحُرُوبِ مُتَأوِّلُوْنَ» (٣). قَالَ ابنُ تَيْمِيَةَ ﵀: «فإنْ قِيْلَ: فَلِمَ نَهَى (رَسُوْلُ اللهِ) خَالِدًا عَلى أنْ يَسُبَّ أصْحَابَهُ إذْ كَانَ مِنْ أصْحَابِهِ أيْضًا؟ وقَالَ: «لو أنَّ أحَدَكُم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بلغَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيفَهِ».

стр. 118

قُلْنا: لأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ونُظَرَاءهِ هُم مِنَ السَّابِقِيْنَ الأوَّلِيْنَ الَّذِيْنَ صَحِبُوهُ في وَقْتٍ كان خَالِدٌ وأمْثَالُهُ يُعَادُوْنَهُ فِيْهِ، وأنْفَقُوا أمْوَالَهُم قَبْلَ الفَتْحِ وقَاتَلُوا وهُمْ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِيْنَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدِ الفَتْحِ وقَاتَلُوا، وكُلاً وَعَدَ اللهُ الحُسْنى، فَقَدْ انْفَرَدُوا مِنَ الصُّحْبَةِ بِمَا لم يَشْرَكْهُم فِيْهِ خَالِدٌ ونُظَرَاؤُهُ ممَّن أسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ ـ الَّذِي هُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَّةِ ـ وقَاتَلَ، فَنَهَى أنْ يَسُبَّ أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ صَحِبُوهُ قَبْلَهُ، ومَنْ لم يَصْحَبْهُ قَطُّ نِسْبَتُهُ إلى مَنْ صَحِبَهُ كَنِسْبَةِ خَالِدٍ إلى السَّابِقِيْنَ وأبْعَدُ. وقَوْلُهُ: «لا تَسُبُّوا أصْحَابي» خِطَابٌ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَسُبَّ مَنِ انْفَردَ عَنْهُ بِصُحْبَتِهِ ﵊، وهَذَا كَقَوْلِهِ ﵊ في حَدِيْثٍ آخَرَ: «أيُّها النَّاسُ إنِّي أتِيْتُكُم، فَقُلْتُ: إنِّي رَسُوْلُ اللهِ إلَيْكُم، فَقُلْتُم: كَذَبْتَ، وقَالَ أبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، فَهَلْ أنتُمْ تارِكُوا لِي صَاحِبِي ... ؟» (١)، أو كَمَا قَالَ بأبِي هُوَ وأُمِّي (، قَالَ ذَلِكَ لَمَّا عَايَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أبا بَكرٍ، وذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ فُضَلاءِ أصْحَابِهِ، ولَكِنِ امْتَازَ أبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِصُحْبَتِهِ وانْفَرَدَ بِهَا عَنْهُ» (٢).

стр. 119

قَالَ بِشْرُ بنُ الحَارِثِ: «مَنْ شَتَمَ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَهُوَ كَافِرٌ وإنْ صَامَ وصَلَّى وزَعَمَ أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» (١). وقَالَ الأوْزَاعِيُّ: «مَنْ شَتَمَ أبا بَكْرٍ الصِدِّيْقَ ﵁ فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْ دِيْنِهِ، وأبَاحَ دَمَه» (٢). وقَالَ المَرْوَزِيُّ: سَألْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ (الإمَامَ أحْمَدَ): عَمَّنْ شَتَمَ أبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وعَائِشَةَ ﵃. فَقَالَ: «ما أَرَاهُ على الإسْلامِ» (٣). وقَالَ أبُو طَالِبٍ لِلإمَامِ أحْمَدَ: الرَّجُلُ يَشْتُمُ عُثْمَانَ؟ فأخْبَرُوْنِي أنَّ رَجُلاً تَكَلَّمَ فِيْهِ فَقَالَ: «هَذِهِ زَنْدَقَةٌ» (٤) نَعُوْذُ باللهِ مِنَ الضَّلالِ!

стр. 120

أقْوَالُ أهْلِ العِلْمِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ على قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ إلى القَوْلِ بِتَكْفِيْرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃، أو انْتَقَصَهُم وطَعَنَ في عَدَالَتِهِم وصَرَّحَ بِبُغْضِهِم، وإنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَقَدْ أبَاحَ دَمَ نَفْسِهِ وحَلَّ قَتْلُهُ؛ إلاَّ أنْ يَتُوْبَ مِنْ ذَلِكَ ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم. * * * وممَّن ذَهَبَ إلى هَذَا القَوْلِ مِنَ السَّلَفَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيْلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ أبْزَى، وغَيْرُهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِيْنَ مِثْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الأوْزَاعِيِّ، وأبي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ يُوْسُفَ الفِرْيَابِيِّ، وبِشْرِ ابنِ الحَارِثِ المَرْوَزِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ العَبْدِيِّ وغَيْرِهِمْ كَثِيْرٌ (١).

