Полный текст (194 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
نَعَمْ؛ إنَّ أيَّامَ الفِتْنَةِ في الصَّدْرِ الأوَّلِ إذا أُطْلِقَتْ لا تَنْصَرِفُ إلاَّ لِلْصَّحَابَةِ،
إلاَّ أنَّ هذِهِ النِّسْبَةَ إليْهِم خَرَجَتْ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ المَعَارِكِ باسْمِ أُمَرَائِها وأشْرَافِهَا ... والصَّحَابَةُ وقْتَئِذٍ هُم أُمَرَاءُ النَّاسِ وأفَاضِلُهُم!
* * *
وقَدْ ذَكَرَ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كِتَابِهِ العُجَابِ العُبَابِ (مِنْهَاجِ السُّنَّةِ النَبَوِيَّةِ) (١)
بَعْضَ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ التي تَزِيْدُ المُسْلِمَ يَقِيْنًا على أنَّ أصَحَابَ رَسُوْلِ اللهِ (كَانُوا على السَّلامَةِ والمُسَالَمَةِ حَيَاةً ومَمَاتًا: «قال عَبْدُ اللهِ بنُ أحْمَدَ حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ (يَعْنِي ابنَ عُلَيَّةَ)، حَدَثَّنَا стр. 72
أيُّوْبُ السِّخْتِيَانيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيْرِيْنَ قال: «هَاجَتِ الفِتْنَةُ وأصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ آلافٍ، فَمَا حَضَرَهَا مِنْهُم مائَةٌ؛ بَلْ لم يَبْلُغُوا ثَلاثِيْنَ».
وهَذَا الإسْنَادُ قال عَنْهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «مِنْ أصَحِّ الأسَانِيْدِ على وَجْهِ الأرْضِ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيْرِيْنَ مِنْ أوْرَعِ النَّاسِ، ومَرَاسِيْلُهُ مِنْ أصَحِّ المَرَاسِيْلِ!».
وقَالَ الشَّعْبِيُّ ﵀: «لم يَشْهَدِ الجَمَلَ مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ غَيْرُ عَلِيٍّ، وعَمَّارٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، فإنْ جَاءُوا بِخَامِسٍ فأنَا كَذَّابٌ». وقَدْ رَوَى ابنُ بَطَّةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأشَجِّ قال: «أما إنَّ رِجَالاً مِنْ أهْلِ بَدْرٍ لَزِمُوا بُيُوْتَهُم بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَخْرُجُوا إلاَّ إلى قُبُوْرِهِم».
قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: «وأمَّا الصَّحَابَةُ فَجُمْهُورُهُم، وجُمْهُوْرُ أفاضِلِهِم ما دَخَلُوا في فِتْنَةٍ» (١).
فالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ стр. 73
البابُ الثَّالِثُ
مُجْمَلُ ما دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وذَلِكَ في ثَلاثَةِ أُمُوْرٍ
الأمْرُ الأوَّلُ: تَحْدِيْدُ بِدَايَةِ التَّشَاجُرِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃.
الأمْرُ الثَّاني: الدَّافِعُ الَّذِي حَمَلَ الصَّحَابةَ ﵃ على التَّشَاجُرِ بَيْنَهُم.
الأمْرُ الثَّالِثُ: وُجُوْبُ السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃.
стр. 74
مُجْمَلُ ما دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وذَلِكَ في ثَلاثَةِ أُمُوْرٍ
ولَنَا أنْ نُجْمِلَ ما دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ في ثَلاثَةِ أُمُوْرٍ لا رَابِعَ لها كَمَا أجْمَعَتْ عَلَيْه كُتُبُ التَّوَارِيْخِ المَوْثُوْقةِ المَشْهُوْرَةِ، وهو ما عَلَيْه قَاطِبَةُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، ومَنْ تأوَّلَ فِيْها غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أضَاعَ نَصِيْبَه، وتَكَلَّفَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وقَالَ على الصَّحَابةِ ما هُم مِنْهُ بُرَاءٌ.
* * *
الأمْرُ الأوَّلُ: تَحْدِيْدُ بِدَايَةِ التَّشَاجُرِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ .
لَقَدِ اتَّفَقَتْ كُتُبُ التَّارِيْخِ على أنَّ بِدَايَةَ التَّشَاجُرِ بَيْنَ خَيْرِ القُرُوْنِ كانَ بَعْدَ مَقْتَلِ ثَالِثِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ ذِي النُّوْرَيْنِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ
стр. 75
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وبِدَايَةِ خِلافَةِ رَابِعِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ أبي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ ﵁، وعَنِ الصَّحَابَةِ أجْمَعِيْنَ (١).
وهَذَا فِيْهِ رَدٌّ على الشِّيْعةِ الغَالِيْنَ الَّذِيْنَ يَرَوْنَ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبيِّ ﷺ (زَعَمُوا) وهُوَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدْ أوْصَى بالخِلافَةِ لعَلِيٍّ ﵁؛ إلاَّ أنَّ الصَّحَابَةَ خَالَفُوْا هَذِه الوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ وأخَذُوا الخِلافَةَ مِنْ عَليٍّ قَهْرًا وظُلْمًا في حِيْنَ أنَّ عَلِيًّا ﵁ احْتَمَلَ هَذَا الظُّلْمَ، وصَبَرَ مُنْذُ خِلافَةِ أبي بَكْرٍ ﵁ حَتَّى مَقْتَلَ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁، وهَذَا وغَيْرُه لاشَكَّ أنَّه مِنْ خُرَافاتِهِم وسَخَافاتِهِم مِمَّا تَأبَاهُ العُقُوْلُ المُسْتَقِيْمَةُ، والفِطَرُ السَّلِيْمَةُ!
لِذَا؛ لَنْ أتَكَلَّفَ الرَّدَّ على هَذا القَوْلِ؛ لأنَّ أصْحَابَهُ غَدَوْا: سُبَّةَ بَنِي آدَمَ، هَذا إذا عَلِمْتَ أنَّهُم: أكْذَبُ النَّاسِ في النَّقلِيَاتِ، وأجْهَلُهُم في العَقْليَّاتِ (٢)! стр. 76
الأمْرُ الثَّاني: الدَّافِعُ الَّذِي حَمَلَ الصَّحَابةَ ﵃ على التَّشَاجُرِ بَيْنَهُم .
وقَدِ أتَّفَقَ أهْلُ السُّنَّةِ على أنَّ الدَّافِعَ الَّذِي حَمَلَ الصَّحَابَةَ ﵃ على ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَوَىً، أو رِياسَةً، أو غَيْرَ ذَلِكَ ممَّا هُوَ مِنْ أطْمَاعِ الدُّنْيا، أو حُظُوْظِ النَّفْسِ (١).
وهَذَا فِيْهِ رَدٌّ (أيْضًا) على ما يُثِيرُه أعْدَاءُ الدِّيْنِ مِنَ اليَهُوْدِ، والنَّصَارَى، والمُسْتَشْرِقِيْنَ وأذْنابِهِم مِنَ العِلْمانِيِّيْنَ المُنَافِقِيْنَ.
