منهما أخرج زكاة كل واحد منهما بقدره، وإن لم يعرف مقداره وأراد أن يستظهر فيخرج كل ما يعلم أنه قد أدّى الواجب أجزأه، والاستظهار أن يخرج من كل واحد منهما أكثر ما يتوهم مثل أن يكون للكل وزن ألف درهم ويحتمل أن وزن خمسمائة منها فضة وخمسمائة ذهب ويحتمل أن وزن ستمائة فضة وأربعمائة ذهب فلا يكفي في الاحتياط أن يجعل قدر الشك ذهبًا فيخرج زكاة خمسمائة ذهبًا وخمسمائة فضة لأن عندنا لا تجزي القيمة في الزكاة ولا يجزي الذهب من الفضة، وان أخرج منه بوزن الفضة بل الاحتياط بقدر وزن خمسمائة وستمائة وإن لم يفعل ذلك .... (١) بالنار ليخرج من كل واحد منهما ما وجب وفي مؤنة السبك وجهان، إحداهما: من وسط المال لأن المساكين يتزكانه في المال قبل السبك فلم يجز أن يختص بمؤنته دونهم، والثاني: وهو الأظهر المؤنة على رب المال لأنه لا يمكن أخذ الزكاة إلا بها فهي كأجرة الحصاد في الزرع، وقال بعض أصحابنا: يمكن معرفة مقدار كل واحد منهما من غير التمييز بالنار بأحد [١٤٣ أ/ب] طريقين إحداهما: أن يأتي بإناء فيه ماء وتطرح فيه السبيكة المخلوطة فيعلو الماء لا محالة فيعلم على رأس الماء في الإناء علامة ثم يخرج السبيكة ويطرح بوزنها من النقرة الخالصة في الماء فيعلو الماء أكثر لأن الفضة أكثر جثة وأخف وزنًا ويعلم على الموضع الذي ارتفع الماء إليه علامة نم يخرج الفضة من الماء ويطرح في الإناء بقدرها ذهبًا فيعلو الماء أقل لأن الذهب هو أصغر جثة وأكثر وزنًا فتعلم على رأس الماء علامة أخرى فيحصل ثلاث علامات تعرف بمقدار تفاوت العلامات قدر كل واحد منهما، مثاله ارتفع الماء بألف مثقال فضة قدر أصح وبألف مثقال ذهب قدر ثلثي أصبع وبالمخلوط خمسة أسداس الأصبع فتعلم أن المخلوط نصفه ذهب ونصفه فضة فعلا الماء فيه نصف الإصبع بخمسمائة مثقال فضة وقدر ثلث أصبع بخمسمائة مثقال ذهب والطريقة الثانية: أن يطرح السبيكة المخلوطة في الإناء حتى يعلو الماء ويعلم على الموضع الذي ارتفع إليه علامة ثم يخرج المخلوط ويطرح فيه من الفضة الخالصة حتى يعلو الماء إلى موضع العلامة ويخرجها ويزنها نم يطرح فيه الذهب الخالص حتى يبلغ الماء إلى موضع العلامة وتخرجه وتزنه فتكون النقرة أقل [١٤٣ ب/ (٤)] من الذهب لا محالة فتعرف بقدر التفاوت قدر المخلوط مثاله ارتفع الماء إلى موضع العلامة بثمانمائة مثقال من الفضة ولما طرحنا الذهب لم يرتفع الماء إلى موضع العلامة إلا بألف ومائتين وخمسين مثقالًا فعلمنا أن كل مثقال من الفضة يشغل مكان مثقال ونصف ذهب، وان المخلوط نصفه فضة فشغل مكان سبعمائة وخمسين مثقالًا من الذهب وفيها خمسمائة ذهب.
فرع
لو كان عليه ألفين من الدراهم وليس له من أن يزن به يقضي الدين بهذا الطريق فإنه يجوز، ولو كان عليه دين من المكيلات فقض الدين بطريق الخرص فإنه يجوز، ولو
стр. 1192
باع النقرة بالنقرة بهذا الطريق فإنه لا يجوز فإنه يعتبر في الربا تقدير مخصوص، ولهذا لو باع الحنطة بالحنطة وزنًا بوزن فإنه لا يجوز.
مسألة: قال (١): ولو كَانَتْ لهُ فِضَّةٌ مَلطوخَةٌ على لجامٍ أو مُمَوَّهٌ بِهَا سَقْفُ بيته.
الفصل
وهذا كما قال: صورة السقف بالذهب والقفة حرام لأنه من السرف والخيلاء، وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز لأنه يصير تابعًا لمباح ولو فعل ذلك فإن كان متهلكًا لا يحمل منه شيء فلا زكاة فيه، وإن كان يحصل عنه شيء فالحكم فيه كالمسألة قبلها، وفي حلية اللجام كلام وظاهر [١٤٤ أ/٤] نصه هاهنا أنها محرمة وتجب الزكاة فيها.
مسألة: قال (٢): وإذا كانَ في يديهِ أقلٌ من خمسِ أواقٍ وما يُتمَّ خمَْسَ أواقٍ دينًا لَهُ أو غائبًا عَنهُ أحصَى الحاضِرَةً.
الفصل
وهذا كما قال؛ صورة المسألة أن يكون له عين ودين أو يكون له مال حاضر ومال غائب قال الشافعي: يضم بعضه إلى بعض فيذكر أولًا وجوب الزكاة في الدين .... (٣)، ثم نرجع إلى حكم المسألة، أما الدين فقال الشافعي في عامة كتبه: فيه الزكاة وقال في باب الزكاة في الدين من القديم الذي نقله الزعفراني: لا أعرف في الزكاة في الدين أمرًا صحيحًا يأخذ به ولا يتركه وأرى والله أعلم أن ليست، فيه زكاة وهذا نص منه على أن لا زكاة في الدين ولم ينقل هذه الرواية سواه من أصحابنا فمن أصحابنا من قال: فيه قولان ومنهم من قال: قول واحد، يجب فيه الزكاة فإذا تقرر هذا فالدين على ضربين، حال ومؤجل، فالحال: على ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون الدين على مليء مقربه أي: وقت طالبه دفعه إليه فتجب الزكاة فيه لأنه في ملكه، ومقدوره كالوديعة ويجب عليه إخراجها قبضه أو لم يقبضه، وقال أبو حنيفة: تجب فيه الزكاة [١٤٤ ب/٤ [ولكنه لا يلزمه إخراج ما لم يقبضه، والثاني: أن يكون على مليء باذل في الباطن جاحد في الظاهر ويخاف أن يطالبه بغير حجة ويمنعه أو على مقر ملئ مماطل مدافع لم يجب عليه إخراجها إذا حال الحول لأنه ممنوع، ولكن متى قبضه زكاه لما مضى قولًا واحدًا، وكذلك إن كان الدين على ملئ غائب، والثالث: أن يكون على مليء جاحد في الظاهر والباطن لهو كما لو كان على معسر ولو كان على معسر كان كالمغصوب فلا يجب الإخراج في الحال، وإذا رجع إليه هل يزكيه لما مضى قد بيناه من قبل، وإن كان الدين على مليء مؤجلًا إلى سنة فإذا حل الدين هل يستأنف الحول؟
قال ابن أبي هريرة: يستأنف الحول قولًا واحدًا لأن عنده الدين المؤجل غير مملوك حتى قال لو حلف لا دين لي عليه قبل حلول الأجل لا يحنث ولو حلف أنه لا يستحقه
стр. 1193
كان بارًا بالإجماع، وقال أبو إسحاق: هو كالدين الحال على معسر أو مليء جاحد فيكون على قولين والصحيح هذا لأن الدين المؤجل هو مملوك لكن تتأخر به المطالبة كما تتأخر المطالبة عند المعسر للاعتبار، والدين على أنه مملوك أنه يصح [١٤٥ أ/٤] الإبراء عنه قبل محله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا جاء الحول قبل حلول الأجل يزكي في الحال في أحد الوجهين وفي الوجه الثاني: يزكي لما مضى عند الاستيفاء وقبله لا يلزمه الإخراج وهذا غلط، وإن كان الدين غير لازم كمال الكتابة لا يلزمه زكاته لأن ملكه لم يتم عليه لأن له أن يعجز نفسه، ولو كان على مليء وله بينة أو يعلمه الحاكم فالذي يقتضيه المذهب أنه تجب الزكاة فيه، وقادت إن علمه الحاكم يجب، وإن كان ببينة لم تجب لأنه ربما لا يقبلها الحاكم وهذا غلط، لأن البينة هي حجة كعلم القاضي، وروي عن سهل بن قيس المازني أن النبي ﷺ قال: "ليس على من أسلف مالًا زكاة" (١) وقيل: المذهب أنه يلزم وهل يلزم الإخراج؟ وجهان، إحداهما: لا يلزم لأن يده قاصرة عن ماله، والثاني: يلزم لأن تأخير حقه كان برضاه ولم يوجد الرضا من المساكين، وأما المال الغائب فإن كان لا يعرف موضعه أو كان يعرف موضعه ولكن لا يصل هو إليه فهو بمنزلة المدفون الذي لا يعرف موضعه والمغصوب، وإن كان يعلم موضعه وهو مقدور [١٤٥ ب/٤] عليه مثل أن يكون مع مضاربه في بلد آخر أو في بلد آخر أو مع وكيله أو مع عبده المأذون له في التجارة، قال بعض أصحابنا: يلزمه إخراج زكاته في الحال كالوديعة نم إما أن يأمر بإخراج زكاته في بلد المال فيجزيه قولًا واحدًا أو يخرجها في بلده فتجريه في أحد القولين، وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان:
إحداهما: هذا، والثاني: أنه لا يلزمه الإخراج في الحال، فإذا استوفاه زكاه لما مضى والأول أصح.
ومن أصحابنا من قال: إن المال الغائب ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون مستقرًا في بلد تعرف سلامته فيلزمه إخراج زكاته في البلد الذي هو فيه.
والثاني: أن يكون سائرًا غير مستقر ويعرف سلامته فلا زكاة قبل وصوله إليه فإذا وصل زكاه لما مضى قولًا واحدًا.
والثالث: أن يكون سائرًا ولا يعرف سلامته فهو كالمال الضال والمعصوب فإذا تقرر هذا رجعنا إلى مسألة الكتاب إذا كان ماله عينًا ودينًا فإن كانت في يده مائة درهم عين ومائة درهم دين له على رجل أو غائب عنه، فإن كان الدين أو الغائب بحيث يلزمه [١٤٦ أ/٤] إخراج الزكاة عنه في الحال يلزمه أن يخرج من المائة في الحال، وإن كان بحيث لا يلزمه إخراج الزكاة عنه في الحال ويلزمه إذا رجع إليه في أحد القولين لم
стр. 1194
يلزمه أن يخرج الزكاة من الحاضرة ولا من الغائبة حتى يرجع إليه ثم يخرج زكاتهما، فإن قيل: كان يجب أن يقولوا: يخرج زكاة المائة الحاضرة لأن الزكاة قد وجبت عليه وإنما لا يلزمه إخراجها في الحال لتعذر الوصول إليه والمائة الحاضرة مقدور عليها فلزمه إخراج زكاتها بمقدارها، قلنا: المائة الحاضرة غير منفردة بحكمها لأنها نصاب مع المائة الأخرى فإذا لم يجب إخراج الزكاة عن إحدى المائتين كذلك لا يجب إخراجها عن المائة الأخرى ولأن هذه المائة لما كانت متصلة بالأخرى في الوجوب فكذلك في الإخراج، وقال بعض أصحابنا: وهذا إذا قلنا: إمكان الأداء من شرائط الوجوب فأما إذا قلنا: إنه من شرائط الضمان فالإمكان فيما في يده حاصل فعليه أن يؤدي منه بقدره ثم كلما وصل إليه من الغائب أو الدين شيء زكاه بقدره لأن أكثر ما في الباب أن يجعل ذلك كالتالف وهذا صحيح.
فرع
مسألة: قال (١): وما زاد ولو [١٤٦ ب/٤] قيراطًا فبحسابه.
وهذا كما قال: عندنا لا وقص للدنانير والدراهم بعد الوجوب، وقال أبو حنيفة: للدراهم أوقاص بعد المائتين كل وقص أربعون درهمًا وللذهب أوقاص كل وقص أربعة دنانير، وبه قال الحسن وعطاء وطاوس والشعبي ومكحول والزهري ﵏، وبقولنا قال علي وابن عمر ﵄، والنخعي وسفيان وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد وأبو عبيد، ثم ذكر الشافعي بعد هذا حكم المرتد واختار قول الوقف وقد ذكرنا ثم ختم المزني الباب بمسألة ذكرها من عند نفسه فقال: وحرام أن يؤدي الرجل الزكاة من عشر ماله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعني لا تعطوا في الزكاة الخبيث الذي لا تطيب أنفسكم به ولو دفع إليكم بل عليكم إعطاء الطيب مما أخرجت الأرض ومن الكسب والأمر على ما ذكره المزتي، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: (٢٦٧)] أراد إلا أن تكونوا مسامحين في ذلك ومواسين، فأما إذا أردتم الانتصاف واستيفاء الحق فلا تأخذوه، وقيل: أراد إلا أن يأخذوه بنقصان وبخس أراد أنه ولا يأخذوه بمثل القيمة التي يؤخذ فيها الجيد.
باب زكاة الذهب [ ١٤٧ أ/٤]
قال (٢): ولا أعلم اختلافًا في أن ليس في الذهب صدقة.
في جميع أنواعه مضروبًا كان أو تبرًا. والتبر: هو كسارة الذهب والفضة مأخوذ من قولهم تبرت الشيء إذا كسرته جيدًا كان أو رديًا، ويريد به الرداءة من جهة الجنس لا من جهة الغش ولا يجب ذلك حتى يبلغ عشرين مثقالًا نم يجب نصف دينار فإن نقص عنه لا يلزم الزكاة، وإن كان فيه خلافًا لمالك وأحمد وقال عمر بن عبد العزيز: إن
стр. 1195
نقص ربع مثقال تلزم الزكاة، وإذا نقص ثلث مثقال لا تجب الزكاة، وقال الحسن في رواية: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالًا فيجب مثقال لأنه لا يجوز الكسر فيها، وقال عطاء والزهري وطاوس ومجاهد وأيوب السختياني: نصاب الذهب يعتبر بقيمته من الورق فإن كان عشرون مثقالًا قيمتها أقل من مائتي درهم فلا زكاة وهذا غلط، لما روى عاصم بن محمرة عن علي رمحي الله عنه أنه قال: "ليس في أقل من عشرين دينارًا ثم حتى يكون لك عشرون دينارًا فيها نصف دينارا" (١). وربما يروى مرفوعًا والوقف أصح، وروى عمرو عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "ولا في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب شيء"، (٢) ثم بقاء النصاب [١٤٧ ب/ (٤)] فيه شرط من أول الحول إلى آخره، وقال أبو حنيفة يعتبر في أوله وآخره، وقال مالك: يعتبر في آخره كما في زكاة التجارة وهذا غلط، لما ذكرنا من الخبر.
مسألة: قال (٣): ولو كانت لهُ مَعَها خمسُ أواقٍ فضَّةٍ إلاَّ قِيراطًا أو أقَل لمْ يكن في واحد منُهَما زكاةِ.
وهذا كما قال: عندنا لا يضم الذهب إلى الورق ويعتبر نصاب كل واحد منهما بنفسه فإن ملك عشرين دينارًا غير حبة ومائتي درهم غير حبة لا زكاة فيها وبه قال شريك وابن أبي ليلى والمش بن صالح وأحمد في رواية وأبو عبيد وابن شبرمة، وقال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأبو يوصف ومحمد: يضم إحداهما إلى الآخر ثم اختلفوا في كيفية الضم فقال أبو حنيفة: يضم من طريق القيمة ويعتبر أسرعها في الإيجاب عند التقويم مثل أن يكون له مائة درهم وخمسة دنانير لو قومنا الدراهم بالدنانير لم تبلغ نصابًا من الذهب، ولو قومنا الدنانير الخمسة بالدراهم بلغت قيمتها مائة درهم فتكون نصابًا قوّمت الدنانير بالفضة لتجب الزكاة، وقال أبو يوسف ومحمد: يعتبر بالأجزاء فإذا كان عنده نصف نصاب فضة ونصف نصاب ذهب وجبت الزكاة وربما يقولان [١٤٨ أ/٤] يعتبر بالقيمة الشرعية وهو أن الدينار بعشرة فيكون في الحقيقة اعتبار الأجزاء أيضًا واحتج الشافعي بأنه إذا لم يجمع التمر إلى الزبيب وهما يخرصان ويعسران وهما حلوان معًا، وأشد تقاربًا في الثمن أي: في القيمة والخفة والوزن، ويروى مكان الخفة الخلقة فلأن لا يجمع الذهب إلى الفضة أولى وهذا لا يلزم أبا حنيفة وإنما يلزم الآخرين، لأن عنده لا يعتبر النصاب في العشرات حتى يتصور الضم، وقيل: يتصور على مذهبه ذلك في حكم وهو أن عنده لرب المال أن يغرف بنفسه عشرهما دون خمسة أوسق دون ما زاد ثم قال: ومن فعل هذا فقد خالف سنة رسول الله ﷺ لأنه قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" فأخذها في أقل أي: في أقل من خمس أواق ثم التزم من جهتهم سؤالًا فقال: فإن قال أي: فإن اعتذر عن
стр. 1196
مخالفة الخبر بأني ضممت إليها غيرها فتمت، خمس أواق قيل فضم إليها بقرًا ليتم نصابها أيضًا فإن اعتذر بأن البقر ليس هو من جنس الدراهم فكذلك الذهب ليس من جنس الدراهم فلا يضم أيضًا.
