← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فرع آخر يكره أن يضع يده على فيه في حال الطواف، وهذا لأنه يكره ذلك في الصلاة. وقد روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلّمن إلاّ بخير" (١). فرع آخر قال الشافعي: كره قوم أن يعد [١٠٩/أ] في الطواف، وعندي لا يكره ذلك. وروي الأوزاعي أن النبي ﷺ قال بعد الرحمن، وهو معه في الطواف: "لم تعد"، ثم قال: "تدري لما سألتك إنما سألتك لتحفظه". مسألة: قالّ (٢): وإن ترك الاضطباع والرمل والاستلام فقد أساء، ولا شيء عليه". هذه الأشياء إذا تركها عامدًا، أو ساهيًا بعذر أو بغير عذر لا قضاء عليه ولا جبر، وهكذا لو ترك التقبيل والدعاء لأنها هيئات كهيئات الصلاة سواء، ولكنه أساء بذلك إذا تعمد تركه من غير عذر والحجّ ينقسم ثلاثة أقسام أركان وأبعاض وهيئات، فالأركان أربعة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي. وإذا قلنا: الحلاق من النسك في أحد القولين، فهو ركن أيضًا، لأنه لا يقوم غيره بمقامه، فإذا ترك أحدًا واحدًا منها لم يجزِ حجّه والأبعاض: الرمي والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى. ليالي منى، فيجب الدم بتركها، وما سوى ذلك هيئات لا شيء في تركها، وحكي عن الحسن والثوري، وعبد الملك الماجشون أن عليه الدم في ترك الرمل والاضبطاع لأنه نسك، وقد قال ﷺ : "من ترك نسكًا فعليه دم"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس، قال: ليس على من ترك الرمل شيء، ولا يقول مثل هذا إلا توفيقًا، ثم قال (٣): وكلما حاذى الحجر الأسود كبّر، وقد ذكرنا هذا ويقول مع التكبير ما ذكرنا من الدّعاء. مسألة: قالّ (٤): وقال في رمله: اللهم اجعله حجًا مبرورًا أي: متقبلًا وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، أي: مثابًا عليه، ويقول في سعيه في الأربعة الأشواط: ربّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعزّ الأكرم ربنا آتنا في [١٠٩/ب] الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك، وذكر الشافعي في موضع بدل قوله، وتجاوز عما تعلم واعف عما تعلم ومعناهما واحد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: معنى قوله ويقول في سعيه، أي: بعد الطواف في سعيه بين الصفا والمروة. وقيل: أراد

стр. 1542

في سعيه فيهما وهذا أقرب عندي وذاك غلط. فرع قال في "الأم" (١): وقوله: ربنا آتنا .... إلى آخره. أحب ما يقال في الطواف إلّي وأحبّ أن يقال في كله. فرع آخر قال: ويدعو فيما بين ذلك، بما أحبّ من أمر دين ودنيا، وأراد أن ما ذكرناه من الدعوات مسنون، فلا يضيق عليه أن يزيد عليه ما أحبّ ما لم يكن مأثمًا ولا تقدير في شيء من الدعوات. وروي القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى" (٢). فرع آخر قال في "الأم" (٣): واستحبّ قراءة القرآن في الطواف، والقرآن أفضل ما تكلم به المرء، وهذا يدل على أن قراءة القرآن أفضل في الطواف من الدعاء. قال: ويكفيني أن مجاهد كان يقرأ عليه القرآن في الطواف. وقال مالك: يكره قراءة القرآن في الطواف. وبه قال الحسن وعروة بن الزبير، واحتجّوا بما روي أن ابن عمر سمع رجلًا يقرأ في الطواف، فصك في صدره، وهذا غلط لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة"، وأفضل الذكر في الصلاة القرآن، ولأنه ثبت أنه كان ﷺ يقول في طوافه: "ربّنا آتنا .... " إلى آخره. ووافقنا فيه مالك. وهذا بعض آية من القرآن. فرع آخر [١١٠/أ] قال في "الحاوي" (٤): قال أصحابنا: أراد الشافعي، أن قراءة القرآن أفضل من الدعاء الذي لم يسن فيه، فأما الدعاء المسنون فيه، فهو أفضل من قراءة القرآن فيه اقتداء برسول الله ﷺ ، وقال النبي ﷺ : ما شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء (٥) ولأن في الركوع الذكر أفضل من القراءة كذلك ههنا وهذا حسن. فرع آخر يباح فيه الكلام، ولكنه يستحبّ إقلال الكلام. قال الشافعي (٦) لأني أستحبّ إقلال الكلام في الصحراء والمنازل إلا بذكر الله تعالى لتعود منفعة الذكر إلى الذاكر، أو

стр. 1543

يكون الكلام في شيء من صلاح أمره، فكيف قرب بيت الله تعالى مع عظيم رجاء الثواب فيه من الله تعالى. قال ابن عمر: أقلوا الكلام في الطواف، فإنما أنتم في الصلاة (١)، قال أصحابنا: والأفضل أن لا يتكلم أصلًا لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ ، قال: "من طاف سبعًا لم يتكلم فيه، إلا سبحان والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات" (٢). فرع آخر قال: إنشاد الشعر والرجز في الطواف يجوز إذا كان مباحًا، وروي محمد بن السائب عن أمه، قالت: طفت مع عائشة ﵂، فذكروا حسان في الطواف فسبوه، فقالت عائشة: لا تقولوا: أليس هو الذي يقول: هجَوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذلك الجزاء فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمدٍ منكم وقاء فقيل لها: أليس هو الذي قال ما قال في الإفك؟ فقالت: أليس قد تاب؟ ثم قالت [١١٠/ب] عائشة: إني لأرجو له ما قال، ولكنه يستحبّ ترك إنشاد الشعر وإن كان مباحًا أيضًا والكلام أيسر منه. وقال مجاهد: كان النبي ﷺ يطوف بالبيت وهو متكيئ على أبي أحمد بن جحش وأبو أحمد يقول: حبّذا مكّة من وادي بها أهلي وعوادي بها أمشي بلا هاد قال: فجعل النبي ﷺ كأنه يعجب من قوله: بها أمشي بلا هادي والأولى تركه لما روي إبراهيم بن أبي أوفي أن أبا بكر ﵁ كان يطوف بالبيت ويرتجز بهذا، فقال رسول الله ﷺ : "قل الله أكبر، الله أكبر". فرع آخر قال: الأكل والشرب فيه مكروه والشرب أخف حالًا، قال ابن عباس: رأيت رسول الله ﷺ يشرب ماء في الطواف (٣)، وكان ابن عباس يشرب الماء فيه. وقال في "الإملاء": لا بأس بشرب الماء فيه والأحسن في الأدب أن يتركه. فرع آخر يكره أن يبصق في الطواف أو يتنخم أو يغتاب ولا تفتد به.

стр. 1544

فرع آخر الكمال في الطواف أن يطوف خارج البيت وراء الحجر دون زمزم والخطيم، وإن طاف في المسجد وراء زمزم وسقاية العباس دون الجدار يجوز، ولكن الأول أكمل هيئة لأنه ليس بينه وبين البيت حائل، وإن كان بينه وبين الكعبة حائل يجوز إذا لم يخرج من المسجد كما لو صلى في المسجد بصلاة الإمام، وبينهما حائل يجوز وإن خرج عن المسجد وطاف لم يجز لأنه لو جاز ذلك لجاز إذا خرج من مكّة وطاف حولها. فرع آخر لو طافَ على سطح المسجد الحرام يجوز لأنه معلوم أن سقف المسجد اليوم دون سقف الكعبة، فكان طائفًا بالبيت حتى لو علا سقف المسجد لا يجوز بخلاف الصلاة لأن المقصود في الصلاة جهة بنائها، فإذا علا عليه لم يكن طائفًا ضمن بنائها فلم يجز. فرع آخر يكره أن يقال: حجّة الوداع لأن الحجّ طاعة فيكره أن يعتقد أن يودعها ولا يعود إليه ويكره أن يسمى المحرم صفر لأن العرب كانت في الجاهلية تحرم القتال سنةً في المحرم وسنة في صفر، في السنة التي لا يحرمونه في المحرم يسمون المحرم صفر. مسألة: قالَ (١): ولا يجزاء الطواف إلا بما يجزاء به الصلاة من الطهارة. الفصل الطهارة من الحدث والتنجس شرط في جواز الطواف حتى قال في "الأم" (٢): ولو طاف وفي نعله نجاسة لم يعتد بما طاف، وكذلك ستر العورة وطهارة المكان شرط فيه. وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: إنها ليست بشرط، واختلف أصحابه في وجوبها فكحي عن ابن شجاع أنها سنّة. وقال غيره: إنها واجبة، فإذا طاف بغير طهارة تلزمه إعادته ما دام بمكة، فإن خرج منها وكان محدثًا تلزمه شاة، وإن كان جنبًا تلزمه بدنة، وحكي عن أحمد أنه قال: إن أقام بمكة أعاد فإن رجع إلى أهله جبره بدم، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، ولأنه عبادة متعلقة بالبيت، وكانت من شرطها الطهارة، كالصلاة، فإذا تقرّر هذا، فإن كان بمكّة تطهّر وطاف، وإن عاد إلى بلده لم يحل حتى يعود ويطوف، ولا يفتقر الطواف إلى نية جديدة في ظاهر المذهب لأن نية الحجّ تأتي عليه كما يأتي على الوقوف وقيل: فيه وجهان، لأنه عبادة تفتقر إلى النية. مسألة: قالَ (٣): وإن أحدث فيه توضأ وابتدأ.

стр. 1545

الفصل إذا رعف أو قاء في أثناء الطواف. قال في "الأم" (١): انصرف فغسل الدم عنه، ثم رجع وبنى، وكذلك إن غلبة الحدث انصرف، فتوضأ ورجع وبنى، وأحبّ إلّي [١١١/ب] في هذا كله لو استأنف فأجاز البناء، واستحبّ الاستئناف. وقال أصحابنا وإن تعمد الحدث، فكذلك، لأن مذهبه في الجديد إن سبق الحدث وعمده سواء في بطلان الصلاة، فذلك حكمهما سواء ههنا. وقال القاضي أبو حامد في "الجامع": قال الشافعي في "القديم": إذا قطع الطواف لغير عذر فزايل موضعه، وهو في المسجد استأنف قياسًا على الصلاة، فإذا أمره بالاستئناف إذا قصد قطعه وزايل المطاف، وهو في المسجد قياسًا على الصلاة، فلأن يبطله الحدث العمد بذلك أولى فعلى هذا يجب أن يكون في الحدث العمد قولان. أحدهما: يبطله ويلزمه استئنافه على قياس قوله في "القديم". والثاني: لا يبطله، والمستحبّ أن يستأنفه فإن بني عليه أجزأه، ولا فرق بين أن يتطاول الفصل أو لم يتطاول، ومن أصحابنا من قال في حدث العمد: يستأنف قولًا واحدًا، وفي السبق قولان، والقول الجديد في الكلّ إنه لا يبطل به الطواف، وإن طال الفصل. وقال أبو حامد: إن سبقه الحدث، وقلنا: لا تبطل الصلاة به. لا يبطل الطواف به، وإن طال الفصل، وإن تعمد، فإن لم يطل الفصل بني وإن طال الفصل هل يبطل الطواف؟ قولان، قال في "القديم" يبطل ووجهه أنه يتعلق بالبيت، فيبطله التفريق الكثير كالصلاة. وقال في "الحديد": لا يبطل لأنه لا يبطله التفريق اليسير، فلا يبطله التفريق الكثير بخلاف الصلاة، وقيل: إذا طال الفصل لا فرق بين أن يتعمد الحدث أو يسبقه. فرع قال في "الأم" (٢): واختار إن قطع الطائف الطواف فتطاول رجوعه أن يستأنف، ذلك احتياط ولو طاف اليوم وغدًا أجزأ عنه وظاهر ما قال في "القديم": أنه يلزمه الاستئناف، فالمسالة على قولين: وقال أحمد: الموالاة فيه شرط [١١٢/أ] فإن فرق وطال الفصل استأنف. فرع آخر إذا أحدث في الطواف وقلنا: يبنى على أحد القولين لو كان ذلك في بعض طوفته قبل انتهائه إلى الحجر الأسود فيه وجهان: أحدهما: يستأنفها ولا يبني لأن لكلّ طوفة حكم نفسها، والطوفة الواحدة يجوز تبعيضها. والثاني: وهو الأصح. يبني على ما مضى لأنه لا فرق بين الطوفة والأطواف.