«وعَليٌّ ﵁ لَمْ يُقاتِلْ أحَدًا على إمِامَةِ مَنْ قاتَلَهُ، ولا قَاتَلَهُ أحَدٌ على إمَامَتِهِ نَفْسِهِ، ولا ادَّعَى أحَدٌ قَطُّ في زَمَنِ خِلافَتِهِ أنَّه أحَقُّ بالإمَامَةِ مِنْهُ: لا عَائِشَةُ، ولا طَلْحَةُ، ولا الزُّبَيْرُ، ولا مُعَاوِيَةُ стр. 77
وأصْحَابُهُ، ولا الخَوَارِجُ؛ بَلْ كُلُّ الأُمَّةِ كَانُوا مُعْتَرِفِيْنَ بفَضْلِ عَليٍّ وسَابِقَتِهِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، وأنَّه لم يَبْقَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ يُمَاثِلُهُ في زَمَنِ خِلافَتِهِ، كَمَا كَانَ عُثْمَانُ، كَذَلِكَ: لَمْ يُنازِعْ أحَدٌ قَطُّ مِنَ المُسْلِمِيْنَ في إمامَتِهِ وخِلافَتِهِ، ولا تَخَاصَمَ اثْنَانِ في أنَّ غَيْرَهُ أحَقُّ بالإمَامَةِ مِنْهُ، فَضْلاً عَنِ القِتَالِ على ذَلِكَ، وكذلِكَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ ﵄.
وبالجُمْلَةِ فَكُلُّ مَنْ كَانَتْ له خِبْرةٌ بأحْوَالِ القَوْمِ يَعْلَمُ ضَرُوْرِيًا أنَّه لَمْ يَكُنْ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ مُخَاصَمَةٌ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ في إمَامَةِ الثَّلاثَةِ، فَضْلاً عَنْ قِتالٍ ... والخُلَفَاءُ الأرْبَعَةُ لَمْ يَكُنْ على عَهْدِهم طَائِفَتانِ يَظْهَرُ بَيْنَهُم النِّزَاعُ، لا في تَقْدِيْمِ أبي بَكْرٍ على مَنْ بَعْدَه وصِحَّةِ إمامَتِهِ، ولا في تَقْدِيْمِ عُمَرَ وصِحَّةِ إمامَتِهِ، ولا في تَقْدِيمِ عُثْمَانَ وصِحَّةِ إمامَتِهِ، ولا في أنَّ عَلِيًّا مُقَدَّمٌ على هَؤلاءِ.
ولَيْسَ في الصَّحَابَةِ بَعْدَهُم مَنْ هُوَ أفْضَلُ مِنْهُ، ولا تَنَازَعَ طَائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ بَعْدَ خِلافَةِ عُثْمَانَ في أنَّه لَيْسَ في جَيْشِ عَليٍّ أفْضَلَ مِنْهُ، ولَمْ تُفَضِّلْ طَائِفَةٌ مَعْرُوْفَةٌ عَلَيْه طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ، فَضْلاً أنْ تُفَضِّلَ عَلَيْه مُعَاوِيَةَ!
стр. 78
فإنْ قَاتَلُوْهُ مَعَ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ عُرِضَتْ لَهُم، فَلَمْ يَكُنِ القِتَالُ لَهُ لا على أنَّ غَيْرَه أفْضَلُ مِنْهُ، ولا أنَّه الإمَامُ دُوْنَه، ولَمْ يَتَسَمَّ قَطُّ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ باسْمِ الإمَارَةِ، ولا بايَعَهُما أحَدٌ عَلى ذَلِكَ.
وعَليٌّ بايَعَهُ كَثِيْرٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، وأكْثَرُهُم بالمَدِيْنَةِ على أنَّه أمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ،
ولَمْ يُبَايِعْ طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ أحَدٌ على ذَلِكَ، ولا طَلَبَ أحَدٌ مِنْهُما ذَلِكَ، ولا دَعَا إلى نَفْسِهِ، فإنَّهُما ﵄ كَانَا أفْضَلَ وأجَلَّ قَدْرًا مِنْ أنْ يَفْعَلا مِثْلَ ذَلِكَ.
وكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ لَمْ يُبَايِعْهُ أحَدٌ لمَّا مَاتَ عُثْمَانُ عَلَى الإمَامَةِ، ولا حِيْنَ كَانَ يُقاتِلُ عَليًّا بايَعَهُ أحَدٌ على الإمَامَةِ، ولا تَسَمَّى بأمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، ولا سَمَّاهُ أحَدٌ بذَلِكَ، ولا ادَّعَى مُعَاوِيَةُ وِلايَةً قَبْلَ حُكْمِ الحَكَمَيْنِ.
وعَليٌّ يُسَمِّي نَفْسَهُ أمِيْرَ المُؤمِنِيْنَ في مُدَّةِ خِلافَتِهِ، والمُسْلِمُوْنَ مَعَهُ يُسَمُّونَهُ أمَيْرَ المُؤمِنِيْنَ، لَكِنَّ الَّذِيْنَ قَاتَلُوْهُ مَعَ اعْتِرَافِهِم بأنَّهُ لَيْسَ في القَوْمِ أفْضَلُ مِنْهُ، ادَّعَوْا مَوَانِعَ تَمْنَعُهُم عَنْ طَاعَتِهِ!
стр. 79
ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُحَارِبُوْهُ، ولا دَعَوْهُ وأصْحَابَهُ إلى أن يُبَايِعَ مُعَاوِيَةَ ولا قَالُوا: أنْتَ، وإنْ كُنْتَ أفْضَلَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، لَكِنْ مُعَاوِيَةُ أحَقَّ بالإمَامَةِ مِنْكَ، فعَلَيْكَ أنْ تَتَّبِعَهُ؛ وإلاَّ قاتَلْنَاكَ!» (١).
* * *
فعَلى هَذَا؛ كَانَ الَّذِي حَمَلَ الصَّحَابَةَ ﵃ عَلَى التَّشَاجُرِ والتَّناحُرِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ سَلَفِ هَذِه الأمَّةِ؛ هُوَ المُطَالَبَةُ الفَوْرِيَّةُ، ووُجُوْبُ المُسَارَعَةِ بأخْذِ القَوْدِ والقَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁؛ لاسِيَّمَا الَّذِيْنَ تَوَلَّوْا كِبْرَ الفِتْنَةِ مِنَ الثُّوَّارِ المُعْتَدِيْنَ، حَيْثُ نَرَى طَائِفَةً مِنْ أصْحَابِ النَّبِي ﷺ أمْثَالَ: أمِّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، ومُعَاوِيَةَ ﵃ أجْمَعِيْنَ كَانُوا يَرَوْنَ أنَّه لابُدَّ مِنَ المُطَالَبَةِ بِدَمِ عُثْمَانَ ﵁، ووُجُوْبِ الإسْرَاعِ بإقَامَةِ حَدِّ اللهِ عَلَيْهِم كَمَا أمَرَ اللهُ تَعَالى بِذَلِكَ في كِتَابِهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ .
في حِيْنَ كَانَ يَرَى الخَلِيْفَةُ الرَّاشِدُ عَليٌّ ﵁ إرْجَاءَ وتَأخِيْرَ ما يُرِيدُونَه مِنْ وُجُوْبِ الإسْرْاعِ بأخْذِ القَوْدِ مِنَ القَتَلَةِ حتى يُبَايِعَهُ أهْلُ стр. 80
الشَّامِ جَمِيْعًا كَيْ يَسْتَتِبَّ لَهُ الأمْرُ، ومِنْ ثَمَّ يَتَسَنَّى لَه بَعْدَ ذَلِكَ القَبْضُ عَلَيْهِم!
