Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
اختلاف مذاهبهم بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يليط أولاد البغايا في الجاهلية بآبتئهم في الإسلام، ومعنى يليط أي يلحق.
قالوا: ولأن لما كان انتفاء الولد عن الواطئ باللعان لا يمنع من لحوقه به بعد الاعتراف فكذلك ولد الزنى، وهذا خطأ فاسد لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر ما شاء الله أن يذكر فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إني عاهرت بامرأة في الجاهلية فقال صلى اللخه عليه وسلم: "لا اعتهار في الإسلام الولد للفراش وأيما رجل عاهر بأمة لا يملكها أو امرأة لا يملكها فادعى الولد فليس بولده، ولا يرث ولا يورث، ولأن ولد الزنى لو لحق بادعاء الزاني إياه للحق به إذا أقر بالزنى، وإن لم يدعيه كولد الموطوءة يشبه في إجماعهم على نفيه عنه مع اعترافه بالزنى دليل على نفيه عنه مع ادعائه له ولأنه لو لحق بالاعتراف لوجب عليه الاعتراف وقد أجمعوا على أن الاعتراف به لا يلزمه فدل على أنه إذا اعترف به لم يلحقه.
فأما الجواب عن الحديث المروي عن عمر ﵁ أنه كان يليط أولاد البغايا في الجاهلية بآبائهم في الإسلام فهو أن ذلك منه في عهار البغايا في الجاهلية دون عهار الإسلام، والعهار في الجاهلية أخف حكمًا من العهار في الإسلام، فصارت الشبهة لاحقة به ومع الشبهة يجوز لحوق الولد، وخالف حكمه عند انتفاء الشبهة عنه في الإسلام.
وأما ولد الملاعنة مخالف لولد الزنى، والفرق بينهما أن ولد الملاعنة لما كان لاحقًا بالواطئ قبل اللعان جاز أن يصير لاحقًا به بعد الاعتراف؛ لأن الأصل فيه اللحوق والبغاء طارئ وولد الزنى لم يكن لاحقًا به في حال فيرجع حكمه بعد الاعتراف إلى تلك الحال.
باب ميراث المجوس
قاَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "إِذَا مَاتَ المَجُوسِيُّ وَبِنْتُهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ أُمُّهُ نَظَرْنَا إِلَى أَعْظَمِ السَّبَبَيْنِ فَوَرَّثْنَاهَا بِهِ وَأَلْقَيْنَا الآخَرَ وَأَعْظُمُهُمَا أَثْبَتَهُمَا بِكُلِّ حَالٍ فَإِذَا كَانَتْ أُمُّ أُخْتًا وَرَّثْنَاهَا بِأَنَّهَا أُمُّ وَذَلِكَ لأَنَّ الأُمَّ تَثْبُتُ فِي كُلِّ حَالٍ وَالأُخْتُ قَدْ تَزُولُ وَهَكَذَا جَمِيعُ فَرَائِضِهِمْ عَلَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ أَوْرَثَهَا مِنْ الوَجْهَيْنِ مَعًا، قُلْنَا: فَإِذَا كَانَ مَعَهَا أُخْتٌ وَهِيَ أُمٌّ؟ قَالَ: أَحْجُبُهَا مِنَ الثُّلُثُ بِأَنَّ مَعَهَا أُخْتَيْنِ وَأُوَرِّثُهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِأَنَّهَا أُخْتُ. قُلْنَا: أَوَلَيْسَ إِنَّمَا حَجَبَهَا اللهُ تَعَالَى بِغَيْرِهَا لَا بِنَفْسِهَا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْنَا: وَغَيْرُهَا خِلَافُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: فَإِذَا نَقَّصْتَهَا بِنَفْسِهَا فَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَّصَهَا اللهُ تَعَالَى بِهِ أَوْ رَأَيْتَ مَا إِذَا كَانَتْ أُمًّا عَلَى الكَمَالِ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُعْطِيهَا بِبَعْضِهَا دُونَ
стр. 3677
الكَمَالِ؟ تُعْطِيهَا بِبَعْضِهَا دُونَ الكَمَالِ؟ تُعْطِيهَا أُمًَّا كَامِلَةً وَأُخْتًَا كَامِلَةً وَهُمَا بَدَنَان وَهَذَا بَدَنٌ وَاحِدٌ؟ قَالَ: فَقَدْ عَطَّلَتْ أَحَدَ الحَقَّيْنِ. قُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إِلَى اسْتِعْمَالِهِمَا مَعًا إِلَّا بِخِلَافِ الكِتَابِ وَالْمَعْقُولِ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا تَعْطِيلُ أَصْغَرِهِمَا لأَكْبَرِهِمَا".
قال في الحاوي: إذا تزوج المجوسي أمه فأولدها ابنًا كان الولد منها ابنها وابن ابنها وكانت له أمًا وجدة أم أب، وكان للأب ابنًا أخًا لأم وكان الأب له أبًا وأخَا لأم.
ولو تزوج المجوسي بنه فأولدها ابنا فكان الولد منه ابنَا وابن بنت وكان الأب أبًا وجدًا أب أم وكان الابن للبنت ابنًا وأخًا لأب وكانت له أمًا وأختًا لأب.
ولو تزوج المجوسي أخته فأولدها ابنًا كان الأب أباه وخاله، وكان الابن له ابنًا وابن أخت، وكان للأخت ابنًا وابن أخ، وكانت له أمًا وعمة، وقد تتفق هاتان المسألتان في وطء الشبهة فإذا كان ذلك في المجوسي وقد أسلموا أو تحاكموا إلينا في مواريثهم أو كان المسلمين مع الشبهة فإن اجتمع فيه عقد نكاح وقرابة سقط التوريث بالنكاح لفساده وتوارثوا بالقرابة المفردة بالاتفاق وإن اجتمع في الشخص الواحد منهم قرابتان بنسب توجب كل واحدة منهما الميراث فإن كانت إحداهما تسقط الأخرى كأم هي جدة، أو بنت هي أخت لأم، ورثت بابنتها وألغيت المحجوبة منهما إجماعًا، وإن كان إحداهما لا تسقط الأخرى كأم هي أخت أو أخت هي بنت فقد اختلف الناس هل تورث بالقرابتين معًا أم لا فقال أبو حنيفة أورثها بالقرابتين معًا وبه قال من الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز ومكحول. ومن الفقهاء: النخعي والثوري وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق.
وقال الشافعي: أورثها بأثبت القرابتين، وأسقط الأخرى، ولا أجمع لها بين الميراثين، وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت ﵁ ومن التابعين: الحسن البصري، ومن الفقهاء: مالك والزهري والليث وحماد واستدل من ورث بها بأن الله تعالى نص على التوريث بالقرابات، وقال النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها" فلم يجز مع النص إسقاط بعضها.
قالوا: ولأن اجتماع السببين من أسباب الإرث عند انفصالها لا يمنع من اجتماع الإرث بهما كابني العم إذا كان أحدهما أخًا لأم.
قالوا: لأن اجتماع القرابتين يفيد في الشرع أحد أمرين: إما التقديم كأخ للأب والأم مع الأخ للأب وأما التفضيل كابني العم إذا كان أحدهما أخًا لأم ولا يجوز أن يكون اجتماعهما لغوًا لا يفيد تقديمًا ولا تفضيلًا لما فيه من هدم الأصول المستقرة في المواريث ولذلك لم يجز الاقتصار على إحدى القرابتين.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وإن كَانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] فلم يزد الله
стр. 3678
تعالى البنت على النصف وهم يجعلون للبنت إذا كانت بنت ابن النصف والسدس، والنص يدفع هذا، ولأن الشخص الواحد لا يجتمع له فرضان مقدران من ميت واحد كالأخت للأب والأم لا تأخذ النصف بأنها أخت لأب والسدس بأنها أخت لأم، ولأن كل نسب أثبت الله تعالى به التوارث جعل إليه طريقًا كالبنوة والمصاهرة فلما لم يجعل إلى اجتماع هاتين القرابتين وجهًا مباحًا دل على أنه لم يرد اجتمع التوارث منهما وقد يتحرر منه قياسان:
أحدهما: أن ما منع الشرع من اجتماعهما في بدن واحد لم يجتمع التوارث بهما كالخنثى لا يرث بأنه ذكر وأنثى.
والثاني: أن سبب الإرث إذا أحدث عن محظور لم يجز التوارث به كالأخت إذا صارت زوجة واستدل بأن مجوسيًا لو ترك أختًا وأمًا هي أخته لم يخل أن تحجب الأم إلى السدس أو لا تحجب، فإن لم تحجب فقد كمل فرض الأم مع الميراث الأختين حجبت والله تعالى قد حجبها بغيرها وهم قد حجبوها بنفسها وذلك مخالف لحجب الله تعالى وحكم الشرع.
فأما الجواب عن استدلالهم بالظاهر فهو حمل المقصود بها على انفراد الأسباب اعتبارًا بالعرف المعتاد دون النادر الشاذ وليس يجوز حملها على ما حظره الشرع ومنع العرف دون ما جاء الشرع به واستقر العرف عليه وقرابات المجوس الحادثة عن مناكحهم لم يرد بها شرع ولم يستقر عليها عرف، وبهذا يجاب عن قياسهم على ابني أحدهما أخ لأم، لأن الشرع إباحة والعرف استمر فيه.
وأما استدلالهم بأن اجتماع القرابتين يفيد أحد أمرين من تقديم أو تفضيل ففاسد بالأخت من الأب والأم مع الزوج يأخذ النصف الذي تأخذه الأخت للأب على أن جميعها بين القرابتين من مساواة الأمرين.
فصل: فإذا ثبت توريث ذي القرابتين من المجوس أو من وطء الشبهة بأقواهما، نظرت فإن كانت إحداهما تسقط الأخرى فالمسقطة هي الأقوى والتوريث بها أحق، وإن كانت إحداهما لا تسقط الأخرى فالتوارث يكون بأقواهما واجتماع القرابتين التي يستحق التوارث بكل واحدة منها في مناكح المجوس يكون في ست مسائل:
إحداها: أب هو أخ، وهذا لا يكون إلا أخًا لأم فهذا يرث لكونه أبًا، لأن الأخ يسقط مع الأب.
والثانية: ابن هو ابن ابن فهذا يرث بأنه ابن.
والثالثة: بنت هي بنت ابن فهذه ترث بأنها بنت.
والرابعة: أم هي أخت وهذه لا تكون إلا أختًا لأب فترث بأنها أم، لأن ميراث الأم أقوى من ميراث الأخت، لأنها ترث مع الأب، والابن، والأخت تسقط معهما.
стр. 3679
والخامسة: بنت هي أخت فإن كانت الجدة أم الأم فإن الأخت لا تكون إلا الأم ولا يخلو حال من وجد من ورثة الميت في هذه المسألة أن يورث معهم بكل واحدة من هاتين القرابتين أم لا، فلإن كانوا ممن يرث معهم الأخت والجدة فقد اختلف أصحابنا هل ترث هذه بأنها جدة أم بأنها على وجهين:
أحدهما: ترث بأنها جدة؛ لأن الجدة ترث مع الأب والابن والأخت تسقط مع الأب والابن.
والثاني: أنها ترث بأنها أخت، لأن ميراث الجدة طعمة وميراث الأخت نص، ولأن فرض الجدة لا يزيد بزيادة الجدات وفرض الأخت يزيد بزيادة الأخوات، ولأن الأخوات يرثن بالفرض تارة، وبالتعصيب أخرى، والجدات لا يرثن إلا بالفرض فلهذه المعاني الثلاث صارت الأخت أقوى من الجدة.
فأما إن كان الورثة ممن يورث معهم بإحدى هاتين القرابتين فهذا ينظر فإن كان التوارث معهم يكون بالتي جعلناها أقوى القرابتين مثل أن يغلب توريثها بأنها أخت وهم ممن ترث معهم الأخت دون الجدة فهذه ترث معهم بالقرابة التي غلبناها وجعلناها أقوى وإن كان التوارث معهم بالقرابة التي جعلناها أضعف مثل أن يغلب توريثها بأنها جدة وهم ممن ترث معهم الجدة دون الأخت أو يغلب توريثها بأنها أخت وهم ممن ترث معهم الأخت دون الجدة كالأم والبنت أو يغلب توريثها بأنها أخت وهم ممن ترث معهم الجدة دون الأخت كالأب والابن ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تورث معهم بالقرابة التي لا تسقط معهم، لأن القرابة الأخرى إن لم تزدها خيرًا لم تزدها شرًا، ولا يداعي حكم الأقوى في هذا الموضع كالمشاركة.
والثاني: أن يسقط توريثها بأضعفهما إذا لم ترث بالأقوى؛ لأن أقواهما قد أسقط حكم أضعفهما حتى كان الإدلاء بالأضعف معدومًا والله أعلم بالصواب.