стр. 1546

وهكذا الحكم لو قطع الطواف لحاجة في بعض الشوطة لا للحدث. فرع آخر إذا لم يجز التفريق الكثير فيه، فاحتاج إلى قطع الطواف لصلاة الجماعة هل يبني إذا عاد أم يستأنف؟ وجهان ذكره القفال، وهذا غير صحيح لأن النصّ أنه يبني فلا معنى للوجهين. فرع آخر قال في "الأم" (١): إذا كان في طواف الفرض، فأقيمت الصلاة يخرج ويصلي ويعود إلى طوافه، لأن الطواف لا يفوت بخلاف الصلاة، وأما إذا أراد الخروج لصلاة الجنازة أو للوتر أو لركعتي الفجر يكره لأنه نفل أو فرض على الكفاية والطواف فرض على الأعيان، فلا يترك بذلك. فرع آخر قال: وأحبّ أن لا يدخل في سعيه وطوافه صلاة جنازة إلا أن يكون في المسعى فتتقدم جنازة في سمته، فصلى عليها من غير أن ينحرف ليكون ذلك أخفّ حالًا. فرع آخر لو طاف بالكعبة واضعًا يده على الكعبة. قال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز ذلك؟، قولان، كما لو حاذى الكعبة ببعض بدنه في الصلاة أو الحجر في الطواف، وهذا لأنه إذا وضع يده يكون بعض بدنه في البيت. فرع آخر قال في "الأم" (٢): لو أغمى عليه في الطواف ثم أفاق ابتداء الوضوء والطواف قريبًا كان أو بعيدًا، فجعل الإغماء قطعًا للطواف، وفرق بينه وبين الحدث، وهذا صحيح، وعلى ظاهره محمول. والفرق أن [١١٢/ب] تكليفه يزول بالإغماء فزال به حكم البناء بخلاف الحدث. فرع آخر لو أحرم بالعمرة من الميقات، وفرغ من أعمالها وتحلّل ثم أحرم بالحجّ وفرغ من أعماله وتحلّل منه، ثم ذكر أنه طاف أحد الطوافين بلا طهارة، وأشكل عليه فعليه أن يطوف ويسعى، وعليه دم شاة وأجزاه عن الحجّ والعمرة، لأنه يجوز أن يكون محدثًا في طواف الحجّ، فإن كان محدثًا في طواف العمرة لم يعتد بطوافه ولا بسعيه، وعليه دم الحلاقة، وقد صار قارنًا لإدخال الحجّ على العمرة تحلله منه، وعليه دم للقران وطوافه في الحجّ يجزئه عنهما لأن القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد فعلى هذا التنزيل يلزمه دمان للحلاق والقران، ولا يلزمه طواف ولا سعي وأجزأه الحجّ والعمرة، وإن كان محدثًا في طواف الحجّ فقد أكمل العمرة، ثم أحرم بعدها بالحجّ فصار

стр. 1547

متمتعًا، فعليه دم التمتع، وقد طاف وسعى على غير طهارة، فلا يعدّ طوافه وسعيه وعليه أن يطوف ويسعى، فعلى هذا التنزيل يلزمه دم لتمتعه وطواف وسعي ويجزئه الحجّ والعمرة، فعلى هذين التنزيلين يلزمه طواف وسعي ليصح أداؤه لفرض النسكين يقينًا أجزأه الحجّ والعمرة معًا وعليه دم واحد يقينًا لأنه لا يخلو من أن يكون قارنًا أو متمتعًا، وأمّا دم الحلاق، فلا يلزمه لأنه مشكوك في وجوبه. فإن قيل: أوجبتم عليه الطواف والسعي مع الشكّ في وجوبها، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أنها من أركان الحجّ، فإذا شكّ الإتيان كما لو شكّ في الصلاة في بعض أركانها ودم الحلاق من النسك ومن شكّ فيه كان كمن شك في صلاته هل تكلم أم لا؟ فلا سجود عليه. فرع آخر لو أحرم بالعمرة وتحلّل منها ووطئ بعدها، ثم أحرم بالحجّ وتحلّل منه ثم تيقن أنه كان محدثًا، إما في العمرة أو في الحجّ، فإن [١١٣/أ] قلنا: وطء الجاهل لا يفسده، فكأنه لم يطأ وحكم هذه المسألة ما سبق، وإذا قلنا: يفسده فعليه طواف وسعي، وهل يجب عليه دم معهما؟ فيه وجهان، وإنما كان كذلك لأنه يجوز أن يكون محدثًا في طواف العمرة: فلم يعتد بطوافه وسعيه فيها، ولزمه دم لحلقه لأنه حلق لم يتحلل به، ثم وطئ وهو باقٍ على إحرامه بالعمرة وأفسد عمرته ولزمه قضاؤها وبدنة لإفسادها ثم أحرم بعده بالحجّ وطاف وسعى فيه، وقد اختلف أصحابنا فيمن أدخل حجًا على عمرة فاسدة هل يصير قارنًا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصير قارنًا ويكون إحرامه بالحجّ باطلًا لكن طوافه وسعيه في الحجّ نائبًا عن طوافه وسعيه في العمرة، وقد تحلّل منها. والثاني: يصير قارنًا، فعلى هذا طوافه وسعيه في الحجّ يجزئه عن العمرة والحجّ، ويلزمه قضاء العمرة، وهل يلزمه قضاء الحج؟ فعلى هذا التنزيل قد لزمه قضاء العمرة وقضاء الحجّ على أحد الوجهين وبدنة للوطء ودم للحلق ودم القران في أحد الوجهين، فهذا حكمه إن كان محدثًا في طواف العمرة، وقد يجوز أن يكون محدثًا في طواف الحجّ فعلى هذا قد سلمت العمرة ووطئ قبل إحرامه بالحجّ، ثم طاف في الحجّ محدثًا فلم يعتدّ بطوافه وسعيه، فعلى هذا يصير متمتعًا، فعليه أن يطوف ويسعى وعليه دم لتمتعه، فعلى هذين التنزيلين يجب عليه طواف وسعي ليكون متحلّلًا من إحرامه بيقين وهل عليه دم أم لا؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يصير قارنًا بإدخال الحجّ على عمرة فاسدة، فعليه دم لأنه يتردد بين أن يكون قارنًا، فيلزمه دم، وبين أن [١١٣/ب] يكون متمتعًا، فيلزمه دم، فكان وجوب الدم عليه يقينًا من هذا الوجه، وإن قلنا: لا يكون قارنًا بإدخال الحجّ على عمرة فاسدة، فلا دم عليه لأنه تردد بين أن يكون متمتعًا، فيلزمه دم، وبين أن يكون معتمرًا فلا يلزمه دم الدم لا يجب بالنسك. وقيل: وجه واحد يلزمه دم شاة، لأن وجوبه بيقين لأن الطهارة إن كانت متروكة من العمرة فدم الحلق واجب وإن كانت متروكة من الحجّ فدم المتعة واجب، فأمّا قضاء

стр. 1548

الحجّ والعمرة ووجوب كفارة الوطء فلا تجب بحال، لأنه قد تردد بين أن لا يجب وبين أن يجب وبالشك لا تجب وأما إجزاء الحج والعمرة عن فرض الإسلام، فالعمرة لا تجزئ ويجب قضاؤها لأنها تردد بين أن يكون عارية عن الفساد وبين أن تكون فاسدة، فلا يسقط فرضها بالشكّ، وإن لم تكن العمرة واجبة عليها. قال بعض أصحابنا: لا يلزمه قضاؤها للشكّ في سبب القضاء، وقال أكثرهم: يجب قضاؤها للشكّ في إحرامها، وأما الحجّ، فيه وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين هل يكون قارنًا أم لا؟ ثم على اختلاف الوجهين فإذا صار قارنًا هل يلزمه قضاء الحجّ أم لا؟، فإن قلنا: لا يكون قارنًا لم يجزه فرض الحجّ لأنه يتردد بين أن يكون قد أحرم بالحجّ أم لا، وإن قلنا: يكون قارنًا، فإن قلنا: إن من أدخل الحج على عمرة فاسدة يلزمه قضاء الحجّ والعمرة لم تصحّ حجّة الإسلام لأنه تردد بين أن يكون حجّ حجًا صحيحًا وبين أن يكون قد حجّ حجًا فاسدًا، فلذلك لم يجز، وإن قلنا: إن من أدخل الحجّ على عمرة فاسدة لم يلزمه قضاء الحجّ أجزأه ذلك عن حجّة الإسلام، لأنه تردد بين أن يكون قارنًا فيصحْ حجّه وبين أن يكون متمتعًا فيصحّ حجّه أيضًا، فيكون فرض الحجّ على هذا الوجه ساقطًا بيقين. مسألة: قالَ (١): وإن طاف فسلك الحجر أو على جدار الحجر، أو على شاذروان الكعبة وفي نسخه أو على شذروان الكعبة لم يعتد به. أراد بالحجر موضعًا شبه الخطيرة على يسار البيت [١١٤/أ] الحرام مما يلي الشام بين الركنين الشاميي والعراقي حظر حوله بجدار قصير، وقيل: إنه قدر ستة أذرع من الحجر كان من جملة البيت، فأخرج منها لقصر البقعة بهم. قال الشافعي: سمعت عددًا من أهل العلم من قريش يذكرون، أن من الكعبة في الحجر نحو ستة أذرع. وقال عددًا من أهل العلم من قريش يذكرون، أن من الكعبة في الحجر نحو ستة أذرع. وقال أبو حامد: ست أذرع أو سبع أذرع. والصحيح ما ذكرنا بلا إشكال، وأما جدار الحجر هو الجدار القصير الذي حظر به حوله، وأما شذروان الكعبة. قال المزني هو تأزير البيت. قال أبو حامد: لا يفهم معناه بل هو أساس البيت العالي عن وجه الأرض لأنه وضع على قواعد إبراهيم ﵇، فلما علا عن وجه الأرض بقدر شبر اقتصر بحائط الكعبة عن كل الأساس، وترك بعض الأساس خارجًا عن الحائط على عادة الأبنية فهو الذي يسمى شاذروان الكعبة ولا يعجز الرجل عن أن يصعده، فيمشي عليه، والدليل على هذا ما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم"، فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لرددتها على ما كانت عليه، وروي: "ولبنيتها على قواعد إبراهيم وألصقها بالأرض ولجعلت له بابين بابًا شرقيًا يدخل الناس منه وبابًا غربيًا يخرج الناس منه". وروت أنها قالت: يا رسول الله وما دعاهم إلى إخراج بعض البيت إلى الحجر؟ فقال: قصرت بهم النفقة، قالت: فلم رفعوا الكعبة عن الأرض؟ قال: ليأذنوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا"، ومعنى قوله ﷺ :

стр. 1549

"قصرت بهم النفقة" ليس أن مال قريش لم يسع لبناء البيت أو يخلو به، ولكن كانت للكعبة أموال من النذور والهدايا، فقالوا: لا ننفق في البيت [١١٤/ب] من أموالنا التي جرى فيها الربا، وإنمّا ننفق من مال البيت، فلهذا قصر المال عن ذلك وقيل: ما فضل من حجارة البناء وضعوه في جوف الكعبة، فلذلك ارتفعت عن وجه الأرض. وروي أن البيت هدم قبل البعث بعشر سنين ورسول الله ﷺ ابن ثلاثين سنة فلما بنوه تنازع بنو عبد مناف بن هاشم بن عبد المطلب وعبد شمس ونوفل في وضع الحجر الأسود في موضعه، وقال كل واحد منهم: نحن نضعه وكاد يقع بينهما قتال فتواضعوا على أن يرضوا بحكم أول من يدخل من باب بني شيبة، فأقبل رسول الله ﷺ ، وكانوا يسمونه في الجاهلية محمد الأمين فلما رأوه قالوا: محمد الأمين أتاكم من لا يميل فحكموه فحكم بأن يبسط رداء ويوضع الحجر عليه، ثم يأخذ كبير كل رهط بطرف منه حتى يحملوه إلى موضعه، فبسط رداءه ووضع رسول الله ﷺ الحجر بيده عليه، فأخذوا بأطراف الثوب، فوضعه في موضعه بيده وكان بناؤهم على الصورة التي هو عليها اليوم، وقبل ذلك كان لاصقًا بالأرض ذا بابين شرقي وغربي، فلما خرج ابن الزبير بمكة هدم البيت وبناه كما كان قديمًا، وكما قال ﷺ : "لولا حدثناهم بالكفر لفعلت ذلك"، فلما ظهر عليه الحجاج وقتله هدم البيت بالمنجنيق، وبني هذه البينة التي هو عليها اليوم، فلما ولّى هارون الرشيد هم بأن يهدمه ويبنيه كما بناه ابن الزبير، فقال له مالك بن أنس: لا تفعل هذا، فإن الملوك يتنافسون بعدك بناءه، فلا يزال بيت الله مهدومًا، فتركه فهو اليوم على بناء الحجاج وقدر شبرًا أو شبرين شاذروان البيت فإذا ثبت هذا، قال الشافعي في "الأم" (١): كمال الطواف أن يطوف [١١٥ أ/] من وراء الحجر، فإن طاف وسلك الحجر أو على جداره، أو على شاذروان الكعبة كان في حكم من لم يطف، وهذا لأنه طاف في البيت لا بالبيت. وقال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٩] الآية. وقال أصحابنا: إذا سلك الحجر فإن طوافه من الحجر إلى الحجر معتد به وما سلكه في الحجر وباقي الطواف إلى أن جاء إلى الحجر الأسود لم يعتّد به لأنه إذا لم يعتدّ بما قبله لا يجوز أن يعتدّ به لأن الترتيب مستحقّ فيه. وقوله: فسلك الحجر وهو تعميم الحجر بهذا الحكم، وليس كذلك لأن ما وراء ست أذرع ليس من الكعبة، فلو تسلق الطائف جدار الحجر في الذراع السابعة أو الثامنة، وخرج من الجانب الثاني كذلك، ولم تدخل الذراع السادسة يصحّ طوافه بالبيت، ولو سلك الحجر من أحد بابيه إلى الآخر تحت الميزاب لم يجز لأن ذلك الموضع من البيت، وقالت عائشة ﵂: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأدخلني الحجر. وقال: صلي في الحجر إن أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت (٢)، ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت، وكذلك لو كان يمشي

стр. 1550

وبعض بدنه فوق الشاذروان لم يجز وهذا المرتفع عن وجه الأرض شبه الدكان عند الحجر الأسود غير ظاهر، فيحتمل أن هناك من الأساس خارج البيت ما في موضع آخرن ولكن رفع لئلا يشقّ على الناس استلام الركن. قال القفال: فيدع قدر الشاذروان، فلا يمشي فيه. وقال: شيخنا ناصر ﵀ أنا شاهدته ويشبه أنه ليس قرب الحجر من الشاذروان وعليه دم، وهذا على أصله شيء لأن الشاذروان ظاهر عند الركن اليماني، ثم يقل ويتداخل تحت الجدار حتى إذا كان بقرب الحجر لا يبقي منه شيء [١١٥/ب] وجعل الشاذروان هناك تحت الجدار والركن فيه الحجر جعل أكثر خروجًا ليكثر الناس من الاستلام، وهكذا شاهدته أيضًا. وقال أبو حنيفة: يحسب طوافه إذا سلك الحجر أو مشى على الشاذروان، وعليه دم، وهذا على أصله أن أكثر الطواف يقوم مقام الكل ويجبر بدم وعندنا لا يعفو عن خطوة، وأقل من ذلك وبقولنا: قال مالك وأحمد، وهذا لأن النبي ﷺ طاف حول البيت سبعًا، وقال: "خذوا عني مناسككم". مسألة: قالَ (١): وإن نكس الطواف لم يجزه بحال. إذا طاف فترك البيت عن يمينه فقد نكس الطواف، ولا يعتدّ بما طاف بالبيت منكوسًا والترتيب فيه شرط، وهو أن يجعل البيت عن يساره ويطوف عن يمين نفسه. وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إذا طاف منكوسًا فقد أساء وإن كان بمكة يلزمه الإعادة، وإن فارقها يجزئه، وعليه دم واحتج بانه أتى بالطواف، وإنما ترك هيئة من هيئاته، فأشبه إذا ترك الرّمل، وهذا غلط لأن النبي ﷺ ترك البيت في طوافه عن جانب اليسار، وقال: "خذوا عني مناسككم"، ولأن هذه عبادة بالبيت فكان الترتيب فيها شرط كالصلاة. فرع لو طاف وجعل ظهره إلى البيت لا نص فيه ولكن قال أصحابنا: يجزئه، لأنه حصل الطواف بالبيت والترتيب. فرع آخر لو مشي في الطواف متقهقرًا إلى خلف بأن جعل يمينه نحو البيت ومشى إلى خلف من جانب الركنين الشاميين، فقد أساء ويجزئه لأن دورانه موافق لما ورد به الشرع، ولكن مشيه بخلاف العادة. فرع آخر قال في "الأم" (٢): وأكثر ما طاف رسول الله ﷺ [١١٦/أ] ماشيًا بالبيت وبالصفا والمروة فأحبّ ذلك إلا من علّة وإن طاف راكبًا من غير علة فلا إعادة عليه ولا فدية، ولأنه إذا طاف راكبًا ربما لوّث المركوب المسجد ويؤذي الناس، فكان المشي أولى، وقال مالك وأبو