باب زكاة الحلي [ ١٤٨ ب/٤]
قال (١): الشافعي ﵀: أخبرنا مالك ... وذكر الخبر عن عائشة ﵂.
وهذا كما قال: الحلي ضربان: محظور ومباح، فإن كان محظورًا فإنه تجب الزكاة فيه قولًا واحدًا، وإن كان مباحًا ففيه قولان إحداهما: وهو الأشبه والصحيح أنه لا زكاة فيه، وبه قال ابن عمر وجابر وعائشة وأسماء ﵃، وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومالك وعطاء وابن سيرين ومجاهد والزهري وأحمد وإسحاق ووجه هذا ما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وليس في الحلي زكاة" (٢)، والقول الثاني: يجب فيه الزكاة وقيل: إن الشافعي استخار الله تعالى فيه واختاره وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله ابن عمر وان عباس وان مسعود ﵃ والشعبي والحسن والقاسم بن محمد والزهري وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: ووجه هذا ما روي أن امرأة من اليمن جاءت رسول الله ﷺ وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب: فقال: "أتعطين زكاة هذا" فقالت: لا، فقال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار فخلعتهما وألفتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله" (٣) فإذا تقرر هذا فاعلم أن الشافعي [١٤٩ أ/٤] احتج في أول الباب بخبر عائشة ﵂ أنها كانت تحلي بنات أخيها أيتامًا في حجرها ثم لا تؤدي زكاتها، وأصحاب أبي حنيفة يقولون: إنما لا تؤدى زكاتها (٤)، لأنها كانت للأيتام ولا زكاة في مال اليتامى والجواب هو أن مذهب عائشة وجوب الزكاة في مال اليتيم فدل أنها لا تخرج زكاتها لاعتقادها أن لا زكاة في الحلي والظاهر أنها اعتقدت ذلك عن النبي ﷺ ، وروى أنس (٥)، وابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "ليس في الحلي زكاة إذا كان يعار وينتفع به"، وقال ابن مسعود قلت يا رسول الله إن لامرأتي حليًا من عشرين مثقالًا قال: " فأد زكاته نصف مثقال" وهذا محمول على الاستحباب، ثم اعلم ما المباح منه وما المحظور منه فالمباح للرجال الخاتم من الفضة وحلية السيف والمصحف والمنطقة نص الشافعي ﵀
стр. 1197
على هذه الأربعة ولم يزد والشرح فيه أن يقال: الخاتم من الذهب حرام عليه واتخذ رسول الله ﷺ في الأول خاتمًا من ذهب ثم ألقاه واتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه محمد سطر رسول الله سطر قال أصحابنا: وينبغي أن لا يثقله بالفضة بل يتخذه على حسب العرف [١٤٩ ب/٤] للتجمل وقيل: لو كانت له خواتيم فلبس كل يوم واحدًا وللمرأة أسورة تلبس كل يوم واحدًا منها لا تمنع ولا زكاة ولو كانت له خواتيم يعدها للذخيرة وتفضل عن اللبس فإنه يلزم فيها الزكاة قولًا واحدًا، وأما السيف لا يجوز أن يحلى بالذهب ويجوز بالفضة، روي أنه كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة (١) ونعل سيفه من فضة وما بين ذلك حلق الفضة ولأن فيها مغايظة المشركين فحل ذلك قال أصحابنا: وفي معنى هذا السكين والخنجر والدشتي والترس وأطراف الرماح والمهام، لأن كلها سلاح، وقد روي في الخبر عن رسول الله ﷺ "أنه كان له جمل في أنفه برة من فضة يغيظ بها المشركين"، وقال الإمام أبو بكر القفال: السكين الذي يتخذ لمهنة البيت لا تكون في معنى هذا فتحليته حرام، وكذلك السكين المقلمة، وأما المصحف فظاهر المذهب أنه يجوز تحليته بالفضة ولا يجوز بالذهب، وقيل: أنه أري في حرملة قولين: إذا كانت بالفضة، ومن أصحابنا من قال: يجوز بالذهب أيضًا لأن فيه تعظيمً للقرآن، والدين فجعلت فيه ثلاثة أوجه أحدها يجوز بهما، والثاني: لا يجوز بهما كتحلية [١٥٠ أ/٤] سائر الكب لا يجوز.
والثالث: يجوز بالفضة دون الذهب لأن حلية مصحفه بمنزلة حليته ولا يجوز للرجل أن يتحلى بالذهب ويجوز بالفضة في حال وقال هذا القائل ونص الشافعي (٢) رحمة الله عليه: على أنه إذا كانت علاقة مصحفه من الذهب فإنه يلزم فيها الزكاة، ومن قال بالأول؛ فرق بينه وبين العلاقة بأن العلاقة ليست من المصحف، ألا ترى أنه إذا باع المصحف فإنه يدخل فيه العلاقة، وأيضًا العلاقة ليت من مصالح المصحف وإنما هي لتعلقه الإنسان بها على نفه فافترقا ثم قال بعض أصحابنا: هذا إذا كان للرجل فأما إذا كان المصحف للمرأة فإنه يجوز لها تحليته بالذهب وهو صحيح عندي، وأما المنطقة فتحليتها بالذهب لا تحل وبالفضة تحل قال أصحابنا: وفي معنى هذا يجوز إن على الزرع والجوشن والخف والرانين ولا ينبغي أن يثقل شيئًا من هذه الأشياء بالفضة فإن ثقل وخرج عن إمكان اللبس في العادة تلزم الزكاة بلا خلاف.
فروع
إذا حلى لجام دابته وثغرها وأطراف السيور بالفضة فقد اختلف أصحابنا فيه، قال أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما: هو محرم لأن الشافعي جمع بينه وبين [(١٥٠) ب/ (٤)] تمويه السقف في وجوب الزكاة فيهما وتمويه السقف محرم، فكذلك هذا ولأن الشافعي
стр. 1198
قال في البويطي: تجب فيه الزكاة ومذهبه في البويطي أنه لا زكاة في الحلي المباح ولأن ذلك من حلية الدابة لا من حليته فهو كحلية السرير والكرسي لا يجوز لما فيها من الترف والخيلاء، بخلاف المنطقة والسيف فإنه يتحلى بهما في الحرب فحل ذلك وهذا هو المذهب، وقال أبو الطيب بن سلمة وجماعة من أئمة خراسان؛ هو مباح لأن فرمه من آلة الحرب كالسيف وزينة الفرس زينة لصاحبها كحلية الجوشن، وإن كان ذلك من الذهب فلا شك في تحريمه، وأما التثقيل بالفضة على ما نشاهد في زماننا أو لمن لا يجاهد عليها فهو حرام بلا إشكال.
فرع آخر
لو حلَّى رداءه بذهب كانت محرمة، وأما بالفضة قال بعض أصحابنا: في الميل إذا اتخذه من ذهب أو فضة على وجه التداري بحلاء عينه فإنه يحل وهو صحح عندي.
فرع آخر
التحلي بالياقوت واللآلئ هل يجوز للرجل؟ وجهان مبنيان على أنه هل يجوز اتخاذ الآنية منها فإن قلنا: إنه لا يحرم يباح، وإن قلنا: إنه يحرم كان الحكم كما ذكرنا في الفضة لأن نفاستها [١٥١ أ/٤] لا تظهر لكل أحد فكل محل يجوز استعمال الفضة فيه يجوز استعمال هذه الجواهر فيه ذكره بعض أصحابنا، وقد ذكرنا قبل هذا أيضًا في هذا الباب.
فرع آخر
الخنثى إذا ملك حلي النساء أو الرجال وقلنا: لا زكاة في الحلي المباح ففيه وجهان، إحداهما: يلزمه الزكاة لأنه لا يمكن استباحتها بالشك، والثاني: لا زكاة لأنا في الصغير نبيح له أن يلبس حلي الرجال والنساء ولا نوجب الزكاة فبقينا على ما كان في حال الصغر.
فرع آخر
في الدنانير بالعُرى إذا طرحتها في القلادة فلبستها لم يكره.
فرع آخر
قال جمهور أصحابنا: لا يجوز أن يموه محراب المسجد بالذهب ولا بالفضة ولا أن يتخذ قناديل من الذهب أو الفضة ولا فرق في ذلك بين الكعبة وبين سائر المساجد لأنه لم ترد به السنة ولا عمل به أحد من الأئمة، وفيه إضاعة المال، ومن أصحابنا من قال: يباح كل ذلك في جميع المساجد كما أبيح ستر الكعبة بالديباج فإذا قلنا: بالأول إن وقف عليها فلا زكاة لأنه ليس لمالك من المسلمين، لأن كان حرامًا، وان لم يجعل وقفًا فإنه يلزمه الزكاة، وإذا قلنا: بالقول الثاني: إن جعله وقفًا لا زكاة وان كان ملكًا له فيه قولان.
فرع آخر
إذا موَه السقوف بالذهب [١٥١ ب/٤] أو الفضة فقد فعل محرمًا، وهل يحل
стр. 1199
استدامته انظر فإن كان مستهلكًا لا تحرم استدامته، فإذا قلنا: لا تحرم استدامته فلا زكاة لأنه مستهلك، وإذا قلنا: تحرم استدامته تلزم الزكاة فإن كان إذا خرج بلغ نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا ففيه الزكاة، وإن كان بخلاف هذا فلا زكاة.
فرع آخر
لو اتخذ الرجل حلي الذهب للصبيان اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: وهو المنصوص في باب العيد يجوز لأنه تعيد عليهم ومنهم من قال: لا يجوز لظاهر قوله ﷺ في الذهب والإبريسم "هذان حرامان على ذكور آمتي حل لإناثها".
فرع آخر
يجوز أن يشد السن بالذهب فعل ذلك عثمان بن عفان ﵁ ثم إن نشب في العضو وتراكب عليه اللحم صار كالمستهلك لا زكاة فيه ولو قطع أنفه فاتخذ لنفسه أنفًامن ذهب أو فضة جاز والأولى الذهب لأن الفضة تنتن وتصدأ والذهب لا ينتن ولا يصدأ والأصل فيه ما روي أن رجلًا جدع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه فشكا إلى النبي ﷺ فقال: "اجعل مكانه ذهبًا" (١)، وإن قطع [١٥٢ أ/٤] إصبعه فاتخذ إصبعًا من فضة لا يجوز لأنه لا يعمل عمل الإصبع فلم يكن إلا مجرد الزينة فلا يجوز ولو اتخذ منها أنملة جاز لأنها تعمل عمل الإصبع فيمكن تحريكها بالقبض والبسط ذكره القفال، ولو انقلعت سنه فاتخذ شأ من ذهب يجوز وتلزم الزكاة في أحد القولين في الأنف ولا تلزم في السن لما ذكرنا أن السن يصير متهلكًا بتراكب اللحم عليه بخلاف الأنف.
فرع آخر
المضبب من الأواني على أضرب: أحدها: أن يكون التضبيب يسيرًا للحاجة فهو مباح ومن جملته الحلقة للقصعة وهذا كان لرسول الله ﷺ الثاني: أن يكون كثيرًا لغير الحاجة فهو حرام، والثالث: أن يكون كثيرًا للحاجة أو قليلًا لغير حاجة فهما مكروهان، ولا يحرمان والكراهة في الأول هي للكثرة، وفي الثاني لعدم الحاجة ونفي التحريم في الأول للحاجة، وفي الثاني للقلة وفيه وجه آخر كلاهما حرام وهو ضعيف، ومن أصحابنا من قال: إن كان هذا على شفة الإناء بحيث يلاقيه فم الشارب يحرم وإلا فلا، ويروى هذا عن مالك والمرجع في الكثير واليسر إلى العرف والحالة، ومن أصحابنا من راعى فيه ما يراعى في الحرم في اليوم في الثوب العنابي، ومن أصحابنا من قال الكثير أن يكون [(١٥٢) ب/ (٤)] جزء كامل منها معيبًا كفها أو أسفلها ونحو ذلك، والأول أصح فإذا قلنا؛ يجوز فهو كالحلي المباح، وإذا ثلنا؛ يحرم فهو كالحلي
стр. 1200
المحظور، وإذا قلنا: يكره ولا يحرم، قال أصحابنا: يلزم فيه الزكاة قولًا واحدًا ولا تباح على الإطلاق فسقط حكم فعله وعاد إلى أصله، وقال بعض أصحابنا: حكمه حكم الحلي المباح لأنه لا يحرم.
وأما الضبيب بالذهب فال أهل العراق: لا يجوز أصلًا لأن حكم الذهب أغلظ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا فرق بين الذهب والفضة لي ذلك والمذهب الأول لأنه لم يرد به الخبر وقد ورد ذلك في الفضة، روى أنس ﵁ "أن قدح رسول الله صلى الله عليه انكسر فاتخذ مكان الشفة سلسلة من فضة".
فرع آخر
لا يجوز للرجل أن يتخذ لنفسه شيئًا من حلى النساء كالخلخال وا لسوار ونحو ذلك، وان اتخذه لبناته أو جواريه أو نسائه فإنه يجوز، وكذلك إن أرصده لبعيره للنساء أو يكريه منهن يجوز، ويكون في زكاته قولان، وقال مالك: لا تجب وقال بعض أصحابنا: يباح للرجل التحلي بالفضة ولا يختص بالخاتم لأن الأعضاء كلها سواء فيلبس الدملج من الفضة في عضده والطوق في عنقه حتى قال بعضهم: لو اتخذ سوارًا من [١٥٣ أ/ب] فضة جاز وهذا بعيد عندي ومن أصحابنا من قال: إذا أرصده للكراء تجب الزكاة قولًا واحدًا، وان كان مباحًا لأنه معد لطلب النماء كما لو اتخذه للتجارة وبه قال أحمد: وهذا لا يصح لأنه أعده للاستعمال المباح، والنماء المقصود وقد فقد وما يحصل من الأجرة هو قليل غير مقصود فلا اعتبار به كأجرة العوامل من الإبل والبقر لاعتبارتها. وقال الزبير من أصحابنا: اتخاذه للتكرار والإعارة حرام لأنه خرج عن عرف اللف بالإجارة وعدل عما وردت به السنة في الإعارة والحلى إذا عدل به عما وضع له كان محظورًا وزكاة المحظور واجبة ولم يتابعه أحد، وان كان له وجه والدليل على بطلان هذا القول ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: وزكاة الحلي إعارته" ولأنه أعده لاستعمال مباح وهو علة الشافعي.
فرع آخر
الاختيار أن يكرى حلي الذهب بالفضة وحلي الفضة بالذهب فإن أكرى حلي الذهب بالذهب أو حلي الفضة بالفضة ففيه وجهان، والأصح يجوز لأنها أجرة والثاني: لا يجوز خوف الربا وهذا غلط، لأن عقد الإجارة لا يدخله الربا ولو صح هذا لما جاز أن يؤاجره بدراهم مؤجلة خوف الربا.
فرع آخر [١٥٣ ب/٤]
لو أتلف على رجل حليًا وزنه ألفًا وقيمته ألفان فيه وجهان: إحداهما: في مقابلة الصنعة، والثاني في مقابلة أصله، والثاني يضمن الصنعة بالذهب لئلا يأخذ ألفين مكان ألف والأول أصح لأنه يأخذ الألف والثاني للصنعة فلا يؤدي إلى الربا، ألا ترى أنه لو كسره فأذهب صنعته لم ينقص وزنه ضمن ألف درهم.
стр. 1201
فرع آخر
لو اشترى حليًا مباحًا للتجارةً فإن قلنا: لا زكاةً في الحلي المستعمل ففي هذا زكاةً التجارةً ويعتبر قيمةً الصنعةُ وإن قلنا: في الحلي المستعمل يلزم الزكاةَ فهل يزكي عن هذا زكاةَ التجارةً أم زكاةَ العين لأن إحداهما يزكي زكاةً العين فعلى هذا لا اعتبار بالصنعةً، والثاني: يزكي زكاةَ التجارةً فتعتبر الصنعةُ فيها.
