← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

أحدهما: وهو قول البغداديين. أنه يحلف على نصفه لأنه يحلف على ما يصير إليه بيمينه والذي يصير إلى كل واحد منهما النصف. والثاني: وهو قول جمهور أصحابنا أنه يحلف على جميعه لأنه يحلف على ما يدعيه وهو يدعي جميعه. ثم على كلا الوجهين لابد أن يتضمن يمينه النفي والإثبات. لأنه ينفي ملك غيره ويثبت ملك نفسه. ولكن اختلف أصحابنا هل يحتاج إلى يمين واحدة للنفي والإثبات أو يحتاج إلى يمينين أحدهما للنفي والأخرى للإثبات على وجهين: أحدهما: أنه يحلف يمينًا واحدًا تتضمن النفي والإثبات لأنه أفضل للقضاء وأثبت للحكم. والوجه الثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي علي بن خيران وطائفة أنه يحلف يمينين أحدهما للنفي لأنه منكر بها، والثانية للإثبات لأنه مدع بها. فإذا ثبت ما وصفنا لم يخل حالهما من ثلاثة أحوال: أما أن يحلفا معًا فيجعل الحائط بينهما بأيمانهما. أو ينكلا معًا فيمنعان من التخاصم ولا يحكم لواحد منهما بملك شيء منه ويكون الحائط موقوفًا على ما كان عليه من قبل. أو يحلف أحدهما وينكل الآخر فيحكم به للحالف منهما دون الناكل. وهكذا لو حلف أحدهما يمينين على أحد الوجهين وحلف الآخر يمينًا واحدًة حكم به للحالف بيمينين وكان الحالف يمينًا بمثابة الناكل لأن يمينه لم تكمل. فلو أقام الناكل بينه كان أحق ببينته من يمين صاحب. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلاَ أَنْظُرُ إِلى مَنْ إِلَيْهِ الخَوَارجَ وَلاَ الدَّوَاخِلِ وَلاَ أَنْصَافُ اللِّبْنِ وَلاَ مَعَاقِدُ القِمْطِ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا دَلاَلَةٌ". قال في الحاوي: وهذا صحيح. والدواخل هي وجوه الحيطان. والخوارج هي ظهور الحيطان وأنصاف اللبن فيه تأويلان حكاهما ابن أبي هريرة. أحدهما: أن تكون كسور أنصاف اللبن إلى أحدهما والصحيح منه إلى الآخر. والثاني: أنه إفريز يخرجه البنَّاء في أعلى الحائط نحو نصف لبنة ليكون وقاية للحائط من المطر وغيره. وأما معاقد القمط فتكون في الأخصاص وهي الخيوط التي يشهد بها الخص. لأن القمط جمع قماط وهو الخيط. فإذا تنازع جاران حائطًا بينهما وكان إلى أحدهما الدواخل وأنصاف اللبن لم يكن

стр. 2627

ذلك دليلاً على ملكه. وكذلك لو ادعى خصًا وكان إلى أحدهما معاقد القمط لم يكن ذلك دليلاً على ملكه وهو قول أبي حنيفة. وجعل أبو يوسف ومحمد هذه دلائل على الملك وهو قول بعض أهل المدينة. استدلالاً بما روي أن رجلين تنازعا جدارًا بينهما فأمر النبي ﷺ حذيفة أن يحكم فحكم بالجدار لمن إليه معاقد القمط فقال النبي ﷺ أصبت. قالوا: لأن العادة جارية في بناء الحائط أن يكون وجهه إلى مالكه وظهوره إلى غيره ومعاقد الخص تكون إلى مالكه فوجب أن يحكم بظاهر العادة. كما يحكم في اتصال البنيان. وهذا خطأ لعموم قوله ﷺ : "البَيِّنَةُ عَلَى المُُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". ولأن هذه أمور قد يقصد بها في البناء والجمال. فربما أحب الإنسان أن يجعل أجمل بنيانه، وأحسنه إلى منزله، وربما أحب أن يجعله خارجًا فيما يراه الناس. فلم يجز مع اختلاف العادة فيه في سائر الأغراض أن يجعل دالاً على الملك كالتزاويق والنقش لا يكون وجوده من جانب أحدهما دليلاً على ملكه كذلك ما ذكرناه. فأما الجواب عن الخبر فهو أنه ضعيف لأن رواية دهثم بن قران وهو مرغوب عنه. فإن صح لم يكن فيه دلالة. لأنه لم يجعل معاقد القمط علة في الحكم وإنما جعل تعريفًا لمن حكم له كما لو قيل حكم للأسود لم يدل على أن السواد علة للحكم وإنما يكون سمة وتعريفًا لمن وجب له الحكم. وأما ادعاؤهم العرف لمعتاد فيه فغير صحيح لما ذكرنا من اختلاف الأغراض فيه. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلَوْ كَانَ لأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ وَلاَ شَيْءَ للآخَرِ عَلَيْهِ أَحْلَفْتُهُمَا وَأَقْرَرْتُ الْجُذُوعِ بِحَالِهَا وَجَعَلتُ الجِدَارِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَرْتَفِقُ بِجِدَارِ الرَّجُلِ بِالجُذُوعِ بِأَمْرِهِ وَغَيْرِ أَمْرِهِ". قال في الحاوي:؛ وهذا كما قال: إذا تنازع الجاران حائطًا بينهما وكان لأحدهما عليه جذوع فهما فيه سواء. قال أبو حنيفة: صاحب الجذوع أحق به إذا كانت جذوعه ثلاثة فصاعدًا فإن كانت أقل من ثلاثة وكان بدل الجذوع متصلاً فيهما فيه سواء استدلالاً بأن وضع الجذوع أوكد من اتصال البناء. لأن وضع الجذوع يثبت يدًا وارتفاقًا واتصال البناء يثبت أحدهما وهو الارتفاق دون اليد فلما كان اتصال البناء إلا على الملك كان وضع الجذوع أولى بأن يدل على الملك.

стр. 2628

ولأن وضع الجذوع تصرف في الملك فوجب أن يكون دالاً على الملك كالأزج والقبة. ولأن وضع الجذوع هو تركيب على الحائطين يجرى مجرى ركوب الدابة وقد ثبت أن دابة لو تنازعها راكبها وأخذ بلجامها كان راكبها أحق بها ممن هو أخذ بلجامها فكذلك الحائط إذا تنازعه صاحب الجذوع وغيره. كان صاحب الجذوع أحق. والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه هو أن كل ما لم يكن قليله دالاً على الملك لم يكن كثيره دالاً على الملك كالقصب والرفوف. ولأن ما أمكنت أحاثه بعد كمال البناء لم يكن دالاً على ذلك البناء كالجص والنقش. ولأنه لو كان بين صاحب الأجذاع والحائط طريق نافذة كالساباط لم يكن وضع أجذاعه فيه دليلاً على ملكه له، كذلك إذا اتصل بملكه. لأن وضع الجذوع لو كان يدًا لاستوى الأمران في الاتصال بالملك والانفصال عنه. ولأن وضع الأجذاع في الحائط قد يكون بالملك تارة وبالإذن أخرى وبالحكم على ما نذكره تارة. فلم يجز مع اختلاف أسبابه أن يكون مقصورًا على أحدهما في الاستدلال به على الملك. فأما الجواب على استدلاله باتصال البنيان فهو أن ذلك مما لا يمكن حدوثه بعد كمال البنيان فجاز أن يدل على الملك لافتراقه به. وليس كذلك الجذوع. وبمثله يكون الجواب عن الأزج والقبة إن كان مما لا يمكن حدوث مثله بعد البنيان. وأما الجواب عما استدلوا به من راكب الدابة وقائدها فقد اختلف فيه أصحابنا على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنهما في الدابة سواء تكون بينهما نصفين فعلى هذا يسقط الاستدلال به. والثاني: أن الراكب أحق بها من الآخذ بلجامها. والفرق بين ذلك وبين وضع الجذوع وتركيبها على الحائط من وجهين: أحدهما: أن الإجماع مانع من ركوب دابة الإنسان لا بإذنه، فجاز أن يكون ركوبها دليلاً على ملكه. والخلاف منتشر في أن الإنسان أن يضع أجذاعه جبرًا في حائط غيره فلم يكن وضعها دليلاً على ملكه. والثاني: أن الركوب لما كان تصرفًا لا يختلف حكمه بين وجوده في الملك وغير الملك جاز أن يكون دليلاً على الملك. ولما كان وضع أجذاع الساباط الذي لا يتصل بالملك لا يدل على الملك لم يكن

стр. 2629

وضع الأجذاع دالاً على الملك. فإذا تقرر أن وضع الجذوع لا يدل على الملك فإنهما يتحالفان ويجعل بينهما وتقر الجذوع على ما كانت عليه لأنه يجوز أن يكون وضعها بحق وإن لم يملك الحائط. فصل فأما إذا تنازعا حائطًا في عرصه هي لأحدهما فإنه يكون لصاحب العرصة لأن يده عليه. وهكذا لو تنازعا علو حائط أسفله لأحدهما كان لصاحب السفل مع يمينه لما ذكرنا من ثبوت اليد. ولكن لو تنازعا عرصة حائط هو لأحدهما ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنها تكون لصاحب الحائط لأن تصرفه فيها أظهر. والوجه الثاني: أنهما فيها سواء كوضع الجذوع. وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا فيمن أقر لرجل بحائط هل يدخل قراره في إقراره. أو باع حائطًا هل يدخل قراره في بيعه على وجهين. فصل فأما قول الشافعي ﵁ لأن الرجل قد يرتفق بجدار الرجل بأمره وغير أمره. فقد روي في القديم حديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ" قال أبو هريرة مَا لِي أَراكُمْ عَنْهَا مُعْرِضينَ. وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمُ. فكان يذهب في القديم إلى أن للجار أن يضع أجذاعه في جدار جاره جبرًا بأمره وغير أمره. وبه قال مالك تعلقًا بهذا الحديث. ثم رجع عنه في الجديد وقال ليس له أن يضع أجذاعه في جدار جاره إلا بأمره كما ليس له أن يتصرف في غير ذلك من الأملاك التي لجاره إلا بأمره. ولأن الشريك في الملك أقوى من جار الملك وليس لأحد الشريكين أن ينفرد بالتصرف، فالجار أولى، وهذا قول أبي حنيفة. فعلى هذا يكون حديث أبي هريرة محمولاً على أحد وجهين: أحدهما: أن يحمل على الاستحباب والندب لا على الوجوب والحتم. والثاني: أنه محمول على الجار ليس له منع صاحب الحائط من وضع أجذاعه في حائطه وإن كان مضرًا بالجار في منع ضوء أو إشراف ليكون موافقًا للأصول. فإن قيل لم قال الشافعي في القديم لأن الرجل قد يرتفق بجدار الرجل بأمره وغير أمره وهو في الجديد لا يقول هذا، قلنا فيه تأويلان:

стр. 2630

أحدهما: بأمره يعني مجاهرًا وبغير أمره يعني ساترًا. والثاني: بأمره يعني باختياره وبغير أمره يعني بإجبار من يرى ذلك من القضاة والحكام. فإذا تقرر ما ذكرنا فإن قلنا بوجوب ذلك عليه على مذهبه في القديم لم يكن له منع جاره من وضع أجذاعه في جداره. وكان للجار أن يضع في الجدار ما احتمله من الأجذاع ولو صالحه من وضع الأجذاع على عوض لم يجز لوجوب ذلك عليه ومن وجب عليه حق له يجز أن يعتاض عليه. ولو انهدم الحائط لم يلزم مالكه أن يبنيه إلا باختياره. فإن بناء كان للجار أن يعيد أجذاعه فيه. ولو أراد الجار بناء الحائط عند امتناع صاحبه عن بنائه كان له ذلك ليصل بذلك إلى حقه من وضع أجذاعه فيه، وإذا قلنا بقوله في الجديد إن ذلك ليس بواجب وهو القول الصحيح. فليس للجار أن يضع أجذاعه في الجدار إلا بإذن مالكه واختياره ويجوز للمالك أن يأذن له فيه بعوض وغير عوض، لان ما لا يملك عليه يجوز أن يعاوض عليه إذا كان معلومًا، فإن أذن فيه بغير عوض كانت عارية وجاز أن لا يشترط عدد الأجذاع ولا يعلم طولها ولا موضع تركيبها، لأن الجهل بمنافع العارية لا يمنع من صحتها. ثم ليس له أن يرجع في العارية ما بقي الحائط لأن موضع الأجزاع يراد الاستدامة فكان إطلاقه الإذن محمولاً عليه. كمن أعار أرضه لدفن ميت لم يكن له الرجوع في عاريته وإخراج الميت منها بعد دفنه ولكن لو إنهدم الحائط وأعاده مالكه فهل لصاحب الأجزاع أن يعيد وضعها فيه بالإذن المتقدم أم لا؟ على وجهين: أحدهما: له ذلك لأنه صار مستحقًا على التأييد كما لو كان الأول باقيًا. والثاني: وهو أصح ليس له ذلك إلا بإذن مستحدث. لأن حكم العارية قد انقطع بانهدام الحائط، ولأنه إنما استحق تأييد ذلك لما فيه نزعها من الأضرار به وقد لحقه ذلك بانهدامه. ولكن لو أعار أرضًا لدفن ميت فنبشه سبع أعيد دفنه فيها من غير إذن ستحدث وجهًا واحدًا. ولو أكله السبع لم يجز أن يدفن غيره فيها إلا بإذن جديد لذهاب ما كان مستحقًا لمنفعة العارية. ولو كان قد أذن له في وضع جذع في حائطه فانكسر الجذع كان له إعادة غيره. والفرق بينه وبين الميت أن المنع من الرجوع في عارية القبر لحرمة الميت. فإذا أكله السبع انقضت حرمته عن المكان. والمنع من الرجوع في موضع الأجذاع لما يلحقه من الضرر بانهدام السقف وهذا موجود بعد انكسار الجذع، فأما إذا أخذ منه على وضع أجذاعه عوضًا فلا يصح إلا بعد معرفة عدد الأجذاع وطولها وامتلائها وموضعها من الحائط وقدر دخولها فيه.