стр. 1551

حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر يكره رجلًا كان أو امرأة وعليه دم، وحكي ذلك عن أحمد، وهذا غلط لما روى جابر قال: طاف رسول الله ﷺ على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه، فإن الناس كانوا غشوة وصحف في المسائل، وقال: فإن الناس كانوا عشرة آلاف، وما ذكرته في صحيح مسلم ﵀ (١)، فإن قيل: روى ابن عباس أن الني ﷺ طاف راكبًا لشكاية به (٢). قلنا: في خبرنا ما يدلّ على خلافه. وقيل: ما روى ابن عباس كان في طواف القدوم. وما روى جابر كان في طواف الإفاضة، وهذا لا يصحّ لأنه لم يكن راكبًا في طواف القدوم على ما بينا وأما عند العذر. رأت أم سلمة أنها قدمت مكة مريضة، فقال لها رسول الله ﷺ : «طوفي وراء الناس وأنت راكبة» (٣). فَرْعٌ آخرُ لو طاف وشكّ في عدد ما طاف بنى على اليقين كما في الصلاة وفرع عليه في «الإملاء»، فقال: إذا اعتقد أنه طاف سبعًا، فأخبره شاهدان أنه طاف خمسًا أو ستًا أحب أن يرجع إلى قولهما، ويكمل الطواف لأن الزيادة في الطواف لا تبطله، ويفارق الصلاة لأن الزيادة فيها تبطلها، فإن لم يفعل وبنى على يقين نفسه جاز لأن الطواف فعله، فالمرجع فيه إلى اعتقاده دون اختيار غيره. فَرْعٌ آخرُ المكّي إذا أراد أن يطوف يلزمه، ولا يحتاج إلى الإحرام، فلو أراد أن يطوف عن الغير، فإن كان نذر في وقت بعينه لا يجوز في ذلك الوقت [١١٦/ أ] أن يطوف عن الغير لأن الزمان مستحقّ لفرضه، وإن أراد أن يطوف وقت آخر أو كان زمان النذر غير متعين فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن الطواف لا يختصّ بزمان مخصوص وإن لم يكن الزمان متعينًا لم يكن فيه حجر فجاز أن ينوب عن الغير، وإن كان عليه فرض والثاني: لا يجوز، وهو الأصحّ، لأن العمرة لا تختصّ بوقت، ومن عليه العمرة لا يعتمر عن الغير فكذا الطواف. فَرْعٌ آخرُ قال: لو طاف، وهو لابس لبسًا محرمًا أو مخيطًا أو مطيبًا أجزأه الطواف لأن تحريم ذلك لا يختص بالطواف إلا أنه يلزمه بذلك فدية. فَرْعٌ آخرُ لو كان عليه طواف الزيارة فطاف بنيّة التطوع انصرف إلى الفرض كالقول في أصل الحجّ.

стр. 1552

فَرْعٌ آخرُ لو كان الرجل محرمًا، فطاف بصبي محرم أو كبير محرم فحمله ينوي بذلك أن يقضي عن الكبير أو الصغير طوافًا وعن نفسه لم يجزِ عنهما بخلاف الخبر. وقال في «الأم» (١): الطواف طواف المحمول لا طواف الحامل، وعليه الإعادة عن نفسه لأن الحامل كالراحلة، وقال في «الإملاء»: الطواف للحامل دون المحمول لأنا إنما نبدأ أبدًا في الحجّ بالواجب عن العامل، والعمل لم يوجد من المحمول بل وجد من الحامل، وهذا اختيار أبي حامد، وهو الأصحّ. وقال أبو حنيفة: يحصل للحامل الطواف والمحمول كالطائف راكبًا لأنهما حصلا طائفين بالبيت، وهذا غلط لأن الفعل الواحد لا يقع عن اثنين ولا يلزم على هذا إذا حمل غيره في الوقوف لأن هناك لا يعتبر الفعل بل يعتبر الكون في مكان الوقوف، وهما كائنان فيه. وفي الطواف يعتبر الفعل، فإن كان للحامل لا يقع عن غيره، وإن كان للمحمول فالحامل مركوبة، كالبهيمة فلا يقع عن غيره. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): فإذا فرغ صلى ركعتين خلف المقام. إذا فرغ من الطواف [١١٧/ أ] صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم ﷺ لما روى جابر، قال: لما قدم النبي ﷺ مكّة دخل المسجد فاستلم الحجر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا ثم أتى المقام، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلّى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين، فاستلم ثم خرج إلى الصفا (٣)، وقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. فَرْعٌ السنّة أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لما روي جابر أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فَرْعٌ آخرُ السنّة أن يصلّيها خلف المقام، وفي هذا المقام يقف الإمام في جميع الصلوات، فإن لم يكن ففي الحجر تحت الميزاب، فإن لم يكن ففي الحرم، وحيثما صلّى جاز. وقال الثور: لا يجوز فعلهما إلّا خلف المقام لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وهذا غلط لأنهما صلاة فلم تختصّ بمكان دون مكان كسائر الصلوات. وروي أن عمر كان يطوف بالبيت ويصلّي ركعتين في البيت. وروي أنه طاف بعد الصبح ثم ركب لأن الشمس لم تطلع، فلما أتى ذا طوى أناخ فصلّى ركعتين (٤)،

стр. 1553

والآية محمولة على الاستحباب. فَرْعٌ آخرُ هاتان الركعتان هل هما واجبتان أم مسنونتان؟ فيه. قولان: أحدهما: هما مسنونتان وبه قال مالك وأحمد: لأنهما صلاة ذات الركوع وليس لها وقت راتب، فلا تكون واجبة شرعًا كتحية المسجد، وهذا أظهر، والثاني: هما واجبتان. وبه قال أبو حنيفة: لأنهما ركن من أركان الحجّ فوجب أن يكونا من توابعه ما هو واجب كالوقوف. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: هما واجبتان، ففاتتا يلزمه قضاؤهما ويجوز في الحرم وغيره [١١٧/ ب]. وقد قال الشافعي في موضع: يصلّيهما حيث ذكرهما من حلّ أو حرم، وقول سفيان: إن قضاهما من غير الحرم لم يجزئه، وقال مالك: إن قضاهما في غير موضعهما يلزمه دم، وهذا غلط لأنهما ليستا بأوكد من سائر الصلوات المفروضات، وقضاؤهما يجوز في كل مكان، كذلك هذه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: إن لم يصلّ ركعتي الطواف ورجع إلى بيته صلاهما أو أراق دمًا. وقال أصحابنا: الدم مستحبّ لا واجب، وهذا إذا قلنا: إنهما واجبتان، وهو غريب. فَرْعٌ آخرُ القولان إذا كان الطواف فرضًا فإن كان الطواف نفلًا فالركعتان نفل قولًا واحدًا، وهذا كالتشهد إذا كان واجبًا، فالصلاة على الرسول ﷺ بعده واجبة، وإن كان نفلًا فالصلاة عليه مسنونة، وقال ابن الحداد: في الركعتين قولان، هل هما واجبتان أم مسنونتان؟ وإن كان الطواف نفلًا وهو غلط. فَرْعٌ آخرُ لو أتى بصلاة فريضة عقيب الطواف قامت مقام ركعتي الطواف. روى الشافعي هذا عن ابن عمر في كتابه «القديم»، ولم يذكر مخالفًا، وهذا دليل على أنهما لا يجبان إذ الواجبان لا يتداخلان. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: إنهما مسنونتان، هل يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ طاف راكبًا، ثم نزل وصلى خلف المقام، فلو جاز قاعدًا جاز راكبًا. والثاني: يجوز لأنهما تابعتان للطواف، ويجوز أن يطوف راكبًا مع القدرة، فهذا أولى وهذا عندي أصحّ، والأول ضعيف ذكره في «الحاوي» (١)، وقيل: إذا قلنا: إنهما واجبتان، هل يجوز قاعدًا؟ وجهان، وليس بشيء.

стр. 1554

فَرْعٌ آخرُ يختار أن يدعو عقيبهما [١١٨/ أ] لما روى جابر أن النبي ﷺ عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خلفه ركعتين، ثم قال: «اللهم هذا بلدك ومسجدك الحرام وبيتك الحرام، أنا عبدك ابن أمتك أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمّة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنك دعوت عبادك إلى بيتك الحرام وقد جئت طالبًا رحمتك مبتغيًا مرضاتك وأنت مننت عليّ بذلك فاغفر لي وارحمني، إنك على كلّ شيء قدير». مَسْألَةٌ: قالَ (١): ثم يعود إلى الركن، فيستلمه. الفَصْلُ إذا فرغ الطائف من الركعتين يعود إلى الركن فيستلمه يعني الحجر الأسود حتى يودّع بالاستلام، ثم يخرج، وهذا أن ممن خرج مكّة أمر بأن يجعل آخر عهده بالبيت، ولا يستلم اليماني الآن والدليل عليه ما ذكرنا من الخبر. فَرْعٌ قال في «الحاوي» (٢): ويستحبّ أن يأتي الملتزم فيدعو عنده. روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «ما بين الركن والمقام ملتزم من دعا من ذي حاجة أو ذي كربة أو ذي غمّ فرّج عنه بإذن الله» (٣) ويختار أن يلصق صدره ووجهه بالملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب في وجه الكعبة وليكن من دعائه ما روى بريدة أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم إنك تعلم سرّي وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي، فأعطني سؤالي وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي أسألك إيمانًا يباشره قلبي ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبته عليّ وأرضني بقضائك لي» (٤). وكان سعيد بن جبير يستحبّ أن يدعو في الملتزم بين الحجر والباب: رب اغفر لي ذنوبي وقنّعني بما رزقتني وبارك لي واخلف على كل عاقبة بخير. فَرْعٌ آخرُ وقال أيضًا (٥): يختار أن يدخل [١١٨/ ب] الحجر ويدعو تحت الميزاب. قال النبي ﷺ : «ما من أحد يدعو عن الميزاب إلا استجيب له» (٦). وقال الحسن: أقبل عثمان ﵁ ذات يوم، فقال: لأصحابه ألا تسألوني من أين جئت. قالوا: ومن أين جئت يا أمير المؤمنين؟ قال: ما زلت قائمًا على باب الجنة، وكان قائمًا تحت الميزاب يدعو الله عنده. وروي أن النبيّ ﷺ كان يقول إذا حاذى ميزاب الكعبة، وهو

стр. 1555

في الطواف: «اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب» (١). مَسْألَةٌ: قالَ (٢): ثم يخرج من باب الصفا فيرقى عليه. الفَصْلُ جملته أن السعي بين الصفا والمروة واجب وهو ركن من أركان الحجّ والعمرة ولا ينوب عنه الدم. وبه قال مالك وإسحاق. وقال أبو حنيفة والثوري وابن سيرين: هو واجب إلا أنه ليس بركن فينوب عنه الدم. وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس ﵃، وروي عنهم لا يجب أصلًا بل هو سنّة، وهو قول أحمد في رواية، وفي رواية أخرى عنه مثل قولنا، وهذا غلط لما روي عن حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار أبي حسين، فنظرت إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور بساقه من شدة سعيه وروي عدوه حتى لأقول إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» (٣)، واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وكلمة لا جناح لا تستعمل في [١١٩/ أ] الأركان، قلنا: رفع الجناح لا ينصرف إلى نفس الفعل، ولكن إلى محلّ الفعل، وذلك أنهم كانوا يعبدون في تلك البقعة الأصنام، فتحرجوا أن يتخذوها متعبدًا لله تعالى قال عروة: قلت لعائشة ﵂: أرأيت قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فما أرى على أحد شيء ألا يطوّف بهما، قالت عائشة: كلا، لو كان كما تقول: كانت، فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وإنما أنزلت الآية، لأنن مناة كانت حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٤)، ومذهب عائشة أنه فرض كمذهبنا، فإذا تقرر هذا فمن شرط السعي تقدم الطواف عليه ثم فيه وجهان: أحدهما: وبه قال البغداديون: يجوز التراخي بينهما فإن سعى بعد طوافه بشهر أجزأه لأن الموالاة بين أركان الحجّ لا يجب كالوقوف والطواف، وهذا ظاهر المذهب. والثاني: وبه قال البصريون من أصحابنا: لا يجوز التراخي البعيد بينهما، ويجب فعل السعي على الفور، ولو بعد لا يجوز لأن السعي لما افتقر إلى تقدم الطواف عليه ليمتاز عما لغير الله افتقر إلى فعله على الفور ليقع به الامتياز عما لغير الله، لأنه لا يحصل بفعله على التراخي، فإذا تقرّر هذا، فمتى خرج إلى الصفا يستحبّ أن يرقى على الصفا قدر قامة رجل حتى يتراءى له البيت منه ثم يستقبل البيت، فيكبّر فيقول: الله

