خيران: فيه قولان, إحداهما: هذا, والثاني: أنه يبطل الحول كما لو اتلف نصفها, وإذا بطل الحول في النصف التالف بطل في النصف الباقي, قال: وهذا مخرج مما قال الشافعي في رجلين لكل واحد منهما أربعون من الغنم ستة أشهر ثم خلطاها وحال الحول هل يزكيان زكاة الخليطين أم زكاة الانفراد؟ فيه قولان: هناك يزكيان زكاة الانفراد انقطع [٦٤ ب/٤] الحول هاهنا لأنه لا يمكن بناء حول الخلطة على حول الانفراد وهذا ليس بشيء, لأن النصف الذي لم يبع انتقل من خلطة إلى خلطة, فإن كان خليطًا يملك نفسه بما صار خليطًا لملك غيره فلم ينفك طول السنة من نصاب كامل فلم يسقط حوله وهذا التخريج فاسد, لأن الشافعي خرج ذلك على القول الذي ذكره في الجديد, والشافعي نص في الجديد في"الأم" في هذه المسألة: أن حول البائع لا ينقطع فكيف يخرج في الجديد ما نص في الجديد على خلافه, فإذا تقرر هذا فإذا مضت ستة أشهر من حين باع فقد تم الحول على النصف الذي لم يبع فعليه نصف شاة, ثم إذا حال الحول على العشرين التي في يد المشتري من حين ملكه ينظر فإن كان البائع قد أخرج النصف من عين المال فلا يلزمه شيء, لأن مال الخلطة نقص عن النصاب, وإن كان قد أخرجه من غيرها فإن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة فيلزمه نصف شاة في حصته, وإن قلنا: يجب في العين لا يلزمه شيء لأن نصف شاة قد صار للفقراء, وانتقض مال الخلطة عن النصاب, ولا يجوز أن يقال [٦٥ أ/٤] الفقراء إذا ملكوا النصف صار المال خلطة بينهما وبين الفقراء, لأن الفقراء غير معينين فلا تلزمهم الزكاة ومن زكاة عليه لا يثبت حكم الخلطة معه, وقال أبو إسحاق: تلزمه الزكاة في قول لأنه إذا أخرجها من غيرها تبينًا أن الزكاة لم تتعلق بالعين, ولهذا قال الشافعي: إذا باع مال الزكاة ثم أخرج الزكاة من غيره صح البيع وهذا غلط, ولا يعرف للشافعي ما قاله ولم يحكه سائر أصحابنا, وكلهم قالوا: إذا أخرج الزكاة من غيره عاد ملكه إليه بعد الزوال وعلى هذا لو نتجت واحدة مع حول البائع أو قبله فالحول بحاله في حقهما بلا إشكال, لن النصاب لم ينتقص وإن باع نصفها مفرزًا وأخرجها من المراح يبطل حولها جميعًا, فإن ردها بعد ذلك إلى المراح كان استئناف للخلطة فيعتبر الحول من حين اختلطتا, وإن لم يخرجها من المراح, ولكن أفرزها من الجملة نقل أصحابنا فيه فمنهم من قال: هو اختيار ابن أبي هريرة أنه لا تبطل الخلطة وهو المذهب لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه كما لو باعها مشاعة, ومنهم من قال تبطل الخلطة [٦٥ ب/٤] وهو المذهب لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه كما لو باعها مشاعة, ومنهم من قال: تبطل الخلطة بالتفرقة بينهما وبه قال أبو إسحاق, ومن أصحابنا من قال: لو فرز منها عشرين ثم باعها منه ثم سلمها مفرزة ثم خلطها في الحال هل ينقطع الحول؟ وجهان, لأن زمان الانفراد كان يسيرًا فلا يضر, وإن أعلم علتها ولم يفرزها من الجملة لم يبطل حكم الخلطة بلا إشكال, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا هاهنا أنه يبطل لزوال الملك على الانفراد وهو غلط.
стр. 1122
فرع
لو كان لكل واحد منهما عشرون شاة مختلطة من أول الحول ثم نصف الحول جاء ثالث بعشرين وخالطهما ثم أخذ الشريكين السابقين ميز ماله من الجملة فالذي بقي وكان خليطًا من أوله يلزمه عند تمام حوله نصف شاة, لأن الخلطة له حصلت في جميع الحول, إلا أن في بعض الحول كان خليطًا لزيد وفي بعضه كان خليطًا لعمرو.
فرع آخر
لو كانت له أربعون شاة في بلد وأربعون في بلد آخر فلما مضت ستة أشهر باع نصف إحدى الأربعين مشاعًا ثم حال حول البائع [٦٦ أ/٤] من حين ملك فما الذي يجب؟ قولان, إحداهما: يجب ثلاثة أرباع شاة لأنه في أول الحول خليط نفسه وفي باقيه خليط غيره, ثم إذا تم حول المشتري يلزمه ربع شاة, والثاني: على البائع شاة, لأنه إذا باع نصف الأربعين انقطع حول الأربعين وصار كأنه لا يملك إلا الأربعين الأخرى, ثم إذا حال حول المشتري على العشرين فإنه يلزمه نصف شاة نص عليه في باب افتراق الماشية (١)، قال القاضي أبو علي البندنيجي قال: ومن هاهنا خرج ابن خيران ذلك القول وثبت القولان.
مسألة: قال (٢): ولو كانتْ لهُ غَنَمٌ يَجِبُ فيها الزَّكاةُ فخَالَطَهُ رَجُلٌ بغَنَمٍ يَجِبُ فيها الزَّكَاةُ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ملك رجل أربعين شاة في أول المحرم وملك آخر أربعين في أول المحرم وأمسكا ستة أشهر ثم خلطا فعلى قوله الجديد: لا خلطة بينهما في السنة الأولى ويخرج كل واحد منهما شاة كاملة عن ماشيته, وقال في القديم: تعتبر الخلطة في آخر السنة وهو مذهب مالك وهذا غلط, لأن ماشيتهما قد انفردتا في بعض السنة فوجب عليهما أن يزكيا زكاة الانفراد, كما لو كانتا مختلطتين في أول السنة منفردتين [٦٦ ب/٤] في آخرها, وأيضًا وجدت في هذه السنة حالة الاختلاط وحالة الانفراد فاعتبار حالة الانفراد أولى لأنها مجمع على حكمها وحكم الخلطة مختلف فيه ولأنها اليقين, فكان اعتبارها أولى, وأما في السنة الثانية: يزكيان زكاة الخلطة لأن الخلطة حصلت في السنة الثانية فيها من أولها إلى آخرها, وقول الشافعي ولم يكونا تبايعًا زكيت ماشية كل واحد منهما على حولها دليل على أنهما لو تابعيًا استأنف كل واحد منهما الحول على ما ملك من ماشية صاحبه ثم لا يخلو إذا تبايعا, إما أن يتبايعا الكل بالكل أو البعض بالبعض, فإن تبايعا الكل بالكل بأن قال بعتك غنمي هذه بغنمك هذه يستأنفان الحول من حين التبايع, فإن خلطا حين تبايعا زكيا زكاة الخليطين, ولو مضت
стр. 1123
مدة ثم اختلطا زكيا الزكاة المنفرد ويجيء فيه قوله القديم, وإن تبايعا البعض بالبعض مثل أن باع إحداهما نصف غنمه بنصف غنم صاحبه فإنه يصح مشاعًا ومفرزًا فالمشاع أن يقول: بعتك نصف غنمي هذه بنصف غنمك هذه والمفرز هو أن يعلم على كل واحد [٧٦ أ/٤] من العشرين علامة, ويقول: بعتك المعلم من غنمي بالمعلم من غنمك فإذا فعلاً هكذا حول المبيع على الطريقين, فإذا قلنا: لا ينقطع فحال الحول على غير المبيع وهو أربعون بينهما فعليهما فيها شاة, لأنه قد ثبت لهما حكم الانفراد في أول الحول, وكان خليط نفسه فيها وخليط غيره في باقيها وعلى قوله القديم: يجب عليهما نصف شاة لأنهما خليطان حال الوجوب بثمانين, ثم إذا حال حول المبيع هل تجب الزكاة؟ فيه وجهان: فإذا قلنا: لا يجب فلا كلام, وإذا قلنا: يجب فما تلك الزكاة؟ فيه وجهان, إحداهما: شاة كاملة عليهما كالأربعين غير المبيعة, لأن كل واحد منهما لم يرتفق على التمام بالخلطة, والثاني: نصف شاة عليهما على كل واحد ربعها لأنها أربعون خلطها مع أربعين طول الحول هذا على قوله الجديد, وعلى قوله القديم: تجب نصف شاة عليهما.
فرع
لو كان لكل واحد ثمانون فتبايعا فإن تبايعا الكل بالكل استأنفا الحول, وإن تبايعا البعض بالبعض مشاعًا أو مفرزًا على ما ذكرنا انقطع الحول في المبيع, والمبيع ثمانون لكل [٦٧ ب/٤] واحد أربعون, وفي غير المبيع لا ينقطع قولاً واحدًا, وبه قال ابن خيران, لأن الباقي نصاب بعد البيع في حق كل واحد منهما, ولكن إذا حال حول غير المبيع فعلى قول ابن خيران يزكي كل واحد منهما زكاة الانفراد فعليه في ملكه شاة, لأن عنده خلطة آخر الحول لا يسقط حكم الانفراد, وعلى قول الشافعي: عليهما شاة على كل واحد منهما نصف شاة لأن ماله ما انفك عن الخلطة طول الحول في أوله خليط نفسه وما فيه خليط غيره, ثم إذا حال حول المبيع ففيه الزكاة قولاً واحدًا, لأنا إن اعتبرنا الانفراد فهي كالأولى زكاتها شاة, وإن اعتبرنا الخلطة فهي ثمانون إلى ثمانين ففيها شاة.
فرع آخر
لو باع مال الزكاة من آخره وتأخر القبض عن وقت العقد زمانًا ثم حصل القبض هل يحتسب بذلك الزمان من حول المشتري؟ اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: لا يحتسب لعدم تصرفه, وأن الملك لا يتم إلا بعد قبضه, ومنهم من قال: يحتسب لثبوت ملكه عليه في ذلك الزمان وهو الأقرب.
مسألة: قال (١): ولو كانتْ ماشيتِهُما سواء [٦٨ أ/٤] وحَوْلُ إحداهما: في المُحَرَّمِ وحَوْلُ الآخَرِ في صَفَرِ.
стр. 1124
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى رجل أربعين في المحرم واشترى آخر أربعين في صفر وأمسكاهما متفرقين فلما كان أول الربيع خلطا المال فإنهما يزكيان في السنة الأولى زكاة الانفراد, إلا أن حول صاحب المحرم أسبق, فإذا تم حوله أخرج شاة, وإذا جاء صفر فقد تم حول الثاني فيخرج شاة, وأما في السنة الثانية فإنهما خليطان من أولها إلى آخرها فيخرج نصف شاة من المحرم ويخرج الآخر نصف شاة في صفر وهو مراد الشافعي هاهنا بقوله: أخذ منهما نصف شاة من المحرم ونصف شاة في الصفر, وفي قوله القديم: يثبت هذا الحكم أيضًا في الحول الأول, لأنهما خليطان حال الوجوب, وقال ابن سريج: إذا اختلف حولهما لا يثبت حكم الخلطة أبدًا فتجب في الحول الثاني عليهما ما يجب في الحول الأول, وهذا غلط, لأن الخلطة وجدت من أول الحول إلى آخره فيها فيجب أن تكون زكاة هذا الحول زكاة الخلطة.
فرع
لو ملك أربعين شاة من أول المحرم وملك آخر أربعين شاة [٦٨ ب/٤] من أول صفر (١) ... ملك ولم يثبت للثاني حكم الانفراد فإن .... (٢) خرج في السنة الأولى شاة, لأنه ثبت له حكم الانفراد, وأما صاحب صفر إذا دخل صفر فيه وجهان, إحداهما: يزكي زكاة الانفراد شاة كاملة لأنه لما لم يرتفق صاحبه بخلطته لم يرتفق هو أيضًا بخلطة صاحبه, والثاني: عليه نصف شاة وهو الصحيح لأنه كان خليطًا من أول الحول ولا يصح اعتبار الرفق لأن في هذه المسألة يؤخذ في الحول الثاني .... (٣) الأول نصف شاة ولو تفرقا واقتسما المال قبل ان يتم حول الثاني لزمته شاة كاملة فارتفق الأول بالثاني, ولم يرتفق الثاني بالأول وهذا كله على القول الجديد وفي قوله القديم: يجب على الأول نصف شاة في السنة الأولى وعلى الثاني نصف شاة إذا حال حوله.
فرع آخر
لو ملك أربعين في المحرم ثم ملك إحدى وثمانين في صفر فحال حول الأولى يلزمه زكاة الانفراد شاة, ثم إذا تم حول الثانية تلزمه شاة أخرى بلا خلاف, لأن الكل مائة وإحدى وعشرون وقد أخرج شاة فبقيت عليه شاة [٦٩ أ/٤] أخرى فإن قيل: أليس المستفاد لا يضم إلى ما عنده عندكم فكيف ضممتم هاهنا؟ قيل: نحن تعبر حولها بنفسها ولا تضم إلى ما سبق في الحول, ولكن يضم في اعتبار النصاب وهذا مذهبنا.
مسألة: قال (٤): ولو كانُ بَيْنَ رَجُلَينِ أربَعُونَ شاةٌ ولإحداهما ببلدٍ آخَرَ أربعونَ شاةً.
стр. 1125
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان بين رجلين أربعون شاة ولإحداهما في بلد آخر أربعون شاة كانت عليهما شاة ربعها على صاحب العشرين وثلاثة أرباعها على صاحب الستين لأن ملك الرجل يجب ضم بعضه إلى بعض, وإن كان متفرقًا في مكان فيضم الأربعون الغائبة إلى العشرين التي له في الخلطة فيصير كأن مال الخلطة ثمانون لإحداهما وعشرون للآخر, وهذا هو المذهب المنصوص في كتبه, وقال ابن أبي هريرة: يجب على صاحب العشرين نصف شاة وعلى صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة لأنه يضم ماله الغائب إلى ماله الحاضر في حقه دون حق صاحبه لأنا إنما نضم بعضها إلى بعض بالملك دون الخلطة ثمانون منها ستون له ويصير في حق صاحب العشرين كأن [٦٩ ب/٤] مال الخلطة أربعون له نصفها فيلزم الأول ثلاثة أرباع شاة بحساب الثمانين, وعلى الثاني نصفها بحساب الأربعين (١)، وهذا لا يعرف للشافعي ﵀.
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار الشيخ أبي زيد المرزوي يلزم صاحب الستين شاة إلا نصف سدس شاة ويلزم صاحب العشرين نصف شاة لأن لصاحب الستين أربعين منفردة فيزكي زكاة الانفراد, فكأنه منفرد بستين شاة عليه فيها شاة فتخص الأربعين منها ثلثا شاة وله عشرون مختلطة فيزكي زكاة الخلطة فكان جميع الثمانين مختلط فيخص العشرين منها ربع شاة فتكون شاة إلا نصف سدس شاة, وأقل عدد يخرج منه ربع وثلثان منها ثمانية والربع منها ثلاثة فلذلك أحد عشر سهمًا فيجب عليه أحد عشر سهمًا من اثني عشر سهمًا من شاة, ويجب على صاحب العشرين نصف شاةٍ لأن الخلطة ثبتت في حقه في الأربعين الحاضرة, قال بعض أصحابنا: ونسب إلى ابن سريج يلزم على صاحب العشرين نصف شاة وعلى صاحب الستين شاة وسدس شاة وهذا لأن في الأربعين ثلثي شاة لما ذكرنا من العلة [٧٠ أ/٤] وفي العشرين نصف شاة لوجوب نصفها على شريكه إذ لا تجوز المخالفة بين الشريكين, وهذا ضعيف.