فرع آخر
لا يجوز للمرأةَ اتخاذ الحلي المعد للرجال لنفسها مثل حليةً السيف والمنطقةَ والفرس ونحو ذلك، ولو اتخذت ذلك لغلامها حل ولا اعتبار بالملك بل الاعتبار بما اتخذ الحلي له ولا يحل لها اتخاذ المدخنةً والمشط ونحو ذلك ويحل لها اتخاذ المحانق والحلق والسوار والخلخال وخواتيم الذهب والجلجل والطوق وقيل: لو اتخذت حمشكًا من ذهب أو أديمًا أو خرز بخيوط من ذهب جاز، وأما التاج فقد أطلق أصحابنا في [١٥٤ أ/ ٤] الإباحةً لهن ومن أصحابنا من قال: إن جرت به عادةَ النساء يحل وإن لم تجر به عادةَ النساء لكن يلبه عظماء الفرس لا يحل وهذا أقرب، وآما تعاويذ الذهب فهي حلال لهن ونعال الذهب والفضة حرام عليهن، وآما الثياب المثقلةُ بالذهب المنسوجة فيه وجهان، إحداهما: تباح كالحلي، والثاني: لا تباح لما فيه من كثرةُ الإسراف والخيلاء.
فرع آخر
الدراهم والدنانير المنقوشةَ التي يجعلها في القلادةَ هل هي من جملةَ الحلي المباح الذي لا زكاة فيه في أحد القولين، اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: هي من جملته ومنهم من قال: لا يكون من جملته لأنه لم يخرج بالصنعةً عن النقديةً وهذا أشبه.
فرع آخر
لو ملك أو ملكت حليًا مباحًا ونوى الغيبةً فإنه يلزم فيه الزكاة قولًا واحدًا، وإن لم ينو شيئًا فقد اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: هو على حكم أصله ولا يتغير حكمه إلا بنيةً الاستعمال فيما يباح كالسلعةً لا تصير مال التجارةً بالتصرف ما لم ينو التجارةً ومنهم من قا: لا تعتبر النية لأنه بالصياغةً خرج عن الاستنماء به ومنهم من قال: المرآةُ في حليها لا تحاج إلى النيةً إذا صاغته والرجل يحتاج في حلي الماء إلى النيةً لأن حلي النساء حلال لهن فقد [١٥٤ ب/٤] تعين بمجرد الصباغةً استعماله بنفسها والرجل لا يتعين لاستعماله فيحتاج أن ينوي اتخاذه للجواري أو للبنات أو نسائه والأقرب الأول.
فرع أخر
لو كان له حلي مباح فمات ولم يعلم به الوارث حتى مضى حول فإنه يلزمه زكاةَ الحول الماضي قولًا واحدًا، وقال والدي ﵀ يحتمل وجها آخر: لا يلزمه الزكاةً
стр. 1202
لأن الوارث قائم مقام الموروث وقصده كنيته.
مسألة: قال (١): وَإِنَّ اِتَّخَذَ رَجُلُ أَوْ امرأة إناء مِنْ ذَهَبِ أَوْ وَرِقَّ.
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكرنا في كتاب الطهارةَ أن استعمال أواني الذهب والفضةً لا يجوز وهل يجوز اتخاذها قيل فيه وجهان، وقيل: قولان أشار في كتاب الغصب إلى جوازه ونص هاهنا أنه لا يجوز وهو الصحيح لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالمزمار والبربط وعلى كل القولين تلزم قيمةَ الزكاةً قولًا واحدًا، فإذا كان له إناء من فضةً وزنه ألف درهم وقيمةُ الصنعةً التي فيه ألفان تلزم زكاته على وزنه لا قيمته، فإذا أراد إخراج زكاته فإن قلنا: اتخاذه محرم فلا قيمةَ للصنعةً التي فيه ويجب كسره فيؤمر يكسره لإخراج الزكاةً من فضته أو يسلم قدر الزكاة منه مشاعًا ولا يجوز إخراج الذهب عنه بحال، لأن قلنا: يحل اتخاذه برب المال [١٥٤ أ/٤] بالخيار إن شاء ملك الفقراء ريع عشر مشاعًا وقبضوه ثم إن شاءوا باعه منه أو من غيره بذهب أو ثياب أو غيرها مما لا ربا بينهما وإن شاء أعطى فضةً جيدة نقيةً من غيرها خمسةً وعشرون درهمًا قيمتها من نقد البلد الذي هو قرب اللسان خمسون درهمًا، قال: القفال: أو يخرج إناء صغيرًا فيه مثل هذه الصنعةً التي في الإناء الكبير يسوي خمسين درهمًا من نقد البلد، قال ابن سريج: يجوز للضرورة لأنه يشق تسليم بعضه مشاعًا عليه وعلى المساكين، وقال سائر أصحابنا: وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقفال: لا يجوز ذلك لأنه إخراج القيمةً في الزكاةً ويجوز تكليف هذا القدر من الضرر كما قلنا في الرطب الذي لا يجيء منه تمر ولو أعطى خمسين درهمًا من نقد البلد.
قال ابن سريج: كرهت ذلك لأنه يؤدي إلى الربا، وقال الشيخ أبو حامد: الذي يجيء على المذهب تكليف ذلك أيضًا، لأنه لا ربا بينه وبين المساكين، وهذا غير صحيح عندي لأنه تكليف الزيادةَ في القدر ولا نظير له في الأصول ويمكن أداء الواجب على ما ذكرنا فلا حاجةً إلى هذا، ولو قال: اكسر هذا الإناء وأعطيكم زكاته منه فإنه يمنع منه لأنه إذا كسره نقصت قيمةً الصنعة [١٥٥ ب/٤] التي فيها ويؤدي إلى الإضرار بأهل الجمان وبه أيضًا، وهذا الحكم في الحلي المباح إذا أوجبنا فيه الزكاةً، وأما عبارة الشافعي (٢) هاهنا فإن كان وزنه ألفًا وقيمته مصوغًا ألفين تجوز منه ومعناه قيمته من الذهب ما يتقوم ألفين من الورق.
فرع
لو ملك خلخالًا وزنه دون المائتين وقيمته مائتان فلا زكاةً عليه لأن الزكاةً تتعلق بالعين لا بالقيمةً، ولو كان وزنه مائتين وقيمته من نقد البلد ثلاثمائةُ لجودة جوهره لا
стр. 1203
للصنعة فإن كسر ربع عشره وأعطانا قبلنا، وإن أعطانا خمسةً قبل جوهره قبلنا أيضًا، وإن أعطانا ربع عشره مشاعًا قبلنا، وإن أعطانا ذهبًا لم يقبل، وإن أعطانًا خمسةً من غالب نقد البلد لم يقبل، لأنه دون الواجب، وإن أعطانا تسعة ونصفًا لم نقبل بحال لأنه ربا على ما ذكرنا.
مسألة: قال (١): وإذا انكَسَرَ حُليَها فلا زَكَاةَ فيهِ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا انكسر حليها لا يخلو من ثلاثةً أحوال: إحداها: أن يكون يسيرًا لا يمنع من لبسه مثل أن يعوج أو يفسخ موضعه منه أو يشق الخلخال طولًا فحكمه حكم الحلي الصحيح، والثانية: أن يكون كسرًا لا يمكن لبسه حتى يصلح، ولكن لا يحتاج إلى السبك والإعادةً فقال صاحب "الإفصاح": حكمه حكم التبر [١٦٥ أ/ ٤] لأنه خرج عن كونه حليًا، وقال أبو إسحاق: إن نوت أن تكسره خرج عن كونه حليًا ويفارق السائمة إذا نوى علفها لا يتغير حكمها لم تعف وفي المعلوفةُ أيضًا لا يتغير الحكم بنية السوم ما لم يضمها لأن ذلك لخفةَ المؤنةً وكثرتها، ولا يختلف ذلك بالنيةً وهاهنا سقطت الزكاة لكونه معدا لاستعمال مباح، والأصل وجوب الزكاةَ فيه فبهذه النيةً عاد إلى الأصل وإن نوت إصلاحه فحكمه حكم الحلي، وإن لم تنو الإصلاح ولا الكسر قال في "الأم" (٢): لا زكاة فيه في قول من قال: لا زكاة في الحلي ووجهه أن الزكاةً سقطت عنه بالصياغةً وإعداد، لاستعمال مباح فلا يعود إلى وجوب الزكاةً عن دون النيةً كالعروض التي للتجارةً لا تعود إلى أصلها بترك التجارةً حتى ينوي العينةً، كذلك هاهنا وعلى قول صاحب "الإفصاح": تجب فيه الزكاةً لأنه خرج عن كونه حليًا ملبوسًا وهذا أقيس فحصل قولان: فإن قيل: قول صاحب "الإفصاح" يخالف نص الشافعي في "الأم"؛ لأنه قال (٣): وإذا انكسر حليها فأرادت إصلاحه أو لم ترده فلا زكاةً في قول من قال: لا زكاةً في الحلي إلا أن تريد أن تجعله مالًا تكنزه فتزكيه قلنا: المراد به الكسر اليسير الذي لا يمنع استعماله، والحالة الثالثة: أن يترضغن [(١٥٦) ب/٤] بحيث لا يمكن إصلاحه إلا بإعادةُ صياغته، قال أصحابنا: يعود إلى أصله قولًا واحدًا، وهذا يدل على صحةُ قول صاحب "الإفصاح" ويمكن الاعتذار بأن هاهنا خرج من أن يكون مصوغًا وصار كقراضةَ الذهب فلا يحتاج فيه إلى النيةُ بخلاف ما إذا أمكن إصلاحه فإنه يعد مصوغًا فلا يرجع إلى أصله إلا بنية الكسر يسيرًا، ومن أصحابنا من قال هذا أيضًا كالحالة الثانية وليس بشيء.
مسألة: قال (٤): وَلَوْ وَرَثَّ رَجُلُ حَلِيَاً أَوْ اشتراه فأعطاه امرأةً مِنْ أَهَلِّهِ.
стр. 1204
الفصل
وهذا كما قال قد ذكرنا ما يتعلق بهذه المسألةَ فلا فائدةً في الإعادةً، ثم اعلم أن المزني ختم الباب بترجيح القول المشهور أنه لا زكاةً فيه فقال: هذا أشبه بأصله لأنه يجب الزكاةً في الماشيةً وليست في المستعمل منها زكاةً فكذلك هاهنا وتحريره لأصحابنا أن قالوا: لأنه مصروف في نماء سائغ إلى استعمال سائغ فأشبه السائمةُ المستعملة لا زكاةً فيها.
باب ما لا زكاة فيه
قال (١) الشافعي: وما كانَ من لؤلؤٍ أو زَبَرْجَدٍ أو ياقوتٍ.
الفصل
وهذا كما قال: لا تجب الزكاةَ فيما عدا الذهب والفضةً من الجواهر من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والفيروزج والمرجان والصفر والنحاس [١٥٧ أ/ ٤] والرصاص والحديد ولا زكاةً في عنبر ولا مسك ونحو ذلك، وقال أبو يوسف: في المسك والعنبر الخمس، وقال الحسن وعمر بن عبد العزيز (٢) وعبد الله العنبري وإسحاق: يلزم الخمس في جميع حليةُ البحر والعنبر وحكي عن أبي يوسف هذا القول واحتج الشافعي عليهم يقول ابن عباس ﵄ في العنبر: "إنما هو شيء دسره البحر" (٣) أي لفظه وليس هو بمعدن حتى يجب فيه الخمس وروي عنه صريحًا أنه قال: لا زكاةً فيه بعد ما قال هذا القول، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا زكاةً في حجر" (٤) واللؤلؤ حجر، وروى جابر أن النبي ﷺ قال: "العنبر ليس بغنيمةً" وهذا ينفي وجوب الخمس فيه وروي عن عائشةً ﵂ أنها قالت: لا زكاةً في اللؤلؤ ولأنه مقوم مستفاد من البحر فلا حق فيه كالمسك وأكثر الفقهاء على أن العنبر طاهر، وقال الشافعي (٥): سمعت من قال: " ورأيت العنبر نابتًا في البحر ملتويًا مثل عنق الشاة". وقيل: إن أصله ينبت في البحر وله رائحة كريهةً، وفي البحر دويبةً تقصده لذكاء رائحته وهو سمها فتأكله فيقتلها ويلفظ البحر فيخرج العنبر من بطنها، والدسر هو الدفع، ولو وجد في البحر ذهبًا فإن كان ركازاً فحقه الخمس، وإن كان [١٥٧ ب/ (٤)] معدنًا فيجب فيه حق المعدن، وإن كان من ضرب الإسلام فهو لقطةً وحكمه حكمها.
стр. 1205
باب زكاةَ التجارةً
قال (١) الشافعي ﵀: أخبرنا سفيان وذكر الأثر.
وهذا كما قال نص الشافعي في كتبه القديمة والجديدةً: على وجوب الزكاةً في عروض التجارةً، وقال في موضع من القديم: من الماس من قال: لا زكاةً فيها وروي ذلك عن ابن عباس ﵁ وهو القياس، ومنهم من قال: لا زكاةَ فيها إلا إذا نضً فإذا نض أخرج منها زكاةً سنةً، وإن كانت عنده سنتين ومنهم من قال: فيها الزكاةً وبه قال ابن عمر ﵁ وهذا أحب الأقوال إلينا فمن أصحابنا من قال: له قولان: لأنه قال في "القديم": قول ابن عباس وهو القياس، ومن أصحابنا من قال: قول واحد فيها الزكاةً لأنه قال قول ابن عمر أحب إلينا فدل أن القول الآخر ليس باختياره وبه قال عمر وجابر وعائشةَ ﵃، ومن الفقهاء سفيان الثوري والأوزاعي وأبو حنيفةَ وأصحابه وبقول ابن عباس قال داود وجماعةً من أصحاب الظاهر وبالقول الثاني في "القديم": قال عطاء وربيعةَ ومالك ﵏، وروى ابن المنذر [١٥٨ أ/٤] عن ابن عياض نحو قولنا واحتج الشافعي ﵁ عليهم بما روي عن عمرو بن حماس أن أباء حماسًا قال: مررت على عمر بن الخطاب ﵁ وعلى عنقي أدمةً أحملها فقال: "ألا تؤدي زكاتك يا حماس فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه واهبةٍ في القرط يقرأ أهبةٍ بالرفع والخفض جميعًا ومعناهما متقارب فقال: ذاك مال فضع قال: فوضعتهما بين يديه فحبها فوجدها قد وجبت فيها الزكاةً فأخذ منها الزكاة (٢)، ووجه الدليل أنه لا يحتمل أنه أخذ، زكاةَ العين فدل أنه أخذ زكاةَ التجارةً وروى أصحابنا ما هو أولى من هذا في الاحتجاج وهو ما روى أبو ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته" (٣) قال بالزاي معجمه وأراد به زكاةَ التجارةً وروي عن سمرةً بن جندب أنه قال: "أما بعد فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقةً من الذي يعد للبيع"، (٤) ولأن التجارةً يطلب بها نماء المال فتتعلق بها الزكاةً كالسوم في الماشية.
مسألة: قال (٥): وَإذاً اِتَّجَرَ فِي مَائَتَيِ دِرْهُمْ فَصَارَتْ ثلاثمائةٍ قَبْلَ الْحَوْلِ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت معه مائتا درهم أو عشرون ديناراً [١٥٨ ب/ (٤)]
стр. 1206
فأقامت في يده ستةَ أشهر ثم اشترى بها سلعة للتجارةً فإن حول السلعةَ ينبني على حول الدراهم فإذا حال الحول من يوم ملك الدراهم وجبت الزكاةَ، لأنه لما كانت معه الدراهم فالزكاةً تجب فيها وهي معينةً، فإذا اشترى بها السلعةً فالزكاةً لا تجب في عين السلعةً وإنما تجب في قيمتها والقيمةَ هي تلك المائتان إلا أنها كانت معينةً فصارت مبهمةً فيبني حول المبهم على المعين كما لو كانت مع رجل مائتا درهم فأقامت في يده مدةً نم أقرضها مائةً فإنه تجب الزكاة فيها ويبني حولها على حول تلك المائتين ويفارق، هذا ما إذا بادل دراهم بدراهم يستأنف الحول لأن الزكاةً في عينها والعين تبدل، وفي العرض وإن كان غير العين السابقةً ولكن الزكاةَ تجب في قيمته والقيمةَ في تلك المائتان إلا أنها صارت مبهمةً فافترقا، فإذا تقرر هذا فإذا حال الحول لا يخلو إما أن يكون العرض باقيًا أو كان قد باعه وقبض ثمنه، فإن كان العرض باقيًا يقومه ويخرج زكاته على قيمته ويبني حول الربح على حول الأصل قولًا واحدًا، لأن النصاب في مال التجارة يعتبر من القيمةُ ويشق اعتبارها في جمح الحول فاعتبر في آخره ويصير الريح في التقدير [١٥٩ أ/ ٤] كأنه كان موجودًا في جميع الحول فإذا زادت قيمةَ السلعةً فصارت تساوي أكثر من ثلاثمائةُ وعند الحول كانت تساوي ثلاثمائةَ فإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول وبعد إخراج الزكاةً لا يضم إليها وتكون الزيادةً للسنة الثانيةً، وإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول والإمكان وقبل إخراج الزكاةً ففيه وجهان ذكرهما ابن أبي هريرة وجماعة، إحداهما: وهو الأصح يكون للسنة الثانيةً لأنها زيادةً بعد الحول فلا فرق بين أن يكون بعد إخراج الزكاةَ أو قبله كالسخال.