стр. 1556

أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثًا، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا وروي أولانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، [١١٩/ ب] وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ ثم يدعو بعده ويلبي إن كان حاجًّا ثم يقول ذلك ثانيًا، ويدعو بعده بما له من أمر دين ودنيا، ثم يقول ذلك ثالثًا، ويدعو بعده حتى يقوله ثلاثًا ويدعو في أثنائه بما سنح له من أمر دين ودنيا، ويختار أن يكون من دعائه ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه كان يدعو: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم اجعلني ممن يحبّك ويحبّ ملائكتك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم آتني من خير ما تؤتني عبادك الصالحين في الدنيا والآخرة، اللهم يسّرني لليسرى وجنّبني العسرى واغفر لي في الآخرة. والأولى، اللهم أوزعني أن أوفي بعهدك الذي عاهدتني عليه، اللهم اجعلني من أئمة المتقين واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين (١). ثم ينزل، وإذا نزل من الصفا يمشي حتى إذا كان دون الميل الأخضر المعلق في ركن المسجد بنحو من ستة أذرع سعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد ودار العباس ثم يمشي حتى يرقى على المروة يريد قدر قامة الرجل كما قلنا على الصفا حتى يبدو له البيت، ثم يصنع عليها كما صنع على الصفا حتى يكمل سبعًا يبدأ بالصفا، ثم يختم بالمروة ويستحبّ فيه شدّة السعي لما ذكرنا من خبر حبيبة [١٢٠/ أ] بنت أبي تجراة، وأقلّ ما عليه في ذلك أن يستوفي ما بينهما مشيًا وسعيًا، وإن لم يظهر عليهما، ولا على واحد منهما، ولم يكبّر، ولم يدع ولم يسعَ في المسعى فقد ترك فصلًا ولا إعادة عليه، ولا فدية، ولا بدّ من أن يلصق عقبه بالصفا أصابعه بالمروة، ثم عقبه بالمروة وأصابعه بالصفا. وقال القفال: غير أن درجة واحدة إنما بنيت بين حدي الجبل، فالاحتياط أن يصعد كي يتصل بالجبل، وقال أبو حفص بن الوكيل: لا يصح سعيه بين الصفا والمروة، حتى يصعد على الصفا والمروة بقدر ما يستوفي السعي بينهما، لأنه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا بذلك كما لا يمكنه استيفاء غسل الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، وهذا ليس بشيء لما روي عن عثمان ﵁ أنه سعى فوقف في حوض في أسفل الصفا، ولم يظهر عليه، والمهاجرون والأنصار متوازرون ولم ينكر منهم منكر (٢)، ولأنه يمكن استفاء ذلك بما ذكرنا من إلصاق العقب وأطراف الأصابع. قال الشافعي: والموضع الذي مشى فيه النبيّ ﷺ والموضوع الذي رمل فيه معروف،

стр. 1557

ولم يكن الموضع على هذه الصفة التي هو عليها اليوم، بل كان ضيقًا فوسع وجعل الأميال علامة على موضع الرمل وموضع المشي، وإنما رمل في هذا الموضع لأنه كان يشرف على الناس بحذاء السور فكان يرمل ليظهر الجلادة، فإذا غاب عنه مشى على سحية مشيه، وليست هناك اليوم دار تعرف بدار العباس بل تغير الاسم، وقيل: الأصل في السعي هو أن إبراهيم ﵇ حمل هاجر وابنها إسماعيل ﵇ إلى مكة. وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] الآية. ثم انصرف ففني [١٢٠/ ب] زادها وماؤها، فقامت هاجر تطلب الماء لإسماعيل، فسمعت صيحة عند الصفا فابتدرت نحوها وصعدته، فسمعت مثل ذلك من المروة، فنزلت فلما كانت ببطن الطريق سعت سعيًا شديدًا كراهة أن ترى ولدها في الحال الشديد من العطش، فصعدت المروة، ثم سمعت صوتًا من الصفا، فنزلت نحو الصفا، فلما أكملت السعي سبعًا رأت الطير تنقض على الموضع الذي فيه إسماعيل، فابتدرت نحوه فرأت الماء قد انفجر من موضع عقبه وهو ماء زمزم. فأحاطت عليه بالتراب قال رسول الله صلى الله عليه سولم: «فصار بئرًا ول لم تفعل ذلك لكان عينًا معينًا»، وروى كثير بن جمهان أنه قال: رأيت ابن عمر ﵁ يمشي في المسعى، فقلت له: أتمشي في المسعى بين الصفا والمروة؟ فقال: لئن سعيت لقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي (١). فَرْعٌ الترتيب فيه شرط، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعد بما قبل الصفا، ولو طاف سبعًا ههنا لم يجزئه السعي الأول لأنه بدأ بالمروة، ويجوز الثاني فيحصل سبعة، ويبقى السابع، فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة، وروى محمد بن شجاع عن أبي حنيفة أنه يجوز ذلك من غير ترتيب، وروي عنه أنه إذا طاف هكذا لا يحصل له ستة، وإذا أكمل سبعة وبدأ بالصفا وختم بالمروة لا يجوز، وهذا غريب لأنه زال التنكيس وحصل الترتيب والعجب من هذا أنه قال: السعي ليس بركن ولو نكس لا يجوز، والطواف ركن ولو نكس جاز، والأصل فيما ذكرنا مما روى جابر أن النبي ﷺ لما خرج إلى الصفا، قال: «نبدأ بما بدأ الله به» (٢)، فبدأ بالصفا [١٢١/ أ] وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، الآية. وروى أنه قال: «ابدؤوا بما بدأ الله به» (٣)، وهذا أمر، والأمر على الوجوب. فَرْعٌ آخرُ لو نسي السعي السادس وسعى السابع احتسب بخمسة ولم يحتسب بالسابع، لأن الترتيب في السعي، واجب، فلم يحتسب بالسبع الذي يبدأ فيه بالصفا، ويختم

стр. 1558

بالمروة، إلا أن يتقدمه السادس الذي يبدأ فيه بالمروة، ويختم بالصفا، فلما نسي السعي لم يحصل الترتيب في السابع، ولزمه أن يسعى السادس يبدأ فيه بالمروة، ويختم بالصفا، ويسعى السابع يختم فيه بالمروة ويبدأ فيه بالصفا، ولو نسي الخامس لم يعتدّ بالسادس وجعل السابع خامسًا وأكمل ذلك سبعًا. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا بدأ بالصفا ووصل إلى المروة، جعل له شوط من السعي، فإذا أكمل سبعة كمل سعيه، فيأتي من الصفا إلى المروة أربع مرات ويرجع من المروة إلى الصفا ثلاث مرات، وقال الزيادي من أصحابنا: لو أتى من الصفا إلى المروة سبع مرات، والرجوع من المروة إلى الصفا ليس بمقصود وإنما هو للحصول بالصفا حتى لو كان يدخل مكّة بقرب المروة، ويخرج من مكّة إلى الصفا، ولم يقطع السعي برجوعه إلى الصفا جاز، وهذا غريب بعيد. وحكي أن ابن جرير سئل عن هذه المسألة، فأجاب: بأنه إذا عاد إلى الصفا حصل له سعي واحد واستفتى أبو بكر الصيرفي عن ذلك، فأجاب مثل جواب ابن جرير، فعرض ذلك على أبي إسحاق، فضرب على فتواه، وقال: هذا غلط في المذهب، وإنما اتبع هوى ابن جرير يعني قلّده، فبلغ ذلك أبا بكر الصيرفي، فأقام على تلك الفتوى، وقال: الصحيح هذا فقاسه على الطواف، أنه إنما يحصل له شوط إذا عاد إلى الموضع الذي بدأ منه. كذلك ههنا، وهذا غلط مذهبًا وحجاجًا، أما المذهب، فإن الشافعي قال: ويبدأ بالصفا ويختم بالمروة [١٢١/ ب]، وعلى ما ذكر الصيرفي: يبدأ بالصفا ويختم بالصفا. وأما الطواف حجّة عليه، وذلك أن الطائف يبتدئ من الحجر الأسود بالطواف، فإذا استوفي المشي في محلّ الطواف اعتدّ له بطوفة، ولا يلزمه أن يمشي في الموضع الذي قد مشى فيه كذلك، في السعي إذا استوفي السعي في محلّ السعي وجب أن يعتدّ له بسعي واحدٍ، ولا يلزمه أن يسعى ثانيًا في الموضع الذي كان قد سعى فيه. فَرْعٌ آخرُ لو فرّق سعيه فسعى سبعًا في سبعة أوقات، فإن كان الفصل قريبًا أجزأه، وإن كان بعيدًا، قال بعض أصحابنا: إن كان لعذر بنى وإن كان لغير عذر فيه قولان: كما ذكرنا في الطواف والمذهب أنه يجوز لأن الشافعي قال: لو ترك منه شيء حتى عاد إلى وطنه عاد وأتمّه ولم يستأنف لأنه لا يبطل بالتفريق. وقال بعض أصحابنا: إن قلنا في الطواف يجوز ذلك، فههنا أولى وإن قلنا: هناك لا يجوز، فههنا وجهان، لأن السعي أخفّ لجوازه بغير طهارة. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: يستحبّ أن يقول في سعيه: ربّ اغفر وارحم واعف عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم، وهذا لما روت صفية بنت شيبة عن امرأة من بني نوفل أن النبيّ ﷺ قال ذلك.

стр. 1559

فَرْعٌ آخرُ لو ترك شيئًا من السعي، وإن كان ذراعًا، قال الشافعي: لم تحلّ له النساء حتى يكمله، وإن عاد إلى بلده، وإن كان قد سعى مع طواف القدوم أجزأه، وحصل التحلّل بالطواف، وحلّ النساء. وقال أصحابنا: إن ترك ذراعًا من آخره من ناحية المروة عاد وأتى، وإن كان من أوله يأتي بالسعي كله لأنه لا يحتسب بآخره إلا بعد حصول أوله، وإن كان ما تركه من وسط المسعى احتسب [١٢٢/ أ] بما ترك عليه، وأعاد ما بعده، ولو ترك ذراعًا من السعي السادس لم يحتسب بالسابع لأنه فعله قبل إكمال السادس، وكان الحكم في السادس على ما ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ قال (١): وأحبّ إليّ أن يكون طاهرًا في السعي بينهما، وإن كان غير طاهر جنبًا أو على غير وضوء لم يضره وأجزأه، وهذا لأنه نسك لا يتعلق بالبيت، فلا تجب فيه الطهارة كالوقوف. فَرْعٌ آخرُ قال في «القديم»: لو التوى بشيء يسير أجزأه، وإن عدل حتى يفارق الوادي اليوم في زقاق العطارين لم يجزِ. فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي (٢): وإذا كانت المرأة مشهورة بالجمال، فالمستحبّ لها أن تطوف وتسعى ليلًا، فإن طافت نهارًا، سدلت على وجهها سترًا متجافيًا ومشت في موضع السعي. فَرْعٌ آخرُ إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسعى يقطع السعي ويصلّي، لأن الصلاة تفوت، فإذا فرغ منها، قال الشافعي (٣): بنى عليه من حيث قطع، وهذا لأن الموالاة لا تجب، لما روي أن ابن عمر كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول فتنحى ودعا بماء فتوضأ، وأتمّ على ما مضى. مَسْألَةٌ: قالَ (٤): وإن كان معتمرًا، أو كان معه هدي نحر وحلق، أو قصر. الفَصْلُ إذا كان معتمرًا عمرة مفردة أو عمرة التمتع، فإذا سعى هل يحلّ بأعمال سعيه؟ قولان، بناء على أن الحلاق، هل هو نسك أم إطلاق محظور؟ وفيه قولان: أحدهما: أنه نسك يثاب عليه بمنزلة الرمي ومناسك الحج. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهذا أظهر لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «رحم الله المحلقين»، قيل:

стр. 1560

يا رسول الله والمقصرين؟، فقال: «رحم الله المحلقين»، قيل: يا رسول الله والمقصرين؟ إلى أن قال في الثالثة، أو الرابعة: «والمقصرين» (١). وهذا التفصيل يدلّ على أنه نسك. والثاني: أنه إطلاق محظور كاستباحة اللباس والطيب لأن كل ما كان محرمًا في [١٢٢/ ب] الإحرام أبيح له كان إطلاق محظور كاللباس، فإذا قلنا بالقول الأول، فأعمال العمرة أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلاق، ولا ينوب عن الحلاق شيء يوجد فإذا أكمل هذا فقد حلَّ من عمرته، وإذا قلنا: إطلاق محظور فأعمال العمرة ثلاثة: الإحرام والطواف والسعي. فَرْعٌ آخرُ إذا أكمل العمرة وحلّ منها، فإن كان متمتعًا واجدًا للهدي فالوجوب إذا أحرم بالحجّ، هل له إخراجه بعد الفراغ من العمرة قبل الإحرام؟ قد ذكرنا قولين ونص ههنا على جوازه. فَرْعٌ آخرُ يستحبّ له أن يذبحه أو ينحره عند المروة لأنها موضع تحلّله وأي موضع نحر فيه من مكّة أجزأه لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل فجاج مكّة طريق ومنحر» (٢)، وهذا الذبح ينبغي أن يكون قبل الحلق أو التقصير. فَرْعٌ آخرُ. إذا فرغ من الهدي حلق رأسه أو قصر وهو مخير بينهما على كلا القولين لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] الآية. قد ذكرنا ما قيل فيه إذا لبّد رأسه وعقصه. فَرْعٌ آخرُ الأفضل للرجل حلق جميع الرأس من التقصير لأن الله تعالى بدأ بالحلاق قبل التقصير، ومن شأن العرب البداية بالأهم، ولما ذكرنا من الخبر، ولأن الحلق يستوفي في جميع النسك، والتقصير يأخذ بعض النسك فكان الحلق أولى. فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يحلق يستحبّ أن يبدأ بشقّه الأيمن، وإن كان على يسار الحالق فيحلقه ثم يحلق ما على الأيسر، وقال أبو حنيفة يبدأ بشقّه الأيسر لأنه على يمين الحالق، فاعتبر يمين الحالق. والشافعي اعتبر يمين المحلوق. وهذا غلط لما روى ابن عباس ﵄، قال لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة وفرغ من نسكه ناول الحالق شقّه الأيمن،

стр. 1561

فحلقه فأعطاه أبا طلحة ثم ناوله شقّه الآخر فحلقه ثم قال: "اقسمه بين الناس". فرْعٌ آخرُ [١٢٣/أ] قال أصحابنا: في الحلق أربع سنن أن يستقبل القبلة, وأن يبدأ بشقّه الأيمن, وأن يكبّر عند فراغه, وأن يدفن شعره. فرْعٌ آخرُ قال الشافعي (١): واستيفاء الحلاق أن يحلق من مقدمة رأسه إلى العظمين المشرفين على القفا, لأن هذا جميع الرأس, فاستحبّ استيفاء ذلك, قال: وسواء حلقه بالحديد, أو نتفه أو قرضًا أو طلاه بالنورة يجزئه لأن القصد إتلاف الشعر فعلى أي وجه حصل ذلك أجزأه. فرْعٌ آخرُ أقل ما يجزئ من الحلق أو التقصير ثلاث شعرات. وقال أبو حنيفة لا يجزئه إلا قدر ربع الرأس, وقال مالك: يجب الكل, أو الأكثر, وهذا خلاف مبنى على قدر مسح الرأس في الوضوء فرْعٌ آخرُ إذا أراد التقصير أخذ من شعره مما علا المشط وكيف ما أخذه بمقراض أو قطعه بيده أو قرضه بسنه أجزأه. فرْعٌ آخرُ لو كان الشعر مسترسلًا عن حد الرأس أجزأه التقصير من أطرافه, وإن لم يحاذ بشرة الرأس. ولا يجزئه أن يمسح عليه في الوضوء نص عليه لأنه قال (٢): ويأخذ من شعره قدر أنملة, وذلك لا يكون إلا مسترسلًا عن بشرة الرأس, والفرق بينه وبين مسح الرأس في أنه لا يجوز على المسترسل, أنه مأمور بالمسح على الرأس, وهو اسم لما ترأس وعلا, فلا يقع هذا الاسم على المسترسل من الشعر, وههنا مأمور بحلق شعر الرأس, وهذا المسترسل من جملة الشعر. ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه لا يجوز إلا التقصير في حدّ الرأس, وهو غلط. فرْعٌ آخرُ قال (٣): وإن كان الرجل أصلع لا شعر على رأسه أو محلوقًا أمرّ الموسى على رأسه استحبابًا, ولا يلزمه ذلك, وقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك, وهذا غلط لأنه لو كان إمرار الموسى على الرأس حلقًا, لوجب إذا فعله قبل تحلّله يلزمه الفدية, وإذا لم يكن حلقًا لا يلزمه ذلك.