стр. 2631

لأن المعاوضة تحرس من الجهالة ثم اختلف أصحابنا فيه إذا انتفت الجهالة عنه هل يكون بيعًا أو إجارة، على وجهين: أحدهما: يكون بيعًا وهذا قول أبي حامد المروروزي. فعلى هذا يصح على التأييد من غير اشتراط مدة فيه ومتى انهدم الحائط ثم بني أعيد وجهًا واحدًا. بخلاف العارية التي لا يمنع من صحتها الجهالة بمدة منفعتها. والثاني: وهو عندي أصح أن يكون إجارة ولا يكون بيعًا. لأنه عقد على منفعة لا عين. فعلى هذا لا يصح إلا باشتراط مدة معلومة تتقدر بها المنفعة ويؤخذ بقلع ذلك عند انقضائها. وعلى الوجهين معًا أن قدر ذلك بمدة صح وكان إجارة، وهكذا لو صالحه على إجراء مسيل ماء في أرضه فلا بد من تعيين موضعه وتقدير طوله وعرضه ثم إن قدر بمدة صح وكانت إجارة وإن لم يقدره كان على وجهين: أحدهما: أن يكون بيعًا لما حد من الأرض لإجراء الماء فيه على التأييد. والثاني: يكون باطلاً إذا قيل إنه يكون إجارة. وأما إن صالحه على ما سقي ماشيته من عين أو بئر مدة معلومة لم يجز لأن قدر ما تشربه الماشية مجهول. وهكذا الزرع ولكن لو صالحه على نصف العين أو ثلثها جاز وكان بيعًا لا يحتاج إلى تقدير المدة فيه لأنه عقد على عين. ولو قدره بمدة خرج عن البيه إلى الإجارة فكان باطلاً لأن إجارة عين الماء منها لا يجوز. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلَمْ أَجْعَلْ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ كَوَّةً وَلاَ يَبْني عَلَيْهِ إِلاَّ بِإذْن صَاحِبِهِ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الحائط بين شريكين لم يكن لأحدهما أن يقتح فيه كوة ولا يضع فيه جذعًا ولا يسمر فيه وتدًا إلا بإذن شريكه. وجوز العراقيون لأحد الشريكين أن يفعل في الحائط ما لا يضر به من فتح كوة وإيتاد وتد اعتبارًا بالعرف المعتاد فيه بين الناس وهذا خطأ لأمرين: أحدهما: أن تفرد أحدهما بالتصرف في ذلك غير جائز. والثاني: أنه هدم بعض الحائط فلم يجز كالباب. فإن قيل فهلا كان كوضع الجذوع فيه فيكون على قولين: قيل: الفرق بينهما أن الحائط موضوع للحيلولة ووضع الأجذاع فيه لا يمنع من الحيلولة. وفتح الكوة يمنع منها. فلو آذن أحدهما لصاحبه في فتح كوة ثم أراد سدها لم يكن له ذلك إلا بإذن شريكه. لأن زيادة بناء على حائطه. والشريكان في الحائط لا يجوز

стр. 2632

لأحدهما البناء عليه إلا بإذن شريكه فيه. وكلما لم يكن للشريك أن يفعله فأولى أن لا يكون للجار أن يفعله. فلو صالح جاره على فتح كوة في حائطه لم يجز لأنه صلح على الهواء والضوء ولو أن رجلاً فتح كوة في حائطه فأراد جاره أن يبني في وجهها حائطًا فيس ملكه يمنعه الضوء من الكوة جاز ولم يكن لصاحب الكوة أن يمنعه لأنه متصرف في ملكه. فصل وإذا كان لرجل دار ظهرها إلى زقاق مرفوع فأراد أن يفتح من ظهر داره إلى الزقاق كوة أو ينصب شباك للضوء جاز ولم يمنع لأنه متصرف في ملكه. ولو أراد فتح بابًا إليه فإن كان يريد فتحه للاستطراق فيه لم يجز لأنه لا حق له في استطراق الزقاق المرفوع. وإن كان يريد فتحه لينصب عليه بابًا ولا يستطرقه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه لو أراد هدم حائطه كله جاز فإذا أراد هدم بعضه فأولى بالجواز. ولأنه لو أراد يحول بين داره والزقاق ببناء جار، فكذلك إذا أراد أن يحول بينهما بباب. والثاني: لا يجوز لأنه يوهم بذلك عند تطاول الزمان أنه مستحق للاستطراق. لأن الباب من شواهد استحقاقه وليس كذلك هدم بعض الحائط فيه. فصل وإذا كان في الزقاق المرفوع داران لرجلين إحداهما في أوله والأخرى في آخره فأراد صاحب الدار الأولى تغيير بابه ونقله من موضعه إلى غيره. فإذا أراد تقديمه إلى باب الزقاق كان له. لأنه قد كان يستحق الاستطراق إلى غاية اقتصر على بعضها فصار تاركً لبعض حقه. وإن أراد تأخير بابه إلى صدر الزقاق لم يكن له لأنه يصير متجاوزًا لحقه في الاستطراق. وكان بعض أصحابنا يجوز له ذلك ويجعل عرصة الزقاق كلها مشتركة بينهما تخريجًا من عرصة السفل، إذا تنازعها صاحب العلو والسفل على ما سنذكره. فأما صاحب الدار التي في صدر الزقاق إذا أراد تقديم بابه جاز إن لم يرد إدخال ما وراء ذلك إلى داره. وإن أراد إدخال ما وراء الباب المستحدث إلى صدر الزقاق في داره فهو على اختلاف أصحابنا: هل عرصة الزقاق مشتركة بين الدارين أم لا؟. فمن قال إنها مشتركة منع صاحب الصدر من إدخال ذلك في داره. ومن قال إنها ليست مشتركه وإن ما يتجاوز باب الأول يختص بملك صاحب

стр. 2633

الصدر جوز له ذلك. وأما إن أراد صاحب الدار الأول أن يقر بابه في موضعه ويفتح دونه بابًا ثانيًا جاز ولم يمنع. وقال أبو حنيفة: أمنعه من فتح باب ثان لأنه يستحق مدخلاً واحدًا فلم يجز أن يتعدى إلى مدخلين. وهذا خطأ لأنه مستحق للاستطراق فيه فلا فرق بين أن يكون من مدخل أو مدخلين ولأن موضع الباب المستحدث لو أراد هدمه لغير باب جاز فكذا الباب. فصل وإذا كان لرجل داران متلاصقان وباب كل واحد منها إلى زقاق مرفوع فأراد هدم الحائط الذي بين الدارين جاز. ولو أراد فتح باب من إحدى الدارين إلى الأخرى غير نافذ ليستطرقه لم يجز. وهو قول أبي حنيفة ومالك لأمرين: أحدهما: أنه يصير مستطرقًا إلى كل واحدة من الدارين من الزقاق الذي لا حق لها في الاستطراق منه. والثاني: أن الزقاق مرفوع فيجعله بفتح الباب مستطرقًا غير مرفوع. والله أعلم بالصواب وخبرنا به الإمام أبو علي الحسين بن صالح بن خيران من أصحاب الشافعي ﵁. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَقَسَّمْتُهُ بَيْنَهُمَا إِنْ شَاآ إِنْ كَانَ عَرْضُهُ ذِرَاعًا أُعْطِيهِ شِبْرًا فِي طُولِ الجِدَارِ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَزِيدَ مِنْ عَرَصَةِ دَارِكَ أضوْ بَيْتِكَ شِبْرًا آخَرَ لِيَكُونَ لَكَ جِدَارٌ خَالِصٌ فَذَلِكَ لَكَ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الحائط بين شريكين فطلب أحدهما القسمة وأراد إجبار شريكه عليها عند امتناعه منها لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون بناء لا عرصة له. والثاني: أن يكون عرصة لا بناء فيها. والثالث: أن يكون معًا. فإن كان الحائط بناء لا عرصة له لم يجز أن يقسم جبرًا لأن البناء لا يعلم ما فيه ليساويا في الاقتسام به إلا بعد هدمه وفي هدمه ضرر فلم يدخله إجبار فإن اصطلحا عليه جاز. وإن كان ذلك عرصة لأبناء فيها دخلها الإجبار في القسمة فإن دعا الطالب إلى قسمه عرصة الحائط طولاً أجيب إليها ومثاله أن يكون طول العرصة عشرة أذرع وعرضها ذراع

стр. 2634

فيدعو إلى قسمة الطول ليكون خمسة أذرع من العشرة في عرض ذراع فهذا جائز لأن أي النصفين حصل له بالقرعة نفعه، فإن دعي إلى القسمة عرضًا ليكون له شبرًا من العرض في الطول كله ففي جواز الجبر عليها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يجاب إليها ولا يجبر الممتنع عليها، لان قسمة الإجبار ما دخلتها القرعة. ودخول القرعة في هذه القسمة مضر، لأنه قد يحصل لكل منهما بالقرعة ما يلي صاحبه، فلا ينتفع واحد منهما بشيء مما صار إليه، وعادت بالضرر عليه، والقسمة إذا عادت بضرر الشريكين لم يدخلها الإجبار. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: انه يجاب إليها، ويقسم عرض العرصة بينهما، ويدفع إلى كل منهما النصف الذي يليه بغير ذرعه، لأن القرعة تدخل في القسمة لتمييز ما اشتبه الانتفاع به والأنفع لكل واحد منهما أن يأخذ ما يليه، فلم يكن لدخول القرعة وجه قال الشافعي: ثم قلت له إن شئت أن تزيد من عرصة دارك أو بيتك شبرًا آخر ليكون لك، جدارًا خالصًا فذلك لك. وهذا لم يقله مشوره كما عابه من جهل معنى كلامه، وإنما قاله ليبين أن كل واحد منهما قد ينتتفع بما صار له. ثم ذكر وجه المنفعة، بأن يضم إلى العرصة شبرًا ليصير جدارًا كامًلا. فصل فإن كان الحائط بناء وعرصة نظر في طالب القسمة، فإن دعي إليها عرضًا ليكون له شبر من عرض البناء، والعرصة من الطول كله، لم يجب إليها جبرًا، ولا يصح ذلك بينهما تراضيًا واختيارًا، وإنما كان كذلك لأن ما يصير إلى كل واحد منهما من نصف العرض مضر به ويصاحبه. لأنه إن أراد هدمه لم يقدر عليه إلا بهدم ما لشريكه أو شيء منه وإن أراد وضع شيء عليه، وقع الثقل على ما لشريكه فأضربه. فإن قيل: فهلا جاز لك بتراضيهما؟ قيل إن تراضيا بهدمه في الحال والاقتسام بآلته جاز. وغن تراضيا بقسمته بناء قائمًا، وتحديدًا ما لكل واحد منهما متصلاً لم يجز وإن لما ذكرنا من دخول الضرر فيما بعد. وغن كان الطالب يدعو إلى قسمته طولاً، ليكون لكل واحد منهما نصفه طولاً في العرض كله جازت بالتراضي. وفي جواز الإجبار عليها وجهان: أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق المروزي، لا يجاب إليها ولا يجبر الممتنع عليها لأنه قد لا يقدر على هدم النصف الذي صار له إلا بهدم شيء من نصف

стр. 2635

صاحبه فصارت ضررًا عليهما. والثاني: هو قول أبي علي بن أبي هريرة يجبره على هذه القسمة بالقرعة، لأن الضرر على كل واحد منهما في هدم حصته يسير فلم يمنع من القسمة. ولأنه قد يمكن وله إزالة الضرر بقطع الحائط بينهما بالمنشار، فلا ينهدم من حصة الآخر شيء. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلَوْ هَدَمَاهُ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لأَحَدِهِمَا ثُلْثُهُ للآخَرِ ثُلْثَاهُ عَلَى أَنْ يًحْمِلُ كُاّ وَاحِد مِنْهُمَا مَا شَاءَ عَلَيْهِ إِذَا بَنَاهُ فَالًّاحُ فَاسِدٌ وَإِنْ شَاآ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قُسَّمَتْ أَرْضُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ". قال في الحاوي: وهذا كما قال. إذا هدم الشريكان حائطًا بينهما، ثم اصطلحا عند بنائه بمالهما أن يكون لأحدهما ثلثه، للآخر ثلثاه، على أن يحمل كل واحد منهما عليه ما شاء من أجذاع وغيرها، فهذا صلح باطل لثلاثة معان: أحدهما: أنه بذل بصلحه على الثلث بعد ملكه النصف سدسًا بغير عوض. وبذل الملك في الصلح إذا كان عبثًا بغير عوض لا يصح. والثاني: أنه شرط فيه الانتقال لملك صاحبه من غير عوض وذلك لا يصح. والثالث: أن اشترط لنفسه ارتفاقًا مجهولاً وذلك باطل، فإذا ثبت بطلان الصلح لما ذكرنا. وكانا قد عملا به ووضعا فوق الحائط ما شاءا فالملك بينهما نصفان على ما كان من قبل، ثم لكل واحد منهما أن يأخذا صاحبه بقلع ما وضعه في الحائط من أجذاعه. وسواء في ذلك من شرط الزيادة والنقصان، لأنه وإن كان مأذونًا فيه فهو عن عقد فاسد، ففسد ما تضمنه من الإذن. ولأن الإذن يقتضي وضع ما يستأنفه، كما يقتضي وضع ما تقدمه ثم كان ممنوعًا من المستأنف، فكذلك من المتقدم ولا وجه، لأن يقر أجذاع من شرط الزيادة لنفسه لأن صاحبه قد شرط عليه ما لم يحصل له من وضع ما شاء من أجذاعه. فصل قال الشافعي ﵀: فإن شاءا أو أحدهما، قسمت أرضه بينهما نصفين. وقد اختلف أصحابنا في تأويل هذا الكلام بحسب اختلافهم في كيفية قسمة العرصة جبرًا بين الشريكين. فذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنه محمول على إيقاعها جبرًا إذا طلب أحدهما قسمة العرصة طولاً لا عرضًا. وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى أنه محمول على إيقاعها جبرًا على الأمرين طولاً وعرضًا وقد مضى مشروحًا.

стр. 2636

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ السَّفْلُ فِي يَدَىْ رَجُلٍ وَالْعُلوُ فِي يَدَيْ آخَرَ فَتَدَاعَيَا سَقْفَهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لأَنَّ سَقْفَ تَابعٌ لَهُ وَسَطْحُ الْعُلْوِ أَرْضٌ لَهُ". قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا كان بيت سفله لرجل وعلوه لأخر, فاختلفا في السقف الذي بينهما وتداعياه, فمذهب الشافعي ﵀ أنهما يتحالفان ويكون بينهما نصفان. وحكي عن مالك أنه يكون لصاحب العلو, لأنه لا يقدر على التصرف في العلو إلا به. وحكي عن أبى حنيفة أنه يكون لصاحب السفل, لأنه موضوع على ملكه كالجدار المبنى في أرضه. وكلا المذهبين غلط وكون السقف بينهما أصح. لتساوى أيديهما عليه وتصرفهما فيه, فهو لصاحب السفل سقف ومرفق, ولصاحب العلو أرض ومقعد, ولأنه متصل بمالهما ومجاور لملكيهما فوجب أن يستويا فيه كالحائط إذا كان بين داريهما. فإذا ثبت أن يكون بينهما, فلصاحب العلو أن يتصرف فيه كما كان يتصرف من قبل بالجلوس عليه, وإحراز المتاع المعتاد فيه من غير تجاوز ولا تعد. كالحائط إذا تخلفا فيه وكانت عليه جذوع لأحدهما جعل بينهما وأقرت الأجذاع عل حالها. وأما صاحب السفل فارتفاقه به أن يكون مستظلًا به , من غير أن يتجاوز ذلك إلى تعليق شيء عليه, لأن السقف لم يوضع غالبًا إلا للاستظلال. ولا وجهة لما أجازه بعض أصحابنا من تعليق زنبيل عليه. ووضع خطاف فيه. لأن إيتاد الوتد في الحائط المشترك أسبل وهو ممنوع منه, كما ذكرنا في السقف أولى أن يكون ممنوعاً منه. فصل ولو تنازعا في حائط السفل, فهو لصاحب السفل إلى منتهى وضع الأجذاع مع يمينه, لأنه في يده وتحت تصرفه. ولو تنازعا في حائط العلو, فهو لصاحب العلو مما فوق أجذع السقف, لأنه في يدي صاحب العلو وتحت تصرفه. وما كان من الحائط بين السفل والعلو في خلال أجذاع السقف فهو بينهما, لأنه تبع للسقف المشترك بينهما. مسألة: قال الشافعي ﵁: "فإن سقط لم يجبر صاحب السفل على بنائه".