стр. 121

فَهَؤُلاءِ الأئِمَّةُ صَرَّحُوا بِكُفْرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وبَعْضُهُم صَرَّحَ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُ يُعَاقَبُ بالقَتْلِ، وإلى هَذَا القَوْلِ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَمَاءِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، والمَالِكِيَّةِ، والشَّافِعِيَّةِ، والحَنَابِلَةِ، والظَّاهِرَيَّةِ. قَالَ الإمَامُ الطَّحَاوِيُّ: «وحُبُّهُم ـ أي الصَّحَابَةَ ـ دِيْنٌ وإيْمَانٌ وإحْسَانٌ، وبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ» (١)، ومَنْ سَبَّهُم وطَعَنَ فِيْهِم فَقَدْ زَادَ على بُغْضِهِم. وقَالَ الإمَامُ السَّرْخَسِيُّ الحَنَفِيُّ ﵀ (٤٨٣): «فأمَّا مَنْ طَعَنَ في السَّلَفِ من نُفَاةِ القِيَاسِ لاحْتِجَاجِهِم بالرَأْيِ في الأحْكَامِ فَكَلامُهُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾، لأنَّ اللهَ تَعَالى أثْنَى عَلَيْهِم في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. ورَسُولُ اللهِ ﷺ وصَفَهُم بأنَّهُم خَيْرُ النَّاسِ فَقَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِيَ الَّذِي أنَا فِيْهِم» (٢).

стр. 122

والشَّرِيْعَةُ بَلَغَتْنا بِنَقْلِهِم، فَمَنْ طَعَنَ فِيْهِم فَهُوَ مُلْحِدٌ مُنَابِذٌ لِلإسْلامِ، دَوَاءُهُ السَّيْفُ إنْ لَم يَتُبْ» (١). وبِهَذَا قَالَ كُلٌّ مِنَ الحُمَيْدِيِّ القُرَشِيِّ، والقَاضِي حُسَيْنِ المَرْوَزِيِّ، والإمَامِ الذَّهَبِيِّ، والسُّبْكِيِّ، والقَاضِي أبِي يَعْلَى، وابنِ تَيْمِيَّةَ وغَيْرِهِم كَثِيْرٌ (٢). قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَةَ ﵀: «وقَدْ قَطَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ مِنْ أهْلِ الكُوْفَةِ وغَيْرِهِم بِقَتْلِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وكُفْرِ الرَّافِضَةِ» (٤). وقَالَ أيْضًا: «فَمَنْ سَبَّهُم فَقَدْ زَادَ على بُغْضِهِم، فَيَجِبُ أنْ يَكُوْنَ مُنَافِقًا، لا يُؤْمِنُ بِاللهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ» (٣). * * *

стр. 123

الثَّانِي: ذَهَبَ فَرِيْقٌ آخَرُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ سَابَّ الصَّحَابَةِ لا يَكْفُرُ بِسَبِّهِم؛ بَلْ يَفْسُقُ ويُضَلَّلُ؛ بَلْ يَكْتَفِي بِتَأدِيْبِهِ وتَعْزِيْرِهِ تَعْزِيرًا شَدِيْدًا يَرْدَعُهُ ويَزْجُرُهُ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ ارْتِكَابِ ضَلالِهِ وجُرْمِهِ، وإنْ لم يَرْجِعْ تُكَرَّرُ عَلَيْهِ العُقُوْبَةُ حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ. فَقَدْ رَوَى اللاَّلَكَائِيُّ عَنِ الحَارِثِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: «إنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيْزِ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَبَّ عُثْمَانَ، فَقَالَ: ما حَمَلَكَ على أنْ سَبَبْتَهُ؟ قَالَ: أُبْغِضُهُ، قَالَ: وإنْ أبْغَضْتَ رَجُلاً سَبَبْتَهُ؟ قَالَ: فأمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ثَلاثِيْنَ سَوْطًا» (١). وممَّنْ ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: عَاصِمُ الأحْوَلُ، والإمَامُ مَالِكُ، والإمَامُ أحْمَدُ وكَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاءِ (٢). * * * قُلْتُ: وبَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأقْوَالِ في حُكْمِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ إلاَّ أنَّ في المَسْألَةِ تَفْصِيْلاً بِهِ يَنْحَلُّ الخِلافُ وتَجْتَمِعُ الأقْوَالُ إنْ شَاءَ اللهُ وَهُوَ أنَّ السَّبَّ نَوْعَانِ (دِيْنِيٌّ، ودُنْيَوِيٌّ):