стр. 1562

فرْعٌ آخرُ (١) [١٢٣/ب] وأحبّ إليّ لو أخذ من لجيته وشاربه حتى يضع من شعره شيئًا لله تعالى, فإن لم يفعل فلا شيء عليه, لأن النسك إنما هو في الرأس لا في اللحية. قال أصحابنا: وهذا كما لو كان أقطع اليد من فوق المرفق يغسل العضد استحبابًا لئلا يخلو الوضوء من غسل اليد. فرْعٌ آخرُ ليس على النساء حلاق, قال الشافعي (٢) فتأخذ المرأة من شعرها قدر أنملة وتعم جوانب رأسها كليًا, وهذا لما روى علي وعائشة ﵄ أن النبي ﷺ نهاهن أن تحلق المرأة رأسها. وقال أيضًا: "ليس على النساء حلاق, ولكن يقصرن" (٣) , ولا تقطع ذوائبها لأن ذلك يشينها ولكن تشيل الذوائب وتأخذ من تحتها من قصاصها ومن الموضع الذي لا يتبين قبحه. فإن أخذت أقل من ذلك. أو من ناحية من نواحي الرأس ما كان ثلاث شعرات فصاعدًا أجزأ عنهن وعن الرجل. وروى أن بعض أصحابه أمر أن تأخذ المرأة من شعرها قدر أصبع, فأنكرت عائشة. وقالت: هلا أمرهن بالحلق؟! كنا لا نزيد في عهد رسول الله ﷺ على قدر أنملة, وقيل: الأصل في ذلك أن النبي ﷺ لما أمر أصحابه بالتحلّل عام الحديبية ثقل ذلك عليهم فتاونوا في التحلّل والحلاق فأمرهم ثانيًا وثالثًا, فلم يفعلوا, فدخل على أم سلمة, وقال: ألم ترى إلى قومك: آمرهم بالتحلّل فلا يفعلون؟ فقالت له: اخرج ولا تحدث أمرًا حتى تدعو بحالقك, فتحلق شعرك وبجازرك فينحر هديك, فخرج وفعل فابتدر الناس إلى الحلاق وإلى النحر, حتى كادوا يقتتلون فكان منهم من حلق ومنهم من قصّر, فقال: رحم الله المحلقين, الخبر. وقيل: ما أشارت امرأة بالصواب إلا أم سلمة في هذا الأمر ﵂. فَرْعٌ آخرُ لو نذر فقال: لله عليّ أن أحلق إذا أدت التحلّل لم يجزئه التقصير لأن الحلق قربة, فيلزم بالنذر ثم بيّن الشافعي أنه لم يبقَ عليه بعد ذلك من [١٢٤/أ] العمرة شيء, فقال: وقد فرغ من العمرة يعني بعد الحلق أو التقصير. مَسْألَةٌ: قالَ (٤): ولا يقطع المعتمر التلبية حتى يفتتح الطواف مستلمًا, أو غير مستلم. إذا ابتدأ المقيم بالطواف قطع التلبية لأنه لا يتحلّل به, فإذا شرع في التحلّل قطع التلبية لأنها إجابة إلى العبادة وشعار الإقامة, وقد بينا معناها والأخذ في التحلّل ينافيها, وحكي أصحابنا عن مالك, أنه إذا أحرم بها من الميقات قطع التلبية حين يرى البيت, وهذا غلط لما روى ابن

стр. 1563

عباس أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث ولم يزل يلبّي في كلها حتى استلم الحجر (١) , وروى نحو هذا عن ابن عباس وقوله: مستلمًا, أو غير مستلم, أي: ليس الاستلام شرط في حصول الشروع من الطواف, ولعل بعض أهل العلم يشترطه, فلذلك جمع الشافعي بينهما, ثم قال الشافعي: وليس على النساء حلق, وقد ذكرناه. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): وإن كان حاجّاً أو قارنًا أجزأه طواف واحد لحجّته وعمرته. الفَصْلُ أراد بالحاجّ المفرد وبالقارن الجامع بين الحجّ والعمرة, وقد ذكرنا أعمال العمرة, وأعمال الحجّ من الأركان أربعة: الإحرام والوقوف والطواف والسعي, وما عداها ليس بأركان فمن أفرد الحجّ والعمرة يأتي بأفعال كل واحد منهما على الكمال, ولا يجوز الإخلال بشيء منها, وإن قرن بينهما يسقط ترتيب العمرة, ويدخل في ترتيب الحجّ فيأتي من الأفعال مثل ما يأتي به المفرد إحرام واحد ويجزئه عن الحجّ والعمرة معًا ويعنى به طواف الفرض يكفيه واحد وموضعه بعد الوقوف, فإن طاف قبله فذلك طواف القدوم, وبه قال ابن عباس [١٢٤/ب] وابن عمر وجابر والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وربيعة ومالك وإسحاق وأحمد في رواية ﵃, وقال أبو حنيفة ﵁: لا تدخل أعمال العمرة في أعمال الحجّ فيلزمه أن يأتى بطوافين وسعيين, فيطوف ويسعى بعد الوقوف للحجّ. وبه قال ابن مسعود والشعبي والثوري, ثم قال أبو حنيفة: فإن لم يطف حتى وقف بعرفة صار رافضاً لعمرته, وليه شاة وقضاء العمرة, وهكذا قال في القارنة تحيض قبل الطواف, وقد دنا وقت الوقوف, تقف وتصير رافضة للعمرة, وعليه اقضاء والشاة, وعندنا رفض العمرة لا يكون بحال, واحتجّوا بما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁ أنه جمع بين الحجّ والعمرة, وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين, وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل (٣). واحتجّ في الرفض بما روي أن النبيّ ﷺ قال لعائشة: "ارفضي عمرتك وانفضي رأسك, وامتشطي وأهلّي بالحجّ", وهذا لأنها كانت حاضت فلم يمكنها الطواف وهذا غلط, لما روى نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: "من أحرم بحجّ وعمرة أجزأه لهما طواف واحد وسعي واحد, لا يحلّ من واحد منهما حتى يحلّ منهما" (٤). وأمّا خبر على رواه جعفر بن أبي داود وهو ضعيف ثم نحمله على الاستحباب,

стр. 1564

وأما الرفض فلا يصحّ لأن هذه العبادة لا ترتفض بفعل محظوراتها ولا بقوله: رفضتها فكيف ترفض بفعل عبادة أخرى فيها, وامّا خبر عائشة, قلنا: أراد لا تشتغلي بأفعالها, لا أنها تخرج من إحرامها بدليل أنه ليس لها لخروج مها بقولها, والخبر يقتضي الرفض قبل الوقوف, ثم بيّن الشافعي ما يختصّ به القارن من المفرد, فقال: غير أن على القارن [١٢٥/أ] الهدى لقرانه أي: يجب عليه ذلك, بخلاف المفرد, وقد ذكرنا ذلك, ثم قال: ويقيم على إحرامه حتى يتمم حجّه مع إمامه يريد به الفرق بين المتمتع الذي يتحلّل من العمرة فيحلّ له كل شيء ما لم يحرم بالحجّ, وبين القارن الذي يقيم على إحرامه حتى يحلّ يوم النحر ولا يتحلّل من العمرة حتى يتحلّل من الحجّ الذي قرنه بها لخبر ابن عمر ولا يحلّ من واحدٍ منهما حتى يحلّ منهما, وأما قوله: حتى يتمّ حجّه مع إمامه ذكره على وجه الاستحباب, لأنه يستحبّ للمحرم أن لا يسبق إمامه في الأفعال بل يكون فراغه معه فإن تقدم عليه جاز. مَسْألَةٌ: قالَ (١) ويخطب الإمام يوم السابع من ذي الحجّة بعد الظهر بمكّة. الفَصْلُ اعلم أن في الحجّ أربع خطب يخطبها إمام الحاجّ, ذكرها الشافعي واحدة بعد واحدة على الترتيب ووصل بكل واحدة منها ما يترتب عليها من المناسك, فأولها ما ذكرها هنا وقد ذكرنا أن من دخل مكّة مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا يطوف طواف القدوم ويسعى ثم إن كان مفردًا أقام على إحرامه إلى أن يقف, وكذلك إن كان متمتعًا يأتى بأفعال العمرة ثم يتحلّل ويقيم بمكّة إلى وقت خروجه إلى عرفة ثم يحرم من جوف مكّة بالحج ويخرج إلى عرفة, فيخطب الإمام اليوم السابع بمكّة بعد الظهر خطبة واحدة في المسجد الحراج, فإنه أولى المواضع, وذلك قبل يوم التروية بيوم ويأمرهم في الخطبة بالغدو من الغد إلى منى ليوافوا الظهر, ويعلمهم ما يفعلون إلى عرفات. لما روى موسى بن عقبة عن أبيه أنه قال: خطب رسول الله ﷺ اليوم السابع بمكّة بعد الظهر وعلمهم المناسك, ويستحبّ إن كان الإمام من أهل مكّة أن يحرم [١٢٥/ب] اليوم السابع, ويخطب محرمًا قال الشافعي: فإن كان عالمًا فقيهًا لا يتعرض لذلك لأنه ربما سئل فلا يعرف, فيكون فيه شين وقباحة, ولا ينبغي للإمام أن يكون إلا بمنزلة من إذا سئل أجاب ثم إذا خطب هكذا يقيمون بمكّة اليوم السابع ويبيتون بها ليلة الثامن ويصلّون الصلاة بها, فإذا كان اليوم الثامن, وهو يوم التروية, قال الشافعي: غدوا إلى منى, وقال في موضع آخر: راحوا إلى منى والكل قريب, وعلى كل حال يصلّون بمنى خمس صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء من يوم التروية ويبيت بها ويصلّي الصبح بها من يوم عرفة ويقيم بها حتى تطلع الشمس والسنّة الرواح لأن النبيّ ﷺ أمر أصحابه بالرواح إلى منى.

стр. 1565

وروى جابر أن رسول الله ﷺ أتى منى فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح, ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس, ثم سار, وقال في "الحاوى" (١): الإمام في غد يوم التروية, يطوف بالبيت توديعًا له ويصلّي ركعتين فإذا زالت الشمس خرج إلى منى ولم يصلّ الظهر بمكّة, فإذا حصل بمنى صلّى بها الظهر وغيرها, واستحبّ أن يكون صلاته بمنى بمسجد الخيف عند الأحجار التي بين يدي المنارة, فإنها مصلّى رسول الله ﷺ , ويقال له: مسجد العيشومة وذلك أن فيه عيشومة خضراء في الجدب والخصب بين حجرتين من لقبلة وتلك العيشومة قديمة لم تزل هناك ويختار له ان ينزل الخيف الأيمن من منى بين الأخشبين, وهذا كله هيئة فإن تركه فلا شيء عليه. قال أصحابنا: المبيت بمنى في هذه الليلة للاستراحة ويجري مجرى الهيئة دون النسك المقصود. وقال الشافعي (٢): لو ترك المرور بمنى, فلا شيء عليه, وكذلك [١٢٦/أ] إن مرّ بها, وترك المبيت, فإذا طلعت الشمس يوم عرفة على ثبير وذلك أول بزوغها سار إلى نمرة, وهى وادي عرفة فنزل بها إلى زوال الشمس, فإذا زالت الشمس صار إلى المسجد للصلاة وليس وادي عرفة ولا نمرة, ولا المسجد وتلك الأسواق من عرفة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: صدر هذا المسجد من عرنة لا يجوز الوقوف فيه ومؤخرة من عرفات, فإن وقف في قاصية المسجد أجزأه حجّه, وقيل: موضع المحراب والصف الأول من عرنة, والباقي من عرفة. وقد قال الشافعى في "القديم": وعرفة ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال القابلة يمينًا وشمالً, وقال في "المختصر الأوسط" (٣): وعرفة ما جاوز وادي عرنة وليس وادي عرنة, ولا المسجد من عرفة, فإذا أجزت بطن عرنة، فهو من عفة إلى الجبال العالية على عرفة كلها مما يلي حوائط بنى عامر وطريق الحصن, وما جاوز ذلك فليس من عرفة والحدّ الأول أصحّ. وهذا لما روى جابر ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ الصبح بمنى ثم لما طلعت الشمس أمر بقبة له حمراء من شعر حتى ضربت له بنمرة وسار في أول بزوغ الشمس, فلم تشكُّ قريش أنه يقف على المشعر الحرام كما كانت الجاهلية تفعله في أيامها حتى رأوا قبته بنمرة, فلما أتى نمرة أقام بها إلى أن زالت الشمس، ثم سار منها إلى المسجد الذي بعرنة قرب الموقف وصلّى الظهر والعصر هناك بأذان وإقامتين, ولهذا قلنا: إذا اجتاز بالمشعر الحرام لا يقف عليه, ولا يدعو بخلاف ما يفعل عند رجوعه من الموقف, فإذا تقرّر هذا وأتى المسجد بعد زوال الشمس ابتدأ فخطب خطبة يعلم الناس الوقوف ووقته ووقت الدفع من مزدلفة, وما يصنع فيها [١٢٦/ب] , فإذا فرغ من الخطبة الأولى جلس جلسة خفيفة قدر قراءة, ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم يأخذ في الخطبة الثانية, وابتدأ المؤذنون بالأذان, ويكون فراغهم من الأذان مع فراغ الإمام من الخطبة والنزول ثم أقام المؤذن, فيصلّي الظهر ثم يقيم للعصر فيصلّي العصر

