Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
وقال السدي: هو العقل والصلاح في الدين, وقال ابن عباس والحسن ﵃ هو الصلاح في الدين والصلاح في المال, وهو قولنا وقوله: ﴿وَلَا تَاكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أًن يَكْبَرُوا﴾ أي لا تأخذوها إسرافًا على غير ما أباح الله تعالى لكم, وأصل الإسراف تجاوز الحد, وقوله: ﴿وَبِدَارًا أًن يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] يعني بأكل مال اليتيم ويبادر أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله, ثم قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] يعني بمال نفسه عن مال اليتيم, ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦ [] ق ٣٤٠ أ] وقد ذكرنا هذا من قبل واحتج على ذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والسفيه: الفاسق المبذر بماله, ولفظ الشافعي رحمه الله تعالى هو المبذر لماله المفسد في الجهات المحترمة.
وقال مجاهد: هو الجاهل بالصواب فيما له وعليه.
وأما الضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو, نقل المزني ﵀ أنه أراد بهما المغلوب على عقله لأنه لا فرق بين الضعيف وبين الذي لا يستطيع, ومعنى اللفظتين واحد.
وقال في "كتاب الوصايا": الضعيف الصغير والكبير الذي يضعف عن القيام بمصالح ماله, والذي لا يستطيع أن يمل هو المغلوب على عقله, وهذا أصح ما نقله المزني؛ لأن الظاهر من الآية أن الذي لا يستطيع غير الضعيف كما أن الضعيف غير السفيه, وقيل: هو ضعيف الرأي والتدبير من صغر أو كبر وهو قريب مما ذكرنا, وقال مجاهد ﵀: السفيه الجاهل بالصواب فيما له وعليه, والضعيف: الأحمق.
وقال ابن عباس ﵄ الذي لا يستطع أن يمل هو الأخرس وقيل: إنه المحبوس بحبس أو غيبة وما قاله الشافعي أولى؛ لأن الأخرس والغيبة لا يوجبان الحجر, وقوله: أن يمل: يعني يقر [ق ٣٤٠ ب] فليملل وليه بالعدل أن يقر وليه ويملل الإقرار عليه من وجهين:
أحدهما: بمباشرة البيع والشراء والثمن وعليه إن كان اشتراه مؤجلًا.
والثاني: أن تقوم البينة على إقراره بحق عليه ولم يعرف صفته وحبسه فيقر الولي عليه به لئلا يطالب بأكثر مما عليه.
وأما إذا أقر عليه بإتلاف ماله أو قتل أو دين لزمه قبل الحجر لا يقبل إقراره بذلك عليه.
وقال ابن عباس ﵁ أراد بقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولي الحق: هو صاحبه أن يعدل في إملائه ومطالبته بالحق.
وقال الضحاك: أراد ولي من عليه الحق فيما لزم من أرش جناية أو قيمة متلف, فإذا تقرر هذا فهو محجور عليه ما لم يبلغ على العموم, فإذا بلغ رشيدًا زال الحجر عليه,
стр. 2592
ومعناه جرى عليه القلم, والبلوغ يتعلق بأربعة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي السن والاحتلام والإنبات, وواحد يختص به النساء وهو الحيض.
ومن أصحابنا من قال: يتعلق بخمسة أشياء؛ اثنان يختص بهما النساء: الحيض والحمل, وهذا لا يصح؛ لأن الحمل دليل على تقدم البلوغ وليس ببلوغ في نفسه, لأنه يستدل به على تقدم الإنزال, فإن الولد لا يخلق إلا من المائين, وقيل: إنما لم يذكر الشافعي ﵀ الحمل لأن حيضها يسبق حملها في العادة.
وأما السن فهو استكمال [ق ٣٤١ أ] خمس عشر سنة في الذكور والإناث, وبه قال أبو يوسف ومحمد وعن أبي حنيفة في الغلام روايتان:
أحدهما: تسع عشر سنة وهي رواية الأصل.
والثانية: ثماني عشرة رواها الحسن بن زياد, وفي الجارية ثمان عشرة سنة.
وقال بعض أصحابنا: إذا طعن في خمس عشرة سنة يصير بالغًا, وهذا ليس بشيء لقوله ﷺ : "إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأخذت منه الحدود رواه أنس ﵁, وعندنا خمس عشرة سنة بالقمرية من حين ينفصل المولود من بطن أمه, وقال أبو يوسف, ومحمد, وزفر, والحسن بن صالح ﵏ إذا خرج أكثر المولود من الرحم يعتبر أول سنة, وإذا علمت حياته عند خروج أكثره, ثم خرج باقية ميتًا ورث, وعندنا لا يرث؛ لأن انقضاء عدتها لا يكون إلا بالانفصال التام كذلك هذا.
وحكي عن مالك أنه قال: لا بلوغ بالسن بل هو بالاحتلام, وغلظ الصوت وانشقاق الغضروف, وروي عنه: ليس في السن للبلوغ حد, وقال أصحابه: سبع عشرة أو ثماني عشرة.
وقال داود: البلوغ بالاحتلام وغلظ الصوت لا بالسن, واحتج بقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحلم" وهذا غلظ لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: عرضت [ق ٣٤١ ب] على رسول الله ﷺ يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردني وعرضت عليه يوم أحد وأما ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة.
وقال أنس ﵁ لما استكملت خمس عشرة سنة حجبني رسول الله ﷺ عن نسائه.
وأما خبرهم نقول به وليس فيه نفي غيره.
وأما الاحتلام عبارة عن نزول الماء الدافق: وهو المني الذي يخلق منه الولد على
стр. 2593
أي وجه كان, نائمًا أو مستيقظًا بجماع أو بغيره, ومن أصحابنا من قال: الاحتلام في المرأة لا يكون بلوغًا؛ لأن الشافعي قال:
"إلا أن يحتلم الغلام أو تحيض الجارية" وليس بشيء, والأصل من هذا ما ذكرنا من الخبر, وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وأقل زمان الاحتلام في الغلام عشر سنين ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا: تسع سنين وهو القياس.
وأما الإنبات: فهو الشعر الخشن الذي يحتاج إلى جريان الموسى عليه حول ذكر الغلام وفرج الجارية ولا يختلف مذهب الشافعي أنه يحكم به بالبلوغ في أطفال المشركين, الفرق بين الذرية والمقاتلة وأخذ الجزية: لما روي أن سعد بن معاذ ﵁ حكم في بني قريظة أن تقتل مقاتلهم ويسبي ذراريهم وأمر أن يكشف عن مؤتزرهم [ق ٣٤٢ أ] فمن أنبت فهو من المقاتلة ومن لم ينبت فهو من الذراري فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "لقد حكم سعد بحكم الله تعالى من فوق سبع سمواته" وهل هو بلوغ في نفسه أو دلالة على البلوغ؟ وقال في "الجزية" إنه دلالة عليه, فإذا قلنا: إنه بلوغ في نفسه حقيقة وهو قول مالك كان بلوغًا في أولاد المسلمين أيضًا؛ لأن حقيقة البلوغ لا تختلف بالمسلمين والمشركين والاحتلام والحيض, وإذا قلنا دلالة على البلوغ هل يكون دلالة عليه بين المسلمين؟ قولان:
أحدهما: أنه دلالة أيضًا في حقهم لما روى محمد بن يحيى بن حسان أن غلامًا من الأنصار شيب بأمره في شعره فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال: لو أنبت الشعر لحددتك ولأن ما كان علمًا على البلوغ في حق المشركين كان كذلك في حق المسلمين كالحمل.
والثاني: لا يكون دلالة في حقهم, والفرق أن في أولاد المشركين لا يجوز الرجوع إلى آبائهم في معرفة سنهم فكان الإنبات دلالة على بلوغهم, وفي أولاد المسلمين الرجوع إلى قول آبائهم وجيرانهم في معرفة سنهم فلا حاجة بنا إلى أن نجعل الإناث فيهم بلوغًا فلهذا افترقا, وأيضًا المسلم يستفيد ببلوغه فضائل من الولايات والشهادات واستحقاق السهم من المغنم وغير ذلك من الأحكام فيهم أنه يعالج الإنبات حتى ينبت قبل أوانه والكافر لا يتهم في ذلك.
وقال أبو حنيفة [ق ٣٤٢ ب]: لا يتعلق الحكم بالإنبات بحال لا في المسلم ولا في الكافر, وهذا غلظ لما ذكرنا وأما انفراق الأرنبة ونتوء طرف الحلقوم وثقل الصوت ونهود الثدي واللحية لا يحكم بها أصلًا.
стр. 2594
أما الحيض: فبلوغ في النساء لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرأة حائض إلا بخمار" وقال ﷺ لأسماء بنت أبي بكر ﵄: "إذا بلغت المرأة الحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا" وأشار إلى الوجه والكف.
وأما الحمل يدل على سن البلوغ لأنه يعلم به نزول الماء, وقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ*يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧] أي من أصلاب الرجال وعظام صدور النساء.
فرع
البلوغ في الخنثى المشكل إن كان بالسن فهو ما ذكرنا, وأما بغيره فإن احتلم من الفرجين جميعًا حكم ببلوغه, ولو احتلم من أحدهما دون الآخر أو أنبت على أحدهما دون الآخر لم يكن بلوغًا, وكذلك إذا حاض من الفرج, أو حاض واحتلم منه لم يكن بلوغًا, وإن حاض من الفرج واحتلم من الذكر كان بلوغًا لأنه إن كان ذكرًا فقد أمنى وإن كانت أنثى فقد حاضت.
وأما في "كتاب الإقرار": إذا حاض الأنثى واحتلم لم يكن بلوغًا حتى يستكمل خمس عشرة سنة, معناه إن كان جميعًا من الفرج, وقيل معناه: إذا حاض واحتلم والتأويل الأول أصح.
مسألة:
قال: "وإذا أمر الله [ق ٣٤٣ أ] تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم بأمرين لم يدفع إلا بهما".
الفصل:
وهذا كما قال, لا يزول الحجر عن الصبي إلا بشرطين: بلوغ ورشد, فالبلوغ ما ذكرناه, والرشد عند الشافعي ﵀ الصلاح في الدين والمال جميعًا, وهو أن يكون مصلحًا لماله ولا يكون مبذرًا, وقال الشافعي: الرشد والله أعلم الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة مع صلاح المال, وإنما أراد بجواز الشهادة الصلاح فإنه إذا أردت شهادته لا لسفه كالأعمى ونحوه يدفع إليه المال إذا كان مصلحًا لدينه وماله, وكذلك حائكًا أو كناسًا أو محترفًا ببعض هذه الحرف الدنية التي ترد شهادته بها, فإن المال يدفع إليه, وقيل: أراد الله بجواز الشهادة أن لا يركب محضورًا ولا يخل بواجب, أو تظهر أفعاله الجميلة وينتشر سداده عند الكافة, وهذا قريب مما تقدم, وإنما إصلاح المال (فإنا) نحتاج
стр. 2595
إلى تخييره لأن المال لم يكن معه فيعلم كيف حفظه وتدبيره فيه فاحتجنا أن نختبره.
قال الشافعي رحمة الله عليه:
"يختلف ذلك باختلاف حال المختبر".
وفيه فصلان:
أحدهما: في وقت الاختبار, واختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: يختبر بعد البلوغ لأنه لا يصح التصرف قبله, ومن أصحابنا من قال: يختبر قبل البلوغ لئلا يتأخر دفع المال إليه عن البلوغ, فمن أصحابنا من قال: يختبر بعد البلوغ, قال: يدفع إليه بعد مال حتى [ق ٣٤٣ ب] يبيع ويشتري فإن حسن تدبيره, وحفظه ولم يعين فيه بما يتغابن بمثله دفع إليه الباقي, وإذا غبن فيه بما لا يتغابن بمثله ولم يحسن تدبيره لم يفك الحجر عنه ولا ضمان على الولي فيما يبلغه في هذه الحالة وظاهر مذهب الشافعي أنه يحكم بصحة هذا العقد.
ومن أصحابنا من قال: يحكم بفساده وإنما يصح ما بعد ذلك, ومن قال: يختبر قبل البلوغ احتج بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] وهذا يقتضي الاختبار قبل البلوغ, ثم اختلفوا فمن أصحابنا من قال: يأمره الحاكم بالمساومة وتقدير السعر, ثم يعقد الولي البيع أو يشتري الولي سلعة في السر من الغير ولا ينقد الثمن ولا يقبض المبيع, ثم يأمره أن يمضي ويشتريها ويقبض ثمنها ويقبضها ويواطيء البائع على ذلك فيختبره.
ومن أصحابنا من قال: يمضي الواقعة حتى يساوم الصبي وبقدر السعر, فإذا أوجب البائع البيع أذن للصبي في قبوله, ويصح هذا العقد ها هنا للضرورة وهذا ضعيف.