стр. 2637

قال الماوردي: وهذا صحيح. إذا أنهدم البيت الذي سفله لرجل وعلوه لآخر, فإنه لا يخلو حالهما من أربعة أحوال: أحدهما: أن يتفقا على تركه مهدومًا فلا اعتراض عليهما فيه. والثاني: أن يتفقا على بنائه فذلك لهما, ويختص صاحب السفل ببناء السفل إلى انتهاء وضع الأجذاع. وصاحب العلو ببناء العلو إلى حيث كان من غير أن يزيد عليه, ولا لصاحب السفل أن يأخذه بالنقصان عنه. فلو اختلفا مع اتفاقهما أن ارتفاع السفل والعلو عشرون ذراعًا, فقال صاحب السفل, السفل خمسة عشر ذراعًا, وارتفاع العلو خمسة أذرع, وقال صاحب العلو بل ارتفاع السفل خمسة أذرع وارتفاع العلو خمسة عشر ذراعًا. فقد اختلفا على أن لصاحب السفل خمسة أذرع لا نزاع فيها ولصاحب العلو خمسة أذرع لا نزاع فيها, واختلفا في عشرة أذرع ادعاها كل واحد منهما أيمانهما معاً عليها, فوجب أن يتحالفا عليها ويجعل العشرة المختلف عليها بعد أيمانهما معًا بينهما نصفان. فيصير لصاحب السفل عشرة أذرع, ولصاحب العلو عشرة أذرع. ثم يشتركان في بناء السفل, بعد أن يختص كل واحد منهما ببناء حقه, إلا أن يكون السقف لأحدهما, فيختص الذي هو له ببنائه دون غيره. والحال الثالثة: أن يمتنع صاحب العلو من البناء, ويدعو صاحب السفل إليه, فله أن يختص ببناء سفله, وليس له مطالبة صاحب العلو ببناء علوه, لأنه لا يحق له بنائه, ويقدر على الانتفاع بحقه إلا أن يكون السقف بينهما, فيكون على ما نذكره من القولين في إجبار الشريكين على المباناة. والحال الرابعة: وهى مسألة الكتاب: أن يمتنع صاحب السفل من بنائه ويدع صاحب العلو إليه ليبنى العلو عليه ففي إجباره قولان: وهكذا الشريكان في حائط قد أنهدم, إذا دعي أحدهما إلى البناء وامتنع الآخر. هل يجبر الممتنع منهما على البناء أم لا؟ على قولين: أحدهما: وهو قوله في القديم وبه قال مالك: أنه يجبر الممتنع على البناء ليصل الآخر إلى حقه. لقوله ﷺ : "لا ضرار من ضارّ أضرّ الله به ومن شاق شقّ الله عليه". فلما نفي لحقوق الإضرار دل على وجوب الإجبار. ولما روي: أن الضحاك بن خليفة أنبع ماء بالعرض وأراد أن يجريه إلى أرضه فلم يصل إليه إلا بعد إمراره على أرض محمد بن سلمة فامتنع محمد من ذلك وتخاصما إلى عمر ﵁, فقال عمر لمحمد بن سلمة ليمرنَّ به أو أمِرَّه على بطنك. وروي أنه: "قضي على بعض الأنصار, بمثل ذلك لعبد الرحمن بن عوف".

стр. 2638

سقط البيت لم يجبر صاحب السفل على البناء وإنما أوجب على صاحب السفل بناء السفل هاهنا لوقوع الشرط على ذلك في الهدم. وإذا هدمه لغير علة فهو متعٍد بهدمه فلزمه الإعادة, فإن قيل: هذا الشرط وعد من جنبه فلا يلزمه الوفاء به, قلنا: هذا الشرط التزامٌ لأنه لم يستحق هدمه وإنما هدمه لغرض له والتزام إعادته فلزمه, فإن قيل: فقد ضمنتموه الحائط بمثله وهذا لا يجوز, قلنا: ليس هذا بضمان متلف لأن المتلف له والبدل له وإنما لغيره حق الحمل عليه فلزمه أن يقيم مثله مقامه لما ذكرنا. وقال أبو حامد رحمه القياس أن لا يلزمه إعادته لأن الحائط لا يضمن بالمثل, ولكن نص الشافعي على ما ذكرنا. وقال القاضي أبو على البندنيجى: فيه طريقان أحدهما: يلزمه إعادته قولًا واحداً, والثاني: فيه قولان والأصح ما ذكرنا وهو القياس على ما شرحنا والله أعلم. ثم أن المزني قال: قال الشافعي في كتاب الدعوة: والبيان على كتاب أبى حنيفة فإذا أفاد صاحب السفل مالًا أخذ منه قيمة ما أنفقه في السفل, قال الأول أولى بقوله لأن الباني متطوع فليس له أخذه من غيره إلا بأن يراضيه عليه واختلف أصحابنا في هذا, فقال أبو إسحاق ﵀: أجاب الشافعي ف كتاب الدعوى على قوله القديم: فأما على قوله الجديد فلا رجوع له. ومن أصحابنا من قال: هذا يخرَّج على قوله الجديد وهو إذا كان صاحب السفل معسرًا لا يقدر على البناء فجعل الحاكم لصاحب العلو أن يبنى ويرجع بالنفقة عليه, وقضى له هنا وكان معتقجًا لمذهب الشافعي في القديم, فإذا قضى به الحاكم له الرجوع به فلا يصح اعتراض المزني. ثم قال الشافعي: ليس له منع صاحب السفل من سكناه ونقض الجدران له قوئ نُقْضُ وقوئ نقض بفتح النون وضمها, فمن قرأ بالفتح أراد له نقضها إذا خيف أن يسقط. أو أراد له نقضها إذا بناه من ماله متطوعًا حتى يصير قضاء كما كان. ومن قرأ بالرفع أراد أن الطوب والخشب له إذا أنهدم أو هدمه عمدًا إذا بناه من خاص ماله. وقيل: أراد ما حصل من الجدار الأول المنهدم لصاحب السفل ولا يصير لصاحب العلو بسببه بني السفل وهذا بعيد عندي. [١/ب] مسألة: قال: "وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ نَخْلَةٌ أَوْ سَجَرَةٌ فاستعلت وانْتَشَرَتْ أَغْصَانُهَا". الفصل وهذا كما قال: إذا كان في ملك رجل شجرة أو نخلة فاستعلت ودخلت أغصانها في دار جاره, كان للجار إزالته عن داره وعن هواء الحائط المشترك بينهما. وكذلك أن دخلت في بستان جاره, وهذا لأن هواء الجار حق الجار كفنائه. وهكذا لو شرعت عروق هذه الشجرة في قرار أرضه يلزمه إزالتها كالأغصان في الهواء سواء, فإن كانت

стр. 2639

الأغصان رطبة لينة عطفها إلى داره. وإن كانت يابسة لا يمكنه عطفها أو كانت رطبة قوية لا يقدر أن يلويها قطعها, وقال أصحابنا: للجار أن يقطعها بنفسه إذا لم يقطعها صاحب الشجرة, ولا يلزمه أن يمضى إلى الحاكم ليطالبه بذلك كما لو دخل رجل داره له إخراجه من داره ومقاتلته عليه, وإن أدى إلى قتله ولا يحتاج إلى الحاكم, وكذلك إذا دخلت بهيمة دار رجل له إخراجها من ملكه من غير حاكم. وقال بعض العراقيين: يضمن ذلك إذا قطع بغير حاكم وهو غلط لما ذكرنا, وإن كانت الأغصان رطبة خفيفة يمكنه أن يثنيها إلى الشجرة ويشد معها فقطعاه بثمن ما نقص من قيمة الشجرة لأنه كان يمكنه إزالتها من غير قطع. وحكي أن رجلًا سأل أبا حنيفة عن هذه المسألة فقال: سجر تنوراً في ملكه تحتها فأكنه علمه الحيلة لتحترق الأغصان أو تصير يابسة ولم يجوز القطع. قال الإصطخري: كذلك إذا مال حائط إلى دار الغير فلصاحب الدار مطالبته بإصلاح الحائط لأنه شغل هواء داره فجرى مجرى الأغصان. وإن تشبعت ولم يمل يكن له مطالبته بإصلاحه. وإن اصطلحا على أن يقر أغصانها في داره بعوض نظر, فإن كان غير معتد على حائط الجار لا يجوز لأنه عقد على الهواء المجرد. وإن كان معتمدًا على حائطه وخارجًا إلى هواء داره نظر, فإن كان رطبًا يزيد لم يجز لأنه غير معلوم, وإن كان جافًا يجوز لأنه معلوم والهواء تابع للحائط وهو كجذع يضعه عل جداره في موضع معلوم ومال معلوم هكذا ذكر جماعة أصحابنا. وقال في "الحاوي": إذا كانت [٢/أ] رطبة فيه وجهان أحدهما: ما ذكرنا, والثاني: يجوز وما يحدث من الزيادة يصير تابعًا لا يبطل العقد جهالته كجهالة المرافق في بيع الدار وهكذا قول أكثر البصريين, ثم هل يكون حكمه حكم البيع أو الإجازة؟ قد ذكرنا من قبل. فرع لو أن عرق شجرة رجل أخرج شجرة في ملك الغير فهي لصاحب الشجرة الأصلية كالزرع لصاحب البذر. وقال أبو حنيفة: هي ملك صاحب الأرض التي خرجت فيها, حكاه بعض أصحابنا بخراسان عنه. وهذا غلط لأن الأصل له فالفرع له. فرع آخر قال القاضي أبو حامد ﵀: سئل أبو إسحاق المروزى عن شجرة الأترج إذا انتشر غصنها إلى ملك رجل ودخل رأس الغصن في برنية له وانعقدت فيه أترجة فكبرت ولم يمكن إخراجها إلا بقطع الغصن والأترجة أو كسر البرنية, فقال: الواجب قطع الغصن والأترجة لتسلم البرنية لأن الغص لما شرع في ملك غيره كان مأخوذًا بإزالته, فلما لم يزله صال متعدياً به فوجب أن يلتزم حكم تعديه, ويكون القطع المتقدم واجبًا عليه, وليس من صاحب البرنية تعدٍ في وضعها في ملكه. فقيل لأبى حامد: ما تقول

стр. 2640

في البرنية إذا كانت وديعة في بيت رجل فوضعت في سطحه حتى وقعت فيها أترجة من غصن جاره؟ فقال: يقطع الأترجة لتسلم البرنية لأن قطع الغصن كان مستحقًا من قبل وذلك أسبق من وضع البرنية, فقيل له: فما تقول اذ كانت الشجرة في داره والبرنية وديعة عنده فقال: يقطع الغصن أيضا لتسلم البرنية لأنه متعدٍ بوضع البرنية بحيث يدخل غصن الشجرة فيها. فقيل له: فما تقول في حيوان بلع لؤلؤة؟ فقال: لا لمر بذبحه وأتركهم حتى يصطلحوا عليه لأن للحيوان حرمة, ولهذا لو غصب خيطًا به جرح حيوان لم يكلف النزع. فرع آخر لو كان سطح أحد الجارين أعلى من سطح الآخر لم يجبر أحدهما على بناء سترة. وقال أحمد ﵀: يجبر الأعلى عليه واحتج بأنه إذا صعد الأعلى على سطحه أشرف على الأسفل ويستضر به الأسفل فيزال ضرره. وهذا غلط, لأن هذا [٢/ب] حاجز بينهما بين ملكيهما فلا يجبر أحدهما عليه كالحائط في الأسفل. وأما ما ذكره لا مسألة: قال: "وَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَرَاهِمَ بدنانير". الفصل وهذا كما قال: لو صالح رجل رجلًا من دنانير على دراهم, أو من دراهم على دنانير أو من دنانير عل دنانير مختلفة السبكة متماثلة العدد والجوهر, أو من دراهم على دراهم يجوز الصلح كما يجوز بيع بعضها ببعض, ثم يعتبر فيه التقايض قبل التفرق به في البيع, ولو قبض بعضاً دون بعض وافترقا بطل الصلح فيما لم يقبض, وهل يبطل فيما قبض؟ طريقان أحدهما: قولان. والثاني: قول واحد يبطل لأن الفسخ طارئ, وقد ذكرنا هذا في البيع وأجاب هاهنا على قول جواز تفريق الصفقة فصحح العقد في المقبوض دون غير المقبوض. ثم قال: المصالح القابض بالخيار إن شاء أجاز الصلح, وإن شاء أبطله. فإن قال قائل: لِمَ خصص الشافعي المصالح القابض بالخيار دون صاحبه وهما في الصلح متعاقدان والمتصالحان؟ قلنا: إنما جعل الخيار في جانب القابض لأن حقه كان دينًا في ذمة صاحبه ورضي عن ذلك الدين بما يأخذه من العين فكانت معاني البيع في جنبة من يأخذ الدين بالعين أو العين بالدين أظهر من الجنبة الثانية وهى جبيه من يبرئ ذمته عن الدين ببذل لأنه مشترى ذمته على الحقيقة وصاحبه مشترى العين والخيار في جنبه المشترى أثبت وأظهر من الخيار في جنبة البائع, ولذلك أثبتنا الخيار للمشترى للعين الغائبة, ولم نثبت على المذهب الصحيح لبائع العين الغائبة. وكذلك لو اشترى شيئًا على توهم السلامة بثمن كثير ثم بان عيبه فله الخيار, ولو باع بثمن قليل على توهم العيب ثم بان للبائع سلامته لم يكن له الخيار فجاء من هذا أن الذي كان الدين في ذمته لا خيار له.