стр. 124

الأوَّلُ: وهُوَ مَنْ سَبَّهُم لأمْرٍ مُتَعلِّقٍ بِدِيْنِهِم، فَهُو عَلى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: أنَّ مَنْ سَبَّهُم جَمِيْعًا، أو طَعَنَ في عَدَالَتِهِم، كَصُحْبَتِهِم أو نُصْرَتِهِم لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، أو الجِهَادِ مَعَهُ، أو زَعَمَ أنَّهُم ارْتَدُّوا أو فَسَقُوا فَهَذَا مُرْتَدٌ زِنْدِيْقٌ عِيَاذًا باللهِ؛ لأنَّ في قَوْلِه هَذَا تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ! القِسْمُ الثَّاني: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالنِّفَاقِ، أو الطَّعْنِ في عَدَالَتِه، أو ادَّعَى رِدَّتَه؛ ممَّنْ وَرَدَ النَّصُّ القَاطِعُ عَلى إيمانِه وعَدَالَتِه ... فَهَذا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ في قَوْلِه هَذَا تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ! القِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالنِّفَاقِ، أو الطَّعْنِ في عَدَالَتِه، أو ادَّعَى رِدَّتَه؛ ممَّنْ لَم يَرِدِ النَّصُّ القَاطِعُ على إيمانِه وعَدَالَتِه ... فَهَذا فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ على الحَاكِمِ أن يُنَكِّلَ بِهِ نَكَالاً شَدِيْدًا حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ، ويَرْجِعَ عَنْ طَعْنِهِ في الصَّحَابَةِ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، واللهُ أعْلَمُ. الثَّاني: وهُوَ مَنْ سَبَّهُم لأمْرٍ مُتَعلِّقٍ بدُنْيَاهُم، فَهذَا أيْضًا على ثَلاثَةِ أقْسَامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُم، كَقَوْلِهِ مَثَلاً: إنَّهُم جُبَنَاءُ أو بُخَلاءُ ... فَهَذَا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ في وصْفِهِ هَذَا لَهُم تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ! القِسْمُ الثَّاني: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالجُبْنِ أو البُخْلِ مَثَلاً؛ ممَّنْ وَرَدَ النَّصُّ القَاطِعُ على كَرَمِهِ وشَجَاعَتِهِ ... فَهَذا لا شَكَّ عِنْدِي أنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيْقٌ؛ لأنَّ فِيْهِ تَكْذِيْبًا لِلْكِتَابِ والسُّنَّةِ! القِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ سَبَّ أحَدَ الصَّحَابَةِ، بالجُبْنِ أو البُخْلِ مَثَلاً؛ ممَّنْ لَم يَرِدِ النَّصُّ القَاطِعُ على كَرَمِهِ وشَجَاعَتِهِ ... ففِيْه الخِلافُ السَّابِقُ، فجَمْهُوْرُ أهْلِ العِلْمِ لا يَرَوْنَ تَكْفِيْرَه، بَلْ يَقُوْلُوْنَ: أنَّه فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ على الحَاكِمِ أن يُنَكِّلَ بِهِ نَكَالاً شَدِيْدًا حَتَّى يُظْهِرَ التَّوْبَةَ، ويَرْجِعَ عَنْ طَعْنِهِ في الصَّحَابَةِ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، ومِنْهُم مَنْ يَرَى تَكْفِيْرَه، وعَلى الحَاكِمِ أنْ يَقْتُلَه مَا لم يَتُبْ، ويَدْعُو لَهُم ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، واللهُ أعْلَمُ.

стр. 125

حُكْمُ منْ سَبَّ أزْوَاجَ النَبِيِّ ﷺ - أمَّا مَنْ سَبَّ أزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَفِيْهِ مَطْلَبَانِ: المَطْلَبُ الأوَّلُ: حُكْمُ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ . أمَّا حُكْمُ مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ (بِقَذْفٍ) فَهُوَ كَافِرٌ بالإجْمَاعِ، وقَدْ دَلَّ على ذَلِكَ الكِتَابُ، والسُّنَّةُ والإجْمَاعُ، وأقْوَالُ السَّلَفِ. * * * وقَدْ سَاقَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ (٤٥٦) بإسْنَادِهِ إلى هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أنَسٍ يَقُوْلُ: «مَنْ سَبَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ جُلِدَ، ومَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ، قِيْلَ لَهُ: لِمَ يُقْتَلُ في عَائِشَةَ؟ قَالَ: لأنَّ اللهَ تَعَالى يَقُوْلُ في عَائِشَةَ ﵂: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ [النور: ١٧].

стр. 126

قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ القُرْآنَ، ومَنْ خَالَفَ القُرْآنَ قُتِلَ، قَالَ ابنُ حَزْمٍ: قَوْلُ مَالِكٍ هَهُنَا صَحِيْحٌ، وهِيَ رِدَّةٌ تَامَّةٌ، وتَكْذِيْبٌ للهِ تَعَالى في قَطْعِهِ بِبَرَاءتِها» (١). قَالَ القَاضِي أبُو يَعْلَى الحَنْبَلِيُّ: «مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ بِمَا بَرَّأهَا اللهُ مِنْهُ كَفَرَ بِلا خِلافٍ، وقَدْ حَكَى الإجْمَاعَ على هَذَا غَيْرُ واحِدٍ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ بِهَذا الحُكْمِ» (٢). وقَالَ ابنُ أبي مُوْسَى: «ومَنْ رَمَى عَائِشَةَ ﵂ بِمَا بَرَّأهَا اللهُ مِنْهُ فَقَدْ مَرَقَ مِنَ الدِّيْنِ، ولم يَنْعَقِدْ لَهُ نِكَاحٌ على مُسْلِمَةٍ» (٣)، وهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُدَامَةَ (٤)، وغَيْرِه مِنْ أهْلِ العِلْمِ. * * * وقَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ حَدِيْثِ الإفْكِ: «بَرَاءَةُ عَائِشَةَ ﵂ مِنَ الإفْكِ، وهِيَ بَرَاءَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِنَصِّ القُرْآنِ العَزِيْزِ، فَلَو تَشَكَّكَ فِيْهَا إنْسَانٌ والعَيَاذُ باللهِ صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بإجْمَاعِ المُسْلِمِيْنَ، قَالَ

стр. 127

ابْنُ عَبَّاسٍ وغَيْرُهُ: لم تَزْنِ امْرَأةُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِم أجْمَعِيْنَ، وهذا إكْرَامٌ مِنَ اللهِ تَعَالى لَهُم» (١). وقَدْ حَكَى ابنُ القَيَّمِ اتِّفَاقَ الأمَّةِ على كُفْرِ قَاذِفِ عَائِشَةَ ﵂ حَيْثُ قَالَ: «واتَّفَقَتِ الأمَّةُ على كُفْرِ قَاذِفِهَا» (٢). ومِنْ خِلالِ هَذِهِ الأقْوَالِ: يَكُوْنُ قَذْفُ عَائِشَةَ ﵂ كُفْرًا وزَنْدَقَةً، ويُقْتَلُ فاعِلُهُ رِدَّةً، نَعُوْذُ باللهِ مِنْ ذَلِكَ! * * * المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ ﷺ -. وأمَّا حُكْمُ مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ ﷺ فَفِيْهِ لأهْلِ العِلْمِ قَوْلانِ: أحَدُهُمَا: أنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ على حَسَبِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (٣). الثَّاني: أنَّ مَنْ قَذَفَ واحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂، وهُوَ الأصَحُّ مِنَ القَوْلَيْنِ على ما سَيَتَّضِحُ مِنْ أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ.