والفصل الثاني: في كيفية الاختبار, فإن كان ذكرًا لا يخلو من أحد أمرين, إما أن يكون مما لا يصان عن دخول السوق ومخالطة الناس فاختباره سهل بأن يدفع إليه بعض ماله ويختبر تصرفه فيه وحفظه له, وإن كان مما يصان عن الأسواق فإنه يدفع إليه مقدر نفقة شهر, ويأمر بالإنفاق على نفسه وسائر مصالحه على يد وكيله وينظر رشده فيه [ق ٣٤٤ أ] في الضبط والحساب, أو اختبره بأمر المزارعة والنظر في أمور الصناع ويحتاج إلى الاختبار دفعتين أو ثلاثة ولا يقتصر على مرة واحدة, لأنه ربما ينفق أول مرة إنفاقًا عن بصيرة, وإن كان أنثى, فإن اختبارها أصعب لأنها عورة فاختبارها أن يدفع إليها بعض مالها للنفقة وما يتعلق بمصلحتها من الغزل والقطن, ويراعيها النساء الثقات وذو المحارم, ولا يفتقر الاختبار إلى نظر الحاكم فإن الأب أو الجد لو اختبره جاز, ثم إذا اختبر ووجد رشيدًا هل ينفك الحجر من حكم الحاكم؟ ذكرنا وجهين واختار ابن أبي هريرة أنه يحتاج إليه لأنه يتعلق بالاختبار والنظر فيتعلق بالحكم, والصحيح الظاهر من المذهب أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم في ابتدائه فكذلك في فكه, وقال الصميري: إذا كان الولي أبًا يرتفع ببلوغه ورشده, وإن كان أمين الحاكم لا يرتفع إلا بحكمه, وإن كان وصي أبيه فيه وجهان:
وقال أبو حنيفة, ومالك: إذا كان مصلحًا لماله دفع إليه ماله, وإن كان مفسدًا لدينه
стр. 2596
فاسقًا, لأن قوله تعالى: ﴿رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] ذكره في إثبات فيقتضي رشدًا واحدًا, وهذا غلط, لأن فسقه يمنع رشده لأنه اسم مدح, وقد قال ابن عباس ﵄ تفسير الرشد أن يبلغ ذا وقار وحلم وعقل.
فرع
إذا منعنا المال من المبذر عند بلوغه لا يدفع إليه المال, وإن صار شيخًا, وبه قال مالك إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة يفك عنه [ق ٣٤٤ ب] الحجر ويسلم إليه المال لأنه بلغ أشده ويصلح أن يكون جدًا.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: انفك الحجر عنه ببلوغه وعاد الحجر عليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة, وقال محمد: يستدام الحجر أبدًا ولا ينفذ تصرفه إلا في النكاح والعتق, وهذا غلط ظاهر لأنه مبذر لماله فلا يختلف ببلوغه خمسًا وعشرين وعدم بلوغه ذلك وتتصور الحدود فيما دون ذلك من السن.
فرع آخر
إذا مبذرًا ومنعنا منه المال لا ينفذ تصرفه, وقال أبو حنيفة: ينفذ تصرفه وفائدة منع المال منه أنه لا يقدر تسليمه في التبرعات, وهذا غلط لأنه لا يدفع إليه ماله لعدم رشده فلا يصح تصرفاته كالصبي, ولأنه لا فائدة فيما قالوه, لأنه إن لم يسلم إليه في التبرعات ينتزع من يده بإقراره وبيعه ويبطل ماله بإعتاقه فلا فائدة في منعه.
فرع آخر
إذا شهد عدلان بسفه رجل وفسر أيسمع ذلك وإن لم يستشهد أو حجر عليه.
مسألة:
قال: "وإذا أونس منها الرشد دفع إليها مالها تزوجت أو لم تتزوج ".
الفصل:
وهذا كما قال: إذا بلغت المرأة رشيدة انفك عنها الحجر ودفع إليها مالها تزوجت أو لم تتزوج, وبه قال أبو حنيفة, وقال مالك: لا يدفع إليها مالها حتى تنكح ويدخل بها الزوج, وروي عنه أنه قال: لا ينفذ تصرفها إلا بإذن زوجها حتى تكبر وتصير [ق ٣٤٥ أ] عجوزًا معنسة.
حكي القفال عنه أنه قال: لا ينفذ تبرعها في مالها دون إذن الزوج إلا في الثلث, قال الشافعي ﵀: أرأيت لو تصدقت بالثلث, ثم بعد ذلك تصدقت بثلث الثلاثين أما
стр. 2597
جاز لها ذلك, فإن قلنا: لا يجوز فقد أجزت أن يحال بين البالغ العاقل الصحيح وبين ماله, وإن قلت: يجوز فسبيلها على مالها, والدليل على هذا أنها رشيدة فيدفع إليها مالها كما لو تزوجت وطال الزمان, أو من دفع ماله إليه عند رشده لم يقف نفوذ تصرفه على إذن الغير كالغلام, واحتج بأن حق الزوج بتعلق لمالها بدليل قوله ﷺ : " تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها " والعادة أن يتبسط في مالها وينتفع بجهازها فكان له منعها من هبة جميع مالها, قلنا: والمرأة ترغب في نكاح الرجل لماله أيضًا ولا تعترض عليه في تصرفه.
واحتج بما روى عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " لا يجوز للمرأة عطية في مالها إذا ملك زوجها عصمتها ", وروي: " لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها ", قلنا: أراد على طريق الأدب والاحتياط, وإذا كان زوجها وليًا لمالها, وقد قال الشافعي: أعتقت ميمونة زوج النبي ﷺ ورضي عنها قبل أن يعلم النبي ﷺ فلم يعب ذلك عليها.
مسألة:
قال [ق ٣٤٥ ب] المزني ﵀ واحتج الشافعي ﵀ عليه بعثمان وعلى والزبير ﵃.
الفصل:
وهذا كما قال, إذا دفع ماله إليه, ثم صار مبذرًا أعيد الحجر عليه والتبذير عندنا في المعاصي, فأما الإنفاق في الثياب الفاخرة والطيب والمأكول ودعوات أهل الصلاح فليس من التبذير ولا يحجر عليه به, وإذا صار لا يعرف حظه من التجارة ويغبن فيها بما لا يتغابن الناس بمثله أعيد عليه الحجر.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان تبذيره بالإنفاق في ملاذه والإسراف في ملبوسه وشهواته حتى يتجاوز فيه الحد المألوف والقدر المعروف هل يجب الحجر عليه وجهان:
أحدهما: يجب الحجر لأنه إنفاق في غير الحق.
والثاني: لا يجب لأنه إنفاق في المباح, ولو لم يبذر ولم يغبن في التجارة إلا أنه صار فاسقًا هل يعاد الحجر عليه؟
قال ابن سريج: يعاد إليه كما يعاد بالتبذير ولكل معنى لو قارن البلوغ استديم الحجر عليه, فإذا طرأ بعد زواله أوجب إعادة الحجر عليه كالجنون وهذا أقيس.
وقال أبو إسحاق: لا يعاد عليه, وهذا ظاهر المذهب, لأن الشافعي قال: "إذا حجر عليه لسفهه وتبذير ماله أشهد عليه" وهذا لأن الحجر لحفظ المال والفسق في الدين يورث
стр. 2598
تهمة فيه, فإذا قارن البلوغ شككنا في ارتفاع سبب الحجر, والأصل هو الحجر فبقيناه على حكم الأصل وبعدما ظهر رشده [ق ٣٤٦ أ] ودفعنا إليه المال فالأصل أنه إصلاح المال وشككنا عند طرئان الفسق في إفساد ماله فلا يترك هذا الأصل بالشك, ويفارق التبذير لأنه يقين في إفساد المال طارئًا كان أو مقترنًا بالبلوغ فسوينا الحكم فيه وبقولنا قال: عثمان, وعلي, والزبير, وعبد الله بن جعفر, وعبد الله بن الزبير, وعائشة ﵂ وشريح, ومالك, والأوزاعي, وأحمد, وإسحاق, وأبو يوسف, ومحمد, وأبو ثور, وأبو عبيد ﵏, وقال أبو حنيفة ﵀ لا يعاد الحجر عليه بحال, ولو حجر عليه الحاكم لم ينفذ حتى يقضي قاض آخر به, وبه قال النخعي وابن سيرين رحمهما الله, وهذا غلط لما روى الشافعي من الأثر, وبيانه ما روي أن عبد الله بن جعفر اشترى أرضًا بستين ألف درهم فعبر فيها عثمان فقال: والله ما يسرني أنها لي بنعلي فقال علي: لآتين أمير المؤمنين عثمان وأسأله أن يحجر عليه فذكر عبد الله بن جعفر ذلك للزبير فقال: إني شريكك فيها فجاء علي إلى عثمان ﵄, فذكر ذلك له فقال: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير وإنما قال ذلك, لأن الزبير كان معروفًا بالضبط في التجارة ووجوه الربح والخسران وهذا دليل من قولهم جميعًا على جواز الحجر وعلى سأل الحجر عليه والزبير احتال [ق ٣٤٦ ب] في دفع الحجر عنه وهم عثمان بالحجر عليه, ثم اعتذر لترك الحجر, ومثل هذا لينتشر فيما بين الجماعة الصحابة ولم ينكر منكر, وروى عروة أن عبد الله هذا اشترى أرضًا بستمائة ألف درهم وهم على وثمان أن يحجرا عليه فلقيه الزبير فقال: ما اشترى أحد بيعًا أرخص مما اشتريت فذكر له عبد الله الحجر فقال: لو أن عندي مالًا لشاركتك, قال: فإني أقرضك نصف المال قال: فإني شريكك فأتاه علي وعثمان وهما يتراوضان فقال: ما تراوضان فذكرا, فقال الزبير: تحجران على رجل أنا شريكه فتركه.
أورده الشيخ أحمد البيهقي ﵀, واحتج بالقياس الذي أشار إليه فقال: إذا وجب الحجر من فاقد البلوغ وقد عقل نظرًا له واثقًا لماله فبعد البلوغ أشد تضييقٌا لماله وأكثر إتلافًا له فلم لا يجب الحجر عليه, ومعنى التبذير الإسراف قائم لأنه عقب البلوغ في عنفوان الشهوة والشباب أشد تضييعًا منه وهو مراهق.
فرع
لابد في هذا الحجر من الحاكم, وقد قال الشافعي رحمة الله عليه يشهد قال أصحابنا: ويشهر أمره ويتقدم إلى المنادي حتى ينادي في البلد إلا أن فلان ابن فلان حجر القاضي عليه فلا يعامله أحد, فمن عامله فهو المتلف لماله, فإن لم يشهد جاز لأنه
стр. 2599
احتياط كما نقول في إشهار أمره وبنفس الحجر ينقطع تصرفه, وقيل في وجوب (ق ٣٤٧ أ) الإشهار وجهان, والمذهب ما ذكرنا, وقال محمد: يصير محجوزًا بنفس السفه ولا يفتقر إلى الحاكم, وخالفه أبو يوسف, وهذا غلط لأن التبذير يختلف ويحتاج إلى الاجتهاد فلا بد فيه من الحاكم كما قلنا في مدة العنة.
فرع آخر
يقول الحاكم في حجر السفيه: حجزت على فلان, بخلاف المفلس في أحد الوجهين, لأن لفظ الحجر أعم وحجر السفيه عام.
فرع آخر
يقول الحاكم في حجر السفيه: حجزت على فلان, بخلاف المفلس في أحد الوجهين, لأن لفظ الحجر أعم وحجر السفيه عام.
فرع آخر
الشحيح الذي يبخل على نفسه بالنفقة فلا يأكل ولا يلبس بقدر حاله شحًا على نفسه وحبًا لماله, قال ابن سريج, والإصطخري: يجب الحجر عليه كما بالسرف والتبذير, لأن الله تعالى نهى عنهما, فقال : ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] الآية, وقال سائر أصحابنا: لا يحجر عليه لأنه يمسك ولا يتلف وليس كل منهي عنه يوجب الحجر, فمن قال بالأول قال: لا يمنع من عقوده ولا التصرف ولكن ينفق عليه جبرًا بالمعروف من ماله, إلا أن يخاف إخفاء ماله لعظم شحه من التصرف فيه.
مسألة:
قال: " من بايعه بعد الحجر فهو المتلف لماله ".
وهذا كما قال: " إذا حجر عليه على ما ذكرنا جعل ماله في يد عدل ثقة يوليه أمره والإنفاق عليه والنيابة عنه في مصالحه, ثم خلي سبيله فإن تصرف بعد ذلك نظر, فإن اشترى سلعة في ذمته [ق ٣٤٧ ب] فالشراء باطل, فإن كانت باقية في يده رجع عليها بها, وإن كانت بالغة فلا ضمان عليه ولا فرق بين أن يكون بايعه جاهلًا بحاله أو عالمًا به, لأن الحاكم إذا أشهد وأعلن فقد أعذر من أنذر, وإن أطلق الحجر عليه بعده لا يطالب بشيء, لأن الحجر عليه كان لحق نفسه لا لحق غيره وحق نفسه يراعى في حالة الإطلاق كما يراعى في حالة الحجر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال أبو حامد: يصح شراؤه في ذمته, وهذا غلط وليس في شيء من تعاليقه.
فرع
هل يلزمه الغرم فيما بينه وبين الله تعالى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزم لأن المالك رضي باستهلاكه, وبه قال ابن أبي هريرة.
стр. 2600
والثاني: يلزم لأنه مكلف استهلك مالًا على طريق المعاوضة, وبه قال أبو ثور, وقيل: الوجهان إذا لم يعلم بحجره والأصح يلزمه.
فرع آخر
لو باع مال نفسه فالبيع باطل, فإن كان باقيًا في يد المشتري رد على وليه, وإن كان تالفًا لزمه قيمته.
