← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

مساويًا لصاحبه, فإذا قلنا: يحلف فحلف فالمقر له أولى بالرهن, وإن نكل عن اليمين رددنا اليمين عليه, فإن نكل فالحكم على ما بيناه, وإن حلف فيه ثلاث أوجه: أحدهما: الرهن ينفسخ لأنهما قد تساويا فحصل أحدهما اليمين بالنكول والرد وللآخر الإقرار, ولا نعلم أيهما الأول فانفسخ الرهن إذ لا يمكن أن يجعل كله مرهونًا عند كل واحد منهما. والثاني: يكون بينهما نصفين لتساويهما فيه. والثالث: يكون المقر له أولى بالرهن, ويجب على الراهن الآخر قيمة الرهن تكون رهنًا عنده بحقه قصاصًا منه؛ لأن رد اليمين بعد النكول بمنزلة الإقرار, كما لو أقر للثاني ههنا بعدما أقر للأول, وكما لو رهنه ثم أقر أنه كان قد جني على رجل ادعاها المجني عليه لم يقبل قوله وألزماه قيمته له في أحد القولين, وكذلك في مسألة الغصب إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان لا بل من فلان, وفيه قول مخرجٍ أنه لا يغرم للثاني شيئًا, وكذلك لو أقر لواحد, ثم أقر للثاني لا يقبل ولا يغرم الثاني شيئًا وهو الصحيح, لأنه أقر للثاني بما لزمه ويجوز أن يخفي عليه في الأول ولم يتلف مالاً فلا يلزمه الغرم, وإن كان الرهن في يد العدل فهو بمنزلة ما لو كان في يد الراهن لا فرق بينهما [ق ٢٧٨ أ] وإن كان الرهن في يد أحد المرتهنين فإن أقر به للذي هو في يده فإنه أولى به لأنه قد اجتمع إليه وإقرار الراهن وهل يحلف الراهن للآخر قولان على ما ذكرنا, وإن أقر للذي في يده فيه قولان: أحدهما: إقرار الراهن أولى من اليد فينزع من يد من هو في يده ويسلم إلى الآخر؛ لأن اليد في الرهن لا تفيد شيئًا, فإن يد المرتهن يد الراهن فلا تقوى بيده دعواه, ولأن تحت قوله: إن الآخر هو الذي رهنته وأقبضته, أو لأن الذي في يد الراهن غاصب للرهن, وأن قبضه ليس بصحيح, ولو اختلفا فقال الراهن: غصبتنيه, وقال المرتهن: بل قبضه منك كان القول قول الراهن, وإن لم يكن لهذه حكم فدل على ما قلناه. والثاني: أن صاحب اليد أولى, كما إذا باع رجلين وسلمه إلى كل واحد منهما والمبيع في يد أحدهما فأقر به لمن ليس في يده, فإن صاحب اليد أولى من المقر له والأول أصح. قال المزني: أولاً أصح القولين أن المصدق أولى من صاحب اليد لأنه حق من الحقوق اجتمع فيه إقرار المرتهن ورب الرهن. وأراد دعوى المرتهن وإقرار الراهن فاستجاز تسمية الدعوى إقرارًا وليس بالعبارة المستحسنة, ثم اختار الثاني وهو أن الرهن عند [ق ٢٧٨ ب] من هو في يده؛ لأن الراهن قد أقر له بالقبض كما لو أقر لصاحبه وله فضل يد على صاحبه فلا يقبل عليه دعوى الراهن من بعد, ثم قال: إلا أن يقر الذي في يديه أن كل واحدٍ منهما قد قبضه فيعلم بذلك أن قبض صاحبه قبله".

стр. 2522

ومعناه: أن الذي في يده الرهن من هذين الخصمين المتداعمين إن أقر بأن كل واحد منهما قد قبضه أبطل بهذا الإقرار دعواه ولزمه دفع الرهن إلى صاحبه ليكون رهنًا عنده, وذلك أن الرهن إذا كان الآن في يده وهو مقر أن صاحبه قد قبض استقينا أن قبض صاحبه قبل قبضه والمتقدم من القبضين هو الصحيح والمتأخر منهما غصب, قال أصحابنا: الذي رجع عنه المزني أصح لما بينا أن يد المرتهن لا تفيد شيئًا, وإن كان الرهن في أيديهم جميعًا, فإن نصف الرهن يكون للمقر له أولى به, لأنه قد اجتمع له في يده وإقرار الراهن, وهل حلف الراهن للآخر؟ قولان على ما ذكرنا. والصحيح أنه لا يحلف على ما ذكرنا, وفي النصف الآخر الذي صاحبه قد حصل له إقراره وحصل لصاحبه به فهل يكون الإقرار أولى أم اليد؟ قولان على ما بيناه فيكون الحكم في هذا القسم مرتبًا على ما ذكرنا قبله. ومن أصحابنا من قال: نص الشافعي ههنا أن القول قول الراهن في جميع العبد [ق ٢٧٩ أ] وقال ابن أبي هريرة في النصف الذي في يد المرتهن الآخر على قولين, وهذا لا يصح لأنهما استويا في اليد وفضل أحدهما بالإقرار فكان الحكم له وهذه الطريقة أصح. وقال أبو حامد: وفي المسألة التي قبلها إذا قلنا يحلف فنكل وحلف الآخر وقلنا: النكول مع رد اليمين يجري مجرى البينة على المدعى عليه يقتضي هذا القول أن يؤخذ الرهن من يد الأول وينقل إلى يد الحالف لو قامت له البينة بما يدعيه, وأصحابنا لم يذكروا هذا وعندي لا يصح هذا التخريج؛ لأن هذا يجري مجرى البينة في أحد القولين في حق الدعاء عليه إذا لم يكن هناك حق ثالث وههنا حق ثالث وهو المرتهن الآخر, فإن قيل: قلتم في المسألة الأولى: أصح القولين أنه لا يحلف وقد أقر الراهن لكل واحد من المرتهنين بقبضه كله, وهذا الإقرار إثبات حق لكل واحد منهما بلا تعيين فكيف تتوجه عليه اليمين إذا أبطل ما أثبت؟ قلنا: هذا الإقرار مطلق وليس الرهن في يد كل واحد منهما يترجح أحدهما على صاحبه باليد, ولا يبعد أن يرهنه عند واحد منهما ويسلمه إليه, ثم يرجع إليه للاستخدام فيرهنه عند الثاني ظانًا أن هذا الرهن يرد على الرهن ويسلمه إليه ثم يعود إليه للاستخدام فيعتبر لكل واحد منهما بقبضه كله [ق ٢٧٩ ب] فيكون صادقًا في إقراره على الظاهر صادقًا في تفسيره عند الاستفسار وحق الرهن والقبض للأول منهما دون الثاني إذ يستحيل أن يكون كل واحد منهما مرتهن كله بعقد صحيح فهذا في التفسير كالمؤتمن, ومعلوم أن المستودع إذا أضاف ملك الوديعة إلى مالك لم تتوجه عليه اليمين في تلك الإضافة كذلك ههنا, هذا كله إذا أقر الراهن لأحدهما فأما إذا قال: لا أعلم أنهما أول, فإن لم يدعيا علمه انفسخ الرهن, وإن ادعيا على حلف الراهن أنه لا يعلم أيهما أول قولاً واحدًا, لأنه لو رجع وبين .... قبل, فإن حلف انفسخ الرهن لأنهما عقدان أحدهما باطل لا بعينه فبطلا, كما لو زوج المرأة وليان ولم يعلم وعين السابق, ومن أصحابنا من قال: لا ينفسخ الرهن لأنه يمينه لم تكن لنفي الرهن بل كانت لنفي العلم فيكون الحكم كما لو نكل عن اليمين ينفسخ, وإن حلف أحدهما دون الآخر

стр. 2523

يقضي الذي حلف, وإن حلفا معًا فيه وجهان: أحدهما: ينفسخ التعارض. والثاني: يكون رهنًا بينهما نصفين لتساويهما ولا يجيء ههنا الوجه الثالث وهو إيجاب القيمة على الراهن؛ لأن الراهن لم يكن منه إقرار حصلت به حيلولة بوجه من الوجوه. فرع لو أقاما البينة على أنه رهنه عبده وأقبضه فقد تعارضتا [ق ٢٨٠ أ] وفي البينتين المتعارضتين أربعة أقوال: التساقط, والإقرار والقسمة, والوقف, وهل تستعمل القسمة هنا فيجعل بينهما نصفين وجهان. باب بيع الشيئين المختلفين من نبات الأرض وغيره قال: "وإذا رهن أرضًا ولم يقل ببنائها وشجرها". إذا رهن أرضًا ولم يقل ببنائها وشجرها هل يدخل البناء والشجر فيه؟ قد بيناه في "كتاب البيع". وقال أبو حنيفة: هل يدخل الغراس والبناء في الرهن بالإطلاق لكن الرهن لا يصح, لأنه سلم أنه لا يدخل في البيع فكذلك في الرهن. مسألة: قال: "ولو رهن شجرًا وبين الشجر بياضٍ رهن دون البياض". إذا رهن شجرًا أو نخلاً لم يدخل البياض الذي في تضاعيفهما في الرهن قولاً واحدًا؛ لأنه لا يدخل في البيع, فلأن لا يدخل في الرهن أولى. وأما الأرض التي هي نغرس الشجر لا تدخل الرهن قولاً واحدًا, وهل يدخل في البيع؟ وجهان: أحدهما: يدخل فيه؛ لأن بقاءها به فهو بمنزلة عروقها. والثاني: لا تدخل لأنه لا تدخل في اسم الشجر فلا يدخل في البيع وهو الأصح. وكذلك الخلاف في قرار البناء وفائدة الوجهين إذا استقلع الشجر بعد البيع هل يلزمه رد الغرس إلى البائع؟ وجهان. والفرق بين الرهن والبيع ما تقدم أنه البيع عقد قوي يزيد [ق ٢٨٠ ب] الملك فاستتبع الغرس بخلاف الرهن. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الرهن أيضًا وجهان, وفيه نظر. وقال أبو حنيفة: رهن البناء والغراس دون مواضعها لا يجوز, ولا رهن الأرض واستثنى البناء والغراس لم يصح الرهن. وروى الحسن بن زياد عنه أنه يصح في الغراس؛

стр. 2524

لأن الغراس عبارة عنه وعن موضعه. وهذا غلط؛ لأنه يصح بيعه على هذا الوجه فصح رهنه. مسألة: قال: "وإذا رهن ثمرًا قد خرج من نخله قبل يحل بيعه ومعه النخل فهما رهن". ذكر الشافعي ههنا ثلاث مسائل: إحداهما: إذا رهن الأصل مطلقًا ولم يذكر الثمرة, فإن كانت مؤبرة لم يدخل في الرهن, وإن لم تكن مؤبرة فقد ذكرنا حكمها, ونص ههنا أنها لا تدخل في الرهن وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: يدخل في الرهن بكل حالٍ بخلاف البيع على أصله أنه لا يجوز الرهن على الأصل دون الثمرة, والعقد ينبني على الصحة. وهذا غلط؛ لأن المؤبر إذا لم يدخل البيع بالإجماع مع قوته فلأن لا يدخل في الرهن أولى. والثانية: يرهن الأصل والثمرة فيصح الرهن فيها إن كان بدين حال, وإن كان بدين مؤجل يدرك الثمرة عند حلول الدين أو بعده يصح أيضًا, وإن كانت تدرك قبل حلوله ولا تجف إلى حلوله, فإن كانت مما تجف يحص الرهن أيضًا ولزمه الراهن [ق ٢٨١ أ] تجفيفها؛ لأن ذلك من مصلحتها وإن كانت مما لا تجف ولا تتلف فمن أصحابنا من قال: في صحة رهنها قولان, كما لو رهن طعامًا يفسد قبل المحل. ومنهم من قال: يصح ههنا قولاً واحدًا؛ لأن الثمار لو تلفت بقي الأصل, وفي الطعام لا يبقى شيء وقد تقدم ذكر هذا. فإذا قلنا: يبطل في الثمرة هل يبطل في الأصل؟ قولان بناء على تفريق الصفقة. والثالثة: أن يرهن الثمرة منفردة, فإن كان قد بدأ صلاحها فرهنها بحق حال يجوز, سواء كانت بشرط القطع أو مطلقًا. وإن كانت بحق مؤجل فإن كان بجامع الإدراك أو قبله جاز, وإن كان يتأخر حلوله عن الإدراك, فإن كانت الثمرة مما يمكن تجفيفها جاز فتجفف وقت الصرام, وإن كانت مما لا يمكن تجفيفها هل يصح الرهن؟ قولان. وإن لم يكن بدا صلاحها فإن كان بحق حال وشرط القطع جاز؛ لأن البيع هكذا يجوز, وإن رهنها مطلقًا فيه قولان؛ أحدهما: يبطل كالبيع. والثاني: يجوز؛ لأن مقتضى الرهن بيعه بالحق, فإذا كان الحق حالاً اقتضى العقد قطعه في الحال لجري الشرط, وإن رهنها بحقٍ مؤجل بشرط القطع عند الحلول أو بلا شرط مطلقًا هل يجوز؟ قولان منصوصان: أحدهما: لا يجوز كما لو باع مطلقًا أو بشرط القطع بعد مدة. قال أبو إسحاق: وهذا أصح نص عليه في "كتاب التفليس". والثاني: يجوز [ق ٢٨١ ب] بخلاف البيع؛ لأن في مقابلته عوضًا هناك, فإذا أطلق يحصل الغرز بخلاف الرهن.