стр. 2641

وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا حصل التفرق من صاحبه فإن حصل منه لا خيار له, وهذا إشارة إلى أنه رضي بتفريق الصفقة حين فارقه هو, وهذا لا يصح عندي لأن هذا الخيار يثبت, لأنه دخل في العقد على أن يسلم له جميع المسمى بجميع المسمى فإذا [٣/أ] لم يسلم ذلك وبطل العقد في بعضه ثبت له الخيار في الفسخ, ومثل هذا الخيار لا يبطل بمفارقته المجلس. مسألة: قال "وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الوُرَثَةِ فِي أَيْدِيْهِمْ بِحَقٍ لِرَجُلٍ". الفصل وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة فقال بعضهم: صورتها أن تكون داراً في أيدي ثلاثة إخوة ورثوها عن أبيهم, فجاء رجل فادعى أن له على أبيهم دينًا وأن هذه الدار رهن عنده به فصدقه أحدهم وأنكره الآخران فصالحه المقر من الدين على بعضه وقضاه من ماله كان الصلح صحيحا بإذن الباقين، أو غير إذنهم ويكون هذا الصلح فرعًا للأبناء، لأنه أخذ بعض دينه وأبرأه من الباقي، ولا يرجع هذا المقر على إخوته بشيء مما دفع إلى المدعي من ماله، لأنه متطوع به، وإنما قلنا صورة المسألة هذا لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: إذا أقر أحد الورثة في دار في أيديهم بحق لرجل ولم يقل بدار، والظاهر من الرهن الحق الرهن دون الملك. ولأنا لو قلنا: إن المدعي إذا ادعى فيها سهمًا فأقر به أحد الإخوة وصالحه منه على مال أعطاه لكان ذلك مكرراً لأن الشافعي قال في أول كتاب الصلح: ولو صالح عنه رجل يقر عنه بشيء جاز الصلح، وليس للذي أعطي عنه أن يرجع عليه لأنه متطوع به. ومن أصحابنا من قال: صورتها أنه ادعى سهمًا من هذه الدار فأقر له أحدهم وأنكره الآخران فصالحه. المقر على مال بذله صح الصلح, وعلى هذا أكثر أصحابنا، قال القاضي الطبري: وهذا هو الصحيح، لأن الشافعي ذكرها في الأم مشروحة، فقال: ولو كانت دار بين ورثة فادعى رجل فيها دعوى فأقر له أحدهم ثم صالحه على شيء بعينه أو دراهم مضمونة فالصلح جائز والوارث المصالح متطوع لا يرجع على أخويه بشيء مما أدى عنهم بغير أمرهم، ولو صالحه على أن حقه له دون أخويه فإنما اشترى منه حقه دون أخويه، فدل هذا على أن صورة المسألة أنه ادعى سهماً في الدار، وقوله: بحق في دار أي: بسهم في دار، ويدل هذا على خطأ من قال من أصحابنا: أن صلح الأجنبي عن المنكر لا يصح إلا بأن يقول إني وكيله، وقد بينا ذلك فيما مضى. فإذا تقرر أن صورة المسألة هذه فإن [(٣) / ب] صالحه على مال بدله فالحكم ما ذكرنا، أنه لا يرجع بما بدله على أحد لأنه متطوع به. وإن صالحه على أن يكون نصيبه له دون أخويه، فإن الخصومة تكون بينه وبين أخويه، فإن أقرا له بذلك أو استحقه بإقامة البينة عليهما ثم صالحهما بشيء أخذه منهما كان الصلح جائزاً, وكان للأخ الثالث أن يأخذ نصيبهما بالشفعة. وإن لم يقرا له ولم يقم له بينة كان لهما ثلثا الدار، وهل لهما أخذ الثلث

стр. 2642

الذي ملكه أخوهما بالصلح نظر فيه، فإن كان كل واحد منهما ادعى ثلث الدار فإن لهما أن يأخذا نصيب الأخ الذي ملكه بالشفعة، وإن كانا قالا: إن هذه الدار لنا عينًا ورثناها عن أبينا فإنهما مقران بأن صلح الأخ باطل، فلا شفعة لهما عليه. ومن أصحابنا من قال: لهما الشفعة لأن الصلح قد صح في الحكم، فإن الأخ قد أقر للمدعي بالثلث وصار الملك له ويجوز أن يكون انتقل إليه نصيب المقر من غير أن يعلم الإخوة. فإذا صالحه منه على شيء أخذه كان بيعًا صحيحًا فوجب أن تثبت به الشفعة، وهذا أصح وهو المنصوص في الأم، وقال فيه أيضًا: وإن كانوا ملكوا الدار بجهات مختلفة فصالحه المقر من حقه على مال ثم أراد المنكران الأخذ بالشفعة لهما ذلك، لجواز أن يكون المنكر كاذبًا في إنكاره، والمقر صادق في إقراره، وصلحه عليه صحيح. ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة هذه الثانية ولكن حين عقد هذا المقر الصلح قال: إخوتي مقرون بذلك، وقد وكلوني بالصلح فصدقه ثم الحكم ما ذكرنا إذا صدقوه في الوكالة، أو كذبوه وقد مضى ذلك فلا نعيده. مسألة: قال "وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بَيْتَاً فِي يَدَيْهِ فَاصْطَلَحَأ بَعْدَ الإِقْرَارِ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ لأَحَدِهِمَا سَطْحُهُ" الفصل وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة، قال صاحب الإفصاح: صورتها أن يدعي رجل على رجل بيتًا في يده فيقر له بسفله دون علوه ثم يصالحه من السفل على العلو, على أن يكون له أن يبني عليه بناء معلوماً فيكون الصلح جائزا، ويكون ذلك فرعا للبيع لأنه بيع [(٤) /أ] السفل بالعلو. ومن أصحابنا من قال: صورتها أن يقر له بجميع البيت ثم يصالحه على أن يكون له العلو وللمقر له السفل، ويكون له أن يبني عليه بناء معلوما فالصلح صحيح ويكون ذلك فرعا للهبة في العلو، وللعارية في حيطان السفل التي يريد أن يبني عليها. ومن أصحابنا من قال: صورتها أنهما تنازعا البيت ثم تقارا على أن السفل لأحدهما والعلو للأخر لا على سبيل الصلح، ولكن على سبيل الاعتراف من كل واحد منهما، لأن الشافعي بين ذلك في الأم فقال: فإن تقارا جعلت بينهما وجعلت لهذا علوه ولهذا سفله، فال أنه حصل لكل واحل ما جعل له بإقرار صاحبه. وقال ابن سريج: الأشبه بكلام الشافعي الصورة الثانية، فإن قال قائل: كيف يقال هذا؟ وإذا أقر صاحبه اليد للمدعي أن البيت يملكه كيف يتصور المصالحة بينهما بالبناء على السطح والسفل والعلو كلاهما للمدعي؟ قيل: أراد بالصلح العارية وقل مضى بيان هذا، وهذا كما لو أقر له بدابة ثم صالحه على أن يركبها المقر صح ولا يلزم، وقصد الشافعي به الفرق بين هذا وبين الملح على سكنى الدار، لأن في مسألة الركوب عارية لا تلزم بحال، وهاهنا إذا بني لا يمكنه الأمر بالقلع إلا أن يغرم له نقص القلع. قال المزني: لا يجوز الأقيس على قوله، وهو قول أهل العراق إذ لا يجوز أن

стр. 2643

يأخذ مالاً بدلا عما يبذله من هواء سطحه, كما لا يجوز أن يأخذ مالا على جناح يشرعه جاره في هواء داره. قلنا: لو أخذها لما على إشراع الجناح في هواء الدار على أن تكون خشبة الجناح موضوعة على ملك قابض المال, كانت المصالحة صحيحة وهذه صورة مسألة الكتاب، فأما ما ذكرت من الصلح الفاسد في إشراع الجناح فصورته أن لا تعتمد خشبة الجناح على جدار القابض للمال، فهي معاملة على الهواء المنفرد فلا يصح مثل ذلك على هواء صحن الدار وهذا لأنه لا يجوز إفراد الهوا، بالبيع ويجوز إفراد القرار بالبيع. مسألة: قال: وَلَوْ اشْتَرَى عُلوَ بَيْتٍ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ عَلَى جُدْرَانِهِ وَيَسْكُنَ عَلَى سَطْحِهِ أَجَزْتُ ذَلِكَ. الفصل وهذا كما قال: يجوز شراء العلو [(٤) /ب] بشرط أن يبني عليه بناء معلوماً, فأما بناء مطلق غير معلوم فلا يجوز, ويخالف إجارة الأرض بشرط أن يبني عليها ما أراد من الأثقال لأن الأرض حمالة لجميع ما يبنى عليها وليس كذلك الحيطان, فإنه لا يحمل عليها إلا مقدارًا معلومًا فلا يجوز بشرط البناء المطلق. ولا يضر أن يصف كل جدار يكون سمكه وغلظه وطوله, ويكون رصفا أو مطبقًا, ويصف السقف كذلك. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز بانفراده لأن العلو تبع يجري مجرى المرافق التي لا يجوز إفرادها بالعقد، وهذا غلط، لأن العلو عين مملوكة يجوز الانتفاع بها كالسفل فجاز بيعها. وقال في الحاوي: إن شرطا أن يبنى ما شاء لا يجوز للجهالة وإن أطلقا البناء فيه وجهان, أحدهما: يجوز ويبنى ما احتمله لأنه يعرفه أهل الخبرة، والثاني: لا يجوز وهو الأصح لأن العادات فيه مختلفة وهذا غريب. وقال فيه: ولو تبايعا مطلقا من غير شرط البناء هل للمشتري أن يبني؟ فيه وجهان, أحدهما: له ما يحتمله لأنه من منافع ملكه، والثاني: ليس له ذلك لما فيه من الإضرار بالسفل، ومنفعته تكون مقصورة على السكنى والارتفاق بما تضمنه العقد من غير إحداث زيادة. ولو باعه بشرط أن لا يبني فالبيع جائز وهذا الشرط لم يتضمن حجرا فيما ملكه بالعقد، بل تضمن أنه ليس له إحداث ما ليس على ملكه في الحال بخلاف ما لو باعه أرضا على أن لا يبني عليها لا يجوز لأنه لم يبق للبائع فيها حق ولا يدخله ضرر بالبناء، وهاهنا العلو متصل بملك البائع, وفي البناء إضرار به فصار الشرط فيه متعلقا بحقه فافترقا. فإن قال قائل: هذه المسألة والتي قبلها سواء في الحكم، فأي فائدة في الإعادة على نسق واحد. قلنا: يحتمل أن الشافعي أراد أن يبين التسوية بين لفظة المصالحة ولفظة الشراء في هذه المسألةء فأكرها مرة بلفظ الصلح ثم أعادها بلفظ الشراء في غير تلك الصورة. أو نقول المسألة الأولى مصورة في العارية عند بعض أصحابنا, وهذه الثانية مصورة في الشراء فتكونان متباينتين من غير تكرار. قال المزني: هذا غير منعه في [(٥) /أ] كتاب

стр. 2644

أدب القاضي: أن يقتسما داراً على أن يكون لأحدهما السفل وللآخر العلو حتى يكون السفل وعلوه لواحد، معناه أنه لم يجوز في كتاب أدب القاضي أن يجعل السفل لأحد الوارثين والعلو للآخر في قسمة التركة, وجوزها هنا شراء سقف البيت فيكون السفل لشخص والعلو لآخر، واختار أنه لا يجوز ذلك هاهنا أيضًا, قلنا: الممنوع في كتاب أدب القاضي ممنوع هاهنا، وهو أن يجعل القسام لأحدهما الفل وللآخر العلو على جهة الإجبار، والجائز في هذا الموضع جائز في كتاب أدب القاضي، وهو أن يكون لك على جهة التراضي، والعجب من المزني حيث يسوي بين حالة الإجبار وحالة التراضي، ألا ترى أنه إذا كانت بينهما داران أو دار وضيعة, فأراد أحدهما أن يقتسما على أن يقتسما على أن يكون لأحدهما الدارين وللآخر الأخرى أو يكون لأحدهما الدار وللآخر الضيعة لم يجبر الآخر عليه, ولو تراضيا جاز كذلك هاهنا. مسألة: قال: "وَلَوْ كَانَتْ مَنَازِلُ السَّفْلِ فِي يَدَيْ رَجُلٍ وَالعُلْوِ فِي يَدَيْ الآخَرِ فَتَدَاعَيَا العَرَصَةَ" الفصل وهذا كما قال: صورة المسألة أن يكون خانا بيوته التي في السفل لرجل وبيوته التي في العلو لآخر فتداعيا صحن الخان نظر فيه, فإن كانت الدرجة التي يصعد عليها إلى العلو في صدر الخان كان الصحن بينهما لأن يد كل واحد منهما ثابتة عليه. وان كانت الدرجة مع الباب ففي صحن الدار وجهان, أحدهما: يكون بينهما نصفين وعلى هذا يدل ظاهر كلام الشافعي لأنه من مرافق الخان, والخان بينهما فكذلك الصحن. والثاني: يكون لصاحب السفل لأن صاحب العلو لا حق له فيه بوجه، لأنه لا يستطرقه إلى شيء من ملكه فوجب أن يكون صاحب السفل أولى. وان كانت الدرجة في الدهليز أو في وسط الخان كان الصحن إلى موضع الدرجة بينهما وما من الأعلى مما لا حق له في استطراقه، ولا حائل دونه فيه وجهان, أحدهما: لصاحب السفل لتفرده باليد، والثاني: أنه بينهما لاتصاله بما هذا حكمه. وكل موضع قلنا: أنه بينهما [٥/ب] فإنهما يتحالفان على ما بيناه في الجدار يكون بين الدارين. وقيل هما كالوجهي اللذين ذكرناهما في زقاق ............ فلمن هو أسفل منه أن يمنعه وفيمن فوقه وجهان. وهكذا لو أراد أهل أسفل السكة أن يقتسموا فناثهم ويزيد كل واحد منهم حصته في داره، هل لمن فوقهم منعهم من ذلك؟ وجهان. وعلى هذا لو كان الدرب الذي لا ينفذ في صدره باب أحدهما وفي أوله باب الآخر فتنازعا بقية الدرب إلى ماره فيه وجهان، ومن أقله إلى صدره بينهما. مسألة: قال: "وَلَوْ كَانَ فِيْهَا دَرَجٌ إِلَى عُلُوهَا فَهْوَ لِصَاحِبِ العُلُو". الفصل وهذا كما قال: إذا تداعيا الدرجة فإنها في يد صاحب العلو لأنها تبنى للممر إلى

стр. 2645

العلو والقول قوله مع يمينه، وعلى صاحب الفل البينة، ولا فرق بين أن تكون معقودة بالجص والأجر، وبين أن تكون سلما من خشب أو سياج. وقال في الأم: فإن كان الناس يتخذون الدرج للمرفق ويجعلون ظهورها مدرجة لطريق من الطرق جعلت الدرج بين صاحب السفل والعلو لأن فيها منفعتين، إحداهما: بيد صاحب السفل، والأخرى: بيد صاحب العلو. قال أصحابنا: أراد به إذا كانت الدرجة على أزج تحت بيته وعلى الأزج ممر، كان بينهما لأنه سماء لصاحب الفل وممر لصاحب العلو وهو مثل زقاق الصفارين في بلدة مرو، ويكون زقاقاً لأصحاب السفل ممر لصاحب العلو. ومن أصحابنا من قال: إن كان ما تحتها مرفقا كاملا لبيت أو خزانة يصلح للسكنى وإحراز القماش فالدرجة بينهما كالسيف لأن لكل واحد منهما تصرفاً فيها وعليها يداً، وان كان المرفق ناقصاً مثل أن يكون تحتها زق أو موضع حيث أو نحو ذلك فيه وجهان، أحدهما: أنها بينهما لارتفاقها بها، وبه قال ابن أبي هريرة وأبو إسحاق. والثاني: لصاحب العلو لأن تصرفه فيها أكمل ويده عليها أقوى، وبه قال أبو حامد وهو الأصح. وقال القاضي الطبري: إذا كان مرفقا كاملا فيه وجهان أيضا، لأن الدرجة لا تبنى لما تحتها في العادة وإنما يقصا منها الارتقاء فتكون [٦/أ] لصاحب العلو في أحد الوجهين. مسألة: قال: "وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ زَرْعَاً فِي أَرْضٍ فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ على دراهم فَجَائِزٌ" الفصل وهذا كما قال: صورة المسألة أن تكون في يد رجل أرض فيها زرع أخضر فادعاه رجل فأقر له به ثم قال له: صالحني على عوض أعطيك إياه ينظر في المقر، فإن لم تكن الأرض له وصالحه منه على شرط القطع جاز, لأن بيع الفصيل بشرط القطع جائز. وان صالحه من غير شرط القطع لا يجوز لأن بيعه على هذا الوجه لا يجوز. وان كانت الأرض للمقر فصالحه على شرط القطع جاز, وهل يجوز من غير شرط القطع؟ وجهانء كما لو باع الزرع من صاحب الأرض هل يلزم شرط القطع؟ وجهان، وكذلك لو باع الثمرة قبل بدو ملاحها من صاحب النخلة مطلقًا من غير شرط القطع وجهان, أحدهما: يجوز لأنه يصير تبعًا للأرض, والثاني: لا يجوز لأن عقد الصلح انفرد في الزرع فلا يجوز أن يجعل تبعا لما لم يدخل فيه من الأرض. فإذا قلنا: لا يجوز إلا بشرط القطع فشرط لا يلزمه الوفاء بالشرط لأن القطع لتفريغ الأرض والأرض له. فإن قيل: هلا قلتم يجبر على قطعه لأن له غرضا في ذلك، وهو أنه ربما تصيبه الجائحة فيرفع إلى حاكم يرى وضع الجائحة فيضمنه، قلنا: إنما توضع الجائحة إذا لم يشترط القطع عليه، فأما مع شرط القطع فلا يضمن الجائحة بحال، لأنه ينسب إلى التفريط بترك القطع. وان كان الزرع أخرج السنابل فانعقد فيها الحب هل يجوز