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار الإمام أبي بكر الأردني يجب على صاحب الستين شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة, لأنه اجتمع في ملكه الاختلاط والانفراد فصار كما لو كان في بعض الحول منفردًا, وفي بعضه مختلطًا فيغلب حكم الانفراد, فأما صاحب العشرين فمخالط لعشرين فيلزمه نصف شاة فحصلت خمسة أوجه, وقال القفال: حكم المسألة مبني على القولين, أن الخلطة خلطة ملك أ, خلطة عين ومعنى هذا أن من خالط بعض ماله بمال رجل هل يجعل كأنه خالط جميع ماله أم لا حكم للخلطة إلا في القدر الذي خالط؟ فأحد القولين أنها خلطة ملك وبه أجاب هاهنا لا يختلف أصحابنا فيه, وإذا قلنا: هي خلطة عين تجب على صاحب العشرين نصف شاة بلا خلاف, وفي صاحب الستين أربعة أوجه, إحداهما: يلزم شاة إلا نصف سدس شاة,
стр. 1126
والثاني: شاة وسدس شاة, والثالث: شاة, والرابع: شاة ونصف شاة وهذا لأنه يجعل ملكه كملك المالكين لأن ملكيه اختلف حكمهما بالاختلاط الانفراد [٧٠ ب/٤] فيلزم في الأربعين المنفردة شاة, وفي العشرين نصف شاة إذ لو كان صاحب العشرين غير صاحب الأربعين لكان الحكم هكذا فعلى هذه الطريقة يكون في المسألة ستة أوجه, وفرع أصحابنا على هذا أنه لو كانت لرجل ستون شاة ولثلاثة أنفس لكل واحد منهم عشرون شاة فخالط صاحب الستين كل واحد من الثلاثة بعشرين شاة فعلى المذهب المنصوص تجل عليهم شاة نصفها على صاحب الستين لأن له نصف المال ويجب النصف على الثلاثة على كل واحد منهم ثلاثة وهو سدس الجميع وعلى قول ابن أبي هريرة لا يمكن ضم أملاك الثلاثة بعضها إلى بعض بالملك, ولا يمكن ضم كل عشرين منها إلى واحد من الثلاثة فيقال لصاحب الستين قد انضمت غنمك بعضها إلى بعض فضم الستين إلى غنم من شئت منهم فتصير ثمانين فتجب فيها شاة ثلاث أرباعها على صاحب الستين وعلى كل واحد من الثلاثة نصف شاة, لأن الخلطة هي ثلث في حق كل واحد منهم في الأربعين وعلى القول الذي اختاره أبو بكر الأردني يجب هاهنا على صاحب الستين شاة لأن غنمه يضم بعضها إلى بعض وتجعل كأنها منفردة فيجب فيها شاة ويجب على كل واحد من الثلاثة [٧١ أ/٤] نصف شاة لأن الخلطة في حق كل واحد منهم ثابتة في العشرين التي له وفي العشرين التي لخليطه وعلى القول الذي اختاره أبو زيد المروزي يلزم على صاحب الستين نصف شاة وعلى كل واحد من أصحاب العشرين نصف شاة, لأن كل ماله خلطة وعلى ما حكي عن ابن سريج على صاحب الستين شاة ونصف شاة وعلى كل واحد من أصحاب العشرية نصف شاة.
فرع
لو كانت له خمس من الإبل ولخمسة أنفس عشرون من الإبل لكل واحد أربعة فخالط صاحب الخمسة كل واحد من الخمسة إلا نفس ببعير واحد يجد عليهم بنت مخاض فمنها على صاحب الخمس وعلى كل واحد من الخمسة أربعة أجزاء من خمسة وعشرين جزءًا من ابنة مخاض, وعلى قول أبي هريرة: يجب على الخمسة على كل واحد منهم أربعة أخماس شاة وعلى صاحب الخمسة خمس بنات مخاض وعلى هذا لو كانت مع رجل أربعون شاة فخالط رجلاً له أربعون بعشرين شاة منها وخالط آخر معه أربعون بالعشرين الأخرى على كل واحد منهم ثلثاه, وعلى قول أبي هريرة: يجب على الذي فرق ماله ثلث شاة وعلى كل شاة وعلى كل واحد منهما ثلثا شاة.
فرع
لو كان مع رجل عشر من الإبل فخالط رجلاً معه عشرون من الإبل بخمس وخالط [٧١ أ/٤] رجلاً آخر معه عشرون بخمس ففيه ثلاثة أوجه أحدها: وهو المذهب على صاحب العشرة خمس حقه باعتبار جمع جميع الأملاك حتى يصير خمسين, وعلى هذه
стр. 1127
الطريقة يجب على كل واحد من صاحب العشرين خمسا حقه, والثاني: يجب عليه ثلث بنت مخاض باعتبار جمع ملكه إلى ملك أحد خليطيه فعلى هذا على كل واحد من خليطيه ثلثا ابنة مخاض, والثالث: عليه خمس بنت مخاض وهذا على قولنا الخلطة خلطة عين لأن المجتمع في المكان خمسة وعشرون فيجب في كل جملة بنت مخاض ويلزمه الخمس فيها ويجب على كل واحد من صاحبه أربعة أخماس بنت مخاض.
باب من تحب عليه الصدقة
قال (١): وتَجِبُ الصَّدَقَةُ على كُلَّ مالِكٍ تامِّ المُلْكِ.
وهذا كما قال: إذا كان المالك حرًا مسلمًا وجبت الزكاة في ماله صغيرًا كان أبو كبيرًا عاقلاً كان أو مجنونًا, ويجب على الوالي إخراج الزكاة من مال الصغير والمجنون, وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق, وقيل: لا تجب على الصبي ولكن تجب في ماله وهو غلط, لأن الصغر لا يمنع وجوب المال [٧٢ أ/٤] كالغرامة, وقال سفيان الثوري والاوزاعي: يجب الزكاة في مالهما, ولكن لا يخرجها الولي فإذا بلغ الغلام وعقل المجنون أعلمهما الولي قدر ما وجب في مالهما حتى يؤديا, وروى ذلك عن ابن مسعود, وقال أبو حنيفة وابن شبرمة: يلزمهما زكاة الفطر دون زكاة المال, وروي ذلك عن ابن عباس واحتج الشافعي في هذا بسائر الحقوق, فقال: كما تجب في مال كل واحد منهم ما لزم ماله بوجه من الوجوه جناية أو ميراث أو نفقة على والد أو ولد زمن محتاج وسواء في ذلك الماشية والزرع وزكاة الفطر, ثم احتج بالخبر وهو لقوله ﷺ :"ابتغوا" يعني اتجروا في مال اليتيم أو قال في أموال اليتامى شك فيه الشافعي لا تأكلها الزكاة، وقي نسخة"لا تهلكها الزكاة", ثم احتج بالأثر عن عمر وابن عمر وعائشة وروي أيضًا عن علي ﵁.
مسألة: قال (٢): فأمَّا مالُ المكَاتَبِ فخَارجٌ من مِلْكِ مَولاهُ.
الفصل
وهذا كما قال: لا زكاة على المكاتب في ماله, وقال عكرمة وأبو ثور: يلزمه ذلك وهذا غلط, لأن ملكه غير تام لوجود الرق فيه ولهذا لا تجوز هبته ولا تلزمه نفقة الأقارب من ماله, ولا يرث ولا يورث ولا يعتق عليه قريبه بالملك بخلاف الحر ولا تجب على سيده في ماله أيضًا, لأنه [٧٢ ب/٤] لا يملكه ولا يعود إلى ملكه إلا بالعجز فكأنه متردد بين مالكين فأيهما تم ملكه استأنف به الحول.
فرع
لو ملك عبده نصابًا من الإبل فإن قلنا: لا يملك بالتمليك وهو المذهب الصحيح فالزكاة على المولى, لأنه ملكه, وإن قلنا: إنه يملك بالتمليك في قوله القديم لا زكاة
стр. 1128
على واحد منهما بخروجه من ملك مولاه ونقصان ملك العبد, لأن المولى ينتزع من يده متى شاء فكان أسوأ حالاً من المكاتب.
فرع
من نصفه حر ونصفه عبد إذا ملك نصابًا بنصفه الحر اختلف أصحابنا فيه, منهم من قال: لا زكاة عليه قولاً واحدًا, وهو الظاهر لأن الرق الذي فيه يمنع كمال ملكه, ومنهم من قال: تلزمه الزكاة لأنه يملك بنصفه الحر ملكًا تامًا فوجبت عليه الزكاة كالحر وهذا اختيار والدي ﵀ وهو الصحيح عندي الآن, لأن الشافعي نص أنه يلزمه زكاة الفطر في نصيبه.
فرع آخر
لو أن رجلاً أوصى بحمل امرأة بمال تجب فيه الزكاة ومات فوضعت حملها لأربع سنين ملك المال وفي زكاة ما مضى اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: يخرج الزكاة عن ما مضى لأنه ملك من ذلك الوقت, ومنهم من قال: يستأنف الحول من وقت الوضع ذكره القاضي أبو الحسن في "الحاوي" (١) [٧٣ أ/٤] قال ويشبه أن يكون مخرجًا من الوصية هل يملك بالموت أو بالقبول مع الموت؟ وأصحابنا بخراسان قطعوا أنه يستأنف الحول من وقت الوضع لأنه لا يتحقق ملكه في حالة الاستجنان بل الحكم موقوف.
باب الوقت الذي تجب فيه الصدقة
قال (٢): وأحِبُّ أنْ يبعَثَ الوالِي المُصَدِّقَ.
الفصل
هذا الباب يشتمل على ثلاثة فصول, أحدها: بيان الوقت الذي يبعث الوالي فيه السعاه إلى أرباب الأموال لجباية الصدقات, والثاني, الموضع الذي تعد فيه المواشي, والثالث: كيفية العد. فأما الوقت: فالمال ضربان, ضرب لا يعتبر فيه الحول مثل الزروع والثمار والمعادن فالوالي وقت إدراكها وإدراكها يتقارب بجميع الناس ولا يتفاوت تفوتًا بعيدًا وينبغي أن يبعث الساعي قبل وجوبها ليوافيها عند وجوبها. وضرب: يعتبر فيه الحول ولا يتفق أحوال الناس فيه ويتفاوت تفاوتًا بعيدًا وفي بعث الساعي إلى كل واحد منهم عند تمام حوله مشقة, قال الشافعي: أحب أن يكون بعثه في المحرم, قال: وهكذا رأيت السعاة عندما كان المحرم شتاءًا أو صيفًا, وهو احتجاج بقول العلماء فإنهم يخرجون بقول العلماء لا من عند أنفسهم [٧٣ ب/٤] وهذا لأن المحرم استفتاح السنة الجديدة العربية, وروي عن عثمان ﵁ أنه
стр. 1129
قال في المحرم: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه ثم ليزك بقية ماله" (١).
والمستحب أن يبعث قبل المحرم بحيث يوافي بلد الصدقة مع أول المحرم فلا يتأخر إخراج الزكاة عن أول السنة ثم إذا دخل البلد الصدقة اشتغل هو بمعرفة أهل السهمان وقدر حاجاتهم واشتغل أصحابه بإحصاء المواشي والأموال فإذا فرغوا من ذلك فكل من تم حوله أخذ زكاته وكل من لم يتم حوله سأله أن يعجل زكاته فإن عجلها أخذها وفرقتها على أهل السهمان, وإن لم يعجلها فإن شاء وكل من يأخذها منه إذا وجبت عليه وإن شاء أخرها حتى يعود في القابل, وإن شاء فوض تفرقتها إلى رب المال إن كان ثقة أمينًا, وقيل: إن المزني أخل بالنقل لأن الشافعي قال: واجب على الوالي أن يبعث المصدق وهو الصحيح لأن جمع الصدقة وتفريقها على مستحقيها واجب على الأئمة والمزني نقل وأحب ويستحب لأرباب الأموال أن يعجلوا أدائها إذا حضرهم الساعي كيلا يشق عليه الأمر, وأما الموضع الذي تعد فيه الماشية إن كانت ترعى وترد الماء فلا يكلف الساعي أن يتبعها راعية لما فيه من المشقة عليه لتبددها [٧٤ أ/٤] في المرعى وليس للساعي أن يكلف رب الماشية ردها إلى فناء القرية أو المدينة, ولكن يمضي الساعي إلى موضع الماء فإنها تجتمع فيه فيحصيها عليه, وقال في"الأم" (٢): لو كان للماشية ماءان فلرب المال أن يردها إلى أيهما شاء وهذا لأنه أسهل على أرباب الماشية وأقل كلفة ومؤنة وهذا في الغالب يكون في وقت الصيف فأما الربيع الذي تستغني فيه الماشية بالكلأ الرطب عن الماء أيامًا كما قال الشافعي (٣) فإن جزأت الماشية بالكلأ الرطب عن الماء فإنها ترد إلى أفنيتها لبورها, أو إلى بيوتهم, ولا يكلف رب المال إيرادها الماء لأنه يشق في الغالب ذلك لتباعدها عنه ولا يلزمه أن يتبعها راعية لما عليه في ذلك من المشقة وعلى رب المال أن يجمعها بحضرته لبعدها, وهو معنى ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جلب ولا جنب" (٤) أي: لا تجلب الماشية من البادية إلى الساعي وليس على الساعي أن يجنب أي: يبعد في إتباع المواشي, وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم وعند أفنيتهم" (٥) وأما كيفية العد قال (٦): "ويحصرها إلى
стр. 1130
مضيق" أي: يحضر الماشية [٧٤ ب/٤] إلى حظيرة يجمعها ويحيط بما يخرج منها واحدة واحدة بأن يجعل لتلك الحظيرة منفذًا واحدًا لا يسع لخروج واحدة ليكون أسهل في العد, فيعدها كذلك حتى يأتي على عدتها, أي: حتى يعدها كلها, وقيل: يستحب أن يكون في يد الساعي, وفي يد رب المال أو نائبه وهما على باب المضيق, قضيب أو خشبة معترضة يسيران بها إلى كل واحدة تخرج ويجعل في ذلك المنفذ خشبة معترضة يثب فوقها كل واحدة تريد أن تخرج ليكون ذلك أسهل في العدد, وأبعد من الغلط, ويجوز أن يضطر الغنم إلى جدار أو جبل أو شيء قائم حتى يضيق الطريق فيخرج ثنيتين ثنيتين, وإن ادعى رب الماشية أنه أخطأ عليه أعيد عليه العدد, وكذلك إذا ظن الساعي أن عاده أخطأ العدد, وهكذا إذا كان اختلافهما مؤثرًا مثل أن يقول إحداهما مائة وعشرون, وقال الآخر: لا بل زيادة على ذلك بواحدة, فأما إذا لم يكن مؤثرًا بأن لا يكون هناك تكميل نصاب فلا معنى له ..
باب تعجيل الصدقة
قال الشافعي (١):أخبرنا مالِكٌ عن زيدٍ بن أسلَمَ .... الخبر [٧٥/أ ٤].