فرع آخر
لو جني على إنسان جناية توجب الأرش أو تلف ماله فعليه ضمانه, يدفع ذلك من ماله الذي في يد وليه, لأن صاحبه لم يكن مضيعًا إذ لا صنع له فيه.
فرع آخر
لو أدعه رجل وديعة فتلفت في يد المحجوز عليه بآية فلا ضمان عليه وإن اتلفها فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه الضمان [ق ٣٤٨ أ] وهو الأصح لأن صاحبها لم يسلطه على إتلافها, فأشبه إذا أتلفها وهي في يد صاحبها.
والثاني: لا يلزمه الضمان, لأنها حصلت في يده برضا صاحبها, فكان هو المضيع لها كما لو أقرضه شيئًا أو باعه, وهكذا الحكم في الصبي.
ومعنى الوجهين أنه هل يغلب حكم الإتلاف لأنه من غير اختياره أو يغلب حكم التسليم لأنه باختياره؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لو أقر بعد الحجر, فإن كان بحد أو قصاص, أو بأمر يوجب عقوبة على يده قبل إقراره وأقيم عليه الحد لأنه غير متهم فيما يوجب عليه عقوبة, ولأن الحجر فيما يؤدي إلى إتلاف ماله, ولهذا يصح طلاقه ولا يتناوله الحجر.
فرع آخر
لو أقر بمال عن جناية لا يقبل إقراره لجواز أن يكون وافقه لينذر ماله, ولأنا لو قبلنا ذلك لم يكن للحجر معنى, وهذا في الحكم, فأما فيما بينه وبين الله تعالى يلزمه بما أقر به إن كان صادقًا, لأن النية لو قامت بها في حال حجره أوجب الضمان في ماله, ويخالف ذلك مال القراض والبيع إذا أتلف لا يلزمه الضمان فيما بينه وبين الله تعالى, لأن النية لو قامت بها في حالة الحجر لم يضمنه.
وقال القاضي الطبري: إذا لم يشهد الحاكم أمره ولم يشهد لا يتعلق به المنع من التصرف على قول بعض أصحابنا, لأن الشافعي رحمة الله عليه شرط الإشهاد [ق ٣٤٨ ب]
стр. 2601
ويكون معامله معذورًا فلم يجز أن يسقط عنه ضمان القرض والبيع.
وذكر عن بعض أصحابنا أنه قال: يصح, وإن عقد عقدًا يتعلق كالبيع والقرض والإجارة يصح وينفذ, لأن غيره معذور فيه.
والصحيح عندي أنه ينفذ الحجر في منع التصرفات وبطلانها, ولكن يعتبر الإشهاد, والإشهاد في سقوط الضمان للغير فيما يعامله وهو القياس, وظاهر المذهب ما تقدم.
فرع آخر
لو أقر المحجور بجنايات الخطأ على النفوس, ظاهر المذهب أنه لا يقبل, وقال بعض أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: هذا لأنه يوجب المال.
والثاني: يقبل ويلزم لتغليظ حكم النفوس, وأنه يثبت عمدها بإقراره فكذلك الخطأ.
فرع آخر
لو أقر بأنه سرق ما يوجب القطع, قال الشافعي رحمة الله عليه في العبد إذا أقر بالسرقة يقطع, وهل يباع منه بمقدار مال السرقة قولان, فإذا قلنا: هناك يقطع ويباع فها هنا يقطع ويغرم ولا يبعض أقواله, وإن قلنا: هناك يقطع ولا يباع فها هنا يقطع ولا يغرم, وبه قال صاحب "الإفصاح".
ومن أصحابنا من قال: لا يقطع ها هنا إذا غرم, لأن القطع لا ينفرد عن المال, فإذا لم يلزمه المال لم يقطع, ويخالف العبد, لأن المال يلزمه وإنما يتأخر المطالبة به إلى وقت العتق ولا يصح ما تقدم.
فرع آخر
لو أقر بنسب [ق ٣٤٩ أ] معين فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل ولا يثبت نسبة لأنه يتعلق به إتلاف المال, وهو ما يلزمه من الإنفاق عليه.
والثاني: يثبت نسبة منه وينفق عليه من ماله, لأنه يثبت النفقة تبعًا لا مقصودًا وهو الأشهر.
وفيه وجه ثالث يثبت نسبه منه وينفق عليه من كسبه أو من مال بيت المال.
فرع آخر
إذا أقر بابن أمه له أنه منه فالمشهور أنه يثبت نسبة بإقراره وصار حرُا, وقال أبو ثور: إقراره به باطل لا يثبت نسبًا ولا يوجب عتقًا, وقال محمد: يثبت ويصير حرًا
стр. 2602
ويسعى في قيمته, وهذا غلط لأنه صادف إقراره فيما لا يقصد به المال فيقبل.
فرع آخر
لو مرض السفيه وأعتق في مرضه ثم مات هل يغلب حجر السفيه أو حجر المرض؟ وجهان:
أحدهما: يغلب حجر السفه لأنه أسبق.
والثاني: يغلب حجر المرض لأنه حالة تسبق حفظ المال فيها للوارث, فعلى هذا يكون عتقه ماضيًا في ثلثه.
فرع آخر
لو قبل السفيه الهبة أو الوصية لا يجوز أن يسلمها إليه, فإن سلم إليه فاستهلكه وجب على من أقبضه غرم الوصية دون الهبة, لأنه ملك الوصية بقبوله فوجب غرمها له ولم يملك الهبة بقبوله فلم يجب غرمها له.
فرع آخر
لو آجر نفسه فإن كان فيما هو مقصود من عمله من أن يكون صانعًا [ق ٣٤٩ ب] وعمله مقصودًا في كبسه لم يجز, وإن كان غير مقصود مثل أن يؤاجر في حج أو وكالة في عمل ليس عمله مقصودًا في كبسه لاستغنائه بماله صحت الإجازة, لأنه لما جاز أن يتطوع عن غيره بهذا العمل فأولى أن يجوز منه بعوض.
فرع آخر
لو وجب له القصاص له استيفاؤه وله العفو على مال, وإن عفا على غير مال, فإن قلنا: موجبه القود فقط صح, وإن قلنا موجبه أحد الأمرين والقود أو الدية ولا يصح عفوه عن الدية.
فرع آخر
إذا باع شيئًا بإذن وليه ظاهر المذهب أنه لا يجوز, وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز, لأن المقصود منه المال والحجر تناوله وهو قائم.
والثاني: يجوز لأنه عقد من مكلف كالنكاح.
فرع آخر
إذا أحرم لحجة الإسلام انعقد إحرامه ويدفع وليه نفقته إلى غيره لينفق عليه في ذهابه ورجوعه, فإن فعل محصورًا تجب به الكفارة, فإن كانت كفارة فخيره يلزمه أن يصوم منها, وإن كانت كفارة مرتبة لا يجوز العدول فيها عن المال إلى الصوم, ويجري مجرى
стр. 2603
الجناية فيلزمه حكمها, وقال بعض أصحابنا: هل يجري عليه فيها حكم اليسار أو الإعسار؟ وجهان:
أحدهما: يجري عليه حكم اليسار لوجود ملكه.
والثاني: يجري عليه حكم الإعسار, لأنه بالحجر صار أسوأ حالًا [ق ٣٥٠ أ] من المعسر, ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثاني فلم يكفر بالصوم حتى قال حجره, فإن قلنا: المراعى حالة الأداء في الكفارات لم يجزئه الصوم لاعتبار حالة الوجوب.
والثاني: لا يجزئه إلا المال لأنه كان موسرًا, وإنما المانع كان الحجر وقد ارتفع الآن.
فرع آخر
لو أفسد حجة الفرض هل يعطيه الولي نفقة القضاء؟ وجهان:
أحدهما: يعطيه, وبه قال محمد لأنه واجب.
والثاني: لا يعطيه لتعلقه بإفساده ولا يؤمن منه, وبه قال أبو ثور.
فرع آخر
لو أحرم لحجة التطوع انعقد ويمنعه الوالي النفقة ويقول له: احتل لنفسك, فإن لم تقدر على ما يبلغك الحج فأنت كالمحاصر بالعدو ويجوز ذلك التحلل ويتحلل بالصيام دون الهدي, وإن كانت نفقته في السفر كنفقته في الحضر لا يتحلل ودفعت إليه النفقة, وكذلك إن قال: إلى نفقة الحضر, فإني اتمم نفقة السفر من كسبي.
فرع آخر
لو ظاهر من امرأته فالظهار صحيح والعود صحيح ويلزمه أن يكفر بالصوم, فإن قيل: هذه كفارة مرتبة فهلا أو جبتم عتق الرقبة كما قلتم في محظورات الإحرام لأنها أفعال من جنايات يتعلق بها الضمان, هكذا ذكره جمهور أصحابنا, وقيل: فيه وجهان كما ذكرنا في غيرها.
فرع آخر
لو طلق يقع فيه طلاقه لأنه ليس فيه إطلاق المال, [ق ٣٥٠ ب] وقال ابن أبي ليلى: لا ينفذ طلاقه كما لا ينفذ عتقه, وقال أبو يوسف: ينفذ عتقه أيضًا كالمطلق, وهذا غلط,
стр. 2604
والفرق ما ذكره الشافعي رحمة الله عليه ههنا حيث قال: " فإن قيل: "فلم أجزت إطلاقه وهو إتلاف مال؟ قلنا: ليس بإتلاف لأنه يموت فلا تورث عنه امرأته ولا يحل فيها هبة ولا بيعه ويورث ويباع عليه فيملك ثمنه فالعبد مال بكل حال والمرأة ليست بمال ", ولهذا العبد المأذون بالتجارة والنكاح الطلاق إليه دون سيده, والمال إلى السيد دونه هذا, لأن المهر متعلق بالعقد يتقرر بالدخول فلا تأثير للطلاق في إيجابه, بل يؤثر في إسقاطه بعضه إذا كان قبل الدخول, فإن قيل: إذا طلق يتزوج أخرى ويطلق فيؤدى إلى إتلاف المال, قيل: إذا أكثر الطلاق لا يزوج حينئذ بل يسري جارية, ثم لو أعتق لا ينفذ عتقه.
فرع آخر
لو خالع امرأته على مال صح الخلع, لأنه إذا جاز طلاقه بلا مال فبالمال أولى, ولكن المرأة لا تدفع إليه المال, فإن دفعته لا تبرئ بذلك ولا يصح قبضه, وقيل: جملة عقود المحجوز عليه ثلاثة, عقد يصح من غير إذن الولي أو لم يأذن كالبيع والهبة ونحو ذلك.
فرع آخر
إقرار الولي عليه يقبل فيما يتعلق بتصرفاته دون غيرها من الإتلاف [ق ٣٥١ أ] والجنايات.
فرع آخر
لو ظهر رشده بعد السفه يجب على الحاكم أن يفك حجره في هذا الرشد, اختلف أصحابنا فمنهم من قال: الصلاح في الدين وإصلاح المال, وبه قال ابن سريج ﵀, والثاني: أن الإصلاح للمال وحده, وبه قال أبو إسحاق هكذا ذكره في "الحاوي" وعندي أنه ما قاله ابن سريج أصح في هذا الموضع, لأن الأصل ههنا الحجر والتبذير, وإذا كان فاسقًا شككنا في رشده فيبني على الأصل كما لو قارن البلوغ سواء.
فرع آخر
إذا حجر الحاكم عليه, قال الشافعي رحمة الله عليه, يستحب له أن يرد أمره إلى الأب, والجد, فإن لم يكن فسائر العصبات لأنهم أشفق عليه.
مسألة:
قال: " ومتى أطلق عنه الحجر ثم عاد إلى حالة الحجر حجر عليه ".
стр. 2605
وهذا كما قال: إذا أطلق الحجر عنه عند عود الرشد, ثم صار سفيهًا مبذرًا ثانيًا يعاد عليه الحجر, ثم إذا رجع إلى حالة الإطلاق أطلق, لأن الحكم إذا أطلق بعلة فزالت العلة زال الحكم المتعلق بها, ثم إذا عادت العلة عاد حكمها كما لو جن, ثم عقل, ثم جن.
فرع
لو حلف وحنث انعقدت يمينه ولزمته الكفارة ويكفر بالصوم هكذا أطلقه أصحابنا والمعنى فيه ذكرنا في كفارة الظهار والله أعلم بالصواب.
стр. 2606
كتاب الصلح
مسألة: قال الشافعي ﵁: "روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا احل حراماً أو حرم حلالا".
قال في الحاوي: والأصل في جواز الصلح الكتاب والسنة والأثر والاتفاق فإما الكتاب فقوله تعالي ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]
وقال تعالي: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:١٢٨] الآية.
وقال تعالي: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]
وأما السنة فما روى عبد الله عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" يا أيوب ألا أدلك عل صدقةٍ يرضي الله موضعها. قلت بلي يا رسول الله. قال: تسعي في صلح بين اثنين إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا.
وروى أبو هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرام حلالا".
وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلي الله عليه وسلم: قال لبلال بن الحارث:" اعلم أن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالا أو أحل حراماً والمسلمون علي شروطهم، إلا شرطا حرم حلالاً أو أحل حراماً".
وروى ان النبي صلي الله عليه وسلم مر بكعب بن مالك وهو يلازم غريماً له يقال له: ابن أبي حدرد
стр. 2607
وقد ارتفعت بينهما خصومه، فقال النبي صلي الله عليه وسلم لكعب: "خذ منه الشطر ودع الشطر".
