Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
في ذمة المفلس لا يمنعكم منه والأول أصح, وإن لم يكن له مال فإن اتفق الغرماء نظر, فإن كان بأمر الحاكم كان مقدمًا على سائر الغرماء؛ لأنها نفقة على ما فيه مصلحة لمال المفلس ككراء البيت, وإن أنفق بغير أمر الحاكم كان متطوعًا به لا يرجع على المفلس وإن أنفق بإذن المفلس دون الحاكم كان دينًا له على المفلس وإن لم يكن الأمر مقيدًا بشرط الرجوع في ظاهر المذهب.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ بَاعَهُ زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ".
الفصل:
إذا اشترى من رجل زيتًا فخلطه بزيته, ثم أفلس لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يخلط بمثل زيته فيأخذ البائع منه مثل مكيلته قولًا واحدًا, ثم إن اتفقنا على القسمة قسمان نصفين إذا تساوى قدرهما كما لو ورثاه معًا, وإن طلب البائع أن يباع الكل ويأخذ نصف الثمن هل يجبر المشترى عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر عليه ويقتسمان الثمن نصفين؛ لأنه لو رجع في عين ماله أخذ بعضًا من زيت المفلس, وإن بيع أخذ ثمن نصف زيت فلهذا كان له المطالبة ببيعه.
والثاني: يقتسمانه ولا يجبر المفلس على البيع لأنهما فيه شريكان بالسوية فلا يجبر أحدهما على البيع.
ومن أصحابنا من خرج قولًا آخر في أصل المسألة أنه يسقط حقه من عينه؛ لأن الشافعي علل وقال: "الذَّائِبُ إِذَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ انْقَلَبَ حَتَّى لَا يُوجَدَ عَيْنُ مَالِهِ".
وهذا غير صحيح؛ لأنه إذا خلطه بمثله فلا ضرر على الغرماء في تسليم مقدرا رميته إليه منه؛ لأن أجزاء الزيتين متساوية, فإذا كان كذلك كان كأنه موجود غير مختلط, ومعنى تعليل الشافعي إذا اختلط. بما هو أجود منه فكان على الغرماء ضرر في دفع مثل مكيلته منه, وأما إذا خلطه بأجود فيه قولان:
أحدهما: يبطل حق [ق ٣٠٩ ب] البائع من عينه ويضرب مع الغرماء بثمنه. قال الشافعي: "وهذا هو الصحيح", وبه أقول لأنَّا لو قلنا: يباعان جعلنا الزيت الجيد الذي للمفلس تابعًا للكردي ويخالف الثوب بصبعه المشتري والدقيق يلته بزيته, فإن الصبغ والزيت أثران فجاز أن يكونا تابعين لمال البائع, ولأن عين الثوب والدقيق موجود زائده بأثر الصبغ والدق, فلم يسقط حقه من عينها, والزيت صار مستهلكًا بخلطه بزيت أجود منه فافترقا.
والقول الثاني: لا يبطل حقه من عينه, فعلى هذا هما جميعًا يباعان ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما متميزين, وهذا اختيار المزني لأن الثوب إذا صبغه بصبغ من عنده
стр. 2557
بيع الملتوت وقسم الثمن عليهما كذلك ههنا.
ومن أصحابنا من قال: يقسم الزيت بينهما على قدر قيمتهما كان زيته يسوي درهمين والمخلوط: يسوي ثلاثة دراهم يكون للبائع ثلثا صاع وهو ثلث الجميع ولا يكون ذلك ربا لأنه حطيطة وليس بمعاوضة.
قال القفال: حكاه ابن أبي أحمد, عن ابن سريج وهو منصوص في كتاب البويطي وقال فيه: إذا أخذه يجعل صاحبه في حل من الباقي, وقيل: نقله الربيع وذكره في "الأم" أيضًا فحصل قولان, والمذهب الأول لأنه يؤدي إلى الربا, لأنه يأخذ ذلك من الجملة المعاوضة لا بحكم الصلح والبراءة عن الباقي لا يجب, أما إذا خلطه بأرديء منه لا يختلف المذهب أنه يسقط حقه من عينه وله المطالبة بالقسمة, لأنه رضي بدون حقه فيقال للبائع: أنت بالخيار بين أن تأخذ مقدار زيتك منه وترضى بما دخله من النقص وبين [ق ٣١٠ أ] أن تتركه وتضرب مع الغرماء بقيمته.
وقال أبو إسحاق: يجئ فيه القول الذي قاله في الأجود, وهو أنهما يباعان ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما فيكون عدل بينهما وهذا غلط والفرق أن هناك على الغرماء ضررًا في دفعه مكيلة زيته من عينه فيسقط حقه منه, وليس كذلك في الأردئ فإنه لا ضرر على الغرماء في دفع مكيله زيته من عينه, وإنما الضرر فيه على البائع لأنه وجد ماله ناقصًا فخيرناه بين أن يأخذ ناقصاً وبين أن يضرب مع الغرماء بثمنه كما نقول في سائر المواضع إذا وجد ماله في يد المفلس ناقصًا, ويفارق الغاصب إذا خلط, هكذا يضمن النقصان إذا استرد منه مكيل لأنه متعدى بخلاف المفلس, لأنه غير متعدى بالخلط, وإذا تقاسماه إن شاءا فعلا ذلك وزنًا, وإن شاءا كيلًا لأنه لا جهالة له في واحد منهما.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ كَانَتْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا".
الفصل:
إذا اشترى حنطة فطحنها, أو ثوبًا فقصره أو خاطه, ثم أفلس بالثمن فإنَّ حق البائع لا يسقط من عين ماله قولًا واحدًا, وهل يأخذ زائدًا أو يكون المفلس شريكًا فيه يباع الدقيق أو الثوب لهما؟ فيه قولان:
أحدهما: يكون البائع أحق بزيادته فيأخذه زائدًا.
والثاني: أنهما شريكان فيه ويباع ويقسم الثمن بينهما. وجملة هذا الباب أن زيادة المبيع في يد المشتري على ثلاثة أضرب؛ ضرب يأخذه البائع بزيادته كالكبير والسمن ورياضة الدابة وتعليم العبد الخط, والشعر أو الصنعة ونحو ذلك, وضرب لا يأخذه
стр. 2558
بزيادته ولكنه [ق ٣١٠ ب] يباع ويقسم الثمن بينهما مثل أن يصنع الثوب أو يلت الدقيق بزيته على ما نذكره من بعد إن شاء الله تعالى وضرب فيه قولان, وهو مثل الطحن والقصارة والخياطة.
أحدهما: يأخذه بزيادته كما يأخذ المغصوب منه من الغاصب بزيادته, وهذا اختيار المزني؛ لأن هذه آثار لا أعيان, فالدقيق أجزاء تلك الحنطة ولكنها كانت جملة فتفرقت والبياض كان كامنًا في الثوب فطهر بالقصارة.
والثاني: يكونان شريكين فيه وهو الصحيح؛ لأنه ربما حدث بفعله في البيع فلا يكون البائع أخذه كالصبغ, وعلى هذا تجرى هذه الآثار مجرى الأعيان, فإذا قلنا بالأول فإن كان المفلس قد تولاه بنفسه فقد بطل عمله, وإن كان استأجر من عمله يكون علا بأجرته يضرب بها مع سائر الغرماء. وإذا قلنا بالقول الثاني يباع الثوب إلا أن يقول البائع: أنا أحذه بقيمته وأعطى المفلس ما زادت القصارة أو الطحن أو الخياطة, فيكون ذلك له, وإذا أبيع أعطى البائع مقدار قيمته غير مقصور ولا مطحون, أو مخيط وما زاد كان للمفلس إن كان قد تولاه بنفسه, وإن كان قد استأجر أجيرًا على فعل نظر في الزيادة, فإن كانت مثل أجرته أخذها الأجير, وإن كانت أكثر من أجرته أخذ الأجير مقدار أجرته وكان ما بقي للمفلس, وإن كانت أقل من أجرته أخذها [ق ٣١١ أ] الأجير وضرب مع الغرماء بما بقي هذا كله إذا زادت قيمته, فأما إذا نقصت قيمته أو كانت بحالها أخذه البائع, فإن كان المفلس قد تولاه بنفسه فقد بطل عمله, وإن كان الأجير عمله يضرب مع الغرماء بأجرته, واحتج المزني بما اختاره أن القصارة أثر لا عين بست مسائل:
أحدها: أن الرجل إذا اشترى عبدًا فأحسن غذاءه وطعامه حتى ازدادت قيمته بالسمن, ثم أفلس كانت الزيادة أثرًا لا عينًا.
والثانية: تسمين الدابة بالعلف كذلك.
والثالثة: كبر الوادي على السقي.
والرابعة: عمل الأجير يبيع في الحانوت.
والخامسة: عمل الراعي في رعي الغنم ونحو ذلك.
والسادسة: رياضة الرائض الدواب.
ثم قال: فهذه الزيادات عن هذه الصناعات آثار لا أعيان, وحكمها عندي في القياس سواء إلا أنه يخمس الستة منها شيئًا فيترك لها القياس. قلنا: هذه المسائل متقاربة الصورة ولا يدعي المزني أنها على مذهب الشافعي من باب الآثار أم من باب الأعيان, ولا أنها على قولين ولكن حكمها عندي في القياس واحد, وهو أنها آثار فلا بد فيها من تفصيل على مذهب الشافعي, ووجه الفصل فيها وفي نظائرها أن كل زيادة في عين أو في صفة يجوز استئجار الأجير على تحصيلها بعينها عقدًا معلومًا فهي بمنزلة القصارة [ق ٣١١ ب] تخرج على قولين, وذلك مثل الرياضة والتعليم, إذ يجوز للرجل أن يستأجر
стр. 2559
أجيرًا لرياضة دابة ويبين له حدًا معلومًا وغرضًا مقصودًا في مقدار الرياضة, وكذلك تعليم سورة بعينها أو يعلم جميع القرآن. وأما تسمين الغلام بالطعام والدابة بالعلف وتنمية الودي فكذلك مما لا يجوز عقد الإجارة عليه, وأما بيع الأجير في الحانوت فلا يزداد الثوب بذلك صفة في العين فكان من باب الآثار ولا يدخل ذلك في مسائل القولين, وفي الغصب لا تجعل هذه عين مال لأنه تعدى بخلاف ههنا, فإن قال قائل: لم قال الشافعي على قول في الحنطة: إذا طحنت يأخذه البائع ويعطي قيمة الطحن, وقال في الثوب: إذا صار مقصورًا عند المشتري بيع لهم قيل يأخذه البائع ويعطيهم قيمة القصارة, قلنا: إنما فصل بين الجوابين لاختلاف الصورتين, ولو استوت الصورتان لاستويا في الجواب, ذلك أن مسألة الحنطة إذا طحنها المشترى بنفسه فازدادت قيمة الطحين. وصورة مسألة القصارة كما فرع عليه فيه إذا استأجر أجيرًا لا إذا قصره المشتري بنفسه, فإن قيل: ولم يجب بهذا الفصل أن نفترق المسألتان في الحكم؟ قلنا: لأن المشتري إذا طحنها بنفسه ثم أفلس فالحق في تلك الحنطة بعاقد واحد وهو البائع [ق ٣١٢ أ] فإذا فسخ العقد عادت العين إليه وعليه قيمة الزيادة والحق في القصارة لأكثر من معاقد واحد, فإن القصارة عاقدة على استهلاك منافع نفسه في غير ذلك الثوب, ثم استهلكها فيه والبائع عاقده على العين حين باعه منه, فلم يكن للبائع أن يرد العين إلى ملكه على سخط من غيره, وعلى هذا لو كان الطحن من جهة أجير استأجره المشتري أو كانت القصارة من جهة المشتري باشرها بنفسه كان جوابه في الطحن منقولًا إلى القصارة, وجوابه في القصارة منقولًا إلى الطحن ذكره الإمام الحويني ﵀.
فرع
لو اشترى ثوباً فصبغه ثم أفلس فيه مسائل:
أحداها: أن يشتري من رجل ثوبًا بعشرة وصبغًا منه بعشرة وصبغ الثوب به ثم أفلس بالثمنين فلا يخلو قيمتها من ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن تكون بحالها مثل أن يكون قيمة الثوب مصبوغًا عشرين, أو كانت ناقصة فإن البائع يأخذه وقد بطل عمل المفلس فيه, وإن كانت زائدة, فإن قلنا: إن عمل القصارة والخياطة والطحن بمنزلة الزيادة المتصلة ويباع الثوب فكذلك ههنا يباع الثوب ويكون ما زاد للمفلس على ما قلناه.
والثانية: أن يشتري ثوبًا بعشرة وصبغه بصبغ من عنده, فإن كانت [ق ٣١٢ ب] قيمتها بحالها بيع الثوب وأخذ البائع قيمة الثوب والمفلس قيمة الصبغ, وإن كانت ناقصة فالنقصان يحسب في قيمة الصبغ؛ لأن الثوب بحاله, وإنما تبدد الصبغ فيه فنقصت قيمته, ولأن الصبغ تابع والثوب متبوع فوجب أن يحسب النقصان منه, فإذا كان كذلك بيع الثوب وأخذ البائع قيمة الثوب غير مصبوغ وأخذ المفلس ما بقي وإن كانت زائدة فإن قلنا: الزيادة بالعمل بمنزلة الزيادة المتصلة فهي بينهما على قدر قيمة الثوب والصبغ, وإن قلنا: إنها بمنزلة الزيادة المنفصلة كانت الزيادة مع قيمة الصبغ
стр. 2560
للمفلس وأخذ البائع قيمة الثوب من غير مصبوغ.
والثالثة: أن يشتري الثوب من واحد والصبغ من آخر, فإن كانت قيمتها بحالها كان البائعان شريكين فيه ويباع الثوب ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمة الثوب والصبغ, وإن كانت ناقصة فقد قلنا: إن النقصان يحسب من الصبغ دون الثوب ويقول لصاحب الصبغ: إن شئت ترضى به ناقصًا أخذته, وإن شئت تركته وضربت مع الغرماء بالثمن, فإن رضي به ناقصًا بيع الثوب ودفع إلى صاحب الثوب قيمته غير مصبوغ, وأما الزيادة تدفع إلى صاحب الصبغ, وإن تركته وضرب مع الغرماء بالثمن كان المفلس شريكًا للبائع فيأخذ ما زاد على قيمة الثوب غير مصبوغ [ق ٣١٣ أ] وإن زادت قيمته فإن قلنا: الزيادة بالعمل بمنزلة الزيادة المتصلة كانت الزيادة مقسومة بين صاحب الثوب والصبغ على قدر القيمتين, وإن قلنا: إنها بمنزلة الزيادة المنفصلة كانت الزيادة للمفلس على ما بينا.