والثاني: يضم إليها لأن زيادةً قيمةَ السلعةً غير مميزة بخلاف السخال وهو كما لو كانت له أربعون شاةً فحال عليها الحول وهي مهازيل فسمنت قبل إخراج الزكاةً منها لؤمه أن يخرج منها سمينةً، وكذلك لو كانت كلها معيبةً فزال عيبها، وإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول وقبل إمكان الأداء فإن قلنا: إمكان الأداء ليس من شرائط الوجوب ففيه وجهان على ما ذكرنا، وإن قلنا: من شرائط الوجوب يضم إليها في قول أكثر أصحابنا، وقيل: نص عليه في أو الجديدةً وقيل: المذهب أنه لا يضم إليها لأنها جاريةً في الحول الثاني وهو غلط.
وإن زادت قبل الحول ساعة [١٥٩ ب/ (٤)] فلا شك في ضمها إليها كالسخال، وإن نقصت قيمتها فإن أمكنه بيعها وإخراج زكاتها فأخرها صار مفرطًا وعليه زكاةً ما نقص، وإن لم يمكنه فعلى ما تقدم بيانه، وإن باعه فلا يخلو من أربعةً أحوال؛ إما أن يبيعه بثمن مثله، أو بنقصان يتغابن الناس بمثله، آو بنقصان لا يتغابن الناس بمثله أو بزيادةً على ثمن مثله، فإن باعه بثمن مثله أو بنقصان يتغابن الناس بمثله يخرج الزيادةً من قدر ثمنه، لأن ذلك مثل القيمةَ ولم يحصل منه تفريط في البيع، وإن باعه بنقصان لا يتغابن الناس بمثله يلزمه الضمان لأن المحاباةَ هي تجري مجرى الهبةً فلا تسقط زكاتها بها، ويمكن الاحتراز من هذا فهو مفرط، وإن باعه بالزيادةً على ثمن مثله كأنه كان يساوي
стр. 1207
مائتين فباعه بثلاثمائةً لرغبة أو عيبه فيه وجهان: إحداهما: يزكي الكل لأنه استفاد الزيادةً بالعرض وقلةُ ثمنه، والثاني: لا زكاةً في الزيادة على الصحةَ ويستأنف لها الحول كالمال المستفاد بإرث أو هبةً هذا كله إذا حال الحول على العرض، فأما إذا نض ثمن العرض قبل الحول قال الشافعي: زكى المائتين بحولها والمائةً الزائدة بحولها، وقال في القراض: ما يدل على [١٦٠ أ/ (٤)] أنه يبني حول الربح على حول الأصل فاختلف أصحابنا فيه، قال ابن سريج: هو على اختلاف حالين وليس على قولين فالذي قال في القراض: إذا دفع المال حين تملكه وصرف العامل في الحال إلى السلعةً فحصل الربح حين الشراء وهو ابتداء الحول وكان حول الربح والأجل واحدًا، والذي قال في زكاةً التجارةً أراد إذا حصل الربح وقت البيع فحصل من هذا أنه تعتبر الزيادةً من حين حدثت قولًا واحدًا وهذا ظاهر في كلام الشافعي في القراض، لأنه قال: فاشترى بها سلعة تساوي العين يعني في الحال وقيل: القصد بما قال في القراض أن يبين على رب المال زكاة حصته من الريح وعلى العامل زكاةً حصته أو يجب الكل على رب المال ولم يرد به أن يزكي عن كل ما في الحال، وقال أبو إسحاق: المسألةً على قولين: إحداهما: يستأنف الحول وهو الصحيح لقوله- ﷺ : "لا زكاةً في مال حتى يحول عليه الحول" ولأنه أصل في نفسه تجب الزكاةً في عينه وكان حوله معتبرًا به كالمستفاد بإرث بيع وهذا هو معنى قوله في "المختصر" لأن الربح ليس منها أي: أنه لم يتولد من نفسها كما يتولد السخال بل حصل هذا بتصرفه وتكسبه، وليس هذا كما لو ملك: [١٦٠ ب/ (٤)] مائتي درهم ستةَ أشهر ثم يشتري بها عوضًا فإذا حال الحول يقدم العرض بزيادته أو نقصه أي: لا يستأنف الحول بتلك الزيادة لما ذكر من العلة وهي أن الزكاة تحولت في العرض، آي ت تحوك من النقد إلى العرض وصار العرض كالدراهم التي هي أصل العرض وثمنه، فيحب ربح العرض لحول الدراهم، والقول الثاني: يبني حولها على حول الأصل قياسًا على السخال، فإذا قلنا: يستأنف الحول اختلف أصحابنا فيه منهم من قال حولها من حين ينص لأنه لا يتحقق وجودها قبل ذلك ومنهم من قال حولها من حين ظهر لأنه إذا نص علمنا أنه ملك في ذلك الوقت، وقال الشيخ أبو حامد: كنت أقول بهذا ولكن الصحيح الأول والأقيس عندي الوجه الثاني.
فرع
لو اشترى سلعةً بمائتي درهم فلما مضت ستةَ أشهر باعها بثلاثمائةً واشترى بثلاثمائةً سلعةً فلما حال الحول كانت قيمتها ستمائةً فإن قلنا: لا يستأنف الحول بالزيادةً ويزكى عن الستمائة كلها، وإن قلنا: يستأنف الحول بها يزكي ثلثي السلعة فيخرج الزكاةً عن أربعمائةً ثم إذا مضت ستةَ أشهر أخرى يزكي ثلث السلعةً الباقي.
فرع
لو اشتراها بعشرين دينارًا مغربيةً فحال الحول وقيمتها عشرون [١٦١ ب/ (٤)] ديناراً
стр. 1208
نيسابوريةً زكاها ويحتمل آن لا زكاةَ فيها ولو أخرج نصف دينار نيسابوريًا بدل نصف دينار مغربي قال بعض أصحابنا أجزأه وأخرج الفضل وفي هذا عندي نظر.
مسألة (١): قال: ولو اشترى عَرضًا للتَّجارَةً بعرضٍ.
الفصل
وهذا كما قال: أراد به إذا كان في يده عرض للعينيةً فاشترى به عرضًا للتجارةً فابتداء الحول على العرض الثاني من حين ملكه فإذا تم الحول يلزمه الزكاةً، وقال مالك: لا زكاةً فيه اعتبارا بأصله وهذا غلط؛ لأنه مال اشتراه للتجارةً فأشبه إذا اشتراه بذهب فإذا تقرر هذا قوَّمه عند حول الحول بنقد البلد فإن كان في البلد نقد واحد يقوَّم به فإن بلغت قيمته نصابًا وجبت الزكاةَ وإلا فلا تجب وإن كانت تبلغ نصابًا بالنقد الآخر لا يجب تقويمه به وإن كان في البلد نقدان تعملان إحداهما أغلب يجب القويم به دون الآخر، لأنه ليس بغالب النقد فيه فلا اعتبار وإن استويا في الاستعمال وليس إحداهما أغلب من الآخر، فإن بلغ بإحداهما نصابًا ولا يبلغ بالآخر نصابًا قوم بما يبلغ به نصابًا لأنه وجد نصاب تتعلق به الزكاة فوجب التقويم به، وإن كان يبلغ يكل واحد منهما نصابًا فيه أربعة أوجه:
أحدها: وهو الأصح [١٦١ ب/ (٤)] أنه يقوم بما شاء منهما لأنه لا مزيةً لإحداهما على الآخر فيخير بينهما.
والثاني: يقوم بما هو الأنفع للمساكين كما إذا اجتمع في النصاب فرضان فإنه يؤخذ الأنفع.
والثالث: وهو اختيار ابن أبي هريرةً يقوم بالدراهم لأنها أكثر استعمالًا وأسهل تصرفًا لأنه يشترى بها التافه وغير التافه، ولأن وجوب الزكاةَ في الدراهم ثبت بالتواتر بخلاف المذهب وهذا ضعيف، لأن وجوب الزكاةً في المذهب إجماع فهو كالتواتر في بعض البلاد الدنانير أكثر استعمالًا.
والرابع: يقوم بأغلب نقد أقرب البلاد إليه لأن النقدين تساويا فجعلا كالمعدومين، فإذا تقرر هذا فمن أي شيء يخرج الزكاةً؟ قال في "الأم" (٢) ونقله المزني: أنه يخرج من الذي قوم به، وقال في القديم: فيه قولان، إحداهما: يخرجها من الذي قوم به، والثاني: يخرج عوضًا بقدر ربع عشر القيمةَ وبه قال أبو يوسف ومحمد ثم قال بعد ذلك بأسطر: يخرج الزكاةً دراهم أو دنانير أو عرضًا منها فاختلف أصحابنا فيه على طرق.
قال أبو إسحاق: فيه قولان إحداهما: يلزمه إخراجها من الذي قوم به حتمًا لأن ما وجبت الزكاةً فيه أخرجت الزكاةً منه كالمواشي وهو الصحيح، والثاني: هو [١٦٢ أ/ (٤)] بالخيار بين هذا وبين إخراج العرض، وبه قال ابن أبي هريرةً وصاحب "الإفصاح" وأبو حنيفةَ بظاهر خبر سمرةَ بن جندب، وذلك لأن الذي يعد للبيع هو العرض ولأن كل مال
стр. 1209
تجب الزكاةَ لأجله يجوز إخراجها منه كالماشية، وقال ابن سرج: فيه ثلاثة أقوال:
إحداها: تخرج مما قوم به حتمًا، والثاني: يخرج من العرض حتمًا، والثالث: هو بالخيار وهذا لا يصح، لأن الذي قال في "القديم" من العرض أراد نحو ذلك ولم يمنع من إخراج غيره فليس فيه إلا قولان، وقال بعض أصحابنا: فيه قولان، إحداهما: تخرج مما قوم به، والثاني: من العرض ويحكى هذا عن ابن أبي هريرةَ ولا يصح عنه وهو ضعيف وعن أصحابنا من قال: هذا يبني على أصل وهو أن هذه الزكاةً هل تجب في العين أو في القيمة؟ وجهان: فإن قلنا: تجب في القيمةً فلو أخرج من العين جاز، وإن قلنا: يجب في العين لو أخرج من القيمة قولان، فإذا قلنا: بالقيمة أخرجها منها، وإذا قلنا: بالعين يخرج من عينه فلو عدل عنه إلى جنسه وأخرج عرضا مثله من غيره، وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: يجوز كما في المواشي والأثمان [١٦٢ ب/ (٤)].
وقال بعضهم: المذهب أنه يجوز لأن الشافعي قال في "القديم": ينظر كم قدر زكاته فيشتري به عرضًا ويخرجه وهذا نص صريح والصحيح عندي، فإذا تقرر هذا فقد فرع أبو العباس بن سريج على هذا مسائل، إحداها: أنه لو اشترى مائتي قُفيز من طعام بمائتي درهم للتجارةً فحال الحول وقيمته مائتان وجبت الزكاةَ وكان وجوبها في القيمة قولًا واحدًا، ومن أين يخرجها على الأقوال، فإن قلنا: يخرجها من القيمةً أخرج خمسةً دراهم، وإن قلنا: من العرض أخرج خمسةَ أقفزة، وإن قلنا: بالخيار بين أن يخرج خمسةَ أقفزة من غيرها أو من عينها وبين أن يخرج خمسةَ دراهم لأن كل واحد منهم يخرج العشر فإن عدل من هذا الطعام إلى أربعةَ أقفزة من طعام جيد ساوي خمسةَ دراهم فهو على الأقوال أيضًا، فإن قلنا: إن الإخراج من القيمةَ واجب لا يجوز هذا ويكون مقطوعًا لأنه إخراج الزكاةَ بالقيمةً فيلزمه إخراج خمسةَ دراهم، وإن قلنا: يخرج من العرض تجزيء أربعةَ أقفزة عن أربعةَ أقفزة ويكون متطوعًا بالفرق وبقي عليه قفيز فيخرجه، وإن قلنا: بالخيار سألنا عن نيته فيما أخرج، فإن قال: نويت بها عن خمسةً [١٦٣ أ/ (٤)] دراهم لم يجزه لأنه عدل عن المنصوص إلى القيمةً وإن قال: نويت بها عن خمسة من الأصل قلنا ت قد تطوعت بالفضل الذي هو الجودة وعليك قفيز آخر يلزمك إخراجه، ولو حال الحول على هذا الطعام وقيمته مائتان حين الحول ثم تغيرت الحال بعد الحول ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن تنقص قيمته لنقصان السوق فصار يساوي مائةً فإن كان ذلك بعد إخراج الزكاةً منها فهذا المقصان لا يؤثر فيه، وإن كان بعد الإمكان قبل إخراج الزكاة فإن الزكاةً وجبت بالحول والإمكان واستقرت فلا يسقط بالنقصان كما لا يسقط بالتلف فإن قلنا: تخرج من القيمةَ فعليه إخراج خمسةَ دراهم، لأن التقويم حين الوجوب فإذا لم يؤد ضمن النقصان، وإن قلنا: تخرج من العرض أخرج خمسةَ أقفزة فيها أجزأته، وإن كانت تساوي درهمين ونصفًا لأن نقصان القيمةً لنقصان السوق لا يضمن بالتعدي كما يقول في الغصب، وإن قلنا: بالخيار نظر فإن
стр. 1210
اختار إخراج القيمةً أخرج خمسةَ دراهم وإن اختار إخراج العين أخرج خمسةَ أقفزة وتجزيه وإن كان ذلك بعد الحول قبل إمكان الأداء [١٦٣ ب/ (٤)] فإن قلنا إمكان الأداء من شرائط الوجوب فلا زكاةً عليه لأن وقت الوجوب كان ولم يكن عنده نصاب وإن قلنا: هو من شرائط الضمان لؤمه أن يخرج زكاة مائة درهم وما نقصن نقصى منه ومن المساكين، فإن قلنا: الإخراج من القيمة أخرج درهمين ونصفًا، وإن قلنا: من العين أخرج خمسة أقفزة منه لأنه هو الواجب عليه، وإن قلنا ت بالخيار إن شاء أخرج من القيمة درهمين ونصفًا وإن شاء أخرج من العين خمسةَ أقفزةً لأنه وإن انتقصت قيمته فهو نقصان منها ليس عليه غير الطعام وهو ربع عشرها.
والمسألةَ الثانيةً: أن تزيد قيمتها لزيادةَ السوق فبلغت قيمتها أربعمائةَ درهم فإن كانت الزيادةً بعد إخراج الزكاةً فلا اعتبار بها، وإن كانت قبل الإخراج بعد الإمكان فقد ذكرنا وجهين، والصحيح أنه لا اعتبار بها أيضًا، إلا في زكاةَ السنة الثانيةً، فإن قلنا: إن الإخراج من القيمةَ أخرج خمسةَ دراهم وإن قلنا: إن الإخراج من العين أخرج خمسةَ أقفزة منها أو من غيرها يكون قيمتها عشرةَ دراهم لأن الحق تعلق بالعين فما زاد فيها كان للمساكين لأن زيادةً قيمةَ العين في العين بمنزلةُ الزيادةً التي لا تتميز ويكون حكمه حكم زكاة العين إلا في النصاب فقط فإنه يعتبر نصابه [١٦٤ أ/ (٤)] بالقيمةً، وإن قلنا: بالخيار فيخير بين أن يخرج خمسةَ دراهم وبين أن يخرج خمسةَ أقفزة منها أو من غيرها قيمتها عشرةَ دراهم، هذا إذا كانت الزيادةَ بعد الإمكان أو قبل الإمكان وبعد الحول، وقلنا: الإمكان من شرائط الضمان وحكي ابن أبى هريرة: وجهًا أنه يجب خمسةَ أقفزةً قيمتها خمسةَ دراهم لأن هذه الزيادةً حدثت بعد وجوب الزكاةً وهي محتسبةً في الحول الثاني وهذا غلط؛ لأن على هذا القول المستحق خمسة َأقفزة أو مثلها من غيرها، وأما إذا قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فزادت قبل الإمكان عليه أن يخرج عشرةَ دراهم على قوله الجديد، أم خمسةَ أقفزة على قوله القديم منها أو من غيرها تكون قيمتها عشرةَ دراهم، وإن قلنا: بقول الخيار إن شاء أخرج عشرةَ دراهم أو خمسةَ أقفزة قيمتها عشرةَ دراهم، ولو كانت معه مائتا قفيز حنطةً للتجارةً فحال الحول وأمكنه إخراج الزكاةً فلم يخرج حتى تلف وكانت ساوي مائتي درهم فلما كان بعد تلفها بغير السعر فصارت تساوي أربعمائةً فإن قلنا: بقوله الجديد أخرج خمسةَ دراهم ولا زكاةً في الزيادةً، وإن قلنا: بقوله القديم أخرج خمسةَ أقفزة قيمتها عشرةً؛ لأنه إذا لؤمه أن يخرج من عينها أو مثلها [١٦٤ ب/ (٤)] فإن مثل ما تلفت قيمته في الحال إخراج الزكاةَ عشرةً.