وأما الأثر فيما روى الشافعي عن عمر ﵄: أنه قال في عهده إلي أبي موسي الأشعري: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراماً أو حرم حلالاً.
وروي أن أكثر قضايا عثمان ﵁ كانت صلحاً.
وقد قيل في تأويل قوله تعالي: ﴿وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطَابِ﴾ [ص:٢٠] ثلاثة تأويلات:
أحدها: الصلح بين الخصوم.
والثاني: فصل الحكم بنفسه من غير استحلاف فيه.
والثالث: سرعة القضاء وبت الحكم.
وأما الاتفاق فهو إجماع المسلمين علي جواز الصلح وإباحته بالشرع.
وإنما اختلف أصحابنا هل هو: رخصة لاستثنائه من جملة محظورة. أو هو: مندوب إليه لكونه أصلاً بذاته؟ علي وجهين:
أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة انه رخصة لأنه فرع لأصول يعتبر بها في صحته وفساده وليس بأصل بذاته فصار لاعتباره بغير رخصة مستثناة من جملة محظورة.
الثاني: واليه ذهب أبو الطيب بن سلمه أنه مندوب إليه لكونه أصلاً بذاته قد جاء الشرع به وجرى العمل عليه وقد أشار إلي القول به أبو حامد.
فصل
فأما قوله الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً فقد اختلف أصحابنا فيه.
هل هو عام أو محمل علي وجهين:
أحدهما: أنه محمل وهو قول من جعله معتبراً بغيره ولم يجعله أصلاً بذاته.
والثاني: أنه عام وهذا قول من جعله أصلا بذاته.
فأما الصلح الذي يحرم الحلال فهو: أن يصالحه علي دار علي أن لا يسكنها، أو يصالح زوجته علي أن لا يتزوج عليها، أو علي أن لا يطلقها فيحرم علي نفسه بالصلح ما أحله الله تعالي له من السكني والنكاح والطلاق.
وأما الصلح الذي يحل الحرام فهو: أن يصالحه من الدراهم علي أكثر منها، أو علي دنانير مؤجلة أو علي خمر أو خنزير.
فيستحل بالصلح ما حرم عليه من الربا والخمر والخنزير.
стр. 2608
مسألة: قال الشافعي ﵁:"فما جاز في البيع جاز في الصلح وما بطل فيه بطل في الصلح".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجملة الصلح ضربان: معاوضة، وحطيطة.
فأما المعاوضة: فهو أن يصالح علي حقه من غير جنسه، مثل ان يصالح علي دراهم بدنانير أو دنانير بدراهم، فهذا بيع يجرى عليه حكم فإن كان مما يدخله الربا كالصلح علي الدراهم بالدنانير أو علي البر بالشعير لزم فيه القبض قبل الافتراق ودخله خيار المجلس دون خيار الشرط.
وإن كان مما ربا فيه جاز فيه الافتراق قبل القبض وثبت فيه خيار المجلس وخيار الثلاث. وصح فيه دخول الأجل وأخذ الرهن فيه فيعتبر في صحته وفساده ما يعتبر في صحة البيع وفساده وهو الذي بدأ به الشافعي.
وأما الحطيطة فهو أن يصالحه من حقه علي بعضه وذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون الحق في الذمة.
والثاني: أن يكون عينا قائمة.
فإن كان الحق في الذمة فصورته: أن يدعي عليه مائة دينار فيتعرف بها فيصالحه منها علي خمسين ديناراً فهذا يكون إبراء.
فإن حط الباقي بعد الخمسين بالفظ الإبراء فقال قد صالحتك علي خمسين ديناراً وأبرأتك من الباقي صح. إلا أن يخرج الإبراء مخرج الشرط فيقول: إن أعطيتني خمسين ديناراً فقد أبرأتك من الباقي. أو يقول قد أبرأتك من خمسين ديناراً إن دفعت إلي خمسين ديناراً فلا يصح هذا لإبراء.
وكذلك لو قال إن أقررت لي بحقي فقد أبرأتك من خمسين ديناراً فأقر لم يبرأ من شيء لأن تعليق البراءة بشرط لا يصح.
فإن حط الباقي بغير لفظ الإبراء فقال: قد صالحتك من المائة علي خمسين ففيه وجهان:
احدهما: وهو قياس قول أبي إسحاق المروزي لا يصح.
والثاني: وهو قياس قول أبي الطيب بن سلمه يصح.
وتوجيه هذين القولين مبني علي ما نذكره عنهما فيما بعد. وإن كان الحق عيناً قائمة فصورته:
أن يدعي داراً في يد رجل فيعترف له بها ويصالحه منها علي نصفها فهذا يكون هبة. فإن فعل ذلك بالفظ الهبة فقال بعد أن أقر له بالدار قد وهبت لك نصفها صح. واعتبر فيها ما يعتبر في صحة الهبة من القبول ومرور زمان القبض. وهل يحتاج إلي إذنه
стр. 2609
في القبض؟ علي قولين: وإن لم يذكره بلفظ الهبة بل قال: صالحتك من هذه الدار علي نصفها ففيه وجهان:
أحدهما: وهو نص قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يجوز لأنه مالك لجميع الدار فلم يجز أن يصالحه علي بعضها كما لا يجوز فيما نص عليه الشافعي أن يصالحه علي سكناها.
الثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة انه يجوز لأنه لما جاز أن يصالحه علي ما في الذمة علي بعضه جاز أن يصالحه عن الأعيان علي بعضها. ومن هذين يخرج الوجهان الأولان وكل ذلك بناء علي اختلاف المذهبين في الصلح هل هو فرع لغيره أو أصل بذاته.
مسألته: قال الشافعي ﵁:"فإن صالح رجل أخاه من مورثه فإن عرفا ما صالحه عليه بشيء يجوز في البيع جاز"
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
ومقصود الشافعي بها تفسير قوله فما جاز في البيع جاز في الصلح وما بطل فيه بطل في الصلح، فذا ورث أخوان تركه صالح أحدهما الآخر علي مال من حقه لتصير له التركة كلها بإرثه وصلحه فهذا في حكم البيع لأنه يصير مشترياً من أخيه نصيبه من الميراث فيصح بثلاثة شروط يعتبر بها صحة البيع:
أحدها: معرفة التركة بالمشاهدة لها والإحاطة بها.
الثاني: معرفة قدر ما يستحقه المصالح بالإرث منها.
والثالث: كون العوض معلوماً تنتفي الجهالة عنه.
فإن لم يشاهد التركة أو جهلا حصة المصالح أو قدر العوض بطل الصلح.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عن:"ولو ادعي رجل علي رجل حقا فصالحه من دعواه وهو منكر فالصلح باطل ويرجع المدعي علي دعواه ويأخذ منه صاحبه ما أعطاه".
قال الماوردي: وهذا كما قال بالصلح علي الإنكار باطل حتى يصالح بعد الإقرار بالدعوي.
وقال أبو حنيفة ومالك يجوز الصلح مع الإنكار استدلالاً بعموم قوله تعالي: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [السناء:١٢٨] ولما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:"كل ما وقي المرء به عرضه فهو صدقة".
والصدقة تستحب لباذلها وتحل لآخذها فهكذا الصلح. ولأنه بذل مالاً في الصلح مختاراً فصح كالمقر به. ولأنه مدع لم يعلم كذبة فصح صلحه كالمقر له.
стр. 2610
ولأن اختلاف الأسامي يوجب اختلاف المعاني، فلما اختص الصلح باسم غير البيع وجب أن يكون مخالفاً لحكم البيع ولو كان لا يجوز إلا بعد الإقرار لكان بيعاً محضاً ولم يكن لاختصاصه باسم الصلح معني ولأن الاعتبار في الأصول بالآخذ دون الباذل. ألا تري أن شاهداً لو شهد علي رجل بعتق عبده فرت شهادته ثم ابتاعه الشاهد منه حل له أخذ ثمنه لاعتقاد إحلاله. وإن كان الباذل معتقداً لتحريمه فكذلك الصلح يحل للأخذ وإن كان الباذل منكراً.
ولأن في المنع من الصلح مع الإنكار منعاً من الصلح بكل حال لأنه يبعد الصلح مع الإقرار فلم يبق له محل إلا مع الإنكار.
ودليلنا قوله تعالي: ﴿ولا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] والصلح علي الإنكار من أكل المال بالباطل. لأنه لم يثبت له حق يجوز ان يعارض عليه.
وما روي عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال" الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراماً أو حرم حلالا".
والصلح علي الإنكار محرم للحلال ومحل للحرام لأنه يحل المعاوضة علي غير حق ثابت وذلك حرام. ويحرم علي المدعي باقي حقه وذلك حلال.
ولأن صلح علي مجرد الدعوى فوجب ان يكون باطلاً كما لو ادعي قتل عمد فصولح عليه مع الإنكار. ولأنه اعتاش عن حق لم يثبت له فوجبت ان لا يملك عوضه. أصله إذا ادعي وصية فصولح بما. ولأنه صالح من لم يعلم صدقه فوجب أن لا يصح كما لو علم كذبه.
ولأنه نوع معاوضة لا يصلح مع الجهالة فوجب أن لا يصح مع الإنكار كالبيع.
ولأن الصلح لما لم يجز علي مجهول ألوف فأولي ان لا يجوز علي مجهول العين.
ولأن المبذول بالصلح لا يخلو من أربعة أحوال:
إما أن يكون مبذولاً لكف الأذى.
أو يكون مبذولاً لقطع الدعوى.
أو يكون مبذولاً للإعفاء من اليمين.
أو يكون مبذولاً للمعاوضة. فلم يجز أن يكون مبذولاً لدفع الأذى لأنه من أكل المال بالباطل. ولم يجز أن يكون لقطع الدعوى لما فيه من اعتبار ما يمنع من الربا وهو: إذا كان الحق ألفاً لم يجز أن يصالحه علي أكثر منها. ولو كان دراهم صولح عليهم بدنانير لم يجز أن يفارقه قبل قبضها ولو كان لقطع الدعوى لجاز الافتراق. ولم يجز أن يكون للإعفاء من اليمين لما ذكرنا من الأمرين فثبت انه مبذول للمعاوضة.
стр. 2611
والمعاوضة تصح مع الإقرار وتبطل مع الإنكار، لأن ما لم يجب من الحقوق لم يجز المعاوضة عليه.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فهو أنها مخصوصة بما ذكرنا من الدلائل.
وأما الجواب عن استدلالهم بقوله ﵇"كل مال وقي المرء به عرضه فهو صدقة" فهو أن يكون المقصود به البر لأن المال لا يخلو المقصود به من ثلاثة أحوال:
إما أن يقصد به القربة وهو الصدقة.
أو الصلة وهو الهبة.
أو المعاوضة وهو البيع. وليس مال الصلح مقصوداً به البر ولا الصلة فثبت أن المقصود به المعاوضة والخبر لا يتناول المعاوضة فلم يكن فيه دلالة.
وأما الجواب عن قياسهم علي المقر فهو أن المعني في المقر أن العوض مأخوذ عما ثبت له فصح. وفي المنكر عما لم يثبت له فلم يصح.
فأما الجواب عن استدلالهم بأن اختلاف الاسامي يوجب اختلاف المعاني فاقتضي ان يكون الصلح مخالفاً للبيع.
فهو أن البيع مخالف للصلح من وجهين:
أحدهما: أن الصلح في الغالب يكون بعد التنازع والمخاصمة والبيع بخلافه.
والثاني: أن المقصود بالصلح الإرفاق وبالبيع المعاوضة.
فكان افتراقهما من هذين الوجهين لا من حيث ما ذكر من الإقرار والإنكار.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الاعتبار بالآخذ دون البازل كالشاهد فهو أنه ليس بصحيح. والشاهد إنما كان له ابتياع من شهد بعتقه لأنه كان محكوماً برقه لبايعه. وإن قصد مشتريه استنفاذه من رقه كما أن قصد من اشتري عبداً مسلماً من كافر استنفاذه من أسره.
وأما الجواب عن استلالهم بأن المنع من الصلح من الإنكار يفضي إلي المنع من الصلح بكل حال فغلظ؛ لأن المقر له قد يصالح أيضاً إما لكون المقر غاصباً بيده وإما لكونه مماطلاً بحقه ويرى أن يتعجل قبض البعض بالصلح ولا يمنع من الكل بالغضب أو المطل.
فصل
فإذا ثبت أن الصلح مع الإنكار لا يجوز فلو صالحه مع إنكاره كان الصلح باطلاً ولزم رد العوض ولم يقع الإبراء حتى لو صالحه من ألف درهم قد أنكرها علي خمسمائة درهم وأبرأه من الباقي لزمه في الحكم رد ما قبض ولم يبرأ مما بقي حتى لو أقام بالألف بينه عادلة كان له استيفاء جميعها، وإنما كان كذلك لأن ما قبضه بالصلح الفاسد لا يملكه كالمقبوض بالبيع الفاسد. والإبراء كان مقروناً بملك ما صالح به فلما
стр. 2612
لزمه رده لعدم ملكه بطل إبراؤه لعدم صفته، وكمن باع عبداً بيعاً فاسداً فأذن لمشتريه في عتقه فاعتقه المشترى بإذنه لم يعتق، لأن إذنه إنما كان مضموناً بملك العوض فلما لم يملكه بالعقد الفاسد لم يعتق عليه بالإذن، فإن قيل: افيسع صاحب الحق أن يأخذ ما بذل له بالصلح مع الإنكار إذا كان محقاً قيل بسعة ذلك ويجوز فيما بينه وبين الله تعالي فأما في ظاهر الحكم فيجب عليه رده.