стр. 128

قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: «وأمَّا مَنْ سَبَّ غَيْرَ عَائِشَةَ مِنْ أزْوَاجِهِ ﷺ فَفِيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُمَا: أنَّهُ كَسَابِّ غَيْرِهِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ. والثَّاني: وهُوَ الأصَحُّ أنَّهُ مَنْ قَذَفَ واحِدَةً مِنْ أمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ فَهُوَ كَقَذْفِ عَائِشَةَ ﵂ ... وذَلِكَ لأنَّ هَذَا فِيْهِ عَارٌ وغَضَاَضَةٌ على رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وأذَىً لَهُ أعْظَمُ مِنْ أذَاهُ بِنِكَاحِهِنَّ» (١). وممَّا يُرَجِّحُ القَوْلَ الثَّاني (أنَّهُنَّ مِثْلُ عَائِشَةَ في حُكْمِ السَّبِّ)؛ أنَّه لمَّا كَانَ رَمِيُ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ أذَىً لِلْنَّبِيِّ ﷺ لُعِنَ صَاحِبُهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، ولِهَذا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَيْسَ فِيْهَا تَوْبَةٌ»؛ لأنَّ مُؤْذِي النَّبِيَّ (لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تَابَ مِنَ القَذْفِ حَتَّى يُسْلِمَ إسْلامًا جَدِيْدًا، وعلى هَذَا فَرَمْيَهُنَّ نِفَاقٌ مُبِيْحٌ لِلدَّمِ. * * * وممَّا يَدُلُّ على أنَّ قَذْفَهُنَّ أذَىً لِلْنَبِيِّ ﷺ ما خَرَّجَاهُ في الصَّحِيْحَيْنِ في حَدِيْثِ الإفْكِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ

стр. 129

فاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُوْلٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَهُوَ على المِنْبَرِ: «يامَعْشَرَ المُسْلِمِيْنَ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أذَاهُ في أهْلِ بَيْتِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ على أهْلِي إلاَّ خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلَمْتُ عَلَيْهِ إلاَّ خَيْرًا، وما كَانَ يَدْخُلُ على أهْلِي إلاَّ مَعِي»، فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ: «أنا أعْذُرُكَ مِنْهُ يا رَسُوْلَ اللهِ إنْ كَانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وإنْ كاَنَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ» (١)، وهُنَالِكَ أدِلَّةٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ (٢). والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، ولا عُدْوَانَ إلاَّ على الظَّالِمِيْن

стр. 130

الفَصْلُ السَّادِسُ فَضَائِلُ مُعَاوِيَةَ ﵁ أمَّا فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ فَكَمَا ذَكَرْنَا؛ فإنَّهَا أكْثَرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ، وأشْهَرُ مِنْ أنْ تُنْكَرَ، حَيْثُ دَلَّ على فَضْلِهِم والثَّنَاءِ عَلَيْهِم الكِتَابُ والسُّنَّةُ وإجْمَاعُ سَلَفِ الأمَّةِ، وعلى هذا مَشَى عُلَمَاءُ الأمَّةِ وعَامَّتُهُم على صِحَّةِ العَقِيْدَةِ، وسَلامَةِ الصُّدُورِ، ونَزَاهَةِ الألْسُنِ على أصْحَابِ الرَّسُولِ ﷺ ، لا يَلْوُوْنَ على قَوْلٍ مُبْتَدَعٍ، أوْ رَأيٍّ مُخْتَرَعٍ. * * * ومَعَ هذا؛ فإنَّ طَائِفَةً مِنْ أهْلِ البِدَعِ والأهْوَاءِ لم تُمْسِكْ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَوَقَعَتْ فِيْمَا لايُحْمَدُ عُقْبَاهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ! فأمَّا الدُّنْيَا: فَقَدْ نَفَرَ مِنْهُم أهْلُ السُّنَّةِ عَامَّةً، وصَاحُوا بِهِم بَيْنَ النَّاسِ تَحْذِيرًا وتَنْفِيْرًا، وبارَزُوْهُم بالحُجَّةِ والبَيَانِ، ونابَذُوْهُم بالتَّشْهِيْرِ