стр. 2646

الصلح؟ قولان كما قلنا في البيع. مسألة: قال ((وَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَصَالَحَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ الزَّرْعِ لَمْ يَجُزْ)). الفصل وهذا كما قال: إذا كان الزرع بين رجلين فادّعى عليهما رجل أن الزرع له فأقر أحدهما وأنكر الآخر فصالح المقر عن نصيبه على دراهم فإن قلنا: لابد من شرط القطع وهو الصحيح لم يجز الصحيح الصلح لأن القطع لا يمكن في نصيبه حتى يقطع الجميع وهذا فلا سبيل إليه. وإذا قلنا: يجوز من غير شرط القطع فالصلح صحيح، وهذا إذا كان المقر صاحب الأرض فلما إذا أصلح رفع الأجنبي لا يجوز لأنه [٦/ب] لابد من شرط القطع فيه ولا سبيل إلى قطع نصيبه ولا يجوز قطع الجميع فبطل الصلح. فإن قيل: يقاسمه ويقطعه قلنا: لا يجوز قسمة الزرع عندنا وإنما هو مذهب ابن أبي هريرة. فرع لو كان لرجل أرض فيها زرع، فادَّعى رجل أن زرعها له فأقر له بنصفه ثم صالحه من هذا النصف على نصف الأرض على أن يفرغ له هذا النصف ويقطع النصف الذي اشتراه كان جائزاً، لأن نصف الزرع وجب قطعه بالشرط في البيع ونصفه بالشرط في الشراء ذكره صاحب الإفصاح، ولو لم يقل على أن يفرغ له هذا النصف لا يجوز. وإن صالحه منه على جميع الأرض بشرط القطع على أن يسلم إليه الأرض فارغة صح كما لو اشترى أرضاً فيها زرع وشرط تفريغ الأرض جاز. فرع آخر لو أقر له بجميع الزرع ثم صالحه من نصفه على نصف الأرض لتكون الأرض والزرع بينهما نصفين وشرط القطع في الجميع نظر، فإن كان الزرع في الأرض بغير حق جاز الشرط لأن الزرع يجب قطع جميعه. وإن كان الزرع في الأرض بحق قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه شرط قطع كل الزرع ففي أحد النصفين شرط على مشتري الزرع قطعه وفي النصف الثاني: شرط ليقبض مشتري الأرض هذه الأرض فارغة من الزرع. وقال أبو حامد: هذا قريب من الصواب وعندي أنه لا يجوز لأن المشتري شرط قطع ما اشتراه وبقي نصف الزرع لغيره وقد شرط قطعه فكأنه شرط قطع زرع لتسليم أرضه فارغة منه، وهذا محال وهو على ما قاله رحمة الله وارتضاه جمهور أصحابنا. ولو شرط القطع في أحد النصفين فلا إشكال أنه لا يجوز لأنه لا سبيل إليه لعدم تميزه ولا يجوز قطع جميعه. فرع آخر إذا أتلف رجل على رجل ثوبًا عليه أو عبدًا قيمته دينار فادعاه فأقر له به ثم صالحه

стр. 2647

منه على أكثر من ذلك الثوب لم يجز. وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا غلط، لأن الواجب في الذمة قيمة المتلف دون مثله، ولهذا لا يطالبه بمثله فإذا صالحه عليها بأكثر منها أو أقل فقد عاوض عليه متفاضًلا وهو ربًا [٧/أ] في النقود فلا يجوز. فرع آخر لو كانت قيمته ألفًا فصالحه على ألف مؤجل لم يتأجل ولم يصح الصلح، وقال أبو حنيفة: يصح، وهذا أيضًا غلط لأن الواجب دين في ذمته فإذا كان عوضه مؤجًلا كان بيع دين بدين، وذلك لا يجوز. فرع آخر لو ادَّعى مالًا مجهولًا فأقر به ثم صالحه عليه لم يصح الصلح. وقال: أبو حنيفة: يصح وهذا غلط، لأن معاوضة ولهذا تثبيت فيه الشفعة فلم يصح في المجهول كالبيع. فرع آخر قال في الأم: لو صالحه على أن يسقي أرضًا له من نهر وعين وقتًا من الأوقات لم يجز، ولكنه يجوز له أن يصالحه على ثلث العين أو ربعها، وكان بيعًا لذلك القدر من القرار. وهكذا لو صالحه على أن يسقي ماشية له شهراً من مائة لم يجز، وإنما لا يجوز لأن الماء مجهول في كلتا المسألتين. فرع آخر قال في الأم: لو ادَّعى رجل على رجل شيئًا ثم صالحه بعد الإقرار له على مسيل ماء في أرضه فإن سمى له عرض الأرض التي يسيل عليها الماء وطولها ومنتهاها فجائز، لأن ذلك بيع موضع من أرضه. ولا يحتاج إن يبينا عمقه لأنه إذا ملك الموضع كان له النزول فيه إلى تخومه، وقال في الحاوي: إن قدر المدة كانت إجارة، وإن أطلق فيه وجهان، أحدهما: يكون بيعاً لما حد من الأرض لإجراء الماء فيه على التأبيد، والثاني: يكون إجارة ويبطل لأنه لم يذكر المدة. فرع آخر لو صالحه على أن يجري الماء في ساقية في أرض المصالح فإن هذا إجارة، قال في الأم: يلزمه تقدير المدة. قال أصحابنا: وإنما يصح إذا كانت الساقية محفورة، فإن لم تكن محفورة لم يجز لأنه لا يمكن المستأجر إجراء الماء إلا بالحفر وليس له الحفر في ملك غيره. ولأن ذلك إجارة لساقية وهي غير موجودة فإن حفر الساقية وصالحة جاز. فرع آخر لو كانت الأرض في يد المقر بإجارة جاز أن يصالحه على إجراء الماء في ساقية فيها محفورٍة مدة معلومة لا تجاوز مدة إجارته، وإن لم تكن الساقية محفورة لم يجز له

стр. 2648

أن يصالحه على ذلك لأنه لا يجوز له إحداث ساقية في أرض غيره [٧/ب] بإجارة. فرع آخر قال بعض أصحابنا: وكذلك إذا كانت الأرض وقفاً عليه جاز له أن يصالح على إجراء الماء في ساقية فيها محفورة مدة معلومة. وإن أراد أن يحفر فيها ساقية لم يكن له لأنه لا يملكها وإنما له أن يستوفي منفعتها كالأرض المستأجرة. فرع آخر لو صالحه على إجراء ماء سطحه على سطحه يجوز، ولكنه يشترط أن يكون السطح الذي يسيل الماء إليه معلومًا، لأن هذا يقل ويكثر ولا يحتمل السطح كل ما يجري عليه بخلاف الأرض. ويكون هذا فرعًا للإجارة، وقال بعض أصحابنا: لا يحتاج إلى ذكر المدة بخلاف الساقية لأنه لا يستوفي منافع السطح مع ذكر المدة بخلاف الساقية فإنه يستوفي منفعتها مع ذكر المدة. فرع آخر قال أصحابنا: لا يمنع الإنسان أن يبني في ملكه حمامًا بين الدور أو يؤاجر كانونه من الخباز للخبز بين العطارين. وقال أحمد ﵀ في رواية: يمنع من ذلك، وبه قال بعض أصحاب أبي حنيفة، واحتج بأنه يضر بجاره فيمنع كما يمنع أن يرسل الماء في ملكه بحيث يضر بجاره أو يدق شيئًا على وجه يزعج حيطان جاره. وهذا غلط، لأن تصرف في ملكه الذي يختص به ولم يتعلق به حق غيره، فلا يمنع منه، كما لو طبخ في داره شيئًا لا يمنع منه إلا أن يلحق جاره دخانه. وأما الماء الذي قالوا فإنما يمنع لأنه يؤدي إلى إجراء الماء في ملك غيره فلم يجز. وأما الدق إن سلمنا فلأنه يهدم ملك غيره وهاهنا بخلافه. فرع آخر لو كان لرجل دار في زقاق بابها إليه وظهرها إلى زقاق آخر، فأراد أن يفتح بابًا من ظهرها إلى ذلك الزقاق فإن كان ذلك الزقاق نافذًا كان له ذلك، وإن كان غير نافذ يكن له لأن في ذلك مشاركة أهل الزقاق في الاستطراق ولا حق له في ذلك. قال القاضي الطبري: وهذا يدل على أن بعض أهل الزقاق إذا أراد أن يخرج روشنًا إلى الزقاق الذي لا ينفذ لا يجوز إلا بإذنهم. فرع آخر لو قال أشرع بابها إلى ذلك الزقاق ولا استطرقها منه بل أغلقه وأسمره، قال في الإفصاح: فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز لأنه يوهم ذلك [٨/أ] عند تطاول الزمان أنه مستحق للإستطراق لأن الباب من شواهد استحقاقه، والثاني: يجوز وهو الصحيح لأن له أن يرفع جميع الحائط فكان له أن يرفع بمقدار الباب، وبه قال أبو حنيفة ﵀.

стр. 2649

[فرع آخر] لو أراد أن يفتح فيه كوًة للضوء أو شباكًا جاز لما ذكرنا أن له رفع جميع الحائط ولا يكون دليًلا على الطريق، ولو قال: افتح كوة للنظارة فيه وجهان. فرع آخر لو كان باب داره في درب لا ينفذ وجانب منها إلى شارع فأراد أن يفتح بابًا إلى الشارع جاز. فإن قيل: فهو يجعل الدرب الذي لا ينفذ نافذًا فيجب أن لا يجوز، قلنا: ليس كذلك، بل يجعل داره نافذة، ألا ترى أن غيره لو أراد أن يستطرقها من الشارع لم يكن له. فرع آخر لو كان لرجلين في زقاق غير نافذ داران لكل واحد منهما دار بابها إلى هذا الزقاق، فأرادا سد الزقاق، قال في الإفصاح: يحتمل وجهين أحدهما: ليس لهما ذلك، والثاني: لهما ذلك وهذا أصح عندي ولا وجه للوجه الأول. فرع آخر لو كانت لرجل داران متلاصقان وباب كل واحدة منهما إلى زقاق غير نافٍذ وظهر كل واحدة من الدارين إلى الأخرى فأراد هدم الحائط الذي بين الدارين ليتسع داره لا للاستطراق جاز. وإن أراد فتح باب من إحدى الدارين إلى الأخرى ليستطرقه إلى الدارين من هذا الزقاق اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك، لأنه يجعل الزقاقين النافذين ولا يجوز ذلك، ولأنه يصير مستطرقاً إلى كل واحدة من الدارين من الزقاق الذي لا حق لها في الاستطراق منه ولا سبيل إلى ذلك. ولأنه يتغير به حكم الشفعة على قول من يوجب الشفعة بالطريق فلا يؤمن أن يتطرق به إلى إثبات الشفعة لنفسه على قدر الدارين. وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار القاضي الطبري يجوز له ذلك، لأن له أن يزيل الحاجز بين الدارين ويجعلهما دارًا واحداً ويترك البابين على حاليهما فجاز أن ينفذ أحدهما إلى الأخرى، وهذا أقيس، ولكنه غير مشهور. فرع آخر لو كان لرجلين بابان في زقاق غير نافذ أحدهما قريب من باب الزقاق والباب [٨/ب] الآخر في وسطه فأراد كل واحد منهما أن يقدم بابه إلى أول الزقاق كان له لأن له استطراق ذلك، وهذا ينقص من استطراقه. وإن أراد أن يؤخر بابه إلى صدر الزقاق فيه وجهان، أحدهما: ليس له ذلك وهو الأظهر لأنه يقدم بابه إلى موضع لا استطراق له فيه، والثاني: له ذلك لأن له يدًا في الدرب فكان الجميع في يدهما وهذا الحائط ملكه فإلى حيث ينتهي الحائط يكون فناؤه فله فتح الباب فيه، وإن كان لأحدهما باب يلي

стр. 2650

باب الزقاق وللآخر باب في الصدر فأراد صاحب الصدر أن يقدم بابه إلى حد باب الآخر فهل له ذلك؟ مبني على الوجهين فإن قلنا لصاحب الباب الذي يلي باب الزقاق أو يؤخر لم يكن له لك، وإن قلنا: ليس له ذلك كان لصاحب باب الصدر أن يقدمه إلى الباب الثاني. فرع آخر إذا جوزنا لمن داره في صدر الزقاق تقديم بابه وهو الأصح فأراد دفع ذلك بإدخال ما وراء الباب المستحدث إلى صدر الزقاق في داره فيه وجهان، بناء على أن عرصة الزقاق مشتركة بين الدارين أم لا، فإن قلنا مشتركة ليس له ذلك، وإن قلنا: ليس بمشتركة وهو الأصح بل ما يحاذى باب الأول مختص بملك صاحب الصدر يجوز له ذلك. فرع آخر لو أراد صاحب الدار الأولى أن يقر بأنه في موضعه ويفتح دونه بابًا ثانيًا ويجعلها حجرتين جاز ولا يمنع لأن كليهما في موضع استطراقه، وقال أبو حنيفة: يمنع منه لأنه يستحق مدخًلا واحدًا فلا يتعدى إلى مدخلين وهذا غلط لما ذكرنا أنه يستحق الاستطراق فيه، فلا فرق بين أن يكون من مدخل أو مدخلين. فرع آخر لو أدعى على رجل شيئًا فأقر به وهما يعلمان ذلك ولكنهما لم يسمياه ثم قال له: صالحني منه على كذا جاز لأنه معلوم عندهما، وإن لم يذكراه نص عليه في الأم. فرع آخر لو كان لرجل جذع على حائط جاره فأراد صاحب الجدار أن ينقض الجدار ويزيل الجذع فقال له صاحبه: بعني معرض خشبي من حائطك ففعل جاز البيع، لأنه لما جاز أم يبيعه من غيره جاز له أن يبيعه منه. وكذلك إن كان ميزابًا في حائطه ونحو ذلك نص عليه في الأم. وبالله التوفيق. [٩/أ]