وهذا كما قال: كل زكاة تجب بحول ونصاب وهي زكاة الإيمان والتجارات والمواشي يجوز تقديمها بعد وجود النصاب قبل الحول وبه قال: كأنه أنفقها, وهكذا يجوز عندنا تقديم الكفارة بالمال على الحنث قياسًا على الزكاة, وقال ربيعة وداود وأبو عبيد بن حربويه: لا يجوز كلاهما, وقال مالك: يجوز تقديم الكفارة دون الزكاة, وروي عن مالك أنه قال: يجوز تعجيلها في قرب الحول بيوم أو يومين واحتج الشافعي بما روى أبو رافع أن النبي ﷺ :"أستسلف" يعني: استقرض من رجل بكرًا وهو الفتى من الإبل فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضيه إياه قال والعلم يحيط أنه لا يقضي من إبل الصدقة فالصدقة لا تحل إلا وقد تسلف لأهلها ما يقضيه من مالهم يعني ما ثبت أن الصدقة لا تحل لرسول الله ﷺ فلا يظن به أنه يستقرض شيئًا لنفسه, ثم يقضي ذلك من مال الصدقة فثبت أنه إنما استقرض لأهل الصدقات ما يقضيه من مال الصدقات فإن قيل في الخبر: "أنه اقترض بكرًا فرد رباعيًا " وذلك زيادة لا تجوز من الصدقة قلنا: [٧٥ ب/٤] يجوز أن يكون النقص في الجودة فيقابله زيادة السن أو يجوز أن يكون الرجل ممن تحل له الصدقة فالزيادة صدقة عليه, أو يجوز أن يكون فعل ذلك ليرغب الرجل ممن تحل له الصدقة فالزيادة صدقة عليه, أو يجوز أن يكون فعل ذلك ليرغب الناس في قرض الفقراء, ويجوز للإمام أن يفعل هذا للمصلحة العامة, فإذا تقرر هذا فأعلم أن من أصحابنا من قال: ليس في هذا الخبر دليل على جواز تعجيل الصدقة ولا استدل به الشافعي كما أوهمه المزني, بل استدل به على جواز استقراض الحيوان خلافًا لأبي حنيفة فإنه لا يجوزه, وأما حجة تعجيل الزكاة فغير هذا, وقد ذكره بعد ذلك من جهة الأثر والنظر, أما الأثر فقد روى أن ابن عمر ﵁ "كان يبعث
стр. 1131
بصدقة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين" (١). فإن قيل: أنا أجوز هذا القدر من التقديم قيل: إذًا نقيس ما لا يسلم على ما يسلم فإنه ليس في هذا الفرق معه خبر ولا فيما روينا من الأثر في قريب التقديم منع من بعيده، وإذا ثبت القريب بالأثر أو بتسليمهم ثبت البعيد ولا فرق، وأما النظر فهو أنه قاسه على كفارة اليمين فقال: وقال النبي ﷺ في الحالف بالله: "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" (٢) فأمر بالحنث [٧٦ أ/٤] قبل التكفير لأن سبب وجوبها اليمين والحنث هو وقت لوجوبها، كما أن سبب وجوب الزكاة نصاب والحول وقت لوجوبها فكما جاز ذلك جاز هذا، وروي عن بعض الصحابة أنه كان يحلف فيكفر عن يمينه ثم يحنث ويقيس مع أبي حنيفة الكفارة على الزكاة كما قسنا مع ملك الزكاة على الكفارة، ومن أصحابنا من يستنبط منه الاستدلال على تعجيل الصدقة فقال: لما جاز أن يستعمل ممن لا تلزمه الزكاة قبل استحقاق هذا المسكين الزكاة ليقضي ما استعجل له مما يستحقه بعد ذلك من الزكاة فلأن يجوز أن يستعجل له الزكاة ممن تلزمه الزكاة ليحتسب ذلك عليه عند وجوب الزكاة، واستحقاقه أيامًا أولى، وأيضًا للزكاة طرفان موجب عليه وهو رب المال وموجب له وهو المسكين، فلما جاز أن يعجل للموجب له حقه قبل استحقاقه بأن يستقرض له ليقضي من ماله فكذلك يجوز أن يستعجل من الموجب عليه قبل الوجوب ما يحتسب له عند الوجوب، وأيضًا للزكاة طرفان موجب عليه وهو رب المال وموجب له وهو المسكين، فلما جاز أن يعجل للموجب عليه قبل الوجوب ما يحتسب له عند الوجوب، وأيضًا الفرض المعجل هو بدل والزكاة مُبدل فلما جاز تعجيل البدل عن الزكاة كان تعجيل المبدل وهو الزكاة أولى لأن المبدل أكمل حالًا من البدل فكان في هذا الخبر دلائل جواز تعجيل الصدقة وجواز قرض الحيوان والسلم، وأنه يجب عند القرض رد مثله ثم اعلم أنه [٧٦ ب/٤] المزني استبعد هذه الدلائل فقال: ونجعل في هذا الموضع ما هو أولى به أي: ما هو أقرب إلى الدلالة من أن رسول الله ﷺ استسلف صدقة العباس قبل حلولها (٣) فقال له: هذا الخبر استدل به الشافعي في هذه المسألة وسبقك إليه وتمامه ما روي أن رسول الله ﷺ كان قد بعث عمر بن الخطاب ﵁ ساعيًا على الصدقات فلما رجع إليه شكا من ثلاثة نفر من عمه العبّاس وخالد بن زيد ﵄ وعبد الله بن جميل فذكر أنهم منعوا الزكاة، فقال النبي ﷺ : "إن العباس عمي استسلفنا منه صدقة عامين"، وروى له علي مثلها وأراد صدقة عامين، "وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا فإنه قد حبس أذراعه وأفراسه في سبيل الله" يعني أنه وقفها وكان ذلك مال زكاة يتجر فيها فلما وقفها لم تلزمه الزكاة بعد فيها، وأما ابن جميل فما ينقم من الله إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله
стр. 1132
وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات، فلما بلغه نزول الآيات في شأنه أتى بصدقته فلم يقبلها رسول الله ﷺ ثم أتى [٧٧ أ/٤] بها أبا بكر الصديق فلم يقبلها ثم أتى بها عمر فلم يقبلها ومات في خلافته منافقًا، وروى على بن أبي طالب ﵁ أن العبَّاس ﵁ سأل رسول الله ﷺ ليعجل زكاة ماله فرخص له (١).
فرع
هل يجوز تقديم زكاة عامين وأكثر أصحابنا اختلفوا فيه قال أبو إسحاق: وهو ظاهر المذهب يجوز لما روى علي ﵁ أن النبي ﷺ تسلف من العباس ﵁ صدقة عامين، ولأن ما جاز تعجيل حق العامين كدية الخطأ، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز، لأنَّ تعجيل زكاة الحول الثاني تقديم لها على السببين الحول والنصاب، إذ هذا المال لزكاة هذا المقام فلا يجوز ذلك وتأويل الخبر أراد أنا استعجلنا مرتين منه صدقة مالين مختلفي الحول .... (٢) استعجلنا مرتين، استعجلنا وتم الحول ثم استعجلنا ثانيًا لعام آخر.
فرع آخر
مسألة: لو كانت له مائتا شاة فعجل عنها وعما يتوالد من سخالها أربع شياه فتوالدت وصارت أربعمائة أجرأته زكاة المائتين وفي زكاة السخال وجهان، إحداهما: لا يجوز لأنه تقديم زكاة على النصاب، والثاني: يجوز لأن السخال جعلت كالموجودة في الحول في وجوب زكاتها فجعلت كالموجودة في [٧٧ ب/٤] تعجيل زكاتها والأول أصح، ومن أصحابنا من قال: هذا مرتب على المسألة المتقدمة، فإن قلنا: بوجوب تعجيل زكاة عامين فهذا أولى، وإن قلنا: لا يجوز ذلك بقي هذا وجهان، والفرق أنه انعقد الحول على نصابين لأن النتائج إذا حدثت يبني حولها على حول الأصل ولم ينعقد الحول الثاني قبل تمام الحول الأول.
فرع آخر
لو ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة ثم توالدت أربعين سخلة وتماوتت الأمهات وبقيت السخال فهل يجزيه ما أخرج عن الأمهات عن زكاة السخال فيه وجهان، إحداهما: لا يجزيه عن زكاة السخال لأنه يؤدي إلى تقديم الزكاة على النصاب وهذا أقرب، والثاني: يجزيه لأنه لما كان حول الأمهات حول السخال كانت زكاة الأمهات زكات السخال، ولو كان معه نصاب فعجل زكاة نصابين لم يجز فيما زاد على النصاب
стр. 1133
الموجود وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز بناء على أصله بضم المستفاد إلى ما عنده في الحول وهذا غلط، لأنه عجل زكاة مالٍ ليس في ملكه.
فرع آخر
لو أشترى بمائتي درهم عرضًا للتجارة ثم أخرج عنها زكاة أربعمائة درهم ثم حال الحول ..... (١) تساوي أربعمائة ....... (٢) لأن [٧٨ أ/٤] الاعتبار في زكاة التجارة تأخر الحول وينعقد الحول في الابتداء على ما دون النصاب بخلاف زكاة العين وخالفه ابن سريج فقال: لا يجوز لأنه يعتبر النصاب في عرض التجارة من أول الحول إلى آخره.
فرع آخر
إذا أراد تعجيل عشر الثمار والزروع قال ابن أبي هريرة: يجوز إذا علم أن فيها على غالب العادة خمسة أوسق وهذا إذا كان الزرع قصيلًا، أو كان الثمار بلحًا أو طلعًا لم يتشقق، وقال أبو إسحاق: وهو المذهب الصحيح لا يجوز لأنه يجب زكاتها بسبب واحد وسائر الزكوات تجب بسببين، ولأن في الحال قصيل أو بلح وليس من مال الزكاة بخلاف غيرهَا.
فرع آخر
مسألة: يجوز تقديم زكاة الفطر على هلال شوال إذا دخل شهر رمضان وأول وقت جوازها بعد طلوع الفجر من اليوم الأول من رمضان، وقيل: فيه وجه أنه لا يجوز تعجيلها وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز تقديمها على شهر رمضان وهذا غلط، لأنه لم يوجد سببها بوجه فلا يجوز.
فرع آخر
إذا نذر أضحية لا يجوز ذبحها قبل وقتها بلا خلاف، لأن ذبحها عمل البدن وهو مقصود لأنه لو فرق اللحم لم يجز.
فرع آخر [٧٨ ب/٤]
لو أحرم بالحج ثم أراد تقديم الجزاء على قتل العبد، فإن كان خرجه فالمذهب أنه يجوز ذلك وبه قال أبو حنيفة لأن وجود سبب القتل هو بمنزلة وجود القتل، وإن لم يكن خرج فالمذهب أنه لا يذهب لأنه لم يوجد شيء من أسبابه، والإحرام ليس بسبب لوجوب الجزاء، ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهًا آخر: وهو ضعيف وعلى ما ذكرنا لو جرح آدميًا ثم قدم الكفارة على موته يجوز، وإن لم يكن جرحه لا يجوز.
فرع
يجوز تقديم كفارة الظهار على العود ولا يجوز تقديمها على الظهار، وقيل: فيه وجه آخر لا يجوز تقديم كفارة الجماع في صوم رمضان على الجماع بلا خلاف.
стр. 1134
مسألة: قال (١): وإن تَسَلَّفَ الوالي لَهُمْ فهَلَكَ منهُ قَبْلَ دفعِهِ إليهِمْ وقد فَرَّطَ أو لمْ يُفَرَّطْ فهُوَ ضَامِنٌ.
وهذا كما قال: إذا استقرض الوالي للمساكين من لا يلزمه أو استعجل لهم قبل الحلول ممن يلزمه الزكاة بالحول لا يخلو من أربعة أحوال، أحدها: أن يكون من غير مسألة رب المال وغير مسألة أهل السهمان، ولكنه رأى بأهل السهمان حاجة وفاقة فلا يخلو إما أن يتلف في يده أو يدفعها إليهم فإن تلفت في يده فهي من ضمانه يلزمه في خاص ماله ويستقر عليه [٧٩ أ/٤] الضمان ولا يرجع الإمام به على المساكين فرّط أو لم يفرّط فيه لأن المساكين هم أهل رشد لا يولى عليهم فلا يجوز أن يتعجل لهم حقهم برأيه إلا بشرط السلامة والضمان، وليس لولي اليتيم إذا استقرض له عند علمه بحاجته فهلك في يده من غير تفريط فلا ضمان لأنه مولى عليه ولهذا يتصرف فيه له ولا يتصرف الإمام في مال الزكاة للمساكين من غير ضرورة، ومن أصحابنا من أهل خراسان من قال: فيه وجه آخر: أنه لا يضمن لأن حاجاتهم كمسألتهم من الإمام ذلك وليس بشيء، وإن دفعها إليهم فإن حال الحول ولم يتغير الحال فقد وقعت الزكاة موقعها وإن حال الحول وقد تغير حال الدافع أو المدفوع إليه، رجع رب المال على الإمام ورجع الإمام على المساكين، وقال أبو حنيفة: الضمان على المساكين فقط وهذا غلط به ما كان له أن يحل لهم حقهم برأيه.
فرع
لو رأى الإمام بأطفال المساكين حاجة إلى التعجيل وكانوا يتامى فاستسلف لهم فتلف في يده من غير تفريط ففيه وجهان، إحداهما: وبه قال أبو إسحاق: ليس له ذلك فإن فعل كان ضامنًا لأن لهم حقًا في خمس الخمس وسهمًا فيه يستغنون به غن غيره، [٧٩ ب/٤] والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة: له ذلك ولا ضمان عليه لأنهم ممن يستحقون الزكاة عند وجوبها وهم في ولايته والحالة الثانية: أن يكون ذلك التسلف بمسألة أهل السهمان دون رب المال، فتغيرت حالهم أو حاله فإن بلغها من ضمان المساكين سواًء تلف في يد الإمام أو في أيديهم لأنه وكيلهم ولكن رب المال يطالب الإمام لأنه هو الآخذ منهم حتى يطالب الإمام المساكين، وقال القفال: إذا علم المالك أنه أخذ بمسألة المساكين لا يطالب الإمام بحال بخلاف الوكيل يطالبه التابع بالثمن، لأنه طريقه والتزم ذلك بالعقد بخلاف الإمام وهذا أقيس، والحالة الثالثة: أن يكون ذلك بمسألة أرباب الأموال دون المساكين، فالإمام وكيل أرباب الأموال دونهم فإن تلفت في يده فهي من ضمان رب المال، فإن تلفت في أيديهم رجع عليهم ولا يرجع على الإمام لأنه لا ضمان على الوكيل، والحالة الرابعة: أن يكون بمسألتهما جميعًا على الإمام لأنه لا ضمان على الوكيل، والحالة الرابعة: أن يكون بمسألتهما جميعًا فأيهما تغلب فيه وجهان، إحداهما: تغلّب جنبة رب المال لأن جانبه ..... (٢) لأنه
стр. 1135
يملك الدفع والمنع. والثاني: تغلب جنبة المساكين، لأن المنفعة ترجع إليهم وقد ذكرنا حكمها فإن قيل: إذا ضمن الإمام في الحالة الأولى [٨٠ أ/٤] وجب أن لا يجوز له القبض أصلًا، قلنا: إنما جاز لأن اختياره يؤدي إلى ذلك لما رأى بهم من الفاقة والخلة فيجوز ذلك على شرط السلامة، كما لو كانت عند رجل وديعة فجاء رجل وقال: أنا وكيل فلان يقبضها منك فصدقه يجوز له تسليمها إليه بشرط السلامة حتى لو أنكر المالك الوكالة فإنه يضمن، كذلك هاهنا فإذا تقرر هذا فكل موضع قلنا: يرجع إليهم فإن كانت تالفة استرجع قيمتها هكذا أطلق أصحابنا، وقال بعض أصحابنا بالعراق: إن خرج المدفوع إليه من استحقاق الزكاة يسترجع منه مثلها وجهًا واحدًا، وإن خرج الدافع ممن تجب عليه الزكاة فيه وجهان، كوجهي أصحابنا فيمن أقرض حيوانًا هل يجب على المستقرض رد مثله؟ أو قيمته ويفارق المسألة قبلها، لأن هناك يسترجع في حق الفقراء فيسترجع المثل لأنه لا يجوز في حق الزكاة غير الحيوان وهاهنا يسترجع في حق نفسه فتجب القيمة ذكره في "الحاوي" (١) ثم إذا رجع بالقيمة حتى يقوم فيه وجهان:
إحداهما: حين الدفع إليهم لأنهم ملكوا حينئذٍ كما يقول في الصداق وهو الصحيح.
والثاني: حين التلف كالعارية وهذا لأنه لو كان موجودًا رجع به فإذا كان تالفًا رجع بقيمته في تلك الحالة، وإن كانت باقية بحالها [٨٠ ب/٤] لم تزد ولم تنقص يسترجع عنها ثم إن كان العارض موت المسكين فرأى الرائي أن يرده على وارثه وهو جاز، وإن كانت زائدة فإن كانت الزيادة غير متميزة رجع بها مع الزيادة فإن كانت الزيادة متميزة كانت الزيادة لوارث المسلمين لأنه ملك بالقبض، وإن كانت ناقصة فإن كان النقصان غير متميز كالهزال رجع بها ناقصة ولا يستحق أرش نقصانها كالمفلس إذا انتقص المباع في يده لا يضمن النقصان عند رجوع البائع في المبيع بعيب الإفلاس، نص عليه في "الأم"، وقيل: هل يغرم النقص؟ وجهان:
إحداهما: يغرم لأن ما يضمن عينه يضمن نقصه هو غلط، فإن رأى الوالي أن يرده على وارثه لم يجز للنقص إلا أن يكون بعد النقص على وصف مال الدافع فيجوز، وإن كان النقصان متميزًا كبعيرين تلف إحداهما وبقي الآخر يرجع بالباقي وبمثل الثالث في أحد الوجهين، وبقيمته في الوجه الآخر، ومن أصحابنا من أهل خراسان من قال: هو كالقرض يملك يوم الإتلاف في أحد القولين فيغرم النقصان ويرد الزيادة مع الأصل على هذا القول وهذا غلط.
فرع
لو استعجل مسألة رب المال وهي باقية في يد الوالي له أن يسترجع قبل الحول ما لم يفرقها الوالي، فإن فرقها فلا [٨١ أ/٤] رجوع إلا أن يتغير الحال على ما ذكرنا ولو
стр. 1136
استعجل بمسألة المساكين وكانت باقية في يد الإمام ليس لرب المال استرجاعها، لأن يد الوالي هاهنا يد أهل السهمان، وهناك يده يد رب المال.
فرع آخر
لو تعدى الإمام فيها يضمن قيمة الحيوان وجهًا واحدًا لأنه يضمنها ضمان غصب بخلاف ما تقدم.
فرع آخر
.. (١) رب المال أن يتعجل الزكاة منه لهم ففعل وصرفها إليهم ثم عند الحول كان الدافع من يجب عليه الزكاة والمدفوع إليه من لا يستحق الزكاة قد ذكرنا أنه يسترجع فإذا استرجع هل يتعين عليه دفعها في الزكاة فيه وجهان، إحداهما: يتعين لأنه عينها بالتعجيل، والثاني: هو بالخيار بين دفعها أو دفع غيرها لأنها بعد الاسترجاع من جملة ماله هذا أصح عندي.
مسالة: قال (٢): ولو استَسْلَفَ لرجُلَيْنِ بَعِيرًا فأتلَفَاهُ وماتَا قَبْلَ الحَوْلِ فَلَهُ أنْ يأخُذَ منْ أموالِهِمَا لأهلِ السَّهمَانِ.