стр. 131

والتَّعْيِيْرِ، فَهُم بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ (كالجَمَلِ الأجْرَبِ) مَنْبُوْذُوْنَ مَقْهُوْرُوْنَ مَخْذُوْلُوْنَ ... وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ. وأمَّا في الآخِرَةِ: فَيَوْمٌ تَجْتَمِعُ فِيْهِ الخُصُوْمُ، وتُوْضَعُ المَوَازِيْنُ، وتُنْشَرُ الصُّحُفُ، وتُسَعَّرُ جَهَنَّمُ، وفِيْهِ يَغْضَبُ ربُّنَا غَضَبًا لم يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ولا بَعْدَهُ ... فَحِيْنَئِذٍ سَيَقُوْمُ النَّبِيُّ ﷺ يُخَاصِمُ عَنْ أصْحَابِهِ، ويَنْتَصِرُ لَهُم مِنْ أعْدَائِهِم ... فَعِنْدَئِذٍ حِسَابٌ وعَذَابٌ، وذِلَّةٌ ونَارٌ، اللَّهُمَّ أحْفَظْ لَنَا قُلُوْبَنَا وألْسِنَتَنَا ما أبْقَيْتَنَا ... آمِيْنَ! فلا تَثْرِيْبَ ولا غَرَابَةَ، أن يُنَالَ مِنْ أصْحَابِ رسُوْلِ اللهِ ﷺ مِصْدَاقًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂، لمَّا قِيْلَ لَهَا: إنَّ نَاسًا يَتَنَاوَلُوْنَ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: «أتَعْجَبُوْنَ مِنْ هَذَا؟! إنَّمَا قَطَعَ (اللهُ) عَنْهُم العَمَلَ، وأحَبَّ أنْ لا يقْطَعْ عَنْهُم الأجْرَ» (١) ابنُ عَسَاكِرَ. وقَالَ المُغِيْرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ﵁: «لا جَرَمَ لمَّا انْقَطَعَتْ أعْمَارُهُم، أرَادَ اللهُ أنْ لا يَقْطَعَ الأجْرَ عَنْهُم إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، والشَّقِيُّ مَنْ أبْغَضَهُم، والسَّعِيْدُ مَنْ أحَبَّهُم» (٢). * * *

стр. 132

عِلْمًا أنَّ نَابِتَةً نَكِدَةً مَمْقُوْتَةً في زَمَانِنَا هذا قَدْ أطَلَّتْ بِرَأسِهَا تُرِيْدُ أنْ تَنْفُثَ سُمُومَ مَرَضِهَا وباطِلِهَا بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ لِلنَّيْلِ مِنْ مُعَاوِيَةَ ﵁، وكَأنِّي بِهَا عَمْيَاءُ شَوْهَاءُ لا حِرَاكَ لَهَا تُرِيْدُ أنْ تُزَاحِمَ مَا عَلَيْهِ سَلَفُ الأمَّةِ مِنْ صَفَاءٍ ونَقَاءٍ تُجَاهَ الصَّحَابَةِ ﵃. لِذَا رَأيْتُ أنْ أُضَمِّنَ كِتَابِي هذا فَصْلاً عَنْ فَضْلِ مُعَاوِيَةَ ﵁، حَيْثُ لاكَتْهُ ألْسِنَةٌ، ونَفَرَتْ عَنْهُ قُلُوبٌ مَرْضَى! ومُعَاوِيَةُ ﵁؛ كَانَ كَمَا قَالَ أئِمَّةُ السَّلَفِ: «مُعَاوِيَةُ ﵁ بِمَنْزِلَةِ حَلْقَةِ البَابِ: مَنْ حَرَّكَهُ اتَّهَمْنَاهُ على مَنْ فَوْقَهُ» (١). وعَنْهُ قَالَ الرَّبِيْعُ بْنُ نَافِعٍ: «مُعَاوِيَةُ بْنُ أبي سُفْيَانَ سِتْرُ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَإذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ على ما وَرَاءَهُ» (٢). * * * وبَعْدَ هَذَا؛ فَهَذِهِ بَعْضُ فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ ﵁، مَعَ كَشْفِ بَعْضِ ما دَارَ حَوْلَهُ مِنْ شُبَهٍ وأقْوَالٍ مُحَرَّفَةٍ على غَيْرِ وجْهِهَا.

стр. 133

أمَّا فَضَائِلُهُ ﵁ فَكَثِيْرَةٌ، نأخُذُ مِنْهَا على وَجْهِ الاخْتِصَارِ مَا يَلِي (١): لا يَشُكُّ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ مِنْ أكَابِرِ الصَّحَابَةِ عِلْمًا، وحِلْمًا، ونَسَبًا، وقُرْبًا مِنْ النَبِيِّ ﷺ ، والحَالَةُ هَذِهِ فَمَحَبَّتُهُ حِيْنَئِذٍ واجِبَةٌ بالإجْمَاعِ! كَمَا أنَّهُ ﵁: أمِيْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ على وَحْي رَبِّهِ، حَيْثُ كَانَ أحَدَ الكُتَّابِ لِلْرَّسُولِ ﷺ كَمَا صَحَّ في مُسْلِمٍ (٢)، وغَيْرِهِ. قَالَ أبُو نُعِيْمٍ ﵀: «كَانَ مُعَاوِيَةُ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَسَنَ الكِتَابَةِ فَصِيْحًا حَلِيْمًا وَقُوْرًا» (٣). * * *