لاسِيَّمَا والحَالةُ الَّتي يَعِيْشُها الخَلِيْفَةُ الرَّاشِدُ عَلِيٌّ ﵁، والوَضْعُ الَّذي أدْرَكَهُ حِيْنَذَاكَ، خِلافَ ما يَظُنُّهُ المُطَالِبُوْنَ بِدَمِ عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أهْلِ الشَّامِ وغَيْرِهِم، وذَلِكَ يَكْمُنُ في أمُورٍ جِدُّ خَطِيْرَةٍ لَهَا اعْتِبَارُها ومُلابَسَاتُها ممَّا نَحْسِبُهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِم، منها:
أوَّلاً: أنَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ مِنْ أهْلِ الفِتْنَةِ كَثِيْرُوْنَ جِدًّا؛ فكان مِنَ الصَّعْبِ مُطَالَبَتُهُم؛ في حِيْنَ نَرَى الفِتْنَةَ تَزْدَادُ يَوْمًا إثْرَ يَوْمٍ.
ثَانيًا: أنَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ مِنْ أهْل الفِتْنَةِ هُم في جَيْشِ عَلِيٍّ ﵁، ومِنْ قَبَائِلَ كَثِيْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَعْسُرُ مُطَالَبَتُهُم والبَحْثُ عَنْهُم، والأمْرُ بَعْدُ لم يَسْتَتِبْ لِخَلِيْفَةِ المُسْلِمِيْنَ، وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ فُقَهاءِ المُسْلِمِيْنَ أنَّ الحُدُودَ قَدْ تُأخَّرُ ـ لا تُتْرَكُ بالكُليَّةِ ـ عَنْ أصْحَابِها حَالَةَ الجِهَادِ والفِتَنِ، كما هو مَتْرُوكٌ لِلْمَصْلَحَةِ العَامَّةِ الَّتي يَرَاها وَلِيُّ أمْرِ المُسْلِمِيْنَ إذا خَافَ كَبِيْرَ مَفْسَدَةٍ؛ بَلْ نَجِدُ قَاعِدَةَ: (دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ على جَلْبِ المَصَالِحِ) مِنَ القَوَاعِدِ المُعْتَبَرَةِ الَّتي هِيَ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ.
стр. 81
ثالثًا: أنَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ مِنْ أهْلِ الفِتْنَةِ لا يَزَالُوْنَ في تَمْكِيْنٍ واسْتِيْلاءٍ على بَعْضِ الأمُوْرِ، وكَذَلِكَ لَهُم عَدَدٌ وأعْوَانٌ حِيْنَذَاكَ يُخْشَى مِنْ مُطَالَبَتِهِم، في وَقْتٍ يَرَى فِيْهِ عَلِيٌّ ﵁ أنْ تَجْتَمِعَ الكَلَمِةُ، وتأتَلِفَ القُلُوْبُ، ويَسُوْدَ الأمْنُ، وتَنْتَظِمَ الأمُورُ، ومِنْ ثَمَّ تَتَبَيَّنُ وتَنْكَشِفُ الغُمَّةُ ويَتَعَرَّ القَتَلَةُ مِنْ أعْوَانِهِم وعَدَدِهِم، وتُقَامُ الحُدُوْدُ الشَّرْعِيَّةُ فِيْهِم وفي غَيْرِهِم، واللهُ أعْلَمُ.
يَقُوْلُ القَاضِي أبُو يَعْلَى (٤٥٨): «ووَجْهُ اجْتِهَادِ عَلِيٍّ ﵁ في الامْتِنَاعِ؛ أشْيَاءٌ:
أحَدُهَا: أنَّهُ لم يَعْرِفْهُم بأعْيَانِهِم، ولا أقَامَتْ شَهَادَةٌ عَلَيْهِم بِقَتْلِهِم، وقَدْ كَانَ كَثِيْرًا ما يَقُوْلُ: مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ فَلْيَقُمْ؟ فَيَقُوْمُ أرْبَعَةُ آلافِ مُقَنَّعٍ ـ أي مُلْبَسٌ بالحَدِيْدِ ـ وقِيْلَ أكْثَرُ.
والثَّاني: لَوْ عَرَفَهُم بأعْيَانِهِم وخَافَ قَتْلَ نفْسِهِ، وفِتْنَةً في الأمَّةِ تَؤُوْلُ إلى إِضْعَافِ الدِّيْنِ وتَعْطِيْلِ الحُدُوْدِ كَانَ الكَفُّ عَنْ ذَلِكَ إلى وَقْتِ انْحِسَامِ الفِتْنَةِ وزَوَالِ الخَوْفِ، وهَذِهِ حَالُ عَلِيٍّ في أتْبَاعِهِ؛ مِثْلُ:
стр. 82
الأشْتَرِ، والأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، والأمَرَاءِ، وأصْحَابِ الرَّايَاتِ، وكَثْرَةِ اخْتِلافِهِم (إلى أنْ قَالَ) ولَوْلا ما أخَذَ اللهُ تَعَالى مِنَ المِيْثَاقِ على العُلَمَاءِ؛ لَكَانَ تَرْكُ الكَلامِ في ذَلِكَ والإمْسَاكُ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُم أولى؛ لأنَّ هَذِهِ طَرِيْقَةُ أئمَّةِ المُسْلِمِيْنَ» (١).
* * *
يَقُوْلُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «وأمَّا الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ بَيْنَ طَلْحَةَ وبَيْنَ عَلِيٍّ فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُقَاتِلُ عَنْ نَفْسِهِ ظَانًّا أنَّهُ يَدْفَعُ صَوْلَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، لم يَكُنْ لِعَلِيٍّ غَرَضٌ في قِتَالِهِم، ولا لَهُم غَرَضٌ في قِتَالِهِ؛ بَلْ كَانُوا قَبْلَ قُدُوْمِ عَلِيٍّ يَطْلُبُونَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وكان مِنَ القَتَلَةِ مِنْ قَبَائِلِهِم مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُم، فَلَم يَتَمَكَّنُوا مِنْهُم، فلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ وعَرَّفُوْهُ مَقْصُودَهُم، عَرَّفَهُم أنَّ هذا أيْضًا رَأيُهُ، لَكِنْ لا يَتَمَكَّنُ حَتَّى ينْتَظِمَ الأمْرُ.
فَلَمَّا عَلِمَ بَعْضُ القَتَلَةِ ذَلِكَ، حَمَلَ عَلَى أحَدِ العَسْكَرَيْنِ، فَظَنَّ الآخَرُوْنَ أنَّهُم بَدَأُوا بالْقِتَالِ، فَوَقَعَ القِتَالُ بِقَصْدِ أهْلِ الفِتْنَةِ، لا بِقَصْدِ السَّابِقِيْنَ الأوَّلِيْنَ» (٢).
* * * стр. 83
الأمْرُ الثَّالِثُ: وُجُوْبُ السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ .
فَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ قَاطِبَةً على الكَفِّ والإمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، والسُّكُوتِ عَمَّا حَصَلَ بَيْنَهُم مِنْ قِتَالٍ وحُرُوبٍ، وعَدَمِ البَحْثِ والتَّنْقِيْبِ والتَّنْقِيْرِ عَنْ أخْبَارِهِم أو نَشْرِها بَيْنَ العَامَّةِ.
وكَذَلِكَ بَيْنَ آحَادِ العُلَمَاءِ لِمَا لَهَا أثَرٌ سَيِّئٌ في إثَارَةِ الفِتْنَةِ والضَّغَائِنِ، وإيْغَارِ الصُّدُوْرِ عَلَيْهِم، وسُوْءِ الظَّنِّ بِهِم ممَّا يُقَلِّلُ الثِّقَةَ بِهِم!