стр. 1566

فتكون صلاة الظهر بأذان وإقامة والعصر بإقامة من غير أذان, ولا يقتصر في الخطبة بعرفة على خطبة واحدة كما في اليوم السابع, بل يخطب خطبتين كما في الجمعة. وقال أبو حنيفة: يؤذن المؤذنون, قبل الخطبتين لتكون خطبتاه بعد الأذان كخطبة الجمعة. وحكي عنه أنه قال: لا يقيم للعصر, وقال مالك: يؤذن لكل واحدةٍ منهما, ويقيم, وقال أحمد: يقيم لهما ولا يؤذن, وهذا كله غلط لما ذكرنا من خبر جابر, وقال ابن عمر ﵁ جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين. وقال بعض أصحابنا: في كلام الشافعي ﵁ في هذا الموضع دلالة على أن الخطيب إذا فرغ من الخطبة الثانية ينبغى أن ينزل من المنبر، ثم يكون افتتاح الإقامة بعد نزوله على خلاف ما جرت به العادة اليوم في المساجد, فلعل هذه الحادثة إنما استحدثت لارتفاع درجات المنابر المستحدثة فإنها أعلى وأرفع, وأكثر درجات من درجات منبر رسول لله ﷺ , وذكر الشافعي ﵁ إذا جلس الإمام أخذ المؤذنون في الأذان, ثم قال في الإقامة, ويقيم المؤذن, ولم يقل ويقيم المؤذنون, وفي هذا دلالتان اثنتان: إحداهما: أن الإقامة لمؤذن واحد والأذان يجوز أن يكون بعدد بين المؤذنين. والثانية: أن المؤذنين إذا ضاق بهم الوقت [١٢٧/أ] , جاز لهم المراسلة بالأذان, وإذا كان الوقت واسعًا, ولم يكن لهم عذر المبادرة إلى دعاء يوم عرفة, فالمستحبّ أن يؤذنوا واحداً بعد واحد متعاقبين غير متراسلين. فرْعُ ينبغي أن يخطب قائمًا ولا يقعد إلّا بعذر, وينبغي أن يخطب بعرفة على منبر أو على مكان عالٍ ليكون أبلغ في الأسماع, وإذا صعد المنبر جلس قبل أن يبتدئ بالخطبة, وليس مع هذه الجلسة أذان كما في الجمع. وقال بعض أصحابنا: جلس بقدر أذان, وروى هذا الجلوس في خبر جابر ويخفف الخطبة الأولى ولا يطولها. قال سالم بن عبد الله للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة فاقصر الخطبة وعجل من الخطب لا يتولاها غيره إلا أن يعرض له عذر, فيستخلف كما في الصلاة لأن النبيّ ﷺ باشر هذا بنفسه. وقال بعض أصحابنا: ويضرب للإمام الآن خباء أو قبة اقتداء برسول الله صَلَى الله عيه وسلم. فرْعٌ آخرُ اعلم أنه روى عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين في حجّة الوداع (١). وروى عن عبد الرحمن بن يزيد ﵁, قال: صلّى بنا عثمان ﵁ بمنى أربعاً, فقال عبد الله بن مسعود ﵁: صليت مع النبيّ ﷺ بمنى ركعتين ومع أبي بكر ومع

стр. 1567

عمر ركعتين ومع عثمان ﵃ صدرًا من إمارتين ركعتين, ثم أتمها ثم تفرقت بكم الطرق (١). وروى أن عبد الله بن مسعود ﵁ صلّى أربعًا, فقال: الخلاف شرّ. قال الشافعي ﵁: إذا كان الإمام مكّيًا [١٢٧/ب] ,لا يجوز له القصر فيتم, ومن خلفه من المسافرين والمقيمين يتمّون أيضًا, وإن كان الإمام مسافرًا قصر, ومن خلفه من المسافرين وأما من خلفه من المقيمين يتمّونها أربعا, وبهذا قال عطاء ومجاهد الزهري والثوري وأبو حنيفة وأحمد, وقال مالك والاوزعي وإسحاق وسيفان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي ﵃: لا بأس لأهل مكّة أن يقصروا الصلاة بمنى. وروى عنهم ﵃ أنهم قالوا: إذا قصر الإمام قصر جميع الناس معه سواء كانوا من أهل مكّة أو غيرهم, واحتجوا بالخبر الذي ذكرنا. وهذا غلط لما روى ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: "يا أهل مكّة لا تقصروا في اقلّ من أربعة برد" (٢) ولأنها مسافة لا يلحقها المشقّة في قطعها غالبًا فلا يستبيح بها القصر كما لو خرج لمكّي إلى منى. وأما الخبر لا حجّة فيه لأن رسول الله ﷺ كان مسافرًا بمنى فصلّى صلاة المسافر, ولم يقل لأهل مكّة: "لا تقتصروا" اقتصارًا على ما تقدّم من البيان السابق. وقد روي عن عمر ﵁ أنه صلّى بهم فقصر ثم لما سلّم التفت فقال: يا أهل مكة أتمّوا فإنا قوم سفر (٣) , وإما عثمان فقد قيل: إنه كان مسافرًا وأتمّ ليدل على جواز الإتمام خلاف قول أبي حنيفة, وإن كان الاختيار القصر ولهذا عبد الله بن مسعود ﵁ أتمّ الصلاة بعد ذلك واعتذر بقوله: الخلاف شرّ, فلو كان الإتمام لا يجوز لكان الخلاف له خيرًا لا شرًا. وقال إبراهيم النخعى: إنّما صلّى عثمان أربعًا لأنه اتخذها وطنًا, وقال الزبيري: إنما فعل ذلك لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها, وكان ابن عباس يقول: المسافر [١٢٨/أ] إذا قدم على أهل أو ما شبه أتمّ الصلاة, وبه قال أحمد. وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه أتمّ الصلاة وقصر بمنى وتأويله عندنا أنه كان في مكّة على نية الإقامة, فأتمّ الصلاة فلما خرج من مكّة نوى السفر, فخرج إلى عرفة نيته السفر ليقضى نسكه وينصرف وإذا كان بهذه الصفة, له القصر عندنا. وقال الوليد بن مسلم: وافيت مكّة وعليها محمد بن إبراهيم, فكتبت إليه أن يقصر الصلاة بمنى وعرفة يقصر, فقام سفيان الثورى وأعاد الصلاة, وقام ابن جريج فأتمّها, ثم دخلت المدينة, فلقيت مالك بن انس, فذكرت ذلك له, فقال: أصاب الأمير وأصاب مالك, ثم دخلت مصر فلقيت الشافعي ﵁ فقال: أخطا الأمير ومالك

стр. 1568

وأصاب سفيان وابن جريج, فابن جريج أتمّها لأن عنده يجوز أن يصّلي الفرض خلف من يصلّي النفل وأعاد سفيان لأنه لا يجوز ذلك. فرْعٌ آخرُ قد ذكرنا في كتاب الصلاة ما قيل في كتاب الجمع بين الصلاتين بعرفة, وأن المقيمين بعرفة لا يجوز لهم الجمع أصلًا, وهو ظاهر المذهب, ومن أصحابنا من قال: يجوز الجمع هناك ليتصل له الدعاء بالوقوف بخلاف القصر وعملهم على هذا اليوم. وذكر هذا في "الحاوي" (١) ولم يذكر الخلاف عن أحد. فرْعٌ آخرُ قال في "لحاوى" (٢): يجب على الإمام نية الجمع عند افتتاح الأولى, وفي مأمومين وجهان: أحدهما: عليهم النية أيضًا, وهو الأصح, ويوصي الناس بعضهم بعضًا بها حتى يعرف من يجهل [١٢٨/ب]. والثاني: يجوز ذلك لهم بلا نية لاختصاص الموضع بجواز الجمع ولحوق المشقّة في إعلام الكل والرسول ﷺ لم ينادِ فيهم بالجمع, وجمع. فرْعٌ آخرُ وقال: فيه أيضًا (٣) من جاء وقد فاتته الصلاة مع الإمام يجوز له أن يجمع إذا كان مسافرًا, وهل يجوز إن كان مقيمًا بمكّة؟ قولان بناء على جواز الجمع في السفر القصير, ولا يجوز هذا الجمع إلا بالنية. وقال أبو حنيفة: لا يجمع إلا مع الإمام كالجمعة, لأن لكل واحدة من هاتين الصلاتين وقتًا مؤقتًا, وإنما ردد الشرع بالجمع مع الإمام فقط, وهذا غلط لأنه روي عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا فاته الجمع بين الظهر والعصر مع الإمام بعرفة جمع بينهما منفردًا. فرْعٌ آخرُ قال الشافعي: ولا يجهر الإمام بالقراءة فيها لأنها ليست بجمعة. وقال أبو حنيفة: يجهر فيها بالقراءة كالجمعة لتقدم الخطبة, وهذا غلط لأن من نقل حجّ الرسول ﷺ روى أنه أسّر بالقراءة, وقال النبيّ ﷺ : "صلاة النهار عجماء إلّا الجمعة والعيدين" (٤) فرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو اتفق يوم الجمعه يوم التروية فرْالت الشمس, فعليهم الإهلال

стр. 1569

والخروج منها إلى منى ليوافق الظهر بها, ولا نأمرهم بالتقاعد للجمعة, وهكذا ذكره الإمام أبو محمد الجوينى في "المنهاج". وقال بعض أصحابنا بالعراق: آمرهم أن يخرجوا قبل طلوع الفجر لأن الفجر إذا طلع لم يجز الخروج إلى السفر وترك الجمعة في أحد القولين. فرْعٌ آخرُ قال الشافعي: ولا يصلّون الجمعة بمنى لا بعرفات إلا أن يحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلًا. وقال مالك: وافق يوم عرفة في حجّ رسول الله ﷺ يوم الجمعة فلم يصلّ صلاة الجمعة في عرفة, فإن قيل: وما يدريك أنه ﷺ لم يصلّ [١٢٩/أ] الجمعة أليس خطب خطبتين, ثم ركع ركعتين؟ قلنا: لو كانت صلاة جمعة لجهر فيها بالقراءة فإنه سنة الجمعة. مَسْألَةٌ: قال (١): ثم يركب, فيروح إلى الموقف عند الصخرات. الفَصْلُ إذا فرغ من صلاة العصر توجه إلى المسجد, وهو مسجد إبراهيم ﵇ إلى عرفة ويقصد الموقف الذي وقف به النبيّ ﷺ وذلك عند الصخرات اتباعًا للنبيّ ﷺ , وهو موضع معروف هناك, والأفضل أن يقف على جبال الرحمة أو بالقرب منها, وإنما ينتقل من موضع الصلاة والمسجد, لما ذكرنا أنه ليس من عرفة, واعلم أن الوقوف ركن من أركان الحجّ لا يدرك الحجّ إلا به, فمن فاته الوقوف في وقته في موضعه فقد فاته الحجّ لما روى ابن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ , قال: "الحجّ عرفة, فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ ومن فاتته عرفة فقد فاته الحجّ" (٢) وروي في خبر جابر أن النبيّ ﷺ لما صلّى الظهر والعصر ركب ناقته القصواء, وسار إلى عرفة, وسميت ناقته قصوى لما قطع من أذنها, يقال: قصوت الناقة إذا قطعت أذنها, فإذا تقرر هذا, فالكلام في فصلين في مكانه وزمانه. فأما مكانه فقد ذكرنا: ولو وقف في عرفة ساهيًا أو جاهلًا لم يجزه. وقال مالك يجزئه وعليه دم, وحكي انه قال: بطن عرنة كله عرفة, وإذا وقف فيها جاز, وأصحابه ينكرون هذا, وهذا غلط لما روى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه, أن النبيّ ﷺ قال يوم عرفة "كل عرفة موقف وارتفعوا عن عرنة وكل المزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن مسحر, وكل أيام التشريق ذبح, وكل فجاج مكّة منحر" (٣) , وأراد بفجاج مكّة الحرم كله. وروى ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: "من

стр. 1570

أفاض من عرفة قبل الصبح فقد تم حجه, ومن فاته فلا حجّ له" (١) , وحكي [١٢٩/ب] سفيان أن قريشًا كانت تسمى الحمس وكانوا لا يخرجون يوم عرفة, من الحرم, ويقفون بنمرة دون عرفة في الحرم، ويقولون: لسنا كسائر الناس, نحن أهل الله فلا نخرج من حرم الله. وكان النبي ﷺ لا يقف مع قريش في الحرم ويخرج مع سائر الناس إلى عرفة, وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] , وفي الناس قولان: أحدهما: أنه أراد إبراهيم ﵇, لأنه كان يقف بعرفة. والثاني: أنه رسول الله ﷺ حيث وقف بها وفي تسمية قريش الحمس قولان: أحدهما: لأنهم تحمسوا في دينهم, أي: تشدّدوا. والثاني: أنهم سمّوا الحمس بالكعبة لأنها خمسًا حجرها أبيض يضرب إلى السواد, وأفضل موضع الوقوف ما ذكرنا وحيث ما وقف الناس من عرفة أجزأهم. وقال ﵇: " هذه عرفه كلها موقف إلّا وادي عرنة " (٢). وقال الشافعي: والأفضل أن يقف من الإمام في الموضع الذي يقف فيه. وروى عن يزيد بن شيبان أنه قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة بعيد عن الإمام, فقال: إني رسول رسول الله ﷺ فقال: يقول لكم: قفوا على مشاعركم, فإنكم على إرث من إرث إبراهيم (٣) والمشاعر المعالم, وأراد: قفوا بعرفة خارج الحرم, فإن إبراهيم ﵇ هو الذي جعلها مشعرًا وموقفًا للحاج خلاف قول قريش, حيث قالوا: لا نخرج من الحرم, وسمّوا أنفسهم الحمس فبين ﷺ أن ذلك من قبلهم أحدثوه وأن الذي أورثة إبراهيم من سنته, هو الوقوف بعرفة. فرْعٌ قال في "القديم" و"الإملاء": الأفضل أن يقف راكبًا ويجوز راكبًا ونازلًا. وبه قال أحمد, وقال في "الأوسط" (٤): الوقوف راكبًا ونازلًا سواء. [١٣٠/أ] قال أصحابنا: قوله القديم أصحّ, لأن النبيّ ﷺ وقف راكبًا, ولأن الراكب أقوى على الدعاء, ولهذا أمر الحاجّ ترك الصوم يوم عرفة وقيل تأويل ما قال في "الأوسط": أنه أراد القوي الذي لا يعيى إذا وقف على قدميه ولا يقطعه ذلك عن استكثار الدعاء والاجتهاد فيه. فرْعٌ آخرُ يستحبّ أن يستقبل القبلة في وقوفه ويدعو حتى الليل, ويصنع ذلك الناس مع الإمام, وروي: "أنه ﷺ وقف واستقبل القبلة وجعل بطن ناقته إلى الصخرات" (٥) وهي