والمسألةَ الثالثةٌ: إذا نقصت قيمته بعيب حدث به كالسوس والنداوةً بالماء ونحو ذلك فإن كان هذا قبل إمكان الأداء فإن قلنا: بقوله القديم إن الإمكان من شرائط الوجوب فلا شيء عليه لأن وقت الوجوب جاء وليس معه نصاب، وإن قلنا: هو من شرائط الضمان فما نقص نقصُ منه ومن المساكين فهو على الأقوال فإن قلنا: الإخراج من القيمةً أخرج درهمين ونصفًا وإن قلنا: الإخراج من العين أخرج خمسةَ أقفزةً، لأن
стр. 1211
العيب دخل عليه وعلى المساكين، وإن قلنا بالخيار يتخير بين أن يخرج درهمين ونصفًا أو خمسةً أقفزةً منه، وإن كان هذا العيب بعد إمكان الأداء يضمن ما نقص هاهنا، ثم إن قلنا: إن الإخراج من القيمةً أخرج خمسةً دراهم لأن عليه ضمان ما نقصت القيمة، وإن قلنا: إن الإخراج من العرض أخرج خمسةً أقفزة منها ومنها درهمان وهذا لأن عليه ضمان ما نقص وحكمه في قدر الزكاةً كالغاصب.
فإن قيل: قلتم في المسألةَ الأولى: يخرج خمسةً أقفزة من غير أرش النقصان وهاهنا توجبون الأرش فما الفرق؟ قلنا: لأن الغاصب ضمن نقصان بغير العين ولا يضمن بغير السوق فافترقا هاهنا أيضًا.
مسألةْ (١): قال: ولو كان [١٦٥ أ/ ٤] في يده عَرَضَّ للتجارَةً تجبُ في قيمته الزكاةً.
الفصل
وهذا كما قال: إن كان في يده عرض قيمته قدر النصاب أقام في يده ستةَ أشهر ثم اشترى به عرضا للتجارةً فأقام في يده ستةَ أشهر فقد حال الحول على المساكين معًا وقام أحدهما مقام الآخر لأن الزكاةً تجب في القيمةً لا في العين والقيمةَ مستدامة في العرض الثاني، وبهذا فارق ما إذا باع ما تجب الزكاةً في عينه فيستأنف الحول لأن الزكاةَ تجب في أعيانها فلم تكن العين الأولى مستدامةً في الثاني، ويفارق المسألةَ الأولى، لأن الثمن هناك لم يكن زكاتيًا فحول العرض كان من يوم اشترى بالعرض الأول بخلاف مسألتنا.
فرع
لو ملك العرض للتجارة ستةَ أشهر ثم باعه بثمن من غير جنس ما اشترى به الأصل كأنه اشترى بدراهم وباعه الآن بدنانير فيه وجهان: أحدهما: يستأنف الحول لأن الزكاةَ انتقلت من قيمةُ العرض إلى عين لا تعتبر في العرض وحكاه الربيع في "الأم" (٢) عن الشافعي، وهو بالقياس، والثاني: وهو ظاهر المذهب وعليه أصحابنا أنه يبني لأن التغليب لا يحصل إلا بالأثمان وبه وجبت الزكاة في العرض فلم يجز أن يكون سببًا لإسقاط الحول وهذا أحوط.
مسألة: قال (٣): ولو اشترى [١٦٥ ب/ (٤)] عرضًا للتجارةِ بِدَرَاهِمِ أَوْ دَنانيرَ أَوْ بِشَيْءِ تَجِبُ فِيه الصَّدُقَةَ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَكَانَتْ إفادة مَا اِشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْعَرْضَ مِنْ يَوْمِهُ لَمْ يُقَوَّمْ الْعُرْضُ حَتَّى يَحْوَلَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَ ثُمْنُ الْعَرَضِ.
وهذا كما قال: إذا اشترى عرضًا بنصاب من الدراهم أو الدنانير للتجارةً فإن حول العرض ينبني على حول الثمن بلا خلاف لأنهما معدتان لشراء العروض فجاز أن ينبني حول العرض على حولهما، وأما إذا اشتراه بماشيةً سائمةً فقد نقل المزني عن
стр. 1212
الشافعي: أنه جعلها في حكم الدراهم في ابتناء حول العرض على حولها ثم اعترض فقال: إذا كانت فائدته نقدًا فحال العرض من حين أفاد النقد وأراد بالنقد الدراهم والدنانير وعلل بأن معنى قيمةَ العرض للتجارةً والنقد في الزكاةً ربع العشر أي: هما متفقان في قدر الواجب فيهما فجاز أن يبنى حول أحدهما على الآخر وليست كذلك زكاةُ الماشيةَ مع زكاةَ العرض لأنهما مختلفان في قدر الموجب ثم أوضح بأن في خمس من الإبل السائمةً شاةُ أفيضم ما في حوله زكاةً شاةً إلى ما في حوله زكاة ربع العشر أي: لا يجوز ابتناء الحولين عند اختلاف الموجبين ثم أيد هذا بأن قال: ومن قوله لو أبدل إبلًا ببقر أو بقراً بغنم لم يضمها في الحول لأن معناهما في الزكاة [١٦٦ أ/ ٤] مختلف فكذلك هاهنا والجواب عن هذا من وجوه: أصحها أن الحكم على ما ذكره المزني ولكن ليست العلةُ ما ذكرها من اتفاق الموجبتين أو اختلافهما إذ لو كان كذلك لكان أداء بازل الدراهم بالدنانير أو ماشيةُ بجنسها وجب أن ينبني حول أحدهما على حول الآخر لاتفاق الموجبين بل العلةً ما أشرنا إليه من كون الدراهم أو الدنانير معدتين لشراء عروض التجارةً بخلاف المواشي فإذا تقرر هذا بقي الآن علينا الاعتذار للشافعي في الجمع بين أن يكون وبين أن يكون ماشيةً فنقول: إنما جمع بينهما يجوز إلا أنه صور المسألةً في استفادةً ثمن العرض ووقت الشراء وصرح به فإذًا لا فرق في هذا العرض بين أن يعبر بحولان الحول من يوم اشترى العرض وبين أن يعبر بحولان الحول من يوم أفاد ثمن العرض إذ كلا اليومين يوم واحد ثم إذا صرنا إلى التحقيق والتدقيق يعبر بما عبر به المزني، ومن أصحابنا من اعتذر بأن الشافعي جمع بين ثلاث مسائل: إذا اشترى بدنانير أو بدراهم أو بالماشيةً ثم أجاب عن المسألتين الأولتين دون الثالثةً، والشافعي قد يجمع بين مسائل ويجيب عن بعضها وهذا بين في كلامه لأنه قال: حتى يحول الحول من يوم أفاد ثمن العرض [١٦٦ ب/ ٤] والثمن يطلق على التقدير دون الماشيةً ومن أصحابنا من اعتذر بأنه أراد إذا اشترى أربعين شاةً بنيةَ التجارةُ بما لا يجب الزكاةً فيه ثم اشترى بها عرضًا فإنه يبني حول العرض عليها على القول الذي يقول تجب في الماشيةُ زكاةُ التجارةً، وقال أبو يوسف الإصطخري: إن اشترى عرضًا بماشيةً يبني على حول وادعي أن هذا مذهب الشافعي وخالف المزني واستدل بأن العرض فرع، والماشيةً أصل فأشبه الأثمان بخلاف ما إذا بادل أصلًا بأصل وهذا غلط، لما ذكرنا.
فرع
إذا كان يبتاع النيل ليصغ به ثياب الناس أو شحمًا ليدهن به الجلود ويبيع أو ما يبقى له عين في المعمول فيبقى في يده حولًا تجب زكاةُ التجارةً فيه لأن عين المال يبقى بعد الاستعمال ويقابل بالعرض ويجري مجرى بيع العين إلا أنها لا تفرد بالعقد، ولهذا قلنا في المفلس: إذا اشترى ثوبًا ونيلًا ثم صبغه ثم رجعا جميعًا فيه وإن كان مما لا يكون له عين في المعمول فيه كما لو اشترى الصابون والأسنان ليغسل به ثياب
стр. 1213
الناس بالعرض أو ملحًا ليستعمله في الخبز وبقي في يده حولًا فلا تتعلق به الزكاة لأن هذه [٧٦١ أ/ ٤] الأشياء لا يبقى عينها حالةً المقابلةً بالعوض ولا يقابلها شيء من أجرةَ العمل ولكن يبقى أثرها.
فرع آخر
إذا اكترى منازل ودورا ليكريها بزيادةً ويريح عليها ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه زكاةَ التجارةً لأن المنافع مال، والثاني: لا يلزمه لأن المنافع ليست بأموال حاصلةً بل هي بعرض أن تحمل أو تفنى وعلى هذا لو كان يملك عرض التجارةً فصرفها في كراء منازل ودور ليكريها بزيادةً ويربح عليها يقطع الحول على ما ذكرنا من الوجهين.
مسألة (١): قال: ولو كان اشترى العرَضَ بمائتي درهم لم يقوم إلا بدراهمِ.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن فيما يقوم به مال التجارةً ولا يخلو إما أن يشتري بغير جنس الأثمان أو بجنس الأثمان، فإن اشترى بغير جنس الأثمان مما فيه الزكاةً أو مما لا زكاةً فيه قومناه بنقد البلد على ما ذكرناه، وإن اشتراه بجنس الأثمان لا يخلو إما أن يكون بقدر النصاب أو بدون النصاب فإن كان بقدر النصاب فإنه يقوم بما اشتراه سواء كان غالب نقد البلد أو لم يكن وسواء كان ذلك خيرًا لأهل السهمان أو غيره، وقال أبو حنيفة وأحمد: يقوم بما هو الأنفع للمساكين وهذا غلط؛ لأن نصاب العروض مبني [١٦٧ ب/ (٤)] عليه فيعتبر به ولا يعتبر الأنفع مع بقائه كذلك مع وجود ما بني عليه، وقال ابن الحداد: يقوم لغالب نقد البلد دون الذي اشتراه به كذلك هاهنا وهذا غلط؛ لأن العرض فرع لثمنه وتقويم الفرع بأصله إذا كان له في القيمةً مدخل هو أولى من تقويمه بغيره، ولهذا يبني حوله على حوله ويخالف المتلف لأنه لا يتعلق بما اشترى به فلم يقوم به وإن كان الشراء بدون النصاب ولم يكن له مال غيره، قال ابن أبي هريرة: فيه وجهان:
أحدهما: يقوم بجنس ما اشترى به العرض لأن اعتبار رأس المال أولى إذا أمكن فإنه أقرب إليه وهذا أصح.
والثاني: يقوم بنقد البلد لأنها ما دون النصاب هو في معنى العرض ولأنه لا يتعلق بما اشتراه به إذ ليس له حول يبنى عليه، وبه قال أبو إسحاق.
فرع
لو اشتراه بمائة درهم وعشرةً دنانير فيه ثلاثةَ أوجه أحدها: يقوم بغالب نقد البلد، والثاني: بثمنه فما قابل الدراهم يقوم بالدراهم، وما قابل الدنانير يقوم بها، والثالث: ذكره في "الحاوي" (٢) يقوم بالدراهم لأنها أصل وطريقها النص والدنانير تبع وطريقها الاجتهاد. [١٦٨ أ/ ٤]
стр. 1214
فرع
لو لم يعرف بماذا اشتراه يقوم بنقد البلد ذكره أصحابنا لأنه تعذر اعتبار أصله.
فرع آخر
إذا اشترى عروض التجارةً بالتبر والسبائك فيه وجهان: أحدهما: لا يُقَومِ عند الحول بالتبر لأنه ليس بقيمةً، ولكن يقوم بجنسه من النقد، والثاني: لا يقوم بجنسه ولكن يقوم بنقد البلد لأنه ليس بقيمة أصلًا فلا يقوم بجنسه.
فرع آخر
لو اشترى عرضا بدين في ذمة البائع، وقلنا: تجب الزكاةُ في الدين فيه وجهان:
أحدهما: تقوم بجنس الدين لأن حوله مبني على حول الدين.
والثاني: يقوم بنقد البلد لأن الدين ملك ناقص أو لا يجوز فيه التصرف إلا مع من عليه الدين فكان بمنزلةُ العرض الذي لا يعد التصرف والمشتري بالعرض يقوم بنقد البلد.
فرع آخر
إذا اشترى بدراهم في ذمته ثم صرف إلى البائع الدراهم التي في يده هل يقوم بالدراهم آو بنقد البلد؟ وجهان: أحدهما: لا يقوم بالدراهم لأن الدراهم قيمةُ وهي المال أقرب فكان التقويم بها أولى.
مسألة: قال (١): ولو باعَهُ بعد الحَولِ بدنانير قُوَّمتْ الدَّنانيرُ الدَّراهم.
الفصل
وهذا كما قال: نقل المزني ولو باعه بعد الحول بدنانير، وقال في "الآم": لو باعه قبل الحول بدنانير [١٦٨ ب/ (٤)] وهذا أصح وذاك غلط؛ لأنه لا تأثير لبيعه بعد الحول في حكم زكاةً ذلك الحول ولأنه يقوم العرض حالةَ الوجوب، ومن أصحابنا من تأول ما قاله المزنى على أنه باعه بثمن مثله فتكون قيمته وقيمةُ العرض سواء؛ فإذا تقدر هذا وكان اشتراه بمائتي درهم ثم باعه في آخر الحول بدنانير قومت الدنانير بالدراهم، وأخرج الزكاةً من الدراهم، وإن كان اشترى بدنانير وباعه بدراهم قومت الدراهم بالدنانير ويعتبر التقويم يوم حلول الحول لا ما بعده وأخرج الزكاة ًمن الدنانير، وإن كان اشترى بنصابين عشرين دينارًا أو مائتي درهم قوم ما اشتراه بالذهب بالذهب وما اشتراه بالدراهم بالدراهم وبيانه أن ينظر إلى قيمةُ الذهب فإن كانت قيمةَ الذهب أربعمائةُ درهم والدراهم مائتان فإن مكث العرض يقوم بالدرهم وثلثيه بالدنانير، فإن باع كل واحد منهما نصابًا أخرج الزكاةً فإن قصر كل واحد منهما عن النصاب فلا زكاةً، وإن بلغ أحدهما نصابًا والآخر أقل من نصاب أخرج الزكاةً من النصاب، ولم يخرج
стр. 1215
الزكاةً من الآخر، ثم قال في المزني: ولو باعه بدراهم وعرض أي: قبل الحول باع هذا [١٦٩ أ/ (٤)] العرض الذي اشتراه بدنانير بدراهم وعرض قوّم بالدنانير أي: قوم العرض والدراهم جميعا عند الحول بالدنانير لأنها هي الأصل الذي انعقد عليه الحول وهو على ما ذكر وعلى هذا لو كان في أكثر الحول عرض التجارةً أو في أقل الحول وفي الباقي ناض بلغ نصابًا فحول الناض مبني على حول عرض التجارةً ثم هذا الناض يقوم بما وقع به الشراء حتى لو كان الشراء بنصاب من الدنانير قد مضى عليه شهر مثلًا ثم مرت بالعرض خمسةً أشهر ثم باعه وقد مضت ستةُ أشهر أخرى فالدراهم تقوم بالدنانير فإن كانت نصابًا زكاها وإلا فلا، وإن كانت هذه الدراهم في نفسها نصابًا وعلى هذا لو كان في أول السنةَ وآخرها عرضان وفيما بينهما ناض هو دراهم وشراء العرض الأول كان بالدنانير فلا اعتبار بهذه الدراهم بل يقوم العرض في آخر الحول بالدنانير.
فرع
لو باع في خلال الحول بأقل من مائتي درهم وكان الأصل دراهم فالحول ينقطع لأنها لا تقوم لخيرها بل هي أصل بنفسها وقد انتقص نصابها بخلاف ما لو بح بعرض لا ساوي نصابا أو العرض الأول انتقص عن نصاب لأن العرض أبدًا مقوم فلا [١٦٩ ب/ (٤)] اعتبار بنقصان قيمته في خلال الحول كما لا اعتبار بنقصانه في أول الحول فإن الحول ينعقد على عرض ناقص من النصاب ذكره القفال، وفيه وجه آخر: أنه لا ينقطع الحول كما لو باع بجنس آخر دون النصاب ذكره في ألصغاري وهذا غلط، ولو وقع الشراء بمائتي درهم ثم بيع بعشر دنانير أو أكثر لا ينقطع الحول سواء كانت قيمةُ الدنانير تبلغ نصابًا أم لا لما ذكرنا، أن الدنانير هاهنا هي كعرض من العروض وليست بأصل، فإذا تمَّ الحول على الدنانير وهي تساوي مائتي درهم وجبتا الزكاةً وإلا فلا تجب.