فصل
فلو ادعى عليه ألفا فأنكره قم أبرأه منها قبل ثبوتها عليه بينة أو إقرار برئ منها لأن الإبراء إذا لم يكن عن عقد صلح كان مطلقاً فصح وإذا كان عن عقد صلح كان مقيداً بصحته فبطل ببطلانه ولكن لو لم يبرئه منها بلفظ الإبراء وقال قد حططتها عنك ففيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنه قد سقطت المطالبة بها وبرئ منها؛ لأن الحطيطة أحد ألفاظ الإبراء.
والثاني: أن المطالبة باقية ولا يبرأ من شيء لأن الحطيطة إسقاط وإسقاط الشيء إنما يصح بعد لزومه.
فصل
فلو ادعى عليه ألفا اقر بها ثم صالحه منها علي خمسمائة وأبرأه من الباقي فكان ما صالحه عليه من الخمسمائة مستحقاً فالصلح صحيح والإبراء لازم. ويرجع علي المقر ببذل ما استحق من يده وإنما كان كذلك لان ما في الذمم من الحقوق إذا أخذ به مال معين لم يتعين فيه إلا بأحد أمرين:
إما الاستقرار بالقبض باستقرار الملك.
وإما لتعيينه بعقد لازم. وهذا النوع من الصلح هو إبراء وليس بعقد من عقود المعوضات اللازمة. فغلب حكم الإبراء في صحة الصلح ولم يغلب حكم المعاوضة في إبطال الصلح.
فصل
إذا أقر المدعي عليه بالحق ثم أنكر جاز الصلح، وإن أنكر فصولح ثم أقر كان الصلح باطلاً. لأن الإقرار المتقدم لا يبطل بالإنكار الحادث فصح الصلح إذا أنكر بعد إقراره لوجوده بعد لزوم الحق. ولم يصح الصلح إذا كان عقيب إنكاره وقبل إقراره لوجوده قبل لزوم الحق.
فصل
فلو أنكر الحق فقامت عليه بينه عادلة جاز الصلح عليه للزوم الحق بالبينة كلزومه بالإقرار.
فلو كان المدعي عليه علي إنكاره فقال صالحني عليه لم يكن ذلك إقراراً فلا يصح
стр. 2613
الصلح معه. ولو قال ملكني ذلك كان إقراراً يصح الصلح معه.
والفرق بينهما: أن قوله صالحني يحتمل أن يكون أراد به قطع الخصومة وكف الأذى فلم يضره مقراً
وقوله ملكني لا يحتمل فصار به مقراً والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي ﵁:"ولو صالح عنه رجل يقر عنه بشئ جاز الصلح وليس للذي أعطي عنه أن يرجع عليه لأنه تطوع به"
قال في الحاوي: وصورتها ما شرحه الشافعي في "الأم"أن يريد الرجلات الصلح ويكره المدعي عليه الإقرار.
قال الشافعي ﵀: فلا بأس أن يقر رجل عن المدعي عليه ثم يؤدي إلي المدعي ما يتفقاه عليه فيكون صحيحاً وهذا علي ضربين:
أحدهما: أن تكون الدعوى حقا في الذمة.
والثاني: أن تكون عيناً قائمة.
فإن كانت الدعوي حقاً في الذمة جاز أن يصالح أجنبياً عنه بعد الإقرار عنه سواء أذن له في الصلح عنه أو لم يأذن.
لأن هذا الصلح إنما يوجب إسقاط الدين والبراء منه وذلك لا يفتقر إلي إذن من عليه الدين إلا تراه لو قضى الدين عنه بغير إذنه صح فكذلك إذا صالح عنه بغير إذنه صح.
وإذا كان كذلك فمن شرط هذا الصلح أن يقر عنه الأجنبي بالحق فيقول حقك ثابت علي فلان فصالحني عنه.
وهل يحتاج أن يقول وقد أقر عنه به؟ علي وجهين:
أحدهما: أنه يحتاج ان يقول حقك ثابت علي فلان وقد اقر عندي به ليصح أن يكون عالماً بثبوت الحق عليه.
الثاني: لا يحتاج إلي ذلك لأنه قد يعلم بذلك عن إقراره تارة وبغير إقراره أخرى.
فإذا أقر فصالح عنه صح الصلح ولزم المصلح عن غيره دفع ما اتفقا علي الصلح به وبرئ المدعي عليه من المدعي ولم يكن للمصالح أن يرجع عليه بما صالح به ما لم يأذن له فيه لأن تطوع بالغرم عنه كما لو تطوع بقضاء دينه. فأما إذا أذن له في الصلح عنه فهذا علي ضربين:
أحدهما: أن يأذن له في الصلح عنه دون الأداء فيقول صالح عني فلا رجوع له بما أداه في الصلح لأنه غير مأذون له في الأداء فصار متطوعاً.
الثاني: أن يأذن له في الأداء فينظر في إذنه بالأداء فإن قال له صالح وأدى لترجع علي فله الرجوع عليه وإن قال أد ولم يصرح بالرجوع ففي رجوعه وجهان:
стр. 2614
أحدهما: يرجع عليه لإذنه فيه.
والثاني: لا يرجع عليه لأن أمره بالأداء يحتمل أن يكون لمعني التطوع به ويحتمل أن يكون لمعني الرجوع عليه فلم يكن الإذن صريحاً في الرجوع به.
فصل
وإن كانت الدعوى عيناً قائمة فلا يخلو حال المصالح عنها من أحد أمرين:
إما أن يصالح عنها لنفسه.
أو يصالح عنها للمدعي عليه.
فإن صالح عنها للمدعي عليه فلا يخلو أما أن يصالح عنه بإذنه أو بغير إذنه فإن صالح عنه بإذنه جاز وهل يحتاج للوكيل في الصلح إلي الإقرار بها عنده؟ علي وجهين:
احدهما: لا يصح الصلح عنه بمجرد إذنه للوكيل حتى يقر بها عنده للمدعي ثم يقر الوكيل بذلك عند المدعي عند صلحه.
الثاني: وهو أصح ان الصلح يصح بإذنه للوكيل ولا يحتاج إلي إقراره عند الوكيل لأنه وكليه في الصلح نائب عنه، فإقراره عنده كإقراره عند نفسه. وإنما يقر الوكيل عنه علي ما ذكرنا من قبل، ويزيد فيه أن فلاناً وكلني في الصلح عنه.
فإن لم يذكر ذلك فهو علي ما نذكره من اختلاف الوجهين هل يكون إذنه شرطاً في صحة الصلح أم لا؟ فأما إذا صلح عنه بغير إذنه ففيه لا صحابنا وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي علي الطبري وأبي حامد، أن الصلح جائز لأنه لما جاز أن يصالح عما في الذمة بغير إذنه جاز أن يصالح عن العين القائمة بغير إذنه.
الثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة وأبو سعيد الاصطخرى أن الصلح باطل ما لم يكن من المدعي عليه إذن فيه؛ لأن في هذا النوع من الصلح تمليك عين فلم يصح بغير إذن من تملكها كمن اشترى لغيره شيئاً بغيره أمره. وبهذا المعني فارق ما في الذمة لان طريقه الإبراء ويصح من الإنسان أن يبرئ غيره بغير أمره وإذنه.
فصل
فأما إذا صالح عنها لنفسه فهذا في حكم من اشتري شيئاً مغصوبا فيحتاج أن يعترف للمدعي بالملك ويقر بأنه قادر علي انتزاع ذلك من يد المدعي عليه فيصح هذا ويكن بيعاً محضاً، فإن انتزع ذلك من يده برئ المدعي من ضمان العقد، وإن عاد فذكر أنه ليس يقدر علي انتزاعها من يده، فالقول قول مع يمينه إذا كذبه المدعي وله الرجوع بالعوض الذي بذله.
فصل
إذا أوقف رجل داراً بيده ثم ادعاها مدع فأقر له بها كان إقراره مردوداً لخروجها عن
стр. 2615
حكم ملكه بالوقف، وهكذا لو صدقه الذين وقفت الدار عليهم لم يبطل الوقف لما تعلق به من حقوق غيرهم من البطن الثاني أو الفقراء لكن لا حق لمن صدق منهم في الوقف. ويكون ذلك لغيرهم ممن لم يصدق. ويصح بهذا الإقرار وإن لم يبطل به الوقف إن يصالح المدعي المقر له فلو ان رجلاً جعل داراً في يده مسجداً وخلفها وأذن للناس فيها بالصلاة من غير أن يتلفظ بتسبيلها لم تصر سبله بهذا القدر.
وقال بعض العراقيين: متى خلفها وجعلها برسم المساجد خرجت من ملكه.
وقال آخرون: إذا صلي فيها المسلمون خرجت من ملكه وكل هذا خطأ؛ لأنه إزالة الأملاك لا تكون إلا بالقول كالعتق والوقف والطلاق.
فلو فعل ما ذكرنا فادعاها مدع فأقر له بها لزمه إقراره ولو صالحه عليها صح صلحه، فلو سبلها مسجداً ثم أقر بها لغيره لم يبطل التسبيل ولزمه غرم قيمتها لمن أقر له بها فلو صالحه علي ذلك صح صلحه.
ولو صالحه أهل المحلة وجيران المسجد جاز ولم يكن لهم أن يرجعوا علي المسبل بشيء ما لم يأمرهم بالصلح عنه.
مسألة: قال الشافعي ﵁: "ولو أشرع جناحاً علي طريق نافذة فصالحه السلطان أو رجل علي ذلك لم يجز ونظر فإن كان لا يضر ترك وإن ضر قطع"؟
قال في الحاوي: صورة هذه المسألة في رجل أشرع من داره جناحاً أو ساباطاً علي طريق فلا يخلو حال الطريق من أحد أمرين:
إما أن تكون نافذة أو غير نافذة. فإن كانت نافذة فلا يخلو حال الجناح من أن يكون مضراً بالمارة أو غير مضر.
فإن كان الجناح الخارج غير مضر بالمارة والمجتازين ترك علي حالة. ولم يكن لأحد من المسلمين ان يعترض عليه فيه. لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ انه مر بدار العباس بن عبد المطلب ﵁ فقطر عليه من ميزابه ماء فأمر بقلعه فخرج إليه العباس ﵁ وقالت ميزاباً نصبه رسول الله صلي الله عليه وسلم بيده فقال عمر: والله لا يعاد إلا علي ظهري فركب العباس ظهره وأعاد الميزاب في موضعه".
ولأنه لم يزل الناس قديما يفعلونه ورسوله الله صلي الله عليه وسلم ومن بعده من خلفائه يشاهدونه فلا ينكرونه فدل علي انه شرع مستقر وإجماع منعقد.
ولأنه لما جاز للناس الارتفاق بالطرق والمقاعد منها جاز لهم الارتفاق بهوائها.
فإن قيل أليس الإنسان ممنوع من وضع سارية في الطريق وبناء دكه وإن كان ذلك مرفقاً والعمل به جارياً فكذلك الجناح.
قيل السارية والدكة مضر بالناس لما فيه من تضايق الطريق عليهم.
стр. 2616
ولأنهم ربما ازدحموا فأضربهم أو سقط عليه ضرير لا يبصر فتأذى وليس كذلك الجناح في الهواء، فأما إن كان الجناح مضراً بالمارة والمجتازين قلع، ولم يقر، وأمر الإمام بهدمه وإن لم يختصم الناس إليه فيه.
وقال أبو حنيفة: إن خوصم فيه إلي الإمام قلعة، وإن لم يخاصم تركه لأن الإمام حاكم وليس بخصم، والحاكم لا يحكم ألا لطالب وهذا الذي قاله خطأ لأمرين:
أحدهما: أن الإمام مندوب لإزالة المنكر والنيابة عن كافة المسلمين في أبواب المصالح فوجب ان ينفرد بإزالة المنكر.
والثاني: أن ما يجوز إقراره لا يفتقر إلي الرضا به في الترك وكذا ما لايجوز إقراره لا يفتقر إلي إنكاره في القلع. وليس هذا من طريق الحكم فلا يحكم إلا لخصم لأن الخصم فيه لا يتعين فإنما كافة الناس فيه شرع واحد.
فإذا وجب قلعة فبذل صاحبه مالاً صلحاً علي تركه لم يجز لأمرين:
أحدهما: أنه صلح علي إقرار منكر.
والثاني: أنه صلح علي الهوى.
فأما حد ما يضر مما لا يضر فمعتبر بالعرف والعادة ومختلف باختلاف البلاد.
وقال أبو عبيد بن حربوية من أصحابنا: حد الضرر أن لا يمكن الفارس ان يختار تحته برمح قائم وحكي نحوه عن شريح.
وهذا التحديد ليس بصحيح لأن الرماح مختلفة في الطول والقصر. ولأن هذا يؤدي الي أن لا يخرج أحد جناحاً لأن الرمح قد يعلو علي المنازل في أكثر البلاد.
ولأنه لا مضرة علي صاحب الرمح في الاجتياز برمحه مائلاً. وإذا كان كذلك وجب أن يعتبر ذلك بحسب البلاد.