وهذا كما قال: اعلم أن في تعجيل الزكاة يعتبر ثلاثة أشياء صفة المعجل له وهو المسكين وصفة المعجل هو رب المال وصفة المعجل منه وهو النصاب فأما صفة المعجل له فهي معتبرة في حالين: حالة الدفع وهي حالة التعجيل لصلة النية، وحالة احتساب المدفوع [٨١ ب/٤] عن القرض لهذين، وأما صفة لمعجل منه فهي معتبرة من وقت التعجيل إلى وقت الاحتساب في مسائل ذكرها هاهنا منها هذه المسألة، وأراد به لو استسلف الإمام لرجلين من المساكين بغير أمر رب المال قبل الحول ولا تأثير لذكر الرجلين إلا تحسين العبارة به في لسان العرب، وقوله: فأتلفاه وماتا قبل الحول لا تأثير للإتلاف أيضًا في هذه المسألة إلا المبالغة في بيان حكم المسألة، فله أن يأخذ من أموالها أي: الإمام أن يأخذ هذا البعير المعجل إليهما إن كان قائمًا وقيمته إن كان تالفا من أموالهما بغيرهما من أهل السهام للعلة التي ذكرها وهي أنهما لمّا لم يبلغا الحول .... (٣) أنه لا حق لهما في صدقة خلت في حول لم يبلغاه أي: وإن وجد فيهما منعة الاستحقاق عند الدفع إذا لم يوجد وقت الاحتساب عن الفرض لم يكن لهما حق في هذه الصدقة تطوع وهذا غلط، لأنه دفع الزكاة على أن تقع موقع الفرض [٨٢ أ/٤] فإذا لم تقع استرجع كما لو دفع إلى من
стр. 1137
ظاهره الإسلام ثم بان له كفره استرجع، ويؤكده أن المقصود بتعجيلها إسقاط الفرض، فإذا لم يسقط استرجع.
فرع
لو شك في موته هل كان قبل الحول أم بعده ففيه وجهان، إحداهما: يسترجع اعتبارًا بالنفس في التعجيل والشك في الجواز، والثاني: لا يسترجع اعتبارًا بأنه ملك بالقبض فلا يجوز الاسترجاع بالشك، فعلى هذا يجزي عن فرض رب المال لأن الاسترجاع إذا لم يجب الإخراج ثانيًا، وهذا أقرب.
مسألة: قال (١): ولو أيْسَرا قَبْلَ الحَوْلِ.
الفصل
وهذا كما قال: أبدل الشافعي ها هنا تصوير موتهما بيسارهما قبل الدخول فينظر فإن كان اليسار مما دفع هؤلاء يسترجع شيئًا لأنا دفعنا إليه ذلك يستغني به، هكذا لو تصرف فيه واستغني بذبحه ونمائه لا يسترجع منه ووقعت الصدقة موقعها، وإن كان اليسار من غير ما دفع هو إليه إما بميراث أو هبة من الغير تسترجع منه ذلك، لأنه خرج عن أن يكون مستحقًا للصدقة قبل تمام الحول فصار كما لو مات.
فرع
لو أيسر ثم افتقر فحال الحول وهو فقير فيه وجهان، إحداهما: يسترجع لأنه خرج بالغني من أن يكون من أهل الصدقة فبطل الدفع الأول، والثاني: وهو الصحيح لا يسترجع لأن الاعتبار [٨٢ ب/٤] بآخر الحول.
فرع آخر
لو عجل إلى غني على أنه إن افتقر عند الحول كان عن زكاته وإلا استرجعها منه لا يجوز ذلك، لأن الزكاة إنما رخص في تعجيلها رفقًا بالفقراء، ولا فرق في تعجيلها للغني وإنما هو عبث ولهو فلم يسقط به الفرض، فإن قيل: إذا كان الاعتبار بآخر الحول يجب أن يجوز هاهنا كما قلتم: إذا أوصى لوارثه ثم صار غير وارث تصح الوصية لأن الاعتبار في الوصية بحالة الموت، قلنا: بالوصية يقصد الرفق بعد الموت لأنه حالة زوال ملكه عنه وها هنا القصد من التعجيل الرفق بالفقراء حال إخراجه وتعجيله، فإذا كان غنيًا فلا رفق فيه فلا يجوز.
مسألة: قال (٢): ولو عَجَّلُ زكاةَ مائَتَي دِرْهَمٍ قَبْلَ الحَوْلِ ثمَّ هَلَكَ مالهُ قَبْلَ الحَوْلِ ثمَّ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ المُعطي لمْ يَكُنْ لهُ الرُّجوعُ بهِ.
وهذا كما قال: إذا تولى رب المال تعجيل زكاته إلى الفقير قبل تمام الحول ثم تغير حاله فإن كان شرط أن عجلها رجع عليه بها، وإن لم يكن شرط تعجيلها لم يكن له أن
стр. 1138
يسترجعها، لأنه متهم في قوله: إني كنت عجلتها ويجوز أن يكون قد أدى واجبًا عليه أو تطوع به ويفارق الإمام، فإن له أن يسترجع، وإن لم يقل ذلك لأنه وليهم ثابت الولاية عليهم ولا يتهم في بابهم، فإن قيل: [٨٣ أ/٤] أليس إذا دفع إلى رجل مالًا ثم اختلفا؟ فقال الدافع أقرضتك وعليك مثله، وقال المدفوع إليه: وهبته فالقول قول الدافع فقولوا مثله ها هنا قلنا: الفرق أن قوله هذه زكاتي وصدقتي الظاهر منه زكاة الدافع فقولوا مثله ها هنا قلنا: الفرق أن قوله هذه زكاتي وصدقتي الظاهر منه زكاة واجبة في الحال أو صدقة واجبة أو صدقة تطوع، فإنما ادعى أنه عجلها لم يقبل وليس كذلك إذا دفع إليه مالًا وقال: تصرف فيه فإنه لا ظاهر يدل على أنه هبة فرجعنا إلى قول الدافع في ذلك ولا يعتبر أن يشترط الرجوع بل يكفي أن يذكر التعجيل، لأن حكم التعجيل الرجوع عند تلف ماله، ولو لم يذكر التعجيل ولكن صدقه الفقير أنه كان تعجيلًا فله الاسترجاع أيضًا، فإن لم يصدقه وقال: لا أعلم ذلك فالقول قوله إن كان حيًّا وقول وارثه إن كان ميتًا وهل عليه اليمين أنها واجبة عليه فهو مكذب لنفسه فيه الآن فلا يجب عرض اليمين لأجل. والثاني: وبه قال أبو يحي البلخي: يلزمه اليمين لأن الدعوى محتملة وما في يده مدع فافتقر دفع الدعوى إلى يمين فعلى هذا يحلف هو أو رارثه على نفي العلم ولو اختلفا في الشرط فقال رب المال: شرطتُ التعجيل فلي الرجوع [٨٣ ب/٤] فأنكر الفقير الشرط فيه وجهان، إحداهما: القول قول رب المال مع يمينه وله الرجوع لأنه على أصل ملكه لم يقر بما يزيله عنه والمدفوع إليه هو مقر له بالملك مدع لما يزيله، والثاني: القول قول الفقير مع يمينه على البت وجهًا واحدًا: لأنه ملك الأخذ وادعى عليه الاستحقاق فكان على أصل تملكه ما لم يُقم بينة، ومن أصحابنا من أهل خراسان من ذكر فيه طريقة أخرى فقال: نص في "الأم" أنه يسترجع ونص في رب المال أنه لا يسترجع، وعلق القول فيه في حرملة ولم يفصل بين الإمام ورب المال ففيه ثلاث طرق، إحداها: كلتا المسألتين على قولين، والثانية: الفرق على ما ذكرنا، والثالثة هما على حالين فحيث قال في "الأم": يسترجع هو إذا أعلم المسكين أنها صدقة مفروضة وهذا الحكم لو أعلم رب المال وحيث قال: ليس لرب المال الاسترجاع أراد إذا لم يعلمه ذلك وهكذا الإمام قال هذا القائل وهذه الطريقة هي أصح والأمر عندي على ما تقدم، ذكره وهذا كله غير صحيح.
فرع
لو عجل خمسة دراهم عن مائتي درهم فلما قرب الحول أتلف درهمًا منها لم تلزمه الزكاة، وهل له أن يسترجع ما عجله فإن لم يكن شرط التعجيل لم يكن له استرجاعه [٨٤ أ/٤] وإن كان شرط الاسترجاع فقد خرّج أبو سعيد الإصطخري فيه وجهين، إحداهما: له أن يسترجع كما لو تلف بنفسه لأن الزكاة سقطت عنه في الحالتين، والثاني: ليس له ذلك لأنه متهم في إتلاف درهم لاسترجاع خمسة.
стр. 1139
مسألة: قال (١): ولو ماتَ المُعطي قَبْلَ الحَوُلِ وفي يَدِ رَبِّ المالِ مائتا دِرهمٍ إلاَّ خَمْسَةَ دَرَاهمٍ فلاَ زَكَاةَ عليه.
وهذا كمًا قال: إذا عجل زكاة ماله فمات المعطي قبل الحول فإن لم يكن اشترط أنه زكاة ماله عجلها لم يكن له أن يسترجعها عي ما ذكرنا، ورجع إلى ما بقي من ماله فإن كان نصابًا زكى، وإن كان دونه فلا زكاة عليه.
قال الشافعي (٢): وما أعطى كما يصدق به أو أنفقه في هذا المعنى يعني كما لا يسترد في حياته لأنه تطوع به، فكذلك بعد وفاته، وإن كان قد شرط أن زكاة ماله عجلها قبل وجوبها استرجعها فإن كان أقل من النصاب وقد تمَّ بهذا الذي استرجع النصاب قال أصحابنا: هل يستأنف الحول؟ وجهان:
إحداهما: لا يستأنف لأن الزكاة المعجلة في الحكم كأنها عى ملكه بدليل جوازها عن فرضه في آخر الحول ولأن حكم الحول ثابت بحاله كما كان لم ينقطع بتعجيلها فكيف يجوز أن يقال يستأنف الحول.
والثاني: إن كان المال دراهم أو دنانير لا يستأنف [٨٤ ب/٤] الحول، وإن كان حيوانًا يستأنف لأن الحيوان الذي عجله يصير بمنزلة ما في الذمة ولا زكاة في الحيوان الذي في الذمة بخلاف النقد وهذا غلط، لأنه لا فرق على ما ذكرنا أن حكم الحول جاز عليها، ومن أصحابنا من قال: إن كان ما استرجعه دراهم عن دراهم فعليه الزكاة سواًء استرجع عين ماله أو مثله لأن التعجيل لما لم يحز صار فرضًا في ذمة الفقير والقرض ومن يجب ضمه إلى المال الناقض ويزكيان، وإن كان ما استرجعه ماشية عن ماشية فإن استرجع مثله أو قيمته فلا زكاة ويستأنف الحول، لأن البدل المأخوذ عن التعجيل هو كالبدل المأخوذ عن المبيع ولو كان باع منها شاة بشاة استأنف الحول، وإن استرجع ما عجله في وجوب الزكاة وجهان:
إحداهما: يجب لأن ما عجله مضموم إلى ما بيده على ما ذكرناه.
والثاني: يستأنف الحول لأن ما عجله، إما أن يكون زكاة لا ترتجع أو قرضًا يرتجع فلما بطل كونه زكاة ثبت كونه قرضًا، ومن أقرض حيوانًا لم يلزمه زكّى به بخلاف من أقرض الدراهم وهذا لأن زكاة الماشية لا تجب إلا بالسوم والسوم لا يتصور فيما في الذمة والأول أصح.
مسألة: قال (٣): ولو كانَ لرجلٍ مالٌ لا تَجِبُ في مِثِلهِ الزَّكاة.
الفصل
وهذا كما قال: [٨٥ أ/٤] إذا أخرج خمسة دراهم ولا نصاب عنده فقال: إن ملكت مائتي درهم فهذه زكاتها لم يجز لأن الزكاة تتعلق بالحول والنصاب وقدمها في السببين
стр. 1140
فلا يجوز كما لو قدم الكفارة على اليمين والحنث لا يجوز.
فرع
لو شك هل استفاد مالًا من أنبيه الغائب بموته فأخرج خمسة دراهم فقال: إن كان مائتي درهم حصلت في ملكي عنه فهذه زكاته لم يجز لأنه شاك في حصول السبب فنيته لا تصح، بخلاف ما لو قال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته، فإنه يجوز لأن الأصل بقاء المال، وفي المسألة الأولى الأصل العدم.
فرع آخر
لو عجل زكاة ماله ثم مات قبل الحول قال في القديم: تبنى الوراثة حولهم على حول الميت لأنهم يردون المال بما تتعلق به الحقوق كما يرثون التبعض بما تتعلق به من حقوق الشفعة وغيرها، وقال في الجديد: وهو الصحيح يستأنفون الحول لأنه يجدد ملكهم كما لو ملك بسائر وجوه الملك، فإذا قلنا: بالأول يجزي ما أخرجه عن زكاتهم، وإن قلنا بالثاني فهل يجزي ما أخرجه الميت عن زكاتهم، قال في "الأم": وبه قال أصحابنا: يجزيهم لأنهم لما قاموا مقامه في قضاء دينه واقتضائه قاموا مقامه في تعجيل زكاته ومن أصحابنا: يجزيه لأنهم لما قاموا مقامه في قضاء دينه واقتضائه قاموا مقامه في تعجيل زكاته ومن أصحابنا من [٨٥ ب/٤] قال: لا يجزيهم لأنهم لما استأنفوا الحول يصير تعجيلًا قبل وجود النصاب والحول، ثم على المذهب إن كان نصيب كل واحد منهم نصابًا أجزاهم ولا كلام، وإن كان نصيب كل واحد منهم أقل من النصاب فإن اقتسموا قبل الحول سقطت الزكاة عنهم ونظر فيما عجله المورث، فإن كان قد شرط أنه زكاة عجلها قبل الوجوب كان لهم الاسترجاع، وإن لم يشرط ذلك لم يكن لهم الاسترجاع وهذا حكم الاسترجاع، إذا قلنا: لا يجوز ما أدى عن الوارث وإن لم يقتسموا مال الميت حتى تم الحول فإن كان حيوانًا يثبت فيه حكم الخلطة قولًا واحدًا والزكاة واجبة عليهم فيه، وإن كان غير الحيوان ففي ثبوت حكم الخلطة قولان، فإذا قلنا: لا يثبت سقطت الزكاة وحكم الاسترجاع على ما ذكرنا، وإن قلنا: يثبت فما عجله الميت يجزي عنهم.
فرع آخر
ذكره والدي ﵀: لو كان عنده خمس وعشرون من الإبل ولم يكن عنده بنت مخاض فجوز له إخراج ابن لبون فمات قبل إخراجه فأراد الوارث ابن لبون وعنده بنت مخاض جاز له ذلك، لأنَّ الزكاة وجبت على المورث وهو نائب عنه في الإخراج فلم يعتبر حال الوكيل [٨٦ أ/٤] بخلاف ما لو حال الحول بعد موته.
فرع آخر
ذكر والدي ﵀: لو عجل زكاة خمس وعشرين فأخرج ابن لبون لأنه لم يكن في ملكه ابنة مخاض ثم استفادها قبل تمام الحول جاز ذلك ولا يلزمه دفع بنت مخاض، ولا استرجاع ابن لبون لأن الاعتبار بوقت الإخراج بدليل أنه لو حدث عيب
стр. 1141
يمنع الجواز ابتداء في ابن لبون الذي أخذه المسكين قبل الحول جاز، وإن لم يجز دفع المعيب ابتدأ عن الزكاة، قال ويحتمل وجهًا آخر: عليه إخراج ابنة مخاض والأولى أولى، وقال القاضي الإمام الحسين: الأصح الوجه الثاني، لأن الإبدال لا يصار إليها قبل وجوب المبدل كالتيمم لا يجوز قبل دخول الوقت.
مسألة: قال (١): ولو عَجَّل شاتَيْن مِنْ مائَتَيْ شاةٍ فحَالَ الحَوْلُ وقد زَادَتْ شاهٌ أَخَذَ مِنها شاةً ثالثةً.