стр. 2651

كتاب الحوالة قال: أخبرنا مالك عن أبي الزناد .... الخبر. وهذا كما قال: الحوالة مشتقة من الإحالة والتحويل، وهو نقل الحق من محل إلى محل ومن ذمة إلى ذمة يقال: حولت الشيء من موضع إلى موضع إذا نقلت إليه. والأصل في جوازها ما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((مطل الغني ظلم وإذا أُتبع أحدكم على ملء فليتبع)). وقوله "أتبع" بتخفيف التاء وتسكينها وضم الألف ومعناه أحيل وأصحاب الحديث يقولون "أتبع" بالتشديد وهو غلط. وروي "من أتبع على سبيل فليتبع". وروي أنه ﷺ قال: (إذا أحيل أحدكم على ملء فليحتل) فإذا ثبت جوازها لا تتم الحوالة إلا بثلاثة أنفس محيل ومحتال ومحاٍل عليه، فالمحيل من يحيل بما عليه، والمحتال من له الحق، والمحال عليه من ينتقل حق المحتال إليه، وصفته أن يكون عليه دين فيطالبه به فيحيله على رجل له عليه دين من جنسه، فإذا أحاله عليه لم يجب على المحتال قبول الحوالة، بل هو إلى اختياره ورضاه. ... وقال داود وابو ثور: يلزمه قبول الحوالة إذا أحيل على ملىٍء، وروي هذا عن أحمد لظاهر الخبر الذي ذكرنا. وهذا غلط، لأن نقل الحق إلى العين لا يجوز إلا بالتراضي فنقله إلى الذمة أولى أن لا يجوز. ولو سأله الحوالة لا يجب على المحيل ذلك ويفتقر إلى رضاه لأن من له الحق يتخير في وجهة القضاء، وليس لمن له الدين أن يقول: أقضي ديني من هذا المال دون هذا. وأما المحال عليه هل يعتبر رضاه؟ فالمذهب المشهور أنه لا يعتبر رضاه وبه قال مالك وأحمد. وقال ابن أبي أحمد في "التلخيص": نص الشافعي في "الإملاء" على أنه: يعتبر رضاه ولا تتم إلا به وبه قال الاصطخري والزبيري وهو ظاهر مذهب المزني، لأنه أحد من يتم به الحوالة فيعتبر رضاه كالمحتال وبه قال أبو حنيفة ﵀، وهذا غلط لأن من له حق على إنسان له أن يقبضه بنفسه وبوكيله وليس لمن عليه الامتناع من الدفع إلى الوكيل فلا يكون له الامتناع من الدفع إلى المحتال لأن الحوالة أشد من الوكالة. ويفارق المحتال لأنه صاحب الحق وهو

стр. 2652

يريد نقل حقه من محلَّ [٩/ب] إلى محل آخر فيعتبر رضاه. وقال القفال: فيه مبنيان على أنها مبادلة أو استيفاء فإن قلنا: مبادلة يعتبر رضاه، لأن الإقراض لا يجوز إلا بالقضاء، وإن قلنا: استيفاء لا يعتبر. واختلف أصحابنا في حكم الحوالة فمنهم من قال: الحوالة بيع وهو أن المحيل يشتري ما في ذمته بماله في ذمة المحال عليه، والمحتال يتشري ما في ذمة المحال عليه من المحيل بماله في ذمته وهذا هو المنصوص عليه في كتاب "السلم"، وقال في كتاب "البيوع": لو حل عليه طعام فأحاله به على رجل له عليه طعام وأسلفه إياه لم يجز من قبل أن أصل ما كان له بيع وإحالته به بيع فجعل الحوالة بيعًا ولكن المقصد منه الرفق دون الفضل والربح، ولا ينعقد بلفظ البيع ويدخله خيار المجلس دون خيار الثلاث على ما ذكرنا، ويكون بمنزلة المبيع المقبوض بدليل جواز التصرف فيه قبل القبض. ومن أصحابنا من قال: هي إسقاط حق بعوٍض على طريق الرفق المعروف لأنها لا تجوز بلفظ البيع ولا تجوز الزيادة فيها والنقصان، وهي مشتقة من التحويل. ومن أصحابنا من قال: هي قبض وإقباض فكأنه قبض من المحيل وأقرض المحال عليه. وقال القاضي الطبري: ليس لهذا الخلاف فائدة أكثر من ثبوت خيار المجلس فإني لا أعرف بين أصحابنا خلافًا فإن الحوالة بالطعام الذي في الذمة بعقد السلم لا يجوز وسائر أصحابنا ذكر فوائد لهذا الخلاف على ما سنذكر إن شاء الله تعالى ثم إذا قلنا: إنه بيع هل هي في حكم بيع دين بدين خصَّ بالشرع أو في حكم بيع عين بدين وجهان، وعلى كلا الوجهين لا يدخلها خيار الثلاث. وقال في "الحاوي": هل تجوز الحوالة بالسلم؟ وجهان بناًء على الوجهين أنها بيع أو عقد بإرفاٍق. والصحيح أنها لا تجوز وجهًا واحدًا لأن الحوالة لا تجوز إلا في حق مستقر والمسلم فيه غير مستقر وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) فالحوالة مفاوضة فلا يجوز إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه. واعلم أن الحق الذي تصح فيه الحوالة هو كل ما يثبت مثله بالإتلاف في الذمة كالدراهم [١٠/أ] والدنانير والحبوب والأدهان فأما ما يضمن بالقيمة في الإتلاف كالثياب والحيوان لا تصح فيه الحوالة لأن المثل فيه لا يتحقق، ولهذا لا يضمن بمثله في الإتلاف، وهذا هو المشهور. ومن أصحابنا من قال: تصح الحوالة في كل مال يثبت في الذمة من الثياب وغيرها، وثبوته إنما يكون في القرض والسلم، ففي القرض تجوز الحوالة وفي السلم لا تجوز لما ذكرنا، فيعتبر شرطان، وأن يكون مستقراً في الذمة.

стр. 2653

فرع الحوالة بالثمن في مدة الخيار هل تجوز أم لا؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز قاله أبو حامد في "الجامع"، لأنه ليس بثابت مستقر، فإن قطع الخيار لم يثبت حتى يستأنف الحوالة. والثاني: يجوز لأنه يؤول إلى اللزوم. فرع آخر قال ابن الحداد: لو أحال السيد غريمة على مكاتبه بنجومه لا يجوز، لأن الكتابة عقد جائز من جهة العبد. ولو أحاله على مكاتبه بدين ثبت للسيد عليه من جهة المعاملة وجهان: أحدهما: لا يجوز أيضًا لأن ذلك الدين يبطل بالعجز كما يبطل النجوم. والثاني: يجوز وهو المذهب لأنه دين لازم. فرع آخر لو أحال المكاتب سيده بدينه أو بنجومه على أجنبي له عليه مثله جازت الحوالة قوًلا واحدًا، لأن الكتابة لازمة من جهة السيد. فرع آخر لو ثبت له في ذمة قاتل وليه لإبل الدية هل تجوز الحوالة؟ بها وجهان: أحدهما: لا تجوز وهو الصحيح لأنها مداومة الاثنان غير معلومة الأوصاف والحوالة لا تجوز بالمجهول. والثاني: تجوز لأنها ثابتة مستقرة في الذمة كما لو كانت قرضًا. وقيل: هما مبنيان على القولين للشافعي. إذا جعل هذا الإبل صداقًا أو صالح منها على ماٍل هل يجوز؟ قولان، وذكر أبو حامد: أن الحيوان إذا كان صداقًا ودخل بها الزوج جازت الحوالة وربما ذكره على أحد الوجهين. فرع آخر لا تصح الحوالة إلا أن يكون الحقان متساويين في الجنس والصفة فإن كانا من جنسين أحدهما دنانير والآخر لا تصح الحوالة لأن الحوالة لا تتم [١٠/ب] إلا في دينين في الذمة فأشبهت المقاصة، والمقاصة لا تجوز في جنسين فكذلك الحوالة، وأيضًا طريق الحوالة المعروف والرفق كالقرض، فإذا اختلف الجنسان دخل فيه الفضل والزيادة، وخرج عن معناه ولأنه يجبر المحال عليه على الحوالة على الصحيح من المذهب، ويمكن إجباره مع الاختلاف. وإن كانت الصفة مختلفة بأن يكون أحدهما دنانير نيسابورية والآخر خراسانية لا يجوز، وكذلك إذا كان أحدهما صحاحًا والآخر مكسرًا، أو كان أحدهما حاًلا والآخر مؤجًلا أو اختلف الأجلان أو كانت الحنطة من

стр. 2654

نوعين لا تجوز الحوالة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: أما إذا أحال الدين الحال على من عليه للمحيل دين مؤجل لا يجوز لأنه ما أحال إلا بعوض وهو الأجل والأجل لا يلزم. ولو أحال صاحب الدين المؤجل على من عليه دين حال فوجهان: أحدهما: لا يجوز لاختلاف الدينين في الصفة. والثاني: يجوز وهو على قولنا إنها استيفاء فكأنه عجل له حقه. فرع آخر لو أحال بغير النقد من الحنطة والشعير، فإن كان وجوبها في الذمتين أو وجوب أحدهما في إحدى الذمتين بعقد المعاوضة لا يجوز نص عليه، وإن أوجبنا بالائتلاف أو القرض يجوز ذكره القاضي الطبري ﵀. فرع آخر هل يصح اشتراط الرهن فيها والضمين فإن قلنا: إنها في حكم بيع عين بدين جاز، وإن قلنا: إ؟ نها في حكم بيع دين بدين لا يجوز. فرع آخر لو قال: أحلتك بما لك على فلان وهما لا يعلمان قدره أو لا يعلمه أحدهما لم يجز. فرع آخر لو أحال على من لا حق له في ذمته لا يلزم على المحال عليه قبوله. فإن قيل: هل تصح الحوالة وجهان؟ أحدهما: لا تصح وهو الصحيح لأنها إذا لم تصح مع اختلاف الجنسين في الجنس أو الصفة فلأن لا تجوز عند عدم أصل الحق إلي. والثاني: تجوز وبه قال أبو حنيفة، ويسقط الحق عنه لأ؟ نه يلزمه بالقبول كما يلزم على الضامن، وإن لم يكن عليه مال وقال القفال: هما مبنيان على ما تقدم من الوجهين فإن قلنا: الحوالة مبادلة لا تجوز، وإن قلنا استيفاء تجوز. قال: وفي الحقيقة هذه الحوالة ضمان [١١/أ] بشرط أن يبراء المضمون عنه فكأن المحال عليه ضمن ما في ذمة المحيل بشرط أن يبرأ المحيل ولا حاجة هاهنا إلى رضا المحيل وينفي رضا المحتال، وإن كان من أصحابنا من لا يشترط رضا المضمون له لأن هذا ضمان بشرط براءة المضمون عنه فلابد من رضاه ليبرأ المحيل من حقه، وإنما يحتاج المحال عليه إلى رضا المحيل لحق الرجوع عليه، فإن كان بإذنه ثبت الرجوع عليه وإلا فلا. ومن هاهنا ذكر بعض أصحابنا أن رضى المحيل في أصل الحوالة هل يشترط؟ وجهان، بناًء على أن الضمان بشرط البراءة هل يصح وجهان، وهذا كله غير مشهور.

стр. 2655

فرع آخر إذا قلنا: تصح الحوالة على من لا عليه وقيل: برضا المحيل له أن يطالب المحيل بتخليصه وقضاء الحق عند مطالبته المحتال، كالضامن يطالب المضمون عنه بتخليصه. فرع آخر لو دفع الحق ولم يطالبه بتخليصه فإن دفع بإذن المحيل رجع عليه، وإن دفع من غير إذنه فيه وجهان: أحدهما: يرجع عليه لأن الالتزام كان بأمره. والثاني: لا يرجع لأن الأداء كان بغير أمره. وقيل فيه وجه ثالث: أنه إن أجبر على أداء الحق رجع إليه وإن دفع مختارًا لا يرجع. فرع آخر لو اختلفا عند الرجوع فقال المحال عليه: لم يكن عليَّ شيء، وقال المحيل: كان لى عليك ما أديت الحوالة فالقول قول المحال عليه لأن الأصل أنه لا شيء عليه، ذكره ابن سريج ﵀. فرع آخر لو أبراً المحتال لم يرجع هو على المحيل لأنه لم يغرم عنه شيئاً. وإن دفع الحق ثم وهبه له هل يرجع عليه؟ وجهان: أحدهما: لا يرجع لأنه لم يغرم شيئًا. والثاني: يرجع وبه قال أبو حنيفة ﵀ لأنه غرم ثم رجع إليه بجهة أخرى، وهذان الوجهان كالقولين فيما لو وهبت المرأة صداقها للزوج ثم طلقها قبل الدخول هل يرجع الزوج عليها بنصف الصداق؟ قولان. فرع آخر لو قيل من لا دين عليه الحوالة ثم أحال المحتال على آخر، فإن أحاله على من له عليه دين رجع في الحال على المحيل لأنه غرم، وإن أحال على من لا دين عليه لا يرجع في الحال على المحيل أو يوقف فإن غرم له المحال عيه ثانيًا رجع الأول على المحيل، وإن لم يغرم لا يرجع. فرع آخر لو ضمن [١١/ب] رجل ألف درهم ثم أحال الضامن المضمون له على رجل له عليه ألف بالألف وقبل الحوالة برئ الضامن والمضمون عنه ورجع الضامن على المضمون عنه إن كان ضمن بأمره وقضى بأمره. وإن كان ضمن بأمره وقضى بغير أمره فعلى وجهين، وسواء قبض المحتال، وأبرأه لأن الضامن غرم فإن برأه حصل

стр. 2656

للمحال عليه فلا يسقط رجوع الضامن. وإن أحاله على من ليس عليه شيء فإن قلنا: لا تصح الحوالة فالمال باقٍ على الضامن بحاله، وإن قلنا: تصح الحوالة فقد برئت ذمة الضامن والمضمون عنه بشيء في الحال لأنه لم يغرم شيئًا، فإن قبض المحتال الحق رجع المحال عليه على الضامن ورجع الضامن على المضمون عنه، وإن أبرأه لم يرجع على المحيل الضامن ولم يرجع الضامن على المضمون عنه لأنه لم يغرم عنه شيئًا. فرع آخر إذا قلنا: لا تصح الحوالة على من لا دين عليه يصير كأنه التزم قضاء دين عن غيره، فإن شاء أوفي به، وإن شاء رجع عنه، فإن وفي به هل يرجع فالحكم على ما ذكرنا. مسألة: قال: وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الحَقَّ يُحَوَّلُ على المُحَالِ عَلَيْهِ. الفصل وهذا كما قال: إذا صحت الحوالة وتحول الحق إلى المحال عليه وبرئ المحيل فلا يجوز له مطالبة المحيل بوجه سواء أفلس أو مات مفلسًا، وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، ومالك والليث وأحمد ﵏، وحكي عن زفر أنه قال: الحوالة تجري مجرى الضمان وله مطالبة من شاء من المحيل والمحال عليه، وهذا قول بخلاف الإجماع لا عبرة به، وقد ذكرنا أن الحوالة من التحويل والضمان من ضمن الذمة إلى الذمة فحققنا حكم الاسم فيهما. وقال: الحكم يرجع عليه إذا مات المحال عليه مفلسًا ولا يرجع في غير هذا الموضع. وقال أبو حنيفة: يرجع هاهنا وإذا جحد الحق وحلف. وقال أبو يوسف ومحمد: ويرجع أيضًا إذا أفلس في حياته وحجر عليه الحاكم. واحتج الشافعي بخبر أبي هريرة الذي ذكرنا، ووجه الدليل منه أنه لو كان للمحتال الرجوع لما فسر عدم ... المال في المحال عليه عند الحوالة، وقد ذكر ذلك حين قال: «فإذا أحيل أحدكم على مليءٍ فليحتل». وفي هذا الخبر دليل على أن المديون إذا حل عليه الدين فسوّف مماطلًا مع التمكن من الإيفاء كان ظالمًا، ولو [١٢/ أ] أخر قضاءه للإعسار لا يكون ظالمًا من طريق المفهوم، لأنه ليس بغني وهذا الفقير لو مات لقي الله تعالى معذورًا. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: لأن أموت وعليَّ دين يعلم الله تعالى أني أريد قضاءه أحب إليَّ من أن أخلف مثله مالًا، وهذا دليل على أنه مع فقره لو أضمر أن لا يقضي الدين عند يساره فمات فقيرًا مات عاصيًا. فإن قال قائل: أخبر رسول الله ﷺ في حديث عمير: «إن مات وعليه دين حجب من الجنة». وقال رسول الله ﷺ : «نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى».