فرع آخر
إذا باع عرض التجارةً بعد وجوب الزكاةً فيه طريقان، أحدهما: أن الحكم فيه كما لو باع ما تجب الزكاةً في عينه بعد وجوب الزكاةَ، والثاني: يصح البيع هاهنا قولًا واحدًا لأن الزكاةً لا تجب في عينه وإنما تجب في قيمته والقيمةُ موجودةً في العرض بخلاف ما تتعلق الزكاةُ بعينه.
مسألة: قال (١): وَلَوْ أَقَامَتْ عِنْدَه مائة دِينارَ أَخَذَ عُشْرَ شَهَّرَا ثَمَّ اِشْتَرَى بِهَا أَلَفَّ دُرِّهُمْ أَوْ مائة دِينارَ فَلَا زَكاةَ فِي الدَّنانيرِ الأخيرةِ
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألةَ تتأوله ما تجب الزكاة في عينه من جنسه أو غير جنسه وقد ذكرنا: [١٧٠ أ/ (٤)] ذلك وبينا الحكم في الصيرفي وهو أن ينوي التجارةً ومطلق نصه
стр. 1216
هاهنا يدل على أنه لا فرق بين الصرفي وغيره.
مسألة: قال (١): ولو اشترى عرضًا لغير تجارةً فهو كما لو ملك بغير شراء.
وهذا كما قال: إذا اشترى عرضًا بنيةَ التجارةً فإنه يصير للتجارةً بهذه النية ويعتبر الحول من حين الشراء لخبر سمرةً بن جندب ﵁، فإن قيل: أليس قد قلتم: لو اشترى شاةً بنية الأضحيةً فإنها لا تصير أضحيةً فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن جعلها أضحيةً إزالةُ ملك والبيع جلب ملك فلا يجوز أن يجتمع البيع وإزالةً الملك بخلاف مسألتنا ولو اشتراه لا بنيةَ التجارةً أو نواه لغير التجارة مثل الإمساك للفرش أو اللبس لا يصير للتجارةً فإن نوى التجارةً بعده لا يصير للتجارةً ولا زكاةً حتى يبيعه ثم يشتريه ثانيًا بنيةَ التجارةً وبه قال جماعةُ العلماء، وقال إسحاق وأحمد في روايةً: إنه يصير للتجارةً بهذه النية وبه قال أبو ثور والحسين الكرابيسي من أصحابنا، وهذا غلط؛ لأن كل ما لا تجب الزكاةً في أصله لا تجب الزكاةً فيه بمجرد النية كالماشيةً المعلوفةً إذا نوى أن يجعلها سائمةً. فإن قيل: أليس لو اشترى العرض بنيةَ التجارةً ثم نوى آن يكون للقنيةً سقطت [١٧٠ ب/ (٤)] الزكاةً فما الفرق؟ قلنا: قال مالك في رواية: هاهنا لا يصير باليةَ للتجارةً وهو غلط، والفرق ظاهر؛ وذلك أن الأصل فيه الفنية وأن لا زكاةً فيه فيرجع إلى الأصل بمجرد النيةَ ولا ينتقل عن الأصل بمجرد النيةَ وهذا كما يقول في المقيم؛ إذا نوى السفر فلا يصير مسافرًا وإذا نوى المسافر الإقامةً فإنه يصير مقيمًا، وإن لم يترك المشي لأن المقيم قد يمشي وأيضًا إذا نوى القنيةً فقد حصلت النيةَ وترك التصرف فانضم إلى النيةً غيرها فهو كما لو اشترى سلعةً بنية التجارةً تصير للتجارةَ وتنتقل عن حكم الأصل لحصول الفعل مع النية، ثم قال الشافعي (٢): هاهنا وأحب لو فعل، أي: واجب لو أخرج الزكاةً ولم يقل هذا في المسألةً المقدمة استصحابًا للحالةُ المتقدمةً في كل واحدةً منهما في المسألةَ الأولى: لم يكن العرض في الأصل زكاتياً فلم يصر بمجرد نيته زكاتيًا، وفي المسألة الثانية: كان الحول قد انعقد وقد أبطله بنيته بعد انعقاده فكذلك استحب له إخراج الزكاةً منه ثم بين الشافعي أن نيةَ التجارةً فيما كان للقنية ونيةَ القنيةً فيما كان للتجارةً يفارق نيةُ السوم في المعلوفةً ونية العلف في السائمة فقال: ولا يشبه هذا السائمة أي الذي قد ذكرنا لا يشبه هاتين [١٧١ ب/ (٤)] المسألتين ولم يذكر المعنى المفرق لوضوحه وهو أن الإمامةً والعلف كل واحد منهما فعل مباشر والأفعال لا تحصل بالنيات من غير مباشرةً، وهاهنا التجارة التصرف والقنيةً ضدها وهو ترك التصرف فما كان للقنيةَ لا ينقلب للتجارةً حتى يحصل مباشرةً التصرف وما كان للتجارةَ ينقلب للقنية بمجرد النية، لأنه في الحال غير متصرف فيه فيمر للقنيةً بترك ذلك التصرف.
فرع
لو نوى قنيةَ بعضه فإن حد ذلك البعض فحكمه يتغير، وإن لم يحد ذلك البعض فيه
стр. 1217
وجهان، أحدهما: لا حكم لنيته للجهل ويكون كله على حكم التجارةً، والثاني: يجعل نصفه للتجارةً تسويةً بين البعضين وبعد ثلاثين الحكمين.
فرع آخر
لو اشترى عرضًا عند بائعه للقنيةً بعرض للتجارةً عنده فيه وجهان: أصحهما أنه يكون للتجارةً لأنه وجدت نيةً التجارةً فيغلبه عن أصله، والثاني: يكون للقنيةً ولا زكاة فيه استدامةُ بحكم العرض في نفسه قبل شرائه وهذا غلط؛ لأنه لو اشترى بعرض الفنية عرضًا عند بائعه للتجارةً بكون للقنيةً بلا خلاف ولا يستلزم حكمه قبل شرائه كذلك هاهنا.
فرع
لو ملك بغير عوض كالإرث والهبةً والوصيةً لم تكن للتجارة وإن [١٧١ ب/ (٤)] نوى بتملكه التجارةً لأن العرض إنما يصير للتجارةً بفعل التجارةً مع النيةً وهذه التمليكات ليست من التجارةً، ولو كانت الهبةً بشرط الثواب وجوزناها في أحد القولين تصير للتجارةً إذا نوى التجارةً لأنها معاوضةً.
فرع
لو ملكته بالصداق ونوت به التجارةً أو خالفته على مال أو صالحته على مال ونوى به التجارةً يصير للتجارةً ودخل في حولها لأن كل هذا معاوضة، وهكذا لو ملك بالإجارة أو السلم أو الشفعة.
وقال بعض أصحابنا في الصداق وبدل الخلع ومال الصلح عن دم العمد: لا يفر التجارةً؛ لأن الخلع والنكاح ليسا بمعاوضةً على الحقيقةً فإنهما يصحان بدون ذكر العوض ذكره في الصغاري وهكذا ذكر صاحب "الحاوي" (١)، وقال: لا يجب فيما ملك بالإجارةً أيضًا، لأن كل هذا ليس من التجارةً ولم يذكر وجهًا آخر وهذا أقيس والأول ظاهر الذب وقيل: هذا بناء على أن المأذون هل يؤاجر عبده وفيه وجهان.
ولو ملك بسبب حادث مثل الإفلاس والإقالةً فهذا العشر بحكمه قبل خروجه من ملكه، كان للتجارةً كان بعد رجوعه إلى ملكه للتجارةً، وإن كان للقنية كان بعد رجوعه للقنيةً، ولو كان للقنيةُ [١٧٢ أ/ (٤)] فنوى للقنيةً والفسخ ليس بتجارةً، ولو اقترض بنية التجارةً عند القبض لا يصير للتجارةً، لأن طريقة الإرفاق، وكذلك لو اغتنم بنيةً التجارةً لا يكون للتجارةً، ولو باع ثوبًا بثوب وثوبًا التجارة ثم ترادا بالعيب لم تبطل التجارةً لأن العقد الذي انعقدت به التجارةً لم يبطل من أصله.
فرع آخر
إذا ملك الديباج كوى الفنية ليقطعه ويلبسه أو كان يملك سيوفًا للتجارة فنوى القنيةً
стр. 1218
ليقطع بها الطريق هل ينقطع الحول؟ وجهان: أحدهما: ينقطع لأن نيةُ الإمساك موجودةً، والثاني: لا يتقطع لأنها نيةً فاسدةً.
مسألة: قال (١): وَلَوْ كَانَ تَمَلُّكُ أَقَلُّ مِمَّا تَجِبُ فِيه الزَّكاةَ زَكَّي ثَمَنَ الْعُرْضِ مِنْ يَوْمِ مُلَّكِ الْعَرْضِ.
الفصل
وهذا كما قال: نصاب مال التجارةً قيمةً المال فإن قوّم الدنانير فعشرون دينارًا محل وإن قوّم بالدراهم فمائتا درهم، والواجب ربع العشر وما زاد فبحسابه.
وهل يعتبر النصاب طول الحول فيه طرق؟ إحداها: يعتبر في آخر الحول فقط قولًا واحدًا كما نص عليه هاهنا وبه قال مالك قال: لأن الزكاةً تحولت فيه بقنيةً أي: حول الزكاةً انعقد على هذا العرض يقنية إذا لم يكن منعقدًا على ثمنه فأقل ما في الباب أن يجعل كما لو اشترى عرضًا للتجارةً [١٧٢ ب/ (٤)] يعرض للقنيةً ثم أوضح بأنه لو اتجاه بعشرين دينارًا وكانت قيمته يوم تحول الحول أقل سقطت الزكاةً عنها لأنها تحوك فيه والفرق بينه وبين زكاة النقد هو أن زكاة النقد تتعلق بالعين فلا يشق مراعاة العين، ونصابه في أول الحول ووسطه وآخره وزكاة التجارة تتعلق بقيمة العين فيشق مراعاةً النصاب كل ساعةً.
وقال ابن سريج: يعتبر النصاب فيه من أول الحول إلى آخره وبه قال أحمد قال: وهذا هو المذهب، وتأول قول الشافعي: على أنه أراد إذا اشترى بأقل هن النصاب عرضًا يساوي نصابًا يعتبر حينئذٍ الحول من حين اشترى العرض الأول وقد ذكر الشافعي قبل هذه المسألةَ ما يدل على هذا فقال:
ولو كان في يده عرض للتجارةً يجب في قيمته الزكاةً أقام في يده ستةَ أشهر على ما تقدم بيانه فشرط أن يكون قيمته نصابًا ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد أنه اشترى عرضًا للتجارةً حتى لو تم الحول عليه لوجبت في قيمته الزكاةً إذا كانت نصابًا، قال أبو إسحاق: الأول هو المذهب وخالف ابن سريج الشافعي: في هذه المسألة، ومن أصحابنا من [١٧٣ أ/ (٤)] قال فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: خرجه ابن سريج، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أقوال.
والثالث يعتبر النصاب في أول الحول وآخره وبه قال أبو حنيفةَ وهذا ليس بشيء فإذا تقرر هذا مع أصحابنا على المذهب فقالوا: لو كانت معه مائةَ درهم ثم اشترى بها بخمسين درهمًا عرضًا للتجارةً فحال الحول وهو يساوي مائةً وخمسين درهما ضمها إلى الخمسين ويخرج زكاةً الكل، وإذا كان اشتراه بكل المائةَ ثم استفاد بعد ذلك بشهر مائةً أخرى فإذا تم حول العرض الأول من حين اشتراه فإن كان يساوي درهم زكاه، وإن كان يساوي أقل من ذلك لا يلزم فيه الزكاةً، ثم إذا تم حول المائةً فإن كانت إذا ضمت إلى قيمةَ العرض نصابًا زكاه لأن الثاني يضم إلى الأول في النصاب دون الحول
стр. 1219
ولو تم حول العرض الأول وقيمته مائتا درهم وزكاةً ثم تم حول المائةً ضمها إلى قيمةَ العرض، فإن كانت نصابًا أخرج زكاةَ المائةَ وإلا فلا يلزمه بشيء، ولو كانت معه مائةً درهم اشترى بها عرضًا للتجارةً، ثم استفاد بعد ذلك مائة أخرى واشترى بها عرضًا للتجارةً، فإن كل واحد منهما يعنى من [١٧٣ ب/ (٤)] من العرض عند تمام الحول من حين اشتراه يبلغ قيمته نصابًا زكاه، وإن لم يبلغ قيمةً الأول نصابًا عند تمام حوله فإذا تم حول العرض الثاني أضافها إلى الأول وزكى الجميع، وإن لم يبلغ لمجموعها نصابًا فإذا تم حول العرض الثاني أضاف إلى العرض الأول، والثاني، فإذا بلغت قيمةُ الجميع نصابًا فأكثر زكى الجميع والطريق في الكل واحد.
فرع آخر
لو كانت معه مائة درهم فاشترى بها عرضًا للتجارةً فتم الحول من حين اشترى العرض وقيمته أقل من النصاب فلما كان بعد شهر بلغت قيمته نصابًا فيه وجهان.
أحدهما: قاله ابن أبي هريرة يلزمه إخراج زكاته وهو اختيار الماسرجسي وهو الأصح وبه قال أكثر أصحابنا، فقط شهرًا من أول الحول حتى يصير عند بلوغ النصاب كأنه آخر الحول.
والثاني: ذكره أصحابنا عن أبي إسحاق لا زكاةً عليه وتكون الزيادةً للحول الثاني فإذا تم الحول الثاني وجمعت، الزكاةً وقيل: هذا أصح، وعلى هذا لو اشترى سلعة بدراهم ثم باعها بعشرين دينارًا فحال الحول والعشرون دينارًا في يده قومت العشرون على [١٧٤ أ/ (٤)] ما تقدم بيانه لأنها كالعروض فإن بلغت نصابًا من الدراهم تلزمه الزكاةً، وإن لم يبلغ نصابًا هل يسقط حكم الحول على ما ذكرنا من الوجهين فإذا قلنا: يسقط هل ينتقل وجوب الزكاةً إلى عين العشرين دينارًا كسلعةُ اشتراها بورق للتجارةً فيستأنف الحول، فإذا حال الحول الثاني قومت العشرون دينارًا مرة أخرى بالدراهم التي هي الأصل، والثاني: ينتقل وجوب الزكاةً إلى عين هذه العشرين ديناراً فمن أي وقت يحتسب حول العشرين ديناراً؟ وجهان، أحدهما: من وقت التقويم لأن حول الدراهم إذا بطل عند تقويم الدنانير بعد حولان الحول فلما بطل ذلك الحول انتقلت الزكاةً إلى الدنانير فيحسب حولها من ذلك الوقت، والثاني: من وقت ما نقصت في يده العشرون دينارًا لأنه ملك العشرين من ذلك الوقت.
فرع آخر
لو كان عرضه الأول ناقصًا من المصاب في أول الحول فصار في خلال الحول نصاباً ثم بيع يعرض آخر فلما تم الحول كان الثاني نصاباً أيضاً فلا شك أن الحول الثاني يبني على الحول الأول ولو بقي العرض الأول على النقصان حتى بيع بعرض ثانٍ هل يسقط [١٧٤ ب/ (٤)] حكم العرض الأول؟ وجهان، أحدهما: لا يسقط بل الحول من يوم ملك العرض الأول أيضًا لأن العرضين كعرض واحد في حق التجارةً ولا يعتبر
стр. 1220
النصاب إلا في آخر الحول، والثاني: أنه لما بقي على النقصان حتى خرج من ملكه على ذلك سقط حكمه فالحول من يوم ملك العرض الثاني والأول أصح.
مسألة: قال (١): ولا تمنع زكاة التجارةً وزكاةَ الفطر يجتمعان.
فإذا ملك رقيقاً للتجارةً فأهل هلال شوال فأخرج زكاةَ الفطر إذا حال حول التجارةً أخرج زكاة التجارةً وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: تجب زكاة التجارةً ولا زكاةً الفطر لقوله: "لا ثُنيا في الصدقة" وهذا غلط؛ لما قال الشافعي رحمة الله عليه، أنهما زكاتان مختلفتان الموجب والموجَب فيه ألا ترى أن زكاةَ الفطر على الأحرار الذين ليسوا بمال، أي ليست هي زكاةَ المال وإنما هي زكاة البدن للمسلمين، وزكاةَ التجارةً تجب في المال لأنها لا تجب فيما ليس بمال فجاز أن يجتمعا.
مسالةً: قال (٢): وإذا اشترى نًخْلًا للتَّجارةِ أو وَرِثَها زكَّى زَكَاةَ النَّخلِ.