فرع آخر
لو اشترى صبغًا بخمسة وصبغ به ثوب نفسه يسوي عشرة, فإن لم يزد ولم ينقص فللبائع ثمن الثوب بصبغه والثلثان له بثوبه, وإن كان قد نقص ثلاثة كان النقص مع الصبغ يضرب بثلاثة مع الغرماء ويكون الثوب بينه وبين المفلس له سدسه والباقي للمفلس, وإن كان قد زادت خمسة, فإن قلنا: هذه الزيادة كالأعيان كانت الزيادة كلها للمفلس فله ثلاثة أرباع الثوب والربع للبائع, فإن قيل: كيف ذكر الشافعي أحد القولين في الحنطة إذا طبخها أنه يأخذها ويعطي قيمة الطحن, ثم عطف عليه فقال:
"وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَصْبَغُهُ".
والحنطة إذا طحنها المشتري للبائع على هذا القول أخذ الطحين ومنع المشتري والغرماء من تلك العين عن المبيع بعد الصبغ, ثم عطف القصارة على الصبغ فقال:
"وكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَصْبَغُهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ يَاخُذُهُ وَلِلْغُرَمَاَءِ زِيَادَتُهُ".
قلنا: هذا مشكل وإزالة هذا الإشكال ثلاثة أنواع من التأويل:
أحدها: أن يقال: يحتمل أن الشافعي [ق ٣١٣ ب] أراد بقوله: وكذلك الثوب يصبغه" أن يبين أن الصبغ عين مال كما أن الطحن عين مال في أحد القولين ولم يرد به التسوية بين الصبغ والطحن من جميع الوجوه.
والثاني: يحتمل أنه صور مسألة الصبغ في رجل اشترى ثوبًا وصبغًا من بائع ثم صبغ ذلك الثوب بذلك الصبغ فيكون للبائع أخذ الثوب المصبوغ على سخط المفلس وفي الأجرة حينئذٍ قولان على ما ذكرنا بخلاف ما كان الصبغ من جهة المشتري.
والثالث: يحتمل أن الشافعي جمع بين الصبغ والقصارة وجعل البائع أخذ الطحين على سخط منهم, وجعل له أخذ الثوب المصبوغ إذا وصى بذلك المفلس والغرماء, وإذا امتنعوا فليس له أخذ ذلك وبيع لهم كما قال في آخر كلامه ولكنه أوجز العبارة إيجازًا.
стр. 2561
مسألة
قَالَ: "وَلَوْ تَبَايَعَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ففَلَّسًا أَوْ أَحَدُهُمَا".
الفصل:
إذا أفلس المتبايعان أو أحدهما في مدة خيار المجلس أو خيار الثلث كان لكل واحد منهما فسخ البيع أو إجازته, وإن كان الخط للغرماء, وعلى هذا أكثر أصحابنا, وهو الظاهر من نقل المزني, لأنه عقد سلف قبل الحجر. وقال صاحب "الإفصاح": إن لم يكن حابى في البيع فالحكم على ما ذكرنا, وإن كان قد حابى وفلس البائع, فإن قلنا: إنه على ملك البائع أو مراعى فليس له إجازته [ق ٣١٤ أ] وعليه فسخه؛ لأن المحاباة هبة وليس له أن يهب, وإن قلنا: إنه على ملك المشتري فإن شاء فسخه, وإن شاء أجازه. وهذا غلط؛ لأن هذه المحاباة مستحقة بالعقد السابق, والحجر إنما وقع عليه في العقود المستقبلة دون العقود الماضية فبطل ما قاله.
ومن أصحابنا من قال: الذي نقله المزني لا يجئ لى مذهب الشافعي, ولا نعلم من أين نقله, وقد طلبناه في "الأم" فلم نجده, والذي يقتضي مذهب الشافعي أنه لا يصح بعد الحجر فسخه ولا إجازته؛ لأن الحجر يقطع تصرفه ويكون الخيار ثابتًا فينصب الحاكم من يختار له ما هو الأحظ له من الفسخ والإجازة, وليس إذا كان هذا التصرف متعلق بعقد سابق للحجر يجب أن يكون صحيحًا بعد الحجر, ألا ترى أنه ليس له قبض الثمن, وإن كان هذا متعلقًا بعقدٍ سابق وهذا لا يصح؛ لأن المزني ثقة فيما يرويه فلا يجوز مخالفته. وأما قوله في الثمن: فالفرق أنه بالثمن تعلق حق الغرماء لما حجر عليه فلا يكون له قبضه والتصرف فيه, وليس كذلك المبيع في مدة الخيار فإنه لم يتناوله الحجر ولم يتعلق به حق الغرماء, وصح ما رواه المزني, وقال أبو إسحاق: ليس لواحد منهما أن يفعل إلا فيما فيه الحظ لأنه محجور عليه, وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا. [ق ٣١٤ ب] وقال بعض أصحابنا بخراسان إن كان إخراج شيء من ملكه فإن كان فيه الحظ له جاز, وإن كان الحظ فيه خلافه لم يجز, وإن منع دخول شيء في ملكه جاز بكل حال, مثل إن أفلس المشتري, وقلنا: الملك في زمان الخيار للبائع ففسخ جاز, وإن كان النظر في الإجازة لأنه بهذا الفسخ منع دخول المبيع في ملكه, وإن قلنا ملك بالعقد لم يجز لأنه بالفسخ يرده إلى ملك البائع وفي البائع كذلك, وقد قال الشافعي فيمن اشترى في مرض موته شيئًا, ثم وجد به عيبًا فلم يرد يعبر نقص العيب من الثلث؛ لأن قدر العيب كفقد جزء من المبيع فكأنه أخرج من ملكه ذلك القدر من المال.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ أَخَذَهُ دُونَ صِفَتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ".
стр. 2562
الفصل:
اعلم أن المزني نقل جواب مسألة لم يذكرها, والمسألة أن يسلم في حنطة ثم يفلس, فإن عقد السلم بحاله وله قبض المسلم فيه على صفته فإن قبضه دون صفته مثل الردئ مكان الجيد لا يخلو من أحد أمرين, إما أن يكون بإذن الغرماء فلا يصح قبضه ويلزمه أن يرده عليه ومطالبته بالطام الجيد؛ لأن هذه محاباة فيما تعلق به حق الغرماء, وإن كان بإذن الغرماء صح قبضه قولًا واحدًا. فإن قيل: قلتم في المكاتب إذا [ق ٣١٥ أ] في ماله بإذن سيده لم يجز في أحد القولين فما الفرق؟ قلنا: الفرق أنه منع المكاتب منه لنقصان ملكه ولا يكول ذلك بإذن السيد, وههنا المنع لحق الغرماء خاصة وملكه تام فجاز ذلك بإذنهم, فإن قال قائل: ظاهر ما قاله الشافعي ههنا يقتضى أن الغرماء الحاضرين إن رضوا بأخذ المسلم دون صفته كان له أخذه دون الصفة ولا ينتظر في ذلك رجوع الغائبين وهذا يضر بالغائبين. قلنا: أراد الشافعي به الحاضرين والغائبين لأنه ليس لبعضهم الاعتراض على حق البعض, فإذا رجع غائب من سفر وقال: لم أرض بأخذه دون صفته كان له طلب حقه بمقداره.
فرع
لو وهب المفلس مالًا يرضي الغرماء فيه قولان:
أحدهما: يجوز كما قال الشافعي له أن يأخذ السلم دون صفته بإذن الغرماء.
والثاني: لا يجوز لأنه أخذ السلم دون صفته مسامحة في عقد تقدم المفلس فصح منه مع رضاء الغرماء اعتبارًا بعقد معنى, والهبة عقد مبتدأ واستهلاك مال مستأنفًا فلم يصح مع رضي الغرماء لأنه ربما يكون له غريم غائب لم يرضى به.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَسْلَفَهُ فِضَّةً بِعَيْنِهَا فِي طَعَامِ, ثُمَّ فَلَّسَ".
الفصل:
إذا كان المفلس المسلم إليه وهو بائع الطعام لا يخلو رأس المال من [ق ٣١٥ ب] أحد أمرين, إما أن يكون باقيًا في يده أو يكون تالفًا, فإن كان باقيًا في يده فله الخيار بين أن يقبضه وبين أن يؤخر ذلك حتى يحل حقه, ولا فرق بين أن يكون رأس المال دراهم أو عرضًا؛ لأن النقود عندنا تتعين بالتعيين, وإن كان تالفًا ليس له فسخ العقد لأنه لم يجد عين ماله فلا يفسخ وهو المذهب المنصوص.
قال أبو إسحاق: فيه وجه آخر أن السلف بالخيار بين أن يجيز البيع وبين أن يفسخ العقد ويضرب مع الغرماء برأس المال لا بالسلف فيه؛ لأن الشافعي قال: "إذا انقطع
стр. 2563
السلف فيه له أن يفسخ العقد" لأن حقه قد تأخر كذلك ههنا, وهذا لأن خراب ذمة المفلس أبلغ من نفاذ جنس المسلم فيه بين أيدي الناس, وقول الانفساخ الذي نقول في الانقطاع لا يجئ ههنا وهو اختيار ومشايخ خراسان. قالوا: ولا يؤخذ فسخ بسبب الإفلاس مع تلف ما يفسخ فيه إلا ههنا وهذا لا يصح, والفرق أنه إذا انقطع فللفسخ فائدة وهي أن يأخذ منه رأس المال في الحال ولا يتأخر حقه, وههنا لا غرض له لأنه يضرب مع الغرماء برأس المال كما يضرب معهم بالمسلم فيه, والظاهر أن السلم فيه أكثر من رأس المال في غالب العادة ففي الفسخ ضرر ولهذا قلنا إنه لا ينفسخ.
فإذا تقرر هذا, فإذا قلنا: يفسخ ففسخ ضرب [ق ٣١٦ أ] بقيمة رأس المال مع الغرماء وأخذ ما يخصه من جنس القيمة, وإذا قلنا: ضرب بقيمة رأس المال مع الغرماء وأخذ ما يخصه من جنس القيمة, وإذا قلنا: لا يفسخ ضرب مع الغرماء بماله الطعام فإن معرفة مقداره من سائر ديون الغرماء أن يقوم الطعام في الحال فيعرف قيمته ثم يقسم مال المفلس بين الغرماء على قدر حقوقهم فما خص قيمة الطعام عزل منه ويشتري به الطعام ودفع إليه, ولا يجوز أن يدفع الدراهم إليه لأنه بيع المسلم فيه قبل القبض, ثم إذا كان وفق حقه فذاك, وإن رخصت الحنطة مثل إن كان ثمن الكر خمسين فعزلنا له فصار الكر بأربعين اشترينا الكر بأربعين, والباقي يضرب مع الغرماء لأنه لا يستحق إلا الطعام, وإن غلا الطعام فصار الكر بمائة اشترينا له العزول نصف كر ورجع على الغرماء بما نقص, لأنه ما ضرب معهم بحقه ويشتري ما بلغ عند المخاصة الحنطة وما بقي يكون في ذمة المفلس إلى الميسرة فإن قيل: هلا قلتم يدفع إليه جميع ما عزل له بكل حال؟ قلنا: لأنه لم يملكه بالعزل بل هو ملك المفلس بعد فتكون زيادته ونقصانه للمفلس لا له.
فرع
لو اشترى حبًا فزرعه واشترى ماء فسلاه فنبت ثم أفلس فإنهما يضربان بثمن الحب والماء مع الغرماء [ق ٣١٦ ب] ولا يرجعان في الزرع لا عين مالهما غير موجود فيه كما لو اشترى طعامًا فأطعمه عبده حتى كبر لا حق لصاحب الطعام في عين العبد.
مسألة:
قَالَ: "وَلَو اكْتَرَى مِنْهُ دَارًا ثُمَّ فَلَّسَ المُكْرِي".
الفصل:
إذا اكترى رجل من رجل دارًا أو عبدًا مدة معلومة بأجرة معلومة ثم أفلس المكري لا ينفسخ عقد الإجارة؛ لأن الحجر عليه في العقود المستقبلة دون الماضية فيكون
стр. 2564
المكتري أحق بسكنى الدار, فإن انقضت مدة الإجارة على السلامة فقد استولى المستأجر حقه, وإن تلف المستأجر قبل مضي المدة فقط انفسخ عقد الإجارة ويرجع على المفلس بحصة ما بقي من المدة, فإن كان ماله باقيًا بعينه أخذ مقدار حقه, وإن كان تالفًا نظر, فإن لم يكن فرق الحاكم ماله بين الغرماء كان أسوة الغرماء في دينه وينقص القسمة؛ لأن هذا الدين مستحق بمعنى مقتدم على الحجز, ولهذا قلنا: إنه يكون أسوة لهم قبل قسمة المال.
والثاني: يقدمون عليه لأن الدين ثبت بعد الحجر, كما إذا استدان بعد الحجر فإن فضل عنهم شيء يدفع إليه, وإن أراد الغرماء بيع رقبة الدار قبل مضي مدة الإجارة, فإن باعوهما من المستأجر صح البيع قولًا واحدًا؛ لأنه ليس له دونه يد هائلة, وإن [ق ٣١٧ أ] باعوها من غيره فهل يجوز؟ قولان:
أحدهما: يجوز. قال المزني: هذا قوله المعروف والآخر ليس بشيء, ووجهه أن يبيع المزوجة جائز, وإن كان الاستمتاع مستحقًا بالعقد فكذلك المؤاجر.
والثاني: لا يجوز بيعها لأنها مسلوبة المنفعة مدة, فأشبه إذا قال: بعتكها على أن يكون لي منافعها إلى سنة, وإذا قلنا: يجوز فإن اتفقوا على بيعها جاز, وإن اختلفوا قدمنا من طلب البيع؛ لأنه أصلح للمفلس والغرماء, ولا يلزمهم تأخير حقوقهم فيملك المشتري رقبتها والمكتري منفعتها, فإذا انقضت المدة أخذها المشتري على الإطلاق, والأولى لهم الصبر حتى تنقضي مدة الإجارة لأنها تباع بأكثر إذا لم تكن منفعتها مستحقة للغير.
مسألة
قَالَ: "وَلَوْ أَكْرَاهُ سَنَةً وَلَمْ يَقْبِض الكَرَاءَ ثُمَّ فَلَّسَ المُكْتَرِي".
فإن كان بعد مضي المدة ضرب بالأجرة مع الغرماء, وإن كان قبل مضي المدة كان له فسخ الإجارة واسترجاع المنفعة, وقد ذكرنا هذا فيما قبل.