стр. 134

وناهِيْكَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ الرَّفِيْعَةِ: كِتَابَةُ الوَحِي، ومِنْ ثمَّ نَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ أنَّ رَجُلاً قَالَ لِلْمُعَافَى بْنِ عُمْرَانَ: أيْنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالعَزِيْزِ مِنْ مُعَاوِيَةَ؟ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيْدًا، وقَالَ: «لا يُقَاسُ بأصْحَابِ النَبِيِّ ﷺ أحَدٌ، ومُعَاوِيَةُ صَاحِبُهُ، وصِهْرُهُ، وكَاتِبُهُ، وأمِيْنُهُ على وَحْي اللهِ» (١). وبِمِثْلِهِ قَالَ ابْنُ حَاتِمَ (٣٢٧) لمَّا سُئِلَ عَنْ مُعَاوِيَةَ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ (٢). وقِيْلَ لِلإمَامِ أحْمَدَ: «هَلْ يُقَاسُ بأصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أحَدٌ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللهِ، قِيْلَ: فَمُعَاوِيَةُ أفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ؟ قَالَ: أيْ لَعَمْرِي، قَالَ النَبِيُّ ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» (٣). ومِثْلُ ذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ، حَيْثُ سُئِلَ: يا أبا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أيُّمَا أفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أوْ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ؟ فَقَالَ: «واللهِ إنَّ

стр. 135

الغُبَارَ الَّذِي دَخَلَ أنْفَ فَرَسِ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بألْفِ مَرَّةٍ، صَلَّى مُعَاوِيَةُ خَلْفَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ﵁: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ، فَمَا بَعْدَ هَذَا الشَّرَفِ الأعْظَمِ؟!» (١). قَالَ أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ الصَّائِغُ: «وجَّهْنَا رِقْعَةً إلى أبي عَبْدِ اللهِ: ما تَقُوْلُ رحِمَكَ اللهُ فِيْمَنْ قَالَ: لا أقُوْلُ إنَّ مُعَاوِيَةَ كَاتِبُ الوَحِي، ولا أقُوْلُ إنَّهُ خَالُ المُؤْمِنِيْنَ، فإنَّهُ أخَذَها بالسَّيْفِ غَصْبًا (أي: البَيْعَةَ)؟، قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: هذا قَوْلُ سُوْءٍ رَدِيْءٍ يُجَانَبُوْنَ هَؤُلاءِ القَوْمُ، ولا يُجَالَسُوْنَ ويُبَيَّنُ أمْرُهُم لِلْنَّاسِ» (٢). قِيْلَ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: «يا أبا سَعِيْدٍ إنَّ هَاهُنَا قَوْمًا يَشْتُمُوْنَ أوْ يَلْعَنُوْنَ مُعَاوِيَةَ، وابْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: على أولَئِكَ الَّذِيْنَ يَلْعَنُوْنَ: لَعْنَةُ اللهِ» (٣). * * *

стр. 136

وجَاءَ رَجُلٌ إلى الإمَامِ إبي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ فَقَالَ: «يا أبا زُرْعَةَ، أنا أُبْغَضُ مُعَاوِيَةَ؟ قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لأنَّهُ قَاتَلَ عَلِيَّ بنَ أبي طَالِبٍ، فَقَالَ أبُوزُرْعَةَ: إنَّ رَبَّ مُعَاوِيَةَ رَبٌّ رَحِيْمٌ، وخَصْمَ مُعَاوِيَةَ خَصْمٌ كَرِيْمٌ. فَأيْشَ دُخُوْلُكَ أنْتَ بَيْنَهُما ﵃ أجْمَعِينَ؟» (١). * * * ثمَّ إذا تَقَرَّرَ لِلْجَمِيْعِ أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ كَاتِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وأمِيْنُهُ على وَحْي رَبِّهِ؛ كَانَ لِزَامًا أنْ نأمَنَهُ على أمُوْرِ دُنْيَانا قَطْعًا، والحَالَةُ هَذِهِ فمُعَاوِيَةُ ﵁ قَدْ حَازَ الحُسْنَيَيْنِ (دُنْيًا وآخِرَةً)! * * * ومِنْ غُرَرِ فَضَائِلِهِ ﵁ ما رَوَاهُ أحْمَدُ في (مُسْنَدِهِ)، والتِّرْمِذِيُّ في (سُنَنِهِ) أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَعَا لَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلَه هَادِيًا مَهْدِيًّا، واهْدِ بِهِ» (٢) أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ. فإنْ قُلْتَ: هَذَانِ اللَّفْظَانِ: «هَادِيًا مَهْدِيًا»، مُتَرَادِفَانِ، أو مُتَلازِمَانِ؛ فَلِمَ جَمَعَ النَبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا؟!

стр. 137

قُلْتُ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلا تَلازُمَ بَيْنَهُمَا ولا تَرَادُفَ، لأنَّ الإنْسَانَ قَدْ يَكُوْنُ مُهْتَدِيًا في نَفْسِهِ غَيْرَ هَادِيًا لِغَيْرِهِ، وكذا قَدْ يَكُوْنُ هَادِيًا لِغَيْرِهِ غَيْرَ مُهْتَدِيًا في نَفْسِهِ، فالأوَّلُ قَدْ أصْلَحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ، وأفْسَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّاسِ، والآخَرُ قَدْ أصْلَحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّاسِ، وأفْسَدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنُ اللهِ، وقَدْ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هذا الدِّيْنَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ» (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فلأجْلِ هَذَا طَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاوِيَةَ حِيَازَةَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ العَظِيْمَتَيْنِ! * * * ومِنْهَا: ما رَوَاهُ أحْمَدُ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ في حَقِّ مُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الكِتَابَ، والحِسَابَ، وقِهِ العَذَابَ» (٢) أحْمَدُ.