стр. 2525

وقيل: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يلزم شرط القطع مع حلول الدين لا في العقد قبل حلول الدين. والثاني: يلزم شرط القطع مع العقد شرط في صحة الرهن. والثالث: أن اشتراط قطعها ليس بواجب, لا حال العقد, ولا عند حلول الدين. وهذه الأقوال إذا علم أن حلوله قبل بدو الصلاح. وعلى هذا لو قال الراهن: أقطعها عند حلول الدين وأبيعها. وقال المرتهن: بعها على الرؤوس النخل بشرط القطع, فالقول قول المرتهن؛ لأن قطعها تصرف لم يوجبه العقد ولا الشرط إذا جرت العادة ببيعها على رؤوس النخل. فأما إذا كانت العادة الجارية ببيعها مقطوعة فالقول قول الراهن. فإن قلنا بالقول الأول كان حكمها حكم الطعام الرطب؛ لأن قطعها واجب, وإن كانت مما لا يبقى فقولان. وإذا قلنا بالثاني فرهنها جائز سواء كانت مما تجف أو لا, وأما الزرع إذا رهنه أخضر فهو بمنزلة رهن الثمرة قبل بدو صلاحها, وقد ذكرنا حكمها. مسألة: قال: وإن كان من ثمر شيء فرهنه وكان يخرج يعده غيره منه فلا يتميز الخارج". الفصل: إذا رهن ثمر شجرة تحمل حملاً بعد حمل في سنة كالتين والباذنجان نظر فيه, فإن كان بعد بدو الصلاح فيه يجوز بحق حالٍ, وإن رهنه بحق مؤجل نظر, فإذا كان لا يحل إلا بعد حدوث حمل آخر واختلاطه به بحيث لا يتميز عنه فالرهن بالطل؛ لأنه لا يمكن بيعه عند حلول الحق والحاجة إلى بيعه داعية. وقال [ق ٢٨٢ أ] أبو إسحاق: إلا أن يتفقا في الابتداء, وأنهما يقطعان الخارجة قبل ظهور الحادثة, وخوف الاختلاط فيجوز, وإن كان الحق يحل قبل الاختلاط جاز الرهن, فإذا حل الحق فطالب المرتهن ببيعه بيع ووفي حق المرتهن من ثمنه, فإن دافعه الراهن به حتى حدث حمل آخر واختلط به نظر, فإن كان الحادث يتميز به الأول فالرهن بحاله ويباع المرهون, وإن كان لا يتميز ففيه قولان: أحدهما: الرهن يبطل في الحال, لأنه لا يقدر على تسليمه ولا يمكن بيعه في الحق. والثاني: لا يبطل؛ لأن العقد وقع صحيحًا والجهالة الطارئة لا تبطل العقد كإباق العبد للمبيع, ولأنه يمكن في حقه بأن يتطوع الراهن بتسليم الكل, وهذا أظهر. فإذا قلنا بهذا القول قلنا للراهن: أتسمح بأن يكون الكل رهنًا؟ فإن سمح صار رهنًا

стр. 2526

ولم يكن للبائع الخيار في البيع الذي يشترط فيه الرهن. وإن قال: لا أسمح قلنا لهما: اتفقا على قدر الرهن، فإن اتفقا فلا كلام، وإن اختلفا فالقول قول الراهن مع يمينه سواء كانت الثمرة في يده أو في يد المرتهن. وقال المزني: "القول قول من الثمرة في يده منهما". وهذا غلط؛ لأن يد المرتهن لا اعتبار بها، لأن يده يد الراهن فلا تقوى بها دعواه على الراهن. وقال بعض أصحابنا: ظاهر كلام الشافعي ههنا [ق ٢٨٢ ب] دليل على أن هذين القولين في البيع؛ لأنه قال: وفيه قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: [يَفْسَدُ الرَّهْنُ كَمَا يَفْسَدُ الْبَيْعُ]، فأجاب في البيع مع الرهن، أن يقال: إذا صححنا البيع فالرهن أولى، وإن لم نصحح البيع ففي الرهن قولان. والفرق أن الرهن نوع وبيعه ليس بمعاوضة كالبيع، وتأثير الجهالة في عقود المعاوضات أكثر من تأثيرها في غير المعاوضات. ثم قال: "وَالْقَولُ قَوْلُ الرَّاهِنُ فِي الثَّمَرّةِ المُخْتَلَطَةِ مِنَ الْمَرْهُونَةِ". كما لو رهنه حنطة فاختلطت بحنطة للراهن فكان القول قويه فاحتمل هذا التشبيه أن تكون مسألة الحنطتين إذا اختلطتا على قولٍ واحد في صحة العقد، وهذا أظهر الاحتمالين لأنه قاس عليه. ويحتمل أن تكون مسألة الحنطة كمسألة الثمرة في حكم القولين. فإن سوينا فلا فرق، وإن رتبنا فكيفية الترتيب أن يقال: إذا صححنا في الحنطة مع الاختلاط فالثمرة أولى، وإن لم نصحح في الحنطة ففي الثمرة قولان. والفرق أن الاختلاط في الحنطة فوق الاختلاط في الثمرة، والتمييز بغير القسمة ممتنع ميؤوس في جميع الأحوال، وفي الثمار ربما شاهدها شاهدان قبل الاختلاط فيقدران على التمييز بما عندهما من العلامة السابقة، فإن كانت صورة المسألة الثمار مثل صورة مسألة الحنطة حتى يكون التمييز ميؤوسًا على الإطلاق فالمسألتان سواء، ويتعذر [٢٨٣ أ] الفرق. فإن قال قائل: قد قال الشافعي في المسألة السابقة: "إِذَا رَهَنَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا لَمْ يَجُز الرَّهْنُ إِلاَّ أَنْ يَتَشَارَطَا أَنَّ المُرْتَهِنَ إِذَا حَلَّ حَقُّهُ قَطَعَهَا وَبَاعَهَا فَيَجُوزُ الرَّهْنُ"، وهذا يقتضي أن اشتراط القطع يجوز أن يكون على نوع من التأخير وإن كان مؤخراً كانت الآفات غير مأمونة مدة التأخير. قلنا: كان الشافعي صوَّر المسألة في حض رجل لم يبق من أجله إلا زمان قليل ينقضي عن قريب والثمرة لم تدرك، والغالب من ذلك الزمان القريب الأمن من الآفات، فإذا اشترط قطعها عند المحل كان صحيحاً، وإن كان بخلاف ذلك لا يجوز. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في البيع قولان؛ قبل القبض، وفي الرهن لا فرق أن يكون قبل القبض أو بعده، والفرق أن القبض في البيع بقطع العلائق فيكون القول قول

стр. 2527

(المشتري) في قدر المختلط؛ لأن الثمرة في يده وفي الرهن العلائق بعد القبض تثبت بين الرهن والمرتهن فلا فرق فيه بين أن يكون قبل القبض أو بعده. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ ثَمرةً فَعَلَى الرَّاهِنِ سَقْيُهَا". الفصل: قد ذكرنا هذه المسألة، وقوله: "فَعَلَى الرَّاهِنِ سَقْيُهَا"، أراد ليس على المرتهن ذلك، ولم يرد أن الراهن يجبر عليه إذ لا يجبر أحد على تنمية ماله وإن كان مرهوناً بخلاف نفقة الحيوان؛ لأن له حرمة. هكذا ذكره بعض [ق ٢٨٣ ب] أصحابنا بخراسان. وظاهر ما قال أصحابنا بعراق أنه يجبر عليه، وفينا يؤدي إلى نقصانها وهلاكها وهذا أصح. وإذا جاء أوان الجداد على الرهن لأن في تركه إتلافه فهو كمؤنة موضع الحفظ يلزمه. وقيل: أوان الجداد لم يكن له؛ لأن في ذلك نقصاً لها وإبطالًا لثمنها إلا أن يصيبها عطش أو يكون الحمل ثقيلًا يخاف منها على الأصل فيجوز للراهن قطعها؛ لأن ذلك موضع الضرر. وإن تراضيا من غير ضرورة على قطعها كان لهما؛ لأن الحق في ذلك لهما. فإذا اتفقا على إسقاطه جاز، وإن حل الحق فطالب المرتهن الراهن بتشميسها لم يكن له؛ لأن حقه في بيعها دون تنقيتها فلم يكن له المطالبة بتشميسها. مسألة: قَالَ: "فَإِنْ أَبَى المَوْضُعَةَ عَلَى يَدَيْهِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِأَنْ يَضَعَهَا فِي مَنْزِلِهِ إِلاَّ بِكِرَاءٍ قِيلَ لِلرَّاهِنِ: عَلَيْكَ مَنْزِلٌ تُحَرَّزُ فِيهِ". إذا كانت الثمرة مما تجف واحتاجت إلى موضع تكون فيه، فإن تطوع من هو على يده بذلك فلا كلام، وإن امتنع فالأجرة على الراهن، فإن امتنع منه اكترى الحاكم من ماله إن كان له مال ظاهر وإلا باع من المرهون بقدر الكراء. ولو قال المرتهن: أنا أدفع الأجرة وتكون دينًا عليه بغير رهن جاز. وإن قال: يكون الرهن رهنًا بها، فيه طريقان كأرش الجناية إذا [ق ٢٨٤ أ] فداه المرتهن على أن يكون رهناً به، وبالأصل إن كان الراهن غائباً واحتيج إلى كراء الموضع الذي فيه يعرف الحاكم ذلك، وإن أنفق هو في الكراء من غير إذن الحاكم، فإن كان بقدر على الحاكم فلا يرجع عليه، وإن كان لا يقدر على الحاكم فهل يرجع فهل يرجع عليه؟ وجهان بناء على مسألة الحمال إذا هرب. باب ما يفسد الرهن من الشرط وما لا يفسد قَالَ: "وَإِن اشْتَرَطَ المُرْتَهِنُ مِنْ مَنَافِعِ الرَّهْنِ شَيْئاً فَالشَّرْطُ بَاطِلُ".

стр. 2528

إذا رهنه رهنًا وشرط فيه شرطًا لم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يكون شرطًا لا ينافي مقتضى العقد أو ينافي مقتضاه، فإن كان شرطاً لا ينافي مقتضاه مثل أن يقول: بشرط أن تقبضه، أو بشرط أن يباع الحق متى حل للإيفاء، أو بشرط أن يكون على يدي ثقةٍ أو نحو ذلك، فالرهن صحيح والشرط تأكيد، وإن كان شرطًا ينافي مقتضاه لم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يكون نقصانًا في حق المرتهن أو زيادة فيه، فإن كان نقصانًا مثل أن يقول: بشرط أن لا يقبضه أو لا يباع بالدين ونحو ذلك فالرهن باطل قولًا واحدًا، وإن كان زيادة في حقه مثل أن يقول: يباع قبل محل الحق بأي ثمن كان، أو الزوائد تكون رهنًا هل يبطل الرهن قولان. والفرق أن الشرط الذي يزيد في حق المرتهن [ق ٢٨٤ ب] إذا سقط بقي الرهن تاماً، فالشرط الذي ينقص في حق المرتهن إذا سقط بقي الرهن ناقصاً غير تام فلم يصح، وأما في البيع لا فرق بين شرط يزيد في الثمن أو ينقص منه في أنه يبطل، لأنه يأخذ قسطاً من الثمن فيؤدي إلى جهالة الثمن. فإذا تقرر هذا، واشترط المرتهن على الراهن منافع الرهن لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يشترط أن ملكها له، أو يشترط أن ملكها له، أو يشترط أنها تدخل في الرهن، فإن اشترط أن ملكها له فالشرط والرهن والبيع باطل قولًا واحدًا؛ لأنه لم يرض بالثمن المذكور في البيع إلا بأن يكون معه ملك المنافع وذلك مجهول، وإن لم يكن شرط هذا شرط هذا البيع هل يبطل الرهن به؟ فيه قولان لأنه زيادة في حق المرتهن، وإن اشترط أن منافعه تدخل في الرهن فالشرط باطل، وهل يبطل الرهن؟ قولان: أحدهما: يبطل وهو الأصح لأنه يعتبر موجب العقد. والثاني: لا يبطل. فإذا أبطلنا الرهن هل يبطل البيع؟ قولان: وعند أبي حنيفة لا يبطل الرهن بالشروط الفاسدة كالهبة عنده يبطل البيع، وقيل: قال الشافعي في القديم، و"مختصر الرهن" يصح الشرط وما يتجدد يكون رهناً مع الأصل، وهو قول عطاء. ووجه هذا أنه يدخل في العقد تبعاً إذا اشترط فيجوز أن يكون مجهولًا، وذكر القاضي أبو علي الزجاجي أن الشافعي قال في "القديم" [٢٨٥ أ] في الشرط: ولولا حديث معاذ ما رأيته جائزًا. فإذا قلنا: يجوز الرهن ولا يصح هذا الشرط فلأنه جمع بين معلوم ومجهول فيخرج على قولي تفريق الصفقة، وأصح القولين أنه يجوز في المعلوم بخلاف البيع؛ لأن هناك يبطل في المعلوم قولًا واحدًا؛ لأنه لا حاجة في الرهن إلى توزيع الحق بخلاف البيع. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٌ فَقَالَ: زِدْنِي أَلْفاً عَلَى أَنْ أَرْهَنَكَ بِهِمَا مَعاً".

стр. 2529

الفصل. وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم بلا رهن، فقال الذي عليه الألف: أقرضني ألفًا آخر على أن أعطيك بها هذا الشيء رهنًا لم يصح؛ لأن ذلك قرض جر منفعة، ولو قال: بعني عبدك بألف على أن أعطيك به وبالألف الذي لك عليَّ من غير رهن داري هذه رهنًا بهما جميعًا كان البيع باطلاً قولاً واحداً؛ لأنه باع العبد بشرط أن يرهن بالألف الذي بلا رهن، فكان ذلك في معين يتعين في بيعه لأنه لا فرق بين أن يقول: بعتك بكذا على أن تبيعني دارك بكذا، أو على أن تؤاجرني دارك بكذا، أو على أن ترهنني دارك بدين ولا يتعلق بهذا البيع. ويخالف هذا إذا قال: بعتك هذا العبد بألف على أن ترهنني دارك به لا يجوز؛ لأن هذا يتعلق بمصلحة هذا البيع، فإنه شرط فيه وثيقة العوض الذي ملك [ق ٢٨٥ ب] به، وليس كذلك شرط الرهن بدين آخر فإنه مما يتعلق بمصلحة هذا العقد فاقترقا. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَسْلَفَهُ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهَا رَهْناًوَشَرَطَ المُرْتَهِنُ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ". وههنا مسألتان: إحداها: أن تكون المنفعة للمرتهن ملكًا. والثانية: أن تكون له رهنًا، ففي المسألة الأولى ثلاث مسائل: إحداها: لو كان له عليه ألف درهم مستقر فقال: رهنتك داري بالألف الذي لك عليَّ وتكون منفعتها لك، فهذا شرط فاسد لمنافاته مقتضى الرهن، وهل يبطل الرهن؟ قولان، وقد ذكرنا. والثانية: أن يقول: أقرضني ألفًا على أن أرهنك داري ومنفعتها لك فهذا قرض فاسد؛ لأنه قرض جر منفعة، وإذا أبطل القرض بطل الرهن. والثالثة: أن يقول: بعني هذا العبد على أن أرهنك داري ويكون منفعتها لك فإن قدر المدة يكون بيعاً وإجارة وفيه قولان، وإن لم يقدر المدة فالإجارة باطلة للجهالة والبيع باطل لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن، هكذا ذكره القاضي الطبري. وقال أبو حامد: الشرط فاسد. وهل يفسد الرهن؟ قولان، ثم إذا قلنا: يبطل ففي بطلان البيع قولان، وهذا ظاهر كلام الشافعي لأنه جعل له الخيار في الرهن والبيع على ما ذكره القاضي لا يجيء هذا ووجهه [ق ٢٨٦ أ] أنه لم يجعل المنفعة عوضًا، وإنما شرطها له بحكم الوثيقة والمسألة الثانية منصوصة في الأم وفيها ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون عليه ألف مستقر فقال: رهنتك داري بالألف الذي عليَّ أو

стр. 2530

منفعتها رهن عندك، فهذا شرط فاسد، وقد ذكرنا. والثانية: أن يقول: أقرضنى ألفًا على أن أراهنك داري ومنفعتها قرض عندك، فهذا قرض صحيح لأنه لم يجر به منفعة، وأكثر ما فيه أنه استرط رهنًا فاسدًا وذلك لا يبطل فإذا ثبت هذا فالشرط فاسد، وهل يبطل الرهن؟ قولان. والثالثة: أن يقول: بعني عبدك بألف على أن أرهنك داري فتكون منفعة الدار ههنا معها فهو شرط باطل، وهل يبطل الرهن والبيع؟ قَالَ المُزَنِيُّ: "أَصْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ فَاسِدٍ بِشَرْطٍ وَغَيْرِهِ لاَ يَجُوزُ وِإِنْ أُجِيزَ حَتَّى يُبْتَدَأَ بِمَا يَجُوزُ". وهذا الذي قاله المزني غير صحيح، لأنه قدر أن الشافعي لما قال: "وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى مِنْهُ عَلَى هَذا الشَّرْطِ فَالبَائِعُ بِالْخَيَارِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ". أنه أثبت له الخيار على القول الذي يقول البيع صحيح؛ لأنه لم يسلم له ما شرط من الرهن وقيل: الصحيح أن البيع باطل والشافعي نص عليه، وغلط المزني فيما نقل أن البائع بالخيار. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ اشَتَرَطَ عَلَى المُرْتَهَنِ أَنْ لاَ يُبَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ مَحَلِّ الحَقِّ إِلاِّ بِمَا يُرْضِي الرَّاهِنَ". الفصل: وهذا من الشرط [ق ٢٨٦ ب] الذي ينقص حق المرتهن، وقد ذكرنا حكمه، ثم قال: "وَلَوْ رَهَنَهُ نَخْلاً عَلَى أَنَّ مَا أَثْمَرَتْ دَاخِل فِي الرَّهْنُ". وقد ذكرنا هذه المسألة أيضاَ، ثم قال المزني: "مَا قَطَعَ بِهِ وَأَثْبَتَهُ أَوْلَى". فأراد به أن البيع يصح، وإن بطل الشرط وهذا اختياره في نظائرها، ثم احتج على ذلك بما قال الشافعي: "لَوْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ العَصِيرَ فَرَهَنَهُ إِيِّاهُ هُوَ مِنْ سَاعَتِهِ خَمْرٌ فَلَهُ الخَيَارُ فِي البَيْع لأَنَّنُ لَمْ يُتِمَّ لَهُ الرَّهْنُ". فصحيح البيع مع فساد الرهن، قلنا: في مسألة العصير قولان أيضًا، وقد ذكرنا ذلك. وقيل في مسألة العصير كان الرهن صحيحاً وإنما فسد بعده فلا تشبه مسألتنا. وقال صاحب التقريب: إنما قال إلى غير المبيع إن وقع على هذا الرهن فسخ أو