باب ميراث الخنثى
قال الشافعي: الخنثى هو الذي له ذكر كالرجال وفرج كالنساء أو لا يكون له ذكر ولا فرج ويكون له ثقب يبول منه، وهو وإن كان مشكل الحال فليس يخلو أن يكون ذكرًا أو أنثى، وإذا كان كذلك، نظر، فإن كان يبول من أحد فرجيه فالحكم له، وإن كان بوله من ذكره فهو ذكر يجري عليه حكم الذكور في الميراث وغيره، ويكون الفرج عضوًا زائدًا وإن كان بوله من فرجه فهو أنثى يجري عليه أحكام الإناث في الميراث وغيره ويكون الفرج عضوًا زائدًا لرواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه سئل عن مولود له ما للرجال وما للنساء فقال ﷺ : "يورث من حيث يبول".وروى
стр. 3680
الحسن بن كثير عن أبيه أن رجلًا من أهل الشام مات فترك أولادًا رجالًا ونساء فيهم خنثى فسألوا معاوية فقال ما أدري ائتوا عليًا بالعراق قال: فأتوه فسألوه فقال: من أرسلكم، فقالوا: معاوية، فقال: يرضى بحكمنا وينقم علينا بوله فمن أيهما بال فورثوه.
فإن بال منهما فقد اختلف الناس منه فقال أبو حنيفة صاحباه: أعتبر أسبقهما وأجعل الحكم له قال أبو الحسن بن اللبان الفرضي: وقد حكاه المزني عن الشافعي ولم أر هذا في شيء من كتب المزني، وإنما قال الشافعي ذلك في القديم حكاية عن غيره ثم رد عليه، ومذهبه الذي صرح به أنه لا اعتبار بأسبقهما، ولو اعتبر السبق كما قالوا: لاعتبر الكثرة كما قال أبو يوسف وقد قال أبو حنيفة لأبي يوسف حين قال: أراعي أكثرهما أفتكيله؟ وحكي عن الحسن البصري أن الخنثى إذا أشكل حاله اعتبرت أضلاعه فإن أضلاع الرجال ثمانية عشر، وأضلاع المرأة سبعة عشر وهذا لا أصل له لإجماعهم على تقديم المال على غيره فسقط اعتباره.
فصل: فإذا تقرر أن خروج البول منهما يقتضي أن يكون مشكلًا فقد اختلف الفقهاء في ميراثه فمذهب الشافعي أنه يعطي الخنثى أقل نصيبه من ميراث ذكر أو أنثى، وتعطي الورثة المشاركون له أقل ما يصيبهم من ذكر أو أنثى ويوقف الباقي حتى يتبين أمره، وبه قال داود وأبو ثور، وقال أبو حنيفة أعطيه أقل ما يصيبه من ميراث ذكر أو أنثى وأقسم الباقي بين الورثة، ولا أوقف شيئًا، وسئل مالك عن الخنثى فقال: لا أعرفه إما ذكرًا أو أنثى، وروي عنه أنه جعله ذكرًا، وروي عنه أنه أعطاه نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، وهذا قول ابن عباس والشعبي وابن أبي ليلى والأخير من قول أبي يوسف.
فإن ترك خنثين: قال أبو يوسف إن لهما حالين حالًا يكونان ذكرين وحالًا يكونان أنثيين وأعطيه نصف الأمرين، وهكذا يقول في الثلاثة وما زادوا، وقال محمد بن الحسن: أنزل الخنثين أربعة أحوال: ذكرين وأنثيين والأكبر ذكر والأصغر أنثى، أو الأكبر أنثى والأصغر ذكرًا، وأنزل الثلاثة ثمانية أحوال والأربعة ستة عشر حالًا، والخمسة انثتين وثلاثين حالًا.
وما قاله الشافعي من دفع الأقل إليه ودفع الأقل إلى شركائه، وإيقاف المشكوك فيه أولى الأمرين:
أحدهما: أن الميراث لا يستحق إلا بالتعين دون الشك وما قاله الشافعي يعين وما قاله غيره شك.
والثاني: أنه لما كان سائرًا أحكامه سوى الميراث لا يعمل فيها إلا على اليقين، فكذلك الميراث، فعلى هذا لو ترك الميت ابنًا وولدًا خنثى فعلى قول الشافعي للابن
стр. 3681
النصف إن كان خنثى رجلًا، وللخنثى الثلث كأنه أنثى ويوقفوا السدس فإن بان ذكرًا رد على الخنثى، وإن بان أنثى رد على الابن، وعلى مذهب أبي حنيفة يكون للخنثى الثلث والباقي للابن ولا يوقف شيء، وعلى قول أبي يوسف ومحمد ومن قال بتنزيل الأحوال لو كان الخنثى ذكرًا كان له النصف ولو كان أنثى كان له الثلث فصار له في الحالين خمسة أسدس، فكان له في أحداهما أنثى سدسان ونصف وللابن لو كان الخنثى أنثى الثلثان ولو كان ذكرًا النصف فصار له في الحالين سبعة أسداس فكان له في إحداهما نصف ونصف سدس فيقسم بينهما من اثنى عشر للابن سبعة وللخنثى خمسة.
ولو ترك بنتًا وترك ولدًا خنثى وعمًا، فعل مذهب الشافعي للبنت الثلث وللخنثى الثلث، لأنه أقل والثلث الباقي موقوف لا يدفع إلى العم فإن بان الخنثى ذكرًا رد عليه، وإن بان أنثى دفع إلى العم.
وعلى قول أبي حنيفة يدفع الثلث الباقي إلى العم، ولا يوقف.
وعلى قول من نزل حالين قال للبنت الثلث في الحالين فيدفع إليها، وللخنثى السدس إن كان ذكرًا الثلثان، وإن كان أنثى الثلث، فصار له في الحالتين الكل، وكان له في أحدهما النصف، فيأخذه، وللعم إن كان الخنثى أنثى الثلث وليس له إن كان ذكرًا شيء، فصار له في الحالين الثلث، فكان له في إحداهما السدس، ويقسم من ستة للبنت سهمان وللخنثى ثلاثة أسهم وللعم سهم، ولو ترك ابنًا وبنتًا وخنثى فعلى مذهب الشافعي هو من عشرين سهمًا؛ لأن الخنثى إن كان ذكرًا فهو من خمسة، وإن كان أنثى فمن أربعة، فكان مجموع الفريضتين، من عشرين، وهو مضروب خمسة في أربعة، للابن الخمسان ثمانية أسهم، وللبنت الخمس أربعة أسهم وللخنثى الربع خمسة أسهم ويوقف ثلاثة أسهم، فإن بان الخنثى رد عليه فصار له ثمانية أسهم كالابن، وإن كان أنثى رد منها على الابن سهمان، وعلى البنت سهم. وعلى قول أبي حنيفة هي من أربعة أسهم للابن سهمان وللبنت سهم وللخنثى سهم ولا يوقف شيء.
وعلى قول من نزل حالين يقول هي من عشرين للابن إن كان الخنثى ذكرًا ثمانية وإن كان أنثى عشرة فصار له في الحالين ثمانية عشر سهمًا، فكان له في إحداهما تسعة أسهم وللبنت إن كان الخنثى ذكرًا أربعة، وإن كان أنثى خمسة فصار له في الحالين تسعة فكان له في إحداهما أربعة ونصف وللخنثى إن كان ذكًا ثمانية، وإن كان أنثى خمسة، فصار له في الحالين ثلاثة عشر فكان له في إحداهما ستة ونصف وتصح من أربعين لنزول الكسر فلو ترك ولدًا خنثى ولد ابن خنثى وعم فعلى مذهب الشافعي للولد النصف ويوقف السدس بين الابن وابن الابن والخنثيين، لأنه لأحدهما ويوقف الثلث بين العلم والخنثيين.
وعلى قول أبي حنيفة للولد النصف ولولد الابن السدس والباقي للعم.
стр. 3682
وعلى قول من نزل حالين يقول: إن كانا ذكرين فالمال للولد، وإن كانا أنثيين فللولد النصف ولولد الابن السدس والباقي للعم، فيأخذ الولد نصف الحالين وهو ثلاثة أرباع المال ويأخذ ولد الابن نصف الحالين وهو نصف السدس ويأخذ العم نصف الحالين وهو السدس.
وعلى قول من ينزل بجميع الأحوال ينزلها أربعة أحوال فيقول إن كانا ذكرين فالمال للولد وإن كانا أنثيين فللولد النصف ولولد الابن السدس، والباقي للعم، وإن كانا الولد ذكرًا وولد الابن أنثى، فالمال للولد، وإن كانا الولد أنثى وولد الابن ذكرًا فلولد النصف والباقي لولد الابن، فصار للولد في الأربعة الأحوال ثلث المال فكان له في حالة واحدة ربع ذلك وهو نصف السدس ثم على قياس هذا والله أعلم بالصواب.
فصل: في ميراث الحمل إذا مات رجل وترك حملًا يرثه، نظر حال ورثته فإن كان الحمل يحجبهم فلا ميراث لهم، وإن كان لا يحجبهم ولكن يشاركهم فقد اختلف الفقهاء في قدر ما يوقف للحمل فحكي عن أبي يوسف أنه يوقف للحمل نصيب غلام، ويؤخذ منه للورثة ضمين وحكي عن محمد بن الحسن أنه يوقف له نصيب أنثى وحكي عن أبي حنيفة أنه يوقف له نصيب أربعة. وبه قال أبو العباس بن سريج استدلالًا بأنهم أكثر من وجد حمل واحد. وروى يحيى بن آدم فقال: سألت شريكًا فقال يوقف نصيب أربعة فإني قد رأيت بني ابن إسماعيل أربعة ولدوا في بطن محمد وعلي وعمر. قال يحيى وأظن الرابع إسماعيل، ومذهب الشافعي أنه يوقف سهم من يشارك الحمل في ميراثه حتى يوضع فيتبين حكمه، ولا يدفع إليهم شيء إذا لم يتقدر أقل من فرضهم، لأن عدد الحمل غير معلوم على اليقين والميراث لا يستحق بالشك، ولا بالغالب المعهود، وليس لما ذكروه من تقديره بالواحد أو بالاثنين أو بالأربعة وجه لجواز وجود من هو أكثر وقد أخبرني رجل ورد علي من اليمن طالبًا للعلم وكان من أهل الدين والفضل أن امرأة باليمن وضعت حملًا كالكوشي وظن أن لا ولد فيه فألقي على قارعة الطريق فلما طلعت عليه الشمس وحمي بها تحرك فأخذ وشق فخرج منه سبعة أولاد ذكورًا عاشوا جميعًا، وكانوا خلقًا سويًا إلا أنه قال في أعضائهم قصر قال: وصار عني رجل منهم قصر عني فكنت أعير باليمن، فيقال لي: صرعك سبع رجل وإذا كان هذا مجوزًا، وإن كان نادرًا جازت الزيادة عليه أيضًا، فعلى هذا لو ترك الميت ابنًا وزوجة حاملًا فللزوجة الثمن لا ينقصها الحمل منه، ولا يدفعها عنه، وإنما الخلاف في الابن فعلى قول أبي يوسف له النصف، ويوقف النصف وعلى قول محمد بن الحسن له الثلث ويوقف الثلثان وعلى قول أبي حنيفة له خمس وتوقف الأربعة الأخماس وعلى قول الشافعي يوقف الجميع حتى يوضع الحمل ولو تركت الأم زوجًا وابن عم وأمًا حاملًا، وطلبت الورثة أنصيائهم نظر في حمل الأم،
стр. 3683
فإن كان من غير أب أعطى الزوج النصف والأم السدس؛ لأنها ما تلد اثنين فيحجبانها ويوقف الثلث فإن ولدت اثنين فأكثر دفع الثلث إليهم، فإن ولدت واحدًا دفع إليه السدس ورد السدس الباقي على الأم لتستكمل الثلث فإن وضعت ميتًا كمل للأب الثلث ودفع السدس إلى ابن العم وينبغي لزوج الأم في مثل هذه الحال أن يمسك عن وطئها ليعلم تقدم حملها فإن لم يفعل ووطئها نظر فإن ولدت لأقل من ستة أشهر من حين الوفاة كان الولد وارثًا لتقدم العلوق به على الوفاة، وإن ولدته لستة أشهر فأكثر لم ترث لإمكان حدوثه بعد الوفاة إلا أن يعترف الورثة بتقدمه فيرث هذا إذا كان حملها من غير الأب.
فأما إن كانت الأم حاملًا من أبي الميتة دفع إلى الزوج ثلاثة المال وغلى الأم الثمن ووقف أربعة أثمانه؛ لأنها قد تلد بنتين فيكونا أختين من أب فتعول إلى ثمانية؛ فإن وضعت اثنين بنين أخذ الموقوف وإن وضعت بنتًا واحدة دفع إليها من الموقوف بثلاثة أثمان المال ورد الثمن الباقي على الأم، وإن وضعت ابنًا كمل للزوج النصف وللأم الثلث ودفع الباقي إلى الابن.