стр. 2657

قلنا: يحتمل أنه قال في رجل فرط في قضائه مع الميسرة أو نوى ترك القضاء أو استدان فيما لا يرضاه الله تعالى. وفي الخبر الذي ذكرنا دليل أيضًا على أن المديون يخرج عن صفة المطل والظلم بالإحالة كما يخرج بالقضاء عنه، لأن النبي ﷺ عقب الظلم بالحوالة وأمر المستحق بقبولها. وفيه دليل أيضًا على أن صاحب الدين مأمور من جهة الندب بقبول الحوالة، وإنما يكون مندوبًا إذا أحيل على ملء. ثم حكى الشافعيعن محمد بن الحسن أنه احتج بأن عثمان ﵁ قال في الحوالة أو الكفالة: يرجع صاحبها لا توى على مال مسلم. قال الشافعي: «وهو عندي يبطل من وجهين»، ولو صح لما كان له فيه حجة لأنه لا يدري قال ذلك في الحوالة أو الكفالة. وقوله: وهو عندي يبطل من وجهين اختصار مشكل، وتفسير أحد الوجهين أن راوي هذا خليد بن جعفر وهو مجهول جدًا. والثاني: أن خليدًا رواه عن إياس بن معاوية بن قرّة عن عثمان وإياس ما رأى عثمان ﵁. ثم أجاب بأنه لا يدري، قال ذلك في الحوالة أو الكفالة، وعندنا يرجع في الكفالة فبطل الاحتجاج به. ثم أصحابنا عارضوا بما روي أنه كان لحزن جد سعيد بن المسيب على عليّ بن أبي طالب ﵁ مال فسأله أن يحيله على آخر فأحاله فمات المحال عليه فرجع إلى عليّ فقال عليّ بن أبي طالب ﵁: اخترت علينا غيرنا أبعدك الله فدل أنه ليس له الرجوع المحيل بحال. فإذا تقرر هذا لو لم يعلمه المحتال مفلسًا فظهر مفلسًا بعد قبوله الحوالة لا رجوع له وكذلك لو غره وقال له: إنه هذا المحال عليه مليء وفي فقبل الحوالة ثم بان فقره لا يرجع، وقال مالك: يرجع [١٢ ب/ ٨] عليه غره أم لم يغره إذا لم يكن علم بإعساره. واحتج بأن الظاهر السلامة والإعسار عيب فصار كما لو وجد بالمبيع عيبًا له الخيار. وهذا غلط، لأن الأصل الإعسار لا اليسار ولأنه لو حدث الإعسار قبل قبض الحق لا رجوع بخلاف ما لو حدث العيب بالمبيع قبل القبض فدل على الفرق. وقال ابن سريج: إذا غره يرجع عليه والذي نقله المزني لا يعرف في شيء من كتب الشافعي، وغلط في نقله لأنه بمنزلة سلعة يشتريها ثم يجد بها عيبًا له ردها، وهذا اختيار أبي حامد، وقال أيضًا: هو كما لو شرط البكارة في شراء الجارية ثم وجدها ثيبًا له الرد لا للعيب، ولكن للخلف في الشرط، وكذلك لو شرط كون العبد المبيع كاتبًا أو خبازًا فلم يكن له الرد. وقال سائر أصحابنا: وهو الصحيح الأمر على ما قال المزني، وهو ثقة في النقل والدليل عليه أنه لو وضعه أنه غير مطولٍ فوجده مطولًا فله

стр. 2658

الاختيار، كذلك هاهنا ويفارق البيع لأنه لو باع عبدًا وشرط أنه ثقة أمين فوجده خائنًا له الخيار. ولأنه لو كان له الرجوع عند الشرط لكان له الرجوع عند عدم الشرط لأن كل نقص وعيب يثبت الرجوع بالشرط يثبت عند عدم الشرط كالرد بالعيب. ولأن حكم هذا الغرور حكم الغبن فلا يثبت به الخيار. فرع لو أحاله على رجل فقبل الحوالة ثم وجده عبدًا قال في «الإفصاح»: قال بعض أصحابنا: ينظر فيه فإن كان عبدًا لغير المحيل يتبعه إذا أعتق لأنه للعبد ذمة. وإن كان عبدًا للمحيل فإن كان له كسب تعلق بكسبه، وإن لم يكن له كسب ففي ذمته وهذا إذا قلنا: الحوالة تصح من غير أن يكون للمحيل على المحال عليه دين، فأما إذا قلنا: لا تتم الحوالة إذا لم يكن للمحيل على المحال عليه دين فهاهنا لا تصح الحوالة. باب قال المزني ﵀: هذه مسائل تحيرت فيها معاني جوابات الشافعي رحمة الله عليه في الحوالة، قال من ذلك لو اشترى عبدًا بألف درهم وقبضه. الفصل وهذا كما قال: إذا اشترى عبدًا بألف درهم ولزم البيع وثبت للبائع الثمن في ذمة المشتري فأحال المشتري البائع بالثمن على رجل له عليه ألف فقبل [١٣ أ/ ٨] البائع الحوالة وبرئت ذمة المشتري عن الثمن، ثم أصاب المشتري بالعبد عيبًا فرده على البائع وانفسخ البيع ووجب للمشتري الثمن نقل المزني أن الحوالة باطلة. وقال في جامعه الكبير: إنها لا تبطل، وقال فيه: وإن كان بينهما خيار الثلاث فرد في مدة الخيار وبطلت الحوالة لأنهما إذا تبايعا بشرط الخيار فرد لم يتم بيعها. قال القاضي الطبري ﵀: هذا دليل على أن الحوالة بالثمن في مدة الخيار جائزة لأنه قال: بطلت الحوالة فذلك أنها كانت جائزة ثم بطلت بخلاف ما ذكر القاضي أبو حامد في الجامع. واختلف أصحابنا في هذه المسألة على أربعة طرق، فقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة: الحوالة باطلة كما ذكر هاهنا، والذي ذكره في الجامع الكبير خطأ من الناقل. وقال أبو حامد في الجامع: يبطل كما قال أبو إسحاق، وتأملت الجامع الكبير ونظرت في كثير من نسخه غير نسختي فوجدت الجواب في جميعها واحدًا، وغلط أصحابنا في نقله، وهذا لأن الحوالة تثبت بثبوت الثمن، فإذا رد المشتري العبد بالعيب فقد سقط الثمن، وإذا سقط الثمن بطلت الحوالة. قال ابن أبي هريرة: وعلى هذا. أقول: إذا كان البائع قبض مال الحوالة ولكن المحال عليه صار بريئًا لأن البائع قبضه بإذن المشتري فهو في

стр. 2659

معنى الوكيل فيرجع المشتري على البائع بالألف. وقال صاحب «الإفصاح»: لا تبطل الحوالة قولًا واحدًا على ما قال في «الجامع الكبير»، والذي نقله المزني قول مرجوع عنه، واحتج بأن الحوالة كالقبض والحق الذي كان للبائع في ذمة المشتري أخذ به ذمة أخرى فصار كما لو أخذ به عرضًا ولو أخذ به عرضًا ثم رد العبد بالعيب لا يبطل الملك في العض كذلك هاهنا. ويوكده أن أخذ الذمة أقوى من أخذ العرض فوجب أن يكون بالثبوت أولى. وهذا الذي قاله لا يصح لما ذكرنا. وأما ما ذكر من المسألة فالشيخ أبو حامد لم ينكرها وأجاب عنها بأن العرض ملكه بعقد آخر وهاهنا نفس الحق يحول إلى ذمة المحال عليه، ولهذا لا يجوز أن يختلف ما في ذمة المحيل والمحال عليه فافترقا. وقال القاضي الطبري: لا نسلم هذه المسألة أيضًا، وإذا فسخ البيع بالعيب يلزمه رد [١٣ ب/ ٨] العرض الذي أخذه بدلًا من الثمن، ولا فرق بين المسألتين. ومن أصحابنا من قال: يحمل القولين على اختلاف الحالين، فالذي قاله هاهنا أراد إذا لم يكن قبض البائع من المحال عليه مال الحوالة، والذي قال في «الجامع الكبير»: أراد إذا كان قد قبض المال فإن المحال عليه قد برئ فلا يجوز انتقاضه بعد سقوط الحق، وبراءة ذمته منه. ومن أصحابنا من قال: يحمل على اختلاف حالين من وجه آخر، فالذي قال هاهنا أراد إذا كان العيب متقدمًا لا يجوز حدوث مثله بعد القبض أو يجوز حدوث مثله ولكن البائع اعترف بأنه كان به قبل القبض فتبطل الحوالة، لأن البائع اعترف أنه لا يستحق الثمن. والذي قال في «الجامع الكبير»: أراد إذا أنكر البائع هذا وكان العيب مما يجوز حدوثه بعد القبض فنكل البائع عن اليمين وردّ اليمين على المشتري فحلف واستحق الرد لا تبطل الحوالة، لأن الحوالة تبطل باتفاق المحيل والمحتال كما كان تمامها بهما، ولو أبطلناها هنا لأبطلناها بقول المحتال وحده، وهو المشتري، ويحكى هذه الطريقة عن أبي إسحاق، وفي هذا نظر لأنه إذا استحق الرد بالثمن مع النكول كان بمنزلة إقراره. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقة خامسة وهي: أن فيه قولين مبنيين على المعنيين فإن قلنا: الحوالة مبادلة لم تبطل كما قلنا في المسألة التي احتج بها صاحب «الإفصاح»، وإن قلنا: إنها قبض بطل لأنه نوع رفق فلما سقط الثمن عن ذمة المشتري بطل ذلك الرفق، كما لو اشترى شيئًا بألف مكسر فأعطى البائع ألفًا صحاحًا ثم رد المبيع بالعيب يلزم البائع أن يرد إليه ألفًا صحاحًا، وليس له أن يقول: أرد المكسر ويبقى لي الرفق لأن ذلك الرفق تبع لهذا البيع، وقد فسخ البيع. وقال هذا القائل: فإذا قلنا: لا تبطل الحوالة فإن كان البائع قبض المال سلمه إلى المشتري. وإن لم يكن قبض هل للمشتري أن يطالبه بالمال قبل أن يقبضه هو من المحال عليه؟ وجهان، والأصح أنه لا يلزمه رد المال إليه، وليس له مطالبته لأن الرد على حسب القبض، وهو لم يقبض عين المال وإنما قبض حكمًا. وسائر أصحابنا

стр. 2660

قالوا: المشتري يطالب البائع بالألف بكل والبائع يطالب المحال [١٤/ أ] عليه بألف وهذا أصح عندي. وقيل: أصح الطرق إن لم يصح النقلان الطريقة الأولى، وإن صح النفلان فالطريقة الثالثة. فرع لو تزوج امرأةً وأصدقها ألفًا ثم أحالها بالألف على رجل له عليه ألف فقبلت وبرئت ذمة الزوج، ثم انفسخ النكاح قبل الدخول بالردة من جهتها، قال ابن سريج ﵀: الحكم فيه كما لو انفسخ البيع بالعيب وقد ذكرنا، وقال القاضي الطبري: عندي إن لم تكن قبضت بطلت الحوالة وللمحيل مطالبته بدينه، وإن كانت قبضت يأخذه الزوج من يدها والمحال عليه برئ بدفعها إليها. فرع آخر لو كان البائع هو المحيل والمشتري هو المحتال عليه والمحال أجنبي فقبل الحوالة برئ المشتري من حق المحيل فصار الحق عليه للأجنبي دون البائع، فإذا أصاب المشتري به عيبًا فرده وانفسخ البيع، قال ابن سريج: لم تبطل الحوالة وجهًا واحدًا ورجع المشتري على البائع بالثمن، لأن المحتال ملك المال بعقد بعد تمام البيع بين البائع والمشتري فكان في إبطالها إبطال الحق الثابت للأجنبي، ولا يجوز ذلك فبقيت بحالها. وهكذا إذا كان العبد في يد البائع قبل التسليم لم تبطل الحوالة، لأن ملك الثمن إذا زال إلى غير المتعاقدين بعقد مستأنف لم يبطل العقد بفسخ البيع، وإذا لم يزل إلى غير المتعاقدين بطل العقد الثاني بفسخ البيع الأول. مسألة: قال: وَلَوْ كَانَ البَائِعُ أَحَالَ عَلَى المُشْتَريْ بِهَذِه الأَلْفِ رَجُلًا لَهُ عَلَيْهِ أَلفٌ ثُمَّ تَصَادَقَ البَائِعُ وَالمُشْتَريْ أَنَّ العَبْدَ الذِيْ تَبايَعَاهُ حُرُّ الأَصْلِ فَإِنَّ الحَوَالَةَ لَا تَنْتَقِضُ. الفصل وهذا كما قال: لو باع رجل من رجل عبدًا وأحال البائع بالثمن رجلًا آخر على المشتري ثم تصادق البائع والمشتري على أن العبد كان حر الأصل، نظر فإن كذبهما المحتال لم يقبل قولهما عليه كما لو باع المشتري العبد ثم اعترف هو وبائعه أنه كان حرًّا لم يقبل قوله على المشتري الثاني، ويحلف المحتال أن البيع وقع على رقيق يملك فإذا حلف حكم بصحة الحوالة، ويطالب المشتري بالألف. وإن أقاما بيّنة لم تسمع منهما [١٤ ب/ ٨] لأنهما كذبا بنيتهما بدخولهما في التبايع. وإن أقام العبد البيّنة بحريته ثبتت حريته وبطلت الحوالة. وإن صدقهما المحتال بطلت الحوالة باعترافه. ولو صدقهما المحتال وادعى أن الحوالة كانت بغير ثمن العبد فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف لا تبطل الحوالة لجواز أن يكون الألف الذي له على المشتري من غير ثمن هذا