وهذا كما قال جملة هذا الفصل أنه إذا وجد سبب وجوب الزكاة فأخرجها معجلا فلا اعتبار في قدر ما يجب عليه من الزكاة بوقت الاحتساب والمعجل في هذا الاعتبار هو في حكم القائم في ملكه المضموم إلى ما له فإذا عجل شاتين من مائتي شاة فحال الحول وقد زادت شاة أخذت منها شاة ثلاثة، لأن الشاتين المعجلتين كالقائمتين في ملكه بدليل احتسابهما عن [٨٦ ب/٤] الفرض وقت الحول وإذا كان كذلك فيكون له عند الحول مائتا شاة وشاة ففيها ثلاث شياه وقد عجل شاتين فعليه شاة ثالثة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: تقديمه الشاتين يسقط عنه وجوب الشاة الثالثة لأنه ليست في يده وقت الحول إلا مائة وتسع وتسعون شاة وفيها شاتان، وقد عجلهما فرد عليه الشافعي فقال: لا يسقط تقديمه الشاتين الحق عليه في الشاة الثالثة لأن الحق إنما يجب بعد الحول ويحتسب له ذلك المعجل عن الواجب عليه بعد الحول فدل أن ذلك المعجل كالقائم في ملكه وقت الحول، وإن كان تالفًا مشاهدة فيجعل كالقائم في وجوب الثالثة حكمًا أيضًا، ثم استشهد بالعكس فقال: كما لو أخذ منها يعني من المائتين قبل الحول شاتين فجاء الحول وليست فيها إلا شاة فإن تلفت منها مائة ردت عليه شاة اعتبارًا بوقت الاحتساب لا بوقت التعجيل، وإنما لم يعجله في هذه المسألة متطوعًا بما عجل من الشاة الثانية لأنه صور المسألة في الإمام دفع إليه الشاتين، والإمام في الظاهر لا يأخذ إلا الفرض، ولا يدفع إليه إلا الفرض، فلهذا كان له استرداد إحدى الشاتين عند تلف نصف ماله وأيضًا لو قلنا: لا يلزمه شاة أدى إلى الضرر [٨٧ أ/٤] بالمساكين وقد جوز التعجيل رفقًا لهم فيستحيل أن يكون مؤديًا إلى هذا الضرر.
باب النية في إخراج الصدقة
مسألة: قال (٢): وإذا وَلي الرَّجلُ إخراجَ زَكاتِهِ لم يُجْزِهِ إلاَّ بنِيَّةِ أنَّهُ فَرَضٌ.
وهذا كما قال الزكاة تفتقر إلى النية كسائر العبادات إلا أنه تجري النيابة في نيتها كما تجري في إخراجها، وقال الأوزاعي: لا تفتقر الزكاة إلى النية أصلًا كالدين وهذا غلط، لأنها عبادة تسوغ نقلًا وفرضًا كالصلاة فإذا تقرر هذا فالكلام في ثلاثة فصول فيمن ينوي وفي وقت النية وكيفية النية، فأما الناوي فإن كان يخرجها رب المال نوى، وإن كان يخرجها ولي المحجور عليه لصغر أو جنون نوى وليه، وإن كان الوالي
стр. 1142
يخرجها نوى الوالي، وأما وقت النية فالعبادات على أربعة أضرب، منها: ما لا يجوز تقديم النية عليه ومن شرطه، إن تقارن النية أوله كالصلاة والطهارة والحج والعمرة، ومنها: ما يجوز تقديمها على أوله ولا يجوز تأخيرها عن أوله وهو صيام الفرض، ومنها: ما يجوز تقديمها وتأخيرها عنه وهو صيام التطوع، ومنها: ما اختلف القول فيه وهو الكفارة والزكاة فقد قال في كتاب الأيمان: ولا تجزيه [٨٧ ب/٤] كفارة حتى يقدم قبلها النية أو معها ولا فرق فيها بين الكفارة والزكاة، فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إن قدم النية عليها واستصحبها إلى وقت إخراجها يجوز، وإن غربت عنه لا يجوز وأراد الشافعي بما قال في الكفارة: أن ينوي قبلها ويستصحبها قال القاضي الطبري: وهذا أشبه بمذهب الشافعي في "الأم"، لأنه لا يتعذر عليه أن ينوي عند ابتدائها فيلزم، ومن أصحابنا من قال: يجوز فيهما كما نص عليه في الكفارة، لأنه يدخلهما النيابة فلو قلنا: لا يجوز تقديم النية لما جاز أن يوكل في إخراجهما لأنه إذا وكل كانت نيته متقدمة عليها، والاعتبار بنية الموكل دون الوكيل وهذا أصح عندي واختاره مشايخ خراسان، وكما يمكنه أن ينوي في ابتدائهما يمكنه أن لا يوكل في أدائهما حتى لا تقدم النية أو تعتبر نية الوكيل عند ابتدائهما، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا: أنه يعتبر نية الوكيل عند الدفع لتقارن النية إخراج الزكاة ذكره القاضي الطبري وهو ضعيف عندي، فإن قيل في الحج: تدخل النيابة أيضًا ثم لا يجوز تقديم النية عليه، قلنا: هناك نية النائب شرط فلا يعرى أوله عن النية ونية الوكيل في الزكاة ليست بشرط وربما لا يعرف الوكيل [٨٨ أ/٤] أنها زكاة، ولا تصح منه النية بأن يكون كافرًا بخلاف الحج فدل على الفرق، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر: أنه لا يجوز أن يوكل كافرًا في أداء الزكاة ويجوز أن يوكل صبيًا لأنَّ نيته صحيحة، وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز لأنه غير مكلف كالمجنون حكاه والدي ﵀ وهو ضعيف.
وأما كيفية النية فهي: أن ينوي نية يتميز المخرج عن النافلة مثل أن ينوي أنه زكاة ماله أو فرض تعلق بماله فإنه نية الزكاة في الحقيقة نص عليه في "الأم"، ولو قال: هذه زكاتي مطلقًا قال أصحابنا: يجوز وذكر بعض أهل خراسان: أنه لا يجوز، والأول أصح، لأن هذه عبارة عن الفريضة، ولو قال: فرضي ظاهر ما نص عليه الشافعي أنه يجوز وليس على ظاهره بإجماع أصحابنا، ومعنى النص إذا قال: صدقة مالي فريضة ولو نوى بقلبه ولم يتلفظ بلسانه لا شك أنه يجوز ولو تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه قال في "الأم" (١): سواء نوى في نفسه أو تكلم بأن ما أعطى فرضي فأقام الكلام مقام النية كما أقام أخذ الإمام مقام النية وعلل في "الأم" فقال: وإنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنية الصلاة لافتراق الصلاة والزكاة في بعض حالهما إذ يجوز الزكاة قبل وقتها ويجوز أن يأخذها [٨٨ ب/٤] الوالي من غير طيب نفسه فتجزي عنه وهذا لا يجوز في
стр. 1143
الصلاة، وهذا اختيار القفال وجماعة أصحابنا، واستدلوا بأن إخراج الزكاة يجوز في حال الردة والمرتد ليس من أهل نية القوية فدل أنه يكفي القول فيه، وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار صاحب "التقريب" يحتاج أن ينوي بقلبه وأولوا النص بأنه أراد بقول هذا مع النية بالقلب لأن محل النية في جميع العبادات القلب وهذا التأويل خطأ لما ذكر من صريح العلة.
فرع
لو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة لم يحزه عن الزكاة، وقال أصحاب أبي حنيفة: يجزيه استحسانًا وهذا لا يصح لأنه لم ينو الفرض كما لو صلى مائة ركعة بنية التطوع لا يجزيه عن الفرض ولو تصدق ببعضه قال محمد: أجزأه عن زكاة ذلك البعض، وقال أبو يوسف: لا يجزيه لأنه لم يزل ملكه عن جميعه.
مسألة: قال (١): ولا يُجْزِئهُ ذَهَبٌ عن وَرِقٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أخرج غير ما وجب عليه باعتبار القيمة لا يجوز سواًء أخرج الدراهم عن الدنانير أو الدنانير عن الدراهم، أو ما لا إخراج عنهما بالقيمة، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يخرج بقيمته كل مال، وقال مالك: يجوز الذهب عن الورق والورق عن الذهب [٨٩ أ/٤] ولا يجوز غير ذلك من الأموال وبه قال أحمد في رواية وهذا غلط، لما قال الشافعي، لأنه غير ما وجب عليه فلا يجوز كما لو أخرج السكني لا يجوز.
مسألة: قال (٢): ولو أَخَرَجَ عشرةَ دراهمٍ فقالَ: إنْ كان مالي الغائبُ سَالمًا فهذه من زكاتُهُ أو نافِلةٌ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له مال غائب زكاته عشرة دراهم فأخرج العشرة إلى أهل السهمان، وقال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته أو نافلة فكان ماله سالمًا لم يجزه ذلك عن زكاته وكانت الزيادة باقية عليه لأنه جعل النية مشتركة بين النفل والفرض، ولو رتب النية فقال: إن كان مال الغائب سالمًا فزكاته، وإن كان تالفًا فنافلة، صحت النية فإن كان سالمًا كان عن فرضه، وإن كان تالفًا كان نافلة، قال الشافعي (٣): لإن أعطاه عن الغائب هكذا وإن لم نقله يعني لو قطع في نيته بأن هذا عن مالي الغائب لا يكون إلا هكذا فيكون عنه إن كان سالمًا وإلا فيكون نافلة، فإذا لم يقطع بنية يجوز أيضًا فإن قيل: أليس نقل الصدقة لا يجوز عندكم في أحد القولين،
стр. 1144
وجوزتم هاهنا نقل الصدقة عن بلد المال، قيل: الشافعي ذكر هذا على القول الذي جوّز نقل الصدقة أو إذا كانت [٨٩ ب/٤] المسافة قريبة أو لم يكن في بلده أهل السهمان.
فرع
لو قال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته، وإن لم يكن سالمًا فهذه زكاة مالي الحاضر يجوز لأنه قطع نية الفرض وإنما رتب المال فلم يمنع ذلك جوازها، ولو قال: هذه زكاة مالي الغائب إن كان سالمًا ولم يزد عليه فكان ماله تالفًا فأراد أن يصرفها إلى الحاضر لم يجز، لأنه عينها في مال بعينه فلا يجوز أن يصرفها إلى غيره، وقال في "الشامل": يحتمل أن يجوز لأنها لم تصر زكاة بعد.
فرع آخر
لو أخرج خمسة ونوى بكلها الزكاة والتطوع لم يجزه عن الزكاة وكانت تطوعًا وبه قال محمد، وقال أبو يوسف: يجزيه عن الزكاة وهذا غلط، لأنه يشرك بين النفل والفرض.
فرع
لو لم يعلم أن ماله الغائب ذهب أو ورق أو ماشية فأخرج خمسة دراهم أو نصف دينار أو شاة على الظن لم يجز، وإن أخرج جميع ذلك ونوى به الزكاة جاز، وإن لم يعين.
فرع آخر
لو كانت له مائتا درهم وعرض للتجارة بمائتي درهم فأخرج خمسة ونوى فرض الزكاة ولم يعين إحدى المائتين يجوز، وكذلك لو قال: هي عن الدراهم فإن كانت تالفة فعن الفرض فإنه يجوز، وإن قال هي عن [٩٠ أ/٤] إحداهما ثم عين بعد ذلك بقلبه أو لم يعين يجوز وهذا لأنه لا يحتاج إلى تعيين النية كالكفارة سواء.
مسألة: قال (١): ولو أخرَجَها وهيَ خمسةُ دراهم لتقسيمها فهَلَكَ مالُهُ - يعني المخرج منه قبل إمكان الأداء - كانَ لهُ حبسُ الدَّراهم.
وهذا على القول الذي يقول إمكان الأداء هو من شرائط الوجوب وقد تقدمت هذه المسألة، وكذلك ما ذكر بعد هذه المسألة إذا تلفت هذه الخمسة بقي أصل المال ولو أخرجها إلى الوالي ثم بان له أن المال كان هالكًا ليس له الرجوع إلا أن يكون باقيًا عنده لم يصرفها إلى أهل السهمان فيستردها منه أو يصرفها في زكاة مال سواه.
مسألة: قال (٢): وإذا أخذَ الوالي منْ رجلٍ زكاةَ بلا نيةٍ في دفعها إليه أجزأت عنه.
وهذا كما قال: إذا أراد إخراج الزكاة فلا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يليها بنفسه أو يدفعها إلى وكيله أو إلى الساعي فإن وليها بنفسه فقد ذكرنا النية، وإن دفعها إلى وكيلة فإن نويا معًا رب المال عند الدفع والوكيل عند الإيصال أجزأه، وإن لم ينو واحد منهما لم يجز، وإن نوى الوكيل دون الموكل لم يجز، وإن نوى الموكل دون
стр. 1145
الوكيل ففيه طريقان، قيل: قوله واحد يجوز وقيل: هو بناء على [٩٠ ب/٤] ما ذكرنا من جواز تقديم النية على الدفع فإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هاهنا، وإن دفعها إلى الوالي فإن نويا معًا أو نوى رب المال دون الوالي أجزأه قولًا واحدًا، لأن يد الإمام يد المساكين فإنه يسقط فرضه بالدفع إليه، ولو دفع الزكاة إلى المساكين ولم ينو المساكين جاز فكذلك إذا لم ينو الإمام وإن نوى الوالي دون رب المال المذهب أنه يجوز، لأنه لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفي بالظاهر عن النية، ومن أصحابنا من قال: وهو الأقيس لا يجوز لأن الإمام كالوكيل في أنه نائب الفقراء، وتأؤل هذا القائل نص الشافعي على أن من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهرًا فإنها تجزيه لأنه تعذرت النية من جهته فقامت نية الإمام مقام نيته، ومن أصحابنا من قال: في الحكم يجوز وفي الباطن لا يجوز وهو ضعيف، وإن لم ينو الإمام ولا رب المال نص في "الأم": أنه يجوز لأنه قال: وإذا أخذ الوالي من رجل زكاة بلا نية من الرجل في دفعها إليه طائعًا كان الرجل أو مكرهًا ولا نية للوالي الأخذ في أخذها من صاحب الزكاة أو له نية تجوز وهذا لأن أخذ الإمام أو دفعه إلى الإمام الظاهر منه أنه [٩١ أ/٤] فرضه لأنه لا يأخذ إلا الواجب ولا يدفع إليه إلا الصدقة الواجبة فقام ذلك مقام النية بخلاف ما إذا وكل ولم ينو لا الوكيل ولا الموكل لا يجوز لأنه ليس في دفعه إلى الوكيل ظاهر يدل على أنه فرضه، فلابد من نية الموكل وهذا النص يمنع التأويل السابق، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هاهنا لأنه نفذت النية المشروطة في الأداء، ومن أصحابنا بخراسان من قال: إذا أخذ بالإكراه لا يجوز فيما بينه وبين الله تعالى وهل يجوز في الحكم وجهان، وهذا خلاف النص، وقال أبو حنيفة: لا يأخذ الإمام الزكاة من الممتنع بل يحبسه حتى يؤدي، قال الشافعي (١): كما ينوب عنه في القسم ينوب عنه في النية.
مسألة: قال (٢): وأُحِبُّ أنْ يَتَوَلَّى الرَّجلُ قسمَتَهَا عنْ نَفْسِهِ.
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألة تنبني على أصل وهو أن المال ضربان، باطن وظاهر، وإن شئت قلت: صامت وناطق فالباطن يجوز أن يقسم زكاته بنفسه، وأما الظاهر فهل له أن يقسم زكاته بنفسه؟ فيه قولان، قال في القديم: ليس له ويجب دفعه إلى الإمام فإن فرقها بنفسه ضمن لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال في الجديد: له ذلك وبه قال الحسن [٩١ ب/٤] والنخعي ومكحول: لأنها زكاة واجبة كزكاة أمواله الباطنة، فإذا قلنا بقوله القديم لا يقال في هذا أفضل ولا غير أفضل، لأنه لا يجوز إلا وجهًا واحدًا، فإذا قلنا بقوله الجديد: هل للإمام المطالبة؟ منهم من قال: لا يطالب إذا علم أنهم يؤدونها بأنفسهم كما لو علم أنهم يصلون لا يطالبهم بها، ومنهم من قال: له المطالبة إذا أدى اجتهاده إليه لا على
стр. 1146
وجه الولاية بل جهة النيابة عن المستحقين وحثا عن الخروج عن حقوقهم لأنهم من أهل الرشد ولا تثبت عليهم الولاية وهل الأفضل أن يفرقها بتقسط أم يدفعها إلى غيره ليفرقها عنه؟ ينظر فإن كان ذلك الغير وكيلًا فالأفضل أن يفرقها بنفسه لأنه على يقين من فعل نفسه وهو في شك من فعل غيره ومعناه أن فعل الدفع إلى من هو مستحق لها في الظاهر يقين، فأما أن تكون وقعت موقعًا يقينًا فلا لأنه يعمل فيها بغالب الظن في الظاهر وزاد الشافعي في قسم الصدقات فقال: يجوز لأنه المحاسب بها والمسئول عنها، وإن كان الغير هو الإمام لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون عادلًا أو جائرًا فإن كان عادلًا، فالمذهب إن دفعها إليه أفضل لأن ذمته تبرأ [٩٢ أ/٤] بذلك عن الزكاة قطعًا والإمام أبعد من الخطأ في قسمها وأعرف بحال المستحقين وأراد الشافعي بما ذكر هاهنا إذا أراد الدفع إلى الوكيل أو أراد أن يتولى الدفع إلى الإمام بنفسه ولا يكله إلى غيره، ومن أصحابنا من قال: الأفضل تفريقها بنفسه أيضًا كما نص عليه هاهنا ليكون له إجراء التفريق والتكلف، كذلك بنفسه وهذا ليس بشيء لأنه علل فقال: لأنه على يقين من أدائها وهذا في الدفع إلى الإمام موجود وزيادة على ما ذكرنا، وإنما يقع الشك في الدفع إلى الوكيل، ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي هاهنا زكاة أمواله الباطنة فأما زكاة أمواله الظاهرة فالأفضل دفعها إلى الإمام، لأن الشافعي قال في آخر قسم الصدقات: ويعطي الولاة زكاة الأموال الظاهرة الثمر والزرع والمعدن والماشية، فإن أعطاهم زكاة التجارة والفطر والركاب أجزأتهم إن شاء الله.