فرع
قَالَ في "الأم": ولو اكترى رجلًا ليحمل له طعامًا إلى بلد من البلدان فحمله وفلس المكتري ضرب المكتري بأجرته مع الغرماء, ولو أفلس قبل أن يصل إلى البلد نظر, فإن كان الموضع الذي بلغ إليه آمنًا كان له فسخ الإجارة فيما بقي من المسافة ويضع الطعام [ق ٣١٧ ب] عند الحاكم, وإن تركه على يد عدل ثقة بغير إذن الحاكم فيه وجهان كما قلنا في الوديعة إذا أراد المودع سفرًا, وإن كان الموضع مخوفًا لزمه حمل الطعام إلى الموضع الذي اكتراه لحمله إليه أو إلى موضع دونه يأمن عليه.
стр. 2565
فرع آخر
قال في "الأم": ولو اكترى ظهرًا بعينه ليركبه شهرًا ثم أفلس المكري كان المكري أحق به. ولو كان ظهرًا في الذمة كان المكري أسوة الغرماء, وإنما كان كذلك لأنه إذا كان معينًا لحقه اختص بالعين قبل الحجر, وإذا كان حملاف في الذمة فهو كديون الغرماء فساواهم.
فرع آخر
لو اشترى من رجل سلعة فأفلس البائع قبل تسليم السلعة لم يكن له الرجوع في عين ماله, بل عليه أن يسلم السلعة ويقبض الثمن؛ لأن الرجوع إنما يكون عند الإفلاس وهذا المشتري مالي وإنما البائع هو المفلس.
فرع آخر
لو كان المشتري مليًا ولكنه امتنع من دفع الثمن هل يثبت له الخيار؟ ظاهر المذهب أنه لا خيار, ومن أصحابنا من قال: يثبت الخيار كما هو لو عجز عن أداء الثمن وهذا لا يصح, والفرق أن عند العجز وجد عيب المفلس, وههنا لم يجد فافترقا.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو مات قبل دفع الثمن فامتنع الوارث من دفعه هل يثبت له الخيار؟ يترتب على المسألة السابقة, فإن قلنا: ليس له الفسخ هناك [ق ٣١٨ أ] فههنا وجهان, والفرق أن هناك الذمة باقية وههنا خربت الذمة فافترقا.
فرع آخر
لو طلق زوجته بائنًا كان لها السكنى في بيت زوجها, فإن أفلس وأراد الغرماء بيع هذه الدار, فإن كانت عدتها بالحمل أو بالإقراء لم يجز قولًا واحدًا وإن كان بالأشهر فيه طريقان.
أحدهما: فيه قولان.
والثاني: لا يجوز قولًا واحدًا ويفارق بيع المؤاجر؛ لأن المستأجر لو مات لا ترجع السكنى إلى البائع, والمعتدة إذا ماتت ترجع السكنى إلى البائع, فيصير كأنه باع دارًا واستثنى لنفسه منفعتها, ولا يجوز ذلك, فإن قيل: هذا يبطل بما لو أجر داره من ابنه ولا وارث له غيره يجوز, وإن كان السكنى ترجع إلى الأب بملك مستأنف وليس كذلك الزوج المطلق, فإن السكنى ترجع إليه بملك مقتدم فافترقا.
فرع آخر
لو منع الحاكم البائع من الرجوع في عين ماله على مذهب أبي حنيفة وحكم عليه
стр. 2566
بالمضاربة مع الغرماء لا ينقص حكمه لأنه مجتهد فيه.
وقال الاصطخري: ينقص حكمه لأنه يخالف نص السنة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَسَّمَ الحَاكِمُ مَالَهُ بَيْنَ الغُرَمَاءِ".
الفصل:
إذا قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه الحاضرين، ثم قدم غرماء آخرون فإنهم يشاركون فيما أخذوه بمقدار ديونهم، كما لو كانوا حاضرين، ثم مذهب الشافعي أن الحاكم لا ينقص جميع القسمة وإنما يأخذ من كل واحد [ق ٣١٨ ب] منهم مقدار ما يخصه.
ومن أصحابنا من قال: ينقص القسمة في الجميع ثم يقسم بين جميع الغرماء على قدر حقوقهم فإنًا بينًا أن القسمة الأولى كانت باطلة، وهذا مخالف لما نص عليه الشافعي، ولأن الخطأ وقع في بعض القسمة فلا يجوز نقض جميعها.
وحكي أصحابنا عن مالك أنه لا يشاركهم ولا تنقض تلك القسمة وحقوقهم في ذمة المفلس على ما يحدث له من المال؛ لأن تلك القسمة نفذت بالاجتهاد، وهذا غلط؛ لأن الحجر لا يتبعض في هذه الحالة بل يقع ذلك الحجر لحق الغائب والحاضر، وقسمة المال بين الحاضرين على الظاهر، فإذا ظهر الأمر بخلاف الظاهر نقض كما لو حكم الحاكم باجتهاده ثم بان النص بخلافه، وكما لو قسم الورثة المال ثم قدم وارث آخر.
وأما قوله: "لا ينقض ما مضى بالاجتهاد" قلنا: ليس ذلك بحكم منه وهما كما قال الشافعي: "لو زوج الحاكم الصغيرة لا يصح نكاحه" لأنه لم يحكم به بل عقد على اعتقاده. وذكر أصحاب مالك مثل مذهبنا سواء.
فإذا تقرر هذا لو كان له غريمًا في الابتداء لكل واحد ألف فقسم بينهما نصفين فأتلف أحدهما ما قبض وهو معسر لا شيء له ثم ظهر للمفلس الأول غريم ثالث بألف درهم فإنه يشاطر الأول الذي لم يتلف ما قبض فيأخذ منه مائتين وخمسين، لأنه يقول: حق ذلك الذي أخذ خمسمائة وأتلف في ثلث الألف وما زاد [ق ٣١٩ أ] وهو سدس الألف من حقنا جميعًا قد تلف عنده ما بقي يكون بيننا نصفين. ولو كان عليه لأربعة من الغرماء لكل واحد منهم ألف فقسم بينهم أرباعا وبقي لكل واحد ثلاث أرباع ألف، ثم بعد الحجر استدان ألفين فحجر عليه وفي يده من المال المستحدث بعد الحجر الأول ألف درهمٍ، فإن الألف تقسم بين جميعهم على عشرين سهمًا لكل واحد من الأولين ثلاثة أسهم، ولكل واحد من الآخرين أربعة أسهم. ولو استحدث ديونًا بعد الحجر الأول فلا مشاركة لأصحابه مع الأولين، فإن استحدث ديونًا ومالًا فحجر عليه مرة أخرى لم يخلص ماله للآخرين بل
стр. 2567
يضرب فيه الآخرون بجميع حقوقهم والأولون بباقي حقوقهم. ولو استحدث ديونًا وظهر له مال قديم فإنه للآخرين خاصة، إلا أن يفضل عنهم شيء فيضرب إلى الآخرين بالحصص.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذاَ أَرَادَ الحَاكِم بَيْعَ مَتَاعه أَوْ رهْنَهْ".
الفصل:
إذا أراد الحاكم بيع مال المفلس فالمستحب أن يحضر المفلس؛ لأنه صاحب المال فيعرف الجيد من الرديء، وما كثرت قيمته وقلت، فلا يقع فيه غبن، ولأن بحضوره تقوى نفوس الراغبين في شرائه حتى لا يرد عليه ويذكر بكم اشترى كل شيء فيرغب فيه المشتري ويكون أبعد من [ق ٣١٩ ب] التهمة، ويكون أطيب لقلب المفلس وأسكن لنفسه. ويستحب أن يحضر الغرماء لأنه يباع لهم، ولأن بعضهم ربما يرغب في شيء منه فيزيد في ثمنه ويكون أبعد من التهمة، فإن لم يكن ذلك وانفرد الحاكم أو أمينه بالبيع جاز، ولأنه مفوض إلى اجتهاده فإذا فعل جاز.
فإذا ثبت هذا بدأ في البيع بالرهن لتعلق حق المرتهن بعينة، ولأنه ربما يفضل من قيمته شيء فيقسم بين سائر الغرماء، ثم إذا باع الراهن فإن كان وفاء حقه أخذه، وإن كان أكثر منه جعل الفاضل لسائر الغرماء، ولا ينتظر حضور الباقين لأنه تقدم به، ولهذا قال الشافعي:
"فَيَدْفَع منه حَقً الرًهن مِن سَاعَتِهِ".
ثم يبيع العبد الجاني إن كان للمفلس عبد جني؛ لأن حق المجني عليه يتعلق برقبته، وربما يفضل منه شيء فيقسم بين الغرماء، فإذا بيع فإن لم تف قيمته بأرش الجناية لا يضرب بما بقي مع سائر الغرماء، لأنه لا يستحق أكثر من قيمة العبد الجاني. قال في "الأم": وليس للمفلس أن يفديه من سائر ماله لأنه بمنزلة الشراء ولا يصح شراء المفلس.
مسألة:
قَال: "وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِغُرَمَاءِ الْمفَلًسِ: ارْتُضوا بِمَنْ يَكُونَ عَلَى يَديْهِ الثًمَنُ، وَبِمَنْ يُنَادِي عَلَى مَتَاعِهِ".
الفصل:
إذا أراد الحاكم [ق ٣٢٠ أ] بيع ماله لابد من منادي ينادي عليه ولابد من عدل يجمع المال عنده فيقول الحاكم للمفلس والغرماء: اتفقوا على منادي وعدلٍ يوضع المال
стр. 2568
عنده، فإن اتفقوا على واحد نظر الحاكم فيه، فإن كان عدلًا أمضاه، وإن كان فاسقًا رده. فإن قيل: أليس المتراهنان إذا وضعا الرهن على يد الفاسق لم يكن للحاكم فيه اعتراض، وهنا قلتم: الحاكم يرده إذا كان فاسقًا. قلنا: الفرق أن الحق هناك لا يتعدى عن المتراهنين، وهنا ربما يظهر غريم آخر فيحتاج الحاكم أن يختلط فيه، ولأن الحجر بحكم الحاكم كان ما يتعلق به من أحكام إلى اجتهاد الحاكم.
وإن اختلفوا فقال الغرماء: نضعه على يد فلانٍ وقال المفلس على يد غيره، فإن كان أحدهما عدلًا دون الآخر فالعدل أولى به، وكذلك إن كان أحدهما بأجرةٍ والآخر بغير إجرة، فالذي لا يطلب الأجرة أولى. وإن استويا في العدالة وترك الأجرة وطلبها، قال في "الأم": "يضم أحدهما إلى الآخر".
ومن أصحابنا من قال: يجتهد الحاكم في أعدلهما وأصلحهما، وإن لم يرجع الحاكم إلى المفلس والغرماء في المنادي والعدل وتولى بنفسه دون أمرهم جاز، ثم قال الشافعي: "وَلَا يَقْبَلُ إِلًا ثِقَةٍ".
وفي بعض النسخ:
"وَلَا يَقْبَلُ إِلًا مِنْ ثِقَةٍ".
وأراد بالأول المنادي. والعدل ينبغي أن [ق ٣٢٠ ب] يكون ثقة على ما ذكرنا. وقوله:
"إِلًا مِنْ ثِقَةٍ".
معناه من يزيد في الثمن عند النداء فلا تقبل تلك الزيادة إلا من ثقة، لأنه يزيد ويقصد الفساد على الغير. ورأيت في بعض النسخ:
"وَلَا تُقْبَلُ الزيَادَةَ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ".
ثم ينظر فإن وجد مناديًا يعمل بغير أجرٍة لم يجز أن يعطي عليه الأجرة، لأن فيه تضييع ماله، وإن لم يجد إلا بأجرة يجب أن يدفع الأجرة من بيت المال؛ لأن بيع مال المفلس وحفظه يتعلق بمصالح الناس دون الغرماء، ويأمرهم أن يشارطوه على مقدار معلوم، فإن لم يشارطوه أعطى أجرة المثل، وإن لم ينازعوا في الأجرة اجتهد الحاكم فيها واكترى على ما يراه من ماله. فإن قال قائل: لم قال الشافعي:
وَأَحَب? أَنْ يُرْزَقَ مِنْ وَلِي هَذَا مِن بَيْتِ المَالِ" ولم يذكر المشارطة لتقدير الرزق. ثم قال:
"فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَعْمَلْ إِلا? بِجُعْلٍ شَارَطُوهُ".
وأمر بالمشارطة وتقدير الأجرة إذا كانت العمالة في مال المفلس؟ قلنا: وإن لم
стр. 2569
يقيد كلامه بالمشارطة حيث ذكر رزقه من بيت المال؛ لأنه لم يرد بذلك الرزق عند الإجازة، بل أراد بذلك الجراية التي تجري على أمثاله من بيت المال للبيع في مصالح المسلمين على قدر الكفاية بالمعروف، وذكر المشارطة في الجانب الثاني؛ لأنه أراد بها عند الإجازة، ولا بد في عقد الإجازة من إعلام الأجرة.
ثم ينبغي أن يبيع كل شيء [ق ٣٢١ أ] في سوقه فيباع البز في البزازين، والكتب في الوراقين ونحو ذلك؛ لأن الطلب فيه أكثر والرغبات أثم، ولأنهم لأعرف بثمنه من غيرهم فلا يقع فيه غبن، ف
غن باعه في غير سوقه بثمن مثله جاز؛ لأن السوق إنما يراد لزوال الغبن، ولهذا لو وكل وكيلًا في بيع سلعة في سوق بعينه فباعها في سوق آخر بثمن المثل جاز. وعلى هذا كل خصلة فيها صلاح ثمن المبيع، فعلى الحاكم مراعاتها لأنه منصوب للنظر والشفقة.
فرع
لو باع شيئًا بثمن مثله ثم جاء من يزيد بعد لزم البيع بانقطاع الخيار. قال الشافعي: لو سأل المشتري الإقالة أو بذل الزيادة استحب للمشتري الإجابة إلى ذلك، لتعلقه بمصالح المفلس وقضاء ديونه، فإن لم يفعل لم يجب عليه. ولو كان في المجلس يلزم الحاكم قبولها وفسخ البيع، فإن لم يقبل انفسخ البيع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا َيَدْفَعُ إِلَى مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا حَتًى يَقْبِضَ الثًمَنَ".
إذا باع من مال المفلس شيئًا فإن كان المشتري لم يحضر الثمن لا يجوز له تسليم المبيع إليه، وإن أحضر الثمن واختلفا فيمن يسلمه أولًا فهو على ثلاثة أقوال في غير المفلس لا يجني، القول الثالث: أنه يجبر واحد منهما على التسليم ويقول: من يتبرع بالتسليم أجبرت الآخر عليه لأن تأخيره لا يجوز ههنا لحقوق الغرماء، ويكون فيه قولان:
أحدهما: يجبر البائع على التسليم.
والثاني: [ق ٣٢١ ب] يجبران معًا.