стр. 2531

كان البائع بالخيار فهو تعليق قول منه في صحة البيع، وأشار إلى القولين، وإنَّا لم نصرح به لأن مقصوده أن الشرط باطل خلاف ما قال في القديم أن الشرط صحيح، ثم ذكرنا قولين في صحة الرهن بعد بطلان هذا الشرط سواء كان الرهن مشروطاً في بيع أو لم يكن، وإن كان كلام الشافعي كالمفضل بين الحالين إلا أن يقول بفساد البيع حينئذٍ يفسد الرهن لا محالة، وقيل: في هذه المسألة يحصل [ق ٢٨٧ أ] أربع أقاويل على قول أبي إسحاق، وعلى مذهبه أبي علي ثلاثة أقاويل: أحدها: يصح الشرط والرهن ويصح البيع. والثاني: يفسد الشرط والرهن ويصح البيع. والثالث: يفسد الشرط والرهن والبيع وهو الذي نص عليه. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ حَقَّا فَقَالَ: أَرْهَنْتُكَهُ بِمَا فِيهِ". الفصل: إذا رفع إليه حقاً، وقال: أرهنتكه بما فيه لم يجز الرهن فيما فيه؛ لأنه مجهول وهل يبطل في الحق؟ قولان بناء على تفريق الصفقة. ولو قال: رهنتك هذه الخريطة بما فيها لم يجز الرهن في الجميع؛ لأن الخريطة لا قيمة لها وإنما يقصد ما فيها فإذا كان المقصود مجهولاً بطل الرهن في الجميع، وهذا الذي قاله الشافعي من الفرق بين الحق خرج على خريطة لا قيمة لها، فإن كان الحق لا قيمة له والخريطة من ديباج لها قيمة كان الجواب كالضد مما ذكرناه فيكون في الخريطة جائزًا على أحد القولين، وفي الحق باطلًا قولًا واحدًا، ولو قال: رهنتك هذا الحق ولم يقل بما فيه كان الحق رهنًا؛ لأن ما فيه لم يرهنه، ولو قال: رهنتك هذه الخريطة ولم يقل بما فيها. قال بعض أصحابنا: كان الرهن باطلًا؛ لأن الخريطة على ما قال الشافعي لا قيمة لها مقصودة ظن وإنما المقصود ما فيها فكأنه رهن ما فيها، وإن لم يشرطه وليس كذلك الحق فإن له قيمة مقصودة، ولو قال [ق ٢٨٧ ب]: رهنتك هذه الخريطة دون ما فيها كان الرهن في الخريطة جائزًا؛ لأنَّا علمنا أنه رهن الخريطة وحدها ورضيا بقيمتها، وإن كانت القيمة يسيرة فجاز ولو لم يكن لها قيمة أصلاً لا يجوز. ومن أصحابنا من قال: نقل المزني في الحق أنه يجوز، وفي الخريطة أنه لا يجوز فالمسألتان على قولين وهذا ليس بشيء، وإنما أشكل على هذا القائل هذا لأنه لم يعرف أصول الشافعي.

стр. 2532

مسألة: قَالَ: "وَلَوْ شُرِطَ عَلَى الْمُرْتَهَنِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلرَّهْنِ وَدَفَعَهُ فَالرَّهْنُ فَاسِدٌ". هذا الشرط باطل لأنه ينافي مقتضي الرهن، ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هذا من الشرط الذي ينقص حق المرتهن فيبطل قولاً واحداً. قال صاحب "الإفصاح": هل يبطل الرهن بهذا الشرط؟ قولان؛ لأن شرط الضمان لا ينقص بحق المرتهن؛ لأنه لا يمنعه ذلك من استيفاء حقه منه عند محله، ويخالف هذا إذا قال: لا تبعه إلا باختياري أو باختيار فلان؛ لأن كل هذا يمنع من استيفاء الحق منه فلم يكن الرهن تامًا، ثم إذا بطل الرهن لا يضمن؛ لأن ما لا يضمن صحيحه لا يضمن فاسده كما نقول في الإجارة والقراض وما يضمن صحيحه يضمن فاسده كالبيع. باب الرهن غير مضمون [ث ٢٨٨] أخبرنا محمد بن إسماعيل. الخبر. اختلف أصحابنا في الرهن على خمسة مذاهب؛ فذهبت طائفة إلى أنه أمانة في يد المرتهن لا يسقط الحق بتلفه ولا شيء منه كالوديعة، وبه قال الشافعي وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور وهو إحدى الروايتين عن علي ﵁ وبه قال النخعي والثوري، الرهن مضمون بأقل الأمرين من القيمة أو الحق، فإن كانت قيمته ألفاً ورهن بخمسمائة فنصفه مضمون، نصفه أمانة، وإن كانت قيمته خمسمائة والدين ألف فتلف سقط نصف الدين وبقي النصف. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ وقال إسحاق: هو مضمون لجميع قيمته وإن زادت على الحق يترادان الفضل وهو الرواية المشهورة عن علي ﵁ وقال الحسن، وشريح، والنخعي، والشعبي هو مضمون بالحق الذي هو مرهون به بالغاً ما بلغ. وقال مالك: إن تلف بسبب ظاهر كالحريق والغرق والنهب الظاهر فالقول قوله ولا ضمان عليه. وإن كان بسبب باطن كالسرقة فالقول قول الراهن فيضمنه المرتهن؛ لأنه متهم فيه، وهذا غلط لما احتج به الشافعي من الخبر المعروف عن رسول الله ﷺ وفيه أدلة: أحدها: أنه قال: "لا يغلق الرهن" قال أبو عبيدة: معناه لا يسقط [ق ٢٨٨] الدين بتلفه. والثاني: قال: "الرهن من صاحبه"، ومعناه من ضمان صاحبه. والثالث: وهو الأقوى وعليه غرمه. والغرم: النقص وقيل: معنى قوله: "لا يغلق الرهن" أي لا يتعلق ولا ينعقد حتى ينفك. وقوله: "الرهن من صاحبه" معناه لصاحبه والعرب تضع (من) موضع (اللام) وإذا كان ملكه كان تلفه من ملكه.

стр. 2533

واحتج أيضًا بأن الله تعالى: جعل الرهن وثيقة للمرتهن كما جعل الشهود وثيقة له فلو كان دينه يسقط بتلفه لكان الارتهان مهاطرًا لا مستوثقًا، وكان ترك الارتهان خيرًا له لئلا يسقط عن ذمة غريمه إلا باستيفاء أو إبراء، وليس المرتهن بمعتدي حين قبض ولا حين تلف ولا بين ذلك ولا الرهن ثمن ولا بثمن فالضمان محال. واحتجوا بما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الرهن بما فيه" وروى أبو حنيفة أن رجلاً رهن فرساً عند رجل فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال: "ذهب حقك" قلنا: أما الأول: أراد محبوس بما فيه. وأما الثاني: رواه مصعب بن ثابت، عن عطاء، عن النبي ﷺ ومصعب ضعيف، وعطاء، عن النبي ﷺ مرسل. ثم نحمله على أنه أراد به ذهب حقك من الوثيقة. مسألة: قَالَ: "وَمَا ظَهَرَ هَلاَكُهُ وَخَفِيَ سَوَاءٌ" [ق ٢٨٩ أ] قصد به الرد على مالك على ما ذكرنا، ولا وجه لما قال من التهمة، لأنه أمين ويتعذر عليه إقامة البينة على السرقة، ثم قال: "وَلاَ يَضْمَنُ المُرْتَهَنُ وَلاَ المَوْضُوعُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الرَّهْن شَيْئاً إِلاَّ فِيمَا يَضْمَنَا فِيهِ من الْوَدِيعَةِ بِالتَّعَدِّي". وقد ذكرنا هذا. والتعدي إما بالاستعمال أو التفريط في حفظه، ثم قال: "قَضَاهُ مَا فِي الرَّهْنِ، ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّهْنُ فَحَبَسَهُ عَنْهُ وَهُوَ يُمْكِنُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ". وجملته أنه إذا قضاه الدين واستحق رد الرهن عليه فطالبه برده فأخر الرد نظر، فإن كان بعذر بأن كان الطريق محفوفًا أو كان الباب مغلقًا وكان يخاف فوق الجمعة أو الجماعة أو الصلاة أو كان .......... شديد فأخر الرد لذلك فلا ضمان عليه، وإن لم يكن عذر فأخره فتلف يلزمه الضمان وهو قيمته أكثر ما كانت من حين منع إلى حين تلف. فرع مؤنة رد الرهن بعد الفكاك على من تلزم؟ ظاهر المذهبه أناه تلزم الراهن، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: على المرتهن لأنه يجب رده عليه. والثاني: لا تلزم المرتهن لأنه كالمودع.

стр. 2534

فرع آخر إذا استعار المرتهن رهن بين الراهن لينتفع به ضمنه بذلك، لأنه صار في يده لمنفعته نفسه منفردًا، وعند أبي حنيفة: لا يضمن في حالة لأنه خرج من قبض الرهن إلى قبض العارية، وعند العارية غير مضمونة [ق ٢٨٩ ب]. فرع آخر لو أسلم في طعام وأخذ به رهنًا، ثم تقابلا في عقد السلم برئت ذمة المسلم إليه من الطعام ووجب عليه رد رأس المال وبطل الرهن؛ لأن الدين به سقط، ولم يكن له حبسه على رأس المال لأنه لم يرهنه به. فرع آخر لو أقرضه ألفًا برهن، ثم أخذ الرهن عيناً سقط القرض عن ذمته وبطل الرهن، فلو تلفت العين في يد المقترض انفسخ العقد في العين وعاد القرض والرهن، لأنه متعلق به كما لو صار العصير خمراً، ثم عاد خلاَّ يعود الرهن به. فرع آخر لو باع من رجل شيئًا بثمن مؤجل عن أن يرهنه عبده وسلم المبيع إلى المشتري فتلف المبيع والعبد في يد المشتري كان للبائع فسخ البيع، لأنه لم يسلم إليه العبد الذي شرط عليه رهنه، وقد بيَّنا أنه تلف المبيع عندنا لا يمنع من فسخ العقد فيه كما تجوز الإقالة فيه، ثم إذا فسخه يرجع عليه بقيمة المبيع دون الثمن. فرع آخر لو رهنه عبدًا لمورثه وهو لا يعلم أنه قد ورثه، ثم علم أنه كان ورثه لم يصح عقد الرهن. نص عليه في "الأم". وكذلك لو وكل وكيلاً في شراء عبد ثم رهنه، وهو لا يعلم أنه اشتراه، ثم علم أنه كان قد اشتراه لم يصح الرهن، لأنه عقد وهو شاك في ملكه، وفيه قول مخرج أنه يجوز لأنه صادف ملكه. فرع آخر لو رأى عبدًا من بعيد فقال [ق ٢٩٠ أ] إن كان هذا عبدي فقد رهنتكه لم يصح الرهن. وكذلك لو قال: إن كانت الثياب التي في خزانتي أو صندوقي باقية، فقد رهنتك لم يصح الرهن. فرع آخر لو أصدق امرأته صداقًا فأعطاها به رهناً، ثم طلقها قبل الدخول بها سقط نصف الصداق ولم يفتك من الرهن شيء.

стр. 2535

فرع آخر قال أصحابنا في هذا الموضع: وليس هذا موضعه، قال ابن سريج: الوصي في بيع التركة بالخيار إن شاء باعها بنفسه، وإن شاء وكل في بيعها سواء كان مما يتولى مثله أو لا يتولى؛ لأن الميت أقامه مقام نفسه ولا يمكن الرجوع إليه فلم يجز أن يوكل فيه غيره. ومن أصحابنا من قال: لا فرق بينهما، فإن كان مثله لا يتولى بيع مثله كان لهما التوكيل، وإن كان مثله يتولى في بيع مثله فلا يجوز لهما التوكيل. فرع آخر إذا قال لعبده: أنت ابني تقع الحرية، وهل يعتق المرهون بهذه اللفظة؟ فإن قلنا: يصح عتقه يعتق، وإن قلنا: لا يصح عتقه بني على الإقرار بالحرية في المرهون، وفيه قولان كإقرار الراهن بالغضب، فإن جوزنا الإقرار وقعت الحرية وإلا فلا.

стр. 2536

كتاب التفليس قال: أخبرنا ابن أبي فديك. الخبر. المفلس في اللغة [ق ٢٩٠ ب] من ذهب خير ماله وبقي شر ماله, مثل إن ذهب من ماله الذهب والفضة والأثاث وبقيت معه الفلوس فهو ذو فلوس لقوله: فلان مغض أي ذو غضة. وقيل: من ذهب ماله حتى الفلوس وهذا بضد الأول, والأول أصح. ويقال: فلسه الحاكم إذا حجر عليه ومنعه من التصرف في ماله. وأما في الشرع هو عبارة عمن تملك من المال دون ما عليه من الديون, ويقال كتاب الفلس, قال بعض أصحابنا: ويكره أن يقال: كتاب الإفلاس؛ لأن الإفلاس مستعمل في الإعسار بعد اليسار والتفليس يستعمل في حجر الحاكم على المديون فكان أليق بالحال. فإذا تقرر هذا, فاعلم أن الديون سبب الحجر ولا تثبت إلا بالنية أو الإقرار, فإذا كان مال الإنسان عاجزًا عن ديونه واجتمع الغرماء, وأثبتوا ديونهم عند الحاكم وسألوه الحجر عليه وقسمة ماله بينهم حجر الحاكم عليه, وفائدة الحجر ثلاثة أشياء: أحدها: تعلق الديون بعين ماله. والثاني: أنه يمنع من التصرف في ماله, ولو تصرف لا يجوز, ولا يمكنه أن يبادر فيقضي ديون البعض دون البعض, فإنه لا يجوز قضاؤه للدين بنفسه بعد الحجر, بل القاضي يقضي ديونهم بالقسمة على القدر, ثم إن ظهر غرماء آخرون شاركوا الأولين في الأخذ منهم بقدر ديونهم حتى يستووا فيه, ففي الحجر نظر الغرماء [ق ٢٩١ أ] الحاضرين ولم يحضروا وظهر بعده. والثالث: أن كل من وجد من عين ماله عنده كان أحق به من غيره, وإن كان ماله يفي بديونه وليس هناك أمارات الفلس, مثل إن كان عليه ألف درهم ومعه ألف درهم والنفقة من الربح لم يكن له الحجر عليه ولكنه يكلفه قضاء دينه, فإن فعل وإلا حبسه, فإن فعل وإلا باع عليه ماله, وإن كان معه فوق ما عليه ولكن هناك أمارات الفلس, مثل أن يكون أصل ماله وفاء ديونه ولا يفضل شيء للنفقة هل يستحق الحجر عليه؟ قولان: أحدهما: يحجر عليه, لأن علة الحجر ثبوت الدين وقد وجد ذلك ولا يؤمن من المبادرة إلى إتلاف بعض ماله بالنفقة والتبرعات وغيرها, أو يظهر غرماء آخرون فيضيق المال عن حقوقهم. والثاني: لا يحجر عليه, لأن المال يفي بالديون فلا معنى للحجر.