فإن كان البلد قد تجتاز في طرقه الجمال التي عليها الكبائس والعماريات وذلك علي ما يجتاز في الطرقات فحد الإضرار أن لايمكن اجتياز الكبائس والعماريات تحته وإن أمكن اجتيازها بمضر.
فإن كان البلد مما لم يجر عادة الكبائس والعماريات أن تجتاز به وجرت عادة الجمال المحملة أن تجتاز فيه فحد الإضرار فيها أن لا يمكن اجتياز الجمال المحملة تحته. وإن أمكن فليس بمضر.
وإن لم تجر عادة البلد باجتياز الفرسان فيه فحد الإضرار فيه أن لا يمكن اجتياز الرجل التام إذا كان علي رأسه حمولة مستعلية فإذا ثبت ما وصفنا فحد الإضرار معتبر بما ذكرنا.
стр. 2617
فصل
فإن كانت الطريق غير نافذة فليس له إخراج الجناح فيها إلا بإذن جميع أهلها سواء كان الجناح مضراً أو غير مصر.
لأن الطريق التي لا تنفذ مملوكة بين جميع أهلها وليس لأحدهم ان يتصرف فيها إلا بحق الاجتياز، فلم يجز ان يتعدى إلي إخراج كالأرض المشتركة أو الطريق المستحقة.
فإن صالح أهل الطريق علي مال في إقرار الجناح لم يجز لأنه صلح علي الهوى.
إلا ان يتصل بالعرضة كبناء بعضه في عرضة الطريق ثم يرفعه فيجوز.
ويكون ذلك بيعاً منهم بقدر حقوقهم من العرضة التي حصل فيها البناء فلو أذنوا جميعاً له في إخراج الجناح جاز مضراً كان أو غير مضر.
لأنه حق قد تعين لهم لا يشركهم فيه غيرهم وليس كالطريق النافذة التي يشترك فيها الكافة فلو رجعوا بعد إذنهم، فان كان رجوعهم بعد إخراج الجناح لم يكن لرجوعهم تأثير وكان له إقرار الجناح ما بقي.
وإن كان قبل إخراجه بطل ما تقدم من الإذن فكان إخراج الجناح كمن أخرج بغير إذن وكذا لو رجع أحدهم
مسألة: قال الشافعي ﵁:"ولو أن رجلين ادعيا داراً في يدي رجل فقالا ورثناها عن أبينا فأقر لأحدهما بنصفها فصالحه من ذلك الذي أقر له به علي شئ كان لأخيه ان يدخل معه فيه (قال المزني):قالت أنا: ينبغي في قياس قوله أن يبطل الصلح أقرب في حق أخيه لأنه صار لأخيه بإقراره قبل أن يصالح عليه إلا ان يكون صالح بأمره فيجوز عليه"
قال في الحاوي: وصورتها في أخوين ادعيا داراً في يد رجل ميراثاً عن أبيهما أو نسباً ذلك إلي جهة يستويان فيها غير الميراث كقولها ابتعناها من زيد أو استو هبناها من عمرو فيكون حكم هذا وحكم الميراث سواء لأنهما نسبا ذلك إلي جهة واحدة يستويان فيها. وإذا كان كذلك فلصاحب اليد ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يصدقهما ويقر لهما فيلزمه بإقراره تسليم الدار إليهما.
والحال الثانية: أن يكذبهما وينكرهما فالقول قوله مع يمينه ما لم يكن للأخوين بينه. فإن نكل عن اليمين ردت علي الأخوين فإن حلفا كانت الدار بينهما نصفين، وإن نكلا أقرت الدار في يد المدعي عليه. وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان نصف الدار للحالف بيمينه لا يشاركه أخوه في شئ منها والنصف الآخر مقر في يد (المدعى) عليه.
стр. 2618
والحالة الثالثة: أن يصدق أحدهما علي نصفها ويكذب الآخر فعليه اليمين لمن أنكره وينزع النصف الذي أقر به فيكون بين المقر له وبين أخيه نصفين.
وإنما كان كذلك لأنهما نسبا دعواهما إلي جهة يستوبان فيها ويشتركان فيما ملكاه بها وكان إنكاره النصف لأحدهما يجرى مجرى غصبه شيئاً من تركة أبيها.
ولو غصب من تركة أبيهما قبل القسمة واحد من عبدين أو داراً كانت الدار الباقية والعبد الباقي بنيهما والمغصوب بينهما.
فإن قيل أليس لو أنكرهما ونكل لفحل أحد الأخوين ونكل الآخرين كان النصف للحالف لا يشاركه فيه الناكل؟
قيل نعم والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الناكل سقط حقه بنكوله إذ قد كان يمكن أن يصل إليه بيمينه وليس كذلك في الإقرار.
والثاني: انه قد تقرر في الأصول ان احد لا يستحق بيمين غيره شيئاً وليس كذلك في الإقرار.
فصل
فإذا ثبت أن النصف المقر يكون بين الأخوين معاً فصالح الأخ المقر له بالنصف للمقر فهذا علي ضربين:
أحدهما: أن يصالحه علي حقه وهو الربع فالصلح جائز والشفعة فيما صالح من الربع واجبه وفيها قولان:
أحدهما: أنها تجب لأخيه المشارك في نصف الدار دون المقر.
والثاني: أنها تجب لأخيه وللمقر الذي صولح. فلا يكون للأخ أن ينزع من المصالح إلا قدر حقه، وفي حقه قولان:
أحدهما: انه بينهما نصفان
والثاني: انه بينهما علي قدر الماليين أثلاثاً.
وسنذكر توجيه القولين في كتاب الشفعة إن شاء الله.
والضرب الثاني: أن يصالحه علي جميع النصف فهذا علي ضربين:
أحدهما: ان يصالحه بإذن أخيه فالصلح في النصف كله جائز ويكون المال الذي وقع الصلح به بين الأخوين نصفين
والثاني: أن يصالحه بغير إذن أخيه فيكون الصلح في حق أخيه وهو الربع باطلاً. وهل يبطل في حق نفسه أم لا قولين من تفريق الصفقة:
أحدهما: يبطل.
والثاني: لا يبطل.
ويكون المصالح بالخيار بين فسخ الصلح واسترجاع العوض إلا أن يأذن الأخ إلى
стр. 2619
أخذه بالشفعة وبين أن يقيم علي الصلح في حقه وبماذا يقيم عليه علي قولين:
أحدهما: بجميع العوض وإلا فسخ.
والثاني: وهو أصح يقيم عليه بحسابه وقسطه وهو النصف.
فصل
فأما الإمام المزني فإنه نقل كلاماً محتملاً وتأوله تأويلاً فاسداً ثم اعترض عليه بما لو صح تأويله لصح اعتراضه وهو أنه نقل عن الشافعي:
إذ أقر لأحدهما بنصفه فصالحه من ذلك علي شيء كان لأخيه أن يدخل معه فيه فتأوله علي أن الشافعي أجاز صلحه في جميع النصف ثم جعل أخاه شريكاً له في مال الصلح، فاعترض عليه بأن قال: يجب أن يبطل الصلح في حق أخيه، وهذا وهم من المزني في تأويله، لأن مراد الشافعي بقوله كان لأخيه أن يدخل معه فيه: يعني في النصف من الدار لا في النصف من المال والجواب في الصلح علي ما شرحنا. والله اعلم.
مسألة قال الشافعي ﵁:" ولو كانت المسألة بحالها وأدعي كل واحد منهما نصفها فأقر لأحدهما بالنصف وجحد للآخر لم يكن للآخر في ذلك حق وكان خصومته".
قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا ادعي أخوان داراً في يد رجل ولم ينسباها إلي إنهما ملكاها بسبب واحد فأقر المدعى عليه لأحدهما بالنصف وأنكر الآخر فعليه اليمين لمن أنكره وينفرد المقر له بالنصف لا يشاركه الآخر فيه. لأنه لا تعلق لملك أحدهما بالآخر.
وهكذا لو ادعياها ميراثاً مقبوضاً قد استقر ملكهما عليها بالقسمة والقبض فصدق احدهما علي النصف وأنكر الآخر تفرد المقر له بالنصف ولم يشاركه الآخر فيه.
كما لو لم يضيفا ذلك إلي سبب واحد لأن الميراث إذا استقر ملكه بالقسمة والقبض لم يتعلق ملك أحدهما بالآخر. إلا تري لو اقتسما دارين واخذ كل واحد منهما إحدى الدارين ثم غصبت احدي الدارين من أحدهما انفرد الآخر بالباقية من غير أن يشاركه فيها أخوه. ولو غصبت قبل القسمة لشاركه فيها كذلك في الإقرار إذا صدق احدهما علي النصف قبل القسمة شاركه الآخر فيه. وإن صدقه بعد القسمة لم يشاركه الآخر فيه.
مسألة: قال الشافعي ﵁:" ولو كان أقر لأحدهما بجميع الدار فإن كان لم يقر للآخر بأن له النصف فله الكل وإن كان أقر بأن له النصف ولأخيه النصف كان لأخيه أن يرجع بالنصف عليه".
стр. 2620
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ادعي الإخوان داراً في يد رجل فاعترف المدعي عليه لأحد الأخوين بجميع الدار وأنكر الذاخر فهذا علي ضربين:
أحدهما: أن ينسبا تلك إلي جهة واحدة يستويان فيها فتكون الدار للأخوين معاً.
والثاني: أن لا ينسباها إلي جهة يتساويان فيها فللمقر له حالان:
حال يقبل الإقرار بجمعيها، وحال لا يقبل. فإن لم يقبل الإقرار بجميعها كان له النصف الذي ادعاه. فإما لنصف الآخر الذي أقر له به ولم يقبله ففيه لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون مقراً في يد المدعي عليه ويكون المكذب خصماً له فيه لأنه لم يستحق أخذه مع أن يده عليه.
والوجه الثاني: انه ينزع النصف من يده ويوضع علي يد حاكم حتى إذا ثبت عنده مستحقه سلمه إليه لأن إقراره أوجب رفع يده.
والثالث: أنه يدفع إلي مدعيه لأنه خصم له فيه. وإن قبل مدعي النصف الإقرار بالكل انتزع الكل من المدعي عليه ثم نظر فإن كان المقر له قد حفظ عليه تصديق أخيه في ادعائه النصف أما قبل الإقرار له أو بعده لزمه تسليم النصف إلي أخيه. بما تقدم من إقراره؛ لأن إقراره علي غيره لا يلزم فإذا صار القبض إلي يده لزمه.
ألا تري أن رجلاً لو أقر أن الدار التي في يد فلان مغصوبة من فلان لم يلزمه إقراراه فلو صارت الدار إليه ببيع أو هبة أو ميراث لزمه إقراراه ووجب عليه تسليم الدار إلي من اقر بغصبها منه فأما إن لم يكن مدعي النصف صدق أخاه في دعواه فله أن ينفرد بجميع الدار ولا حق فيها لأخيه إلا أن يستأنف الدعوي عليه فيصير خصماً له فيها.
فإن قيل: فهو إنما ادعي النصف فكيف يجوز أن يدفع إليه الكل ويزاد علي ما ادعاه قيل قد اختلفت أصحابنا.
فكان بعضهم لأجر هذا السؤال يقول: إن المسألة مقصورة علي أنه ادعي نصفها ملكاً وباقيها يدا. فإذا أقر له بالجميع دفع إليه بدعوى الملك واليد ولم لم يدع هذا لم يدفع إليه إلا النصف.
وقال جمهور أصحابنا: بل يدفع إلي جميعها وإن لم يدع سابقاً إلا نصفها لأنه ليس بمنكر ان يكون له جميع الدار فيدع نصفها لأمور:
منها: أن يكون نصفها مصدق عليه فلم يدعيه ونصفها منازع فيه فادعاه.
ومنها: أن يكون له بنصفها بينه حاضرة وبنصفها بينه غائبة فيدعي نصفها لتشهد به البينة الحاضرة ويؤخر الدعوى في النصف الآخر إلي أن تحضر البينة الغائبة.
ومنها: أن يدعى ما لا منازعة له فيه استثقالاً للخصومة وهي تأخير النزاع.
فلهذه الأمور صح إذا ادعي النصف أن يدفع إليه الجميع.
стр. 2621
مسألة: قال الشافعي ﵁: " وإن صالحه علي دار أقر له بها بعبد قبضه فاستحق العبد رجع إلي الدار فأخذها منه"
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ادعي عليه داراً في يده فأقر بها ثم صالحه منها علي عبد فاستحق العبد فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون العبد معيناً فالصلح باطل كما لو ابتاع داراً بعبد فاستحق العبد. وله أن يرجع بالدار كما يرجع به البائع.
إلا أن يستأنف صلحاً ثانياً وكذا لو كان البعد مرهوناً أو مكاتباً أو مات قبل قبضه. ولا يبطل الصلح لو كان مدبراً أو موصى بعتقه أو معتقاً بصفة.
الثاني: أن يكون العبد غير معين موصوف في الذمة، فالصلح لا يبطل باستحقاقه وعليه أن يأتي بعبد علي مثل صفته كما لو استحق العبد المقبوض في المسلم.
ولو كان العبد معيناً فقتل قبل قبضه ففي بطلان الصلح بقتله قولان ذكرناهما في البيوع.