стр. 138

فَحَسْبُكَ أخِي المُسْلِمَ هذا الدُّعَاءُ الجَامِعُ النَّبَوِيُّ المُسْتَجَابُ مِنَ الرَّسُوْلِ ﷺ ! ومِنْهَا: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ مَدَحَهُ، وأثْنَى عَلَيْهِ، ووَلاَّهُ دِمِشْقَ مُدَّةَ خِلافَةِ عُمَرَ، وكَذَلِكَ عُثْمَانَ ﵁، ونَاهِيْكَ بِهَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيْمَةٌ مِنْ مَنَاقِبِ مُعَاوِيَةَ، ومَنِ الَّذِي كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَرْضَى بِهِ لِهَذِهِ الوِلايَةِ الوَاسِعَةِ المُسْتَمِرَّةِ (١)؟! * * * وهذا فَقِيْهُ الأمَّةِ وحَبْرُهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُوْلُ في مُعَاوِيَةَ ﵁ فِيْمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ، حِيْنَ سُئِلَ: أنَّ مُعَاوِيَةَ أوْتَرَ بِرَكْعَةٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إنَّهُ فَقِيْهٌ»، وفي رِوَايَةٍ: «إنَّهُ صَحِبَ النّبِيَّ ﷺ » (٢). وقَالَ أيْضًا ﵁: «مَا رَأيْتُ لِلْمُلْكِ أعلى مِنْ مُعَاوِيَةَ» (٣) البُخَارِيُّ في تَارِيْخِهِ.

стр. 139

ومِنْهَا: ما جَاءَ عَنْ أبي الدَّرْدَاءِ ﵁، أنَّهُ قَالَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: «ما رَأيْتُ أحَدًا بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أشْبَهَ صَلاةً بِرسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنْ أمِيْرِكُم هَذَا» (١) يَعْنِي مُعَاوِيَةَ! وهذا عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ﵁ يَقُوْلُ في شَأنِ مُعَاوِيَةَ: «لا تَكْرَهُوا إمَارَةَ مُعَاوِيَةَ، فإنَّكُم لَو فَقَدتُّمُوْهُ رَأيْتُمْ رُؤُوْسًا تَبْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِهَا كأنَّها الحَنْظَلُ» (٢) ابْنُ أبي شَيْبَةَ. * * * ومِنْهَا: أنَّهُ رَوَى عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مَائَةَ حَدِيْثٍ وثَلاثَةً وسِتِّيْنَ حَدِيْثًا. اتَّفَقَ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ على أرْبَعَةٍ، وانْفَرَدَ البُخَارِيُّ بأرْبَعَةٍ، ومُسْلِمٌ بِخَمْسَةٍ. * * *

стр. 140

ومِنْهَا: أنَّهُ لمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ أوْصَى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيْصٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَسَاهُ إيَّاهُ، وأنْ يُجْعَلَ ممَّا يَلِي جَسَدَهُ، وكَانَتْ عِنْدَهُ قُلامَةُ أظْفَارِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فأوْصَى أنْ تُسْحَقَ وتُجْعَلَ في عَيْنَيْهِ وفَمِهِ (١). أمَّا وَفاتُهُ ﵁؛ فَقَدِ اتَّفَقُوا أنَّهُ تُوُفِّيَ بِدِمِشْقَ، والمَشْهُوْرُ أنَّ وَفَاتَهُ كانَتْ لأرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ (٦٠ هـ)، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وثَمَانِيْنَ سَنَةٍ. وبِهَذا نَكْتَفِي بِهَذا القَدْرِ مِنْ فَضَائِلِهِ ﵁ وأرْضَاهُ

стр. 141

الشُّبهُ الَّتِي قِيْلَتْ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ، والرَّدُّ عَلَيْهَا أمَّا ما دَارَ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ مِنْ شُبَهٍ وأقْوَالٍ مُحَرَّفَةٍ على غَيْرِ وجْهِهَا فَكَثِيْرٌ لا كَثَّرَهَا اللهُ، قَدْ أفْرَزَها أهْلُ الأهْوَاءِ والبِدَعِ بِدَافِعِ عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ، وآرَاءَ باطِلَةٍ ما كَانَ لَهَا أنْ تأخُذَ حَيِّزًا مِنْ عَقَائِدِ المُسْلِمِيْنَ؛ إلاَّ مَعَ وُجُوْدِ انْتِشَارِ الجَهْلِ ودُعَاتِهِ، وقِلَّةِ العِلْمِ ودُعَاتِهِ! ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ؛ فَلَنْ تَقُومَ لِلْبَاطِلِ دَوْلَةٌ؛ اللَّهُمَّ صَوْلَةٌ وجَوْلَةٌ ثمَّ يُزْهِقُهُ اللهُ ويَدْمَغُهُ بالحَقِّ، فالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ. * * * لِذَا؛ رَأيْتُ أنْ أقِفَ مَعَ بَعْضِ ما قِيْلَ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ مِنْ شُبَهٍ مَشْبُوْهَةٍ لا سِيَّمَا ما كَانَ مِنْهَا مُسْتَنَدُهُ الدَّلِيْلُ الصَّحِيْحُ، أو التَّعْلِيْلُ القَوِيُّ (١)!