стр. 2537

فإذا قلنا: يحجر عليه في هذا الموضع تعلقت حقوق الغرماء بأعيان ماله وينقطع تصرفه, وهل يختار البائع عين ماله التي لم يقبض منها ثمنها؟ وجهان: أحدهما: يختار ذلك كما لو حجر عليه وليس معه وفاء. والثاني: لا يختار ذلك لأنه قادر على ثمن سلعته من غير تبرع من أحد بخلاف ما إذا لم يكن وفاء, لأنه لا يتوصل إلى ثمن سلعته, وهكذا لو مات رجل وعليه ديون تعلقت ديون الغرماء [ق ٢٩١ ب [بماله ولا يحتاج إلى القرباء, ثم ينظر فإن لم يخلف وفاء فكل من وجد عين ماله فهو أحق بها من غيره قولًا واحدًا, وإن حلف وفاء كالذهب أنه لا يكون أحق بعين ماله بل يقسم ماله بينهم حتى يقضي ديونهم, ثم يقسم الباقي بين الورثة. وقال الإصطخري: هو أحق بعين ماله بكل حالٍ لأنه ربما يظهر غرماء آخرون فينزعون معه ما قبض, وهذا غلط لأنه يتوصل إلى كمال حقه من غير تبرع أحد فلا يكون له الرجوع بعين ماله كما لو كان حيًا, واحتج بأن النبيّ ﷺ قال: "أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه" ولم يقيد الموت بالإفلاس بل أطلق, قلنا: نحمله على ما لو مات مفلسًا بدليل ما ذكرنا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على حال الحياة إذا كان ماله يفي بديونه هل يحجر أم لا؟ فإن قلنا: يحجر عليه يرجع عليه ههنا, وإن قلنا: هناك لا يحجر عليه فهل يحجر ههنا؟ فيه وجهان, وهذا غير صحيح فيروى نحو قولنا في الرجوع بعين المال عند الإفلاس والحجر عن عثمان, وعلي, وأبي هريرة, وعروة بن الزبير ﵃ وهو قول الأوزاعي, وأحمد, وإسحاق. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الحجر بحالٍ. ولا يجوز ذلك وليس للبائع الرجوع في عين ماله ولكنهم يطالبون الحاكم بحبسه والأمر بقضاء ديونهم, ويطالبون الورثة بقضاء الدين من التركة, وبه قال الحسن والنخعي وابن [ق ٢٩٢ أ] شبرمة, وقال مالك: يحجر على المفلس ويرجع البائع في عين ماله حال الحياة, وإذا مات مفلسًا لا يرجع البائع في عين ماله بل كل الغرماء سواء, واحتج بأنه إذا رجع البائع إلى عين ماله حال الحياة فسائر الغرماء يتوصلون إلى شيء آخر بتحمل المفلس له واستفادته المال من وجه آخر, وبعد الوفاة لا تكون إلا التركة فيشتركون فيها ولا يختص بعضهم بها. وأيضًا روى الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن النبيّ ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به, وإن مات فهو أسوة الغرماء". وهذا غلط لما روي عن عمر بن خلدة الزرقي قاضي المدينة قال: أتينا أبا هريرة ﵁ في صاحب لنا أفلس, فقال أبو هريرة ﵁: الذي قضى فيه رسول الله ﷺ : "أيما رجل مات أو

стр. 2538

أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه". وروى هشام بن يحيى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أفلس الرجل ووجد لبائع سلعته بعينها فهو أحق بها من الغرماء". وفي رواية أخرى: "فبائع المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه". وأما الخبر الذي ذكره مرسل وقيل: قوله: "ومات فهو أسوة الغرماء" [ق ٢٩٢ ب] من قول أبي بكر بن عبد الرحمن أدرجه الراوي في الخبر, ثم يحتمل على ما لو خلف وفاء. وأما ما ذكره من المعنى لا يصح؛ لأن البائع لا يتوصل إلى كمال حقه لخراب ذمة المشتري بالإفلاس فكان له الرجوع إلى عين ماله كما لو كان حيًا مفلسًا, وما ذكره من تحمل المفلس موهوم لا اعتبار به أيضًا, وأيضًا قال الشافعي: يُقَالُ لِمَنْ قَبِلَ الحَدِيثَ فِي المُفْلِسِ فِي الحَيَاةِ دُونَ المَوْتِ قَدْ حَكَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْحَيِّ فَحَكَمْتُمْ بِهَا عَلَى وَرَثَتِهِ". فكذلك ههنا وجب أن يحكم على ورثته حتى لا يكون للوارث أكثر ما للمورث, إذ يستحيل أن يكون سلطان الورثة فوق سلطان الموروث فيما ورثوا عنه, وكذلك الرد بالعيب لا يسقط بموت البائع بل يرد على وارثه كذلك ههنا, لأنه حق يملك عليه بعوض. واعترض المزني ههنا وابعد النجعة فيه فقال: قد جعل الشافعي للوارث في الوقف أكثر ما للمورث لأنه قال: "إِذَا هَلَكَ أًهْلُهُ رَجَعَ الوَقْف إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالوَقْفِ". ولم يقل أنه يرجع إلى الواقف, ثم قال: "وَهَذَا عِنْدِي غَيْرُ جَائِزٍ". يعني جواب الشافعي في مسألة الوقف لا في مسألة المفلس. قلنا: أما مسألة الوقف فإن في صحة الوقف الذي لم يبين انتهاؤه قولين: أحدهما: الوقف باطل حتى يبين انتهاؤه وتعلقه على ما لا ينقرض في الغالب مثل أن يقول [ق ٢٩٣ أ] فإذا انقرض أولاد أولادي يصرف إلى الفقراء والمساكين ونحو ذلك. والثاني: يصح الوقف إذا انقرض الموقوف عليه. روى الربيع أنه يرجع إلى أقرب الناس بالواقف بشرط الفقر. فمن الأصحاب من قال: المذهب ما رواه حرملة وما رواه الربيع مطلق فمحمول على هذا المقيد, وقيل: فيه قولان, وفي الجملة ما قاله المزني: "لا يلزم", لأن كلام الشافعي في الوارث (والمورث)

стр. 2539

وما يجري مجرى الميراث والوقف بمعزل عن ذلك, لأنه أخرج الشيء من ماله قربة إلى الله تعالى, فإذا لم يبين مصرفه طلبنا أولى وجوه القرب وهذا التصدق على الأقارب, فصرفنا إليه ذلك ولم يرده الواقف, لأنه لا يقف أحد على نفسه ولو فعل لا يجوز, وقد تقرب هو به إلى الله تعالى, وأزال ملكه, فلا يعود إليه, ولا له العود فيه. وقال ابن حربويه من أصحابنا: البائع أحق بعين ماله على معنى أنه يستوفي حقه من ثمنه كالرهن, ويقدم به على سائر الغرماء ولا يفسخ, وهذا خلاف الإجماع ومذهب أبي حنيفة هذا إذا كان قبل قبض المبيع. فرع آخر البائع بالخيار بين أن يرجع بعين ماله وبين أن لا يرجع بعين ماله وهل الرجوع على الفور أم التراخي؟ وجهان: أحدهما: أنه على الفور وهو الصحيح؛ لأنه لوجود العيب فكان على الفور [ق ٢٩٣ ب] كخيار الرد بالعيب. والثاني: أنه على التراخي لأنه حق رجوع لا يسقط على عوض فكان التراخي كالرجوع في الهبة. وهذا لا يصح؛ لأن في التأخير ههنا ضرر بالغرماء بخلاف الرجوع في الهبة, وقيل: هو على التراخي ما لم يعزم الحاكم على بيع ماله فلا يؤدي إلى الضرر بأحدٍ. فرع آخر إذا أراد أن يرجع بعين ماله هل يحتاج إلى حكم الحاكم؟ المذهب أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم؛ لأن الشافعي قال: "لا يملك عين ماله إلا بالتفليس والاختيار" ولم يشترط فيه حكم الحاكم, ولأنه فسخ ثبت بالنص فلا يفتقر إلى حكم الحاكم كالفسخ باللعان والرد بالعيب. وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: لابد من حكم الحاكم لأنه فسخ مختلف فيه ولم يذكر صاحب "الحاوي" غير هذا. وقيل: إذا كان حاكم ليس له ذلك إلا بحكمه وإن لم يكن حاكم فله ذلك. فرع آخر بماذا يكون الفسخ؟ اختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: بصريح القول والفعل كما في الفسخ بالخيار؛ لأن ملك المشتري في زمان الخيار غير مفتقر فجاز أن يفسخ بالفعل بخلاف ملك المفلس فإنه مستقر.

стр. 2540

فرع آخر لو كان مرهونًا, ثم فك من الرهن هل للبائع الاسترجاع؟ وجهان: أحدهما: لا يكون له ذلك لأنه صار إلى حال [ق ٢٩٤ أ] زال عنه حكم الاسترجاع. والثاني: له ذلك لأنه قادر على الاسترجاع من غير إبطال حق الغير. فرع آخر إذا باع شقصًا وأفلس المشتري بالثمن, ثم علم الشفيع فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: الشفيع أولى ويؤخذ منه الثمن ويقسط على الغرماء وهذا أصح؛ لأن حق الشفيع سابق, ألا ترى أن المشتري لو باع قبل أن يعلم الشفيع كان للشفيع أخذه من المشتري الثاني لتقدم حقه على حقه, وإذا قدمنا حقه على حق البائع لم يجز أنه يخصه بثمنه ووجب أن يكون أسوة الغرماء فيه؛ لأن العين فاتت وما دفع الشفيع من الثمن في حكم مشتري لو اشتراه ودفع الثمن كان جميع الغرماء فيه أسوة, فكذلك فيما دفع الشفيع كان كل الغرماء فيه أسوة. والثاني: البائع أولى؛ لأن الشفعة لإزالة الضرر فلا يجوز أن يزال عنه الضرر بإدخال الضرر على البائع. والثالث: الشفيع اولى ولكن الثمن المأخوذ منه يدفع إلى البائع ويخص به جمعًا بين الحقين, وهو اختيار ابن سريج قياسًا على ما قال الشافعي في المكاتب إذا ركبته ديون وعليه مال الكتابة وفي يده ما لا يفي بالجميع يدفع المال إلى الغرماء ويرجع السيد في الرقبة. ومثل هذه المسألة إذا تزوج امرأة وأصدقها سقطًا ثم طلقها قبل الدخول بها قبل أن يعلم [ق ٢٩٤ ب] الشريك بالشفعة, فإن النصف الذي هو لها يأخذه الشفيع, والنصف الذي هو له فيه وجهان: أحدهما: الشفيع أحق به, لأنه حقه ثابت. والثاني: الزوج أحق به؛ لأن حقه ثبت بنص القرآن العظيم. فإن قيل: أليس قلتم المحال عليه إذا أفلس ليس للمحتال الرجوع إلى المحيل فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن الحوالة كالقبض؛ لأن المطالبة تسقط عن المحيل بالحوالة على الإطلاق, وههنا لا يوجد هذا المعنى فثبت الرجوع. مسألة: قَالَ: "وَلَا أجْعَلُ لِلْغُرَمَاءِ مَنْعَهُ بِدَفْعِ الثَّمَن". وإذا أراد البائع الرجوع في عين مال فقال الغرماء له: لا تفسخ ولك علينا تمام

стр. 2541

الثمن ولا يكلفك المحاصة والمضاربة لم يبطل حقه من الفسخ؛ لأن النبي ﷺ جعل البائع أحق بالعين فهو أحق بها في جميع الأحوال, ولربما يأخذ الثمن دون العين فيظهر للمفلس غريم آخر, فليرجع عليه في ذلك الثمن بالقسط. وكذلك ورثة الميت لو قالوا للبائع: نبذل لك الثمن له الفسخ أيضًا. وقال مالك: يسقط في المسألة الأولى خياره بذلك, ولا يتصور الخلاف معه في المسألة الثانية. واحتج بأنه يزول ضرره بذلك. وهذا غلط لما ذكرناه؛ ولأن الغرماء متبرعون بذلك ولا يلزمه قبول التبرع للمنة كما لو تبرع رجل بقضاء دين رجل لا يلزمه قبوله. مسألة: [ق ٢٩٥ أ] قال: "وَإِنْ تَغَيَّرت السِّلْعَةُ بِنقْصٍ فِي بَدَنِهَا بِعَوَرٍ أَوّ غيرِهِ". الفصل: إذا وجد البائع عين ماله في يد المفلس لم يخل من ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن تكون بحالها لم تزد ولم تنقص, أو نقصت أو زادت, فإن كانت بحالها نظر, فإن لم يكن تعلق بها حق الغير كان البائع أحق بها وله ترك الرجوع فيها والرضا بالمحاصة؛ لأن النبي ﷺ قال في الخبر: "صاحب المتاع أحق" وهذا اللفظ يقتضي أن يكون مخيرًا, إن شاء رجع وإن شاء لم يرجع, وإن كان قد تعلق حق الغير بها بأن رهنها ثم أفلس لا يكون للبائع الرجوع فيها والمرتهن مقدم بثمنها على الغرماء فتباع في حقه, فإن كان وفق حقه انفرد به, وإن كان دون حقه بيع منه بقدر حقه والفاضل للبائع؛ لأنه عين ماله. ولو كان قد باع ثم عاد إليه بهبة أو إرث قد ذكرنا وجهين في موضع من هذا الكتاب, ولو عاد بشراء جديد فيه أوجه: أحدها: البائع الأول أولى بعين ماله؛ لأن حقه أقدم. والثاني: البائع الثاني أولى في الرجوع إليه؛ لأن هذا الملك القائم في الحال متلفًا من قبله. والثالث: هما سواء يتحاصان فيه بقدر حقوقهما كما لو استدان ديونًا كثيرة لا يراعى الترتيب فيها, بل يستوي أربابها. ذكره أصحابنا بخراسان. وإن كانت العين ناقصة لم يخل من أحد أمرين؛ إما [ق ٢٩٥ ب] أن يكون نقصانًا يفرد بالعقد أو لا يفرد به, فإن كان نقصانًا يفرد بالعقد مثل إن كان المبيع ثوبين فهلك أحدهما أو ثوبًا واحدًا فهلك بعضه فالمذهب أن البائع بالخيار بين أن يضرب بالثمن مع الغرماء وبين ان يأخذ المأخوذ ويضرب مع الغرماء بحصة التالف. وإن كان نقصانًا لا يمكن إفراده بالعقد مثل إن كان عبدًا فذهبت يده أو عينه ولم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يكون ذهابه بوجوب