وإن كان الإمام جائرًا فاسقًا. قال صاحب "الإفصاح": فيه وجهان، إحداهما الأفضل أن يفرقها بنفسه لأنه ليس بموضع الأمانة لما ظهرت منه الجناية، والثاني: يدفعها إليه أيضًا وليس عليه من إثمها شيء لأن النبي ﷺ [٩٢ ب/٤] قال: "سيكون بعدي أمورًا تنكرونها فقالوا: يا رسول الله فما تأمرنا قال: أدوا حقهم وسلوا الله حقكم" (١) وقال في "الحاوي" (٢): للإمام أربعة أحوال، أحدها: أن يكون عادلًا في الزكاة وفي غيرها، فالأفضل دفعها إليه، والحالة الثانية: أن يكون عادلًا في الزكاة جائرًا في غيرها فيه وجهان، إحداهما: دفعها إليه أولى أيضًا لأنه روى عن سهل بن صالح عن أبيه أنه قال: سألت سعيد بن مالك وقلت: عندي مال مجتمع يعني من مال الصدقة وهؤلاء القوم كما ترى فما أصنع به؟ قال: ادفعه إليهم، قال: وسألت أبا سعيد الخدري فقال مثل ذلك، وسألت أبا هريرة فقال مثل ذلك، وسألت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، والثاني: يفرقها بنفسه أولى، وإن كان جائرًا في الزكاة وغيرها أو جائرًا في الزكاة عادلًا في غيرها لا يجوز دفعها إليه وتفريقها بنفسه فإن دفعها إليه لم يجز، لأنه لم يصل إلى المستحق وهذا حسن.
стр. 1147
فرع
إذا قلنا بقوله القديم: فلم يبعث الإمام الساعي أو لم يقدر على الإمام يجب على رب المال أن يفرقها بنفسه وهو المذهب، لأنه حق الفقراء والإمام نائبهم [٩٣ أ/٤] فإذا ترك النائب قبض الحق لا يجوز أن يترك أداءه، ومن أصحابنا من قال: أنه يتوقف حتى يطالبه الإمام لأنه مال حق القبض فيه إلى الإمام فإذا لم يطلبه الإمام لم يفرق هو كالخراج.
فرع
إذا علم الإمام أنه لا يؤدي الزكاة فقاتل فقتل إنما يقاتل لأن الزكوات كلها كانت تحمل إلى النبي ﷺ إلا أن عثمان فرض إلى أرباب الأموال باجتهاده فإذا ظهر منهم التقصير كانت له المطالبة، وقيل: لأن الزكاة حق الله تعالى وهو نائب الله تعالى ويتفرع على هذا أنه لو كان عليه كفارة أو منذور فامتنع من الأداء هل يطالبه الإمام وجهان مبنيان على هاتين العلتين.
باب ما يسقط الصدقة عن الماشية
قال: روي عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قالَ: "في سائمةِ الغنمِ زَكَاةٌ" (١).
وهذا كما قال: السائمة هي الراعية وسميت سائمة لأنها تسوم أي: ترعى فكل ماشية يجب الزكاة فيها لا تجب إلا إذا كانت سائمة للذر والنسل فإن كانت للعمل كالنواضح ونقل المتاع من بلد إلى بلد فلا زكاة فيها، كما يجب في السائمة، وقال داود في معلوفة الغنم لا يلزم الزكاة، وفي معلوفة الإبل والبقر يجب الزكاة لأن النبي ﷺ [٩٣ ب/٤] خص الغنم وهذا غلط، لما ذكر الشافعي من الخبر وهو أن النبي ﷺ قال: في سائمة الغنم زكاة" فدل على أنه لا زكاة في غير السائمة وهذا استدلال منه بمفهوم الخطاب واحتج بالأثر فقال: روي عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ "أنه ليس في البقر والإبل العوامل صدقة" (٢)، ومن أصحابنا بخراسان من قال: أراد به إذا كانت العوامل معلوفة فإن كانت سائمة يلزم فيها الزكاة لأن منفعتها أكثر فكانت أولى بوجوب الزكاة فيها وهذا خلاف ظاهر نص الشافعي، لأنه قال: فإن كانت معلوفة أو مستعملة فلا زكاة فيها، فأفردهما وهو قول أهل العراق أجمع ودليل ذلك أن نماء الرعي للذر والنسل لا يتم إذا كانت مستعملة، وإن لم تكن معلوفة فلا زكاة ثم أن المزني فصل بهذا الأثر قوله: حتى تكون سائمة فوهم أنه ن جملة الأثر وليس كذلك بل هو من كلام الشافعي وهو أنه ذكر هذا الأثر في البقر والإبل عطف عليه فقال: وكذلك الغنم لا صدقة فيها حتى تكون سائمة فأخل المزني بالاختصار كما بيناه، ثم بين
стр. 1148
الشافعي النكتة المفرقة بين السائمة والمعلوفة فقال (١): والسائمة الراعية [٩٤ أ/٤] وذلك أن يجتمع فيها أمران إن لا يكون لها مؤنة في العلف ويكون لها نماء الرعي فتجتمع قلة المؤنة وكثرة النما لأنهما سببًا وجوب الزكاة التي هي مواساة، وإذا علفت فالعلف مؤنة يحيط بفضلها، وقال في "المختصر الكبير": يحيط بكلها أو بعضها أي: العلف ربما يحيط بجميع نمائها وربما يحيط ببعض نمائها فيخرج به عن احتمال المواساة ثم رجح ذلك بقوله، وقد كانت النواضح على عهد رسول الله ﷺ ثم خلفائه فلم أعلم أحدًا روى أنَّ رسول الله ﷺ أخذ منها صدقة ولا أحذًا من خلفائه ثم في آخر الباب رجع إلى الرد على مالك أيضًا فقال: من مذهب مالك أنه لا زكاة في الذهب والورق إذا كانت مصوغة عن جهة النماء مع قوله ﷺ في الرقة ربع العشر (٢)، فجاز أن لا يلزم الزكاة في المعلوفة مع قوله ﷺ في أربعين شاة، وفي خمس من الإبل شاة (٣). إذ لا فرق بينهما، وأما قول داود أن النبي ﷺ قال في الإبل السائمة: "في كل أربعين بنت لبون" (٤).
مسألة: قال (٥): وإن كانتِ العَوَامِلُ تَرعَى مُدَّةً وتَترُك أُخرى.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في [٩٤ ب/٤] العلف الذي يسقط به حكم السوم وينقطع به حكم الحول اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: إذا علف اليوم واليومين لا يسقط الزكاة فاعتبر العلف في مدة لو لم يعلف فيها لتلفت وذلك ثلاثة أيام فأكثر، ومن أصحابنا من قال: قليل الزمان وكثيره فيه سواء قصد المالك أو علفه الغير ليلة من غير علمه لظاهر قول الشافعي، وهذا لأن السوم شرط في وجوب الزكاة فإذا عدم في قليل المدة أو كثيرها سقط حكم الحول كالنصاب والأول هو المذهب الصحيح، ومن أصحابنا من قال: إذا علفها دفعنة ونوى القطع انقطع الحول نص عليه في الأم، وقد قال: في موضع آخر: لا زكاة حتى يسميها دهرها وهذا لأن النية قارنت الفعل المسقط للزكاة فسقطت، وإن قل الفعل ذكره القاضي أبو علي البندنيجي وهذا غريب، ومن أصحابنا بخراسان من قال: ينظر إلى أكثر الحول فإن علف في أكثر الحول سقطت وإلا فلا، وهذا ليس بشيء ويحكى هذا عن أبي حنيفة.
فرع
لو كان الرعي يكفيها ولكنه يعلفها أيضًا لا يتغير حكمها به، وإن كان الرعي لا
стр. 1149
يكفيها يتغير حكمها بالعلف، وقد ذكر القفال: أنه لو كان يسرحها كل يوم وأراد ردها بالليل إلى المراح فألقي إليها [٩٥ أ/٤] شيئًا من العلف لا ينقطع الحول وأراد به ما ذكرت ثم اعلم أن بعض أصحابنا قال: معنى لفظ المختصر وإن كانت العوامل ترعى مرة وتترك أخرى عن الرعي فتعلف وهذا خطأ، بل معناه وتترك أخرى عن الرعي فتستعمل، وإن لم يعلف بدليل أنه عطف عليه قوله أو كانت غنمًا تعلف في حين وترعى في أخرى وحكم في هاتين المسألتين بأنه لا زكاة تغليبًا للعطف على الرعي والاستعمال على السوم.
مسألة: قال (١): "ولا صَدَقَةَ في خيلٍ".
الفصل
وهذا كما قال: عندنا أنه لا صدقة في الخيل إلا أن تكون للتجارة، وبه قال عمر وعلي ابن عمر ﵁، وأما مالك والليث والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو يوسف وعمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والشعبي والحسن وأحمد وإسحاق ومحمد ﵏، وقال أبو حنيفة ﵀: يلزم في إناثها وإناثها وذكورها إذا اجتمعت ولا زكاة في ذكورها إذا انفردت وبه قال حماد، ثم هو بالخيار إن شاء أخرج عن كل فرس دينارًا أو عشرة دراهم، وإن شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها، وقد قال الشافعي (٢): لا زكاة بدلالة سنة رسول الله ﷺ في ذلك وأراد بالسنة ما رواه وهو قوله ﷺ "عفوت [٩٥ ب/٤] لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (٣)، وقال علي ﵁ قال لنا رسول الله ﷺ : "تجوّزنا لكم عن صدقة الخيل" (٤) وروي: "قد تجاوزت لكم عن صدقة الخيل" (٥) وقال يزيد سألت رسول الله ﷺ عن الخيل فيها شيء، قال: "لا إلا ما كان منها للتجارة" وروي أنه ﷺ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (٦)، وروي في خبر آخر أن النبي ﷺ قال: "ليس في الجارة ولا في الثجة ولا في الكسعة صدقة" (٧) والجارة الخيل والثجة الدقيق والكسعة الحمير لأنها تقتني للزينة والتجمل لا للنماء كالبغال.
باب المبادلة بالمشاشية
قال (٨): وإذا بادَلَ إبٍلًا أو غَنَمًا بغَنَمٍ.
стр. 1150
الفصل
وهذا كما قال: كل مال يجب في عينه الزكاة كالإبل والبقر والغنم، والأثمان فبادله بنصاب يجب فيه الزكاة استأنف الحول سواء كانا جنسًا واحدًا إبلًا بإبل أو بقرًا ببقر أو جنسين كإبل ببقر أو بقر بغنم أو ذهب بفضة، وقال أبو حنيفة: إن كان ذلك ي الأثمان لا يستأنف الحول، وإن كان في غير الأثمان استأنف الحول وهذا على أصله أن وجوب الزكاة في الأثمان في معانيها لا في أعيانها ولهذا [٩٦ أ/٤] قال يضم الذهب إلى الفضلة، وقال مالك: إن بادل جنسًا بجنس آخر يستأنف الحول، وإن بادل جنسًا بجنسه يبنى على الحول الأول وهذا غلط، لأنه بادل ما يجب الزكاة في عينه بما تجب الزكاة في عينه فوجب أن يستأنف الحول قياسًا على موضع الوفاق ولو بادل بعض النصاب بمثله حتى كان الباقي في ملكه أقل من النصاب انقطع الحول، وقال أبو حنيفة: لا ينقطع الحول بناء على أصله أن نقصان النصاب في خلال الحول لا يضر وأن المستفاد يبني على حول الأصل.
فرع
اختلف أصحابنا في مال الصيارفة فمنهم من قال يستأنفون الحول كلما بادلوا دراهم بدنانير وهو الصحيح، ونص في "الأم": على استئناف الحول ولم يفرق بين الصيارفة وغيرهم، وقال ابن سريج في هذا بشروا الصيارفة في أنه لا زكاة عليهم والتعليل ما ذكرناه ويؤكده أن الحلاب إذا اشترى بدراهم أربعين شاة استأنف الحول، وإن كان ذلك عارية لا يختلف المذهب فيه ومنهم من قال: لا ينقطع حولهم بالمبادلة لأن مقصودهم التجارة، فالنقود في حقهم كالعروض للتجارة لسائر الناس، قال في "الشامل": وهذا ظاهر المذهب وهذا غلط، لأنا لو أوجبنا الزكاة هاهنا بحول الأصل يوجب في عين المال [٩٦ ب/٤] بخلاف مال التجارة، وقال القفال وأبو حامد: هذا مبني على أصل وهو أنه إذا اجتمعت زكاة العين وزكاة التجارة هل تغلب زكاة العين أم زكاة التجارة قولان فإن قلنا: يغلب زكاة التجارة فلا ينقطع الحول هاهنا، لأن حول التجارة لا ينقطع بالمبادلة، وإن قلنا: تغلب زكاة العين ففيه وجهان، إحداهما: ينقطع، والثاني: لا ينقطع لأنه عدم بالمبادلة شرط زكاة العين وهو دوام الملك في العين حولًا كاملًا فصار إلى زكاة التجارة كما لو كان له ثلاثون من الغنم للتجارة وبلغت قيمتها نصابًا يجب زكاة التجارة قولًا واحدًا والله أعلم.
مسألة: قال (١): وأكرَهُ الفِرَارَ منَ الصَّدَقَةِ.
وهذا كما قال: إذا قارب تمام الحول أو لم يقارب فأراد أن يسقط الزكاة عن نفسه ببيعه فهذا فرار من الصدقة فيكره ذلك فإن فعل فالبيع صحيح ولا يكون عاصيًا به،
стр. 1151
وقال مالك وأحمد: هو محرم ولا يسقط فيه الصدقة وهذا غلط، لما قال الشافعي، وإنما تجب الصدقة بالملك والحول لا بالفرار يعني أن النبي ﷺ قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وهذا المال بعد المبادلة لم يحل عليه الحول، وإن لم يقصد به الفرار بل كله أو بعضه بحاجة من قضاء دينه أو أهداه لم يكره [٩٧ أ/٤] ولا زكاة بلا إشكال.
مسألة: قال (١): "ولو رَدَّ إحداهما بعيبٍ قَبْلَ الحَوْلٍ".