ومن أصحابنا من قال في غير المفلس قول رابع أنه يجبر المشتري أولًا، فهنا لو سلم قبل أخذ الثمن ضمن إن تلف ولم يصل إليه الثمن، وإن سلم قبل أخذ الثمن بإذن الحاكم.
قال أبو يعقول الأبيوردي من أصحابنا: الأشبه أنه لا يضمن، لأن هذا كالحكم نفذ منه فلا يرد عليه.
وإن قلنا: لا يجبر المشتري أولًا كما معناه لا يدفع إلى من اشترى احتياطًا لا واجبًا.
стр. 2570
مسألة:
قَالَ: "وَمَا ضَاعَ مِن الثمَنِ فَمِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ".
إذا ضاع الثمن من يد المنادي أو من يد العدل فلا ضمان عليه ويكون ضمانه من مال المفلس وقد بيناه في "كتاب الرهن"، وهذا لأن ملكه كالرهن يضيع يكون من ضمانه راهنه.
وقال مالك: إن كان من جنس حقهم فهو تالفٌ من مالهم، وإن لم يكن من جنسه كان تالفًا من مال المفلس.
مسألة:
قَالَ: "وَيَبْدَأُ فِي البَيْعِ بِالْحَيَوَانِ".
الفصل:
قال أصحابنا: أراد إذا لم يكن في ماله ما يخاف عليه الفساد كالفواكه الرطبة ونحوها. فإن كان في ماله ذلك يبدأ ببيعه لأنه يتلف يقينًا، ثم يبدأ ببيع الحيوان؛ لأنه يخشى عليه ويحتاج فيه إلى مؤن.
وقيل: في إمساك الحيوان مؤنه حرسٍ وضمان حيوانٍ، ثم يباع بعد الحيوان ما ينقل وتحول؛ لأنه يخاف عليه وتتناوله الأيدي. ثم إذا لم يبق إلا العقار باعه، وكل ما يباع ينادى عليه إلا العقار فإنه يباع [ق ٣٢ أ] في غير النداء، ولأن النداء يخلق العقار فإنه يباع [ق ٣٢٢ ب] في غير النداء، ولأن النداء يخلق العقار ولا يشتريه إلا أعيان الناس، ومن يشتري السلع لا ينحصر فالنداء عليها أولى. وقوله:
"وَيَتَأَتًى بِالمَسَاكِنِ" أراد يصير مدة انتشار أمره وظهوره في الناس ليكثر الطلاب. وقد قال الشافعي: ينادى به ثلاثًا ولا يؤخر أكثر من ذلك، فإن كان بالقرب من البلد من يرغب في هذا العقار بعث إليهم وعرفهم ذلك، فإن رأى أهل البصر أن قد بلغت أثمانها تباع وإلا ترك وأخر، ولا يباع بأقل من ثمن مثله بحالٍ، وكل موضع قلنا يبيع ماله فإنما يباع بثمن مثله بنقد البلد وإن كان من غير جنس حق الغرماء؛ لأنه أوفر. ثم إن كان حقهم ثبت لا من جهة السلم دفع إليهم نقد البلد بالعوض إن تراضوا، وإن لم يتراضوا وكان سلمًا اشترى لهم من جنس حقهم وصرف إليهم.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ وَجَدَ الإِمَامُ ثِقَة? يُسَلَفُهُ المَالَ حَالًا لَمْ يَجْعَلْهُ أَمَانَة?".
إذا باع الحاكم شيئًا من مال المفلس، فإن كان الغريم واحدًا يدفع إليه في الحال، وإن كان له غرماء نظر، فإن كان ما حصل من الثمن قدرًا يقع من الغرماء إذا قسم بينهم
стр. 2571
موقعًا لم يقرضه ولم يعدله، بل يصرفه إليهم في الحال. وإن كان قليلًا لا يقع منهم الموقع فلا بد من أمين يوضع المال على يده حتى يحصل بيع الجميع، وربما يمتد ذلك أيامًا، فإن وجد مليًا ثقة يقرضه ذلك حتى يبيع الباقي فلا [ق ٣٣٢ ب] يجعله أمانة؛ لأن القرض مضمون على المستقرض فيكون أحفظ للمفلس، وإن لم يكن المستقرض ثقًة لا يقرض بحالٍ.
فإن قال قائل: إذا كان السلف لا يقبل الأجل ولو ذكر فيه الأجل كان حالًا فما معنى تقييد الشافعي كلامه بالحلول حيث قال:
"وَإِنْ وَجَدَ الإِمَامُ ثِقَة? يُسَلًفُهُ المَالَ حَالًا".
قلنا: هذا ليس بشرط بل هو وصف للقرض، فكأنه قال: يسلفه المال السلف الذي هو حال، فإن الأجل لا يثبته في القرض بحالٍ. وقيل لئلا يشترط الأجل فيرفع إلى مالكي المذهب يرى ثبوت الأجل في القرض فيجبره عليه فيكون فيه ضررا بالغرماء، وقيل: إنما ذكر هذا لأن القرض إذا كان مقيدا بالحلول حسنت المطالبة به كل حين، وإذا سار مقيدا بالتأجيل لم تحسن المطالبة به حالا؛ لأن الوفاء بالوعد من معالم الشريعة والتغرير قبيح.
وقيل: أراد حالًا بغير تشديد، يعني أنه يقرضه في الحال، وهذا ليس بشيء.
فإن قيل: أليس قال الشافعي في ولي الصبي يودع مالا ف ولا يقرضه، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن مال الصبي يعد لمصلحة تظهر له من شراء عقارٍ أو تجارة وفي القرض تتعذر المبادرة إلى ذلك، ومال المفلس معد للصرف إلى الغرماء خاصة فالقرض أولى.
مسألة:
[ق ٣٢٣ أ] قَالَ: "وَيَنْبَغِي إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ أَنهُ وَقَفَ مَالَهُ عَنْهُ".
إذا رفع إلى الحاكم أن فلانًا أفلس لا يجوز له أن يحجر عليه إلا بثلاثة شروط:
أحدهما: أن يثبت عنده الدين للغرماء بما يثبت به مثله من إقرار وبينة.
والثاني: أن يطالب الغرماء بالحجر عليه.
والثالث: أن يكون ماله لا يفي بديونهم، فإن كان ماله لا يفي بديونه فإن لم تظهر أمارات الفلس فقد ذكرنا وجهين، والصحيح أنه لا يحجر.
فإن قيل: فما تأويل قول الشافعي: إذا باع المحجور شيئًا من ماله في أحد القولين يصح ويكون الفاضل من ديون الغرماء. وهذا يدل على جواز الحجر، وإن كان له مال يفضل عن الديون؟ قلنا: أراد إذا زادت السلعة التي عنده فتصرفه نافذ في الفاضل، يعني في الزيادة. والحجر عليه أن يقول الحاكم: وقفت ماله عليك ومنعتك من التصرف فيه،
стр. 2572
أو يقول: حجرت عليك ومنعتك من التصرف فيه. وقيل: في اللفظ الذي يقع به الحجر وجهان:
أحدهما: وهو اختيار البغداديين أن يقول الحاكم: قد وقفت مالك ومنعتك من التصرف فيه؛ لأن هذا هو المقصود بالحجر.
والثاني: وهو اختيار البصيرين: أن يقول: حجرت عليك بالفلس؛ لأن الحجر يتنوع ولكل واحد منه حكم فلا بد من التصريح به ليمتاز عن غيره؛ ولأن وقف المال والمنع من التصرف من أحكام الحجر فلم يقع به [ق ٣٢٣ ب] الحجر.
ثم الاحتياط أن يشهدا الحاكم على حجره؛ لأن فيه تشهير أمره فلا يباع ولا يشاري، ولأن الحاكم ربما عزل؛ فإذا لم يكن أشهد عليه لا يقبل قوله فيه. وقيل: الإشهاد هل هو شرط في تمام الحجر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يشترط لأن نفوذ الحكم لا يحتاج إلى الإشهاد.
والثاني: يشترط لأن المقصود به الشهرة ولا يكون مشتهرًا إلا بالإشهاد فجرى مجرى اللعان الذي يقصد به الشهرة.
وإذا أراد الحاكم أن يعلم عجزه عن قضاء ديونه، فالوجه فيه أن يقوّم ماله ويقابل بينه وبين ديونه، وهل تقوّم أعيانه التي اشتراها ولم يؤد ثمنها فيه وجهان:
أحدهما: لا تقوّم لأنه لا فائدة في ذلك فإن يرجع صاحبها فيها.
والثاني: لجواز أن لا يختار البائع الرجوع فيها ويختار المضاربة وإن طلب بعض الغرماء الحجر عليه في موضع الحجر ولم يطلب البعض أجيب من طلبه لأنه حق له. وإذا امتنع من قضاء دينه مع اليسار لا يحجر عليه ويطلبه دينه ويحبسه عليه، فإن قضاه وإلا باع عليه. وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا يبيع عليه مالكه بحسبه حتى يبيعه إلا أن يكون ماله أحد النقدين وعليه النقد الآخر فله صرفه إليه. وهذا غلط؛ لما روى كعب بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ حجر على معا ﵁ [ق ٣٢٤ أ] وباع عليه ماله.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في خطبته: ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، فأدان معرضًا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليحضر غدا فإنًا بايعوا مالوا وقاسموه بين غرمائه. ثم قال: إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حزن.
стр. 2573
وقوله: "أدان معرضًا" هو الذي يعرض للناس فيستدين من يليه، ويقال: قد دين بالرجل دينًا، إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به.
وقيل: إنه كان يشتري الرواحل فيغالي بها ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر ﵁ فقال هذا.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا فَعَلَ هّذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ".
الفصل:
إذا حجر عليه فقد قلنا إنه يصير ممنوعًا من التصرف. وقال أصحابنا: هذا الحجر للإفلاس هل يجري مجرى السفه أم حجر المرض؟ قولان:
أحدهما: أنه كحجر السفه؛ لأنه الخوف التبذير والتوفر، ولا يثبت إلا باجتهاد الحاكم.
والثاني: أنه كحجر المرض؛ لأنه لأجل الغير كما أن حجر المرض للوارث والغرماء، ولأن المفلس لا يقدح في عدالته كالمرض.
وعلى كلا القولين لو تصرف بما يتعلق بذمته دون ماله الذي في يده كالضمان [ق ٣٢٤ ب] والشراء في الذمة يصح، والاعتراض للغرماء في ذلك؛ لأن الحجر عليه اختص بماله دونه ذمته؛ لأنه ليس بسفيه ولا مجنون فترد جميع تصرفاته، فإن باع عينًا من الأعيان التي في يده أو تصدق بها أو وهبها فيه قولان:
أحدهما: باطل وهو اختيار المزني، وبه قال مالك لأنه محجوز عليه بحكم الحاكم كالسفيه وليس كالمريض؛ لأنه ممنوع من صرف ماله في شهواته ولذاته بخلاف هذا.
والثاني: أنه صحيح ويوقف، فإن كان فيما بقي من ماله وفاء الغرماء نفذ تصرفه وإن لم يكن فيه وفاء أبطل، وهذا لأن من صح شراءه صح بيعه.
فإذا قلنا بهذا القول، فإن الحاكم يؤخر بيع ما تصرف فيه من الأعيان، فإن كان لا يفي بحقوق الغرماء أبطل الأضعف فالأضعف، فإن كان وهب عينًا وباع عينُا أخرى، واحتاج إلى إبطال إحداهما بطل عقد الهبة.
قال: وفي ترك البيع وإمضاءه وإن كان باع وأعتق يبطل البيع أولًا، لأنه يلحقه الفسخ ثم يبطل العتق آخرًا. وإن كاتب قال المزني: تكون كتابته فاسدة واحتج بهذا على اختياره.
وقال أصحابنا: في الكتابة أيضا قولان، والمزني حكي أحد القولين. وقيل:
стр. 2574
يحتمل أن يقال: يفسخ الآخر فالآخر كما قلنا محاباة المريض إذا ضاق.
فإن قيل: أكثر ما في الكتابة أنها فاسدة فينبغي إذا أد?ى [ق ٣٢٥ أ] المال بعد الإطلاق أن يعتق. قيل: إذا أبطلنا هذه الكتابة أبطلناها لأن عاقدها ليس من أهلها كالصبي والمجنون، وليس من أهل إنشاء العتق، وفي غير هذا الموضوع عاقدها من أهل إنشاء العتق تعليقًا وتنجيزًا، فإذا كانت الكتابة فاسدة كان تعليق العتق فيها موجودًا فنفذ.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا أَقَر? بِدَيْنٍ زَعَمَ أَنًهُ لَزِمَهُ قَبْلَ الوَقْفِ".
الفصل:
إذا لزم المحجور عليه لفلس دين بعد الحجر لا يخلو إما أن يلزم بسبب سبق الحجر أو بعده، فإن كان بسبب سبق الحجر، فإن كانت ببنية ثبت الحق بها عليه يكون أسوة الغرماء فولًا واحدًا، وإن كان باعتراف ثبت الدين في الذمة قولًا واحدًا، وهل يشارك المقر له سائر الغرماء؟ قولان:
أحدهما: إذا كان قبل الحجر فيشاركهم كما لو ثبت بالنية.
والثاني: لا يشاركهم وبه قال مالك. كما لو كان على الميت دين يستغرق تركته فأقر الوارث بدين آخر لم يشارك المقر له سائر الغرماء؛ لأن حقوقهم تعلقت بعين التركة كذلك هنا.
ومن قال بالأول فرق بينهما بأن الوارث لا يملك التركة ملكا صحيحا، واحتج مالك بأنه متهم في هذا الإقرار فلا يسقط به حق الغرماء. قلنا: الظاهر أنه غير متهم وأنه لا يقر بدين ليس عليه ليقع التقصير في أداء ما عليه، وإن أقر بعين في يده لإنسان، فإن [ق ٣٢٥ ب] قلنا بالقول الأول كان المقر له أحق بالعين من سائر الغرماء. قال الشافعي: "لو كان المفلس قصارًا أو صائغًا وحجر عليه وعنده ثياب الناس وحليهم لا يقبل قوله في رد أموال الناس.
وإذا قلنا بالقول الثاني لم تسلم العين إليه إلا أن يفصل عنهم أو يقيم المقر له بينة ويقدم قضاء دينه من غير هذه العين حتى ربما تبقى هذه العين فيدفع إلى المقر له بها. وإذا بيع هذه عند الاحتياج للغرماء فقيمتها في ذمة المفلس لمن أقر? له بها.
وعلى هذا لو ادعى رجل عليه دينًا فأنكر فالقول قوله، فإن حلف برئ، وإن نكل حلف المدعي وثبت المال له في ذمة المفلس. وهل يشارك الغرماء؟ من أصحابنا من قال: النكول واليمين في رد اليمين بمنزلة الإقرار فيصير كأنه أقر، وقد ذكرنا قولين في إقراره.