стр. 2542

أرش أو بغير أرش, مثل إن ذهب بأمر سماوي أو بإتلاف المشتري فالبائع بالخيار بين أن يقبله ناقصًا ولا شيء له غيره, وبين أن يدع ويضرب مع الغرماء بالثمن. وإن كان النقصان بالأرش, مثل إن جنى عليه أجنبي فوجب الأرش, فالأرش يلزم للمفلس والبائع بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يأخذه ناقصًا ويضرب مع الغرماء بقدر النقص من الثمن, وإنما لا يرجع إليه الأرش لأنه بدل جزء تلف في يد المشتري, وإنما يكون أحق به من سائر الغرماء مع بقاء عينه. فأما مع تلفه يكون أسوة الغرماء فيقال: كم قيمته ولا عيب به؟ قالوا: مائة. قلنا: كم قيمته وبه هذا العيب؟ قالوا: تسعون, فالبائع يأخذه معيبًا ويضرب مع الغرماء بعشر الثمن. فإذا تقرر هذا نقل المزني أن الشافعي شبه هذا [ق ٢٩٦ أ] بالشقص المشفوع إذا نقص بهدم من السماء إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء تركه. واختلف أصحابنا في هذه المسألة على طرق؛ منهم من قال: هذا الذي نقله المزني مما لا يعرف في شيء من كتبه, وقد ذكر في كتبه أن الشفيع يأخذ بحصته من الثمن أو يدع, إلا أن المزني ثقة فيجب أن تكون المسألة على قولين. ومنهم من قال: هو على قولين: ومنهم من قال هو على حالين فالذي نقله المزني إذا نقصت بآفة سماوية أو بجناية من المشتري, والذي نقله غيره إذا كان النقص من جهة الآدمي الأجنبي فالأرش يحصل للمشتري, والشفيع يأخذ من الثمن. ومنهم من قال: الذي نقله المزني إذا كانت الأعيان قائمة ولكن ذهب تأليفها والذي نقله غيره إذا كانت الأعيان تالفة. ومنهم من قال: الذي نقله المزني إذا تلف البناء دون العرصة والذي نقله غيره إذا كان قد تلف بعض العرصة, وهذا لأن البناء تابع في الدار والعرصة هي المتبوعة كأطراف العبد تابعة للبدن, ولهذا تدخل في بيع الأرض من غير شرط. فإذا ثبت هذا في الشفعة يجب أن يكون الفلس مثله, وإن كانت زائدة لا يخلو إما أن تكون الزيادة متميزة أو لا, فإن كانت متميزة مثل النتاج والثمار فهو مخير بين أن يضرب مع الغرماء [ق ٢٩٦ ب] أو يرجع في عين ماله ولا حق له في الثمار, لأنه نماء متميز في ملك المفلس, وإن كانت الزيادة غير متميزة كالكبر والسمن ونحو ذلك, فهو بالخيار بين أن يضرب بالثمن, وبين أن يأخذه بالزيادة بكل الثمن؛ لأن الزيادة غير المتميزة أبدًا تتبع الأصل إلا في الصداق فإنه إذا طلقها قبل الدخول والصداق زاد زيادة غير متميزة, فالزائد أحق بها ويرجع الزوج بنصف القيمة وموضع الفرق "كتاب الصداق". ولكن نذكر ههنا حتى يزول الإشكال, فنقول: قال أبو إسحاق: الفرق أن الصداق على صفة لو تلف رجع الزوج إلى قيمته التي لا تزيد على الصداق فلم يجب أن يرجع مع البقاء بزيادة الصداق, والمبيع لو تلف رجع البائع بالثمن الذي قد يزيد على قيمة المبيع, فكان له أن يرجع مع اليقاء بزيادة المبيع. وقال ابن أبي هريرة: إنه لم يكن للزوج حق قبل الطلاق ولا تعلق بالصداق بل

стр. 2543

استحدث الحق بعد حدوث الزيادة في مسألتنا حق البائع متعلق بالمبيع قبل الزيادة متقدمًا على المفلس. وقال أبو الفياض البصري: الفرق أن بطلاقه من فعله متهم بالطمع من الزيادة والتهمة انتفت من البائع بالطمع في الزيادة. وقال أبو حامد: الفرق أن للبائع العدول عن [ق ٢٩٧ أ] عين ماله مع الوجود إلى الثمن وإن كان أضعاف القيمة فكان له ان يأخذ عين ماله مع حدوث الزيادة وليس للزوج أن يعدل عن الصداق الموجود بحالٍ فلم يكن له فيه حق إذا كان زائدًا. وقيل: الزوج يصل إلى كمال حقه من القيمة فوزانه إذا كانت المرأة مفلسة يأخذ الزوج نصف العين زائدًا. فرع لو كان في يد المشتري أعيان مال لم يؤد أثمانها وزادت أسعارها, وأن استرجعها أربابها عجز ماله عن الدين, وإن تركوها عليه كان في ماله وفاء بدينه هل يجري عليه حكم العاجز عن دينه أم حكم الملئ به؟ فيه وجهان: أحدهما: يجري عليه حكم العاجز؛ لأن تلك الأعيان مستحقة الاسترجاع فلم يعتبر زيادة أثمانها في ماله. والثاني: يجري عليه حكم الملئ بدينه؛ لأن تلك الأعيان ملكه قبل الاسترجاع فكانت زيادة أثمانها ملكًا له. فعلى هذا إن لم تظهر أمارات الإفلاس لم يحجر عليه, وإن ظهرت أماراته ففي جواز الحجر وجهان. مسألة: قال: "وَلَوْ بَاعَهُ نَخْلًا فِيهِ ثَمَرٌ أَوْ طَلْعٌ قَدْ أُبِرَ واسْتَثْنَاهُ المُشْتَرِي وَقَبَضَهَا وَأَكَلَ الثَّمَرَ وَأَصَابَتهُ جَائِحَةٌ ثُمَّ فَلَسَ أَوْ مَاتَ, فَإِنَّهُ يَاخُذُ عَيْنَ مَالِهِ وَيَكُونُ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ فِي حِصَّةِ الثَّمَرِ يَوْمَ أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ". إذا باع نخلًا عليها ثمرة أو طلع [ق ٢٩٧ ب] قد أبر فإن هذين بمنزلة العينين, لأن الثمرة ليست بتابعة للأصول, ألا ترى أنه إذا قال: بعتك هذه النخلة لم تدخل الثمرة في البيع, وإذا شرطها المشتري دخلت في المبيع بالشرط على هذا الوجه. وعبَّر الشافعي عن ذلك بالاستثناء, ثم إذا تلفت الثمرة بجائحة من السماء, أو بجناية من المشتري, فإن البائع بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يرجع بالنخيل ويضرب مع الغرماء بما يخص الثمرة من الثمن. وكذلك إذا اشترى نخلتين أو عبدين أو ثوبين وطريق التقويم فيه حتى يعرف ما يقابل الثمرة من الثمن, وما يقابل النخيل منه أن يقال: كم قيمة

стр. 2544

النخيل؟ فيقال: تسعمائة درهم. ويقال: كم قيمة الثمرة؟ فيقال: مائة درهم, فيعلم أن عشر الثمن يقابل الثمرة وتسعة أعشاره يقابل النخيل. وقال أصحابنا: ويعتبر قيمتها بأقل الأمرين من حين البيع والتسليم قد تلف في يده فلا يجوز أن يرجع به على المشتري. وأما قول الشافعي: وَيَكُونُ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ فِي حِصَّةِ الثَّمَرِ يَوْمَ قَبضِهِ". أراد به إذا لم ينقص في يده وكان بحاله, أو كان ناقصًا, فأما إذا كان زائدًا فالزيادة للمشتري فلا يقوم عليه, وإنما يقوم في حال البيع, ويعتبر قيمة النخل بأكثر اليومين من يوم العقد ويوم القبض ليكون النقصان [ق ٢٩٨ أ] محسوبًا على البائع أيضًا, وإنما أطلق الشافعي وقال: "يَوْمَ قَبْضِهِ"؛ لأن العادة أن القبض يتعقب البيع وأن القيمة فيها واحدة. ومن أصحابنا من قال: يأخذ النخيل بكل الثمن وهو ضعيف لا وجه له. فرع لو باع نخلًا مطلعة ولم توبر فالطلع يدخل في البيع تبعًا, فلو هلك الثمر ثم أفلس المشتري بالثمن فيه وجهان: أحدهما: يرجع بالنخل إن شاء ولا شيء له غيرها؛ لأن الطلع بمنزلة الزيادة المتصلة, فإذا نقصت في يد المشتري لا يضارب بقسط ذلك النقصان: والثاني: يرجع بالنخل بحصتها من الثمن ويضرب مع الغرماء بحصة الطلع من الثمن؛ لأن الطلع عين وهو مع النخل بمنزلة العين. وأصل هذين الوجهين أن الطلع هل يأخذ قسطًا من الثمن إذا لم يكن مؤبرًا؟ فيه وجهان مبنيان على أن الحمل هل له قسط من الثمن أم لا؟ فرع آخر لو باع نخلًا مثمرة لم يبد صلاحها معًا وسلمها إلى المشتري ثم أفلس والثمرة قد أدركت فالبائع يأخذها مع ثمرتها؛ لأن هذه زيادة غير متميزة حدثت في يد المشتري فتبعت الأصل في الفسخ. وكذلك إن كانت غير مؤبرة ثم أبرت عند المشتري. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بناء على ان الثمرة قبل الإبار هل تعلم أم لا؟ فإن قلنا: لا تعلم كان للمشتري. وإن قلنا: تعلم [ق ٢٩٨ ب] كان للبائع. مسالة: قَالَ: "وَلَوْ بَاعَهَا مَعَ ثَمَرِ فِيهَا قَدْ اخْضَرَّ ثُمَّ أَفْلَسَ وَالثَّمرُ رُطَبٌ, أَوْ تَمْرٌ أَوْ بَاعَهُ

стр. 2545

زَرْعًا مَعَ أَرْضٍ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ ثُمَّ أَصَابَهُ مُدْرَكًا أَخْذَهُ كُلَّهُ". ههنا مسألتان: إحداهما: إذا باع نخلًا عليها ثمرة فأدركت في يد المشتري, وقد ذكرناها. والثانية: إذا باعه أرضًا وفيها زرع وقد ذكرنا حكمها في"كتاب البيع". وقال صاحب"الإفصاح": أراد ههنا إذا باع أرضًا فيها زرع نابت قد انعقد فيه الحب. وقول الشافعي: "خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ" يريد به خرجت السنابل من أصولها مع الحب أو لم تخرج, لأنه سماه زرعًا والبزر لا يسمى زرعًا, فإذا كبرت واشتدت وكانت الزيادة غير متميزة فلا يكون للمفلس فيها حق, كالثمرة التي عطفها الشافعي عليها إذا كبرت وأدركت أخذها البائع, وبيع السنابل قبل انعقاد الحب فيها يجوز قولًا واحدًا, وإنما القولان إذا اشتد فيها الحب. وأما إذا باع أرضًا فيها زرع نابت لم ينعقد فيه الحب ثم أفلس وقد أخرج السنابل واشتد, فإن الحب للمفلس ولا حق للبائع فيه, ويأخذ الأرض بحصتها من الثمن ويضرب مع الغرماء بحصة الزرع؛ لأن الزرع الذي كان موجودًا حال البيع صار بمنزلة التالف. وأما الحب فقد فقد حدث في ملك المشتري كالثمرة تحدث في ملكه فلا يكن للبائع فيه حق. فأمَّا إذا كانت الارض مبذورة [ق ٢٩٩ أ] فباعها وشرط أن يكون البذر داخلًا في البيع فيه وجهان: أحدهما: لا يصح في البذر ولا يدخل في البيع تبعًا. ومن قال بهذا قال: إذا أفلس المشتري وقد صار البذر زرعًا فيه وجهان: أحدهما: يكون للمشتري؛ لأن البذر انقلبت عينه وصار شيئًا آخر فلم يكن للبائع فيه حق. والثاني: يأخذ الزرع؛ لأن النبات هو البذر, وإنما حصل فيه الزيادة والنماء. وقول الشافعي: "خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ" أراد خرج من الأرض أو لم يخرج, نبت أو لم ينبت. ومن أصحابنا من قال: إذا باع أرضًا فيها زرع أخضر لم ينعقد فيه الحب, أو باع أرضًا مبذورة وشرط البذر وقلنا: بجوز فأفلس المشتري وقد أدرك الزرع كان أحق بالأرض مع الزرع, ويكون ذلك بمنزلة الزيادة المتصلة التي لا تتميز. وقد نص الشافعي في "الأم" على هذا. فحصل في هذا أن أصحابنا اختلفوا فيه على ثلاثة طرق:

стр. 2546

أحدها: تغير البذر إلى الزرع زيادة غير متميزة. وتغيره إلى الحب زيادة متميزة. والثالث: كل ذلك يجري مجرى الزيادة المتصلة التي ليست بمتميزة، وعليه نص في «الأم». وأمَّا تغير السنابل إلى حال الاشتداد فلا يختلفون أنه بمنزلة الزيادة المتميزة غير المتصلة. ومن أصحابنا من رتب، وقال: في البذر إذا نبت وجهان، والمذهب أنه يرجع فيه وإن كان [ق ٢٩٩ ب] الزرع قصيلًا فتسنبل وظهر سنبله، فإن قلنا: هناك لا يرجع فيه فههنا أولى. وإن قلنا: هناك يرجع فههنا وجهان: أحدهما: لا يرجع لأن الحنطة ثمرة الزرع كالرطب ثمرة النخل بخلاف البذر فإنه قد تخلف، والخارج عين أخرى والمذهب أن يرجع. فرع إذا اشترى بيضًا فحضنها المشتري ثم أفلس فوجدها البائع فراريج فهو أيضًا على وجهين؛ فمن قال من أصحابنا: إن تغير البذر إلى الزرع يجري مجرى الزيادة المتميزة قال في البيض مثله، ولا فرق بينهما؛ لأن الفروج من البيضة كالزرع من الحب، ولهذا يقول: من غصب بذرًا فأنبته يلزمه رده عليه، وهذا هو المذهب، والأول غلط. مسألة: قَالَ: «وَلَوْ بَاعَهُ حَائِطًا لَا ثَمَرَ فِيهِ أَوْ أَرْضًا لَا زَرْعَ فِيهَا». الفصل: إذا باع نخلًا حاملًا فأثمرت في يد المشتري أو أرضًا بيضاء فزرعها المشتري ثم أفلس، فإنَّا نقول: للبائع بالخيار بين أن يترك الأرض والنخل ويضرب مع الغرماء بالثمن، وبين أن يرجع بالنخل على أن تبني الثمرة عليها إلى أن تجد وترجع بالأرض على أن يبقى الزرع فيها إلى أن يحصد؛ لأن الثمار حدثت على ملك المشتري وهي زيادة متميزة، وكذلك الزرع؛ وإنما لا يقلع الزرع لأنه حصل في ملك الزارع بغير تعدي فلا [ق ٣٠٠ أ] يجوز قلعه ولا يجوز له مطالبته بأجرة الأرض في مدة مقام الزرع فيها بعد الفسخ، لأنه ملك الأرض مسلوبة المنفعة، كما لو كان المبيع أمة فزوجها المشتري ثم أفلس أخذها البائع مسلوبة الاستمتاع، ولأن المشتري داخل في هذا العقد على أن لا يغرم أجرة المنافع فلا تلزمه الأجرة، وبهذا فارق إذا استأجر أرضًا ثم أفلس بعدما زرع، فاختار المكري فسخ الإجازة يبقى الزرع إلى وقت الحصاد بأجرة المثل ويسقط المسمى بهذا الفسخ لما