стр. 142

الشُبْهَةُ الأوْلَى: ما رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ كان يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ؛ فَجَاءَهُ النَّبِيُّ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فهَرَبَ وتَوَارَى مِنْهُ، فَجَاءَ لَهُ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ؛ ثمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فادْعُ لي مُعَاوِيَةَ» قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يأكُلْ. ثمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فادْعُ لي مُعَاوِيَةَ» قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يأكُلْ؛ فَقَالَ: «لا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ» (١) مُسْلِمٌ. * * * قُلْتُ: لا نَقْصَ على مُعَاوِيَةَ بِهَذا الحَدِيْثِ لأمُوْرٍ، مِنْهَا: الأوَّلُ: لَيْسَ فِيْهِ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُعَاوِيَةِ: رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوْكَ فَتَبَطَّأ، وإنَّمَا يَحْتَمِلُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لمَّا رَآهُ يَأْكُلُ اسْتَحْيَ أنْ يَدْعُوَهُ فَجَاءَ وأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بأنَّهُ يَأْكُلُ، وكَذَا في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ. الثَّاني: فَيَحْتَمِلُ أنَّ هذا الدُّعَاءَ جَرَى على لِسَانِهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَمَا قَالَ لِبَعْضِ أصْحَابِهِ: «تَرِبَتْ يَمِيْنُكَ»، ولِبَعْضِ أمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ: «عَقْرَى حَلْقَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الألْفَاظِ الَّتِي تَجْرِي على ألْسِنَتِهِم بِطَرِيْقِ العَادَةِ مِنْ غَيْرِ أنْ يقْصِدُوا حَقِيْقَتَها.

стр. 143

الثَّالِثُ: ما أشَارَ إلَيْهِ الإمَامُ مُسْلِمٌ ﵀، أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ لم يَكُنْ أهْلاً لِهَذا الدُّعَاءِ؛ وذَلِكَ حِيْنَمَا أوْرَدَ تَحْتَ بَابِ (فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ) حَدِيْثَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البَشَرُ، فَمَنْ سَبَبْتُهُ، أو لَعَنْتُهُ، أو دَعَوْتُ عَلَيْهِ ولَيْسَ أهْلاً لِذَلِكَ فاجْعَلِ اللَّهُمَّ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً، وأجْرًا، وَرَحْمَةً» (١) مُسْلِمٌ، ثمَّ أتْبَعَهُ بِحَدِيْثِ: «لا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ ...». وبِهَذا التَّوْجِيْهِ ذَهَبَ كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ. * * * الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ بَعْضَهُم زَعَمَ أنَّهُ لم يَصِحْ في فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ شَيْئًا؛ مُحْتَجًا بِقَوْلِ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، حَيْثُ قَالَ: «لا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في فَضْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ شَيْءٌ» (٢). قُلْتُ: أمَّا مَا أُثرَ عَنِ ابْنِ رَاهَوَيْهِ؛ فَهُوَ أثَرٌ لا يَصِحُّ؛ سَنَدًا ومَتْنًا: فأمَّا سَنَدًا: فَفِيْهِ رَجُلٌ مَجْهُوْلُ الحَالِ.

стр. 144

أمَّا مَتْنًا: فَقَدْ وَرَدَتْ أحَادِيْثُ صَحِيْحَةٌ، وآثارٌ ثَابِتَةٌ في فَضْلِ مُعَاوِيَةَ، ممَّا يُقْطَعُ بِرَدِّ ما جَاءَ عنِ إسْحَاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ ﵀، وقَدْ مَرَّ بَعْضُها آنِفًا! * * * الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: وكَذَا احْتَجُّوا بِصَنِيْعِ البُخَارِيِّ ﵀ في صَحِيْحِهِ حَيْثُ قَالَ: (بَابُ ذِكْرِ مُعَاوِيَة)، ولم يَقُلْ: (فَضَائِلُ أو مَنَاقِبُ مُعَاوِيَةَ)! قُلْتُ: أمَّا قَوْلُ تَصَرُّفِ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ فَلَيْسَ فِيْهِ حُجَّةٌ لَهُم؛ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِم، كَمَا يَلي: أوَّلاً: أنَّ هَذَا تَفنُّنٌ مِنَ البُخَارِيِّ ﵀ لا غَيْرَ؛ وهَذِهِ عَادَتُهُ في صَحِيْحِهِ هذا لِمَنْ سَبَرَ عِلْمَ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ مِنْ تَرَاجِمَ، وتَبْوِيْبٍ، وتَعْلِيْقٍ، وتَقْطِيْعٍ لِلأحَادِيْثِ ... وهَكَذَا. ثَانِيًا: نَجِدُ البُخَارِيَّ نَفْسَهُ ﵀ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا التَّبْوِيْبِ في بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ: أسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وجُبَيْرِ بنِ

стр. 145

مُطْعِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ؛ وهَؤُلاءِ لا يَشُكُّ أحَدٌ في فَضَائِلِهِم، في حِيْنِ أنَّهُ ﵀ ذَكَرَ لَهُم فَضَائِلَ جَلِيْلَةً (١). ثَالِثًا: أنَّ البُخَارِيَّ لَهُ شَرْطُهُ الخَاصُّ في ذِكْرِ الحَدِيْثِ في (صَحِيْحِهِ)، ومِنْهُ لم يُدْخِلْ البُخَارِيُّ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ في كِتَابِهِ لأنَّهَا لَيْسَتْ على شَرْطِهِ، ولَيْسَ مَعْنَى هَذَا نَفْيُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا، وكَمْ حَدِيْثٍ قَالَ عَنْهُ البُخَارِيُّ صَحِيْحٌ إلاَّ أنَّهُ لم يُدْخِلْهُ في (صَحِيْحِهِ). وأدَلُّ شَيْءٍ على هذا صَنِيْعُ التِّرْمِذِيِّ في (سُنَنِهِ) حَيْثُ يَقُوْلُ:
следующие страницы →