وإن وضعت ابنتين كمل للزوج النصف وللأم السدس ودفع الباقي إلى الابنتين ولو تركت زوجًا وأختًا لأب وأم وأختًا لأب وزوجة أب حاملًا منه أعطى الزوج ثلاثة أسباع المال والأخت للأب والأم ثلاثة أسباعه ووقف السبع الباقي فإن ولدت ذكرًا لم يرث ولم ترث أخته ورد السبع الموقوف على الزوج والأخت نصفين فإن ولدت أنثى أو إناثًا دفع السبع الموقوف إلى المولودة والأخت للأب لأنهما أختان لأب والله أعلم بالصواب.
فصل: في الاستهلال روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مولود يولد إلا ركضه الشيطان فيستهل صارخًا ركضته إلا عيسى ابن مريم وأمه ﵉ ثم قرأ: ﴿وإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمرن: ٣٦] فمتى استهل المولود صارخًا فلا خلاف بين الفقهاء أنه يرث ويورث.
روى محمد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن استهل المولود ورث" والاستهلال هو الصراخ، ورفع الصوت، لذلك قيل: إهلال الحج لرفع الصوت فيه بالتلبية، وسمي الهلال هلالًا لاستهلال الناس بذكر الله تعالى عند رؤيته.
فأما ما سوى الاستهلال فقد اختلف الناس فيه فحكي عن شريح والنخعي وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنه لا يرث حتى يستهل صارخًا ولا يقوم غير الاستهلال مقام الاستهلال، وقال الزهري: العطاس استهلال ويورث به، وبه قال مالك بن أنس وقال
стр. 3684
القاسم بن محمد البكاء والعطاس استهلال ويرث بالثلاثة لا غير.
وقال الشافعي وأبو حنيفة والصحابة بأي وجه علمت حياته من حركة أو صياح أو بكاء أو عطاس ورث وورث؛ لأن الحياة علة الميراث فبأي وجه علمت فقد وجدت، ووجودها موجب لتعلق الإرث بها ثم اختلفوا إذا استهل قبل انفصاله ثم خرج ميتًا فقال أبو حنيفة وأصحابه إذا استهل بعد خروج أكثره ورث وورث وإن خرج باقيه ميتًا، وعلى مذهب الشافعي أنه لا يرث إلا أن يستهل بعد انفصاله؛ لأنه في حكم الحمل ما لم ينفصل ألا ترى أن العدة لا تنقضي به وزكاة الفطر لا تجب عليه إلا بعد انفصاله، وكذلك الميراث فإذا تقرر هذا ومات رجل وخلف ابنين وزوجة حاملًا فولدت ابنًا وبنتًا فاستهل الابن أولًا ثم مات ثم استهلت البنت بعده ثم ماتت فالمسألة الأولى من ثمانية؛ لأن فيها زوجة وثلاثة بنين وبنت ثم مات الابن المستهل عن سهمين منها.
والمسألة من ستة، لأن فيها أمًا وأخوين وأختًا فعادت المسألة الأولى بالاختصار إلى ستة، لأن الباقي ستة ثم ماتت البنت المستهلة عن سهم منها ومسألتها من اثني عشر؛ لأن فيها أمًا وأخوين فاضربها في الست التي رجعت المسألة إليها يكن اثنتين وسبعين، ومنها تصح المسائل فمن كان له شيء من اثني عشر أخذه مضروب له في واحد، ومن كان له شيء من ستة فهو مضروب له في اثني عشر، فلو كانت البنت هي المستهلة أولًا وماتت ثم استهل الابن بعدها ومات فقد ماتت البنت عن سهم من ثمانية ومسألتها من ثمانية عشر؛ لأن فيها أمًا وثلاثة أخوة فاضرب الثمانية عشر في الثمانية يكن مائة وأربعة وأربعين من له شيء من ثمانية مضروب له في ثمانية عشر، ومن له شيء من ثمانية عشر مضروب له في واحد هو تركت البنت المستهلة.
فعلى هذا كان للابن المستهل بعدها سهمان من ثمانية في ثمانية عشر يكن ستة وثلاثين، وله خمسة من ثمانية عشر في واحد فصار ماله منها أحدًا وأربعين من مائة وأربعة وأربعين ثم مات عنها ومسألته من اثني عشر، لأن فيها أمًا وأخوين وهي لا توقف تركته بشيء فاضرب اثني عشر في مائة وأربعة وأربعين تكن ألفًا وسبع مائة وثمانية وعشرين سهمًا ومنها يصح له شيء من مائة وأربعة وأربعين، فلو مات رجل وخلف أمًا وأخًا وأم ولد حاملًا منه فولدت ابنًا وبنتًا توأمين فاستهل أحدهما ووجدا ميتين، ولم يعد أيهما كان المستهل فالعمل في مسائل هذا الفصل مشترك بين عمل المناسخات؛ لأن الوارث المستهل قد صار موروثًا وبين عمل مسائل المعقود لاستخراج أقل الأنصباء فنقول إن كان الابن هو المستهل فللأم السدس والباقي للابن وهو خمسة أسهم ثم مات عنها ومسألته من ثلاثة، لأن فيها أمًا وعمًا فاضرب ثلاثة في ستة تكن ثمانية عشر للأم منها سهم من ستة في ثلاثة تكن ثلاثة ولأم الولد سهم من ثلاثة في خمس تكن خمسة وللعم سهمين من
стр. 3685
ثلاثة في خمسة تكن عشرة.
وإن كانت البنت هي المستهلة فللأم السدس وللبنت النصف والباقي للأخ هي من ستة، ثم ماتت البنت عن ثلاثة أسهم ومسألتها من ثلاثة، لأن فيها أمًا وعمًا فينقسم سهامها عليهما الستة تدخل في الثمانية عشر وهي توافقها بالأسداس، من له شيء من أحدى المسألتين مضروب له في سدس الأخرى فللأم السدس من المسألتين فهو لها؛ لأن لها من الأول ثلاثة في ثمانية عشر مضروب في سدس الستة وهو واحد تكن ثلاثة ولها من الستة واحد مضروب في سدس الثمانية عشر وهو ثلاثة تكن ثلاثة فاستوى سهمها في المسألتين فأخذته ولأم الولد الأولى خمسة من ثمانية عشر مضروبة في سدس الستة وهو واحد يكن خمسة ولها من الستة سهم من ستة مضروب في سدس الثمانية عشر وهو ثلاثة يكن ثلاثة فتعطى ثلاثة أسهم، لأنه أقل النصيبين، وللأخ من الأولى عشرة مضروبة في واحد تكن عشرة وله من الثانية أربعة أسهم مضروبة في ثلاثة تكن اثني عشر فيعطى عشرة أسهم؛ لأنه أقل النصيبين ويوقف سهمان من العم وأم الولد حتى يصطلحا عليه، لأنه لا شيء فيه للأم ثم على قياس هذا والله أعلم بالصواب.
باب ذوي الأرحام
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "احْتِجَاجُ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ يُؤَوِّلُ الآيَةِ فِي ذَوِي الأَرْحَامِ قَالَ لَهُمُ الشَّافِعِيُّ: لَوْ كَانَ تَاوِيلُهَا كَمَا زَعَمْتُمْ كُنْتُمْ قَدْ خَالَفْتُمُوهَا قَالُوا فَمَا مَعْنَاهَا؟ قُلْنَا: نَوَارَثَ النَّاسُ بِالْحِلْفِ وَالنُّصْرَةِ ثُمَّ تَوَارَثوُا بِالإِسْلَامِ وَالهِجْرَةِ ثُمَّ نَسَخَ اللهُ ﵎ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] عَلَى مَا فَرَضَ اللهُ لَا مُطْلَقًا أَلَّا تَرَى أَنَّ الزِّوْجَ يَاخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا يَاخُذُ ذَوُو الأَرْحَامِ وَلَا رَحِمَ لَهُ؟ أَوْ لَا تَرَى أَنَّكُمْ تُعْطُونَ ابْنَ العَمِّ الْمَالَ كُلَّهُ دُونَ الخَالِ وَأَعْطَيْتُمْ مَوَالِيَهُ جَمِيعَ المَالِ دُونَ الأَخْوَالِ فَتَرَكْتُمْ الأَرْحَامَ وَأَعْطَيْتُمْ مَنْ لَا رَحِمَ لَهُ؟ ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في ذوي الأرحام مع وجود بيت المال وأن لهم الميراث عند عدمه لعدول بيت المال عن حقه هذا إذا لم يكن عصبة وإن بعدت ولا ذو فرض برحم ولا مولى معتق فيصير حينئذ ذوو الأرحام مع وجود بيت المال وأن لهم الميراث مع عدمه وورثته وإن خالف فيه من أصحابنا من رددنا قوله وأوضحنا فساده وإذا صح توريثهم فهم خمسة عشر يتفرعون.
وهم الجد أبو الأم وأم أبي الأم والخال وأولاده والخالة وأولادها والعمة وأولادها وولد البنات وبنات الإخوة وولد الأخوات وولد الإخوة للأم وبنات الأعمام والعم للأم
стр. 3686
وأولادهم فاختلف مورثوهم في كيفية توريثهم فذهب أبو حنيفة وصاحباه وأهل العراق إلى توريثهم بالقرابة على ترتيب العصبات فأولادهم من كان ولد من ولد الميت وإن سفلوا ثم من كان من ولد الأبوين أو أحدهما ثم ولد أبوي الأبوين يجعلون ولد كل أب أو أم أقرب أولى من ولد أب أو أم أبعد منه ويقولون في الخالات المفترقات والعمات المفترقات إذا أحقهن من كان لأب وأم فإن لم يكن فمن كان لأب فإن لم يكن فمن كان لأم وذهب جمهور مورثيهم إلى التنزيل فيقولون كل واحد منهم بمنزلة من أدلى به من الورثة من عصبة أو ذي فرض وهو الظاهر من قول عمر وعلي وابن مسعود ﵃ وعلقمة والشعبي والنخعي والثوري وابن أبي ليلى وشريك والحسن بن صالح واللؤلؤي وأبي عبيد وعن أبي يوسف نحوه ثم رجع عنه فيجعلون ولد البنات والأخوات بمنزلة أمهاتهم وبنات الإخوة وبنات الأعمام بمنزلة آبائهم والأخوال والخالات وآباء الأم بمنزلة الأم وخال الأم بمنزلة أم الأم وخال الأب بمنزلة أم الأب والعم للأم بمنزلة الأب. فأما العمات فاختلف المنزلون فيهن فنزلهم عمر وعبد الله ﵄ بمنزلة الأب وهي إحدى الروايتين عن علي ﵇ وبه قال النخعي والحسن بن صالح والرواية المشهورة عن علي ﵇ أنهن بمنزلة العم، وهو قول الشعبي ويحيى بن آدم وضرار بن صرد وكأنهم ذكروهن وقد حكي عن الثوري وأبي عبيد ومحمد بن سالم أنهم نزلوا العمة منزلة بنات الإخوة وولد الأخوات بمنزلة الجد ونزولها مع غيرهم بمنزلة الأب واختلف المنزلون في توريث القريب والبعيد فالمعمول عليه من قول الجمهور أن أقربهم أولى بوارث أولادهم بالميراث فإن استووا أخذ كل واحد منهم نصيب من أدلى به وذهب قوم إلى أن كل ذي رحم بمنزلة سببه، وإن بعد فورثوا البعيد مع القريب إذا كانا من جهتين مختلفتين، هذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبي عبيد ومحمد بن مسلم، وضرار بن صرد فإن كانا من جهة واحدة ورثوا الأقرب فالأقرب. واختلف أهل التنزيل في تنزيل وارث الأم مثل ابن أخيها وعمها وابن عمها وابن أبيها وأم جدها هل ينزلون في أول درجة بمنزلتها وإن بعدوا منها أو ينزلون بطنًا بعد بطن، فذهب جمهورهم إلى أنهم ينزلون بطنًا بعد بطن.
وقال إبراهيم النخعي: لقب الأم ثم أجعلها لورثتها وبه قال أبو عبيد ويحيى بن آدم واختلفوا في تفضيل الذكر على الأنثى فذهب جمهورهم إلى أنه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إلا ولد الإخوة من الأم والأخوال والخالات من الأم والأعمام والعمات من الأم، فإنه يستوي فيه ذكورهم وإناثهم، وذهب قوم إلى التسوية بين ذكورهم وإناثهم وهو قول نعيم بن حماد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه وبالجمهور من قول المنزلين يفتي وعليه يعمل؛ لأنه أجرى على القياس من قول أهل القرابة فلذلك ذهبنا إليه والله أعلم بالصواب.