مسألة: قال الشافعي ﵁:" ولو صالحه علي ان يسكنها الذي هي في يديه وقتاً فهي عارية إن شاء أخرجه منها"
قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا ادعي عليه داراً فاعترف بها ثم صالحه علي أن يكسنها المقر سنة كان الصلح باطلاً.
لأن الصلح إنما يصح إذا عاوض علي ما يملك بما لا يملك. وهذا قد عاوض علي ملكه بملكه لأن من ملك داراً ملك سكناها.
فإن قيل أفليس لو صالحه علي نصفها جاز، قيل قد ذكرنا فيه وجهين:
أحدهما: لا يجوز للعلة التي ذكرناها.
والثاني: يجوز.
والفرق بينهما أن الصلح عن النصف هبة. والهبة لازمه فصار الصلح بها لازماً والصلح علي السكني عارية والعارية غير لازمه فصار الصلح بها غير لازم، فإذا ثبت أن هذا الصلح باطل فالمالك الدار أن يسكنه إياها إن شاء وله أن يخرجه منها متى شاء كالدار العارية ولا أجرة عليه.
فلو جعل الصلح علي السكني شرطاً في إقراره فقال قد أقررت لك بهذه الدار علي أن أسكنها سنة بطل اشترط السكني والصلح عليه.
فأما الإقرار فقد اختلف أصحابنا فيه:
فذهب أبو علي بن خيران إلي بطلانه لكونه إقراراً مقيداً بشرط.
وذهب سائر أصحابنا إلي صحة الإقرار ولزومه لأنه إقرار بشرط في عارية.
стр. 2622
مسألة قال الشافعي ﵁: " أو صالحه منها علي خدمة عبد بعينه سنة فباعه المولي كان للمشتري الخيار في أن يجيز البيع وتكون الخدمة علي العبد للمصالح أو يرد البيع".قال في الحاوي: وهذا كما قال. إذا صالح المقر بالدار علي خدمة عبد معين سنة جاز الصلح. لأن المقر عاوض علي الدار بما ملكه من خدمة العبد.
وصار المقر له بالدار مستأجراً للعبد سنة بالدار التي قد ملكها بالإقرار فلو باع المولي عبده قبل مضي السنة كان الصلح علي حاله وفي البيع قولان: -
أحدهما: باطل لأن تسليمه غير مستحق كالبيع بشرط تأخير القبض.
والثاني: وهو أصح أن البيع جائز لان استحقاق المنفعة لا يمنع بيع الرقبة كالأمة المزوجة.
فعلي هذا أن كان المشترى عالماً بالحال فلا خيار له وإن كان جاهلاً بها فله الخيار بين الفسخ والمقام. ويمكن المصالح منه ألي انقضا مدة الخدمة. ولا رجوع له علي البائع بشئ من أجرتها، لأنها مستحقة قبل عقده.
أما إذا ابتاعه المصالح فالبيع جائز قولاً واحداً. إلا أن في قبضه وانفساخ الإجارة وجهان:
أحدهما: لا تنفسخ كما لو باعه علي غيره فعلي هذا الصلح علي حاله.
والثاني: أنها قد انفسخت كما لو تزوج أمته ثم ابتاعها بطل النكاح المتقدم بالبيع الطارئ.
كذا تبطل الإجارة السالفة بالبيع الحادث فعلي هذا قد بطل الصلح وملك العبد بالبيع.
فصل
فأما إذا اعتق السيد عبده الذي صالح بخدمته فعتقه نافذ لأنه صادف ملكاً تاماً فلم يمنع استحقاق المنفعة كعتق الأمة المزوجة، وعلي العبد المعتق خدمة المصالح باقي السنة، وهل له ان يرجع علي سيده الذي اعتقه بأجرة الخدمة بعد عتقه علي قولي:
أحدهما: يرجع عليه بأجرته فيما بقي من المدة بعد عقته أن نفوذ عتقه يمنع من استحقاق منافعه فصار كالأخذ لها بغير حق فضمن كالغاضب.
والقول الثاني: لا رجوع له بشئ لأن عتق السيد أزال ما كان مالكاً له وخدمة العبد، تلك السنة لم يكن السيد مالكاً لها فلم يتعلق حكم العتق بها ولم يستحق العبد رجوعاً بسببها كالأمة المزوجة إذا عتقت لم تستحق الرجوع علي سيدها بالمهر.
стр. 2623
فصل
فأما إذا كاتبه السيد فالكتابة باطلة لأنه لا يقدر علي التصرف لنفسه ولا علي تملك كسبه ولكن لو دبره صح التدبير. وكذلك لو اعتقه بصفة.
فأما إذا أجره من غير المصالح فالإجارة باطلة لأن ما توجه إلي عقد الإجارة مستحق من قبل، وإن عقد علي ما بعد السنة فهو باطل، لأنه عقد علي عين بشرط تأخير القبض.
إما إذا رهنه فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من أجرى الرهن مجرى البيع فعلي هذا يخرج علي قولين:
ومنهم من أجرى ذلك مجرى الإجارة لنا في الحال متوجه إلي المنفعة، فعلي هذا يكون باطلاً قولاً واجداً فأما إذا وهبه ففيه قولان كالبيع سواء.
مسألة" قال الشافعي ﵁ " ولو مات العبد جاز من الصلح بقدر ما استخدم وبطل منه بقدر ما بقي"
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا مات العبد الذي صالحه علي الدار بخدمته سنة لم يخل حال موته من ثلاثة أحوال.
أحدهما: أن يموت في الحال قبل مضي المدة أو شيء منها فالصلح قد بطل لتلف العوض فيه قبل قبضه كتلف الثمن المعين قبل القبض، وللمصالح أن يرجع بالدار كما يرجع البائع بالبيع.
والثانية: أن يموت بعد مضى السنة كلها فالصلح قد تم وحكمه قد أنبرم وموت العبد غير مؤثر لاستيفاء المعقود عليه قبل موته.
والثالثة: أن يموت بعد مضي بعض المدة وبقاء بعضها فالصلح قد بطل فيما بقي من المدة لفوات قبضه بالموت، وأما فيما مضي من المدة المستوفاة فهو علي اختلاف أصحابنا في الفساد في بعض الصفقة إذا طرأ بعد العقد هل يجرى مجرى الفساد المقارن للعقد.
فذهب أبو إسحاق المرزوي انه يجرى مجرى الفساد المقارن للعقد، فجعل بطلان الصلح فيما مضي من المدة قولين من تفريق الصفقة.
أحدهما: قد بطل الصلح فيما بقي ووجب علي المصالح أجره ما استخدم فيما مضى من المدة وله استرجاع الدار.
والثاني: لا يبطل لكن يكون بالخيار بين الفسخ والمقام فإن فسخ رجع بالدار وغرم أجرة ما مضى من المدة، فإن أقام فعلي قولين:
أحدهما: يقيم عليه بجميع الصلح.
стр. 2624
والثاني: بحسابه وقسطه.
وقال جمهور أصحابنا أن الفساد الحادث بعد العقد مخالف للفساد المقارن للعقد لسلامة الصفقة عند عقدها. فيكون الصلح فيما مضي من المدة جائراً قولاً واحداً. فعلي هذا. هل للمصالح خيار أم لا؟ علي وجهين
أحدهما: لا خيار له لاستقرار قبضة وفوات رده. فعلي هذا يقيم علي ما مضي من المدة بحسابه من الصلح وقسطه ويرجع من الدار بقسط ما بقي من المدة
والثاني: له الخيار لأنه عاوض علي مدة كاملة وصفقة سليمة فكان النقص فيها غبناً موجباً للخيار كالنقص في الأعيان. فعلي هذا يكون بالخيار بين أن يفسخ الصلح فيما مضى وبين ان يقيم.
فإن فسخ فيما مضي غرم مثل أجره تلك المدة واسترجع الدار كلها. وإن أقام فعلي قولين
أحدهما: يقيم علي ما مضي بجميع الصلح
والثاني: بحسابه وقسطه.
مسالة: قال الشافعي ﵁" وإذا تداعي رجلان جداراً بين دارنهما فإن كان متصلا ببناء احدهما اتصال البنيان الذي لا يحدث مثله إلا من أول البنيان جعلته له دون المنقطع منه وإن كان يحدث مثله بعد كمال بنيانه مثل نزع طوبة وإدخال أخرى أحلفتهما بالله وجعلته بينهما وإن كان غير موصول بواجد من بنائهما أو متصلا ببنائهما جمعياً جعلته بينهما بعد أن احلف كل واحد منهما"
قال في الحاوي: وصورتها: في حائط بين دارين تنازعه المالكان وقال كل واحد منهما هو ولي جونك ولا بينه لو احد منهما علي دعواه.
فلا يخلو حال الحائط من ثلاثة أقسام.
إما أن يكون متصلا ببنائهما أو يكون منفصلاً عن بنائهما أو يكون متصلاً ببناء احدهما منفصلا عن بناء الآخر.
فإن كان متصلا ببنائهما أو منفصلاً عن بنائهما فهما في الحكم سواء علي ما نذكره وإن كان متصلاً ببناء احدهما دون الآخر واتصاله هو أن يكون بناء احدهما قد اتصل ببينه الحائط علي ما لا يمكن إحداث مثله بعد كمال البناء فصارت حائطين احدهما المعارضة مسنده بالحائط المتنازع فيه سواء كان اتصال تربيع أم لا.
وقال أبو حنفية: اتصال البناء ان يكون تربيع دار احدهما مسندة بالحائط المتنازع فيه ولا يكون اتصال بعض الحدود مؤثراً.
وهذا خطأ، لأن اتصاله ببعض حدود الدار مما لا يمكن إحداثه بعد كمال البناء.
стр. 2625
كما أن اتصاله بجميع الحدود تربيعاً لا يمكن إحداثه بعد كمال البناء فوجب أن يكون الحكم فيهما علي سواء. فأما أن كان علي الحائط لأحدهما أزج أو قبة نظر في الحائط فإن كان قد بني من أساسه متعرجاً علي ما جرت به عادة بعض القباب والازاج فهذا اتصال.
لأن هذا التعريج لا يمكن إحداث مثله بعد كمال البناء.
وإن لم يكن بناء الحائط متعرجا فالأزج المبني عليه والقبة لا يكون متصلاً بالحائط كله لأن إحداث مثل الازج والقبة علي الحائط بعد كمال البناء ممكن فصار كالاجذاع. لكن ما كان من اعلي الحائط خارجاً عن تعريج القبة والازج فهو لصاحبه القبة والازج، وما انحدر عنه من انتصاب الحائط في حكم المنفصل غير المتصل وأما إن كان الحائط المتنازع فيه ينتهي طولاً إلي أن يتجاوز ملك ولا يتجاوز ملك الآخر مثل أن يكون طول الحائط عشرين ذراعاً وعرصه احدهما عشرة اذرع وعرصة الآخر عشرون ذراعاً فيتنازعون من الحائط ما كان بين عرصتيهما معاً دون القدر المجاوزة فقد اختلف أصحابنا هل يكون هذا في حكم المتصل أو المنفصل، علي وجهين:
أحدهما: يكون في حكم المتصل لأن ما اتصل بعرضه في بناء احدهما بمثل ما اتصل بطوله.
والثاني: أن لا يكون متصلا ويكون في حكم المنفصل لأن اتصال العرض لا يمكن إحداثه بعد كمال البناء واتصال الطول يمكن إحداثه بعد كمال البناء.
فإذا ثبت أن الاتصال ما ذكرنا وكان متصلا ببناء احدهما دون الآخر فهو لمن اتصل ببنائه بعد أن يحلف لصاحبه وإنما كان كذلك لأمرين:
أحدهما: أن اتصاله بما له تصرف فيه يد وصاحب اليد المتصرفة أحق من غيره كمن نوزع شيئاً في يده.
والثاني: أن اتصاله بملكه دليل علي تملكه كمن نوزع بناء في أرضه كان لصاحب الأرض دون منازعة. ثم لزمنه اليمين لأن هذا دال علي الملك وليس بموجب له فلزمت فيه اليمين كاليد.
فصل
فأما إذا كان متصلا ببنائيهما أو منفصلاً عن بنائيهما فهما فيه سواء ويتحالفان عليه. وهل يكون الحاكم مخيراً في الابتداء بإحلاف أيهما شاء أو يقرع بينهما؟ علي وجهين:
أحدهما: يكون مخيراً لاستوائها.
والثاني: يقرع بينهما لانتفاء التهمة عنه.
وفي قدر ما يحلف كل واحد منهما عليه وجهان:
стр. 2626
أحدهما: وهو قول البغداديين. أنه يحلف على نصفه لأنه يحلف على ما يصير إليه بيمينه والذي يصير إلى كل واحد منهما النصف.
والثاني: وهو قول جمهور أصحابنا أنه يحلف على جميعه لأنه يحلف على ما يدعيه وهو يدعي جميعه.
ثم على كلا الوجهين لابد أن يتضمن يمينه النفي والإثبات. لأنه ينفي ملك غيره ويثبت ملك نفسه.
ولكن اختلف أصحابنا هل يحتاج إلى يمين واحدة للنفي والإثبات أو يحتاج إلى يمينين أحدهما للنفي والأخرى للإثبات على وجهين:
أحدهما: أنه يحلف يمينًا واحدًا تتضمن النفي والإثبات لأنه أفضل للقضاء وأثبت للحكم.