* * *
وبَعْدَ أنْ تَقَرَّرَتْ لَدَيْنَا هَذِهِ الأمُوْرُ الثَّلاثَةُ الَّتي غَدَتْ وللهِ الحَمْدُ عُمْدَةً عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وعَقِيْدَةً عِنْدَ سَائِرِ الأمَّةِ؛ كان مِنَ الخَطَأ الكَبِيْرِ والشَّرِّ
المُسْتَطِيْرِ مُخَالَفَتُها، أو مُنَاقَشَتُها بِوَجْهٍ أو آخَرَ (١). стр. 84
البَابُ الرَّابِعُ
الفَصْلُ الأَوَلُ: فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ ﵃
الفَصْلُ الثَّاني: وُجُوْبُ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃
الفَصْلُ الثَّالِثُ: وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ لِلصَّحَابَةِ ﵃
الفَصْلُ الرَّابِعُ: عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ ﵃
الفَصْلُ الخَامِسُ: حُكْمُ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃
الفَصْلُ السَّادِسُ: فَضَائِلُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
стр. 85
الفَصْلُ الأَوَلُ
فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ ﵃
إنَّ فَضَائِلَ وشَمَائِلَ الصَّحَابَةِ ﵃ في الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وكَلامِ السَّلَفِ، أكْثَرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ وأشْهَرُ مِنْ أنْ تُذْكَرَ؛ فَهَذِهِ المَكْتَبَةُ الإِسْلاَمِيَّةُ مَلِيْئَةٌ بِكُتُبِ فَضَائلِهِم وشَمَائِلِهِم ومَنَاقِبِهِم وسِيَرِهِم، وَهَذَا لاَ يَخْفَى عَلى أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وبِهِ التَّوفِيْقُ والعِصْمَةُ (١). стр. 86
إلاَّ أنَّنا أحْبَبْنا أنْ نَقِفَ بالقَارِئ الكَرِيْمِ على بَعْضِ ما ذُكِرَ في فَضَائِلِهِم بِعَامَّةٍ، أمَّا ذِكْرُ ما وَرَدَ في فَضَائلِهِم على وَجْهِ الخُصُوصِ فَلَمْ نُشِرْ إِليْهِ؛ لأنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ بَحْثِنَا؛ اللَّهُمَّ مَا كَانَ مِن ذِكْرِ فَضَائِلِ: مُعَاوِيَةَ ﵁؛ لأنَّ الكَلامَ حَوْلَهُ قَدْ أَخَذَ مَنْحَىً آخَرَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ والبِدَعِ، وعَلَيْهِ تَأَثَّرَ بَعْضُ المُسْلِمِيْنَ بِهِ إمَّا جَهْلاً، وإمَّا سُوْءَ طَوِيَّةٍ عَيَاذًا بِاللهِ!
أَمَّا فَضْلُ الصَّحَابَةِ بِعَامَّةٍ فَهَاكَ طَرَفًا مِنْهَا، عَسَانِي أُطَرِّبُ (١) سَمْعَكَ، وأُثْلِجُ صَدْرَكَ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى:
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فَهَذِهِ الآيَةُ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَبْلَغِ الثَّنَاءِ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ عَلَى السَّابِقِيْنَ الأوَّلِيْنَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ والتَّابِعِينَ لَهُم بِإحْسَانٍ، стр. 87
حَيْثُ أَخْبَرَ تَعَالَى أنَّهُ رَضِيَ عَنْهُم، ورَضُوْا عَنْهُ بِمَا مَنَّ عَلَيْهِم وأكْرَمَهُم مِنْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ خَالِدِيْنَ فِيهَا أبَدًا، وقَد خَسِرَ نَفْسَهُ بَعْدَ هَذَا مَنْ مَلأ
قَلْبَه بِبُغْضِهِم، واسْتَعْمَلَ لِسَانَهُ في سَبِّهِم، والوَقِيعَةِ فِيْهِم عَيَاذًا بِاللهِ!
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٩]. وقَدْ أَطْبَقَ كَثِيْرٌ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ المُصْطَفِيْنَ هُنَا في الآيَةِ: هُم أصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ ؛ بَلْ هُم أوْلى النَّاسِ يَقِينًا بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ.
قَالَ ابنُ جَرِيْرٍ الطَبَرِيُّ ﵀: «(الَّذِينَ اصْطَفَاهُم) يَقُولُ: الَّذِينَ اجْتَبَاهُم لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَجَعَلَهُم أَصْحَابَهُ ووُزَرَاءهُ عَلَى الدِّيْنِ الَّذِي بَعَثَهُ بِالدُّعَاءِ إِلَيهِ دُوْنَ المُشْرِكِيْنَ بهِ الجَاحِدِيْنَ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِم، ثُمَّ ذَكَرَ بِإسْنَادِهِ إلى ابْنِ عَبَّاسٍ في تَّأوِيْلِ هَذِهِ الآيَةِ، قَالَ: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ اصْطَفَاهُم اللهُ لِنَبِيِّهِ»، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبَارَكِ (١).
* * * стр. 88
قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀؛ في مَعْرَضِ تَفْسِيْرِ هذه الآيَةِ: «قال طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: هم أصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ولا رَيْبَ أنَّهُم أفْضَلُ المُصْطَفِيْنَ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ» (١).
وقَالَ السَّفَّارِيْنِيُّ ﵀ (١١٨٩)؛ في مَعْرَضِ تَفْسِيْرِ هذه الآيَةِ: «هُم أصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ » (٢).
وقَالَ تَعَالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وهَذِه الآيَةُ كَذَلِكَ تَضَمَّنَتْ مَنْزِلَةَ الرَّسُوْلِ ﷺ بالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ثَنَاءَ اللهِ تَعَالى فيها بالثَّنَاءِ على سَائِرِ الصَّحَابَةِ ﵃ أجْمَعِيْنَ.
* * * стр. 89
وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيْهِ قَالَ صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قُلْنَا لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوْعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لأصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَهَذَا الحَدِيْثُ قَدْ تَضَمَّنَ فَضِيْلَةَ الصَّحَابَةِ ﵃ على وجْهِ العُمُوْمِ كما اشْتَمَلَ على بَيَانِ مَنْزِلَتِهِم ومَكَانَتِهِمُ العَالِيَةِ في الأمَّةِ وذَلِكَ بأنَّهُم في الأمَّةِ بِمَنْزِلَةِ النُّجُوْمِ مِنَ السَّمَاءِ.
وعَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»، قَالَ عِمْرَانُ: لا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً؟ стр. 90
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويُنْذِرُونَ ولا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
* * *
وقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ بَعْضَ الأحَادِيْثِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا: «وهذه الأحَادِيْثُ مُسْتَفِيْضَةٌ؛ بل مُتَوَاتِرَةٌ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ والثَّنَاءِ عَلَيْهِم، وتَفْضِيْلِ قَرْنِهِم على مَنْ بَعْدَهُم مِنَ القُرُونِ، والقَدْحُ فِيْهِم قَدْحٌ في القِرْآنِ والسُّنَّةِ» (٢).
* * *
أمَّا ذِكْرُ فَضَائلِهِم عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَحَدِيْثٌ ذُو شُجُونٍ لا تَشْبَعُ مِنْهُ النُّفُوسُ.