стр. 2547

بقي من الزمان؛ لأن المنافع كانت مضمونة على المستأجر. فلو قلنا: على المكري تبقية الزرع بلا شيء لم يكن له في الفسخ فائدة، بل يكون ضررًا. وهكذا إذا اكترى دابة ليحمل عليها متاعًا فأفلس في الطريق ففسخ المكري العقد عليه أن يبلغ متاعه موضع الأمن بكراء المثل لما ذكرنا. هذا إذا اختار المفلس والغرماء تبقية الزرع إلى الحصاد. فأما إذا أراد المفلس تبقيته والغرماء قلعه للبيع وهو قصيل، أو أراد المفلس قلعه والغرماء تبقيته فالقول قول من يريد القلع، وإنما كان كذلك لأن من يريد القلع إن كان هو المفلس فله غرض في تبرئة ذمته [ق ٣٠٠ ب] من الدين بما حضر من ماله، وفي تبقيته خطر؛ لأن الجائحة لا تؤمن عليه، وإن كان الغرماء فإن حقهم مؤجل فلا يكلفون تأخيره. وقول الشافعي: «إِنْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ تَاخِيرَ ذَلِكَ» يوهم أن المشتري إن أراد تعجيل القطع دون الغرماء ليس له وليس كذلك على ما ذكرنا. ومراد الشافعي بهذا اللفظ أن المشتري لو أراد التأخير ولم يرد الغرماء التأخير ليس للمشتري إجبارهم. وقال أبو إسحاق: يعمل على ما فيه الحظ فإن الحظ في التبقية بقاؤه، وإن كان الحظ في القطع قطع. وهذا خلاف النص، ولكن ليس له وجه صحيح، وذلك أنه قد يكون من الزرع والثمرة ما له قيمة تافهة أو لا قيمة له، والظاهر سلامته، ولهذا يجوز أن يزرع للصغير من ماله. وقيل: ما قاله الشافعي إذا بقي بعد الجداد ما له قيمة، فإن كان إذا جد لا قيمة له فذاك إتلافه فلا يجاب واحد منهما إلى ذلك، ولو أن واحدًا من الغرماء أراد تعجيل القطع وامتنع غيره أجبروا على تعجيل القطع لحق هذا المستعجل في حق الثمرة. وكذلك لو كان البائع غريمًا بدين آخر له المطالبة بتعجيل القطع لا بحكم أنه فسخ البيع في الأرض ولكن بحكم [ق ٣٠١ أ] أنه غريم فلا يلزمه الإنظار. مسألة: قَالَ: «وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ أَمَةً فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَفْلَسَ المُشْتَرِي». إذا باع أمة لا يخلو إما أن تكون حائلًا أو حاملًا، فإن كانت حاملًا لا يخلو إما أن يفلس المشتري قبل أن تضع أو بعد الوضع، فإن كان بعد الوضع فالولد للمشتري لا حق للبائع فيه، وللبائع الخيار إن شاء ضرب مع الغرماء بثمن الأم وإن شاء بيعت الأم مع الولد وقسم ثمنها بينهما فيدفع إلى الأم ما يخصها من الثمن، وهو أن يقال: كم قيمة الجارية إذا كانت ذات ولد؟ فيقال: تسعون، ويقال: كم قيمة الولد؟ فيقال: عشرة دراهم، فيقسم الثمن بينهما على تسعة أعشار وعشر، وإن أراد الرجوع بعين الأم دون الولد لم يكن له، لأنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها فيما دون سبع سنين. وإن أراد

стр. 2548

الرجوع بعين الأم مع الولد على أن يدفع إلى المفلس قيمة الولد كان له. ومن أصحابنا من قال: ليس له الرجوع في الأم ويكون أسوة الغرماء. وهذا غلط، لأنه يجد عين ماله فلا يمنع من الاختصاص بها، ويمكن أن يباعا معًا وإن أفلس قبل أن تضع نص في عامة كتبه أن له أن يرجع بها حاملًا ويكون الحمل له دون المشتري [ق ٣٠١ ب]. قال أصحابنا: هذا على القول الذي يقول: لا يأخذ الحمل قسطًا من الثمن. فأما إن قلنا يأخذ قسطًا من الثمن لا حق للبائع في الحمل ويصبر حتى تضع، فإذا وضعت كان الولد للمفلس ويكون الحكم على ما قلناه في المسألة قبلها. وعلل المزني القول الأول فقال: «لأَ نَّ النَّبيَّ صلى الله علي وسلم جَعَلَ الإِبَارَ كَالْوِلَادَةِ إِذَا لَمْ تُؤْبَرْ فَهِيَ كَالحَامِلِ لَمْ تَلِدْ». ولا يستقيم نظم هذا التعليل فيحمل أنه ليس من جهة الشافعي. ووجه الخلل فيه أنه ذكر مسألة الحمل ثم قاس على الحمل مسألة الإبار لا مسألة الحمل على الإبار، فكأنه صنف مسألة وقصد علتها فعلل في أخرى، ولو كانت مسألة الإبار بعد هذه المسألة وهذا التعليل يليق بتلك المسألة. وإن باعها نظر، فإن أفلس وهي حامل لم تضع فإنه يأخذها حاملًا قولًا واحدًا، وإن كانت قد وضعت فإن قلنا: يأخذ الحمل قسطًا من الثمن يكون الولد للمشتري؛ لأن الاعتبار بحال حدوثه وإن أسقطت. فإن قلنا: لا يأخذ قسطًا من الثمن لا شيء على المفلس للولد، ويكون للبائع أخذ الأم. وإن قلنا: يأخذ قسطًا من الثمن يلزم قسطه على المفلس. مسألة: قَالَ: «وَلَوْ بَاعَهُ نَخْلًا لَا ثَمَرَ فِيهِ ثُمَّ أَثْمَرَتْ فَلَمْ تُؤْبَرْ حَتَّى أَفْلَسَ». الفصل: إذا باع نخلًا حائلًا فأطلعت ثم أفلس المشتري وهي مطلعة لم تؤبر فالطلع بمنزلة الحمل فيه قولان: أحدهما: يأخذه مع الأصل [ق ٣٠٢ أ] رواه المزني وحرملة. والثاني: بمنزلة الثمرة الظاهرة تكون للمشتري، ولا حق فيها للبائع. رواه الربيع. ومن أصحابنا من قال: الحمل للبائع ولكن الثمرة للمشتري وإن لم تؤبر قولًا واحدًا. والفرق أن الثمرة مما يمكن إفرادها بالعقد واستثناؤها عن العقد بخلاف الحمل والبطن، والفرق بين هذا وبين البيع حيث قلنا هناك يبيع غير المؤبرة الأصل قولًا واحدًا ما ذكرنا في البيع أنه انتقال الملك بالرضا بخلاف هذا. ولو أفلس المشتري والنخل

стр. 2549

مطلعة فلم يخبر البائع فسخ البيع حتى أبرها المفلس فإن الثمرة تكون للمفلس؛ لأن التأبير حصل في ملكه. قال الشافعي: «لأن البائع إنما يملك عين المال بالتفليس والاختيار» وقد ذكرنا أن هذا يدل على أن هذا الفسخ لا يفتقر إلى الحاكم، وهذا تفريع على القول الذي يقول: يتبع طلع النخل في الفسخ. قال الشافعي: «وكذلك الكلام في الكرسف وكل ما يخرج من كمامه ثم ينشق فيكون حكمه حكم الطلع ما تقدم بيانه». مسألة: قَالَ: «وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ اخْتَرْتُ عَيْنَ مَالِي قَبْلَ الإِبَارِ». الفصل: إذا اختلف البائع والمفلس فقال البائع: اخترت عين مالي قبل الإبار فالثمرة لي، وقال المفلس: اخترت بعد الإبار فالثمرة لي، فالقول قول المفلس مع يمينه. وهذا إذا قلنا: الطلع للبائع قبل الإبار، فأما على رواية الربيع لا معنى لهذا الاختلاف. فإذا ثبت هذا، لا يخلو غرماؤه من ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن [ق ٣٠٢ ب] يصدقوا البائع، أو يصدقوا المفلس، أو يصدق بعضهم البائع وبعضهم المفلس، فإن صدقوا المفلس أخذوا الثمرة التي حلف عليها المفلس واقتسموها على قدر حقوقهم، وإن صدقوا البائع فإن كان فيهم عدلان شهدا للبائع وحكم له بالثمرة، وإن كان فيهم عدل واحد حلف معه واستحق الثمرة. وإن لم يكن فيهم عدل فالمفلس يستحق الثمرة بيمينه ولم يقدح تكذيبهم إيَّاه في يمينه. فإن اختار المفلس أن يدفع إليهم هذه الثمرة قيل لهم: إما أن تبروه من حقوقكم أو تقبضوها من الثمرة، فإن أبروه فلا مسألة، وإن لم يبروه أجبرهم الإمام على اقتسام الثمرة بينهم، فإذا اقتسموها أمرهم الحاكم بدفع ما قبضوه من الثمرة على البائع، لأنهم قد أقروا أنها ملكه، وأن المفلس ظلمه بيمينه الفاجرة. وهذا كما قلنا في السيد إذا قال للمكاتب: هذا النجم سرقته من فلان وكذب المكاتب أجبر على إبرائه أو قبوله، فإذا قبله يلزمه دفعه إلى المقر له على ما بيَّناه. ومن أصحابنا من قال: لا يجبرون على أخذها، ويفارق سيد المكاتب لأنه يريد الإضرار بالعبد ورده إلى الرق، وههنا لا ضرر على المفلس فيه. وقيل: هذا بناء على أن الدين الحال إذا لم يكن للمؤدي غرض في أدائه هل يجبر على قبوله؟ وجهان.

стр. 2550

ومن أصحابنا من قال: إن كان له مال سوى هذه الثمرة لا يجبرون على أخذها، لأنه لا غرض في ذلك وإن لم يكن له مال سواها يجبرون فحصل ثلاثة أوجه والمنصوص الأول. وهذا إذا كانت الثمرة من جنس حقوقهم، فإن لم تكن من جنس حقوقهم لم يلزم قبضها بعينها، فتباع ويدفع ثمنها إليهم، ثم لا حق للبائع [ق ٣٠٣ أ] فيها، وإن صدقه بعضهم وصدق بعضهم المشتري وشهدوا لهما، فمن شهد للمفلس لا تقبل شهادته لأنه يجر منفعة، ومن شهد للبائع تقبل شهادته على ما ذكرنا، وإن لم يشهدوا وكانوا فساقًا فالثمن للمشتري إذًا. ثم قال الشافعي: «ويدفع الغرماء الذين صدقوا المشتري دون الذين كذبوه». وقال ابن سريج: أراد الشافعي بهذا إن اختار المفلس ذلك فأما إذا أراد أن يقسمه بينهم كان له ذلك، ويجبر من كذبه على أخذ الثمرة أو إبرائه من الدين. ومن أصحابنا من قال: لا يجبر الغرماء المكذبون على قبول الثمرة، لأنه يمكنه صرفها إلى الغرماء المصدقين فلا غرض له في صرفها إلى الكل. وهذا قياس الوجه الذي ذكرنا إذا كذبه جميع الغرماء وله ما سواها، وإن صدق المفلس البائع وكذبه الغرماء، فإن هذا إقرار من المفلس للبائع، وإقرار المفلس مقبول قولًا واحدًا، وهل يشارك سائر الغرماء أم يأخذ ما يفضل عنهم؟ قولان؛ فإذا قلنا لا يشاركهم بأخذ ما يفضل، فإن سأل البائع يمين الغرماء أنهم لا يعلمون أنه اختار عين ماله قبل الإبار حلفوا على العلم قولًا واحدًا. فإن حلفوا استحقوا الثمرة، وإن نكلوا عن اليمين حلف البائع لقد اختار عين المال قبل الإبار واستحق الثمرة. ومن أصحابنا من قال: بل يحلف الغرماء ههنا قولان. ومن قال بالأول أجاب عن هذا وقال ههنا: يحلفون قولًا واحدًا، والفرق أن في تلك المسألة توجهت اليمين على الغرماء ابتداء فيحلفون قولًا واحدًا، وهذا هو الصحيح. [ق ٣٠٣ ب]: ثم قال الشافعي: «فَإِنْ وَجَدَ بَعْضُ مَالِهِ كَانَ لَهُ بِحِصَّتِهِ». وقد ذكرنا هذه المسألة. فرع إذا صدقه بعض الغرماء دون البعض قد ذكرنا أنه تصرف الثمرة إلى المكذبين رفقًا بالمصدقين على قول بعض أصحابنا، لأنها لو صرفت إليهم استرجع بهم، ثم هل يضاربون الباقين ببقية ديونهم، أم بكل ديونهم؟ فيه وجهان: أحدهما: يضاربون ببقية ديونهم فيقسم على ذلك مال المفلس وعلى جميع الباقين وهذا أصح.

стр. 2551

والثاني: كل واحد منهم يضارب بجميع دينه لا بالبقية يقولون للآخرين نحن لم نأخذ شيئًا بزعمكم تملكه بل أخذنا غصبًا على قولكم فجميع ديوننا باقية على المفلس فنخاصمكم بها. قال الشيخ أبو محمد الجويني: وهذا هو الصحيح إن شاء الله. مسألة: قَالَ: «وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَغَرَسَهَا». الفصل: إذا باع أرضًا بيضاء فغرسها المشتري أو بنى فيها بناء، ثم أفلس المشتري واختار البائع عين ماله لا يخلو الغرماء والمفلس من ثلاثة أحوال: إما أن يختاروا قطع الغراس والبناء، أو يختاروا تركه ويبذل لهم البائع قيمته، أو يختاروا الترك ولا يبذل لهم البائع شيئًا، فإن اختاروا القلع كان لهم ذلك، ثم يرجع البائع في عين ماله وعليه تسوية الأرض بعد القلع لأنها حفرت لمصلحة ملكهم، كما لو دخل فصيل دار رجل فكبر ولا يخرج من الباب إلا بنقصه، فإن لم تنقص قيمة [ق ٣٠٤ أ] الأرض فلا كلام، وإن نقصت قيمتها بهذا القلع فعلى المشتري أرش ذلك النقص، والذي يجيء على هذا المذهب أن يرجع البائع به في أصل المال، لأنه يضرب به مع الغرماء لأنه نقص حصل بعد الحجر عليه لمصلحة ملكه فصار كنفقة العبد وأجرة الحمال، فإن قيل: أليس لو وجد المبيع ناقصًا في يد المشتري لا يطالب المشتري بنقصه؟ قلنا: لأن النقص هناك حدث في ملك المشتري فلم يضمنه إلا فيما يتقسط عليه الثمن، وههنا حدث النقص بعد رجوع البائع في العين في ملكه ليخلص ملك المشتري فيضمن النقص، وإن اختاروا الترك لا يجبرون على قلعه لقوله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حق» وهذا ليس بظالم، ثم يقال للبائع: إن اخترت أن تبذل له قيمة الغراس والبناء ويضمن للمفلس والغرماء أرش النقص فلك ذلك، لأنه لا ضرر عليهم في ذلك كما لو استعار من رجل أرضًا بيضاء فغرس فيها، ثم أراد مالكها الرجوع في العارية كان له ذلك، وإن لم يبذل لهم قيمة الغراس والبناء ولا أرش النقص فهل للبائع أن يرجع في الأرض وحدها ليكون له البناء والغراس للمفلس، نقل المزني له ذلك، ثم قال. وقال في موضع آخر ليس له ذلك، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق: أحدها: المسألة على [ق ٣٠٤ ب] اختلاف حالين، فالذي قال له ذلك إذا كانت الأرض هي المقصودة والغراس قليل وقيمة الأرض أكثر منه لأنه يكون كالتبع حينئذٍ، والموضع الذي قال ليس له ذلك إذا كان المقصود البناء والغراس بأن يكون كثيرًا قيمته