الفصل
وهذا كما قال: المبادلة في الحقيقة هي بيع يثبت فيه الرد بالعيب فإذا تراد بعيب أو غيره استأنف كل واحد منهما حوله من ذلك الوقت لتبدل الملكين وهذا لأن الرد بالعيب هو فسخ في الحال، وليس بدفع للعقد من الأصل، وقال أبو حنيفة: إن رد بالعيب وإن وجد العيب بعد تمام الحول فإن كان أخرج الزكاة من غيرها كان له الرد بالعيب قولًا واحدًا سواء قلنا: إن الزكاة في الذمة أو قلنا: إنها في العين ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر: أنه لا يرد إذا قلنا: إن الزكاة في العين لأنه زال ملكه ثم عاد الملك بأداء الزكاة من غيرها كما لو اشترى وباع ثم ملك ثم وجد عيبًا قديمًا لا يرد في أحد الوجهين وهذا لا يصح، لأنه استدرك الظلامة بالبيع ولم يستدرك هاهنا، وقد تحقق زوال الملك هناك حتى لا يعود إلا بالرضا من آخر أو بسبب يوجب الملك وهاهنا لا يتحقق لأن له أداء الزكاة من موضع آخر، وقال القفال: إن قلنا: إنَّ الزكاة في الذمة أو تتعلق بالعين تعلق الجناية فله الرد كما لو رهنه ثم فكه ثم وجد به عيبًا آخر أو جنى العبد ففداه السيّد ثم وجد به عيبًا [٩٧ ب/٤] فله الرد فإن قلنا: على معنى الشركة ففيه وجهان، إحداهما: الرد لأن هذه الشركة لا تتحقق على ما ذكرنا، والثاني: لا يرد لأنه زال ملكه عن شاة لا بعينها ثم عاد ملكها، ومن أصحابنا بخراسان من قال: وإن قلنا: يتعلق تعلق الجناية وجهان أيضًا، لأن في مسألة الجناية وجهين وهو ضعيف، فإذا قلنا: يرد رد الكل واستأنف الحول فيما عاد إليه وإذا قلنا: لا يرد شيئًا هاهنا قولًا واحدًا سواء قلنا: الصفقة تفرق أو لا تفرق لأن التي سقط ردها بالعيب غير متعينة فلا يمكن رد ما عداها ويمتنع الرد في الكل، ومن أصحابنا من قال: يرد ما عدا الزكاة إذا قلنا: الصفقة تفرق وهو غلط ظاهر وإن كان قد أخرج الزكاة من عينها قال الشافعي: لم يكن له ردها ناقصة كما أخذه ويرجع بأرش العيب من أصل الثمن وهذا إذا قلنا: إن الصفقة لا تفرق، فأما إذا قلنا: إن الصفقة تفرق رد ما بقي بقسطه من الثمن فحصل قولان فإن اختلفا في قيمة التالف قال الشافعي القول قول البائع لأنه هو المأخوذ منه الثمن، قال الربيع: في قول آخر: إن القول قول المشتري لأنَّ الشيء تلف في يده فكان القول قوله، والأول أصح، وأجود فإذا قلنا: لا يرد يرجع [٩٨ أ/٤]
стр. 1152
بأرش العيب كما نص عليه هاهنا لأنه لحقه الضرر بالعيب والرد متعذر في الحال وهذا دليل لأحد الوجهين في مسألة اختلف فيها أصحابنا وهي أن الرجل إذا اشترى عبدًا ومات وخلف اثنين فوجدا بالعبد عيبًا فأراد إحداهما رد نصيبه بالعيب وأبى الآخر هل لمريد الرد وجهان، فإذا قلنا: ليس له ذلك هل يرجع بالأرش لهذا النص فإنه أثبت له الأرش مع توهم العود إلى ملكه، ومن أصحابنا من قال: إن تلفت الشاة في يد المساكين يرجع بالأرش، وإن كانت باقية لا ترجع بالأرش لأنه لا ييأس من الرد لتوهم رجوع الشاة المخرجة إلى ملكه فيتمكن من رد الكل وهذا اختيار كثير من أصحابنا، وإن لم يكن إخراج الزكاة أصلًا لا منها ولا من غيرها وأراد ردها ليس له ذلك لأن بعضها مستحق لغيره أو مرتهن بحق غيره كما لو رهن المبيع ثم وجد به عيبًا لا يرد وهو ظاهر "المختصر"، قال: لم يكن له ردها ناقصة عمَّا أخذه، ومن أصحابنا بخراسان من قال: إذا قلنا: إن الزكاة في الذمة له ردها لأنه ردها كما أخذ وهذا غلط، لما ذكرنا وأيضًا لا يؤمن أن يتعلق به الساعي فيأخذ منه الزكاة إذا لم يقدر على المشتري فهو عيب [٩٨ ب/٤] من هذا الوجه.
فرع
لو رضي البائع بها فردها عليه صح ويطالب الساعي المشتري بزكاتها لأنها وجبت عليه في ملكه نص عليه في "الأم" (١)، فإنه لم يقدر على المشتري قد ذكرنا.
فرع آخر
لو وجد عيبًا بعد الحول فبادر إلى إخراج الزكاة من غيرها عند ظهور العيب حتى يتخلص عن حق الغير ولم يتطاول الزمان هل له الرد فيه وجهان، إحداهما: يرد لقرب الوقت ووجود الرد عقيب العيب، والثاني: لا يرد لأن إخراج الزكاة هو اشتغال بغير الرد وهذا كله إذا كانت المبادلة صحيحة، فإن كانت المبادلة فاسدة فكل واحد منهما يزكي مال نفسه لأن ملكه لم يزل وهو قادر على انتزاعه من يد صاحبه، وإن كان قد سلم إليه ويخالف المغصوب لأنه محول دونه بيدٍ غالبةٍ، وقال أبو حنيفة: إذا باع وأقبض انقطع حول بناء على أصله أن البيع الفاسد يوقع الملك إذا اتصل بالقبض.
فرع
ذكره بعض أصحابنا بخراسان أنه لو أسامها المشتري بشرًى فاسد هل يلزم فيها الزكاة؟ وجهان: كالغاصب فإذا قلنا: يلزم هل يرجع على المشتري بها وجهان، بناء على الحلال إذا حلق شعر المحرم تلزم الفدية وهل يغرمها المحرم ثم يرجع بها على الحالق أم يطالب [٩٩ أ/٤] الحالق بها ابتداء قولان، وفي هذا نظر.
مسألة: قال (٢): ولو حَالَ الحوْلُ عَلَيْهَا ثمَّ بادَلَهَا أو بَاعَهَا.
стр. 1153
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له مال يجب الزكاة في عينه فباعه رب المال بعد وجوب الزكاة فيه هل يصح البيع في الكل أم في البعض؟ هذه المسألة هي مبنية على أصلين، إحداهما: أن تجب الزكاة وقد ذكرنا ذلك، والثاني: تفريق الصفقة فإذا جمعت بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز بطل البيع فيما لا يجوز وهل يجوز في الباقي قولان، فإذا تقرر الأصلان رجعنا إلى المسألة فلا يخلو إما أن يبيع الكل أو يبيع البعض فإن باع الكل اختلف أصحابنا في ترتيب المسألة فقال ابن أبي هريرة: إن قلنا: إن الزكاة في العين لا تجوز في قدر الزكاة لأن المساكين ملكوا ذلك القدر فقد باع ملك الغير بلا إذن وهل يجوز في الباقي قولان، بناء على تفريق الصفقة فإذا قلنا: يفرق يجوز في الباقي، وإذا قلنا: لا يفرق لا يجوز في الباقي فإذا قلنا: يجوز فالمشتري بالخيار بين أن ينقص البيع لنقصانه وبين أن يجيزه فإن أجاز بكم نأخذ قولان إحداهما: بكل الثمن، والثاني: بحصته من الثمن وعلى هذا هل يثبت للبائع الخيار لانتقاض الثمن،؟ وجهان، وإن [٩٩ ب/٤] قلنا: الزكاة في الذمة فإن أخرج الزكاة من غيرها صح البيع في الكل وإن أخرجها منها بطل البيع في ذلك القدر وهل يبطل فيما عداه قولان، على ما قدمناه، وقال أبو إسحاق: إن قلنا: الزكاة في العين هل يصح البيع في قدر الزكاة قولان إحداهما: باطل لما ذكرنا وعلى هذا لو أخرج البائع الزكاة من غيرها لا يصح البيع لأنه ملكها من هذا الوقت فلا يصح البيع السابق الذي صادف ملك غيره وهل يصح البيع في الباقي؟ قولان، بناء على تفريق الصفقة.
والثاني: وبه قال أحمد البيع جائز لأن المساكين لم يملكوا ملكًا مستقرًا وهو على ملك رب المال، ولهذا له أن يدفع إليهم حقهم من موضع آخر من غير رضى أحد فإن أدى الزكاة من غيره علمنا أن ملكه لم يزل عن شيء منه، وإن البيع صحيح ولا خيار للمشتري لأنه بمنزلة عيب وجده ثم ارتفع ذلك قبل فسخ البيع وهذا القول هو الذي نص عليه هاهنا، وإن قلنا: إن الزكاة في الذمة والعين مرهونة بها ففيه قولان مخرجان إحداهما: البيع في مقدار الزكاة باطل لأنه بمنزلة من باع شيئًا مرهونًا ثم قضي الدين لا يصح البيع حتى يجدده بعد فك الرهن، والثاني: أنه صحيح لأن حق المساكين [١٠٠ أ/٤] تعلق بغير اختيار رب المال، فلا يمنع صحة البيع كبيع العبد الجاني يجوز في أحد القولين، وعلى هذا يكون موقوفًا فإن أدّى من غيره تم البيع وإن أدى من غيره بطل البيع في قدر الصدقة وهل يبطل في الباقي قولان، بناء على تفريق الصفقة فسّوى أبو إسحاق بين القول الذي يقول: الزكاة في العين والقول الذي يقول: الزكاة في الذمة في أن في إفساد البيع في قدر الزكاة قولين، وقال بعض أصحابنا: إذا جوّزنا البيع ثم أدى الزكاة من عينها أبو بطل البيع في مقدار الزكاة لا يبطل في الباقي قولًا واحدًا لأن هذا فساد طرأ بعد صحة العقد والفساد الطارئ بعد القبض هل يجعل في حكم الفساد الموجود عن العقد وجهان، فإن قلنا: لا يجعل يصح البيع هاهنا في الباقي قولًا
стр. 1154
واحدًا، ومن أصحابنا بخراسان من قال: في محل الزكاة طريقان إحداهما: قولان إحداهما: تجب في الذمة ولها تعلق بالعين، والثاني: يتعلق بالعين وفي كيفيته ثلاثة أقوال، أحدها: على معنى الشركة، والثاني: كتعلق الجناية، والثالث: كتعلق حق المرتهن بالرهن، والطريقة الثانية ذكرها ابن سريج قول واحد يتعلق بالعين وفي كيفيته قولان، فإما أن تجب في [١٠٠ ب/٤] الذمة فليس بمذهب الشافعي هذا إذا كانت الزكاة من جنس المال فإن كانت من جنس آخر كالشاة في خمس من الإبل فإن قلنا هناك أنها تجب في الذمة فهاهنا أولى وإلا فقولان فإذا قلنا: في الذمة فبيع كل المال لصح وللمشترى الخيار فلو أخرج رب المال الزكاة من موضع آخر هل يسقط خياره قولان، إحداهما: يسقط لأنه لم يزل ملكه. والثاني: لا يسقط لأنه يقول لا آمن أن أخرج ما أخرج مستحقا فيرجع إلّي الساعي ويأخذ من الواجب وإن قلنا يتعلق بالعين على معنى الشركة بطل البيع في قدر الزكاة قولًا واحدًا وهل يبطل في الباقي قولًا تفريق الصفقة إلا أنَّ الصحيح هاهنا أنَّ يبطل في الباقي قولًا تفريق الصفقة إلى أنَّ الصحيح هاهنا أنَّ يبطل في الكل لأن الواحد المستحقة هي غير متعينة، وإن قلنا: كتعلق أرش الجناية هل يصح البيع في قدر الزكاة قولان، كبيع العبد الجاني فإذا قلنا يصح له الخيار فلو أخرج من موضع آخر هل يسقط خياره قولان، على ما ذكرنا. وإن قلنا كتعلق حق المرتهن لا يصح البيع في قدر الزكاة قولًا واحدًا وهل يبطل في الباقي على ما ذكرنا وهذا كله في المواشي فأما المعشرات فكل موضع أجزنا البيع في المواشي فهاهنا أولى وكل موضع أبطلنا البيع هناك فهاهنا قولان بناء على التعليلين [١٠١ أ/٤] في منع تفريق الصفقة فإن قلنا: العلة أن اللفظة الواحدة جمعت حرامًا وحلالًا فغلب الحرام لا يجوز هاهنا أيضًا في الكل وإن قلنا إن العلة أنه يؤدي إلى جهالة الثمن حالة العقد يجوز هاهنا لأن ما يقابل قدر الزكاة من الثمن معلوم وهو العشر فإن الأجزاء لا يختلف ثمنها.
فرع
لو وجبت الزكاة في ماله فباع بعضه فإن قلنا بيع الكل يجوز فهاهنا أولى أن يجوز وإن قلنا لا يجوز هناك فهاهنا وجهان، إحداهما: يجوز لأن قدر الزكاة غير مبيع. والثاني: لا يجوز لأن حق المساكين متعلق بكل المال وشائع فيه لا يختصر ببعض دون بعض كحق الجناية يشيع في رقبة العبد وهذا أصح عندي.
فرع آخر
لو وجبت الزكاة في أربعين شاة فقال بعتك هذه الأربعين إلا شاة منها ولم يشر إليها فإن اختلفت الشياه فالبيع باطل للجهل وإن تساوت في الأسنان وتقاربت في الأوصاف ففيه وجهان، إحداهما: يجوز البيع لأنَّها إذا كانت بهذا الوصف شابهت الحبوب. والثاني: وهو الأظهر لا يجوز لأنها تختلف في السمن والحبوب متماثلة الأجزاء. وهذان الوجهان هما مخرجان من اختلاف قولي الشافعي في جعل إبل الدية صداقا
стр. 1155
ذكره في "الحاوي" (١).
مسألة: قال (٢): ولو [١٠١ ب/٤] قال أصدقها أربعينَ شاةٍ.
الفصل
وهذا كما قال إذا أصدق امرأته أربعين شاة معينة فقبضتها أو لم تقبضها فقد ملكتها بعقد النكاح ملكًا صحيحًا فإذا حال الحول عليها وهي في يدها أو في يده وجبت عليها فيها شاة، وقال أبو حنيفة لا زكاة في الصداق غير المقبوض لا عليها ولا على الزوج قبل الدخول ووافقنا أنه لو اشترى أربعين شاة فلم يقبضها حتى حال الحول وهي في يد البائع تجب الزكاة فيقيس عليه. ومن أصحابنا من قال في المبيع قولان كالمال المغصوب لأنه لا يتمكن من التصرف فيه وهذا غلط لأنه يمكن التصرف فيه بدفع الثمن كالوديعة، فليس فيه إلا قول واحد وحكي عن القفال أنه قال: لا زكاة فيه قولًا واحدًا لأنه ناقص الملك فيه بدليل أنه لو تصرف فيه بإذن البائع أو أذن للبائع بالتصرف فيه لا يجوز بخلاف المغصوب فإنَّه لو أذن المالك الغاصب بالتصرف فيه يجوز، وكذلك لو باعه ممن تقدر عليه يجوز وهذا خلاف النص. فإذا تقرر هذا فلو طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف الغنم فإن كانت المرأة أخرجت الشاة من غيرها رجع بنصفها قولًا واحدًا. فإن قيل: قلتم إذا وهب لابنه شيئًا فخرج عن ملكه ثم عاد إليه [١٠٢ أ/٤] ملكها لما أخرجت الزكاة من غيرها قيل: هاهنا لو قلنا لا يرجع بنصفها فلا حاجة أن يرجع بنصف قيمتها والعين أقرب إلى حقه من القيمة لأن طريق القيمة هو الاجتهاد وقد يخطئ المجتهد ويصيب فكانت العين أولى وليس كذلك الواهب لأنَّه إذا لم يرجع لم يحتج أن يرده إلى القيمة فافترقا، ولأن حق الزوج في الرجوع لأنه لو تلفت العين لا يسقط حقه وحق الوالد يسقط بالتلف فافترقا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا تتعلق الزكاة على طريق الشركة هل يبطل حقه من العين وجهان، بناًء على ما لو زال ملكها ثم عاد الملك إليها ثم طلقها هل ترجع بنصف العين وجهان، ألا أن الشاة التي أعادها إلى ملكه غير متعينة فأحد الوجهين حقه في نصف قيمة الكل. والوجه الثاني: حقه في نصف العين باق وإن أخرجت الشاة منها فبماذا يرجع عليها، فاعلم أن الشافعي قال: في رجل أصدق امرأته عبدين فهلك إحداهما ثم طلقها بماذا يرجع قولان، إحداهما: يرجع بالموجود ويكون التالف من ملكها. والثاني: نقله الربيع أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف. وقال لو أصدقها إناءين فانكسر إحداهما [١٠٢ ب/٤] ثم طلقها قبل الدخول فيه قولان، إحداهما: يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف أو يرد ويأخذ نصف القيمة من الموجود والتالف، فحصل في مسألتنا ثلاثة أقوال: أحدها: يرجع الزوج بعشرين شاة وهو ظاهر النص هاهنا وهذا إذا كانت قيمة الشياه متساوية، فأما إذا تفاوتت فإنه يرجع بنصف الشياه من الموجودة على التقسيط
стр. 1156
بالقيمة. والثاني: يرجع بتسع عشرة شاة ونصف شاة ونصف قيمة شاة وهي التي أخرجتها لأن الصداق كله لو كان موجودًا لأخذ نصفها، ولو كان مفقودًا كله لأخذ نصف قيمتها فإذا كان بعضه موجودًا وبعضه تالفًا يكون حكم كل واحد منهما كما لو انفرد. والثالث: أنه بالخيار بين أن يرجع بنصف قيمة الجميع ويترك الكل أو يرجع بنصف الموجود من الشياه ونصف قيمة التالف لأنه قد مضت الصفقة عليه فكان الخيار وإن طلقها ولم يكن أخرجت الزكاة منها ولا من غيرها واقتسماها نصفين فإن قلتا إن الزكاة استحقاق جزء من العين فهي بمنزلة المال بين ثلاثة شركاء اقتسمه شريكان دون الثالث فلا تصح القسمة فعلى هذا يصير كأنهما لم يقتسما ويصير الحكم موقوفًا على أداء الزكاة منها أو من [١٠٣ أ/٤] غيرها على ما بيناه. وإن قلنا إن الزكاة تجب في الذمة والمال مرهون بها فالقسمة صحيحة لأن قسمة المال المرهون تصح إذا لم يدخل بها ضرر على المرتهن وليس على الفقراء ضرر في ذلك فإذا جاء الساعي أخذ من نصيب المرأة لأنها وجبت عليها فإن لم يجد في يدها شيئًا ووجد في يد الزوج ما أخذه فإنه يأخذ منه شاة لأن الجميع كان مرهونًا به، فإذا أخذها فهل تبطل القسمة وجهان، إحداهما: لا تبطل وهو الصحيح لأن هذا الاستحقاق طارئ بعد القسمة الصحيحة فعلى هذا يرجع الزوج عليها بقيمة الشاة. والثاني: تبطل القسمة لأنه استحق ذلك بسبب سابق فيصير الاستحقاق حال القسمة فتبطل القسمة ويصير كأنه وجد تسع عشرة شاة. فالحكم على ما ذكرنا ولو طلقها قبل الدخول قبل عام الحول ولكن لم يقتسما حتى تم الحول فعليها نصف شاة لأن ما بقي بها كان مخالطًا في بعض الحول بملكها وفي البعض بملك الزوج. والزوج يستأنف حولًا من يوم عاد إليه النصف بالطلاق، وهكذا لو أصدقها نصابًا من سائر ما يجب في عينه الزكاة.