فهَاكَ بَعْضَ ما قَالَهُ حَبْرُ الأمَّةِ تُرْجُمَانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵁: «إنَّ اللهَ ـ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وتَقَدَّسَتْ أسْمَاؤُهُ ـ خَصَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِصَحَابَةٍ آثَرُوْهُ على الأنْفُسِ والأمْوَالِ، وبَذَلُوا النَّفْسَ دُوْنَهُ في كُلِّ حالٍ، ووَصَفَهُم اللهُ في كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ стр. 91
رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
قامُوا بِمَعَالِمِ الدِّيْنِ، وناصَحُوا الاجْتِهَادَ لِلمُسْلِمِيْنَ حَتى تَهَذَّبَتْ طُرُقُهُ، وقَوِيَتْ أسْبَابُهُ وظَهَرَتْ آلاءُ اللهِ، واسْتَقَرَّ دِيْنُهُ وَوَضَحَتْ أعْلامُهُ، وأذَلَّ بِهِمُ الشِّرْكَ، وأزَالَ رُؤُوْسَهُ ومَحَا دَعَائِمَهُ، وصَارَتْ كَلِمَةُ اللهِ العُلْيَا، وكَلِمَةُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا السُّفْلَى، فَصَلَوَاتُ اللهِ ورَحْمَتُهُ وبَرَكَاتُهُ على تِلْكَ النُّفُوْسِ الزَّكِيَّةِ، والأرْوَاحِ الطَّاهِرَةِ العَالِيَةِ، فَقَدْ كانُوا في الحَياةِ للهِ أوْلِيَاءَ، وكانُوا بَعْدَ المَوْتِ أحْيَاءَ (بِذِكْرِهِم)، وكانُوا لِعِبَادِ اللهِ نُصَحَاءَ، رَحَلُوا إلى الآخِرَةِ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إليْهَا، وخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وهُم بَعْدُ فِيْهَا» (١).
* * * стр. 92
ورَوَى ابْنُ بَطَّةَ بإسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: «مَنْ كان مِنْكُمْ مُسْتَنًا فلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ؛ فإنَّ الحَيَّ لا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ، أُوْلَئِكَ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ كانُوا واللهِ أفْضَلَ هذه الأمَّةِ، وأبَرَّها قُلُوْبًا، وأعْمَقَهَا عِلْماً وأقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْماً أخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وإقَامَةِ دِيْنِهِ، فاعْرِفُوا لَهُم فَضْلَهُم، واتَّبِعُوهُم في آثارِهِم، وتَمَسَّكُوا بِمَااسْتَطَعْتُم مِنْ أخْلاقِهِم ودِيْنِهِم؛ فإنَّهُم كانوا على الهُدَى المُسْتَقِيْمِ» (١).
ورَوَى أبُو نُعَيْمٍ الأصْبَهَانيُّ بإسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمْرَ ﵄ (٢) نَحْو كلامِ ابنِ مَسْعُوْدٍ.
* * *
ورَوَى الإمَامُ أحَمْدُ بإسْنَادِهِ إلى قَتَادَةَ بنِ دُعَامَةَ أنَّهُ قال: «أحَقُّ مَنْ صَدَّقْتُمْ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ الَّذِيْنَ اخْتَارَهُم اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وإقامَةِ دِيْنِهِ» (٣).
قَالَ الإمَامُ أبُو زُرَعَةَ ﵀: «إذا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فاعْلَمْ أنَّهُ زِنْدِيْقٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّسُوْلَ стр. 93
- ﷺ عِنْدَنَا حَقٌّ، والقُرْآنَ حَقٌ، وإنَّمَا أدَّى إلَيْنَا هذا القُرْآنَ والسُّنَنَ أصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وإنَّمَا يُرِيْدُونَ أنْ يَجْرَحُوا شُهُوْدَنا لِيُبْطِلُوا الكَتَابَ والسُّنَّةَ، والجَرْحُ بِهِم أوْلى وَهُم زَنَادِقَةٌ» (١) رَوَاهُ الخَطِيْبُ، وابْنُ عَسَاكِرَ.
وقَالَ الفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ، وسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ انْتَقَصَ مُعَاوِيَةَ،
وعَمْرَو بْنَ العَاصِ أيُقَالُ لَهُ: رَافِضِيٌ؟ قال: «إنَّهُ لم يَجْتَرِئ عَلَيْهِمَا إلاَّ وله خَبِيْثَةُ سُوْءٍ، ما يُبْغِضُ أحَدٌ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إلاَّ ولَهُ دَاخِلَةُ سُوْءٍ» (٢).
* * *
وقَالَ العَلاَّمَةُ السَّفَّارِيْنِيُّ: «ولا يَرْتَابُ أحَدٌ مِنْ ذَوِي الألْبَابِ أنَّ الصَّحَابَةَ الكِرَامَ هُمُ الَّذِيْنَ حَازُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ، واسْتَوْلَوْا على مَعَالِي الأمُوْرِ مِنَ الفَضْلِ والمَعْرُوْفِ والصِّدْقِ، فالسَّعِيْدُ مَنِ اتَّبَعَ صِرَاطَهُم المُسْتَقِيْمَ، واقْتَفَى مَنْهَجَهُم القَوِيْمَ، والتَّعِيْسُ مَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيْقِهِم، ولم يَتَحَقَّقْ بِتَحْقِيْقِهِم ... فلا مَعْرُوْفَ إلاَّ ما عَنْهُم عُرِفَ، ولا بُرْهَانَ إلاَّ بِعُلُومِهِم كُشِفَ، ولا سَبِيْلَ نَجَاةٍ إلاَّ ما سَلَكُوا، ولا стр. 94
خَيْرَ سَعَادَةٍ إلاَّ ما حَقَّقُوهُ وحَكَوْهُ، فَرِضْوَانُ اللهُ تَعَالى عَلَيْهِم أجْمَعِيْنَ» (١).
وقَدْ قِيْلَ: «كُلُّ خَيْرٍ فِيْهِ المُسْلِمُوْنَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الإيْمَانِ، والإسْلامِ، والقُرْآنِ، والعِلْمِ، والمَعَارِفِ، والعِبَادَاتِ، ودُخُوْلِ الجَنَّةِ والنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وانْتِصَارِهِم على الكُفَّارِ، وعُلُوِّ كَلِمَةِ اللهِ ـ فإنَّمَا هُوَ بِبَرَكَةِ ما فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ الَّذِيْنَ بَلَّغُوا الدِّيْنَ، وجَاهَدُوا في سَبِيْلِ اللهِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ آمَنَ باللهِ فَلِلْصَّحَابَةِ ﵃ الفَضْلُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» (٢).
* * *
وبِهَذا نَكْتَفِي بِمَا جَاءَ في فَضْلِهِم، والثَّنَاءِ عَلَيْهِم ﵃ أجْمَعِيْنَ، ومَنْ أرَادَ زِيَادَةً في فَضْلِهِم فَعَلَيْهِ بِكُتُبِ السُّنَّةِ، والسِّيَرِ، لا سِيَّمَا الكُتُبُ الَّتِي عَنَتْ بِتَرَاجِمِهِم.