فصل: في ولد البنات إلى ترك بنت بنت وثلاثة بنات بنت وأربع بنات بنت ثالثة
стр. 3687
فالمال في الأصل مقسوم بينهم على ثلاثة أسهم بعدد من أدلين به من الأمهات ثم يجعل كل سهم لولدها وتصح من ستة وثلاثين سهمًا الثلث منها اثنا عشر سهمًا لبنت البنت الواحدة واثنا عشر سهمًا لثلاث بنات البنت الثانية أثلاثًا لكل واحدة منهن أربعة أسهم واثنا عشر سهمًا لأربع بنات البنت الثالثة أرباعًا لكل واحدة منهن ثلاثة أسهم، وقال أبو حنيفة: يقسم بينهن على عدد رؤوسهن أثمانًا لكل واحدة سهم، كما يقسم بين العصبات على أعدادهم ولا يعتبر أعداد آبائهم كما لو ترك ابن ابن وخمسة بني ابن آخر قسم المال بينهم أسداسًا على أعدادهم ولم يقسم نصفين على أعداد آبائهم وهذا خطأ، لأن العصبات يرثون بأنفسهم فلذلك قسم على عددهم، وذوو الأرحام يدلون بغيرهم فقسم بينهم على عدد من أدلوا به، فلو ترك ابن بنت مع أخته وبنت بنت أخرى كان لبنت البنت النصف ولابن البنت مع أخته النصف بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وتصح من ستة وعلى قول أبي عبيد وإسحاق النصف بينهما بالسوية، وعلى قول أبي حنيفة المال: بين جميعهم للذكر مثل حظ الأنثيين على أربعة أسهم فلو ترك بنت بنت وبنت وبنت ابن كان لبنت البنت النصف سهم أمها ولبنت بنت الابن السدس سهم أبيها والباقي رد عليها فيصير المال بينهما على أربعة أسهم وعلى قول أبي حنيفة: المال كله لبنت البنت، لأنها أقرب فلو ترك بنت ابن بنت وبنت بنت بنت ابن فالمال كله لبنت بنت الابن في قول الجميع.
أما على قول أهل التنزيل فلأنها بعد درجة بنت ابن وارثة.
وأما على قول أبي حنيفة فلأنهما استويا في البعد وهذه تدلي بوارث ومن مذهبه أنه مع استواء الدرج يقدم من أدلى بوارث، فلو ترك ابن ابن بنت وابن ابن بنت ابن كان المال كله لابن ابن بنت الابن في قول الجميع؛ لأنه مع استواء الدرج أقرب إدلاء بوارث.
فصل: في ولد الأخوات وإذا ترك بنت أخت وابني أخت أخرى كان النصف لبنت الأخت والنصف لابني الأخت الأخرى، وتصح من أربعة وعلى قول أبي حنيفة المال بينهم على خمسة للذكر مثل حظ الأنثيين فلو ترك ابن أخت لأب وأم وابن أخت لأب كان لابن الأخت للأب والأم النصف ولابن الأخت للأب السدس والباقي رد عليهم وتصح أربعة وهو محمد بن الحسن وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
وعلى قول أبي يوسف المال كله لابن الأخت للأب والأم وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
فلو ترك بنت أخت لأب مع أخيها وابن أخت لأم مع أخته كان الولد الأخت من الأب ثلاثة أرباع بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ولولد الأخت من الأم الربع بينهما نصفين وتصح من ثمانية.
стр. 3688
فلو ترك ثلاثة بنين وثلاث بنات أخوات مفترقات كان المال بينهم في الأصل على خمسة أسهم سهم لابن وبنت الأخت من الأم بينهما نصفين وسهم لابن وبنت الأخت من الأب بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وثلاثة أسهم للابن وبنت الأخت من الأب والأم بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وتصح من ثلاثين سهمًا.
فصل: في بنات الإخوة وإذا ترك بنتي أخ وخمس بنات أخ آخر كان النصف بين بنتي الأخ نصفين والنصف الآخر بين خمس بنات الأخ الآخر على خمسة وتصح من عشرين سهمًا وعلى قول أبي حنيفة المال بينهم على سبعة أسهم. على أعدادهن فلو ترك ثلاث بنات أخوة متفرقين كان لبنت الأخ من الأم السدس والباقي لبنت الأخ للأب والأم ولا شيء لبنت الأخ للأب، لأن أباها مع أخويها غير وارث وهو قول محمد وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة وعلى قول أبي يوسف الأخير وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة المال لبنت الأخ للأب والأم.
ولو ترك ابن أخ لأم مع أخته وبنت أخ، لأن كان السدس بين ابن الأخ وبنت الأخ من الأم نصفين ولبنت الأخ من الأب الباقي، وعلى قول محمد بن الحسن لابن الأخ وبنت الأخ من الأم الثلث كأنهما أخ وأخت من أم والباقي لبنت الأخ من الأب.
وعلى قول أبي يوسف المال كله لبنت الأخ للأب.
ولو ترك بنت أخ لأم وابن أخت لأم وبنت أخ لأب كان لبنت الأخ للأم السدس ولابن الأخت للأم السدس والباقي لبنت الأخ للأب ويصح من اثني عشر.
وعلى قول محمد بن الحسن لولد الأخ من الأم الثلث بينهما ثلاثًا على عددهم والباقي لبنت الأخ للأب وعلى قول أبي يوسف المال كله لبنت الأخ للأب والله أعلم.
فصل: في ولد الأخوات مع بنات الأخوة وإذا ترك بنتي أخ لأب وأم وابن أخت لأب وأم كان المال ينهما على ثلاثة أسهم لابن الأخت للأب والأم سهم نصيب أبيه ولابنتي الأخ للأب والأم سهمان نصيب أبيهما، وعلى قول محمد بن الحسن هي من خمسة لبنتي الأخ أربعة كأنهما أخوان، ولابن الأخت سهم كأنه أخت.
وعلى قول أبي يوسف لابن الأخت سهمان ولبنتي الأخ سهمان يقسم على رؤوسهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
فلو ترك ابني أخت لأب وأم وبنت أخ لأب كان لابني الأخت للأب والأم النصف والباقي لبنت الأخ للأب وعلى قول محمد بن الحسن لابني الأخت للأب والأم الثلثان والباقي لبنت الأخ للأب وعلى قول أبي يوسف المال لابني الأخت للأب والأم.
стр. 3689
ولو ترك ابن أخت لأب وأم معه أخته وبنتي أخ لأب وبنت أخت لأب كان المال بينهم على ستة أسهم لابن الأخت للأب والأم النصف ثلاثة أسهم بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ولبنتي الأخ للأب ثلثا الباقي وهو سهم واحد، وعلى قول محمد بن الحسن لولد الأخت للأب والأم الثلثان، ولابنتي الأخ للأب أربعة أخماس الباقي، والخمس الباقي لبنت الأخت.
ولو ترك بنت ابن أخت لأب وأم وبنت ابن أخ لأب كان المال كله لبنت ابن الأخ للأب في قول الجميع.
ولو ترك ثلاث بنات ثلاث أخوات مفترقات وبنت ابن أخ لأب كان لبنت الأخت من الأم السدس ولبنت الأخت من الأب والأم النصف ولبنت الأخت من الأب السدس والباقي لبنت ابن الأخ وفي قول محمد بن الحسن المال بين بنات الأخوات على خمسة أسهم وعلى قول أبي يوسف هو لبنت الأخت للأب والأم.
فصل: في العمات والخالات خالة من أم وعمة من أب وأم للخالة الثلث والباقي للعمة في قول الجميع كذلك إن كانت الخالة من أب عمة لأم وبنت خالة لأب وأم المال للعمة للأم، لأنها أقرب خالة لأم وبنت عمة لأب وأم المال للخالة، لأنها أقرب.
ثلاث خالات مفترقات وثلاث عمات مفترقات الثلث بين الخالات على خمسة والثلثان بين العمات على خمسة، لأنهن أخوات مفترقات وعلى قول أهل القرابة الثلث للخالة للأب والأم والثلثان للعمة للأي والأم. عمة لأب وخالتان لأب وأم خال وخالة لأب للعمة الثلث وللخالتين للأب والأم ثلث وباقي الثلث للخال، والخال من الأب على ثلاثة وتصح من سبعة وعشرين عمتان من أب وعم وعمة من أم وخالة من أم وخالة من أب تصح من ستة وثلاثين سهمًا للخالة من الأم ربع الثلث ثلاثة أسهم، وللخالة من الأب ثلاثة أرباعه تسعة أسهم وباقي الثلث للخال وللعمتين من الأب ثلثا الثلثين ستة عشر أسهم وللعم والعمة من الأب ثلث الثلثين ثمانية أسهم.
خال وخالة من أب وخال وخالة من أم وعمة من أب وأم وعمة من أب تصح من أربعة وخمسين سهمًا للخال والخالة من الأم ثلث الثلث اثنا عشر سهمًا بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وللعمة للأب والأم ثلاثة أرباع الثلثين سبعة وعشرون سهمًا، وللعمة من الأب ربع الثلثين تسعة أسهم. خال وخالة من أم وبنت عم لأب وأم للخال والخالة الثلث بينهما نصفين والباقي لبنت العم وفي قول أهل القرابة المال كله للخال والخالة من الأم للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنهما أبعد وأقرب ويورثون كل ذكر مثل حظ الأنثيين إلا ولد الإخوة والأخوات من الأم.
стр. 3690
فصل: في ولد الأخوال والخالات ثلاث بنات ثلاث خالات مفترقات وثلاث بنات ثلاث عمات مفترقات الثلث بين ثلاث بنات الخالات على خمسة، والثلثان بين بنات العمات المفترقات على خمسة كأمهاتهن وعلى قول أهل القرابة الثلث لبنت الخالة للأب والأم والثلثان لبنت العمة للأب والأم ثلاث بنات ثلاثة أموال مفترقين وبنت عمة من أب وبنت عمة من أم سدس الثلث لبنات الخال من الأم وباقية وهو خمسة أسداسه لبنت الخال للأب والأم وتسقط معها بنت الخال من الأب لسقوط أبيها مع أبويها ويكون الثلثان بين بنتي العمتين على أربعة ثلاثة منها لبنت العمة من الأب والأم وسهم لبنت العمة من الأم وتصح من ثمانية عشر.
ابن وبنت خال من أم وخمس بنات خالة من أم وبنت عم وابنا عمة من أم نصف الثلث بين الابن وابنة الخال من الأم نصفين ونصفه الآخر بين بنات الخالة من الأم على أعدادهن أخماسًا ولبنت العم من الأم نصف الثلثين ونصفه الآخر بين ابني العمة من الأم فيأخذ كل فريق نصيب من يدلي به وتصح من ستين سهمًا ابن خال من أم وبنت خالة من أب وبنت عمة لأب وأن وابن عم لأب فلابن الخال من الأم ربع الثلث ولبنت الخالة من الأب ثلاثة أرباع الثلثين وتصح من اثنى عشر سهمًا.
فصل: في خالات الأم وعماتها وخالات الأب وعماته خالة أم وخالة أب فخالة الأم بمنزلة أم الأم وخالة الأب بمنزلة أم الأب فصارتا جدتين فكان المال بينهما نصفين وعلى قول أهل القرابة لخالة الأم الثلث ولخالة الأب الثلثان.
وعمة أم وعمة أب فعمة الأب بمنزلة أبي الأب وهو وارث وعمة الأم بمنزلة أبي الأم وهو غير وارث فكان المال كله لعمة الأب.
وعلى قول أهل القرابة لعمة الأم الثلث ولعمة الأب الثلثان.
وخالة أم وعمة أب لخالة الأم السدس، لأنها بمنزلة أم الأم والباقي لعمة الأب، لأنها بمنزلة أب الأب وعلى قول أهل القرابة الثلث والثلثان.
خالة أم وعمة أم وخالة أب وعمة أب لخالة الأم وخالة الأب السدس بينهما نصفين لأنهما بمنزلة جدتين، والباقي لعمة الأب، لأنها بمنزلة أب الأب ولا شيء لعمة الأم، لأنها بمنزلة أب الأم.
ثلاث خالات وثلاث عمات أب كلهن مفترقات وثلاث عمات وثلاثة أعمام وثلاث خالات أم كلهن مفترقين فنصف السدس بين خالات الأم على خمسة ونصف السدس بين خالات الأب على خمسة؛ لأن الفريقين بمنزلة جدتين والباقي بعد السدس بين عمات الأب على ثمانية لأنهن بمنزلة أب الأب وتسقط أعمام الأم وعماتها لأنهم بمنزلة أبي الأم.
стр. 3691
ابن عم معه أخته وبنت خال أم مع أخيها وابن خال أب معه أخته فالنصف بين بنت خال الأم وأختها أثلاثًا، لأنهما بعد درجتين بمنزلة أم الأم والنصف الآخر بين ابن خال الأب وأخته أثلاثًا؛ لأنهما بعد درجتين بمنزلة أم الأم والنصف الآخر بين ابن خال الأب وأخته أثلاثًا، لأنهما بعد درجتين بمنزلة أم الأب ولا شيء لابن عم الأم وأخته لأنهما بعد درجتين بمنزلة أبي الأم والله أعلم بالصواب.