стр. 2552

أكثر من قيمة الأرض، وهذا ضعيف وليس للشافعي ما يدل عليه فالطريقة الثانية هي على حالين من وجه آخر؛ فالوضع الذي قال له ذلك إذا قال: أخذ الأرض دون البناء بالثمن الذي بعت به. والذي قال: ليس له ذلك إذا قال: أخذ الأرض والبناء بالثمن الذي بعت به ولا أزيد عليه؛ وهذا أضعف من الأول. والطريقة الثالثة: قال أبو إسحاق، وابن سريج، والمزني وغيرهم: المسألة على قولين: أحدها: له الرجوع بالأرض وحدها ويباع البناء والغراس للغرماء كما لو كان ثوبًا فصبغه المشتري ثم أفلس وامتنع البائع من دفع قيمة الصبغ لم يبطل حقه من عين الثوب. والثاني: ليس له الرجوع في عينها كما لو نسي المشتري على الشقص المشفوع، قلنا للشفيع: إن أعطيته قيمة البناء وإلا فلا شفعة لك كذلك ههنا ولا عين ماله صارت مشغولة بحق غيره فسقط حقه من الرجوع، كما لو كان المبيع مسامير فسمرها في خشبة. وهذا أصح عند أصحابنا، ولأنَّا لو قلنا: يرجع حصل للمفلس والغرماء غراسًا بلا أرض ولا شرب وحصل لهم البناء بلا طريق [ق ٣٠٥ أ] ومنفذ ويضر ذلك بهم والضرر لا يزال بالضرر، فعلى هذا يقال له: أنت بالخيار بين أن تعطي قيمة البناء والغراس أو تقلع وعليك بعض ........... أو تضرب مع الغرماء بكمال الثمن، وإن قلنا له الرجوع في عين الأرض فرجع فالأرض له والغراس والبناء للمشتري فليس للمشتري دخول إلى ملكه ولا يبقى ماء شرب بحالٍ، فإن اتفق المشتري على البيع بعنا، وإن اختلفوا فقال البائع: لا أبيع أرضي ولا أدفع القيمة. وقال المفلس: لا أقلع فهل يباعان معًا عليهما؟ فيه قولان. المذهب أنه لا يباع. وقال ابن سريج: فيه قول آخر يباع وهو ظاهر مذهب المزني؛ لأن المبيع لو كان ثوبًا فصبغه المشتري، ثم أفلس كان للبائع الرجوع ويباع لهما والأول أصح لا يمكن إفراد مال المفلس بالبيع فلا يجبر البائع على بيع ماله مع ماله. وقد قال الشافعي: «الأرض للبائع والبناء يباع للغرماء»، ولم يقل يباعان، ثم قال المزني في موضع آخر: «إن لم يأخذ العبادة لم يكن له إلا الثمن فيبطل ما قاله ابن سريج. وأما مسألة الصبغ فالفرق أن يبيع الصبغ وحده دون الثوب لا يجوز، وبيع البناء من غير الأرض يصح فافترقا، فإن قيل: أليس قلتم إذا باع جارية فولدت في يد المشتري، ثم أفلس فامتنع البائع من بذل قيمة الولد يباعات فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن له الرجوع [ق ٣٠٥ ب] بعين الأم وحدها لا يجوز لأنه يؤدي إلى التفريق بين الأم والولد فمنعناهما للضرورة، وههنا الرجوع بعين الأرض دون الشجر جائز، فإن قيل: فهل خرجتم فيه قول آخر أن حق البائع يبطل من عين الأم كما قلتم في الأرض؟ قلنا: الولد غير مختلط بالأم ولا متصل بها وليس كذلك البناء والشجر، فإنه متصل بالأرض على وجه التعدي، فإذا لم يدفع إليه قيمته جاز أن يسقط حقه من عين الأرض، كما يسقط حق الشفيع من عين الشقص إذا لم يعط قيمة الشجر والبناء. فإذا قلنا: لا يباعان تصرف المفلس في الغرماء في البناء والغراس على الانفراد على ما شاؤوا، وإذا قلنا يباعان بعنا الكل وأعطينا

стр. 2553

البائع من الثمن ما قابل أرضًا ذات شجر؛ لأنه دخل على هذا فيقال: كم يساوي شجرها؟ قالوا: مائة. قلنا: وكم تساوي الأرض مفردة؟ قالوا: تسعين، فله من الثمن تسعة أعشاره والباقي للمفلس. ومن أصحابنا من ذكر طريقة رابعة وهي أنه لا خلاف أنه يرجع في الأرض ولكن في كيفية الرجوع قولان: أصحهما يأخذ الأرض وحدها ويباع البناء للغرماء. والثاني: على ما ذكرنا وهذا ليس بشيء. ومن أصحابنا من ذكر طريقة خامسة وهي أن المسألة على حالين فالذي قال: يرجع إذا قال: أرجع في بياض الأرض دون ما هو محل البناء والغراس. والذي قال: لا يرجع بشيء إذا قال [ق ٣٠٦ أ]: ارجع في جميع الأرض بياضها وما تحت أصول الشجر والنخل منها وهذا أيضًا ليس بشيء. فرع هذه المسألة لو اشترى ممن رجل أرضًا وممن آخر غراسًا غرسه في الأرض، ثم أفلس المشتري كان لهما أن يرجعا في الأرض والغراس فيأخذ صاحب الأرض أرضه وصاحب الغراس غراسه، فإن أراد صاحب الغراس قلعه كان له على أن يضمن ما يدخل في الأرض من النقص، وإن لم يرد قلعه ودفع صاحب الأرض قيمته أجبر على أخذها، فإن اتفقا على بيعها جاز، وإن اختلفا فقال صاحب الأرض: لا أبذل قيمة الغراس. وقال صابح الغراس: لا أقلعه فيه وجهان: أحدهما: لا يجبر ويترك فيها. والثاني: يجبر على قلعه ويفارق المسألة الأولى؛ لأن هناك غرس فيها غراس نفسه كتبقيته وملك ذلك في ملكه، فإذا أزيل ملكه عن الأصل لم يجبر على قلعه وههنا ملك صاحب الغراس غراسه حين اختار الرجوع في عين ماله وهو في أرض الغير، وقد باعه مقلوعًا فيجبر على قلعه. مسألة: قَالَ: «وَلَوْ كَانَ عَبْدَيْنِ بِمَائَةٍ فَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ وَبَقِيَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ». الفصل: هذه المسألة إما مقدمة لابد من تقديمها، وهي أن البائع إذا قبض بعض الثمن ثم أفلس بالباقي فيه قولان: أحدهما: قاله في «القديم»: يبطل حقه من العين ويضرب [ق ٣٠٦ ب] مع الغرماء ببقية الثمن لئلا تفرق الصفقة على المشتري، وبه قال مالك. والثاني: قاله في «الجديد» وهو الأصح يأخذ من العين بقسط ما بقي من الثمن؛ لأن

стр. 2554

الإفلاس سبب يرجع به إليه جميع ماله فكان من جنسه ما يرجع به إليه بعض عين ماله كالطلاق. وحكي عن كالك أنه قال: هو بالخيار إن شاء رد ما قبض ورجع في جميع العين، وإن شاء حاص الغرماء في كل الثمن. فإذا تقرر هذا وباع عبدين بألفي درهم وقيمتهما واحدة؛ فسلم إلى المشتري جميع العبدين وقبض ألف درهم وتلف أحد العبدين في يد المشتري، ثم أفلس بما بقي من الثمن. فإذا قلنا: إذا قبض بعض الثمن بطل حقه من العين يضرب مع الغرماء بما بقي من الثمن. وإذا قلنا: لا يبطل حقه فإنه يرجع في العين بقسط ما بقي من الثمن، وهل يرجع بجميع العبد الباقي أو بنصفه؟ فيه قولان عن العبدين جميعًا فقد قبض نصف ثمن هذا العبد الباقي فلم يجز له أن يرجع إلا بنصف العبد الباقي وضرب مع الغرماء بنصف العبد التالف، وهذا اختيار المزني وهو القياس، وظاهر المذهب الأول، واعترض المزني على احتجاج الشافعي في الرجوع فيما بقي بالرهن، فقال: ليس كالرهن لأنه معنى واحدٌ بمعنى واحدٍ أي كل الرهن مرهون [ق ٣٠٧ أ] بباقي الحق وكل الحق مستوثق بباقي الرهن. وأما الثمن فإنه يتوزع على الثمن ويتقسط عليه، وأجاب أصحابنا عن هذا بأن إمساك البائع بمنزلة إمساك الرهن، فإذا تعذر عليه الثمن عاد فيه لأنه في الابتداء كان له أن يمسك كل المبيع على بعض الثمن أيضًا، ولأنه إذا جاز له نقل الحق الذي في ذمة المشتري إلى عين المبيع جاز له نقل حقه من التالف إلى الباقي من المبيع فساوى في ذلك الرهن. ومن أصحابنا من قال: نص ههنا أنه يرجع بكل ما بقي، وقال في الصداق: إذا أصدقها أربعين شاة فحال الحول وأخرجت شاة منها، ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الغنم الموجود فجعل حقه في الموجود دون المعقود، فقيل: فيها قولان، وقيل: ههنا قول واحد على ما نص ههنا بخلاف الصداق، والفرق أن ذمة الزوج ملية فلا يضر ترك نصف حقه من العين ونقله إلى ذمتها، وههنا ذمة المفلس خربة فلا يلزم البائع ترك حقه من العين إلى ذمته، وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الزكاة. مسألة: قَالَ: «وَلَوْ أَكْرَاهُ أَرْضًا فَفَلَسَ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فِي أَرْضِهِ». الفصل: إذا اكترى رجل من رجل أرضًا ليزرعها زرعًا أو دارًا يسكنها ففلس المكتري قبل إيفاء الكراء فللمكري [ق ٣٠٧ ب] فسخ العقد؛ لان الإجازة نوع من البيوع، وقال داود: لا يجوز فسخ الإجازة بالفلس بخلاف البيع؛ لأن الخبر ورد في البيع، ثم لا يخلو من

стр. 2555

ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن يفلس قبل مضي شيء من المدة، أو بعد انقضاء المدة، أو في أثنائها، فإن كان قبل انقضاء شيء منها أخذ الأرض صاحبها ولا كلام، وإن اختار الإقامة على العقد أقام وضرب مع الغرماء بالأجرة، وإن كان في أثناء المدة فهو بالخيار بين أن يفسخ فيما بقي أو يقيم على العقد، فإن أقام عليه ضرب مع الغرماء بالأجرة، وإن فسخ عاد إلى عين ماله وضرب مع الغرماء بماله من الأجرة فيما مضى، فإذا فسخ وكانت الأرض فارغة فلا كلام، وإن كانت مزروعة لا يخلو إما أن يكون له قيمة أو لا قيمة له، فإن كان له قيمة بأن كان قصيلًا لا يخلو المفلس والغرماء من ثلاثة أحوال؛ إما أن يختاروا القلع أو التبقية أو اختلفوا، فإن اختاروا القلع قلعوا ولا كلام، وإن اختاروا التبقية لم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يبذلوا أجرة المثل أو يمنعوا، فإن بذلوا أجرة المثل لزم المكري القبول وليس له مطالبتهم، بالقطع، لأنهه زرع بحق، وإن أراد المكري أن يعطيهم قيمة الزرع ليكون له مع الأرض لم يجبروا عليه؛ لأن اللزرع غاية إذا انتهى إليها حصده، وإن طلبوا التبقية بغير أجرة [ق ٣٠٨ أ] لم يكن ذلك لهم؛ لأن المفلس دخل على أن المنفعة له بأجرة وليس له أن يستوفيها بغير أجرة ويفارق هذا إذا باع أرضًا فزرعها المشتري، ثم أفلس بالثمن ففسخ البائع البيع لا يجوز له مطالبتهم بقلع الزرع ولا أجرة عليهم؛ لأن المستأجر دخل على أن تكون المنافع مضمونة عليه بعوضٍ فلزمه الضمان، وليس كذلك المشتري، ولأن منافع الإجارة مقصودة لأنها هي المعقود عليها والمنافع تابعة في البيع فافترقا، وإن اختلفوا فقال بعضهم: أريد القلع والباقون امتنعوا منه فالمذهب أنَّا نقدم من طلب القطع. وقال أبو إسحاق: نعمل على الأحظ، وإن قال الغرماء: لا نفسخ عقد الإجارة حتى يعطيك الأجرة المسماة لم يجبر على قبولها، فإن قيل: ما الفرق بين الأجرة المسماة وبين أجرة المثل؟ قلنا: الفرق أن الأجرة المسماة مستحقة بالعقد، فإذا أجبرناه على قبولها لم نأمن التبعة فيها على ما بينَّاه إذا بذل البائع الثمن لم يجبر على قبوله، وليس كذلك أجرة المثل بعد فسخ العقد لأنها مبذولة لمصلحة مال المفلس، وهي تبقية الزرع فأمن فيه التبعة، لأنه لو ظهر هناك غيرهم من الغرماء لم يكن لنقصه، وجرى ذلك مجرى كراء البيت والحمال ونحو ذلك، وإذا لم يكن [ق ٣٠٨ ب] له قيمة لصغره نظر، فإن اتفقوا على التبقية فالحكم على ما ذكرنا، وإن اختلفوا قدمنا قول من طلب التبقية ههنا، لأنهلا فائدة في قطعه بوجه والشافعي يسميه بعلًا هذا كله إذا لم يقبض من الأجرة شيئًا، فإن كان قد قبض بعض الأجرة، ثم أفلس بالباقي فهل له فسخ العقد؟ قولان: كما إذا قبض بعض الثمن. وإذا بذل المفلس أجرة مثل الأرض فأجبرنا المكري على تبقية الزرع فيها إلى أن يحصد فعطش الزرع واحتاج إلى السقي، فإن كان له ماء أنفق منه عليه؛ لأن فيه مصلحة المال المفلس الذي تعود منفعته على سائر الغرماء. وقال بعض أصحابنا: لا ينفق عليه من مال المفلس، لأنه تغرير به، فإنَّا لا نعلم أن الزرع يسلم أو لا يسلم، ونقول للغرماء إن تبرعتم وأنفقتم من مالكم على أن يكون دينًا