لِذَلِكَ لمَّا وَقَفَ عُلَمَاءُ الأمَّةِ ﵏ سَلَفًا وخَلَفًا حِيَالَ هَذِهِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، والأحَادِيْثِ النَبَوِيَّةِ، والآثارِ السَّلَفِيَّةِ الدَّالَةِ على فَضْلِ стр. 95
الصَّحَابَةِ ﵃، قابَلُوْها بالتَّسْلِيْمِ والقَبُولِ مَعَ اعْتِقَادِ فَضْلِهِم، والتَّرُحُّمِ عَلَيْهِم، وذِكْرِ مَحَاسِنِهِم بَيْن النَّاسِ ممَّا يَحْصُلُ بِذَلِكَ سَلامَةُ صُدُورِهِم وقُلُوْبِهِم تُجَاهَ الصَّحَابَةِ ﵃، وهذا كُلُّهُ لا يَسْتَقِيْمُ ولا يَكُوْنُ إلاَّ باعْتِقَادِ ضِدِّهِ، ومُنَابَذَةِ خِلافِهِ.
وذَلِكَ بالكَفِّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، وعَدَمِ ذِكْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ ممَّا يَحْصُلُ بِهِ سُوْءُ ظَنٍّ، وضِيْقُ صَدْرٍ، وإثارَةُ شُبَهٍ عَلَيْهِم؛ وهذا يَتَنَافَى مَعَ ما يَجِبُ في حَقِّهِم مِنْ حُبٍّ، وتَرَضٍّ عَنْهُم، وتَرَحُّمٍ عَلَيْهِم، وحِفْظِ فَضَائِلِهِم، والاعْتِرَافِ لَهُم بِسَوَابِقِهِم، ونَشْرِ مَنَاقِبِهِم، وأنَّ الَّذي حَصَلَ بَيْنَهُم إنِّمَا كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ؛ فالْقَاتِلُ والمَقْتُوْلُ مِنْهُم في الجَنَّةِ، ولم يُجَوِّزْ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ الخَوْضَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُم كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ، ولا يُخَالِفُ ذَلِكَ إلاَّ مُبْتَدِعٌ أو جَاهِلٌ!
стр. 96
مَا وَقَعَ بَينَ الصَّحَابَةِ قَدْ دَلَّتْ عَلَيْه
النُّصُوصُ الشَّرْعَيَّةُ
هُنَاكَ نُصُوصٌ شَرْعِيَّةٌ قَدْ أَشَارَتْ وَأَخْبَرَتْ بِمَا سَيَقَعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ قِتَالٍ ونِزَاعٍ مَعَ بَيَانِ فَضْلِهِم وَاصْطِفَائِهِم كَمَا مَرَّ مَعَنَا آنِفًا، فَمِنْهَا:
مَا رَوَاهُ الشَيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيْمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ» (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
فَالمُرَادُ بِالفِئَتَيْنِ في هَذَا الحَدِيْثِ جَمَاعَةُ عَلِيٍّ، وَجَمَاعُةُ مُعَاوِيَةَ ﵄، والمُرَادُ بالدَّعْوَةِ أيْضًا الإسْلامُ على الرَّاجِحِ، وقِيْل المُرَادُ: اعْتِقَادُ كُلٍّ مِنْهُما الحَقَّ (٢).
* * * стр. 97
وعَنْ أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبيُّ ﷺ يَخْطُبُ جَاءَ الحَسَنُ،
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» (١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
ففِي هَذَا الحَدِيْثِ شَهَادَةٌ مِنَ النَبِيِّ ﷺ بإسْلامِ الطَّائِفَتَيْنِ ـ أهْلِ العِرَاقِ وأهْلِ الشَّامِ ـ لِذَا كَانَ يَقُوْلُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنةَ ﵀: «قَوْلُهُ: فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، يُعْجِبُنَا جِدًّا».
قال البَيْهَقِيُّ: «وإنَّمَا أعَجَبَهُم لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُمَا مُسْلِمِيْنَ، وهذا خَبَرٌ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِمَا كَانَ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بَعْدَ وَفَاةِ عَلِيٍّ في تَسْلِيْمِهِ الأمْرَ إلى مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ» (٢).
* * *
وهَذَا عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ﵁ يَقُوْلُ فِيْمَا رَوَاهُ حَمْزَةُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أبِيْهِ قَالَ: وقَفَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ عَلَى قَتْلاهُ وقَتْلَى مُعَاوِيَةَ، فقَالَ: «غَفَرَ اللهُ لَكُم» لِلْفَرِيْقَيْنِ جَمِيْعًا» (٣). стр. 98
وقَالَ أيْضًا فِيْمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عُرْوَةَ (١٢٦) قالَ: أخْبَرَني مَنْ شَهِدَ
صِفِّيْنَ، قَالَ: رَأيْتُ عَلِيًّا خَرَجَ في بَعْضِ تِلْكَ اللَّيَالِي فَنَظَرَ إلى أهْلِ الشَّام، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ولَهُم» (١).
ورَوَى الشَّعْبِيُّ (١٠٤) قَالَ: قُلْتُ لِلْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ: ما شَأنُ الحَسَنِ (ابْنِ عَلِيٍّ) بايَعَ مُعَاوِيَةَ؟
قَالَ: إنَّه سَمِعَ مِنْ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ ما سَمِعْتُ.
قُلْتُ: ومَا سَمِعْتَ؟
قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: «لا تَكْرَهُوا إمَارَةَ مُعَاوِيَةَ، فإنَّكُم لَو فَقَدتُّمُوهُ رَأيْتُم رُؤُوْسًا تَبْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِها كأنَّهَا الحَنْظَلُ» (٢) ابنُ أبي شَيْبَةَ.
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فِإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنَا بالاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُونَ» (٣).
* * * стр. 99
وهَذِهِ الأحَادِيْثُ والآثَارُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا قَاطِعَةٌ بأنَّ أهْلَ العِرَاقِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ، وأهْلَ الشَّامِ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ بأنَّهُم مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ومُتَعلِّقُوْنَ جَمِيْعًا بالحَقِّ، كَمَا شَهِدَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ (١).
«والكِتَابُ والسُّنَّةُ قَدْ دَلاَّ عَلَى أنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مُسْلِمُوْنَ، وأنَّ تَرْكَ القِتَالِ كَانَ خَيْرًا مِنْ وُجُوْدِهِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]، فَسَمَّاهُم مُؤْمِنِيْنَ إخْوَةً مَعَ وُجُودِ الاقتِتَالِ والبَغْي» (٢). стр. 100
أقْوَالُ النَّاسِ فِيْمَا وَقَعَ في صِفِّيْنَ
فلا رَيْبَ أنَّ مَا وَقَعَ بَيْنَ العَسْكَرَيْنِ (عَسْكَرِ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ بِصِفِّيْنَ)، لم يَكُنْ لِعَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ ﵄ اخْتِيَارٌ في الحَرْبِ ابْتِدَاءً؛ بَلْ كَانَا مِنْ أشَدِّ النَّاسِ حِرْصًا على أنْ لا يَكُوْنَ قِتَالٌ.
وقِتَالُ صِفِّيْنَ لِلْنَّاسِ فِيْهِ أقْوَالٌ:
الأوَّلُ: مَنْ يَقُوْلُ: كِلاهُمَا كَانَا مُجْتَهِدًا مُصِيْبًا، وَبِهِ قَالَ أكْثَرُ أهْلِ الكَلامِ، والفِقْهِ، والحَدِيْثِ ممَّنْ يَقُوْلُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيْبٌ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيْرٍ مِنَ الأشْعَرِيَّةِ، والكُّرَّاميَّةِ وَغَيْرِهِم.