فصل: في الأجداد والجدات الذين يرثون برحم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "إِذَا وَرِثَ الجَدُّ مَعَ الإِخْوَةِ لِلأَبِ وَالأُمَّ أَوْ لِلأَبِ قَاسَمَهُمُ مَا كَانَتْ المُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الثُّلُثُ فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا لَهُ مِنْهًا أُعْطِيَهُ وَهَذَا قَوْلُ زَيْدٍ وَعَنْهُ قَبِلْنَا أَكْثَرَ الفَرَائِضِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا القَوْلُ عنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵃ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيهِ مِثْلَ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ مِنْ فُقَهَاءِ البُلْدَانِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ الجَدَّ أَبٌ لِخِصَالٍ، مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] " فَأَسْمَى الجَدَِّ فِي النَّسَبِ أَبًا وَلَمْ يُنْقِصْهُ المُسْلِمُونَ مِنَ السُّدُس وَهَ! ذَا حُكْمُهُمْ لِلأَبِ وَحَجَبُوا بِالجَدِّ بَنِي الأُمِّ وَهَكَذَا حُكْمُهُمْ فِي الأَبِ فَكَيْفَ جَازَ أَ! نْ تُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحْكَامِهِ وَأَحْكَامِ الأَبِ فِيمَا سِوَاهَا؟ قُلْنَا إِنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أَحْكَامِهِمَا فِيهَا قِيَاسًا مِنْهُمْ لِلجَدِّ عَلَى الأَبِ، لأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَرِثُ بِاسْمِ الأُبُوَّةِ لَوَرِثَ وَدُونَهُ أَبٌ أَوْ كَانَ قَاتِلاً أَوْ مَمْلُوكًا أَوْ كَافِرًا فَالأُبُوَّةُ تَلْزَمُهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا وَرَّثْنَاهُ بِالخَبَرِ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ دُونَ بَعْضٍ لاَ بِاسْمَ الأُبُوَّةِ وَنَحْنُ لا َنُنْقِصُ الْجَدَّةِ مِنَ السُّدُسِ أَفَنَرَى ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الأَبِ يَحْجُبُونَ بِهَا الإِخْوَةِ لِلأُمَّ وَقَدْ حَجَبَهُمُ الإِخْوَةِ مِنَ الأُمَّ بِابْنَةِ ابْنِ مُتَسَفَّلَةٍ أَفَتَحْكُمُونَ لَهَا بِحُكْمِ الأَبِ؟ وَهَذَا يُبَيَّينُ أَنَّ الفَرَائِضَ تَجْتَمِعُ فِي بَعُضِ الأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ؟ وَقُلْنَا أَلَيْسَ إِنَّمَا يُدَْلِي الجَدُّ بِقَرِابَةِ أَبِي المَيَّتِ؟ قُلْنَا: أَفَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ أَبُوهُ المَيْت فِي تِلْك السَّاعَةِ أَيُّهُمَا كَانَ أَوْلَى بِكِثْرَةِ المِيرَاثِ مِمَّنْ يُدْلِيَِانِ بِقَرَابَتِهِ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَحْجُبَ الَّذِي أَوْلَى بِالأَبِ الَّذِي يُدْلِيَانِ بِقَرَابَتِهِ بِالَّذِي هُوَ أَبْعَدُ؟ وَلَوْلاَ الخَبرُ كَانَ القِيَاسُ أَنْ يُعْطَى الأَخُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَالجَدُّ سَهْمًا كَمَا وَرَّثْنَاهُمَا حِينَ مَاتَ ابْنُ الجَدَّ وَأَبُو الأَخِ".
قال في الحاوي: أبو أبي أم، وأبو أم أب، المال لأبي أم الأب؛ لأنه يدلى بوارث
стр. 3692
وعلى قول أهل القرابة: لأبي أبي الأم الثلث، ولأبي أم الأب الثلثان.
أبو ام أم، وأبو أم أب، المال بينهما نصفين، لأنهما بمنزلة أم أم وأم أب.
جد أم أم، وجد أم أب المال بين أبي أم أم الأم، وأبي أم أم الأب نصفين.
أبو أبي أم، وأبو أم أب، المال لأبي أم الأب.
أبو أبي أم أم، وأبو أبي أبي أم، وأبو أبي أم أب نصف المال بين أبوي أبي أم الأم على ثلاثة، والنصف بين أبوي أبي أم الأب على ثلاثة؛ لأنك إذا نزلت أبوي أبي أم الأم صار في أول درجته بمنزلة أبي أم أم وهي وارثة، وإذا نزلت أبوي أبي أم الأب صار في أول درجته بمنزلة أبي أم أب ثم بمنزلة أم أب وهي وارثة، فهاتان جدتان المال بينهما نصفان نصف لأم الأم يرثه عنها أبوها ثم يرث عن ابنها أبواه، وكذلك النصف الذي لأم الأب يرثه عنها أبوها ثم يرث عن أبيها أبواه، وأما أبو أبي أبي الأم فبعد درجتين يصير أبا أم وليس بوارث؛ فلذلك لم يرثها، فهذا هو المشهور من قول المنزلين، والصحيح مذاهبهم.
أما أبي أبي أم، وأبو أم أبي أم، وأبو أبي أم أب، وأبو أبي أم أم، النصف بين أبوي أبي أم الأم على ثلاثة، والنصف بين أبوي أبي أبي أم الأب على ثلاثة؛ لأن أبوي أبي أم الأم في أول درجته بمنزلة أبي أم أم ثم بمنزلة أم أم وهي وارثة وأبو أبي أم الأب في أول درجة بمنزلة أم أب وهي وارثة. فصار معك بعد درجتين جدتان: أم أم، وأم أب وأما أبو أبي أبي أم فبعد درجتين أبو أم وليس بوارث، وأما أبو أم أبي أم فبعد درجتين أيضًا أبو أم وليس بوارث، فأما على قول من أمات السبب فجعل كلها نصف على ستة السدس وما بقي على ما ذكرنا والله أعلم بالصواب.
فصل: في توريث الزوج والزوجين مع ذوي الأرحام اختلف من قال بتوريث ذوي الأرحام فيهم إذا دخل معهم زوج أو زوجة هل يعتبر إدخالهما مع من يدلي بذوي الفروض منهم والعصبات أم لا؟ ويكون الباقي بعد فرض الزوج والزوجة كتركة تستأنف قسمتها بينهم على قدر ما يدلون من ذي فرض أو تعصيب على قولين:
أحدهما: وهو قول محمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو عبيد القاسم بن سلام: أن الزوج والزوجة يعطيان فرضهما ويخرجان ويقسم الباقي بين ذوي الأرحام على قدر فروضهم كأن لا زوج معهم ولا زوجة.
والقول الثاني: وهو قول يحيي بن آدم وضرار بن صرد ومن تابعها: أن الزوج والزوجة يدخلان على ذوي الأرحام ويقسم الباقي بعد فرض الزوج والزوجة على قدر سهام من يدلون به من الزوج والزوجة.
стр. 3693
مثاله: زوج، وبنت بنت، وخالة، وبنت أخت، فعلى قول من قال بالإخراج: يأخذ الزوج النصف، ويقسم الباقي على ستة أسهم: لبنت البنت النصف ثلاثة أسهم وللخالة السدس سهم واحد، والباقي وهو سهمان لبنت الأخت وتصح من اثني عشر سهمًا، وعلى قول من قال بالإدخال أنهم بعد التنزيل يصيرون زوجًا، وأمًا، وبنتًا وأختًا فتكون من اثني عشر للزوج الربع ثلاثة أسهم وللأم السدس سهمان، وللبنت النصف ستة أسهم، وللأخت ما بقي وهو سهم ثم أجمع سهام الأم والبنت والأخت وهي تسعة وأعط الزوج النصف سهمًا من اثنين ثم اقسم الباقي على تسعة أسهم لا تنقسم فاضرب تسعة في اثنين تكن ثمانية عشر للزوج النصف تسعة أسهم، ولبنت البنت ستة أسهم، وللخالة سهمان، ولبنت الأخت سهم والفرق إنما يقع بين الإدخال والإخراج فيما يورث بفرض وتعصيب، فأما إن كان بفرض وحده أو تعصيب وحده فلا فرق بين الإدخال والإخراج.
زوجة وبنت وبنت، وبنت بنت ابن، وبنت عم. فعلى قول من قال بالإخراج: للزوجة الربع والباقي على ستة أسهم لبنت البنت نصفه ثلاثة أسهم ولبنت بنت الابن سدسه سهم ولبنت العم باقيه وهو سهمان، وتصح من ثمانية أسهم، وعلى قول من قال بالإدخال جعلهم بعد التنزيل زوجة، وبنتًا وبنت ابن، وعمًا فتكون من أربعة وعشرين للزوجة الثمن ثلاثة، وللبنت النص ٢ ف اثني عشر ولبنت الابن السدس أربعة والباقي لبنت العم وهو خمسة فاجمع سهام من ذوي الزوجة تكن أحدًا وعشرين سهمًا ثم أعط الزوجة الربع واقسم الباقي وهو ثلاثة أرباع المال على احد وعشرين سهمًا لا تنقسم لكن توافق بالأثلاث إلى سبعة فاضربها في الأصل وهو أربعة تكن ثمانية وعشرون: للزوجة منها الربع سبعة أسهم، والباقي وهو واحد وعشرون سهمًا لبنت البنت منها اثنا عشر ولبنت بنت الابن أربعة ولبنت العم خمسة.
زوج وثلاث بنات ثلاثة إخوة متفرقين فعلى قول من قال بالإخراج للزوج النصف والباقي على ستة أسهم لبنت الأخ للأم سدسه سهم، وباقيه وهو خمسة أسهم لبنت الأخ للأب والأم وتصح من اثني عشر سهمًا.
وعلى قول من قال بالإدخال: للزوج النصف ولبنت الأخ من الأم سدس جميع المال والباقي لبنت الأخ للأب والأم وتصح من ستة أسهم.
زوج هو ابن خال، وبنت بنت عم، على قول من قال بالإخراج للزوج النصف وله سدس الباقي، وما بقي لبنت العم وتصح من اثني عشر للزوج سبعة ولبنت بنت العم خمسة، وعلى قول من قال بالإدخال: للزوج النصف، وله سدس جميع المال، وما بقي لبنت بنت العم، وتصح من ستة أسهم للزوج أربعة، ولبنت بنت العم سهمان.
стр. 3694
زوجة هي بنت عم، وبنت أخت. على قول من قال بالإخراج للزوجة الربع، ولبنت الأخت نصف ما بقي والباقي للزوجة لكونها بنت عم،÷ وتصح من ثمانية أسهم للزوجة خمسة أسهم، ولبنت الأخت ثلاثة أسهم وعلى قول من قال بالإدخال: للزوجة الربع ولبنت الأخت نصف جميع المال، والباقي للزوجة فيصير المال بينهما نصفين.
فصل: في توريث من يدلي بقرابتين ابن بنت بنت هو ابن ابن بنت أخرى، وبنت بنت بنت واحدة على قول أهل التنزيل: للابن النصف بقرابة أبيه، وله الثلث بقرابة أمه، وللبنت وهي أخته من أمه السدس، وتكون من ستة للابن خمسة، وللبنت سهم، لأنهما في التنزيل بمنزلة بنتين أخذتا المال نصفين ثم تركت إحداهما ابنًا فصار النصف له، وأما الأخرى فتركت بنتًا صار النصف إليها، ثم تركت البنت ابنًا وبنتًا فصار النصف بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فصار إلى الابن النصف عن جدته أم أبيه والثلث عن جدته أم أمه، وصار إلى جدته السدس عن جدتها أم أمها، وقول أبي حنيفة ومحمد، وعلى قول أبي يوسف: للذكر أربعة أخماس، وللأنثى خمس، لأنه يجعل من يدلي بقرابتين كشخصين.
بنتا أخت لأم إحداهما بنت أخ لأب، وبنت أخت لأم وأب، وهي من اثني عشر، لبنت الأخت من الأب والأم النصف ستة، ولبنت الأخ من الأب أربعة بقرابة أبيها، وسهم بقرابة أمها، فصار لها خمسة، ولأختها سهم؛ لأنهم بمنزلة أخت لأب وأم وأخت لأم وأخ لأب.
بنتا بنت أخت لأب، وإحداهما هي بنت ابن أخت لأب، والأخرى هي بنت ابن أخ لأم، هي من عشرة أسهم للتي هي بنت ابن أخت ثلاثة أسهم بأمها وسهمان بأبيها، ولأختها كذلك، فيصير المال بينهما نصفين؟ لأنهما بمنزلة أخت لأب وأم وأخت لأب، وأخ لأم، فكان المال على خمسة: ثلاثة أسهم منها وهي سهام الأخت للأب والأم صارت إلى بنتي بنتيها، وسهم الأخت من الأب صار إلى بنت أبيها، وسهم الأخ من الأم صار إلى بنت ابن.
خالتان من أم إحداهما هي عمة من أب، وعم من أم هو خال من أب، هي من ثمانية عشر، للخالة التي هي عمة من أب تسعة أسهم بأنها عمة وسهم بأنها خالة، ولأختها سهم، وللعم ثلاثة أسهم بأنه عم من أم، وله أربعة أسهم بأنه خال من أب، لأنهم ينزلون بمنزلة خالتين من أم، وخال من أب، وعمة من أب وعم من أم فكان الثلث بين الخالتين من الأم والخال من الأب على ستة، والثلثان بين العمة من الأب والعم من الأم على أربعة فصحت من ثمانية عشر سهمًا لبنت ابن الخال الأب التي هي بنت عم من أم ستة أسهم بأمها وسهم أبيها، ولأختها التي هي بنت خالة من أب سهم بأبيها وسهم
стр. 3695
بأمها؛ لأنها بمنزلة خال وخالة من أب وعم من أم، فكان الثلث على ثلاثة وصحت من تسعة وبالله التوفيق.