стр. 1571

جبل الرحة ويجتهد في الدعاء والتضرّع والإكثار منه بقوله ﷺ : "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة" (١)، وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يدعو بعرفة ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين" (٢). وروى عطاء عن ابن عباس ﵄، قال: فيما دعا رسول الله ﷺ في حجّة الوداع: "اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سرّي وعلانيتي، ولا يخفي عليك شيء من أمري، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذلّ لك جسده ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًا وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين ويا خير المعطين". وروي: كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ يوم عرفة: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" (٣). وسئل سفيان بن عيينة عن دعائه يوم عرفة، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت [١٢٤/أ] أنا، والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له"، فقيل له: إن هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر: إذا أثنى عليك المرء خيرًا كفاه ما يعوّضه الثناء يريد به أن الثناء قائم مقام الدعاء، وأنه يعوّض ما يعوّض الدعاء. فَرْعٌ آخرُ ليس معنى الوقوف أن يقف على رجليه بل القاعد والراكب والمضطجع فيه سواء، والمراد به الحصول بعرفة. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: يستحبّ أن يكثر من قراءة سورة الحشر في عرفة فقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ ذلك، ذكره في "الحاوي" (٤). فَرْعٌ آخرُ لو اجتاز بعرفة، وهو لا يعلم أنها عرفة أحزأه نصّ عليه، لأنه وقف، وهو من أهل الوقوف. وقد تقدمت نيّة الحجّ، فأجزاه. وقال أبو حفص بن الوليد وأبو الحسين القطان في "مختصره": فيه وجهان، وفيه نظر. فَرْعٌ آخرُ قال في "المناسك الأوسط" (٥) ومن لم يدخل عرفة إلا مغمى عليه لم يعقل ساعة

стр. 1572

ولا طرفة عين، وهو بعرفة، فقد فاته الحجّ، ولو عقل بعرفة ساعة لم يضره. وقال أصحابنا: لو حصل بعرفة نائمًا صحّ وقوفه بأن سار به الجمل، وهو في محمله نائم، أو نام بعرفة قبل الزوال، ومرّ عليه الوقت وهو نائم. والفرق أن النائم بمنزلة اليقظان، ألا ترى أنه لو نام في جميع نهار الصوم صحّ صومه بخلاف ما لو أغمي عليه في الصوم تمام اليوم، وحكى ابن القطان في النائم وجهًا آخر أنه لا يجوز وقوفه لأنه لم يوجد القصد إلى العبادة [١٣١/أ] وأصل هذا أن كل ركن من أركان الحجّ هل يحتاج إلى نية مفردة؟ فيه طريقان: أحدهما: لا يحتاج إليها كأركان الصلاة. والثاني: يحتاج لأن أركانها تنفصل بعضها عن بعض، وهو ضعيف، ولو حصل بالموقف مجنونًا حتى خرج الوقت فقد فاته الحجّ بلا خلاف. وقال ابن القطان: فيه وجه آخر، وكذلك في المغمى عليه، وليس بشيء وأما زمان الوقوف، فالأفضل أن يقف من الوقت الذي ذكرنا إلى الليل، وهو أن تغرب الشمس حتى يجمع بين النهار وجزء من الليل في الوقوف، وأقل ما يكفيه حتى يكون مدركًا للحجّ أن يدخلها وإن لم يقف، ووقته من وقت زوال الشمس إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، فأي وقت ما بين هذين الوقتين أجزأه، وذلك نصف يوم وليلة كاملة. وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: الأولى أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار فإن اقتصر على أحدهما، فالاعتماد على الليل حتى إن وقف بالنهار، لم يجز. وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، واحتجّ مالك بقوله ﷺ : "من أدرك عرفات بليل فقد أدرك ومن فاتته عرفات بليل فقد فاته الحجّ ومن فاته الحج فليحل بعمرة، وعليه الحجّ من قابل". واحتجّ أحمد بما روي عن عروة بن المضرس الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيئ أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟ فقال رسول الله ﷺ : من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى ثفته" (١) والحبل هو التلّ من التراب، والتلّ إذا كان من حجارة فهو جبل، ومعنى قضى ثفته أي: نسكه وقيل: التفث الأخذ [١٣١/ب] من الشارب وتقليم الظفر والخروج من الإحرام إلى الإحلال. وقال ابن الأعرابي في قوله: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] أراد قضاء حوائجهم من الحلق والتنظيف. وقوله: "فقد تمّ حجّه"، أي: معظم الحجّ، ولم يفصل بين أن يكون قبل الزوال أو بعده، وهذا غلط، لأن النبي ﷺ قصد الموقف نهارًا بعد الزوال، وشرع هكذا إذا انصرف منه ليلًا، فجعل النهار وقتًا للوقوف وجعل الليل وقتًا لترك الوقوف، فعلم أن النهار مقصود، والليل يسع. وأما الخبر الذي احتجّ به مالك، لا يصحّ لأنه

стр. 1573

إنما خصّ الليل لأن الفوات يتعلق به، ثم يعارض بما روي أنه ﷺ قال: "من أتى عرفة قبل ذلك من ليل أو نهار فقد تمّ حجّه". وأما ما احتجّ به أحمد نحمله على ما بعد الزوال بدليل ما ذكرنا ولأنه وقف بعرفة قبل الزوال فلم يجزئه كما لو وقف قبل طلوع الفجر. فَرْعٌ لو اقتصر في الوقوف على الليل دون النهار، فلا دم عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لأن أشهر الحجّ تسع من ذي الحجّة، وقد مضت حين غربت الشمس، وهذا ليس بشيء، ولو اقتصر على النهار دون الليل فيه قولان. قال في "الإملاء": لا دم عليه ويستحبّ لأنه جزء يتعلق به الإدراك، فلا يلزمه دمّ كما لو وقف جزءًا من الليل. وقال في "القديم" و "الأم": يلزمه دم. وبه قال أبو حنيفة وعطاء والثوري وأحمد لأنه نسك لفعل الرسول ﷺ . وقال: "خذوا عنّي مناسككم". وقال ﵇: "من ترك نسكًا فعليه دم"، ولأنه أخلّ ببعض النسك، ولم يأت به على الوجه المشروع، فيلزمه [١٣٢/أ] دمٌ كما لو أحرم دون الميقات، فإن قيل: هلاّ قلتم: إذا وقف ليلًا دون النهار، يلزم الدم أيضًا لهذا المعنى. قلنا: الفرق أن من أدركه نهارًا يمكنه الوقوف نهارًا، فلم يلزمه ذلك، ولم يجب عليه الدم بتركه. وقال الحسن: يلزمه هدي من الإبل ويصحّ حجّه، وهو غلط لما ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يلزمه الدم، فلو عاد فوقف ليلًا فلا شيء عليه. نصّ عليه، وقيل: فيه وجهان، وليس بشيء. وقال أبو حنيفة: لا يسقط عنه الدم. وبه قال أحمد، لأن النسك أن تغيب الشمس، وهو واقف فيجمع بين الليل والنهار، فإذا دفع قبل الغروب وجب الدم، فلا يسقط بعده حتى لو رجع نهارًا، وأقام حتى غربت الشمس لا شيء عليه، وهذا غلط، لأنه جمع بين الليل والنهار في الوقوف، فلا دم عليه، كما لو وقف حتى غربت الشمس. فَرْعٌ آخرُ لو غمّ الهلال ليلة ثلاثين من ذي القعدة ووقف الناس اليوم التاسع من ذي الحجّة ثم قامت البينة أنه اليوم العاشر أجزأهم لقوله ﷺ : "حجّكم يوم تحجّون" (١)، ولأنا لو قلنا بخلافه أدى إلى لحوق المشقّة بالخلق الكثير والجمع الغفير لا نؤمن مثله في القضاء، ولو وقفوا يوم التروية نسيانًا لا يجوز لأنه لا يقع فيه الخطأ غالبًا، ولا يتصور نسيان العدد في

стр. 1574

الخلق الكثير والعدد القليل لا يعذرون بذلك للتفريط ويؤمن مثله في القضاء. فَرْعٌ آخرُ لو كان في الموقف عدد فيهم قلة خلاف المعهود وتغلطوا ووقفوا يوم العاشر فيه وجهان: أحدهما: تلزم الإعادة لأنه نادر وليس في إيجاب القضاء عليهم مشقة عامة. والثاني: لا يلزم الإعادة لأنهم [١٣٢/ب] لا يأمنون الغلط في الإعادة. فَرْعٌ آخرُ قد ذكرنا أنهم لو وقفوا اليوم الثامن بالغلط لا يجوز. وفيه وجه آخر مخرج من الأسير إذا تحرّى فصام قبل رمضان يجوزانه يجوز ههنا أيضًا، وهذا لأنا جعلنا ذلك الصوم أداء إذا كان بعض رمضان والوقوف اليوم العاشر أداء لأنه لا يدخل القضاء فيه، وإذا جعل الزمان بعد الفوات زمان الأداء للعذر جاز أن يجعل الزمان قبل الفوات زمان الأداء للعذر، وهذا المذهب أقرب إلى القياس وصورة الغلط أن يشهد الشهود ليلة الثلاثين من ذي القعدة برؤية الهلال، فاعتقدوا دخول الشهر ثم بين أن الشهود كانوا كفارًا بعد فوات اليوم التاسع. وإذا قلنا بظاهر المذهب، فالفرق بين الغلط في العاشر أو في الثامن من وجهين: أحدهما: إن غلط التأخير لا يمكن الاحتراز منه، لأن وقوعه بوجود الغيم في أول الشهر، وانكشافه بأن يخرج الشهر ناقصًا فيرى الهلال الثمانية وعشرين من حين حسبوا الشهر، فيعلم قطعًا أنهم تركوا يومًا من أول الشهر في الحساب، ووقفوا في اليوم العاشر. وأما خطأ الوقوف اليوم الثامن، وهو يوم التروية، وإما لغلط في الحساب أو الخلل في الشهود والاحتراز منهما ممكن. والثاني: أن العبادة يجوز قضاؤها بعد فوات. وفيها في الجملة يجوز في الحجّ أيضًا قضاء الوقوف على قرب الزمان بنوع عدد، ولا تصحّ العبادة البدنية قبل وقتها، والوقوف يوم التروية قبل الوقت، فلم تحتسب به. فَرْعٌ آخرُ لو شهد شاهدان عشية عرفة برؤية الهلال ولم يبق من النهار والليل ما يمكن الجمع الغفير إتيان عرفة، وقفوا من الغد كما قال الشافعي: إذا شهد [١٣٣/أ] شاهدان برؤية الهلال ليلة العيد أو بعد الزوال في زمان لا يمكن اجتماع الناس لصلاة العيد يصلون صلاة العيد من الغد، ويكون أداء لا قضاء. فَرْعٌ آخرُ إذا شهد واحد برؤية هلال ذي الحجّة أو اثنان ورد الحاكم شهادتهما، فإنهما يقفان بعرفة اليوم التاسع على يقين رؤيتهم، وإن وقف الناس اليوم العاشر، وهو كما قلنا: إذا رأى هلال شوال وحده، وردّت شهادته له أن يفطر. وقال محمد: لا يجزئه حتى يقف مع الناس اليوم العاشر، لأن الوقوع لا يكون في يومين. قلنا: لا يمتنع ذلك في حق

стр. 1575

شخصين لاختلاف سبب الوجوب في حقّهما كما قلنا في صوم شهر رمضان، وفطر شوال إذا رأى الهلال وحده. فَرْعٌ آخرُ قال والدي الإمام ﵀: إذا أحرم الناس بالحجّ في أشهر الحجّ ثمّ بان الخطأ بالاجتهاد في الهلال، وكان خطأ عامًا، هل ينعقد الإحرام بالحجّ؟ فيه وجهان: أحدهما: ينعقد كما لو وقف بعرفة اليوم العاشر جاز، وإن بان الخطأ بالاجتهاد، لأن كل واحد منهما ركن يفوت الحجّ بقواته. والثاني: ينعقد بالعمرة، والفرق أنا إذا فات الوقوف لم يبق حكمه، وقد وجب إسقاطه رأسًا، وههنا لا يؤدي إلى إسقاطه رأسًا، فإنه يصّح عن العمرة فصّح القول ببطلان الإحرام عما قصده لظهور الخطأ في الاجتهاد ثم قال الشافعي: وأحّب للحاجّ ترك صوم يوم عرفة، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. مَسْألَةٌ: قالَ (١): وإذا غربت الشَّمس دفع الإمام وعليه السكينة والوقار. الفَضلُ قال في "القديم": إذا غابت الشمس وتبين مغيبها وسقط شعاعها دفع. والسنة أن يسير وعليه السكينة والوقار ما دام الزحام موجود لئلا يضرّ بالناس [١٣٣/ب] فإن زال الزحام وخفّ الناس أو وجد فرجه أسرع حتى يأتي المزدلفة، وحدها ما بين مأزمي عرفة وقرن محسر، وليس المأزمان وراء محسر من المزدلفة وقرن محسر، وعن يمينك، وشمالك من تلك البواطن والقوابل، والظواهر والشعاب كلها من مزدلفة نصّ عليه في "الأوسط" (٢). وقال بعض أصحابنا: قرن محسر ليس منها، وهذا غلط بخلاف النصّ والمستحبّ أن يسلك طريق المأزمين، فإن ترك السكينة، أو سلك غير هذا الطريق فلا شيء عليه، وأول من يدفع من عرفة هو الإمام، والناس له تبع، ولا يستحبّ لأحدٍ أن يسبق الإمام ويعاجله في الإفاضة وفي تسمية مزدلفة تأويلان (٣): أحدهما: أنهم يقربون فيها من منى والازدلاف: التقريب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، أي: قربت. والثاني: أن الناس يجتمعون بها، والازدلاف: الاجتماع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]، أي: جمعناهم، ولذلك قيل: لمزدلفة جمع، والدليل على ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس ﵄، قال: أفاض رسول الله ﷺ من عرفة، وعليه السكينة، ثم أردف الفضل بن العباس، وقال: يا أيها الناس ليس البر بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة" (٤). وقوله: أفاض، أي: صدر راجعًا إلى