الثَّاني: مَنْ يَقُوْلُ: بَلِ المُصِيْبُ أحَدُهُمَا لا بِعَيْنِهِ.
الثَّالِثُ: مَنْ يَقُوْلُ: عَلِيٌّ هُوَ المصِيْبُ وَحْدَهُ، ومُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ، وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أهْلِ الكَلامِ، والفُقَهَاءِ أهْلِ المَذَاهِبِ الأرْبَعَةِ.
وقَدْ حَكَى هَذِهِ الأقْوَالَ الثَّلاثَةَ أبُو عَبْدِ اللهِ ابنُ حَامِدٍ عَنْ أصْحَابِ أحْمَدَ وغَيْرِهِم.
стр. 101
الرَّابِعُ: مَنْ يَقُوْلُ: كَانَ الصَّوَابُ أنْ لا يَكُوْنَ قِتَالٌ، وكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا لِلْطَّائِفَتَيْنِ، فَلَيْسَ في الاقْتِتِالِ صَوَابٌ، ولَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ أقْرَبَ إلى الحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ، والقِتَالُ قِتَالُ فِتْنَةٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ولا مُسْتَحَبٍ، وكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا لِلْطَّائِفَتَيْنِ، مَعَ أنَّ عَلِيًّا كَانَ أوْلى بالحَقِّ!
وهَذَا هو قَوْلُ أحْمَدَ، وأكْثَرِ أهْلِ الحَدِيْثِ، وأكْثَرِ أئمَّةِ الفُقَهَاءِ، وهُوَ قَوْلُ أكَابِرِ الصَّحَابَةِ، والتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بإحْسَانٍ (١)، وعَلَيهِ تَحْقِيْقُ أهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ. стр. 102
أيُّهُمَا أوْلَى بالحَقِّ عَلِيٌّ أمْ مُعَاوِيَةُ ؟
ومَعَ ما ذَكْرْناهُ آنِفًا؛ فَلا نَشُكُّ أنَّ عَلِيًّا ومَنْ مَعَهُ أوْلى بالحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةِ ومَنْ مَعَهُ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قاَلَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، تَقْتُلُهُم أُوْلى الطَّائِفَتَيْنِ بالحَقِّ» (١) مُسْلِمٌ.
فَدَلَّ هَذَا الحَدِيْثُ عَلَى أنَّ عَلِيًّا أوْلى بالحَقِّ ممَّنْ قَاتَلَهُ؛ فإنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الخَوَارِجَ لمَّا افْتَرَقَ المُسْلِمُونَ (٢).
ومَعَ هَذَا؛ إذَا قُلْنَا: إنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ أوْلَى بالحَقِّ مِمَّنْ قَاتَلَهُ، إلاَّ أنَّ الصَّوَابَ والحَقَّ كُلَّه كَانَ فِي تَرْكِ القِتَالِ؛ لأنَّ القِتَالَ قِتَالُ فِتْنَةٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، ولا مُسْتَحَبٍّ، فكَانَ تَرْكُ القِتَالِ خَيْرًا للطَّائِفَتَيْنِ قَطْعًا!
* * * стр. 103
«... فأصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ جَمِيْعُ ما يُطْعَنُ بِهِ فِيْهِم أكْثَرُهُ كَذِبٌ، والصِّدْقُ مِنْهُ غَايَتُهُ أنْ يَكُوْنَ ذَنْبًا أو خَطَأً، والخَطَأُ مَغْفُوْرٌ، والذَّنْبُ لَهُ أسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُوجِبُ المَغْفِرَةَ، ولا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَقْطَعَ بأنَّ واحِدًا مِنْهُم فَعَلَ مِنَ الذُّنُوبِ ما يُوجِبُ النَّارِ لا مَحَالَةَ» (١).
«وبالجُمْلَةِ لَيْسَ عَلَيْنَا أنْ نَعْرِفَ كُلَّ واحَدٍ تَابَ، ولَكِنْ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ التَّوبَةَ مَشْرُوْعَةٌ لِكُلِّ عَبْدٍ: لِلأنْبِيَاءِ ولِمَن دُوْنِهِم، وأنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، يَرْفَعُ عَبْدَهُ بالتَّوبَةِ، وإذا ابْتَلاهُ بِمَا يَتُوبُ مِنْهُ، فالمَقْصُودُ كَمَالُ النِّهَايَةِ، لا نَقْصَ البِدَايَةِ، فإنَّهُ تَعَالى يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِيْنَ، وهُوَ يُبَدَّلُ بالتَّوبَةِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ» (٢). стр. 104
الفَصْلُ الثَّاني
وُجُوْبُ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃
لَقَدْ بَاتَ مِنْ عَقَائِدِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ: وُجُوبُ مَحَبَّةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وتَعْظِيْمِهِم، وتَوْقِيْرِهِم، وتَكْرِيْمِهِم، والإقْتِدَاءِ بِهِم، والأخْذِ بآثارِهِم، وحُرْمةُ ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ: بُغْضِهِم، أو ازْدِرَائِهِم، أو ذِكْرِ مَسَاوِئِهِم ... !
قَالَ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيْلٌ على وُجُوْبِ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ، لأنَّهُ تَعَالى جَعَلَ لِمَنْ بَعْدَهُم حَظًا في الفَيْءِ ما أقَامُوا على مَحَبَّتِهِم، ومُوَالاتِهِم، والاسْتِغْفَارِ لَهُم، وأنَّ مَنْ سَبَّهُم، أو واحِدًا مِنْهُم، أو اعْتَقَدَ فِيْهِ شَرًّا: أنَّه لا حَقَّ لَهُ في الفَيْءِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وغَيْرِهِ.
стр. 105
قَالَ مَالِكٌ: «مَنْ كَانَ يُبْغِضُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أو كَانَ في قَلْبِهِ عَلَيْهِم غِلٌّ فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِيْنَ، ثمَّ قَرَأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾» (١).
وقَالَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ مُبَيِّنًا مَا يَجِبُ على المُسْلِمِ اعْتِقَادُهُ في مَحَبَّةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ «ونُحِبُّ أصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، ولا نُفْرِطُ في حُبِّ أحَدٍ مِنْهُم، ولا نَتَبَرَّأُ مِنْ أحَدٍ مِنْهُم، ونُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم وبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم، ولا نَذْكُرُهُم إلاَّ بِخَيْرٍ، وحُبُّهُم دِيْنٌ وإيِمَانٌ وإحْسَانٌ، وبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ» (٢).
* * *
فَعَلى المُسْلِمِ أنْ يَسْلُكَ في حُبِّ الصَّحَابَةِ مَسْلَكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، بِحَيْثُ يُحِبُّهُم جَمِيْعًا، ولا يَفْرُطُ في حُبِّ أحَدٍ مِنْهُم، وأنْ يَتَبَرَّأَ مِنْ طَرِيْقَةِ الشِّيَعَةِ الرَّافِضَةِ الَّذِيْنَ يَتَديَّنُوْنَ بِبُغْضِهِم وسَبِّهِم، ومِنْ طَرِيْقِ النَّوَاصِبِ والخَوَارِجِ الَّذِيْنَ ابْتُلُوا بِبُغْضِ أهْلِ بَيْتِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ! стр. 106
قَالَ ابنُ تَيْمِيَةّ ﵀: «ويَتَبَرَّؤُوْنَ (أَي السَلَفُ) مِنْ طَرِيْقَةِ الرَّوَافِضِ والشِّيَعَةِ الَّذِيْنَ يُبْغِضُوْنَ الصَّحَابَةَ ويَسُبُّونَهُم، وطَرِيْقَةِ النَّوَاصِبِ والخَوَارِجِ الَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ أهْلَ البَيْتِ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ» (١).