ومن أصحابنا من قال: النكول إلى اليمين في رد اليمين تجري مجرى البينة فيكون
стр. 2575
أسوة الغرماء، وهذا ضعيف.
وإن ثبت عليه بسبب بعد الحجر نظر، فإن كان باختيار من له الحق كالقرض والشراء في الذمة لا يشارك من ثبت له الحق للغرماء، وما ملكه من المبيع إذا كان مثمن إلى أجل كسائر أعيان ماله يتعلق به حقوق الغرماء. وإن كان الحق ثبت عليه بغير اختيار من له حق مثل إن جني على مال غيره جناية [ق ٣٢٦ أ] أرشًا في ذمته يكون أسوة الغرماء فيه وإن كان بعد الحجر، لأنه ما رضي بتأخير حقه عليه. ويخالف هذا إذا جني عبده فالمجني عليه يكون أحق بالعبد الجاني من سائر الغرماء؛ لأن أرشه متعلق برقبته فكان أكد من غيره.
فرع
لو ابتاع في حال الحجر سلعة بثمن في ذمته فأراد البائع أن يرجع بالفلس، فإن كان البائع عالمًا وقت البيع لم يكن له الرجوع، وإن لم يكن عالمًا به وجهان:
أحدهما: له الرجوع؛ لأن عقده قبل الحجر أقوى منه بعده، وجاز استرجاع ما ابتاعه قبل الحجر فهذا أولى.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه كان يقدر على استعلام حاله قبل العقد فصار في حكم العالم به.
والأول أصح كما نقول في الرد بالعيب ثبت وإن أمكن الاستعلام قبل العقد.
فرع آخر
لو باعه مع العلم بفلسه قبل الحجر. قال أصحابنا: فيه وجهان:
أحدهما: له أن يفسخ لأنه قد رضي قبل وقت الفسخ، كما لو رضيت بزوج معسر المطالبة بالفسخ لعجز النفقة.
والثاني: ليس له الفسخ، لأنه عالم بعيبه وهو خراب ذمته، فصار كما لو اشترى معيبًا مع العلم بعيبه.
مسألة:
قَالَ: "وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفْتِينَ إِلَى أَن? دُيُونَ المُفْلِسِ إِلَى أَجَلٍ تَحِل حُلُولَهَا عَلَى المَيًتِ".
الفصل:
صورة المسألة أن يكون على المفلس ديون حالة [ق ٣٢٦ ب] وديون مؤجلة، وسأل أصحاب الديون الحالة الحجر عليه فحجر عليه الحاكم، هل تحل الديون المؤجلة؟ فيه قولان:
стр. 2576
أحدهما: تحل عليه, وبه قال مالك؛ لأنه حديث حالة تعلقت حقوق الغرماء بأعيان ماله فوجب أن تحل الديون المؤجلة كما لو مت.
والثاني: لا تحل عليه - وهو الأصح- وبه قال أبو حنيفة, واختاره لأنه معنى لا يقطع تصرفه في ذمته فلا يجب حلول الدين المؤجل كنفس الإفلاس قبل الحجر.
والفرق بينه وبين الموت, أن الرجل إذا مات بطلت ذمته ولا يملك بعد الموت شيئًا, والمحجور عليه ذ ذمة والأجل محل الذمة فلا يسقط ما لم تخرب وخرابها بالموت.
فإن قلنا: لا تحل قسم ماله بين الغرماء الذين ديونهم حالة, فإن كانت أعيان ماله لأصحاب الديون المؤجلة هل تباع في حق أصحاب الديون الحالة؟
المنصوص أنها تباع في حقهم, لأنه مال من أموال المفلس كسائر أمواله, ومن أصحابنا من قال: لا تباع في حقهم, وأشار إليه الشافعي في "الإملاء" وشبه بالرهن في يديه حتى يحل الحق فيطالبه بالثمن أو يرجع فيه ويعاد الحجر عليه لأجلهم إن طلبوا ولا القياس, وإذا قلنا تحل عليه الديون المؤجلة [ق ٣٢٧ أ] صارت كلها حالة, فمن كان له عين ماله فله الرجوع فيه, ومن لم يكن له عين مال ضارب الغرماء بالثمن, وهذا هو المذهب؛ لأن الشافعي شبهه بالميت على هذا القول فكان حكمها سواء.
وقال أبو إسحق وابن أبي هريرة: إن كان دينه في ذمته ضرب مع الغرماء بحصته, وإن كان مبيعًا في يديه يعزل من جملة ماله إلى أن ينقضي الأجل ولا يدفع إليه في الحال, ثم ينظر فإن كان المشتري أفاد مالًا قبض منه ثمنه, وإن لم يفد مالًا كان أحق بعين ماله.
وقال صاحب "الإفصاح": العين والدين سواء في هذا, وهو أن يعزله من ماله ولا يدفع إليه شيئًا إلا بعد حلول الأجل.
ومعنى قولنا: "تحل ديونه" أي يضارب الغرماء, فأما القبض فلا يجوز إلا بعد مضي أجله, وهذا كله تخليط, وليس للشافعي في التفريع على هذا القول نص, والذي يقتضيه مذهبه كما ذكرنا.
وإن قال قائل: قال الشافعي في "الإملاء": ولا يفسخ البيع حتى يحل أجله مفلسًا, لأنه يمكن أن يؤسر قبل الأجل, قال أبو إسحاق في "الشرح": هذا على القولين جميعًا.
قلنا: هذا الفول الذي يقول يحل الدين وعلى هذا حمله المزني في "المختصر" فبطل ما قاله أبو إسحاق وصاحب "الإفصاح" وهذا لأن الدين إذا حل لا معنى للحبس على الأول.
وإن كانت الديون كلها [ق ٣٢٧ ب] مؤجلة لا يختلف المذهب أن الحاكم لا يحجر عليه سواء ظهرت أمارات الفلس أو لم تظهر؛ لأنه لا مطالبة لهم في الحال, ولا يصح الحجر إلا بمطالبة الغريم.
فرع
إذا مات وله ديون مؤجلة قد ذكرنا أن الأجل يسقط, وبه قال عامة الفقهاء, وقال
стр. 2577
ابن أبي ليلى: يبقى الأجل ولا يحل بموته, وروي ذلك عن الزهري, وعمرو بن دينا, وهذا غلطا لما روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا مات الرجل وله دين إلى أجل وعليه دين إلى أجل فالذي عليه حال, والذي له إلى أجله" ولأن في تبقية الأجل إضرارًا بالميت فإن ذمته مرتهنة بدينه, ولا تنتفع به الورثة أيضًا؛ لأنهم لا يقدرون أن يتصرفوا في الأعيان لتعلق الدين بها فلا وجه لبقاء الأجل.
مسألة:
قال: "ولو جني عليه عمدًا".
الفصل:
إذا جني على مفلس لا يخلو إما تكون الجناية عمدًا أو خطأ, فإن كانت خطأ أو عمدًا يوجب المال لم يصح عفوه عليه؛ لأن ذلك تبرع منه وإن كانت عمدًا يوجب القصاص فإذا قلنا: موجب العمد القصاص فقط والمال إنما يجب بالعفو على ماله كان له أخذ القصاص وله العفو على غير مال؛ لأن المال لا يجب إلا بالاختيار ولا يلزمه اختيار المال [ق ٣٢٨ أ] وليس للغرماء منعه من ذلك. وإن قلنا: موجبة أحد شيئين إما القصاص وإما الدية فعفا عن القصاص ثبت على هذا القول فلا يصح عفوه على مال ثابتٍ.
مسألة:
قال: " وليس على المفلس أن يؤاجر".
إذا فرق ماله على الغرماء ولم يبق شيء يفك الحجر عنه وليس للغرماء ملازمته وبقولنا قال مالك, وهذا لا عن من ليس له مطالبته ليس له ملازمته, كما لو كان الدين مؤجلًا.
واحتج بما روى ﷺ أنه قال: "لصاحب الحق اليد واللسان" وقلنا: نحمله على الموسر بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه, فقال رسول الله ﷺ : "خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك".
وقيل: بماذا ينفك حجره؟ وجهان:
أحدهما: بقيام البينة بإعساره مع يمينه, ولا يفتقر إلى فك الحاكم, وهو اختيار أبي إسحاق.
стр. 2578
والثاني: لا ينفك إلا بحكم الحاكم؛ لأنه ثبت بحكمه فلا يزول إلا بحكمه وهذان الوجهان مبينان على أن حجره كحجر المرهون, أو كحجر السفيه, وإن كان مكتسبًا لا يجبره على أو يؤاجر نفسه لتؤخذ أجرته وتصرف إلى غرمائه [ق ٣٢٨ ب] كما لا يجبر على خلع زوجته على مال أو على قبول الهبات.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز, ومالك, وعبيد الله العنبري, وأحمد إسحاق: يجبر على أن يؤاجر نفسه وتقضي من أجرته باقي ديونه.
وروي عن مالك أنه قال: هذا فيمن عادته أن يؤاجر نفسه, واحتجوا بما روي أن النبي ﷺ باع سرقًا في دينه وكان رجلًا دخل المدينة وذكر أن وراءه مالًا فداينه الناس فركبته ديون ولم يكن له مال, فأتى النبي ﷺ فسماه سرقًا وباعه بخمسة أبعرة.
ومعناه باع منافعه وآجره, فإن بيع الحر لا يجوز, وهذا غلط لما ذكرنا من خبر أبي سعيد الخدري.
واحتج الشافعي فقال: "وذو العسرة ينظر إلى ميسرة".
ويشير به إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ ولأنه إذا أعتق شركًا له في عبد لم يجب أن يؤاجر نفسه ليقوم عليه الباقي كذلك ها هنا, ولأنه مكتسب للمال فلا يجبر عليه, وأما خبرهم قلنا: منسوخ بالإجماع؛ لأن البيع وقع على رقبته, ولهذا قال غرماؤه للذي يشتريه: ما تصنع به؟ فقال: أعتقه فقالوا: لسنا بأزهد منك في إعتاقه فأعتقوه.
مسألة:
قال: "ويترك له من ماله قدر ما لا غنى به عنه".
الفصل:
الحاكم إذا أراد قسمة ماله [ق ٣٢٩ أ] بين غرمائه لا يجوز أن يستلب جميع ماله حتى لا يبقى شيئًا؛ لأن له من ماله حقًا كما أن للغرماء فيه حقًا فينفق عليه وعلى من يلزمه نفقته من ماله من يوم الحجر إلى أن يباع عليه ماله ويقسم بين غرمائه. وكذلك اليوم الذي يقسم فيه ماله لأنه كان غنيًا في أول هذا اليوم فوجب أن ينفق عليهم, وفقرة لا يتحقق قبل قسمة ماله ويكون مقدمًا على حقوق الغرماء, وكذلك كسوته وكسوة من تلزمه كسوته, والكسوة أقل ما يكفيه في الصيف والشتاء, فأما في الصيف فقميص وسراويل ونعل.
قال الشافعي: "وعمامة" يريد بها المنديل, وإن كان له عادة بالإزار فيها إزار,
стр. 2579
وكذلك الطيلسان أو الرداء إن كانت عادته.
وأما في الشتاء يضم إليها جبة ويكون بدل النعل خفًا وشمكًا, وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يستبقي لأقاربه من ماله في يومهم وليلتهم النفقة, وإنما يستبقي لأهله لأن نفقة الأقارب لا تلزم الفقراء وإنما تلزم الأغنياء, وقالوا: نفقته في هذه الأيام نفقة المعسرين, لأنه ليس من جملة الموسرين, وهذا أقيس ولكنه خلاف المذهب المشهور, وهذا لأن النبي ﷺ قال: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وملكة قبل القسمة باق على ما كان [ق ٣٢٩ ب] وهذا إذا لم يكن له صنعة يكتسب بها, فإن كانت له صنعة يمكنه أن يكتسب بها فنفقته ونفقة من تلزمه نفقته من كسبه, ولا ينفق عليهم من ماله؛ لأن حقوق الغرماء تعلقت به.
ولا وجه للإنفاق من المال ورد الكسب في المال, وإن لم يف كسبه بنفقتهم أكملت من ماله, فإن فضل منه شيء رد الفضل إلى ماله وقسم على غرمائه.
قال الشافعي: "وإن كانت ثيابه كلها عوالي مجاوزة القدر اشترى له من ثمنها أقل ما يلبس" من هو في مثل حالة التعفف لا حالة التجمل وقضاء حقوق الناس به أولى من استحسان الملابس, ولا يقتصر على قميص واحد بحال بل يشتري منه دست ثوب يليق به. وإذا كان الرجل متجملًا يلبس فوق القميص ذراعه يشتري له ذلك, وإن كان يلبس دون ما يليق بحالة لم يزد على ما اعتاد لبسه إذ حاله الآن ليست بأحسن مما كان من قبل.
مسألة:
قال: "وإن مات كفن رأس ماله".
الفصل:
إذا مات المفلس كفن من ماله؛ لأن نفقته كانت واجبه في ماله حال حياته فوجب تجهيزه منها بعد وفاته, وكذلك إذا مات واحد ممن يلزمه نفقته في حياته من أقاربه, وفي كفن زوجته وجهان, واختار أبو حامد أنه في ماله أيضًا.
ثم قال أكثر أصحابنا: يكفن في ثلاثة أثواب [ق ٣٣٠ أ] كما كان يلبس في حياته.
وقال أبو إسحاق: يكفن في ثوب واحد يستر عورته ويخالف حال الحياة لأنه لابد له من تغطية رأسه؛ لأن كشفه يؤذيه بخلاف الميت, وقيل عن أبي إسحاق: يكفن في لفافةٍ واحدةٍ بجميع بدنه؛ لأن هذا أقل ما يكفي الحد ثلاثة أثواب, وهذا اختيار جماعةٍ من أصحابنا, وعلى هذا إذا ماتت المرأة مفلسة يجب أن تكفن في لفافةٍ واحدةٍ فإن فيها كفاية لها.
مسألة:
قال: "ويباع عليه مسكنه (وخادمه) "
стр. 2580
الفصل:
إذا كان له مسكن وخادم يحتاج إليهما يباعان في دين الآدميين, لأنه يمكنه أن يسكن ويستخدم بكرًا, ولو وجبت عليه الكفارة لا يلزمه بيع مسكنه, وكذلك إذا كانت له رقبة تحتاج إليها للخدمة لا يلزمه إعتاقها وينتقل إلى الصوم, والفرق من وجهين:
أحدهما: أن حقوق الآدميين مبنية على التشديد والتغليظ, وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والتسهيل.