стр. 2556

في ذمة المفلس لا يمنعكم منه والأول أصح, وإن لم يكن له مال فإن اتفق الغرماء نظر, فإن كان بأمر الحاكم كان مقدمًا على سائر الغرماء؛ لأنها نفقة على ما فيه مصلحة لمال المفلس ككراء البيت, وإن أنفق بغير أمر الحاكم كان متطوعًا به لا يرجع على المفلس وإن أنفق بإذن المفلس دون الحاكم كان دينًا له على المفلس وإن لم يكن الأمر مقيدًا بشرط الرجوع في ظاهر المذهب. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ بَاعَهُ زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ". الفصل: إذا اشترى من رجل زيتًا فخلطه بزيته, ثم أفلس لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يخلط بمثل زيته فيأخذ البائع منه مثل مكيلته قولًا واحدًا, ثم إن اتفقنا على القسمة قسمان نصفين إذا تساوى قدرهما كما لو ورثاه معًا, وإن طلب البائع أن يباع الكل ويأخذ نصف الثمن هل يجبر المشترى عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجبر عليه ويقتسمان الثمن نصفين؛ لأنه لو رجع في عين ماله أخذ بعضًا من زيت المفلس, وإن بيع أخذ ثمن نصف زيت فلهذا كان له المطالبة ببيعه. والثاني: يقتسمانه ولا يجبر المفلس على البيع لأنهما فيه شريكان بالسوية فلا يجبر أحدهما على البيع. ومن أصحابنا من خرج قولًا آخر في أصل المسألة أنه يسقط حقه من عينه؛ لأن الشافعي علل وقال: "الذَّائِبُ إِذَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ انْقَلَبَ حَتَّى لَا يُوجَدَ عَيْنُ مَالِهِ". وهذا غير صحيح؛ لأنه إذا خلطه بمثله فلا ضرر على الغرماء في تسليم مقدرا رميته إليه منه؛ لأن أجزاء الزيتين متساوية, فإذا كان كذلك كان كأنه موجود غير مختلط, ومعنى تعليل الشافعي إذا اختلط. بما هو أجود منه فكان على الغرماء ضرر في دفع مثل مكيلته منه, وأما إذا خلطه بأجود فيه قولان: أحدهما: يبطل حق [ق ٣٠٩ ب] البائع من عينه ويضرب مع الغرماء بثمنه. قال الشافعي: "وهذا هو الصحيح", وبه أقول لأنَّا لو قلنا: يباعان جعلنا الزيت الجيد الذي للمفلس تابعًا للكردي ويخالف الثوب بصبعه المشتري والدقيق يلته بزيته, فإن الصبغ والزيت أثران فجاز أن يكونا تابعين لمال البائع, ولأن عين الثوب والدقيق موجود زائده بأثر الصبغ والدق, فلم يسقط حقه من عينها, والزيت صار مستهلكًا بخلطه بزيت أجود منه فافترقا. والقول الثاني: لا يبطل حقه من عينه, فعلى هذا هما جميعًا يباعان ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما متميزين, وهذا اختيار المزني لأن الثوب إذا صبغه بصبغ من عنده

стр. 2557

بيع الملتوت وقسم الثمن عليهما كذلك ههنا. ومن أصحابنا من قال: يقسم الزيت بينهما على قدر قيمتهما كان زيته يسوي درهمين والمخلوط: يسوي ثلاثة دراهم يكون للبائع ثلثا صاع وهو ثلث الجميع ولا يكون ذلك ربا لأنه حطيطة وليس بمعاوضة. قال القفال: حكاه ابن أبي أحمد, عن ابن سريج وهو منصوص في كتاب البويطي وقال فيه: إذا أخذه يجعل صاحبه في حل من الباقي, وقيل: نقله الربيع وذكره في "الأم" أيضًا فحصل قولان, والمذهب الأول لأنه يؤدي إلى الربا, لأنه يأخذ ذلك من الجملة المعاوضة لا بحكم الصلح والبراءة عن الباقي لا يجب, أما إذا خلطه بأرديء منه لا يختلف المذهب أنه يسقط حقه من عينه وله المطالبة بالقسمة, لأنه رضي بدون حقه فيقال للبائع: أنت بالخيار بين أن تأخذ مقدار زيتك منه وترضى بما دخله من النقص وبين [ق ٣١٠ أ] أن تتركه وتضرب مع الغرماء بقيمته. وقال أبو إسحاق: يجئ فيه القول الذي قاله في الأجود, وهو أنهما يباعان ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما فيكون عدل بينهما وهذا غلط والفرق أن هناك على الغرماء ضررًا في دفعه مكيلة زيته من عينه فيسقط حقه منه, وليس كذلك في الأردئ فإنه لا ضرر على الغرماء في دفع مكيله زيته من عينه, وإنما الضرر فيه على البائع لأنه وجد ماله ناقصًا فخيرناه بين أن يأخذ ناقصاً وبين أن يضرب مع الغرماء بثمنه كما نقول في سائر المواضع إذا وجد ماله في يد المفلس ناقصًا, ويفارق الغاصب إذا خلط, هكذا يضمن النقصان إذا استرد منه مكيل لأنه متعدى بخلاف المفلس, لأنه غير متعدى بالخلط, وإذا تقاسماه إن شاءا فعلا ذلك وزنًا, وإن شاءا كيلًا لأنه لا جهالة له في واحد منهما. مسألة: قَالَ: "فَإِنْ كَانَتْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا". الفصل: إذا اشترى حنطة فطحنها, أو ثوبًا فقصره أو خاطه, ثم أفلس بالثمن فإنَّ حق البائع لا يسقط من عين ماله قولًا واحدًا, وهل يأخذ زائدًا أو يكون المفلس شريكًا فيه يباع الدقيق أو الثوب لهما؟ فيه قولان: أحدهما: يكون البائع أحق بزيادته فيأخذه زائدًا. والثاني: أنهما شريكان فيه ويباع ويقسم الثمن بينهما. وجملة هذا الباب أن زيادة المبيع في يد المشتري على ثلاثة أضرب؛ ضرب يأخذه البائع بزيادته كالكبير والسمن ورياضة الدابة وتعليم العبد الخط, والشعر أو الصنعة ونحو ذلك, وضرب لا يأخذه

стр. 2558

بزيادته ولكنه [ق ٣١٠ ب] يباع ويقسم الثمن بينهما مثل أن يصنع الثوب أو يلت الدقيق بزيته على ما نذكره من بعد إن شاء الله تعالى وضرب فيه قولان, وهو مثل الطحن والقصارة والخياطة. أحدهما: يأخذه بزيادته كما يأخذ المغصوب منه من الغاصب بزيادته, وهذا اختيار المزني؛ لأن هذه آثار لا أعيان, فالدقيق أجزاء تلك الحنطة ولكنها كانت جملة فتفرقت والبياض كان كامنًا في الثوب فطهر بالقصارة. والثاني: يكونان شريكين فيه وهو الصحيح؛ لأنه ربما حدث بفعله في البيع فلا يكون البائع أخذه كالصبغ, وعلى هذا تجرى هذه الآثار مجرى الأعيان, فإذا قلنا بالأول فإن كان المفلس قد تولاه بنفسه فقد بطل عمله, وإن كان استأجر من عمله يكون علا بأجرته يضرب بها مع سائر الغرماء. وإذا قلنا بالقول الثاني يباع الثوب إلا أن يقول البائع: أنا أحذه بقيمته وأعطى المفلس ما زادت القصارة أو الطحن أو الخياطة, فيكون ذلك له, وإذا أبيع أعطى البائع مقدار قيمته غير مقصور ولا مطحون, أو مخيط وما زاد كان للمفلس إن كان قد تولاه بنفسه, وإن كان قد استأجر أجيرًا على فعل نظر في الزيادة, فإن كانت مثل أجرته أخذها الأجير, وإن كانت أكثر من أجرته أخذ الأجير مقدار أجرته وكان ما بقي للمفلس, وإن كانت أقل من أجرته أخذها [ق ٣١١ أ] الأجير وضرب مع الغرماء بما بقي هذا كله إذا زادت قيمته, فأما إذا نقصت قيمته أو كانت بحالها أخذه البائع, فإن كان المفلس قد تولاه بنفسه فقد بطل عمله, وإن كان الأجير عمله يضرب مع الغرماء بأجرته, واحتج المزني بما اختاره أن القصارة أثر لا عين بست مسائل: أحدها: أن الرجل إذا اشترى عبدًا فأحسن غذاءه وطعامه حتى ازدادت قيمته بالسمن, ثم أفلس كانت الزيادة أثرًا لا عينًا. والثانية: تسمين الدابة بالعلف كذلك. والثالثة: كبر الوادي على السقي. والرابعة: عمل الأجير يبيع في الحانوت. والخامسة: عمل الراعي في رعي الغنم ونحو ذلك. والسادسة: رياضة الرائض الدواب. ثم قال: فهذه الزيادات عن هذه الصناعات آثار لا أعيان, وحكمها عندي في القياس سواء إلا أنه يخمس الستة منها شيئًا فيترك لها القياس. قلنا: هذه المسائل متقاربة الصورة ولا يدعي المزني أنها على مذهب الشافعي من باب الآثار أم من باب الأعيان, ولا أنها على قولين ولكن حكمها عندي في القياس واحد, وهو أنها آثار فلا بد فيها من تفصيل على مذهب الشافعي, ووجه الفصل فيها وفي نظائرها أن كل زيادة في عين أو في صفة يجوز استئجار الأجير على تحصيلها بعينها عقدًا معلومًا فهي بمنزلة القصارة [ق ٣١١ ب] تخرج على قولين, وذلك مثل الرياضة والتعليم, إذ يجوز للرجل أن يستأجر

стр. 2559

أجيرًا لرياضة دابة ويبين له حدًا معلومًا وغرضًا مقصودًا في مقدار الرياضة, وكذلك تعليم سورة بعينها أو يعلم جميع القرآن. وأما تسمين الغلام بالطعام والدابة بالعلف وتنمية الودي فكذلك مما لا يجوز عقد الإجارة عليه, وأما بيع الأجير في الحانوت فلا يزداد الثوب بذلك صفة في العين فكان من باب الآثار ولا يدخل ذلك في مسائل القولين, وفي الغصب لا تجعل هذه عين مال لأنه تعدى بخلاف ههنا, فإن قال قائل: لم قال الشافعي على قول في الحنطة: إذا طحنت يأخذه البائع ويعطي قيمة الطحن, وقال في الثوب: إذا صار مقصورًا عند المشتري بيع لهم قيل يأخذه البائع ويعطيهم قيمة القصارة, قلنا: إنما فصل بين الجوابين لاختلاف الصورتين, ولو استوت الصورتان لاستويا في الجواب, ذلك أن مسألة الحنطة إذا طحنها المشترى بنفسه فازدادت قيمة الطحين. وصورة مسألة القصارة كما فرع عليه فيه إذا استأجر أجيرًا لا إذا قصره المشتري بنفسه, فإن قيل: ولم يجب بهذا الفصل أن نفترق المسألتان في الحكم؟ قلنا: لأن المشتري إذا طحنها بنفسه ثم أفلس فالحق في تلك الحنطة بعاقد واحد وهو البائع [ق ٣١٢ أ] فإذا فسخ العقد عادت العين إليه وعليه قيمة الزيادة والحق في القصارة لأكثر من معاقد واحد, فإن القصارة عاقدة على استهلاك منافع نفسه في غير ذلك الثوب, ثم استهلكها فيه والبائع عاقده على العين حين باعه منه, فلم يكن للبائع أن يرد العين إلى ملكه على سخط من غيره, وعلى هذا لو كان الطحن من جهة أجير استأجره المشتري أو كانت القصارة من جهة المشتري باشرها بنفسه كان جوابه في الطحن منقولًا إلى القصارة, وجوابه في القصارة منقولًا إلى الطحن ذكره الإمام الحويني ﵀. فرع لو اشترى ثوباً فصبغه ثم أفلس فيه مسائل: أحداها: أن يشتري من رجل ثوبًا بعشرة وصبغًا منه بعشرة وصبغ الثوب به ثم أفلس بالثمنين فلا يخلو قيمتها من ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن تكون بحالها مثل أن يكون قيمة الثوب مصبوغًا عشرين, أو كانت ناقصة فإن البائع يأخذه وقد بطل عمل المفلس فيه, وإن كانت زائدة, فإن قلنا: إن عمل القصارة والخياطة والطحن بمنزلة الزيادة المتصلة ويباع الثوب فكذلك ههنا يباع الثوب ويكون ما زاد للمفلس على ما قلناه. والثانية: أن يشتري ثوبًا بعشرة وصبغه بصبغ من عنده, فإن كانت [ق ٣١٢ ب] قيمتها بحالها بيع الثوب وأخذ البائع قيمة الثوب والمفلس قيمة الصبغ, وإن كانت ناقصة فالنقصان يحسب في قيمة الصبغ؛ لأن الثوب بحاله, وإنما تبدد الصبغ فيه فنقصت قيمته, ولأن الصبغ تابع والثوب متبوع فوجب أن يحسب النقصان منه, فإذا كان كذلك بيع الثوب وأخذ البائع قيمة الثوب غير مصبوغ وأخذ المفلس ما بقي وإن كانت زائدة فإن قلنا: الزيادة بالعمل بمنزلة الزيادة المتصلة فهي بينهما على قدر قيمة الثوب والصبغ, وإن قلنا: إنها بمنزلة الزيادة المنفصلة كانت الزيادة مع قيمة الصبغ

стр. 2560

للمفلس وأخذ البائع قيمة الثوب من غير مصبوغ. والثالثة: أن يشتري الثوب من واحد والصبغ من آخر, فإن كانت قيمتها بحالها كان البائعان شريكين فيه ويباع الثوب ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمة الثوب والصبغ, وإن كانت ناقصة فقد قلنا: إن النقصان يحسب من الصبغ دون الثوب ويقول لصاحب الصبغ: إن شئت ترضى به ناقصًا أخذته, وإن شئت تركته وضربت مع الغرماء بالثمن, فإن رضي به ناقصًا بيع الثوب ودفع إلى صاحب الثوب قيمته غير مصبوغ, وأما الزيادة تدفع إلى صاحب الصبغ, وإن تركته وضرب مع الغرماء بالثمن كان المفلس شريكًا للبائع فيأخذ ما زاد على قيمة الثوب غير مصبوغ [ق ٣١٣ أ] وإن زادت قيمته فإن قلنا: الزيادة بالعمل بمنزلة الزيادة المتصلة كانت الزيادة مقسومة بين صاحب الثوب والصبغ على قدر القيمتين, وإن قلنا: إنها بمنزلة الزيادة المنفصلة كانت الزيادة للمفلس على ما بينا. فرع آخر لو اشترى صبغًا بخمسة وصبغ به ثوب نفسه يسوي عشرة, فإن لم يزد ولم ينقص فللبائع ثمن الثوب بصبغه والثلثان له بثوبه, وإن كان قد نقص ثلاثة كان النقص مع الصبغ يضرب بثلاثة مع الغرماء ويكون الثوب بينه وبين المفلس له سدسه والباقي للمفلس, وإن كان قد زادت خمسة, فإن قلنا: هذه الزيادة كالأعيان كانت الزيادة كلها للمفلس فله ثلاثة أرباع الثوب والربع للبائع, فإن قيل: كيف ذكر الشافعي أحد القولين في الحنطة إذا طبخها أنه يأخذها ويعطي قيمة الطحن, ثم عطف عليه فقال: "وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَصْبَغُهُ". والحنطة إذا طحنها المشتري للبائع على هذا القول أخذ الطحين ومنع المشتري والغرماء من تلك العين عن المبيع بعد الصبغ, ثم عطف القصارة على الصبغ فقال: "وكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَصْبَغُهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ يَاخُذُهُ وَلِلْغُرَمَاَءِ زِيَادَتُهُ". قلنا: هذا مشكل وإزالة هذا الإشكال ثلاثة أنواع من التأويل: أحدها: أن يقال: يحتمل أن الشافعي [ق ٣١٣ ب] أراد بقوله: وكذلك الثوب يصبغه" أن يبين أن الصبغ عين مال كما أن الطحن عين مال في أحد القولين ولم يرد به التسوية بين الصبغ والطحن من جميع الوجوه. والثاني: يحتمل أنه صور مسألة الصبغ في رجل اشترى ثوبًا وصبغًا من بائع ثم صبغ ذلك الثوب بذلك الصبغ فيكون للبائع أخذ الثوب المصبوغ على سخط المفلس وفي الأجرة حينئذٍ قولان على ما ذكرنا بخلاف ما كان الصبغ من جهة المشتري. والثالث: يحتمل أن الشافعي جمع بين الصبغ والقصارة وجعل البائع أخذ الطحين على سخط منهم, وجعل له أخذ الثوب المصبوغ إذا وصى بذلك المفلس والغرماء, وإذا امتنعوا فليس له أخذ ذلك وبيع لهم كما قال في آخر كلامه ولكنه أوجز العبارة إيجازًا.
следующие страницы →