فرع
لو أصدقها أربعين شاة بغير أعيانها لا صدقة عليها لأنه لا زكاة [١٠٣ ب/٤] في الحيوان إلا بشرط السوم وذلك لا يوجد فيما في الذمة. ولو أصدقها نصابًا من النقد فحال الحول وجبت الزكاة عليها لأنه يثبت في الذمة على الوصف الذي يجب فيه الزكاة فكان كالغير.
باب رهن الماشية
قال: ولو رَهَنَ ماشِيةً وجَبتْ فيها الزَّكَاةُ.
هل يصح الرهن في مقدار الزكاة؟ فعلى قول أبى إسحاق قولان: سواء قلنا: أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة. وعلى قول ابن أبي هريرة: إن قلنا: إنها تتعلق بالعين لا يصح الرهن، وإن قلنا: إنها تجب في الذمة فإن أخرج الزكاة من غيرها جاز الرهن وإن أخرجها منها بطل الرهن في قدر الزكاة وقيل يبطل في الباقي. إن قلنا: إن الصفقة تفرق لا يبطل في الباقي وإن قلنا: لا تفرق، فإن قلنا: إن العلة الواحدة جمعت حرامًا.
стр. 1157
وحلالًا بطل الرهن في الكل ولا فرق بينه وبين البيع، وإن قلنا: إن العلة في جهالة الثمن فلا يكون في الرهن ثمن فيصح عقد الرهن في الباقي، فحصل هاهنا على أحد القولين قولان، فإذا قلنا الرهن صحيح في الكل نظر فإن كان للراهن مال غيرها كلف إخراج الزكاة من غيرها حتى يسلم للمرتهن جميع الرهن [١٠٤ أ/٤] وتجري الزكاة مجرى مؤن الرهن فكما أن سائر المؤن على الراهن فكذلك الزكاة عليه يخرجها من سائر ماله، وقيل يؤخذ من الرهن وإن لم يكن له مال غيرها فإن الزكاة تؤخذ من الرهن. فإذا أخذت منه انتقص الرهن فيه والباقي يكون رهنا بحالة، وإذا قلنا: إن الرهن باطل في الكل فإن كان الرهن في عقد البيع هل يبطل البيع قولان، إحداهما: يبطل. والثاني: لا يبطل ولكن للبائع الخيار إن شاء أجاز البيع بلا رهن وإن شاء فسخ البيع لأنه لم يسلم له ما شرط من الرهن. وإذا قلنا الرهن باطل في قدر الزكاة فالحكم على ما بيناه إذا كان الرهن باطلًا في الكل إلا أنا إذا جوزنا البيع نخيره بين أن يفسخ البيع وبين أن يجيزه بما بقي من الرهن. ومتى أثبتنا له الخيار في فسخ البيع فأدى الزكاة من موضع آخر هل يبطل الخيار. قال القفال: إن قلنا: إنه يتعلق بمعنى الشركة لا يبطل خياره وإن قلنا بمعنى الجناية أو بالذمة سقط خياره وإن كان الرهن بدين في الذمة فبطلانه أنه لا يؤثر في الدين بحال.
مسألة: قال (١): ولو حالَ عليها حَوْلٌ وجَبَتْ فيها الصَّدقَةُ.
وهذا كما قال إذا رهنها قبل وجوب [١٠٤ ب/٤] الزكاة ثم تم الحول في يد المرتهن وجبت الزكاة فيها لأن الرهن لا يمنع وجوب الزكاة وهذا على القول المشهور أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة. ثم إن كان له مال غيرها فإن قلنا الزكاة هي استحقاق جزء من العين فالزكاة مقدمة على حق المرتهن لأن حق المرتهن يتعلق بالذمة والمال مرهون به فاختصاص الزكاة بالعين أكثر فكانت مقدمة. وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة والمال مرهون بها فهنا استويا في كيفية التعلق بالعين فاختلف أصحابنا فيه منهم من قال: حق المرتهن معدوم لأنه سابق، ومسألة الأقاويل إذا لم يكن حق الآدمي سابقًا فأما إذا كان سابقًا فله مزية فيقدم، وقال في "الإفصاح": فيه ثلاثة أقاويل، أحدها: يقدم حق الله تعالى. والثاني: يقدم حق الآدمي. والثالث: يقسط على قدر الحقين كالدينين لآدميين. قال ويدل على هذا أن الشافعي قال في "الأم" فإن حلت الصدقة ولم يؤخذ له مال كان فيها قولان، إحداهما: تباع الإبل فيأخذ صاحب الرهن حقه فإن فضلا منها فضل أخذت منه الصدقة وإلا كان دينًا عليه حتى أيسره أدّاه. والثاني: يبعث في الصدقة وكان لمرتهنها الفضل [١٠٥ أ/٤] عن الصدقة وبهذا أقول هذا لا يجوز أن يكون إلا على القول الذي يقول الزكاة في الذمة فإذا ذكر الشافعي فيه قولين وجب أن يذكر القول الثالث في حق الله تعالى وحق الآدمي إذا اجتمعا أنهما سواء وأما سائر
стр. 1158
الغرماء لا يشاركون المرتهن ولا الزكاة في هذه العين لأن حقوقهم لا تتعلق بها.
فرع
إذا كان معسرًا فأدى الزكاة من عين المرهون ثم استفاد مالًا هل يغرم الراهن للمرتهن ويكلف أن يأتي بقدر الزكاة فيجعله رهنًا مكان ما أخرج؟ فإن قلنا: الزكاة في الدَّية والمال خالٍ أو المال كالمرهون فيلزمه بدله ويكلف ذلك لأن حق المرتهن أسبق وإن قلنا في العين ففيه وجهان كالوجهين في الزكاة إذا أخرجت من مال القراض يحسب ذلك من الربح كسائر مؤن المال أو يحسب ذلك على رب المال حتى يجعل كأنه استرد طائفة من المال فإن قلنا: من الربح لم يكلف الراهن هاهنا عوضًا وإن قلنا: على رب المال فها هنا يكلف ذلك وكذلك إن قلنا: الزكاة تلزم على الشركة أو هي لحق الجناية لا يغرم بدله لأن حق المال والجناية يتقدم على الرهن، ثم قال الشافعي (١): فإن كانت إبلًا فريضتها من الغنم بيع منها [١٠٥ ب/٤] فاستوفيت صدقتها يعني من الغنم وهذا دليل على أنه لو أراد أن يتبرع فيعطي منها بعيرًا فإنه لا يجوز لتعلق حق المرتهن بها ثم قال وكان ما بقيت رهنًا أي: ما فضل عن ثمن البعير المبيع رهن بجميع الحق مع الباقي من الرهن ثم قال: وما نتج منها خارج من الرهن وأراد به خلاف قول أبي حنيفة: فإن عنده أن ولد المرهون رهن وموضعه كتاب الرهن، ثم قال: ولا تباع ما خص منها حتى تضع إلا أن يشاء الراهن لأن الحق في ذلك له وهذا أيضًا هو من كتاب الرهن وجملته أن في الحمل قولين، إحداهما: أنه يجري مجرى السن لا يأخذ قسطًا من الثمن. والثاني: أنه يجري مجرى الزيادة المنفصلة يأخذ قسطًا من الثمن. فإذا قلنا بالأول يباع في حق المرتهن، وإذا قلنا بالثاني ينظر فيه إن كان قد رهنها حائلًا ثم حملت عنده لا تباع حتى تضع إلا أن يشاء المرتهن لأن استثناء الحمل لا يمكن وبيعه لا يجوزه لأنه لم يدخل في الرهن وإن كان قد رهنها حاملًا فالحمل دخل في الرهن ووجب بيعه مع الأم في حق المرتهن فخرجت من هذا أربع مسائل، مسألتان لا يختلف القول فيهما وهو إذا رهن وهي حامل [١٠٦ أ/٤] وحل الحق وهي حامل تباع مع الحمل قولًا واحدًا. وإذا أحبلت بعد الرهن وولدت ثم حل الحق فالولد لا يباع في حقه قولًا واحدًا ومسألتان فيهما قولان إذا رهن وهي حامل وولدت، وإذا رهن وهي حائل وحل الحق وهي حامل ففيها قولان.
باب زكاة الثمار
قال (٢) أخبرنا مالكُ بن أنس ..... الخبر.
وهذا كما قال الأصل في وجوب الزكاة في الثمار، الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ﴾ إلى قوله ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
стр. 1159
وأما السنة: فما روى أن النبي ﷺ قال: "ما سقت السماء ففيه العشر" (١)، وروي أن النبي ﷺ قال: "ليست فيما دون ستة أوسق من التمر صدقة".
وأما الإجماع: فلا خلاف فيه فإذا تقرر هذا فلا يجب العشر فيها ما لم يبلغ نصابًا والنصاب خمسة أوسق من التمر لا من الرطب. فإذا بلغ قدرًا إذا شمس يكون مشمسه خمسة أوسق، فقد وجب النصاب ولا يعتبر أن يبلغ ذلك حال وجوب الزكاة لأنها تجب ببدو الصلاح وفي الزرع بالاشتداد بل يعتبر أن يبلغ ذلك حالة الادخار، والوسق ستون صاعًا هكذا روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ [١٠٦ ب/٤] أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، والوسق ستون صاعًا" (٢) فتكون خمسة أوسق ثلثمائة صاع كل صاع أربعة أمداد يكون ألفا ومائتي مد والمد رطل وثلث فيكون ألفا وستمائة رطل ويكون ثمانمائة منًا بالبغدادي فإن نقص عن ذلك فلا زكاة وبه قال ابن عمر وجابر ﵄ ومالك والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يعتبر النصاب في المعشرات أصلًا ويجب العشر في قليلها وكثيرها إلا أن فيما دون خمسة أوسق لرب المال أن يفرق عشره بنفسه ولا يدفعه إلى الإمام بخلاف ما إذا بلغ خمسة أوسق فإنه يلزمه دفع عشرها إلى الإمام. وقال داود: ما يوسق من مكيل أو موزون فلا زكاة فيه ما لم تبلغ خمسة أوسق وما لا يوسق يجب العشر في قليله وكثيره والدليل على أبي حنيفة ما ذكرنا من الخبر والدليل على داود أن ما لا يوسق لا تعظم منفعته فإنه لا يقتات فلا حق فيه ولو ثبت لكم الحق في بالدليل. واعتبر الوسق فيما يصف أعلى منه فلأن يعتبر فيما هو أدون منه أولى فإذا تقرر هذا هل هو بقريب أم تحديد اختلف أصحابنا فيه. قال أبو حامد: هذا الذي حققه أصحابنا من اعتبار الوزن معناه إذا وافق الوزن الكيل وكان كل صاع خمسة أرطال [١٠٧ أ/٤] وقلنا بالبغدادي فأما ما يختلف كيله ووزنه مثل أن يكون التمر مكتنزًا .... (٣) فيكون ألفا وستمائة رطل منه دون ثلاثمائة صاع فلا زكاة فيه ولو كان خفيفًا يكون ثلاثمائة صاع منه كيلًا دون ألف وستمائة رطل يلزم الزكاة فيه لأن الأصل فيه المكيل قال ﷺ : "المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة" (٤)، وهذا يدل على أنه على التقريب في الوزن وعلى التحديد في المكيل وهو اختيار القاضي الطبري، وهذا لأن النبي ﷺ قدرها بخمسة أوسق ومقدارها كان معلومًا عندهم على ما ذكرنا فوجب تقديره بها كما وجب تقدير الدراهم بخمس أواق، ومن أصحابنا من قال: هو تقريب فإن نقص منه شيء يسير لم تسقط الزكاة، وهذا لأن الوسق حمل الناقة عندهم وتقدير حمل الناقة ستون
стр. 1160
صاعًا على التقريب وهذا اختيار القفال ومشايخ خراسان ثم اعلم أنه روى عن النبي صلى الله عليه ولم أنه "نهى عن جداد الليل" (١) وهو صرام النخل ليلًا وهذا ليكون الصرام في النهار فينال الناس من ثمرها فيستحب ذلك، وحكي عن مجاهد والنخعي والشعبي أنهم قالوا تجب الصدقة من الزرع والثمار وقت الصرام والحصاد ثم يجب [١٠٧ ب/٤] العشر بعد التصفية لقوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وهذا غلط لقوله ﷺ "ليس في المال حق سوى الزكاة"، وأراد بالآية الزكاة والاستحباب.
مسألة: قال (٢): والخليطانِ في أصلِ النَّخلِ يُصدقانِ صَدَقَةَ الواحدِ.
وهذا كما قال: إذا كان له أقل من النصاب قد ذكرنا أنه لا زكاة عليه فإن كانت له خلطة مع آخر وتم نصيبها نصابًا فقد ذكرنا في الخلطة فيما عدا المواشي قولين والمشهور ما ذكر هاهنا أنه يثبت حكمها في الزكاة فإذا تقرر هذا فرّع الشافعي على هذا مسألة: وهي أن الرجل إذا مات وخلف نخلًا فورثه ورثته واقتسموا الثمرة بعد وجوب الزكاة فنفرض المسألة فيه إذا مات وخلف اثنين ونخلتين فورثاهما حتى تتضح المسألة فإذا ورثا نخلتين وهما مثمرتان أو كانتا غير مثمرتين فأثمرتا فالثمرة مشتركة بينهما فإن قلنا: إن الخلطة لا تصح بكل واحد منهما يخاطب بالزكاة في حقه على الانفراد فإن نصيبه نصابًا زكاة وإلا فلا زكاة وإن قلنا: إن الخلطة تصح نظر فإن اقتسما قبل وجوب الزكاة في الثمرة وهو قبل بدو صلاحها سقط حكم الخلطة ويزكيان زكاة الانفراد وإن كانا خليطين فيما قبل كما [١٠٨ أ/٤] لو كانت لهما أربعون شاة من الغنم في أول الحول ثم اقتسما قبل الحول لا زكاة على واحد منهما حتى بدا الصلاح في الثمرة نظر، فإن لم يبلغ قدر الثمرة خسمة أوسق لا زكاة، وإن بلغ خمسة أوسق ففيها الزكاة ثم القسمة هل تصح قبل إخراج الزكاة عنها على ما تقدم بيانه من البناء على القولين أنها استحقاق جزء من العين أو في الذمة من الموجود ورجع المأخوذ منه على شريكه بنصف ما أخذ منه وعلل الشافعي هذه المسألة فقال (٣): لأن أول وجوبها كان وهم شركاء أراد أن وقت وجوب الزكاة في الثمار هو عند بدو الصلاح فتلك الحالة هي بمنزلة قولان جميع الحول في النقود والمواشي فإذا تقرر هذا فقد اعترض المزني على هذا فقال: هذا عندي غير جائز في أصله لأن القسم عنده كالبيع ولا يجوز بيع الثمرة جزافًا ومع الجذوع لا يضر وإنما يضر ذلك إذا انفردت الثمرة قلنا مذهب الشافعي أن تبيع الذهب مع عرض بعرض وذهب لا يجوز وكذلك التمر بالتمر وكل ما فيه الربا مع غيره لا يجوز وهاهنا تمر وجذع بثمر وجذع فلا يجوز وإنما قال عنده وقيد به لأن عن أبي حنيفة يجوز ذلك والجواز عن هذا إنما ذكره الشافعي على القول [١٠٨ ب/٤] الذي يقول القسمة إفراز حق.