والوجه الثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي علي بن خيران وطائفة أنه يحلف يمينين أحدهما للنفي لأنه منكر بها، والثانية للإثبات لأنه مدع بها.
فإذا ثبت ما وصفنا لم يخل حالهما من ثلاثة أحوال:
أما أن يحلفا معًا فيجعل الحائط بينهما بأيمانهما.
أو ينكلا معًا فيمنعان من التخاصم ولا يحكم لواحد منهما بملك شيء منه ويكون الحائط موقوفًا على ما كان عليه من قبل.
أو يحلف أحدهما وينكل الآخر فيحكم به للحالف منهما دون الناكل.
وهكذا لو حلف أحدهما يمينين على أحد الوجهين وحلف الآخر يمينًا واحدًة حكم به للحالف بيمينين وكان الحالف يمينًا بمثابة الناكل لأن يمينه لم تكمل. فلو أقام الناكل بينه كان أحق ببينته من يمين صاحب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلاَ أَنْظُرُ إِلى مَنْ إِلَيْهِ الخَوَارجَ وَلاَ الدَّوَاخِلِ وَلاَ أَنْصَافُ اللِّبْنِ وَلاَ مَعَاقِدُ القِمْطِ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا دَلاَلَةٌ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح. والدواخل هي وجوه الحيطان. والخوارج هي ظهور الحيطان وأنصاف اللبن فيه تأويلان حكاهما ابن أبي هريرة.
أحدهما: أن تكون كسور أنصاف اللبن إلى أحدهما والصحيح منه إلى الآخر.
والثاني: أنه إفريز يخرجه البنَّاء في أعلى الحائط نحو نصف لبنة ليكون وقاية للحائط من المطر وغيره.
وأما معاقد القمط فتكون في الأخصاص وهي الخيوط التي يشهد بها الخص. لأن القمط جمع قماط وهو الخيط.
فإذا تنازع جاران حائطًا بينهما وكان إلى أحدهما الدواخل وأنصاف اللبن لم يكن
стр. 2627
ذلك دليلاً على ملكه.
وكذلك لو ادعى خصًا وكان إلى أحدهما معاقد القمط لم يكن ذلك دليلاً على ملكه وهو قول أبي حنيفة.
وجعل أبو يوسف ومحمد هذه دلائل على الملك وهو قول بعض أهل المدينة.
استدلالاً بما روي أن رجلين تنازعا جدارًا بينهما فأمر النبي ﷺ حذيفة أن يحكم فحكم بالجدار لمن إليه معاقد القمط فقال النبي ﷺ أصبت.
قالوا: لأن العادة جارية في بناء الحائط أن يكون وجهه إلى مالكه وظهوره إلى غيره ومعاقد الخص تكون إلى مالكه فوجب أن يحكم بظاهر العادة.
كما يحكم في اتصال البنيان.
وهذا خطأ لعموم قوله ﷺ : "البَيِّنَةُ عَلَى المُُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ".
ولأن هذه أمور قد يقصد بها في البناء والجمال.
فربما أحب الإنسان أن يجعل أجمل بنيانه، وأحسنه إلى منزله، وربما أحب أن يجعله خارجًا فيما يراه الناس.
فلم يجز مع اختلاف العادة فيه في سائر الأغراض أن يجعل دالاً على الملك كالتزاويق والنقش لا يكون وجوده من جانب أحدهما دليلاً على ملكه كذلك ما ذكرناه.
فأما الجواب عن الخبر فهو أنه ضعيف لأن رواية دهثم بن قران وهو مرغوب عنه. فإن صح لم يكن فيه دلالة. لأنه لم يجعل معاقد القمط علة في الحكم وإنما جعل تعريفًا لمن حكم له كما لو قيل حكم للأسود لم يدل على أن السواد علة للحكم وإنما يكون سمة وتعريفًا لمن وجب له الحكم. وأما ادعاؤهم العرف لمعتاد فيه فغير صحيح لما ذكرنا من اختلاف الأغراض فيه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلَوْ كَانَ لأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ وَلاَ شَيْءَ للآخَرِ عَلَيْهِ أَحْلَفْتُهُمَا وَأَقْرَرْتُ الْجُذُوعِ بِحَالِهَا وَجَعَلتُ الجِدَارِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَرْتَفِقُ بِجِدَارِ الرَّجُلِ بِالجُذُوعِ بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ".
قال في الحاوي:؛ وهذا كما قال: إذا تنازع الجاران حائطًا بينهما وكان لأحدهما عليه جذوع فهما فيه سواء.
قال أبو حنيفة: صاحب الجذوع أحق به إذا كانت جذوعه ثلاثة فصاعدًا فإن كانت أقل من ثلاثة وكان بدل الجذوع متصلاً فيهما فيه سواء استدلالاً بأن وضع الجذوع أوكد من اتصال البناء. لأن وضع الجذوع يثبت يدًا وارتفاقًا واتصال البناء يثبت أحدهما وهو الارتفاق دون اليد فلما كان اتصال البناء إلا على الملك كان وضع الجذوع أولى بأن يدل على الملك.
стр. 2628
ولأن وضع الجذوع تصرف في الملك فوجب أن يكون دالاً على الملك كالأزج والقبة.
ولأن وضع الجذوع هو تركيب على الحائطين يجرى مجرى ركوب الدابة وقد ثبت أن دابة لو تنازعها راكبها وأخذ بلجامها كان راكبها أحق بها ممن هو أخذ بلجامها فكذلك الحائط إذا تنازعه صاحب الجذوع وغيره. كان صاحب الجذوع أحق.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه هو أن كل ما لم يكن قليله دالاً على الملك لم يكن كثيره دالاً على الملك كالقصب والرفوف.
ولأن ما أمكنت أحاثه بعد كمال البناء لم يكن دالاً على ذلك البناء كالجص والنقش.
ولأنه لو كان بين صاحب الأجذاع والحائط طريق نافذة كالساباط لم يكن وضع أجذاعه فيه دليلاً على ملكه له، كذلك إذا اتصل بملكه.
لأن وضع الجذوع لو كان يدًا لاستوى الأمران في الاتصال بالملك والانفصال عنه.
ولأن وضع الأجذاع في الحائط قد يكون بالملك تارة وبالإذن أخرى وبالحكم على ما نذكره تارة. فلم يجز مع اختلاف أسبابه أن يكون مقصورًا على أحدهما في الاستدلال به على الملك.
فأما الجواب على استدلاله باتصال البنيان فهو أن ذلك مما لا يمكن حدوثه بعد كمال البنيان فجاز أن يدل على الملك لافتراقه به. وليس كذلك الجذوع.
وبمثله يكون الجواب عن الأزج والقبة إن كان مما لا يمكن حدوث مثله بعد البنيان.
وأما الجواب عما استدلوا به من راكب الدابة وقائدها فقد اختلف فيه أصحابنا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنهما في الدابة سواء تكون بينهما نصفين فعلى هذا يسقط الاستدلال به.
والثاني: أن الراكب أحق بها من الآخذ بلجامها.
والفرق بين ذلك وبين وضع الجذوع وتركيبها على الحائط من وجهين:
أحدهما: أن الإجماع مانع من ركوب دابة الإنسان لا بإذنه، فجاز أن يكون ركوبها دليلاً على ملكه.
والخلاف منتشر في أن الإنسان أن يضع أجذاعه جبرًا في حائط غيره فلم يكن وضعها دليلاً على ملكه.
والثاني: أن الركوب لما كان تصرفًا لا يختلف حكمه بين وجوده في الملك وغير الملك جاز أن يكون دليلاً على الملك.
ولما كان وضع أجذاع الساباط الذي لا يتصل بالملك لا يدل على الملك لم يكن
стр. 2629
وضع الأجذاع دالاً على الملك.
فإذا تقرر أن وضع الجذوع لا يدل على الملك فإنهما يتحالفان ويجعل بينهما وتقر الجذوع على ما كانت عليه لأنه يجوز أن يكون وضعها بحق وإن لم يملك الحائط.
فصل
فأما إذا تنازعا حائطًا في عرصه هي لأحدهما فإنه يكون لصاحب العرصة لأن يده عليه.
وهكذا لو تنازعا علو حائط أسفله لأحدهما كان لصاحب السفل مع يمينه لما ذكرنا من ثبوت اليد. ولكن لو تنازعا عرصة حائط هو لأحدهما ففيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنها تكون لصاحب الحائط لأن تصرفه فيها أظهر.
والوجه الثاني: أنهما فيها سواء كوضع الجذوع.
وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا فيمن أقر لرجل بحائط هل يدخل قراره في إقراره. أو باع حائطًا هل يدخل قراره في بيعه على وجهين.
فصل
فأما قول الشافعي ﵁ لأن الرجل قد يرتفق بجدار الرجل بأمره وغير أمره.
فقد روي في القديم حديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ" قال أبو هريرة مَا لِي أَراكُمْ عَنْهَا مُعْرِضينَ. وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمُ.
فكان يذهب في القديم إلى أن للجار أن يضع أجذاعه في جدار جاره جبرًا بأمره وغير أمره. وبه قال مالك تعلقًا بهذا الحديث.
ثم رجع عنه في الجديد وقال ليس له أن يضع أجذاعه في جدار جاره إلا بأمره كما ليس له أن يتصرف في غير ذلك من الأملاك التي لجاره إلا بأمره.
ولأن الشريك في الملك أقوى من جار الملك وليس لأحد الشريكين أن ينفرد بالتصرف، فالجار أولى، وهذا قول أبي حنيفة. فعلى هذا يكون حديث أبي هريرة محمولاً على أحد وجهين:
أحدهما: أن يحمل على الاستحباب والندب لا على الوجوب والحتم.
والثاني: أنه محمول على الجار ليس له منع صاحب الحائط من وضع أجذاعه في حائطه وإن كان مضرًا بالجار في منع ضوء أو إشراف ليكون موافقًا للأصول.
فإن قيل لم قال الشافعي في القديم لأن الرجل قد يرتفق بجدار الرجل بأمره وغير أمره وهو في الجديد لا يقول هذا، قلنا فيه تأويلان:
стр. 2630
أحدهما: بأمره يعني مجاهرًا وبغير أمره يعني ساترًا.
والثاني: بأمره يعني باختياره وبغير أمره يعني بإجبار من يرى ذلك من القضاة والحكام. فإذا تقرر ما ذكرنا فإن قلنا بوجوب ذلك عليه على مذهبه في القديم لم يكن له منع جاره من وضع أجذاعه في جداره. وكان للجار أن يضع في الجدار ما احتمله من الأجذاع ولو صالحه من وضع الأجذاع على عوض لم يجز لوجوب ذلك عليه ومن وجب عليه حق له يجز أن يعتاض عليه.
ولو انهدم الحائط لم يلزم مالكه أن يبنيه إلا باختياره.
فإن بناء كان للجار أن يعيد أجذاعه فيه.
ولو أراد الجار بناء الحائط عند امتناع صاحبه عن بنائه كان له ذلك ليصل بذلك إلى حقه من وضع أجذاعه فيه، وإذا قلنا بقوله في الجديد إن ذلك ليس بواجب وهو القول الصحيح.
فليس للجار أن يضع أجذاعه في الجدار إلا بإذن مالكه واختياره ويجوز للمالك أن يأذن له فيه بعوض وغير عوض، لان ما لا يملك عليه يجوز أن يعاوض عليه إذا كان معلومًا، فإن أذن فيه بغير عوض كانت عارية وجاز أن لا يشترط عدد الأجذاع ولا يعلم طولها ولا موضع تركيبها، لأن الجهل بمنافع العارية لا يمنع من صحتها.
ثم ليس له أن يرجع في العارية ما بقي الحائط لأن موضع الأجزاع يراد الاستدامة فكان إطلاقه الإذن محمولاً عليه. كمن أعار أرضه لدفن ميت لم يكن له الرجوع في عاريته وإخراج الميت منها بعد دفنه ولكن لو إنهدم الحائط وأعاده مالكه فهل لصاحب الأجزاع أن يعيد وضعها فيه بالإذن المتقدم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: له ذلك لأنه صار مستحقًا على التأييد كما لو كان الأول باقيًا.
والثاني: وهو أصح ليس له ذلك إلا بإذن مستحدث. لأن حكم العارية قد انقطع بانهدام الحائط، ولأنه إنما استحق تأييد ذلك لما فيه نزعها من الأضرار به وقد لحقه ذلك بانهدامه. ولكن لو أعار أرضًا لدفن ميت فنبشه سبع أعيد دفنه فيها من غير إذن ستحدث وجهًا واحدًا.
ولو أكله السبع لم يجز أن يدفن غيره فيها إلا بإذن جديد لذهاب ما كان مستحقًا لمنفعة العارية.
ولو كان قد أذن له في وضع جذع في حائطه فانكسر الجذع كان له إعادة غيره.
والفرق بينه وبين الميت أن المنع من الرجوع في عارية القبر لحرمة الميت. فإذا أكله السبع انقضت حرمته عن المكان.
والمنع من الرجوع في موضع الأجذاع لما يلحقه من الضرر بانهدام السقف وهذا موجود بعد انكسار الجذع، فأما إذا أخذ منه على وضع أجذاعه عوضًا فلا يصح إلا بعد معرفة عدد الأجذاع وطولها وامتلائها وموضعها من الحائط وقدر دخولها فيه.
следующие страницы →