стр. 1576

منى، وأصل الفيض: السيلان، والإيجاف: الإسراع في السير. وقال عروة ﵁: سئل أسامة بن زيد وأنا جالس كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجّة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العّنّق، فإذا وجد فجوة نص (١). العنق السير الوسيع، والنصّ: أرفع السير، وفي هذا بيان أن السكينة الأمور بها إنما هي من أجل الرفق بالناس لئلا يتصادموا، فإذا لم يكن زحام، وكانت في الموضع سعة سار كيف شاء والإسراع أفضل [١٣٤/أ] ليكون أسرع وصولًا إلى المزدلفة. وقال علي بن أبي طالب ﵁: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: "هذا عرفة وهو الموقف وعرفة كلها موقف"، ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة بن زيد خلفه، وجعل يشير بيده على هينته، ويقول: أيها الناس عليكم بالسكينة ثم أتى جمعًا، فصلى بهم الصلاتين جميعًا، فلما أصبح أتى قزج، ووقف عليه، وقال هذا قزج، وهو الموقف وجمع كلها موقف، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر، فقرع ناقته فحنت حتى جاز الوادي فوقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر، فقال: هذا المنحر ومنى كلها منحر واستفتته جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير، قد أدركته فريضة الله تعالى في الحجّ، أفيجزئ أن أحجّ عنه؟ قال: حجّي عن أبي. قال: ولوى عنق الفضل. فقال العباس: يا رسول الله لو لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابًا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما، وأتاه رجل فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق، قال: "احلق أو قصر ولا حرج"، قال جاء آخر فقال: يا رسول الله إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، قال: ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم، فقال: يا بني عبد المطلب لولا أن تغلبكم الناس لنزعت وروي أنه ﵇ دفع منها، ولم يكن بين يديه ضربه ولا طرد ولا إليك إليك. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): فإذا أتى المزدلفة جمع مع الإمام المغرب والعشاء بإقامتين. الفَصْلُ السنة أن لا يصلّي المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة ثم يصلّيهما، فيجمع بينهما بإقامتين ليس معهما أذان، وهذا لأن سن لصلاة الوقت وصلاة المغرب لم تصل في وقتها، فلا يؤذن لها كما لا يؤذن للعصر بعرفة. وبه قال أبو إسحاق، [١٣٤/ب] وفيه قول ثانٍ. قاله في "القديم": يجمع بينهما بأذان وإقامتين وهو اختيار أبي حامد. وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهذا لما روى جابر: أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فأمر بلالًا، فأذن وأقام وصلّى الصلاة الأولى، ثم أمره، فأقام وصلّى الصلاة الثانية". وهذا الخبر أولى لأنه زائد. وقال سفيان الثوري: يجمعان بإقامة واحدة، لما روى ابن عمر ﵁، قال:

стр. 1577

صليتهما مع رسول الله ﷺ بإقامة واحدة (١)، وهذا غلط لما ذكرنا. وروي عن أسامة بن زيد أنه قال: دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالمشعب نزل فبال وتوضأ، ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل وتوضأ، وأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاهما، ولم يصلّ بينهما شيئًا" (٢)، وظاهره أنه أعيدت الإقامة للعشاء. وأما خبرهم، قلنا: روينا عن ابن عمر أنه جمع بينهما بإقامةٍ لكل صلاة، ولم ينادِ في الأولى، ولم يسبح على أثر واحدةٍ منهما (٣). فَرْعٌ المستحبّ أن يصلّيهما بالمزدلفة على ما ذكرنا، وقال في "الإملاء" لو خاف فوت النصف الأول من الأولى قبل أن يوافي المزدلفة نزل وصلى أي موضع كان فإنهما قال ذلك لأنه يفوت وقتها المختار. قال: فإذا وافي المزدلفة صلّى قبل حط رجلهِ فينيخ الجمال ويعقلها لأن أصحاب رسول الله ﷺ هكذا فعلوا. فَرْعٌ آخرُ لو صلّوا المغرب في الطريق والعشاء الآخرة بالمزدلفة أو جمعوا بينهما في الطريق في وقت المغرب فقد تركوا السنة وأجزأتهم الصلاة، لأن الجمع بينهما إنما جاز لأجل السفر. وبه قال مالك وأحمد [١٣٥/أ] وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز أن يصلّي المغرب في وقتها، فإن صلّاها في وقتها أعاد في وقت العشاء، والجمع بينهما واجب لا يجوز تركه لخبر أسامة بن زيد، وهذا غلط لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز فعل كل واحدة منهما في وقتها كالظهر والعصر، وأمّا الخبر فمحمول على الاستحباب لئلا ينقطع سيره. فَرْعٌ آخرُ الأفضل أن يجمع مع الإمام، وله أن يجمع بينهما في رحله، وقال أبو حنيفة: لا يجمع إلا مع الإمام، فإن قال قائل: قال الشافعي: جمع مع الإمام، وهذا يدلّ على أن الشرط أن يجمع مع الإمام، قلنا: قصد الشافعي به بيان الأفضل. فَرْعٌ آخرُ إذا جمع بينهما، قال الشافعي: ولا يسبّح بينهما، أي: لا يتنفل بالصلاة بين المغرب والعشاء، ولا على إثر واحدة منهما ومعناه إذا فرغ منهما فليس على أثرهما نافلة، وقوله: ولا على إثر واحدة منهما نوع تأكيد في المغرب وابتداء بيان في العشاء الآخرة لأن حكم المغرب في النافلة دخل تحت قوله: ولا يسبح بينهما، وهكذا ورد

стр. 1578

الخبر على ما ذكرنا. مَسْألَةٌ: قالَ (١): ويبيت بها، فإن لم يبت بها فعليه دم شاة. الفَضلُ إذا فرغ من الصلاة، فالسنة أن يبيت بالمزدلفة حتى يطلع الفجر، لأن النبي ﷺ لما فرغ من الصلاتين بات حتى أصبح، فإن خرج منها قبل نصف الليل افتدى بشاة. وقال في "الإملاء" أحب أن يريق شاة، فحصل قولان، وهذه أربع مسائل فيها قولان من ترك طواف الوداع، هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن دفع من عرفة قبل غروب الشمس، هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن ترك المبيت بمزدلفة هل يلزمه الدم أم لا؟ ومن ترك المبيت بمنى هل يلزمه الدمّ أو لا؟ [١٣٥/ب] ولذلك لو ترك المزدلفة أصلًا، فلم ينزلها ولم يدخلها، هل يلزمه الدم؟ قولان: أحدهما: يلزمه دم. وبه قال مالك وأحمد في رواية لقوله ﷺ : "من ترك نسكًا فعليه دم. والثاني: لا يلزمه شيء لأنه ترك مبيت بمكان، فلا يلزمه به دم كما لو ترك المبيت بمنى ليلة عرفة، وقال علقمة والشعبي والنخعي والأسود الوقوف بمزدلفة ركن لا يتمّ الحجّ إلا به، فمن فاته ذلك، فقد فاته الحجّ وصار إحرامه عمرة (٢). وبه قال أبو عبد الرحمن الشافعي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ويحكى عن ابن جرير واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والأمر على الوجوب ولخبر عروة بن مضرس الطائي وبقوله ﷺ : "من ترك المبيت بمزدلفة فلا حجّ له" (٣). وهذا غلط لقوله ﷺ : "من أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ". وأما ما ذكروا فمحمول على الاستحباب بدليل ما ذكرنا. ولو خرج من مزدلفة في النصف الثاني من الليل، فلا دم عليه لأن المقصود الكون بالمزدلفة في النصف الثاني من الليل، ولهذا نقول إنه إذا جاء من عرفات بعد نصف الليل، وحصل بالمزدلفة ساعة في النصف الأخير لم يلزمه الدم، وآخر وقتها ما دون طلوع الشمس نصّ عليه في "القديم" و "الإملاء" هكذا ذكر في البندنيجي، وقال في "الحاوي" (٤): لو دفع من عرفة ليلًا وحصل بمزدلفة بعد نصف الليل يلزمه دم لأنه لم يبت بها إلا أقلّ الليل. وهذا غريب، وقال أبو حنيفة: إن دفع منها بعد النصف الأول من غير عذر عامدًا يلزمه دم، وإن غلط في الوقت أو كان له عذر فدفع، فلا شيء عليه. قال: والمأخوذ عليه أن يكون فيها بعد طلوع الفجر، قبل طلوع الشمس، [١٣٦/أ] وهذا غلط لما روى هشام بن عروة عن أبيه، قال: دار رسول الله ﷺ إلى أمّ

стр. 1579

سلمة يوم النحر فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكّة فصلّى بهذا الصبح، وكان يومها فأحب أن توافيه (١) ومعقول أنها لو صبرت بمزدلفة حتى يطلع الفجر، ثم قصدت منى ورمت جمرة العقبة، ثم قصدت مكّة لم تدرك صلاة الصبح في المسجد الحرام كما أمرها رسول الله ﷺ فعرفنا أن إفاضتها من مزدلفة كانت ليلًا. وقالت عائشة ﵂: استأذنت سودة رسول الله ﷺ أن تفيض من المزدلفة في النصف الأخير من الليل، وكانت امرأة ثبطة، فأذن لها وليتني كنت استأذنته (٢)، وكان عائشة لا تفيض إلّا مع الإمام. فَرْعٌ السنّة تقديم الضعفة من النساء والولدان من مزدلفة إلى منى (٣)، قال ابن عباس ﵄: كنت فيمن قدم النبي ﷺ من ضعفة أهله من المزدلفة إلى منى، وروي عنه، أنه قال: قدمنا رسول الله ﷺ المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات وجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: يا بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٤)، وهذا لئلا يصيبهم الحطمة واللطخ: الضرب الخفيف باليد. فَرْعٌ آخرُ لو دفع منها قبل نصف الليل، ثم عاد إليها بعد نصف الليل ووقف لحظة أجزأه ولا دم عليه قولًا واحدًا. مَسْألَةٌ: قالَ (٥): ويأخذ منها الحصى للرمي. المستحبّ أن يأخذ من مزدلفة بالحصى الذي يرمى به جمرة العقبة يوم النحر وهو سبع حصيات. والمزني أطلق ذلك، وظاهره أنه يأخذ منه جميع الحصى وهو سبعون حصاة [١٣٦/ب]، وقد ذكر ابن أبي أحمد في "المفتاح"، وليس على ما أطلق بل بلفظ سبعًا، والشافعي نصّ عليه وإن ل يأخذ من المزدلفة، وأخذ من غيرها أجزاه وكره ذلك، وهذا لأن المنقول أن يبادر إلى الرمي إذا وصل إلى منى، ولا يعرج على أمر آخر إذا جاء وقت الرمي، وقال قوم: يأخذها من المأزمين. وهذا لا يصحّ لأنه ﷺ أخذها من المزدلفة، قال: ويلقط الحصى، ولا يكسر لئلا يؤذي الكسر غيره، وقال قوم الاختيار أن يكسرها، وهذا غلط لقوله ﷺ : "التقطوا ولا تنهبوا النوام"، وقد ذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يأخذها من موضع بين عرفة والمزدلفة قريب من مزدلفة، فإن هناك جبالًا في أحجارها رخاوة، فيسهل كسرها، فإن أخذ الكل كيلا يحتاج في

стр. 1580

الأيام الأخر إلى تحصيل الحصى جاز، وهذا خلاف النصّ، والدليل على ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس أنه قال: قال لي النبي ﷺ غداة العقبة: "التقط لي سبع حصيات من حصى الخذف"، قال: فلقطتها فلما وضعتها في يده، قال: بمثل هذا فارموا وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" (١) وروس نافع عن ابن عمر ﵄. قال: كانوا يتزودون بالحصى كراهية النزول. فَرْعٌ قال الشافعي (٢): ويكون قدر حصى الحذف، وأراد تكون الحصيان بقدر ما يمكن رميها برؤوس الأصابع، والخذف: ما حخذف به الرجل، وقدر ذلك أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا قدر الباقلاء، وبضعها على ظفر سبابته، ويضع بطن إبهامه عليها، ثم يخذف خذفًا، والخذف يكون بالسيف أو بالعصا إذا ضرب به، وقيل: قدر النوى، وهو قريب من الأول. فَرْعٌ آخرُ [١٣٧/أ] قال (٣): ولو رمى بحجر أصغر من ذلك، أو أكبر كرهت ذلك له، ولا إعادة لقوله ﷺ : "إياكم والغلو في الدين"، يعني الزيادة، ولأنه إذا كان كبيرًا ربما يخرج من نصيبه، وإنما قلنا: الإعادة لما روي أن عمر ﵁ رمى الجمار بمثل البعر. فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي (٤): وفي أيام منى كلها من حيث أخذه أجزأه إلا أني أكرهه من مواضع، أكرهه من المسجد لئلا يخرج حصى المسجد، وأكرهه من الحش لنجاسته ومن كل موضع نجس، وأكرهه من الجمرة لأنه حصى غير متقبل، وأنه قد رمى به مرة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "عن الحصى ليسبح في المسجد". مَسْألّةٌ: قالً (٥): ومن حيث أخذه أجزأه إذا وقع عليه اسم حجر مرمرٍ أو برام أو كذان أو فهر. هذا بيان أن محسر أو فجاج مكة أو من منى فلا حرج بعد أن يتوقى ما ذكرنا. وأما قوله: إذا وقع عليه اسم حجر قصد به الردّ على أهل العراق حيث قالوا: لو رمي بغير الحجر من مدرٍ أو خرق أو كحل يجوز، ولا يجوز بما ليس من جنس الأرض كالذهب والفضة والخشب، ونحو ذلك. وقال داود: يجوز الرمي بكل شيء حتى لو رمى بعصفور ميت أجزأه وعندنا لا يجوز إلا بالأحجار من أي نوع كان على ما ذكر، وبه قال مالك وأحمد، والمرمر: الرخام، وكل حجر أملس لين يقال له: مرمر والبرام: جمع برمة. وهي القدر يعني يتخذ منه ذلك.
следующие страницы →