وبَعْدَ هَذا؛ فمَنْ أرَادَ السَّلامَةَ لِدِيْنِهِ فَليُحِبَّهُم جَمِيْعًا، وأنْ يَخْتِمَ ذَلِكَ على نَفْسِهِ، وعلى كُلِّ أبْنَاءِ جِنْسِهِ؛ لأنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ على جَمِيْعِ الأمَّةِ، واتَّفَقَ على ذَلِكَ الأئمَّةُ، فلا يَزُوْغُ عَنْ حُبِّهِم إلاَّ هَالِكٌ، ولا يَزُوْغُ عَنْ وُجُوبِ ذَلِكَ إلاَّ آفِكٌ (٢). стр. 107
الفَصْلُ الثَّالِثُ
وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والاسْتِغْفَارِ لِلصَّحَابَةِ ﵃
وَاجِبٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ عِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِيْنَ أنْ يَدْعُوَ لَهُم، ويَسْتَغْفِرَ لَهُم، ويَتَرَحَّمَ عَلَيْهِم لِمَا لَهُم مِنَ القَدْرِ العَظِيْمِ، ولِمَا حَازُوْهُ مِنَ المَنَاقِبِ الحَمِيْدَةِ، والسَّوَابِقِ القَدِيْمَةِ، والمَحَاسِنِ المَشْهُوْرَةِ، ولِمَا لَهُم مِنَ الفَضْلِ الكَبِيْرِ على كُلِّ مَنْ أتَى بَعْدَهُم (١).
وأخْرَجَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ أبي حَاتِمٍ، وابنُ الأنْبَارِيِّ في (المَصَاحِفِ)، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِي ﷺ ، فَسَبُّوهُم!، ثُمَّ قَرَأتُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآيَةُ» (٢). стр. 108
قَالَ النَّوَوَيُّ ﵀: «أمَّا قَوْلُهَا: (أُمِرُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لأصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَبُّوْهُم)، قَالَ القَاضِي: الظَّاهِرُ أنَّهَا قَالَتْ هذا عِنْدَما سَمِعَتْ أهْلَ مِصْرَ يَقُوْلُوْنَ في عُثْمَانَ ما قَالُوا، وأهْلَ الشَّامِ في عَلِيٍّ ما قَالُوا، والحَرُوْرِيَّةَ في الجَمِيْعِ ما قَالُوا!
وأمَّا الأمْرُ بالاسْتِغْفَارِ الَّذِي أشَارَتْ إلَيْهِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآيَةُ.
وبِهَذا احْتَجَّ مَالِكٌ في أنَّهُ لاحَقَّ في الفَيْءِ لِمَن سَبَّ الصَّحَابَةَ ﵃؛ لأنَّ اللهَ تَعَالى إنَّمَا جَعَلَهُ لِمَن جَاءَ بَعْدَهُم ممَّنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ لَهُم، واللهُ أعْلَمُ» (١).
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لا تَسُبُّوا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ (، فَإنَّ اللهَ قَدْ أمَرَنا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُم سَيَقْتَتِلُوْنَ» (٢).
* * * стр. 109
وذَكَرَ البَغَوَيُّ ﵀ عِنْدَ تَفْسِيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ قَالَ: قَالَ عَامِرُ بنُ شُرَاحِيْلِ الشَّعْبِيُّ: يا مَالِكُ تَفَاضَلَتْ (أيْ: فَضُلَتْ) اليَهُوْدُ والنَّصَارَى الرَّافِضَةَ بِخِصْلَةٍ، سُئِلَتِ اليَهُوْدُ مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالَتْ: أصْحَابُ مُوْسَى ﵇، وسُئِلَتِ النَّصَارَى: مَنْ خَيْرُ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: حَوَارِيُّ عِيْسَى ﵊، وسُئِلَتِ الرَّافِضَةُ: مَنْ شَرُّ أهْلِ مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ . أُمِرُوا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم فَسَبُّوهُم، فالْسَّيْفُ عَلَيْهِم مَسْلُوْلٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا تَقُوْمُ لَهُم رَايَةٌ، ولا يَثْبُتُ لَهُم قَدَمٌ، ولا تَجْتَمِعُ لَهُم كَلِمَةٌ، كُلَّمَا أوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ بِسَفْكِ دِمَائِهِم وتَفْرِيْقِ شَمْلِهِم وإدْحَاضِ حُجَّتِهِم، أعَاذَنَا اللهُ وإيَّاكُم مِنَ الفِتَنِ المُضِلَّةِ» (١). стр. 110
وأخِيْرًا هَاكَ ما قَالَهُ الإمَامُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةُ: «أمَرَهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ أنْ يَطْلُبُوا مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ أنْ يَنْزِعَ مِنْ قُلُوبِهِمُ الغِلَّ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا على الإطْلاقِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الصَّحَابَةُ دُخُولاً أوَّلِيًّا لِكَوْنِهِم أشْرَفَ المُؤْمِنِيْنَ، ولِكَوْنِ السِّيَاقُ فِيْهِم، فَمَن لم يَسْتَغْفِرْ لِلْصَّحَابَةِ على العُمُومِ، ويَطْلُبْ رِضْوَانَ اللهِ لَهُم فَقَدْ خَالَفَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فإنْ وَجَدَ في قَلْبِهِ غِلاًّ لَهُم فَقَدْ أصَابَهُ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وحَلَّ بِهِ نَصِيْبٌ وافِرٌ مِنْ عِصْيَانِ اللهِ لِعَدَاوَةِ أولِيَائِهِ وخَيْرِ أُمَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وانْفَتَحَ لَهُ بَابُ الخُذْلانِ يَفِدُ بِهِ على نارِ جَهَنَّمَ إنْ لم يَتَدَارَكْ نَفْسَهُ باللَّجَأ إلى اللهِ سُبْحَانَه، والاسْتِغَاثَةِ بِهِ بِأنْ يَنْزِعَ عَنْ قِلْبِهِ ما طَرَقَهُ مِنَ الغِلِّ لِخَيْرِ القُرُونِ وأشْرَفِ هَذِهِ الأمَّةِ، فإنْ جَاوَزَ ما يَجِدُهُ مِنَ الغِلِّ إلى شَتْمِ أحَدٍ مِنْهُم، فَقَدْ انْقَادَ لِلْشَّيْطَانِ بِزِمَامٍ وَوَقَعَ في غَضَبِ اللهِ وسَخَطِهِ، وهذا الدَّاءُ العُضَالُ إنَّمَا يُصَابُ بِهِ مَنِ ابْتُلِيَ بِمُعَلِّمٍ مِنَ الرَّافِضَةِ، أو صَاحِبٍ مِنْ أعْدَاءِ خَيْرِ الأمَّةِ الَّذِيْنَ تَلاعَبَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ، وزَيَّنَ لَهُم الأكَاذِيْبَ المُخْتَلَقَةَ، والأقَاصِيْصَ المُفْتَرَاةَ، والخُرَافَاتِ المَوْضُوْعَةَ، وصَرَفَهُم عَنْ كِتَابِ اللهِ الَّذِي لا يَأتِيْهِ
следующие страницы →