والثاني: أن للرقبة بدلًا من الصوم ينتقل إليه وليس لحقوق الآدميين بدل فلا يمكن استيفاؤه إلا من مسكنه وخادمه.
ويجوز أخذ الصدقات مع وجودها؛ لأن الصدقة تؤخذ بالحاجة وهو محتاج والدين يجب قضاؤه مما في يده مع حاجته إليه فافترقا.
وقال [ق ٣٣٠ ب] أحمد وإسحاق: لا يباع مسكنه ولا خادمه فيه, وروي عن ذلك عن عمر بن عبد العزيز.
فإن قيل: لم قال الشافعي: إذا بيعت ثيابه الغوالي اشترى له من ثمنها, وللحاكم أن يشتري من غير ثمنها, وجميع مال المفلس في هذا سواء, قيل: يحتمل أن يكون هذا توسعًا في الكلام من غير أن تتعلق فائدة بهذا التقييد ويجوز أن يقال: إنما يلبس الرجل من ماله أطيبه نظرًا لنفسه واحتياطه لدينه, فلعل له غرضًا في صرف ثمن ما يلبسه إلى ما يشتري ليلبس.
فرع
إذا كان للمفلس أم ولدٍ فإنها تؤاجر في الدين لأنها في حكم ملكة ذكره القاضي الطبري وجماعة, ومن أصحابنا من قال: لا تؤاجر كما لا يلزم إجارة نفسه, والمذهب الأول.
فرع آخر
لو كانت مفلسة لا زوج لها, وهي تخطب بمهرٍ عظيم لم يجب عليها أن تتزوج لحق الغرماء بلا خلاف.
فرع آخر
جميع ما ملكه في حال الحجر بإتباع واصطياد, أو قبول هبة, أو وصية يصير داخلًا تحت الحجر كأنه موجودًا وقت الحجر.
مسألة:
قال: "وإن أقام شاهدًا على رجل بحق".
стр. 2581
الفصل:
إذا أقام المفلس شاهدًا على رجل كان له أن يحلف معه, فإن أبى أن يحلف فهل للغرماء أن يحلفوا؟ قولان:
قال في "القديم": يحلفوا بالله الذي يحلفوا بالله الذي لا إله إلا هو أن هذا يستحق على فلان كذا وكذا فيحلف كل [ق ٣٣١ أ] واحد منهم.
وقال في "الجديد": لا يحلفون وهو الأصح؛ لأنه إثبات المال للغير بيمين الغير وذلك لا يجوز.
وعلى هذا إذا لم يكن معه شاهد فنكل المدعى عليه عن اليمين ورددنا اليمين على المدعي المفلس فلم يحلف هل يحلف الغرماء؟ قولان ومن أصحابنا من قال: ها هنا قول واحد لا يحلفون, وإنما القولان في غرماء الميت إذا أقام الوارث شاهدًا واحدًا بدين الميت ولم يحلف مع شاهده هل يحلف الغرماء؟ قولان؛ لأن الوارث يحلف على ظاهر علمه بموت مورثه وقد يدخله شك في ذلك, ويكون الغرماء أعلم بالأمر منه, وفي الحي هو أعلم بالأمر نفسه من غرمائه فنكوله يمنع أن يكون ظاهر الحال معه فلا يجوز أن يحلف الغرماء.
فرع
لو أقام المكاتب شاهدًا واحدًا ولم يحلف لم يجز للورثة أن يحلفوا معه, فأما الورثة بعد الورث يحلفون لأنهم يثبتوه ملك أنفسهم والغرماء يثبتون ملك المفلس.
باب العهدة في مال المفلس
مسألة:
قال: "ومن بيع عليه في دين بعد موته أو في حياته بفلسٍ فكله سواء".
الفصل:
إذا باع الحاكم مال المفلس ووضع عنه على يد عدل, أو باع العدل بأمره أو باع ولي اليتيم ماله فتلف الثمن في أيديهم [ق ٣٣١ ب] بلا تفريط فلا ضمان على واحد منهم, وكان تلفه من مال من بيع عليه على ما ذكر, ولو استحق المبيع من يد المشري فعهدة المشتري على المفلس الذي بيع عليه خلافًا لأبي حنيفة.
وقد ذكرنا هذه المسألة في "كتاب الرهن" وهل يقدم المشتري بعهدة الثمن على سائر الغرماء؟ قد ذكرنا قولين والأصح أنه يقدم قولًا واحدًا, وقول الشافعي:
"يُقال للمشتري: أنت غريم المفلس كغرماء سواء".
أراد انتظار ظهور المال لا في المضاربة عند الوجود, وقيل: إنه على اختلاف
стр. 2582
حالين فالذي قال: يقدم إذا ظهر الدرك قبل قيمة المال والذي قال: يكون أسوة الغرماء إذا ظهر الدرك بعد القسمة فيكون أسوة الغرماء في الحجر الثاني أو هذا ضعيف.
باب حبس المفلس
مسألة:
قال: "إذا ثبت عليه الدين بيع ما ظهر له".
الفصل:
وهذا كما قال إذا كان عليه دين لا يخلو إما أن يكون في يده مال ظاهر أو لا, فإن كان في يده مال ظاهر وجب عليه بيعه وقضاء دين منه, فإن امتنع فالحاكم بالخيار بين أن يعزره على ذلك ويحبسه إلى أن يبيعه, وبين أن يتولى الحاكم بيعه ويؤدي ديونه. والأصل في هذا قوله ﷺ : "مال الغني ظلم" وقال أيضًا: "لي الواجد ظلم [ق ٣٣٢ أ] يحل عرضه وعقوبته". واللي: المطل, وعرضه أن يقال له: يا ظالم يا معتدي, والعقوبة والتعزير والحبس, فإذا لم يكن له مال ظاهر وادعى أنه معسر لا مال له وأظهر مالًا لا يفي بديونه, وادعى أنه لا يملك غيره, فإنه صدقة الغرماء لا يخلو الدين ثبت عليه من أحد أمرين؛ إما أن يكون بعوض أو بغير عوض, فإن كان بعوض حصل له مثل القرض والبيع لا يقبل قوله على تلف ما حصل عنده إلا ببينه, فإن أقام البينة نظر, فإن كان أقامها على هلاك العوض الذي حصل له قبل منه شاهدان عادلان سواء كانا يعلمان باطن أمره أو لا يعلمان, وليس عليه أن يحلف ها هنا مع الشاهدين؛ لأنه تكذيب للشهود وأن إقامة البينة على إعدامه لا تقبل هذه الشهادة إلا من شاهدين عدلين يخبران باطن أمره, مثل أن يكونا شريكين له أو مجاورين لسكنه أو متجره, أو مختلطين به, وقال مالك ﵀: لا تسمع البينة على الإعسار لأنها شهادة النفي, وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ قال لقبيصة بن مخارق: "المسألة حرمت إلا في إحدى ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها [ق ٣٣٢ ب] ثم يمسك, ورجل أصابته جائحة حتى شهد, أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن به جائحة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش أو قوامًا من عيش".
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن هذه الشهادة تتضمن إثبات حال نتوصل إلى معرفته ظاهرًا ويقف عليه الشهود, ويغلب على الظنون صدق الشهود, فهو كما لو شهدوا أن فلانًا وارث
стр. 2583
فلان ولا وارث له سواه تسمع إذا كانوا من أهل الخبرة الباطنة, وإن كان على النفي.
فإذا تقرر هذا, فادعى الغريم أن له مالًا باطنًا يخفي على الشاهدين يحلف مع الشاهدين لجواز أن يكون له مال في الباطن قد خفي عليهما, ثم هذه اليمين هل تجب أم تسحب؟ قال في "القديم" وحرملة: تستحب, وقال في "الأم" ونقله المزني: أنها واجبة فالمسألة على قولين:
أحدهما: واجب لما ذكرنا ولا يؤدي إلى تكذيب الشهود.
والثاني: مستحبة لأن فيه طعنًا على البينة إذ شهدت بأنه لا مال له فصار كما لو شهدوا على إقرار رجل بشيء, فقال المشهود عليه: حلفوه أني أقررت له "يحلف, والأول أولى لأنه لو كان فيها طعن على الشهود لما استحب التحليف أيضًا كما في مسألة الإقرار, وقال أبو حنيفة: لا يحلف أصلًا, وقال بعض أصحابنا [ق ٣٣٣ أ] بخراسان: يشترط ها هنا ثلاثة شهود على الإعسار ولا يكفي اثنان, ولعل هذا القائل قال: هذا من قوله ﷺ في خبر قبيصة "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجة من قومه" وهذا غلط لأن مراد النبي ﷺ استفاضة حاله بقولهم لا على طريق الشهادة حتى لو استفاض ذلك بقول واحد أو بقول نسوة أو عبيد يكفي في جواز دفع الصدقة, وإن لم تقم البينة وقال: إن غريمي يعلم هلاك مالي أو يعلم إعساري وإنه لا مال حلف الغريم على العلم بالله الذي لا إله إلا هو أنه لا يعلم إعدامه وهلاكه, فإذا حلف حبس نظرًا للغريم في حبسه ولا غاية لحبسه أكثر من الكشف, فإذا عرف بعد ذلك حاله في الإعسار حرم تطويل حبسه؛ لأن المقصود ماله لا تعذيبه, وقال أبو حنيفة ﵀ في رواية: الأصول لا تسمع بينة الإعسار في الحال بل يحبس شهرين, ثم تسمع البينة على إعساره.
وروي عنه رواية شاذة يحبس أربعة أشهر, رواه الحسن بن زياد, وروى محمد عنه ستة أشهر.
وقال الطحاوي: يحبس شهرًا, وروي عنه يحبس ثلاثة أشهر, وربما يقولون: ليس له غاية فيحبس قدرًا يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال [ق ٣٣٣ ب] لظهر بما لحقه من الضجر بالحبس, ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس, فمنهم من يضجر بمدة يسيرة, ومنهم من لا يضجر إلا بمدة طويلة, وربما يقولون بحبسه حتى يختبر الحاكم حاله, فإن أمكنه ذلك في مدة يسيرة فعل, وإن لم يمكنه ذلك لكثرة أسبابه إلا في مدة طويلة فعل, ثم قال أبو حنيفة بعد هذا كله لا يتحقق الفلس بحال, واحتج عليه الشافعي رحمة الله عليه - بقوله تعالى ﴿وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فلو كانت العسرة لم تتحقق لما أفاد الأمر في هذه الآية فائدة, والدليل على بطلان ما ذكره من المدة أن كل سنة جاز سماعها في الحال كسائر البينات, وإن كان الدين ثبت عليه بما لا عوض له من إتلاف أو صداق امرأة أو كفالة, ونحو ذلك لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون قد عرف له مال أو لا؛ فإن عرف له مال فالحكم فيه على ما مضى لأن الظاهر
стр. 2584
بقاء ماله, وإن لم يعرف ذلك فالأصل الفقر فيكون القول قوله وعلى الغرماء البينة, وهذا لما روي أن النبي ﷺ قال: حبة وسواء ابني خالد: لا يتأسى من رزق الله تعالى ما اهتزت رؤوسكما فإن ابن آدم يخلق ليس عليه إلا قشرتاه ثم يرزقه الله ".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه [ق ٣٣٤ أ]:
أحدهما: لابد من البينة على إعدامه بكل حال.
والثاني: إن لزمه الدين باختياره بالضمان أو النكاح يلزمه إقامة البينة على إعدامه لأنه لا يختار التزامه إلا أن يكون له مال, وإن كان لزمه لا باختياره مثل تلف مال رجل على يده على وجه يكون من ضمانة تكفي يمينه على الإعدام ولا يحتاج إلى البينة.
والثالث: ما ذكره وهو اختيار ابن سريج ﵀ وعامة أصحابنا, وبه قال أبو حنيفة ﵀ وقال ابن أبي أحمد في أدب القاضي: سمعت ابن سريج يقول على مذهب الشافعي -رحمة الله عليه-: كل حق وجب عليه صداقًا كان أو ضمانًا لا يقبل قوله: إني معسر إلا بشاهدين عدلين واليمين معه, إلا العاقلة إذا ادعى العدم في دية الخطأ يقبل قولهم مع اليمين, وهذا هو الوجه الثاني الذي ذكرنا.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز, والليث: أنهما لا يجوزان حبس أحد في دين. وقال مالك لا يحبس لبعضهم إذا أطلعه الباقون حتى يجتمعوا على حبسه, وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع
قال بعض العلماء: تجب نفقته في مدة حبسه على غرمائه, وبه قال بعض أصحابنا ذكره في "الحاوي" وهذا قول باطل؛ لأنه حبس ليتوصلوا إلى حقوقهم, وفي النفقة زيادة إضرار بهم [ق ٣٣٤ ب].
فرع آخر
لو كان حرفة يعملها في حبسه هل يمنع؟ وجهان, والأصح أنه لا يمنع لأنه بكسبه يفضي إلى قضاء دينه.
فرع آخر:
لا يلزم إخراجه إلى الجمعة والجماعات, ولا يلزمه الاستئذان للخروج إلى الجمعة إذا علم بشاهد الحال لو أنه استأذن لم يؤذن له.
وقال بعض الفقهاء: يلزمه الاستئذان في كل, ثم إن منعه امتنع لأن ابن سيرين ﵀ حبس في ثمن زيت كان عليه فكان يغتسل في كل جمعة ويلبس ثيابه ويستأذن فإذا منعه السجان رجع.
стр. 2585
فرع آخر
لو مات فمنع الغرماء من دفنه عزورًا.
فرع آخر:
لو ادعى رجل على المحبوس حقًا جاز للحاكم إحضاره من حبسه لاستماع الدعوى عليه, وقال مالك: لا يجوز ذلك, وهذا غلط لأنه يمكن أن يستوفي في حق الثاني من دعواه ويرد إلى حق الأول في حبسه, ولو كان كما قال مالك لكان الحبس نافعًا في دفع الدعاوى عنه.
فرع آخر:
لو هرب المحبوس لم يجب على الحاكم طلبه وكان للخصم أن يطلبه, فإن وجده في موضع وتعذر عليه إحضاره لزم الحاكم إحضاره إذا سأله الخصم, ثم سأله عن سبب هربه, فإن قال: هربت لإعساري لم يعزره لأنه شبهة, وإن لم يكن عذر عذره.
فرع آخر
لا يمنع المحبوس من التطلع إلى الطريق [ق ٣٣٥ أ] من كوة ولا محادثة من يزوره.
فرع آخر:
لو وجب الحبس على امرأة حبست عند نساء ثقات أو عند ذي رحم محرم ومنع الزوج منها.
إذا حبس المفلس لغرمائه لعدم البينة بعسرته استكشف الحاكم عن أمره, ولم يجز التغافل.