فصل: في الرد وهذا إنما يكون عند نقصان الفروض عن استيعاب المال والخلاف فيه كالخلاف في ذوي الأرحام.
فالشافعي ﵀ يمنع من الرد مع وجود بيت المال وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت ﵁ ومن التابعين: عروة بن الزبير،÷ وسليمان بن يسار ومن الفقهاء: مالك والزهري والأوزاعي وداود وأبو ثور وذهب أبو حنيفة وأهل العراق إلى الرد، وبه قال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، ﵃، وقد قدمنا في الدليل على تقديم بيت المال على ذوي الأرحام والرد على أصحاب الفرائض بقية المال إذا لم تكن عصبة إذا كان بيت المال موجودًا، فأما إذا عدم بيت المال فالضرورة تدعو إلى الرد كما دعت إلى توريث ذوي الأرحام.
واختلف القائلون بالرد في كيفية الرد فكان علي بن أبي طالب ﵇ يرد على كل ذي سهم بقدر سهمه إلا على الزوج والزوجة وهو الذي يعمل عليه ويفتي به.
وروي عن النخعي أنه كان لا يرد على الجد وليس بصحيح.
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يرد على كل ذي سهم بقدر سهمه إلا على الزوج والزوجة، وكان لا يرد على أربع مع أربع: على بنت الابن مع بنت الصلب، وعلى الأخت للأب مع الأخت للأب والأم، وعلى ولد مع الأم، وعلى الجد مع ذي سهم من ذوي الأرحام.
وكان عبد الله بن عباس يرد على كل ذي سهم بقدر سهمه إلا على الزوج والزوجة والجد.
من مسائل الرد:
إذا ترك أمًا، وبنتًا، فللأم السدس، وللبنت النصف والباقي رد عليهما فيصير المال بينهما على أربعة.
ولو ترك أمًا، وأختًا، كان للأم الثلث وللأخت النصف والباقي رد عليهن فيصير المال بينهن على خمسة.
ولو ترك أمصا وبنتين، كان للأم السدس، وللبنين الثلثان والباقي رد عليهن، فيصير المال بينهن على خمسة.
ولو ترك زوجة، وأختًا لأم، وأختًا لأب وأم كان للزوجة الربع وللأخت للأم السدس، وللأخت للأب والأم النصف ويبقى نصف سدس يرد على الأختين دون الزوجة
стр. 3696
فيصير الباقي بعد ربع الزوجة وهو ثلاثة أرباع المال بين الأختين على أربعة وتصح من ستة عشر سهمًا.
ولو ترك زوجًا، وأمًا، وبنتًا كان للزوج الربع، وللأم السدس، وللبنت النصف، والباقي رد على الأم والبنت فيصير الباقي بعد ربع الزوج بين الأم والبنت على أربعة وتصح من ستة عشر كالمسألة قبلها.
ولو ترك بنتًا، وبنت ابن، كان للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي رد عليهما على قول علي ﵇ ويقسم المال بينهما على أربعة أسهم.
وعلى قول ابن مسعود يرد على البنت فيكون لبنت الابن السدس والباقي للبنت بالفرض والرد وتصح من ستة وهكذا القول في أخت لأب وأم وأخت لأب أو لأم.
ولو ترك جدًا، وبنتًا، وبنت ابن فعلى قول علي ﵇: المال بينهم على خمسة، وعلى قول ابن مسعود ﵁ للجدة السدس، ولبنت الابن السدس، والباقي للبنت بالفرض والرد، وتصح من ستة.
وعلى قول ابن عباس: للجدة السدس، والباقي بين البنت وبنت الابن على أربعة، وتصح من أربعة وعشرين ثم على قياس هذا يكون الرد وبالله التوفيق.
آخر كتاب الفرائض والحمد الله كثيرًا.
تم الجزء السابع بتقسيم المحقق
ويليه إن شاء الله الجزء الثامن
وأوله: كتاب الوصايا
стр. 3697
بحر المذهب
في فروع المذهب الشافعي
تأليف
القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني
المتوفى سنة ٥٠٢ هـ
تحقيق
طارق فتحي السيد
الجزء الثامن
يحتوي على الكتب التالية:
الوصايا- العتق- الولاء- المدبر- المكاتب
стр. 3698
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الوصايا
إن الله تعالى قدر لخلقه آجالًا وبسط لهم فيها آمالًا، ثم أخفي عليهم حلول آجالها وحذرهم غرور آمالهم، فحقيق على الإنسان أن يكون مباهيًا للوصية حذرًا من حلول المنية. قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] إلى قوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢].
أما قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ فيعني: فرض عليكم. وقوله: ﴿إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ يعني أسباب الموت.
﴿إن تَرَكَ خَيْرًا﴾: يعني مالًا. قال مجاهد: الخير في الق ﴿آن كله المال: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]. المال. فقال: ﴿إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] المال. ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] المال.
وقال شعيب: ﴿إنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤] يعني: الغني. وقال الشافعي: الخير كلمة تعرف ما أريد بها المخاطبة. قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]. فقلنا: إنهم خير البرية بالإيمان والأعمال الصالحة لا بالمال. وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ﴾. فقلتا. إن الخير المنفعة بالأجر، وقال: ﴿إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ فقلنا: إنه إن ترك مالًا؛ لن المال هو المتروك. ثم قال: ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وفي الأقربين في هذا الموضع ثلاث تأويلات:
أحدها: أنهم الأولاد الذين لا يسقطون في الميراث، دون غيرهم من الأقارب الذين يسقطون.
والثاني: أنهم الورثة من الأقارب كلهم.
والثالث: أنهم كل الأقارب من وارث وغير وارث. فدل ذلك على وجوب الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف.
واختلفوا في ثبوت حكمها: فقال بعضهم: كان حكمها ثابتًا في الوصية للوالدين والأقربين حقًا واجبًا، وفرضًا لازمًا، فلما نزلت آية المواريث نسخ منها الوصية للوالدين وكل وارث، وبقي فرض الوصية لغير الورثة في الأقربين على حالة، وهو قول طاوس، وقتادة، والحسن البصري، وجابر بن زيد.
стр. 3699
فإن وصى بثلثه لغير قرابته فقد اختلفوا: فقال طاوس: يرد الثالث كله على قرابته. وقال قتادة: يرد ثلث الثلث على قرابته، وثلثا الثلث لمن أوصى له به.
وقال جابر بن زيد: رد ثلثا الثلث على قرابته وثلث الثلث لمن أوصى به. واختلفوا في قدر المال الذي يجب عليه أن يوصي منه على أقاويل:
أحدها: أنه ألف درهم، وتأولوا قوله تعالى: ﴿إن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] ألف درهم، وهذا قول علي بن أبي طالب ﵁.
والثاني: خمس مائة، وهذا قول النخعي.
والثالث: يجب في قليل المال وكثيره وهو قول الزهري. فهذا قول من جعل حكم الآية ثابتًا. وذهب الفقهاء وجمهور أهل التفسير إلى أنها منسوخة بالمواريث. واختلفوا بأية أي نسخة؟ فقال عبد الله بن عباس: نسخت بآية الوصايا بقوله تعالى: ﴿لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وقال آخرون: نسخت بقوله تعالى: ﴿وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وسنذكر دليل من أثبتها ومن نسخها فيما بعد.
ثم قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. وأصل الجنف في كلام العرب: الجور والعدل عن الحق. ومنه قول الشاعر:
هم المولى وقد جنفوا علينا وإنا من لقائهم لزور
وفي تأويل قوله تعالى: جنفًا أو إثمًا ثلاثة أقاويل:
أحدهما: أن الجنف: الميل، والإثم، أن يأثم في إثره بعضهم على بعض وهذا قول عطاء وابن دريد.
والثاني: أن الجنف: الخطأ، والإثم: العمد.
والثالث: أن الرجل يوصي لولد بنيه، وهو يرد بنيه، وهذا قول طاوس.
واختلفوا في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إثْمَ﴾ [البقرة: ١٨٢] على أربعة أوجه:
أحدهما: أنه تأويلها فمن حضر مريضًا وهو يوصي عند إشرافه على الموت فخاف أن يخطئ في وصيته، فيفعل ما ليس له، أو يعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره فسمع ذلك منه أن يصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل في وصيته، وهذا قول مجاهد.
والثاني: أن تأويلها فمن خاف من أوصياء الميت جنفًا في وصيته التي أوصى بها الميت، فأصلح بين ورثته، وبين الموصى لهم، فيما أوصى لهم به، فيرد الوصية إلى العدل والحق، فلا إثم عليه، هذا قول ابن عباس وقتادة.
والثالث: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفًا أو إثمًا في عطيته لورثته عند حضور
стр. 3700
أجله، فأعطى بعضهم دون بعض، فلا إثم على من أصلح بين الورثة في ذلك. وهذا قول عطاء.
والرابع: أن تأويلها فمن خاف من موصٍ جنفًا أو إثمًا في وصيته لمن لا يرثه لم يرجع نفعه على من يرثه فأصلح بين ورثته فلا إثم عليه وهذا قول طاوس.
وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] فلا ضرار في الوصية أن يوصي بأكثر من الثلث، والإضرار في الدين أن يبيع بأقل من ثمن المثل. ويشتري بأكثر منه.
وقد روي عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر».
وقال تعالى: ﴿ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآية.
وروي الشافعي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عند رأسه مكتوبة».
وروي شهر بن حوشب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة سبعين سنة، ثم يوصي، فيجنف في وصيته فيختم له بشر عمله، وإن الرجل يعمل عمل أهل النار سبعين سنة، ثم يوصي فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله».
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أعجز الموصي أن يوصي كما أمره الله».
وروي أبو قتادة أن النبي ﷺ لما دخل المدينة، سأل عن البراء بن معرور، فقالوا: هلك وأوصي لك بثلث ماله، فقبله، ورده على ورثته وقيل: إنه كان أول من أوصى بالثلث، وأول من وصي بأن يدفن إلى القبلة، ثم صارا جميعًا سنة متبوعة.
والوصية على ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز، وقسم يجوز ولا يجب، وقسم مختلف في وجوبها. فأما الذي لا يجوز: فالوصية للوارث.
وروي شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى قد أعطي كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» وأما التي تجوز ولا
стр. 3701
تجب، فالوصية للأجانب، وهذا مجمع عليه، فقد أوصى البراء بنمعرور للنبي ﷺ بثلث ماله فقبله، ثم رده على ورثته. وأما التي اختلف فيها: فالوصية للأقارب. ذهب أهل الظاهر من قدمنا ذكره في تفسير الآية إلى وجوبها للأقارب، تعلقًا بظاهر قوله تعالى: ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات من غير وصية، مات ميتة جاهلية». وبقوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة».
والدليل على أنها غير واجبة للأقارب والأجانب، ما روي ابن عباس وعائشة، وابن أبي ليلي ﵃ أن النبي ﷺ لم يوص.
وروي الشافعي عن سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: «مرضت عام الفتح مرضًا أشرفت منه على الموت، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت: يا رسول الله: إن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني إلا ابني، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فبالشطر. قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث. والثلث كثير. إنك إن تدع ورثتك أغنياء خيرًا من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». فاقتصر به النبي ﷺ في الوصية على ما جعله خارجًا مخرج الجواز، لا مخرج الإيجاب. ثم بين أن غني الورثة بعده أولى من فقرهم.
وروي أبو زرعة عن أبي هريرة قال: قال رجل للنبي ﷺ يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «أن تتصدق وأنت صحيح حريص، تأمل الغني وتخشي الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان».
فلما جعل الصدقة في حال الصحة أفضل منها عند الموت، ثم لم تكن في حال الصحة واجبة، فأولى أن لا تكون عند الموت واجبة. وروي ابن أبي ذؤيب عن شرحبيل عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم، خير له من أن يتصدق بمائة عند موته» ولأن الوصية لو وجبت لأجبر عليها، ولأخذت منه ماله إن امتنع منها، كالديون والزكوات ولأن الوصايا عطايا فأشبهت الهبات.
فأما الآية: فمنع الوالدين من الوصية مع تقديم ذكرها فيها، دليل على نسخها وأما قوله ﷺ : «من مات من غير وصية مات ميتة جاهلية» فمحمول على أحد أمرين، وأما على من كانت عليه ديون حقوق لا يوصل إلى أربابها إلا بالوصية، فتصير الوصية ذكرها وأدائها واجبة.