الفصل
وهذا كما قال: آما إذا ورث نخيلًا [١٧٥ أ/ (٤)] فأثمرت أو أرضًا للتجارةً فزرعها أو اشترى خمسًا من الإبل السائمةَ للتجارةَ أو أربعين شاةً سادةً للتجارةً لا يجب إخراج الزكاتين بلا خلاف لأنهما جميعاً زكاتا مال مختلفان بقلةً المال وكثرته بخلاف زكاةَ الفطر والتجارةً فإنهما يجتمعان لأنهما زكاتان مختلفتان ثم أيتهما يقدم؟ قال في "الأم" (٣): يقدم زكاة العين، وقال في "القديم": فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا وبه قال مالك، والثاني يقدم زكاة التجارةً وبه قال أبو حنيفة وأحمد ووجه هذا خبر سمرة بن جندب وقد ذكرنا أن زكاةَ التجارةً أعم لأنها تتعلق بالثمار والأرض والنخل وزكاة العين أخص وزكاةَ التجارةً أحوط لأنها تزيد بزيادة قيمةُ المال بخلاف زكاةَ العين فكان تقديمها أولى، والأول أصح، ووجهه قوله ﷺ "في خمس من الإبل شاة" ولم يفصل ولأن زكاةَ العين ثبتت بالنص ويكفر جاحدها بخلاف زكاةَ التجارةً، ولأن العين أصل والقيمةَ فرع فاعتبار الأصل أولى.
فإذا تقرر هذا فمسألةَ القولين إذا اتفق النصابان والحولان معاً مثل إن ملك أربعين شاة بنية [(١٧٠) ب/ (٤)] القنيةً أو بما هو دون النصاب من الأثمان أو بنصاب من الأثمان ولكن اشتراها حين ملك الثمن فإذا حال الحول من حين اشترى وهي أربعون شاةً قيمتها نصاباً فقد اتفق الحولان والنصابان فإن اختلف النصابان واختلف الحولان فإنه يخرج الزكاةً مما هو نصاب ولا اعتبار بالآخر مثل إن اشترى ثلاثين شاةً للتجارةَ فحال الحول وقيمتها نصاب أخرج زكاة التجارة قولًا واحدًا، ولو كانت أربعون شاةً فحال الحول وقيمتها أقل من نصاب أخرج زكاةً العين قولًا واحدًا، لأنه إنما إحدى الزكاتين عند الاجتماع وهاهنا لم يجتمعا.
стр. 1221
ولو اتفق النصابان واختلف الحولان مثل أن كانت عنده مائتا درهم ستة أشهر ثم اشترى بها أربعين شاه سائمة للتجارة فإنه بني حول الماشية على حول الأصل فيسبق حول التجارة حول العين وقد تسبق زكاة العين زكاة التجارة ففيهما طريقان أحدهما: قال أبو إسحاق: إنه يقدم ما سبق وجوبه قولًا واحدًا كما قدم ما تم نصابه وهذا هو اختيار القاضي (١٧٦ أ/ ٤) الطبري.
واحتج بأن الشافعي قال: لو باع العرض بالدنانير قبل الحول قدمها برأس المال إذا كان دراهم وهذا تقديم لزكاة التجارة على زكاة العين، لأن حول التجارة سابق.
والثاني: فيه قولان أيضًا هو اختيار القاضي أبي حامد وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه لم يفصل وقد فرض الشافعي الكلام في الثمرة ويبعد أن يوافق آخر جزء من الحول في التجارة أول بدو الصلاح وبهذا قال أحمد ومن أصحابنا من قال: فيه طريقة أخرى وهي أنه يعتبر بما هو الأحفظ للمساكين وأوفر لهم فيحمل رب المال عليه وهذا بعيد وعلى ما ذكرنا إذا كانت عنده أربعون شاة للتجارة ستة أشهر فاشترى بها أربعين شاه سائمة للتجارة هل يبني أم يستأنف الحول؟ على قولين: فإن قلنا: يقدم زكاة التجارة بني، وإن قلنا: يقدم زكاة العين استأنف الحول وعلى قول أبي إسحاق: يخرج زكاة التجارة قوم الكل وأخرج الزكاة سواء كانت الأموال ماشية أو غيرها من الثمار والنخيل والزرع والأرض، وإن قلنا: يقدم زكاة [١٧٦ ب/٤] العين نظر فإن كان المال ماشية أخرج زكاة العين، وإن كان نخيلًا فأثمرت أو أرضًا فزرعت أخرج عشر الثمار والزرع، وما الذي يصنع برقبة الأرض والنخل؟ فيها قولان، وقال في القديم: يقومها ويخرج زكاة التجارة عنها لأن ما أخرجه من الزكاة عن النماء دون الأصل فلا يتنافيان وهذا ظاهر المذهب، والثاني: أنه لا يخرج عنها شيئًا وهو القياس لأن الثمرة والحب نماء الأصول فما أخرج يكون عن الجميع أو الأصل تبع كالأربعة الزائدة على خمس من الإبل تبع لا تنفرد بالزكاة، وقال القفال إذا قلنا: في الجذوع تتبع الثمار ففي الأرض هل تتبع؟ وجهان، والفرق أنه لا تكون الثمرة إلا من غير النخلة ولا تكون من عين الأرض بل الأرض محله ومحل الزرع فافترقا.
فرع آخر
إذا قلنا: يقدم زكاة العين فانتقص النصاب في خلال الحول هل يبطل حكمه وتجب زكاة التجارة؟ فيه وجهان، أحدهما: لا تبطل لأنها أثبتتا زكاة العين فإذا انتقص النصاب سقطت الزكاة، والثاني: تجب زكاة التجارة لأنا نقدم زكاة العين عند تصور وجوب الزكاتين وانعقاد الحولين لهما (١٧٧ أ/٤) فإذا انتقص نصاب العين بأن الحول للعين أنه لم يكن منعقدًا وبقى حول التجارة، وكذلك إذا أوجبنا زكاة التجارة ثم انتقص نصاب التجارة ونصاب العين باق فيه وجهان، وبعض أهل خراسان.
стр. 1222
فرع آخر
لو اشترى سائمة للتجارة وأوجبنا زكاة التجارة فيها لنقصان نصاب العين فبلغت بالنتاج نصابًا فلما تم الحول كان نصاب التجارة ناقصًا قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستأنف من الآن حول، أما للتجارة، وإما للسوم على اختلاف القولين، والثاني: مقيمًا بلغت قيمة المال نصابًا أوجبنا زكاة التجارة، والثالث: يحسب حول العين من يوم تم نصاب العين بالسخال وقد تقدم أصل هذه الوجوه.
فرع آخر
لو كانت له حنطة للتجارة فزرعها في أرض القنية وأدرك الزرع هل يلزم العشر أم زكاة التجارة قولان.
فرع آخر
لو اشترى أرضًا للتجارة، وزرع يبذر للقنية فعليه في الزرع العشر، وفي الأرض زكاة التجارة بلا خوف، ولو كانت الأرض والبذر كلاهما للتجارة ففي الزرع قولان، على ما ذكرنا ولو اشترى غراسًا لا تحمل بنية التجارة أو أرضًا مغروسة غراسًا لا تحمل أو (١٧٧ ب/ ٤) تحمل ولكن يكون أقل من خمسة أوسق أو أرضًا مزروعة زرعًا لا زكاة فيه من الخضراوات، قال الشافعي (١): عليه أن يزكي كل ذلك زكاة التجارة لأنه ليست فيها زكاة العين.
فرع
لو اشتري شقصًا للتجارة بعشرين دينارًا فحال عليه الحول وهو يساوي مائة دينار وجبت عليه زكاة مائة فإذا قدم الشفيع وطالب بالشفعة أخذها بعشرين لأنه يستحق أخذه بالثمن الأول، ثم قال الشافعي في "المختصر": والخلطاء في الذهب والورق كالخلطاء في الماشية وأراد بالخلطاء الشركاء وقد مضى بيانه.
باب زكاة مال القراض
مسألة: قال (٢): وإذا دفع إلى رجل ألف درهم قراضًا على النصف.
الفصل
وهذا كمان قال: إذا دفع رجل إلى رجل قراضًا على أن ما رزق الله تعالى من الربح كان بينهما نصفان فاشترى العامل سلعة فحال عليها الحول وهي تساوي العين وجبت الزكاة في الكل لأن الربح في التجارة هو تبع للأصل في الحول إذا نض حين حال الحول، وعلى من تجب الزكاة؟ فيه قولان منصوصان أحدهما: تجب زكاة الكل على رب المال، وهو اختيار المزني، قال الشافعي: وهذا أشبه القولين، والثاني: على رب المال زكاة (١٧٨ أ/ ٤) الأصل وزكاة حصته من الربح وعلى العامل زكاة حصته من
стр. 1223
الربح وبه قال أبو حنيفة، وأصل هذه المسألة أن العامل متى تملك نصيبه من الربح؟ فيه قولان.
أحدهما: أن يملك بالمقاسمة والقبض بعد المقاسمة وهو اختيار الشافعي والمزني ووجهه ما ذكر المزني في آخر الباب، قال: أو ملكه زائدًا لملكه ناقصًا كالشريكين في المال ثم لو خسر حتى لم يبق للعامل في المال حق يعلمنا أنه لا حق من حيث الملك قبل الخسران.
والثاني: يملك بالظهور نصيبه من الربح لأنه عقد على أصل يقتضي اشتراك المتعاقدين في النماء فإذا صح العقد وحصل النماء كان النماء مملوكًا لهما كالمساقاة وهذا أقيس القولين، ومن نصر هذا أجاب عما قال المزني بأنه يبطل بجانب رب المال فإن الربح عند الزيادة ولا شيء له من ذلك عن التراجع، وإنما يكون له ما كان من قبل وهو رأس المال، لأن الشرط هو الشركة في الربح لا غير فمتى ذهب الربح ذهبت الشركة فإذا تقرر هذا فالكلام في ثلاثة فصول، الحول، ووجوب الزكاة، والإخراج [١٧٨ ب/ ٤].
وجملته أنه لا يخلوا حال رب المال والعامل من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا مسلمين أو نصرانيين أو أحدهما مسلمًا والآخر نصرانيًا فإن حال الحول وجبت الزكاة عليه عن الكل فلما حال الحول كذلك فهو بالخيار بين أن يخراج الزكاة من غير هذا المال وبين أن يخرج من غيره، فإن أخرج من غيره بالقراض بحاله، وإن اختار إخراجها من عينه أخرج خمسين درهمًا، ومن أين يحتسب فيه ثلاثة أوجه.
أحدهما: وهو الأصح يحتسب من أصل رأس المال ألفًا إلا خمسين، والثاني: يكون من الربح كالنفقة والمؤنة من أجرة الجمال والبيت والدلال ونحو ذلك، والثالث: يكون مقسومًا على رأس المال والربح لأن الزكاة تجب فيهما فعلى هذا ينفسخ القراض في خمسة وعشرين درهمًا، وهذا أقيس.
وقال بعض أصحابنا بخسران: هذا مبنى على أن الزكاة في العين أو في الذمة فإن قلنا: في العين فهو كسائر المؤن وهذا أصح، لأن الشافعي قال في عبد التجارة: عليه زكاة الفطر وهو من مؤن المال، وإن قلنا في الذمة: كصبي كأنه استرد طائفة من [١٧٩ أ/ ٤] رأس المال فهي من أصل المال، وإذا قلنا: على رب المال زكاة الأصل وزكاة حصته من الربح يكون قدر الزكاة عليه سبعة وثلاثين درهمًا ونصف درهم وحكمها ما ذكرنا، وزكاة الباقي على العامل والكلام فيه في الفصول الثلاثة في الحول والوجوب والإخراج.
أما الحول: فمن حين الظهور نص عليه في "الأم" لأنه على هذا القول يملك الربح بالظهور ومن أصحابنا من قال: أومأ الشافعي على قولين في "الأم" أحدهما: هذا، والثاني: من حين التقويم لإخراج الزكاة منه لأن الربح مظنون وإنما يتحقق ذلك
стр. 1224
بالتقويم، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثانيًا: أنه يعتبر من حيث المقاسمة لأن ملكه قبل ذلك غير مستقر بل هو متردد بين أن يسلم له أو لا فأشبه مال المكاتب فإذا قلنا: بالأول ينعقد ... (١) للعامل إذا ظهر أدنى شيء من الربح ولا يعتبر بلوغه نصابًا لأن اعتبار النصاب في زكاة التجارة في آخر الحول، ومن أصحابنا بخسران من ذكر وجهًا رابعًا: أن حوله حول أصل المال لأن الحول حين انعقد على هذا المال انعقد على ما يتولد منه أيضًا فإنه تابع الأصل وهذا غلط فاحش، لأنه إنما يكون حول النماء حول الأصل إذا كان [١٧٩ ب/٤] الأصل ملكًا لمن ملك النماء والعوامل لا تملك شيئًا من الأصل فكيف يكون حول ما ملك من النماء حول الأصل وقيل في نصيب العامل: طرق إحداها: حكم المال المغصوب لأنه غير متمكن من الضبط في المال وإن قلنا: ملك بالظهور، والثانية: يجب في الزكاة قولًا واحدًا لأنه يمكن طلب القسمة، والثالثة: لا زكاة فيه قولًا واحدًا لأنه وقاية لملك رب المال فملكه ناقص فيه.
وأما الوجوب فإن قلنا: ابتداء الحول من حين الظهور أو من حين التقويم فحال الحول نظر فإن كانت حصته نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا وجبت الزكاة وإن كانت حصته لا تبلغ نصابًا وليس له غيرها أو له غيرها ولكن بالإضافة إليها لا تبلغ نصابًا بنيت على الخلطة، فإن قلنا: لا تصح الخلطة في غير الماشية فلا شيء عليه، وإن قلنا: تصح فعليه الزكاة، فإذا قلنا: ابتداء الحول من حين المقاسمة فهذا رجل انفرد بهذا القدر من المال فإن كان نصابًا حين الحول ففيه الزكاة وإلا فلا زكاة فيه، لأنه لا خلطة له.
وأما الإخراج قال أصحابنا: الزكاة وإن كانت واجبة لا يلزمه إخراجها لأنه يدري هل يسلم له المال أم لا فهو كما لو كان [١٨٠ أ/٤] له دين على مليء يعترف به باطنًا لا ظاهرًا.
وقال صاحب "التقريب": يجب عليه إخراجها لأنه تصل يده إلى هذا المال، فإن المقاسمة إليه متى شاء فهو كالدين على مليء مقر به ظاهرًا وهذا أصح عندي، ومن أصحابنا بخراسان من ذكر وجهًا آخر: أنه لا زكاة في هذا المال على العامل أصلًا كالمغصوب لأن العامل لا يقدر على التصرف فيه كيف شاء فيبقى على رب المال زكاة ألف وخمسمائة، فإذا قلنا: لا يلزمه الإخراج في الحال فلا شك أنه بالخيار بين أن يخرج أو يؤخر، فإن أخر إلى القسمة أخر زكاة ما مضى إلى هذا الوقت، وإن اختار تقديم الإخراج أو قلنا يلزمه الإخراج في الحال فإن أخرج من غير هذا المال فلا كلام وإن أراد إخراجها من عينه هل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك كما لرب المال لأنهما دخلا على حكم الإسلام ووجوب الزكاة وقيل: هذا هو منصوص الشافعي، والثاني: ليس له ذلك لأن حصته هي وفاؤه لأصل
стр. 1225
المال وأصل هذين الوجهين ينبني على القولين في محلها فإن قلنا: إن الزكاة في الذمة لم يخرج منه، وإن قلنا: في العين تعلق الوجوب هاهنا بالقيمة فكان له أخراجها من القيمة هذا إذا كانا [١٨٠ ب/ ٤] مسلمين فإن كانا نصرانيين فلا زكاة على واحد منهما، وإن كان أحدهما مسلمًا والآخر نصرانيًا نظر فإن كان رب المال هو النصراني، فإن قلنا: زكاة الكل على رب المال فلا زكاة في هذا المال أصلًا.
وفرَّع الشافعي على هذا في "الأم" (١) فقال: فإن استرد رب المال رأس المال وبقى الربح بينهما فيكون ألف بين مسلم ونصراني فعلى المسلم زكاة نصبيه، وإن قلنا: على رب المال زكاة الأصل وحصته من الربح فلا زكاة في هذا القدر وبقى الكلام في حصة العامل فالكلام في الفصول الثلاثة.
أما الحول فابتداؤه على وجهين، ولا يجيء فيه قول التقويم لأن رب المال مشرك لا تقويم له.
وأما الوجوب: فإذا حال الحول فإن بلغت حصته نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا فعليه زكاة وإلا فلا زكاة، لأنه لا خلطة لرب المال لكفره.