وقال مالك: لا يجوز أن يتولى الكشف عن حالة, لأن ذلك ميل وإسقاط الحق ويجب عليه الإعراض عنه حتى يقيم البينة بعسرته, وهذا غلط لأنه كما يلزمه ترك الميل يلزمه رفع الظلم وحبسه إن كان معسرًا ظلم, ولا يقدر على إقامة البينة لكونه محبوسًا فيلزم الحاكم التمكن حتى يتخلص من الظلم.
فرع آخر
إذا قسم الحاكم ما وجد من ماله بين غرمائه يزول الجحر عنه على الصحيح من المذهب, وهو اختيار أبي إسحاق على ما ذكرنا, ولا يحتاج إلى حكم الحاكم في رفع الحجر, لأن الشافعي قال:
"وإذا أفاد ما لا فجائز ما صنع فيه حتى يحدث له السلطان حجرًا آخر".
стр. 2586
وفرق الشافعي بين المبذور وبين المفلس بلفظ موجز, فقال:
"لأن الوقف الأول لم يكن له لأنه غير رشيد".
يعني أن وقف مال المفلس لم يكن لعدم رشده فصح عقده بعد قسمة ماله من غير أمر الحاكم. بخلاف حجر السفيه, وقيل: المحجور عليهم أربعة, المحجور عليه لسفهٍ [ق ٣٢٥ ب] لا يزول الحجر عنه إذا صار رشيدًا إلا بالحاكم, والثاني: المحجور عليه بالجنون متى زال الجنون زال الحجر بغير الحاكم, والثالث: المحجور عليه للفلس, وقد ذكرنا.
والرابع: المحجور عليه لصغره, إذا بلغ ورشد هل يزول الحجر عنه بغير من له الولاية عليه من أب أو حاكم؟ وجهان, وقيل: إنهم ستة, والخامس: المريض يصير محجوزًا عليه فيما زاد على الثلث من غير الحاكم, وإذا زال المرض زال الحجر من غير الحاكم, والسادس: المرتد هل يصير محجورًا عليه بنفس الردة؟ قولان: حكاهما أبو حامد في "الجامع":
أحدهما: يصير محجورًا لتعلق حق المسلمين بماله فأشبه حجر المريض لتعلق حق الورثة بماله.
والثاني: لا يصير محجورًا إلا بالحاكم كحجر السفيه, لأنه حجرًا وجبه فعل المعصية والسفه إذا أسلم زال الحجر بلا خلاف.
مسألة:
قال: "فإن شهدوا أنهم رأوا في يديه مالا سألته".
الفصل:
وهذا كما قال, إذا ادعى الغرماء أنه أفاد مالًا بعد فك الحجر عنه لم يخل من ثلاثة أحوال, إما أن ينكر, أو يعترف به لنفسه, أو يعترف به لغيره, فإن أنكر فالقول قوله؛ لأن الحاكم الحجر عنه حتى يثبت إعساره عنده فكان الأصل الإعسار حتى يعرف المال, وإن قال: ملكت مالًا ملكوا ........... مطالبته بالدين [ق ٣٣٦ أ] فإن سألوا أن يعيد الحجر عليه نظر, فإن كان ما معه أكثر مما عليه لم يحجر عليه, وإن كان دون ذلك حجر عليه, ثم غرماء الحجر الأول والغرماء الذين تجددوا بعده في الضرب بعد الحجر الثاني سواء.
وقال مالك ﵀: يختص به الغرماء المتأخرون لأنه استفاد من جهتهم, وهذا غلط؛ لأن حقهم كلهم في ذمته حال الحجر, فكانوا سواء وما ذكروه لا يعلم حقيقة, ثم مهر الزوجة وسائر الديون سواء, وإن لم يحصل له منها مال, وإن أقر الإنسان, وقال: هذا مضاربة لفلان أو وديعة, فإن كان المقر له حاضرًا سألناه, فإن قال كذب مالي قبله حق حكمنا بالمال للمفلس وكان للغرماء المطالبة بالدين.
стр. 2587
وإن قال: صدق في ذلك سلمناه إليه وليس للغرماء أخذه ولا لهم تحليفه, لأنه أقر به للحاضر ولا فائدة لعرض اليمين عليه, ولو رجع لا يقبل رجوعه.
ومن أصحابنا من قال: يحلف المفلس لأنه يحتمل أنه كاذب في إقراره, فإن نكل عن اليمين حبس حتى يسلم المال أو يحلف, وهذا ضعيف, والأول أصح وبه قال أبو حنيفة وجماعة, وإن كان المقر له غائبًا فالقول قوله مع يمينه ولم يحبس, وإن نكل عن اليمين, قال أبو إسحاق: قال الشافعي: "حبس" قال أبو إسحاق: إنما حبسه [ق ٣٣٦ ب] لأن الظاهر أن الذي في يده له فحبسه لذلك لا لأجل النكول, وإنما حبسه إلى أن يقدم الغائب ويستكشف أمره, ويخالف هذا إذا أقر به لحاضر فصدقه لأنه لا معنى لعرض اليمين عليه مع إقراره ولا يحلف فيه, وإن طلبوا يمين المقر له؟
قال أصحابنا: يحلف لأنه لو كذب المقر له ثبت المال لهم, فإن صدقه حلف فإن قال قائل: لم قال الشافعي: "فمتى استقر عند الحاكم ما وصفت لم يكن له حبسه ولا يغفل المسألة عنه".
أي يداوم على المسألة والبحث والقاضي ممنوع عن تجسيس الخصومات والمسألة عنها من غير استدعاء, قلنا: أراد استدعاه الغرماء استئناف المسألة وتجديدها وإلا فلا يكون له التعرض والتجسس.
مسألة:
قال: "وإذا أراد الذي عليه الدين إلى أجل السفر".
الفصل:
وهذا كما قال: إذا كان عليه دين فأراد السفر لا يخلو الدين من أحد أمرين: إما أن يكون حالًا أو مؤجلًا, فإن كان حالًا لصاحب الدين منعه حتى يقضي دينه, وإن كان مؤجلًا ليس له منعه سواء كانت مدة السفر أبعد من أجل الدين أو أقرب منه, وليس له مطالبته بوثيقة من رهن أو كفيل.
وحكي أصحابنا عن مالك أن له منعه حتى يقيم كفيلًا بالحق؛ لأن عليه ضررًا في آخر حقه, وهذا [ق ٣٣٧ أ] غلط؛ لأن صاحب الدين المؤجل كالأجنبي لأنه لا يملك مطالبته بوجه والأجنبي لا يمنعه من السفر كذلك هذا, وأما الضرر فإنما لحقه بتأجيله الحق ورضاه بغير كفيل فلم يكن له تداركه بعد ذلك, وهذا إذا كان الغالب من سفره السلامة, فأما إذا كان مخوفًا كسفر الجهاد والسفر في البحر الذي يكون الغالب منه التلف.
اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: لا فرق وهو المذهب؛ لأن الأصل السلامة وقد قال الشافعي رحمة الله عليه؛ لأنه ترك التحفظ حين وجوب الدين له وهو عام في كل سفر.
стр. 2588
والثاني: له منعه إلا بكفيل ورهن لأن الظاهر منه التلف فيستضر الغريم بتلف حقه, ولهذا قال الشافعي في "كتاب السيرة": "ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين" ولم يفصل بين الحال والمؤجل.
فرع
لو أفلس رجل وكان قد وهب هبة لمن دونه لا يلزم الثواب قولًا واحدًا, وإن كان وهبها لنظيره أو أعلى منه فيه قولان:
أحدهما: يقتضي الثواب.
والثاني: لا يقتضي الثواب.
فإذا قلنا: يقتضي الثواب ففي الثواب ثلاثة أوجه:
أحدهما: قدر قيمة الهبة.
والثاني: ما جرت العادة به, والثالث: ما يرضي الواهب, فإذا قلنا بالأول والثاني: لا يجوز له أن يقبل أقل منه
فإذا قلنا [ق ٣٣٧ ب]: بالثالث لو رضي الواهب المفلس بدانق في مقابلة ألف لم يكن للغرماء الاعتراض عليه نص عليه في "الأم".
فرع آخر
لو تصرف الوارث في التركة قبل قضاء الدين فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح لأنه مال تعلق به دين فلا يصح التصرف فيه من غير رضا من له الحق كالرهن.
والثاني: يصح لأنه حق تعلق بالمال بغير رضا المالك ولا يمنع التصرف كمال المريض فعلى هذا إن قضاء الوارث الدين فإن لم يقض فسخنا.
فرع آخر
لو باع عبدًا ومات وتصرف الورثة في التركة, ثم وجد المشتري بالعبد عيبًا فرده أو وقع في بئر كان حفرها في حياته ظلمًا بهيمة فلزمه ضمانها ففي تصرف الورثة وجهان:
أحدهما: يصح لأنهم تصرفوا في مالٍ لهم لا يتعلق به حق أحد.
والثاني: يبطل لأنا بينا أنهم تصرفوا والدين متعلق بالتركة.
فرع آخر
قال والدي ﵀: إذا ادعى واحد من الغرماء عن المفلس مالًا على رجل بغير إذنه وأراد إثباته بالبينة مع حضور المفلس وامتناعه من الخصومة يحتمل أن يقال له ذلك؛ لأن حق الغريم يتعلق به عند ثبوته ويحتمل أن يقال: لا يجوز له ذلك, لأن المفلس من
стр. 2589
أهل الدعوى, فلا تصح الدعوى عنه من غير إذنه كغير المفلس, ولأن الأصل لتعلق حق الغريم [ق ٣٣٨ أ] بالمال ثبوت الملك للمفلس, وهذا الأصل لا يثبت لأن المفلس لا يدعبه بل يجحده فكيف يصح إثبات ما هو فرع له؟ وأصل هذين الاحتمالين إذا أقام المفلس شاهدًا واحدًا على ما ادعاه ولم يحلف معه هل للغريم أن يحلف معه؟ فيه قولان.
فرع آخر
إذا أقر رجل للمفلس بمال فكذبه المفلس هل يسقط الإقرار؟ يحتمل أن يقال: يسقط؛ لأن المقر له كذبه وليس هذا كإتلاف في المال؛ لأن المال لم يثبت له فإن صحة الإقرار محتاجة إلى التصديق, ويحتمل أن يقال: صحة الرد مبينة على جواز إقرار المفلس بعين ماله لرجل, وفيه قولان, وهذا لأن صحة الإقرار لا تفتقر إلى القبول, ألا ترى أنه لو أقر بمال لمجنون صح, وصار ذلك مالًا من أمواله, وإن لم يحصل من جهته التصديق والقبول بوجه.
فرع آخر
إذا كان له دين على ممتنع وللممتنع دين فأراد استيفاء حقه من الدين الذي عليه وهما جنسان ويغلب على ظنه أنه إن دفع ما عليه إلى الممتنع لم يتمكن من استرجاعه بوجه كيف يستوفي ذلك؟
قال والدي رحمة الله: الأظهر عندي أنه يشتري شيئًا بما عليه من الدين من غير إذن الحاكم في أحد قولين, وفي القول الثاني يدفع ما عليه إلى الحاكم أو أمينة بإذنه, ثم يستوفيه [ق ٣٣٨ ب] بدينه على معنى استيفاء من ثمنه ببيع يقع بإذنه, وهذا لأنه وجد عين مال الممتنع من غير جنس حقه, هل يبيعه بنفسه أو لا بد من الحاكم؟ قولان, وبيع ما في ذمته لا يتصور إلا بشراء مال به وهو حقيقة البيع أيضًا؛ لأن المبايعين كل واحد منهما بائع ومشترى على التحقيق, فإذا صح هذا فإن أمكنه شراء جنس من حقه فعله, وإن لم يمك اشترى غير جنس حقه, ثم يصرفه في جنس حقه, ثم استوفاه بحقه, وهذا إذا كان الدين الذي عليه مما يجوز بيعه قبل القبض كالقرض ونحو, فإن كان مما لا يجوز بيعه كالمسلم فيه فعلى أحد القولين يدفعه إلى الحاكم أو أمينة ثم يباع بإذنه ولا يحتاج إلى الممتنع, وعلى القول الآخر يحتمل أن يقال يعزل من ماله بقدر ما عليه, فإذا فعل ذلك صار كأن اللقطة إذا كان طعامًا رطبًا أكله من ماله قامت هذه القيمة مقام اللقطة حتى تلفت قبل الحول من غير تعدي لا ضمان على الملتقط, ولا يبعد ها هنا أن يعزل من ماله ذلك ويكون للمالك للضرورة, ويؤكد أن الشرع ورد بقبض المال من نقسه لنفسه في حق الأب والجد فلا ينكر للضرورة في هذه [ق ٣٣٩ أ] المسألة تجويز ذلك قياسًا على ما ورد به الشرع.
стр. 2590
كتاب الحجر
قال: قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] الآية.
الفصل: وهذا كما قال: الحجر في اللغة المنع والحظر والتضييق, ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] ويقولون حجرًا محجورًا يعني حرامًا محرمًا, وقال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:٥] أي لذي عقل, وإنما سمي العقل حجرًا, لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما لا يجوز, وسمي حجر البيت حجرًا لأنه يمنع من الطواف فيه, وعلى هذا قولنا محجور عليه, أي ممنوع من التصرف, ومحظور عليه التصرف, والحجر على ضربين:
أحدهما: لحق غيره وهو حجر المفلس والمريض والمكاتب.
والثاني: لحق نفسه وهو حجر صغير والمجنون والسفيه والمقصود بهذا الباب بيان أحكام هؤلاء.
وأما الصبي فالأصل في الحجر عليه قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] فإن أنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم, فدل على أن ماله لا يدفع إليه قبل بلوغه النكاح وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا﴾ [النساء: ٦] معناه: واختبروا وامتحنوا كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] معناه اختبره وامتحنه, وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي مختبركم وقال [ق ٣٣٩ ب] ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] أي مختبركم.
وأما اليتامى: منهم الصغار الذين مات آباؤهم, فأما إذا ماتت الأم وبقي الأب لا يسمى يتيمًا حقيقة, وكذلك إذا مات الأب بعد بلوغه لا يسمى يتيمًا لما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يتم بعد الحلم" وروي: بعد البلوغ.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] أراد به البلوغ فعبر عن البلوغ ببلوغ النكاح؛ لأن الغالب أن شهوة النكاح عند البلوغ وقيل: أراد الاحتلام لأن الاحتلام يتوجه التكيف, وقيل: أراد بالنكاح الجماع, وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦] أي أبصرتم منهم رشدًا أو علمتم, فوضع ذلك موضع العلم كما وضعها موضع الرؤية في قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:٢٩] وقوله: ﴿رشْدًا﴾ [الجن:١٠] قال مجاهد, والشعبي: هو العقل.