стр. 3702
وأما قوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» فهذا خارج منه مخرج الاحتياط ومعناه ما الحزم لامرئ. على أن نافعًا قال لابن عمر بعد أن روي هذا الحديث حين حضره الموت: هلا أوصيت؟ قال: أما مالي، فالله أعلم ما كانت أفعل فيه في حياتي، وأما رباعي، ودوري، فما أحب أن يشارك ولدي فيها أحد. فلو علم وجوب الوصية لما رواه لما تركها.
فصل: فإذا ثبت ما وصفنا من جواز الوصية دون وجوبها فالوصية تشتمل على أربعة شروط:
وهي: موصي، وموصى له، وموصي به، وموصي إليه.
فأما الفصل الأول: وهو الموصي فمن شرطه أن يكون مميزًا، حرًا، فإذا اجتمع فيه هذان الشرطان صحت وصيته في ماله مسلمًا كان أو كافرًا.
فأما المجنون، فلا تصح وصيته، لأنه غير مميز، وأما الصبي فإن كان طفلًا غير مميز فوصيته باطلة. وإن كان مراهقًا ففي جواز وصيته قولان:
أحدهما: لا يجوز. وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني لارتفاع القلم عنه كالمجنون ولأن الوصية عقد فأشبهت سائر العقود.
والقول الثاني: وبه قال مالك أن وصيته جائزة لرواية عمرو بن سليم الزريقي قال: «سئل عمر بن الخطاب ﵁ عن غلام يبلغ من غسان أوصي لبنت عمه وله عشر سنين، وله وارث ببلد آخر، فأجاز عمر ﵁ وصيته، ولأن المعني الذي لأجله منعت عقوده هو المعني الذي لأجله أمضيت وصيته، لأن الحظ له في منع العقود، لأنه لا يتعجل بها نفعًا، ولا يقدر على استدراكها إذا بلغ. والحظ له في إمضاء الوصية، لأنه إن مات فله ثوابها وذلك أحظ له من تركه على ورثته. وإن عاش وبلغ، قدر على استدراكها بالرجوع فيها فعلي هذا: لو أعتق في مرضه، أو حابي، أو وهب ففي صحة ذلك وجهان:
أحدهما: أنه صحيح ممضي، لأن ذلك وصية تعتبر في الثلث.
والوجه الثاني: أنه باطل مردود، لأن الوصية يقدر على الرجوع فيها إن صح والعتق والهبة لا يقدر على الرجوع فيها إن صح.
فأما وصية المحجور عليه بسفه، فإن قيل بجواز وصية الصبي، فوصية السفيه أجوز، وإن قيل ببطلان وصية الصبي، كانت وصية السفيه على وجهين، لاختلافهم في تعليل وصية الصبي، فإن علل في إبطال وصيته بارتفاع القلم عنه جازت وصية السفيه لجريان القلم عليه، وإن علل في إبطال وصية الصبي بإبطال عقوده، بطلت وصية السفيه لبطلان عقوده.
стр. 3703
وأما المحجور عليه بالفلس، فإن ردها الغرماء بطلت، وغن أمضوها جازت فإن قلنا: إن حجر الفلس كحجر المرض صحت. وإن قلنا: إنه كحجر السفيه كانت على وجهين.
وأما العبد فوصيته باطلة. وكذلك المدير، وأم الولد، والمكاتب، لأن السيد أملك منهم لما في أيديهم.
فأما الكافر: فوصية جائزة، ذميًا كان أو حربيًا، إذا وصي بمثل ما وصي به المسلم.
فأما الفصل الثاني: في الموصي له.
فتجوز الوصية لكل من جاز الوقف عليه، من صغير وكبير، وعاقل ومجنون وموجود ومعدوم، إذا لم يكن وارثًا، ولا قاتلًا.
فأما الوارث فلقوله ﵇: «لا وصية لوارث» ولو وصي لأحد ورثته، كان في الوصية قولان:
أحدهما: باطلة إذ رسول الله ﷺ نهي إلا أن يستأنفه الورثة الباقون هبتها له بعد محضة لا تجري فيها حكم الوصية. وهذا قول المزني.
والثاني: أنها موقوفة على إجازة الباقين من الورثة، كالوصية بما زاد على الثلث، فإن أجازها الباقون من الورثة: صحت، وإن ردوها رجعت ميراثًا وكان الموصي له به كأحدهم، يأخذ فرضه منها، وإن أجازها بعضهم وردها بعضهم صحت الوصية في حصة من أجازه، وكان الموصي له في الباقي منها وارثًا من رده. ثم هل تكون إجازتهم على هذا القول ابتداء عطية منهم أو إمضاء على قولين. وعلى كلا القولين لا تفتقر إلى بذل وقبول بخلاف القول الأول.
فصل: وأما الوصية للقاتل ففيها قولان:
أحدهما: وهو مذهب مالك أنها جائزة وإن لم يرث، كما تجوز الوصية للكافر وإن لم يرث، ولأنه تمليك يراعي فيه القبول، فلم يمنع منه القتل كالبيع.
وأما القول الثاني: وبه قال أبو حنيفة: الوصية باطلة لعموم قوله ﷺ : «ليس للقاتل وصية»، ولأنه مال يملك بالموت، فاقتضي أن يمنع منه القاتل كالميراث، على أن الميراث أقوى التمليكات، فلما منع منه القتل كان أولى أن يمنع من الوصية.
فإذا تقرر هذان القولان، فلا فرق أن يوصي له بعد جرحه إياه وجنايته عليه، وبين أن يوصي له قبل الجناية ثم يجني عليه فيقتله في أن الوصية على قولين.
ولكن لو قال الموصي، وليس بمجروح: قد وصيت بثلث مالي لم يقتلني فقتله رجل لم تصح الوصية قولًا واحدًا لأمرين:
أحدهما: لأنها وصية عقد على معصية.
والثاني: أن فيها إغراء بقتله.
стр. 3704
فإن وصى بثلثه لقاتل زيد، فإن كان قبل القتل، لم يجز لما ذكرنا وإن كان بعد قتله جاز، وكان القتل تعريفًا. وهكذا لو وهب في مرضه لقاتله هبة أو حاباه في بيع أو أبرأه من حق فكل ذلك على قولين، لأنها وصية له تعتبر من الثلث. وهكذا لو أعتق في مرضه عبدًا فقتل العبد سيده، كان له في عقته قولان، لأن عتقه وصية له ولكن لو وهب هبة في صحته، أو أبرأ من حق، أو حابي في بيع، أو أعتق عبدًا ثم إن الموهوب له قتل الواهب، والمبرأ قتل المشتري، والمحابا قتل المحابي، والعبد المعتق قتل سيده، كان ذلك كله نافذًا ماضيًا؛ لأن فعله في الصحة يمنع من إجرائه مجرى الوصية. ولو جرح رجل رجلًا ثم إن المجروح وصي للجارح بوصية، ثم أجهز على الموصي آخر فذبحه جازت الوصية للجارح الأول، لأن الذابح الثاني صار قاتلًا ولو لم يكن الثاني قد ذبحه ولكن لو جرحه صار الثاني والأول قاتلين، فرد الوصية للأول على أحد القولين. وإذا قتل المدبر سيده، فإن قيل إن التدبير وصية، ففي بطلان عتقه قولان، لأنه يعتق من الثلث، ولو قتلت أم الولد سيدها بعد عتقها قولًا واحدًا لأمرين:
أحدهما: أن عتقها مستحق من رأس المال.
والثاني: أن في استبقائها على حالها إضرار بالورثة لأنهم لا يقدرون على بيعها وخالف استيفاء رق المدبر للقدرة على البيعة، ثم ينظر في أم الولد إذا كان قتلها عمدًا فإن لم يكن ولدها باقيًا، قتلت قودًا، وإن كان باقيًا، سقط القود عنها، لأن ولدها شريك للورثة في القود منها، وهو لا يستحق القود من أمه. فسقط حقه وإذا سقط القود عنها، في حق بعض الورثة سقط في حق الجميع، ولو أن رجلًا وصي لابن قتله، أو لأبيه أو لزوجته ولو أوصي لعبد القاتل لم تجز في أحد القولين، لأنها وصية للقاتل.
ولو أقر رجل لقاتله دين، كان إقراره نافذًا قولًا واحدًا، لأن الدين لازم وهو من رأس المال فخالف الوصايا، ولو كان للقاتل على المقتول دين مؤجل حل بموت المقتول، لأن الأجل حق لمن عليه الدين لا يورث عنه، وليس كالمال الموروث، إذا منع القاتل منه صار إلى الورثة، وسواء كان القتل في الوصية عمدًا أو خطأ، كما أن الميراث يمنع منه قتل العمد والخطأ، فلو أجاز الورثة للقاتل، وقد منع منهما في أحد القولين، كان في إمضائها بإجازتهم وجهان من اختلاف قوليه في إمضائهم الوصية للوارث فإن قلنا: إن الوصية للوارث مردودة ولا تمضي بإجازتهم ردت الوصية للقاتل، ولم تمض بإجازتهم. وإن قلنا: إنه يمضي الوصية للوارث بإجازتهم أمضت الوصية للقاتل بإجازتهم. والأصح: إمضاء الوصية للوارث بالإجازة ورد الوصية للقاتل مع الإجازة، لأن حق الرد في الوصية إنما هو للوارث لما فيه من تفصيل الموصي له عليهم فجازت الوصية له بإجازتهم وحق الرد في الوصية للقاتل إنما هو للمقتول، لما فيه من حسم الذرائع المقتضية إلى قتل نفسه، فلم تصح الوصية بإجازتهم.
فصل: وأما الوصية للعبد، فإن كان لعبد نفسه لم يجز، لأنها وصية لورثته. وإن
стр. 3705
كان لعبد غيره جاز وكانت وصية لسيده، وهل يصح قبول العبد لها بغير إذن سيده على وجهين:
أحدهما: تصح، كما يصح أن يملك والاحتشاش بالاصطياد من غير إذن.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري: لا تصح، لأن السيد هو المملك.
فعلي الوجه الأول: لو قبلها السيد دون العبد، لم يجز، وعلى الوجه الثاني: يجوز. فأما إذا أوصي لمدبره فالوصية جائزة إذا خرج المدبر من الثلث، لأنه يملكها دون الورثة، لعتقه بموت السيد. ولو خرج بعضه من الثلث دون جميعه، صح من الوصية بقدر ما عتق منه، وبطل منه بقدر ما رق منه.
ولو وصي لمكاتبه. كانت الوصية جائزة، لأن المكاتب يملك، فإن عتق بالأداء فقد استقر استحقاقه لها، فإن كان قد أخذها قبل العتق وإلا أخذها بعده، وغن رق بالعجز نظر فإن لم يكن قد أخذها فهي مردودة، لأنه صار عبدًا موروثًا، وإن كان قد أخذها ففيه وجهان:
أحدهما: ترد اعتبارًا بالانتهاء في مصيره عبدًا موروثًا.
والثاني: لا ترد، اعتبارًا بالابتداء في كونه مكاتبًا مالكًا.
فأما الوصية لأم ولده: فجائزة، سواء كان لها ولد وارث أو لم يكن، لأن عتقها بالموت أنفذ من عتق المدبر، ولا يمنع ميراث ابنها من إمضاء الوصية، لأن الوصية لأبي الوارث وابنه جائزة، وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ أوصى لأمهات أولاده.
فصل: وأما الوصية للكافر فجائزة، ذميًا كان أو حربيًا.
وقال أبو حنيفة: الوصية للحربي باطلة، لأن الله تعالى أباح للمسلمين أموال المشركين، فلم يجز أن يبيع للمشركين أموال المسلمين. وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما يمنع شرك الذمي، لم يمنع شرك الحربي من الوصية، كالنكاح.
والثاني: أنه لما جازت الهبة للحربي وهو أمضي عطية من الوصية، كان أولى أن تجوز له الوصية، وسواء كان الموصي مسلمًا، أو كافرًا. فأما وصية المرتد فعلي ثلاثة أقسام. ذكرناها في كتاب الوقف:
أحدها: أن يوصي لمن يرتد عن الإسلام. فالوصية باطلة لعقدها على معصية.
والثاني: أن يوصي بها لمسلم فيرتد عن الإسلام بعد الوصية له. الوصية جائزة، لأنها وصية صادفت حال الإسلام.
والثالث: أن يوصي بها لمرتد معين ففي الوصية وجهان:
أحدهما: باطلة.
стр. 3706
والثاني: جائزة.
فصل: فأما الوصية للميت: فإن ظنه الموصي حيًا، فإذا هو ميت، فالوصية باطلة. وإن علمه ميتًا حين الوصية: فقد أجازها مالك وجعلها للورثة، لأن علمه بموته يصرف قصده إلى ورثته. وهذا فاسد، والوصية باطلة، لأنه لو وهب للميت مع علمه بموته كانت الهبة باطلة فكذلك الوصية أولى. والله أعلم.
فصل: وأما الوصية لمسجد، أو رباط، أو قنطرة، فجائزة، وتصرف في عمارته، لأنه لما انتفي الملك عن هذا كله توجهت الوصية إلى مصالحهم. وأما الوصية للبيع، والكنائس، فباطلة، لأنها مجمع معاصيهم. وكذلك الوصية بكتب التوراة والإنجيل، لتبديلها وتغييرها. وسواء كان الموصي مسلمًا أو كافرًا، وأجازها أبو حنيفة من الكافر دون المسلم، كما أجاز وصيته بالخمر والخنزير. وهذا فاسد لقوله تعالى: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
وأما الفصل الثالث: من الموصي به.