стр. 2661

العبد ولا يرجع المشتري على المحيل بشيء، لأنه مقر بأن المحتال ظلمه فلا يرجع عليه بما ظلمه به غيره. ولو أقام البينة على أن الحوالة كانت ثمنه سُمعت البينة في ذلك لأنهما لم يكذباها. مسألة: قال: وَلَوْ أَحَالَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَضَمِنَهُ لَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَا. الفصل وهذا كما قال: إذا أحال رجل على رجل بألف درهم وبعثه له ثم اختلفا لا يخلو اختلافهما من أحد أمرين: إما أن يكون في لفظ الحوالة فيقول المحيل: ما تلفظت بلفظ الحوالة فأنت وكيلي في قبضه، وقال المحتال: تلفظت بلفظ الحوالة فالحق لي استوفيته لنفسي، فالقول قول المحيل مع يمينه، لأن الأصل أن حق المحتال في ذمة المحيل وحق المحيل في ذمة المحتال عليه والمحتال مدعي لانتقاله فكان عليه البينة، وإما أن يتفقا على لفظ الحوالة مثل أن يقول: أحلتك على فلان بألف درهم ولم يقل بالألف الذي لك عليَّ وقبله المحتال على هذا الإطلاق، ثم اختلفا فقال المحيل: أردت بها الوكالة، وقال المحتال: أردت بها الحوالة قال المزني: القول قول المحيل وبه قال أبو حنيفة ﵀ وصوّبه أبو إسحاق وابن أبي هريرة وغيرهما ﵏، لأنهما لو اختلفا في اللفظ كان القول قوله فكذلك إذا اختلفا في معناه لأن الأصل أن حق كل واحد منهما ثابت في الذمة التي وجب فيها والمحتال يدعي انتقال حقه وتملك الحق الذي كان للمحيل في ذمة غيره فكان عليه البينة. ومن أصحابنا من خالف المزني، وقال: القول قول المحتال، لأن الظاهر معه فإن لفظ الحوالة موضوع لإسقاط الدين بعوض دون التوكيل وهذا اختيار ابن سريج ﵀، والأول هو المشهور. فإذا ثبت هذا فلا يخلو المحتال من أحد أمرين: إما أن يكون قد قبض المال من المحال عليه أو لم يكن قبض، فإن كان قد قبض فقد برئ [١٥/ أ] المحال عليه لأنه دفعه إليه بإذن صاحبه. فإن كان باقيًا في يده وكان المحيل غير ممتنع من أداء حق المحتال أخذ المال من يده ودفع إليه حقه. وإن كان ممتنعًا كان للمحتال أخذه بحقه. ومن أصحابنا من قال: إذا أخذ منه المحيل ما قبضه فهل يرجع هو عليه بحقه وجهان: أحدهما: لا يرجع عليه لأنه أقر بأنه برئ من حقه بالحوالة. والثاني: يرجع وهو الأصح لأن هذا المحيل قد أخذ ما قبضه هو، فإن كان صادقًا في الوكالة فحقه عليه باقٍ، وإن كان كاذبًا فما أخذه منه أخذه بغير حق فكان له المطالبة بدينه، فإنه واجب عليه بقولهما. وإن كان تالفًا نظر فإن كان قد تلف بغير صنع

стр. 2662

منه لا شيء عليه، لأنهما اتفقا على براءته، فإن المحيل يقول: كنت وكيلي فلا ضمان عليك فيما تلف في يدك والمحتال يقول: تلف مالي. وإن كان قد أتلفه كان عليه ضمانه وقد وجب عليه مثل حقه فيتقاضان. وإن لم يكن قبضه من المحال عليه لم يكن له مطالبة المحال عليه بالمال، لأن الحوالة لم تثبت له، والوكالة قد أنكرها فلا تكون له المطالبة بوجه وللمحيل مطالبة المحال عليه بالمال الذي في ذمته، وهل يجوز للمحتال مطالبة المحيل؟ وجهان: أحدهما: لا مطالبة له لأنه أقر أنه لا حق له في ذمته. والثاني: له مطالبته لأن الحاكم قد حكم بأنه كان وكيلًا فله أن يرجع بما له على المحيل؟ ولو خالف وقبض هل يضمن؟ وجهان، بناء على أنها هل تكون حوالة فاسدة؟ أو وكالة فاسدة؟ فإن قلنا: حوالة فاسدة يضمن، وإن قلنا: وكالة فاسدة لا يضمن، ذكره في «الحاوي». وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان في الابتداء لفظ الحوالة فالقول قول المحتال قولًا واحدًا، وصورة ما ذكر المزني أنه قال: اقبض من فلان ما لي عليه وهو ألف درهم ثم اختلفا ماذا أراد به الحوالة أو الوكالة، فالقول قوله إنه أراد الوكالة، وإنما يفيد هذا الاختلاف إذا كان الآمر قد أفلس فلو ثبتت الحوالة لكان حق المحتال قد وصل اليد ولم يحتج إلى مزاحمة الغرماء. وإن كانت وكالة احتاج إلى مزاحمة الغرماء. فإن قال قائل على هذا لمَ صور المزني المسألة بلفظ الحوالة، وقال في آخر التصوير: وتصادقا على الحوالة والضمان، قلنا: المصنف قد يصور المسألة أحيانًا بعين لفظ متخاصمين [١٥/ ب] وأحيانًا بمعنى لفظهما لا بعين عبارتهما، فصورة المسألة ما ذكرنا أنه قال: اقبض من فلان ألف درهم، ثم اختلفا فقال المأمور: كنت محتالًا، وقال الآمر: كنت وكيلًا، قال هذا القائل: ولو قال المأمور: قلت لي: خذ ومرادك الحوالة، أو مرادك الوكالة لم يقبل منه دعوى المراد ولا يسمع في ذلك دعوى الضمائر، وحكي عن ابن سريج أنه قال: بالوجهان فيه مبنيان على أصل وهو إذا ضرب مكفوفًا فقده باثنين ثم اختلف هو وولي المقدود أنه كان حيًا أو ميتًا فيه قولان: أحدهما: القول قول الولي لأن الأصل بقاء الحياة. والثاني: القول قول الجاني لأن الأصل براءة الذمة، كذلك هاهنا الأصل بقاء المحيل في ذمة المحال عليه وحقيقة اللفظ للحوالة، فكانت المسألة على وجهين. وأما قوله: «وضمنها له» قد قيل: ذكره تأكيدًا ولا يكون ضمان المحال عليه شرطًا في صحة الحوالة، وقيل: إنه شرط في صحة الحوالة وهذا قول المزني والزبيري والاصطخري، ومن قال يعتبر فيها رضا المحال عليه. وقيل: إنه صور في الحوالة على من لا حق

стр. 2663

عليه للمحيل فيجري مجرى الضمان، ولا يصح إلا برضاه. مسألة: قال المزني ﵀: ولو قال المحتال أحلتني عليه لأقْبِضَهُ لك. الفصل وهذا كما قال هذه المسألة بالعكس مما تقدم وهي أن: يقول المحيل أحلتك بما لك عليَّ حتى تقبضه لنفسك، وقال المحتال: كنت وكيلًا لك وإنما يقع هذا الاختلاف إذا كان المحال عليه مفلسًا أن يكون المال تلف في يد القابض فيكون القول قول المحتال مع يمينه على قول المزني وأكثر أصحابنا، ويكون القول قول المحيل على قول ابن سريج لأن الظاهر معه. فإذا قلنا بالأول: فحلف حكمنا بأنه وكيله وأن حقه باقٍ في ذمة المحيل، ثم لا يخلو إما أن يكون قد قبض الألف أو لا فإن لم يكن قبض كان للمحتال قبض حقه من المحيل، وهل يرجع المحيل على المحال عليه؟ وجهان: أحدهما: يرجع لأن الحاكم حكم بأن المحتال وكيله وما قبض. ولأن إقراره بها للمحتال مشروط بسقوط حقه من ذمته وما سقط هاهنا. والثاني: لا يرجع لأنه معترف بأن ذمة المحال عليه قد برئته بالحوالة عن حقه. وليس له بعد ما حلف أنه كان وكيلًا أن يقبض الحق من المحال عليه، لأنه صار معزولًا بقول المحيل. وإن كان قد قبض [١٦/ أ] الحق برئت ذمة المحال عليه، لأنه قبض ما عليه للمحيل بأمره. ثم لا يخلو الألف المقبوض من أحد أمرين: إما أن تكون قائمة، أو تالفة، فإن كانت قائمة والمحتال يقول: هو في يدي أمانة للمحيل لأني وكيله في الحفظ له، والمحيل يقول: بل الألف له لأنه قبضه لنفسه فيقول الحاكم للمحتال: أنت تدعي على المحيل ألفًا وله في يدك ألفًا فأمسكه لنفسك. وإن كانت الألف تالفة نظر فإن كان بتفريط من المحتال فعليه ضمانه للمحل وله على المحيل ألف فيتقاصان على ما نقوله في المقاصة، وإن تلف بغير تفريط فالمذهب أنه لا يضمنه ويرجع إلى المحيل بحقه لأنه ثبت أنه وكيل بيمينه، والتوكيل لا يضمن إلا بالتعدي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا. والثاني: لا ينفعه يمينه في أن لا يضمن ما تلف في يده فيحلف الآمر ويغرمه ما قبض وتلف في يده، وإنما ينفعه يمينه في أنه لا حوالة والصحيح ما ذكرنا. فرع لو قال: ضمنت لك مالك على فلان على أنه بريء منه فالحكم فيه مبني على ما ذكرنا من الخلاف، فعلى قول المزني: يكون حوالةً بلفظ الضمان، وعلى قياس قول ابن سريج: يكون ضمانًا باطلًا اعتبارًا بظاهر اللفظ.

стр. 2664

فرع آخر لو قال: أحلتك على زيد على أني ضامن للمال حتى تقبضه فعلى قياس قول المزني: يكون ضمانًا بلفظ الحوالة فيصح إذا قبل المحال عليه، وعلى قياس قول ابن سريج: يكون حوالة فاسدة اعتبارًا بظاهر اللفظ، وما اقترن به من فساد الشرط. مسألة: قال: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَحَالَهُ المَطْلُوبُ بِهِ عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَحَالَهُ المُحْتالُ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى ثَالِثٍ. الفصل وهذا كما قال: المحال عليه إذا أحال المحتال على آخر صحت الحوالة لأنه دين يجوز أن يأخذ عنه عوضًا فجاز أن يحيل به، وهذا يدل على أن مال الحوالة بمنزلة المقبوض لأن التصرف فيه جائز مجرد العقد. وعلى هذا أبدًا يكون المحتال واحدًا والمحال عليه يتكرر. ولو أن الأخير أحاله على الأول ما أحال عليه، وإن تكرر المحتال دون المحال عليه مثل أن قبل الحوالة فتحول الحق إلى ذمة المحال عليه ثم المحتال أحال به آخر عليه ثم المحتال الثاني أحال به آخر عليه ثم الثالث أحال به آخر عليه فكل هذا [١٦/ ب] صحيح، لأنها حوالة بحق ثابت، فلا فرق بين أن يتكرر المحتال أو المحال عليه، وليست الحوالة في ذلك كالضمان، لأن الحوالة كاسمها إحالة حق من ذمة إلى ذمة، والضمان كاسمه ضم ذمة إلى ذمة، وتضمين حق في ذمة. وأما قول المزني ﵀: «فأحاله على رجل له عليه ألف درهم» دليل على أنه لا تصح الحوالة على من لا حق عليه. فرع لو كان له على رجل ألف درهم فقال لآخر: لا حق له عليه أحلتك بألف درهم على فلان على أنك إذا أخذت منه فأنت بريء مني، قال ابن سريج: لا يصح هذا الشرط، والظاهر أنه وكالة لأنه لا يجوز أن يكون حوالة ولا حق له عليه ولا يجوز أن يكون هبة له لأنه هبته ما في ذمة الغير لا تجوز. فإن مات المحال عليه لم تبطل الوكالة، وإن مات المحيل بطلت، لأن الوكالة تبطل بموت الموكل. فرع آخر لو أحاله على رجل بدين له عليه ثم دفع المحيل المال الذي كان عليه إلى المحتال صح قضاؤه للدين عن المحال عليه، ولا يرجع به عليه لأنه قضى عنه الدين بغير إذنه، وقال أبو حينفة: له الرجوع به ولا يكون متبرعًا بناءً على أصله أن الدين باقي في ذمة المحيل من طريق الحكم، ولهذا يرجع عليه عند تعذره، وهذا غلط لأنه لا يملك إبطال الحوالة وإسقاط حقه عن المحال عليه فما يدفعه يكون تبرعًا فلا رجوع به.

стр. 2665

فرع آخر لو أحال بدين مؤجل إلى سنة على رجل له عليه دين مؤجل إلى سنة صحت الحوالة ثم إن مات المحيل لم يحل دين المحتال لأن الدين قد سقط عنه بالحوالة، ولو مات المحال عليه حَلَّ الدين لأن الدين المؤجل يحل بموت من عليه. وإن مات المحتال لم يحل الدين. فرع آخر لو كان له على رجل ألف درهم فأحاله على رجلين له عليهما ألف درهم على كل واحدٍ منهما خمسمائة تصح الحوالة، وللمحتال أن يأخذ خمسمائة من أحدهما وخمسمائة من الآخر. وإن كان أحاله عليهما بشرط أن يكون كل واحد منهما ضامنًا عن صاحبه ما عليه فهل تصح الحوالة؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: تصح لأنه ضمان دين مستقر وهذا اختيار أبي حامد وهو الأشبه. والثاني: لا تصح لأن الحوالة معروف ورفق فإذا حصل فيها طلب الزيادة خرجت عن معناها وصارت ربا كالقرض الذي يجر المنفعة وهاهنا طلب الزيادة فإنه كان له مطالبة واحد [١٧/ أ] والآن يطالب اثنين وهذا اختيار القاضي الطبري ﵀. ومن قال: بالأول أجاب عن هذا بأن الزيادة الممنوعة في القدر أو الصفة وهذه الزيادة ليست بواحد منهما، ولهذا جازت الحوالة على من هو أغنى منه وأسهل أداء. وعلى هذا الخلاف إذا كان دينه بغير رهن فأحاله بدين على رهن. فرع آخر إذا اشترى من رجل دراهم بدنانير في الذمة ثم أحاله على رجل بالدنانير في المجلس وتفرّقا، قال القاضي الطبري: قال بعض أصحابنا: تصح الحوالة ولا يبطل الصرف، قال القاضي: وهذا عندي إذا كانا قد تخايرا وسقط الخيار فأما مع بناء الخيار لا تصح الحوالة. وعلى هذا إذا أحال برأس مال السلم في المجلس بعد التخاير ثم تفرّقا، لم يبطل السلم هكذا ذكر في مجرّد المذهب، وقال في «المنهاج» من أصحابنا من قال: الحوالة قبض وهو عندي غلط، لأنه لا تصح الحوالة في عوض الصرف قبل التفرق ورأس مال السلم أيضًا، وهذا خلاف ما ذكر في المذهب وهذا أصح، وقد ذكرنا فيما مضى أن التخاير في الصرف يبطله إذا لم يكن قبض عوض الصرف. وسمعت بعض أصحابنا بخراسان: ذكر فيه وجهين، وقال: المنع أسلم في النظر وليس مذهب. فرع آخر لو كان لرجل على رجلين ألف درهم على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحدٍ منهما كفيل ضامن عن صاحبه، ولرجل عليه ألف فأحاله عليهما على أن يطالب أيهما شاء، هل تصح الحوالة؟ قال ابن سريج: فيه قولان وأراد وجهان، لأنه زاد حقه بذلك
следующие страницы →