стр. 2591
وقال السدي: هو العقل والصلاح في الدين, وقال ابن عباس والحسن ﵃ هو الصلاح في الدين والصلاح في المال, وهو قولنا وقوله: ﴿وَلَا تَاكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أًن يَكْبَرُوا﴾ أي لا تأخذوها إسرافًا على غير ما أباح الله تعالى لكم, وأصل الإسراف تجاوز الحد, وقوله: ﴿وَبِدَارًا أًن يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] يعني بأكل مال اليتيم ويبادر أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله, ثم قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] يعني بمال نفسه عن مال اليتيم, ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦ [] ق ٣٤٠ أ] وقد ذكرنا هذا من قبل واحتج على ذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والسفيه: الفاسق المبذر بماله, ولفظ الشافعي رحمه الله تعالى هو المبذر لماله المفسد في الجهات المحترمة.
وقال مجاهد: هو الجاهل بالصواب فيما له وعليه.
وأما الضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو, نقل المزني ﵀ أنه أراد بهما المغلوب على عقله لأنه لا فرق بين الضعيف وبين الذي لا يستطيع, ومعنى اللفظتين واحد.
وقال في "كتاب الوصايا": الضعيف الصغير والكبير الذي يضعف عن القيام بمصالح ماله, والذي لا يستطيع أن يمل هو المغلوب على عقله, وهذا أصح ما نقله المزني؛ لأن الظاهر من الآية أن الذي لا يستطيع غير الضعيف كما أن الضعيف غير السفيه, وقيل: هو ضعيف الرأي والتدبير من صغر أو كبر وهو قريب مما ذكرنا, وقال مجاهد ﵀: السفيه الجاهل بالصواب فيما له وعليه, والضعيف: الأحمق.
وقال ابن عباس ﵄ الذي لا يستطع أن يمل هو الأخرس وقيل: إنه المحبوس بحبس أو غيبة وما قاله الشافعي أولى؛ لأن الأخرس والغيبة لا يوجبان الحجر, وقوله: أن يمل: يعني يقر [ق ٣٤٠ ب] فليملل وليه بالعدل أن يقر وليه ويملل الإقرار عليه من وجهين:
أحدهما: بمباشرة البيع والشراء والثمن وعليه إن كان اشتراه مؤجلًا.
والثاني: أن تقوم البينة على إقراره بحق عليه ولم يعرف صفته وحبسه فيقر الولي عليه به لئلا يطالب بأكثر مما عليه.
وأما إذا أقر عليه بإتلاف ماله أو قتل أو دين لزمه قبل الحجر لا يقبل إقراره بذلك عليه.
وقال ابن عباس ﵁ أراد بقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولي الحق: هو صاحبه أن يعدل في إملائه ومطالبته بالحق.
وقال الضحاك: أراد ولي من عليه الحق فيما لزم من أرش جناية أو قيمة متلف, فإذا تقرر هذا فهو محجور عليه ما لم يبلغ على العموم, فإذا بلغ رشيدًا زال الحجر عليه,
стр. 2592
ومعناه جرى عليه القلم, والبلوغ يتعلق بأربعة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي السن والاحتلام والإنبات, وواحد يختص به النساء وهو الحيض.
ومن أصحابنا من قال: يتعلق بخمسة أشياء؛ اثنان يختص بهما النساء: الحيض والحمل, وهذا لا يصح؛ لأن الحمل دليل على تقدم البلوغ وليس ببلوغ في نفسه, لأنه يستدل به على تقدم الإنزال, فإن الولد لا يخلق إلا من المائين, وقيل: إنما لم يذكر الشافعي ﵀ الحمل لأن حيضها يسبق حملها في العادة.
وأما السن فهو استكمال [ق ٣٤١ أ] خمس عشر سنة في الذكور والإناث, وبه قال أبو يوسف ومحمد وعن أبي حنيفة في الغلام روايتان:
أحدهما: تسع عشر سنة وهي رواية الأصل.
والثانية: ثماني عشرة رواها الحسن بن زياد, وفي الجارية ثمان عشرة سنة.
وقال بعض أصحابنا: إذا طعن في خمس عشرة سنة يصير بالغًا, وهذا ليس بشيء لقوله ﷺ : "إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأخذت منه الحدود رواه أنس ﵁, وعندنا خمس عشرة سنة بالقمرية من حين ينفصل المولود من بطن أمه, وقال أبو يوسف, ومحمد, وزفر, والحسن بن صالح ﵏ إذا خرج أكثر المولود من الرحم يعتبر أول سنة, وإذا علمت حياته عند خروج أكثره, ثم خرج باقية ميتًا ورث, وعندنا لا يرث؛ لأن انقضاء عدتها لا يكون إلا بالانفصال التام كذلك هذا.
وحكي عن مالك أنه قال: لا بلوغ بالسن بل هو بالاحتلام, وغلظ الصوت وانشقاق الغضروف, وروي عنه: ليس في السن للبلوغ حد, وقال أصحابه: سبع عشرة أو ثماني عشرة.
وقال داود: البلوغ بالاحتلام وغلظ الصوت لا بالسن, واحتج بقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحلم" وهذا غلظ لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: عرضت [ق ٣٤١ ب] على رسول الله ﷺ يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردني وعرضت عليه يوم أحد وأما ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة.
وقال أنس ﵁ لما استكملت خمس عشرة سنة حجبني رسول الله ﷺ عن نسائه.
وأما خبرهم نقول به وليس فيه نفي غيره.
وأما الاحتلام عبارة عن نزول الماء الدافق: وهو المني الذي يخلق منه الولد على
стр. 2593
أي وجه كان, نائمًا أو مستيقظًا بجماع أو بغيره, ومن أصحابنا من قال: الاحتلام في المرأة لا يكون بلوغًا؛ لأن الشافعي قال:
"إلا أن يحتلم الغلام أو تحيض الجارية" وليس بشيء, والأصل من هذا ما ذكرنا من الخبر, وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وأقل زمان الاحتلام في الغلام عشر سنين ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا: تسع سنين وهو القياس.
وأما الإنبات: فهو الشعر الخشن الذي يحتاج إلى جريان الموسى عليه حول ذكر الغلام وفرج الجارية ولا يختلف مذهب الشافعي أنه يحكم به بالبلوغ في أطفال المشركين, الفرق بين الذرية والمقاتلة وأخذ الجزية: لما روي أن سعد بن معاذ ﵁ حكم في بني قريظة أن تقتل مقاتلهم ويسبي ذراريهم وأمر أن يكشف عن مؤتزرهم [ق ٣٤٢ أ] فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت فهو من الذراري فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "لقد حكم سعد بحكم الله تعالى من فوق سبع سمواته" وهل هو بلوغ في نفسه أو دلالة على البلوغ؟ وقال في "الجزية" إنه دلالة عليه, فإذا قلنا: إنه بلوغ في نفسه حقيقة وهو قول مالك كان بلوغًا في أولاد المسلمين أيضًا؛ لأن حقيقة البلوغ لا تختلف بالمسلمين والمشركين والاحتلام والحيض, وإذا قلنا دلالة على البلوغ هل يكون دلالة عليه بين المسلمين؟ قولان:
أحدهما: أنه دلالة أيضًا في حقهم لما روى محمد بن يحيى بن حسان أن غلامًا من الأنصار شيب بأمره في شعره فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال: لو أنبت الشعر لحددتك ولأن ما كان علمًا على البلوغ في حق المشركين كان كذلك في حق المسلمين كالحمل.
والثاني: لا يكون دلالة في حقهم, والفرق أن في أولاد المشركين لا يجوز الرجوع إلى آبائهم في معرفة سنهم فكان الإنبات دلالة على بلوغهم, وفي أولاد المسلمين الرجوع إلى قول آبائهم وجيرانهم في معرفة سنهم فلا حاجة بنا إلى أن نجعل الإناث فيهم بلوغًا فلهذا افترقا, وأيضًا المسلم يستفيد ببلوغه فضائل من الولايات والشهادات واستحقاق السهم من المغنم وغير ذلك من الأحكام فيهم أنه يعالج الإنبات حتى ينبت قبل أوانه والكافر لا يتهم في ذلك.
وقال أبو حنيفة [ق ٣٤٢ ب]: لا يتعلق الحكم بالإنبات بحال لا في المسلم ولا في الكافر, وهذا غلظ لما ذكرنا وأما انفراق الأرنبة ونتوء طرف الحلقوم وثقل الصوت ونهود الثدي واللحية لا يحكم بها أصلًا.
стр. 2594
أما الحيض: فبلوغ في النساء لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرأة حائض إلا بخمار" وقال ﷺ لأسماء بنت أبي بكر ﵄: "إذا بلغت المرأة الحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا" وأشار إلى الوجه والكف.
وأما الحمل يدل على سن البلوغ لأنه يعلم به نزول الماء, وقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ*يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧] أي من أصلاب الرجال وعظام صدور النساء.
فرع
البلوغ في الخنثى المشكل إن كان بالسن فهو ما ذكرنا, وأما بغيره فإن احتلم من الفرجين جميعًا حكم ببلوغه, ولو احتلم من أحدهما دون الآخر أو أنبت على أحدهما دون الآخر لم يكن بلوغًا, وكذلك إذا حاض من الفرج, أو حاض واحتلم منه لم يكن بلوغًا, وإن حاض من الفرج واحتلم من الذكر كان بلوغًا لأنه إن كان ذكرًا فقد أمنى وإن كانت أنثى فقد حاضت.
وأما في "كتاب الإقرار": إذا حاض الأنثى واحتلم لم يكن بلوغًا حتى يستكمل خمس عشرة سنة, معناه إن كان جميعًا من الفرج, وقيل معناه: إذا حاض واحتلم والتأويل الأول أصح.
مسألة:
قال: "وإذا أمر الله [ق ٣٤٣ أ] تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم بأمرين لم يدفع إلا بهما".
الفصل:
وهذا كما قال, لا يزول الحجر عن الصبي إلا بشرطين: بلوغ ورشد, فالبلوغ ما ذكرناه, والرشد عند الشافعي ﵀ الصلاح في الدين والمال جميعًا, وهو أن يكون مصلحًا لماله ولا يكون مبذرًا, وقال الشافعي: الرشد والله أعلم الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة مع صلاح المال, وإنما أراد بجواز الشهادة الصلاح فإنه إذا أردت شهادته لا لسفه كالأعمى ونحوه يدفع إليه المال إذا كان مصلحًا لدينه وماله, وكذلك حائكًا أو كناسًا أو محترفًا ببعض هذه الحرف الدنية التي ترد شهادته بها, فإن المال يدفع إليه, وقيل: أراد الله بجواز الشهادة أن لا يركب محضورًا ولا يخل بواجب, أو تظهر أفعاله الجميلة وينتشر سداده عند الكافة, وهذا قريب مما تقدم, وإنما إصلاح المال (فإنا) نحتاج
стр. 2595
إلى تخييره لأن المال لم يكن معه فيعلم كيف حفظه وتدبيره فيه فاحتجنا أن نختبره.
قال الشافعي رحمة الله عليه:
"يختلف ذلك باختلاف حال المختبر".
وفيه فصلان:
أحدهما: في وقت الاختبار, واختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: يختبر بعد البلوغ لأنه لا يصح التصرف قبله, ومن أصحابنا من قال: يختبر قبل البلوغ لئلا يتأخر دفع المال إليه عن البلوغ, فمن أصحابنا من قال: يختبر بعد البلوغ, قال: يدفع إليه بعد مال حتى [ق ٣٤٣ ب] يبيع ويشتري فإن حسن تدبيره, وحفظه ولم يعين فيه بما يتغابن بمثله دفع إليه الباقي, وإذا غبن فيه بما لا يتغابن بمثله ولم يحسن تدبيره لم يفك الحجر عنه ولا ضمان على الولي فيما يبلغه في هذه الحالة وظاهر مذهب الشافعي أنه يحكم بصحة هذا العقد.
ومن أصحابنا من قال: يحكم بفساده وإنما يصح ما بعد ذلك, ومن قال: يختبر قبل البلوغ احتج بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] وهذا يقتضي الاختبار قبل البلوغ, ثم اختلفوا فمن أصحابنا من قال: يأمره الحاكم بالمساومة وتقدير السعر, ثم يعقد الولي البيع أو يشتري الولي سلعة في السر من الغير ولا ينقد الثمن ولا يقبض المبيع, ثم يأمره أن يمضي ويشتريها ويقبض ثمنها ويقبضها ويواطيء البائع على ذلك فيختبره.
ومن أصحابنا من قال: يمضي الواقعة حتى يساوم الصبي وبقدر السعر, فإذا أوجب البائع البيع أذن للصبي في قبوله, ويصح هذا العقد ها هنا للضرورة وهذا ضعيف.
والفصل الثاني: في كيفية الاختبار, فإن كان ذكرًا لا يخلو من أحد أمرين, إما أن يكون مما لا يصان عن دخول السوق ومخالطة الناس فاختباره سهل بأن يدفع إليه بعض ماله ويختبر تصرفه فيه وحفظه له, وإن كان مما يصان عن الأسواق فإنه يدفع إليه مقدر نفقة شهر, ويأمر بالإنفاق على نفسه وسائر مصالحه على يد وكيله وينظر رشده فيه [ق ٣٤٤ أ] في الضبط والحساب, أو اختبره بأمر المزارعة والنظر في أمور الصناع ويحتاج إلى الاختبار دفعتين أو ثلاثة ولا يقتصر على مرة واحدة, لأنه ربما ينفق أول مرة إنفاقًا عن بصيرة, وإن كان أنثى, فإن اختبارها أصعب لأنها عورة فاختبارها أن يدفع إليها بعض مالها للنفقة وما يتعلق بمصلحتها من الغزل والقطن, ويراعيها النساء الثقات وذو المحارم, ولا يفتقر الاختبار إلى نظر الحاكم فإن الأب أو الجد لو اختبره جاز, ثم إذا اختبر ووجد رشيدًا هل ينفك الحجر من حكم الحاكم؟ ذكرنا وجهين واختار ابن أبي هريرة أنه يحتاج إليه لأنه يتعلق بالاختبار والنظر فيتعلق بالحكم, والصحيح الظاهر من المذهب أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم في ابتدائه فكذلك في فكه, وقال الصميري: إذا كان الولي أبًا يرتفع ببلوغه ورشده, وإن كان أمين الحاكم لا يرتفع إلا بحكمه, وإن كان وصي أبيه فيه وجهان:
وقال أبو حنيفة, ومالك: إذا كان مصلحًا لماله دفع إليه ماله, وإن كان مفسدًا لدينه
следующие страницы →