وأما الإخراج: فلرب المال منعه من إخراجها قولًا واحدًا لأنه دخل على أن رب المال لا تلزمه الزكاة فكيف يخرج العامل الزكاة، وإن كان العامل هو النصراني فهو على القولين، فإن قلنا: زكاة الكل على رب المال فهو كما لو كانا مسلمين، وإن قلنا: على رب المال زكاة الأصل وزكاة حصته من الربح فالحكم [١٨١ أ/ ٤] في رب المال كما لو كانا مسلمين أيضًا ولا شيء على العامل لأنه نصراني، والمكاتب في كل ما قلناه كالنصراني.
فرع
لو كان القراض فاسدًا واستحق العامل أجره المثل قدر النصاب وقبضه زكاه لما مضى إن حال حول منذ ملكه وقيل فيه وجه آخر: أنه إذا جعل قدره فلا زكاة ويستقبل الحول من يوم علم قدره.
فرع آخر
لو كان مال القراض عبدًا فزكاة الفطر على من تكون؟ المنصوص أنها على رب المال، قال أصحابنا: هذا على القول الذي نقول: زكاة المال كلها على رب المال، فأما على القول الآخر: يلزم ها هنا على العامل زكاة الفطر في نصيبه من الربح ثم فيه وجهان أحدهما: يكون من رأس المال، والثاني: أنها تكون من الربح.
باب الدين مع الصدقة وزكاة اللقطة
قال (٢): وإذا كانت له مائتا درهم وعليه مثلها.
стр. 1226
الفصل
وهذا كما قال: إذا ملك نصابًا من الأموال الزكاتية خمسًا من الإبل أو أربعين شاه أو خمسة أوسق من الزرع أو عشرين مثقالًا من الذهب أو مائتي درهم من الورق، وعليه دين يستغرق النصب نظر فإن كان له مال غير هذا النصاب (١٨١ ب/ ٤) فيه قولان.
قال في "الأم" (١): لا يمنع بل يخرج الزكاة ويقضي الدين مما بقى بعد أداء الزكاة وهو الصحيح، وبه قال ربيعة وحماد وابن أبي ليلى ووجهه أنه حر مسلم ملك نصابًا من السائمة حولًا فأشبه إذا لم يكن عليه دين، وقال في القديم: واختلاف العراقيين من الجديد يمنع وجوبها كما يمنع وجوب الحج وبه قال سليمان بن يسار والحسن والليث والثوري وأحمد وإسحاق ﵏، وقيل: لا فرق بين الدين المؤجل والحال في ذلك وروي عن أحد رواية في الأموال الظاهرة أنه لا يمنع وجوب زكاتها.
وقال مالك والأوزاعي: إن كان معه دراهم أو دنانير وعليه مثلها دين فلا زكاة، وإن كانت مواشي أو ثمار فإنه يلزمه الزكاة وكذر بعض أهل خراسان: أن الشافعي قاله في موضع فيكون قولًا ثالثًا، ووجهة: أن في النقد يؤدي إلى اجتماع زكاتين على رب الدين ومن عليه الدين وفي غيره لا يؤدي إلى هذا، ومن أصحابنا من أنكر هذا وقال: قول الشافعي في القديم لمعنى وهو أن في قوله القديم: يجب دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام فلا نصدقه أنه مديون فإن صح عنده ذلك لم يجز له أخذ الزكاة، وقيل: موضع القولين (١٨٢ أ/ ٤) إذا كان الدين وما في يده جنس واحدة فإن كانا جنسين فقول واحد يلزم احترازًا من إيجاب زكاتين وهذا كله غير معتمد وقد روى أصحاب مالك عن عمير عن عمران عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه"، وقال أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه المطالبة به يمنع وجوب الزكاة في الأموال إلا في الحبوب والثمار، وقال: لو كان عليه مائتا درهم دينًا وله مثل ذلك ومن العروض ما يسوي ألوفًا فلا زكاة في المائتين التي له فخالف جميع ما ذكرنا من العلماء واحتج بأنه تحل له الصدقة فلا تجب عليه الصدقة وهذا غير صحيح فيما صورنا لأنه لا تحل له الصدقة وتبطل بابن السبيل فإنه تحل له الصدقة وتجب عليه الصدقة في ماله الذي في بلده، وإن كان له أكثر من نصاب واحد فإن كان ما زاد على النصاب يفي بالدين لزمته الزكاة في النصاب قولًا واحدًا، وإن كان لا يفي بالدين كمسألة القولين، وأما قوله في "المختصر": فاستعدي عليه السلطان أي: رفع إليه قبل الحول وإنما ذكر ذلك مبالغة في حكم المسألة لا شرطًا إذ لا حكم [١٨٢ ب/ ٤] للاستعداء عليه ما لم يقض عليه.
стр. 1227
مسألة: قال (١): ولو قضي عليه بالدين وجعل لهم بماله حيث وجدوه قبل الحول ثم حال الحول قبل أن يقبضه الغرماء.
الفصل
وهذا كما قال: في بعض النسخ قبل أن يقضيه الغرماء وقد بينا أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة ثم لا يخلوا رب المال من أحد أمرين: إما إن حجر عليه الحاكم أو لم يحجر فإن لم يحجر فكلما حال الحول أخرج الزكاة وقضي الدين بما بقى بعد الزكاة، وإن كان قد حجر عليه فحال الحول عليه وهو محجور عليه فيه ثلاث مسائل:
إحداها: حال الحول بعد تفرقة ماله بين غرمائه فلا زكاة لأن الحول حال وليس له مال.
والثانية: حال الحول بعد قسمة المال بينهم وتعيين كل ذي حق شيئًا من ماله فقيل لواحد: هذا لك بمالك وقيل لآخر: هذا لك بمالك فقبلا ذلك من غير قبض فلا زكاة أيضًا لأنه الملك، وإن لم يحصل القبض، وقال الكرخي في الموضع: أباح الشافعي للغرماء نهب مال المفلس وهذا غلط، لأن معناه عرف الحاكم الديون ومقدار مال المفلس وقسطه على الديون وجعل لكل واحد منهم من ماله عينًا بقدر دينه ورضيه الغرماء وقبلوا ذلك فلا يكون هذا نهبًا وكان ملك المفلس زائلًا [١٨٣ أ/ ٤] عنه.
والثالثة: أن يعفي عليه العافي بالديون ووقف ماله ومنعه من التصرف ثم حال الحول قبل أن يقبضه الغرماء هل يلزمه زكائه؟ قولان، بناء على المغضوب لأنه ممنوع من التصرف فيه، وقال أبو إسحاق: إن كان ماله ماشية وجبت الزكاة قولًا واحدًا وفي غيرها قولان، لأن نماءها تم بعد وقف المال بخلاف غيرها وهذا غلط، لأنها وإن كانت نامية ولكنه يحول بينها وبينه.
وقال صاحب "الإفصاح": يلزمه الزكاة في الكل لأن الحجر لا يمنه الزكاة كالحجر على السفيه وهذا أيضًا غلط، لأن وليه ينوب عنه في التصرف وها هنا ليس له نائب في التصرف فافترقا، ومن أصحابنا من قال: إن سلطهم على أخذ ماله بديونهم حيث وجدوه فلا زكاة عليه، وإن لم يملكهم كرهًا ملكه ومعنى قوله لأنه صار لهم دونه أو صاروا أحق به منه إذا أخذوا لا أنهم ملكوا قبل الأخذ، وإن لم يسلطهم تجب الزكاة وهذا غير صحيح أيضًا بل تجب الزكاة قبل أن يملك الغرماء وهو ظاهر تعليل الشافعي، لأنه صار لهم دونه.
فرع
لو كان عليه دين من جنس الدراهم وفي يده أربعون شاه وثمره وأراد الحاكم أن يبيع (١٨٣ ب/٤) أحداهما بدينه يبيع الثمرة لأن الأنفع للمساكين تبقية الماشية على ملكه لتكرر الزمان في عينها.
стр. 1228
فرع آخر
لو كان له مائتا دينار وألف درهم وعليه ألف درهم دين وقلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة قال ابن سريج: قال الشافعي في كتاب اختلاف العراقيين: ينظر في قيمة الدنانير فإن كانت قيمتها ألفًا جعلنا الدين في مقابلة ما فيه الحظ للمساكين فإن كان الحظ في جعله في مقابلة الورق فعلت وإن كان الحظ في جعله في مقابل الذهب فعلت.
وقولنا: أحظ يريد أكثر استعمالًا في البلد من الآخر، وإن كان في الحظ سواء جعلت الدين في مقابلة الورق لأنه من جنسه وأخذت لزكاة الدناير، وإن كانت المسألة بحالها وكانت قيمة الذهب تسعمائة قال الشافعي: جعلت الدين في مقابلة العين، قال ابن سريج: يجعل في الدين في مقابلة الأقل فيكون الدين في مقابلة العين، وما به من الورق ويبقى من الورق تسعمائة فأخذ الزكاة منها هذا إذا كان ماله أجناسًا زكاتية إبل وبقر وغنم وورق وتجارة.
قال ابن سريج: جعلت الدين [١٨٤ أ/٤] في مقابلة العين أو الورق أو التجارة لأنه من جنسه وأخذت الزكاة من غير ذلك، وقال أبو حامد: هذا إطلاق فاسد وينبغي أن يقال: يجعل الدين في مقابلة ما هو الأحظ للمساكين وقد يكون الأحظ أن يكون في مقابلة الماشية دون الدنانير والدراهم، وهذا لا يصرف إلى غير مال الزكاة طلبًا لحظ المساكين، كذلك هاهنا ومن أصحابنا من قال: إذا كان الدين من جنس أحدها فإنه يصرف إلى الجنس بكل حال وهذا أصح عندي، وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كانت له خمس من الإبل وعليه خمس من الإبل ومائتان درهم يجعل الدين في مقابلة الدراهم لأنها من جنس الأثمان وهذا غلط، لأن الإبل إلى الإبل أقرب والمطالبة بها دون غيرها صرف الدين إليها أولى.
فرع آخر
إذا اعترف المحجور عليه بالفلس أن ماله حال عليه الحول وفيه الزكاة أو حالت عليه أحوال وفيه زكوات فإنه يصدق بلا خوف، ولكن هل يشارك الغرماء في ذلك، أو يقدم سائر الغرماء؟ قولان (١٨٤ ب/ ٤) كما لو أقر بسائر الديون.
فرع
لو كانت له مائتان درهم ولا مال غيرها فقال لله على أن أتصدق بهذه المائة بعينها صح نذره وتعلق بها، ولزمه أن يتصدق بها فلو حال الحول قبل أن يتصدق بها فعل يمنع النذر وجوب الزكاة؟ فإن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة فهذا أولى لأنه يتعلق بالعين واستحق بهذا النذر عينه بخلاف دين الآدمي، وإن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة ففي هذا وجهان، لأن المال صار مستحقًا لله تعالى قبل الحول فإن قلنا: لا يمنع يتصدق بخمسة عن المائتين على وجه الزكاة ويتصدق بالمائة التي نذرها، وإن قلنا يمنع وجوب الزكاة تصدق بالمائة التي نذرها ولا زكاة.
стр. 1229
فرع آخر
لو نذر مطلقًا فقال: لله على أن أتصدق بدرهم وله مائتا درهم فإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة فها هنا أولى أن لا يمنع، وإن قلنا: يمنع ففيه وجهان: أحدهما: يمنع أيضًا، والثاني: لا يمنع لأنه دين لا مطالب به ويؤتمن على أدائه وضعف في بابه فلا يمنع وجوب الزكاة بخلاف دين الآدمي (١٨٥ أ/ ٤) وهكذا لو قال: لله على أن أتصدق بمائتي درهم.
فرع آخر
لو قدمه غرماؤه إلى القاضي فجحدهم وحلف ففيه وجهان أحدهما: وهو قول جمهور أصحابنا جحوده ويمينه غير مؤثر فتكون زكاة ما بيده على قولين، والثاني: جحوده مع يمينه أسقط عنه المطالبة وإن لم يسقط عنه الدين فصار في حكم من لا دين عليه لسقوط المطالبة عنه فلزم زكاة ما في يده قولًا واحدًا ذكره في "الحاوي" (١).
فرع آخر
لو أقرض ألف درهم ولا مال للمستقرض سوى ألف درهم ورهنه عند المقرض فقط حصل له ألفان ألف رهن وألف في يديه وعليه ألف المقرض وحال الحول أما المقرض فهل تجب عليه الزكاة في الدين؟ قولان:
وإما المستقرض فهل تجب عليه الزكاة فله ألفنا وعليه ألف درهم دين فإن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة زكي الكل، وإن قلنا: يمنع زكي الألف ولم يزك الآخر.
فرع آخر
لو كانت له أربعون شاه سائمة فاستأجر رجلًا يرعاها حولًا بشاة موصوفة في الذمة صحت الإجارة وملك الأجير الشاه في ذمة رب المال فإذا حال الحول عليها فعلى رب المال شاه (١٨٥ ب/ ٤) في ذمته فإن لم يكن له مال غير هذا الغنم هل يمنع الدين عليه وجوب الزكاة في الغنم قولان:
وإن كان له مال غيرها فإنه تجب الزكاة قولًا واحدًا، ولو كانت الإجازة على واحدة شاه بعينها صحت الإجازة، وإذا حال الحول فإن كانت مختلطة بغنم المستأجر كان حكمها حكم الخليطين في نصاب واحد فيلزم الزكاة عليهما بالقسط، وإن كان ميزها وعزلها لم يضمنها إلى ما عنده من الغنم ولا زكاة عليهما، وهكذا إذا استأجر بثمره نخلة بعينها أو نخلات لا يختلف هكذا قال الشافعي.
قال أصحابنا: أراد إذا ظهرت الثمرة ولم يكن يريد إصلاحها وشرط القطع أو كانت الإجازة بالنخلة وثمرتها فإذا بدا الصلاح فإن كان نصيب كل واحد منهما نصابًا زكيًا هنا، وإن كان أقل من نصاب ولكن الجميع يبلغ نصابًا فهو مبني على الخلطة فيما عدا
стр. 1230
المواشي وهذه هي خلطة أوصاف لا أعيان، ونص الشافعي ها هنا يدل على ثبوت حكمها فيها بكل حال.
فرع آخر
إذا قلنا: الدين يمنع الزكاة فدين الكفارة ودين الزكاة سواء على الطريقة الصحيحة، وقال زفر: كلاهما [١٨٦ أ/ ٤] يمنع وقال أبو يوسف: إن كانت الزكاة واجبة في العين تمنع الزكاة، وإن كانت واجبة في الذمة فإن أتلف مال الزكاة وانتقلت الزكاة إلى ذمته لا يمنع، وقال أبو حنيفة: الزكاة تمنع بخلاف الكفارة لأنها دين واجب كدين الآدمي والله تعالى أعلا المطالبين بإخراجها.
فرع
لو حال الحول على مائتي درهم فحال الحول عليها ووجبت الزكاة فيها فتصدق بكلها ولم ينو الزكاة فقد ذكرنا أنه لا يسقط عنه الزكاة على ظاهرة المذهب، وقال ابن سريج: ينظر فإن كان له مال سواها يلزمه إخراج هذه المائتين منه لأنه لما تصدق بكل المائتين علمنا أنه قصد أن يخرج الزكاة من غير هذا المال فيخرجها من غيره واجبًا، وإن لم يكن له مال سواها ففيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يقع خمسة عن الفريضة لأنها تتعلق بعينها والباقي عن التطوع ويشبه أن يكون الوجهان بناء على القولين في بيع مال الزكاة بعد وجوبها، فإن قلنا: يفقد البيع في الكل فقدت الصدقة في كله وعليه زكاة ماله، وإن قلنا: يصح فيما عدا قدر الزكاة فهاهنا صحت الصدقة تطوعًا [١٨٦ ب/ ٤] فيما عدا قدر الزكاة وكانت منها واقعة موقعها.
فرع آخر
ذكره والدي الإمام ﵀ لو ضمن عن آخر مالًا بإذنه فهذا الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ إذا قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة لا نص فيه ويحتمل وجهين أحدهما: لا يمنع وجوبها لثبوت حق الرجوع له بعد الأداء فصار كأنه لا دين عليه حيث يصل إليه عوضه عقيب أدائه، والثاني: يمنع لأن الدين عليه في الحال ولا شيء له على المضمون عنه قبل الأداء فصار كسائر الديون.
فرع آخر
ذكره والدي ﵀ لو حال الحول على ماله فقبل إمكان الأداء توجه عليه الدين من قبل الله تعالى لا بإيجاب من جهته كنفقة الزوجات هل يسقط الزكاة عنه على القول الذي يقول الدين يمنع وجوب الزكاة، فإن قلنا: إمكان الأداء من شرائط الضمان لم يسقط، وإن قلنا: أنه من شرائط الوجوب فإن كان العقد منه لم يسقط أيضًا، وإن كان من وليه يحتمل وجهين:
أحدهما: يسقط كما لو كان وجوبها قبل الحول لأن وقت الوجوب جاء وعليه دين،