فهو كل ما جاز الانتفاع به من مال ومنفعة، جازت الوصية به، وسواء كان المال عينًا، أو دينًا حاضرًا، أو غائبًا، معلومًا، أو مجهولًا، مشاعًا أو مفرزًا. ولا تجوز الوصية بما لا يجوز الانتفاع به. من عين أو منفعة كالخمر والخنزير والكلب غير المعلم. وهو مقدر بالثلث، وليس للموصي الزيادة عليه لقوله ﷺ لسعد: «الثلث، والثلث كثير» وأولى الأمرين به أن يعتبر حال ورثته، فإن كانوا فقراء، كان النقصان من الثلث أولى من استيعاب الثلث، وقد روي عن علي ﵇ أنه قال: «لأن أوصي بالسدس أحب إلى من أن أوصي بالربع، والربع أحب إلى من الثلث وإن كان ورثته أغنياء، وكان في ماله سعة، فاستيفاء الثلث أولى به».
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «الثلث وسط، لا بخس فيه ولا شطط». ولو استوعب الثلث من قليل المال وكثيره، مع فقر الورثة، وغناهم، وصغرهم، وكبرهم، كانت وصية ممضاة به.
وأما الزيادة على الثلث: فهو ممنوع منها في قليل المال وكثيره؛ لأن النبي ﷺ منع سعدًا من الزيادة عليه وقال: «الثلث، والثلث كثير». فإن وصي بأكثر من الثلث أو بجميع ماله، نظر:
فإن كان له وارث: كانت الوصية موقوفة على إجازته ورده فإن ردها رجعت الوصية إلى الثلث. وإن أجازها صحت، ثم فيها قولان.
أحدهما: أن إجازة الورثة ابتداء: عطية منهم، لا تتم إلا بالقبض، وله الرجوع فيها ما لم يقبض. وإن مات قبل القبض بطلت كالهبة.
стр. 3707
والقول الثاني: إجازة الورثة إمضاء لفعل الموصي، فلا تفتقر إلى قبض، وتتم بإجازة الوارث، وقبول الموصي له، ليس الرجوع بعد الإجازة، ولا تبطل الوصية بموته بعد إجازته، وقبل إقباضه.
فصل: وإن لم يكن للميت وارث، فأوصي بجميع ماله: ردت الوصية إلى الثلث والباقي لبيت المال وقال أبو حنيفة: وصيته إذا لم يكن له وارث نافذة في جميع ماله، لأن النبي ﷺ لما منع سعدًا من الزيادة على الثلث قال: «لأن تدع ورثته أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» فجعل المنع من الزيادة حقًا للورثة، فإذا لم يكن له وارث سقط المنع. وبما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «من لا وارث له وضع ماله حيث شاء» ولأن من جازت له الصدقة بجميع ماله، جازت وصيته بجميع ماله.
ودليلنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى أعطاها عند وفاتكم ثلث أموالكم، وزيادة في أعمالكم»، ولأن الأنصاري أعتقد ستة مملوكين له، لا مال له غيرهم، فجزأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق أربعة» ولم يكن له وارث ولأنه لو كان له وارث، لوقف على إجازته، ولأن مال من لا وارث له يصير إلى بيت المال إرثًا لأمرين:
أحدهما: أنه تخلف الورثة في استحقاق ماله.
والثاني: أنه يعقل عنه كورثته. فلما ردت وصيته مع الوارث إلى الثلث ردت إلى الثلث مع بيت المال، لأنه وارث، وقد تحرر منه قياسان:
أحدهما: أن كل جهة استحقت التركة بالوفاة، منعت من الوصية بجميع المال كالورثة.
والثاني: أن ما منع من الوصايا مع الورثة. منع منها مع بيت المال، كالديون فأما الجواب عن قوله ﷺ : «لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة».
فهو أنه لم يجعل ذلك تعليلًا، لرد الزيادة على الثلث، ولو كان ذلك تعليلًا لجازت الزيادة على الثلث مع غناهم، إذا لم يصيروا عالة يتكففون الناس، وإنما قال صلة الكلام وتنبيهًا على الخط.
وأما قول ابن مسعود: يضع ماله حيث يشاء، فما له الثلث وحده. وله وضعه حيث شاء.
وأما الصدقة فهي كالوصية، إن كانت في الصحة أمضيت، مع وجود الوارث، وعدمه، وإن كانت في المرض ردت إلى الثلث مع وجود الوارث وعدمه.
стр. 3708
فصل: وتجوز الوصية بثلث ماله وإن لم يعلم قدره. واختلف أصحابنا هل يراعي ثلث ماله وقت الوصية أو عند الوفاة؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول مالك، وأكثر البغداديين، أنه يراعي ثلثه وقت الوصية ولا يدخل فيه ما حدث بعده من زيادة، لأنها عقد والعقود لا يعتبر بها ما بعد.
والوجه الثاني: وهو قول أبي حنيفة وأكثر البصريين أن يراعي ثلث ماله وقت الموت، ويدخل فيه ما حدث قبله من زيادة، لأن الوصايا تملك بالموت فاعتبر بها وقت ملكها. فعلي هذين الوجهين: إن وصي بثلث ماله ولا مال له ثم أفاد مالًا قبل الموت، فعلي الوجه الأول تكون الوصية باطلة اعتبارًا بحال الوصية. وعلى الوجه الثاني تكون الوصية صحيحة اعتبارًا بحال الموت. وعلى هذين الوجهين: لو وصي بعبد من عبيده، وهو لا يملك عبدًا، ثم ملك قبل الموت عبدًا صحت الوصية إن اعتبر بها حال الموت، وبطلت، إن اعتبر بها حال القول. وعلى هذين الوجهين: لو وصي بثلث ماله، وله مال، فهلك ماله، وأفاد غيره، صحت الوصية في المال المستفاد إن اعتبر بها حال الوصية.
وأما الفصل الرابع: في الموصي إليه، فقد أفرد الشافعي للأوصياء بابًا استوفى فيه أحكامهم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «فيما يروي عن رسول الله ﷺ من قوله: «ما حق امرئ مسلم» يحتمل ما الحزم لامرئ مسلم «يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» ويحتمل ما المعروف في الأخلاق إلا هذا لا من جهة الفرض. قال: فإذا أوصي الرجل بمثل نصيب ابنه ولا ابن له غيره فله النصف فإن لم يجز الابن فله الثلث».
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا كان للموصي ابن واحد، فوصي لرجل بمثل نصيب ابنه كانت وصيته بالنصف، وهو قول أبي حنيفة، وصاحبه فإن أجازها الابن، وإلا ردت إلى الثلث.
وقال مالك: وهي وصية بجميع المال. وهو قول زفر من الهذليين، وداود بن علي استدلالًا بأن نصيب ابنه إذا لم يكن له غيره، أخذ جميع المال فاقتضي أن تكون الوصية بمثل نصيبه وصية بجميع المال، ولأنه لما كان لو أوصي له بمثل ما كان نصيب ابنه كان ةصيى بجميع ماله إجماعًا. وجب له أوصي له بمثل نصيب ابنه أن يكون وصية بجميع المال حجاجًا. وهذا فاسد من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن نصيب الابن أصل، والوصية بمثله فرع، فلم يجز أن يكون الفرع رافعًا لحكم الأصل.
والثاني: أنه لو جعلنا الوصية بجميع المال لخرج أن يكون للابن نصيب، وإذا لم
стр. 3709
يكن للابن بطلت الوصية التي هي بمثله.
والثالث: أن الوصية بمثل نصيب الابن فوجب التسوية بين الموصي له وبين ابنه فإذا وجب ذلك كانا فيه نصفين وفي إعطائه الكل إبطاله للتسوية بين الموصي له وبين الابن. وأما الجواب عن قولهم: إن نصيب الابن كل المال فهو أن له الكل مع عدم الوصية وأمان مع الوصية فلا يستحق الكل. وأما قوله وصيت لك بمثل ما كان نصيب ابني فيكون وصية بالكل، والفرق بينهما، أنه إذا قال بمثل نصيب ابني فقد جعل له مع الوصية نصيبًا، فكذلك كانت بالكل.
فصل: فعلى هذا لو قال: قد وصيت له بنصيب ابني، فالذي عليه جمهور أصحابنا أن الوصية باطلة، وهو قول أبي حنيفة، لأنها وصية بما لا يملك، لأن نصيب الابن ملكه، لا ملك أبيه.
وقال بعض أصحابنا: الوصية جائزة: وهو قول مالك ويجري بها مجري قوله بمثل نصيب ابني ولا ابن له فيجعلها وصية بالنصف وعند مالك بالكل ولو أوصى بمثل نصيب ابنه، ولا ابن له، كانت الوصية باطلة. وكذلك لو كان ابن قاتل أو كافر، لأنه لا نصيب له، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو قال بمثل نصيب أحد ولدي فله مع الاثنين الثلث ومع الثلاثة الربع حتى يكون كأحدهم».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أوصي وله أولاد ذكور لرجل بمثل نصيب أحدهم فللموصي له مع الاثنين الثلث، لأنه يصير كابن ثالث، ومع الثلاثة الربع؛ لأنه يصير كابن رابع، ومع الأربعة الخمس؛ لأنه يصير كابن خامس، ومع الخمسة السدس، ويصير كابن سادس. ثم كذلك ما زار ليصير كأحدهم، ولا يفضل عليهم. وعلى قول مالك يكون له مع الاثنين النصف ومع الثلاثة الثلث، ومع الأربعة الربع. وقد ذكرنا وجه فساده، مع ما فيه من تفصيل الموصي له على ابنه وهو إنما أوصي له بمثل نصيب أحدهم.
فصل: فلو كان له ثلاثة بنين، فأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، والآخر بما بقي من ثلثه، زدت على عدد الفريضة مثل نصفها، وهي ثلاثة أسهم ليصح لك ثلثها، لأن كل عدد زدت عليه مثل نصفه خرج ثلثه، فإذا زدت على الثلاثة مثل نصفها، صارت أربعًا ونصفًا فليبسطها من جنس الكسر أيضًا فليخرج كسرها تكن تسعة، الثلثان منها ستة بين البنين الثلاثة لكل واحد منهم سهمان. والثلاث ثلاثة أسهم، للموصي له بمثل نصيب أحد بنية سهمان، ويبقي سهم يكون للموصي له بباقي الثلث. ولو ترك أربعة بنين وأوصى
стр. 3710
لرجل بمثل نصيب أحدهم، والآخر بما بقي من ثلثه، ردت على الأربعة مثل نصفها، تكن ستة، الثلثان منها أربعة بين البنين الأربعة لكل واحد منهم سهم، والثلث سهمان للموصي له بمثل أحدهم سهم، وللوصي له بباقي الثلث سهم.
فصل: ولو ترك خمسة بنين، وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بما بقي من خمسة، زدت على الخمسة التي هي عدد فريضة البنين مثل ربعها ليصح خمسها؛ لأن كل عدد زدت عليه مثل ربعه كانت الزيادة خمس ما اجتمع من العددين. فعلي هذا: إذا زدت على الخمسة مثل ربعها كانت ستة وربعًا، فأبسطها من جنس الكسر أرباعها تكن خمسة وعشرين، أربعة أخماسها عشرون بين البنين الخمسة لكل واحد منهم أربعة، والخمس خمسة منها للموصي له بمثل نصيب أحدهم، أربعة وللموصي له بباقي الخمس سهم. ولو ترك ستة بنين، وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، والآخر بما بقي من ربعه، زدت على الستة مثل ثلثها، وهو اثنان، تكن ثمانية، ثم أخذت ثلاثة أرباعها وهو ستة فجعلته للبنين الستة، لكل واحد منهم سهم، وربعها وهو سهمان جعلت منه للموصي به بمثل نصيب أحدهم سهمًا وللموصي له بباقي الربع سهمًا على هذا.
فصل: ولو ترك ثلاثة بنين، وأوصي بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بربع ماله وأجاز الورثة ذلك فخذ مالًا له ربع، وهو أربع فاعزل ربعه وهو واحد، ثم أقسم الثلاثة الباقية على أربعة، تكن حصة كل واحد ثلاثة أرباع، فأبسطها من جنس الكسر أرباعًا تكن ستة عشر، للموصي له بالربع أربعة تبقي اثني عشر على أربعة لكل ابن ثلاثة، وللموصي له ثلاثة ثم على هذا القياس.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو كان ولده رجالًا ونساءً أعطيته نصيب امرأة ولو كانت له ابنة وابنة ابن أعطيته سدسًا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان ولد الموصي عددًا من رجال ونساء. فإن كان ولده، رجالًا ونساء كما لو ترك ابنين، وبنتين، ثم وصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، فإن وصي له بمثل نصيب الابن: كان له الربع، وكأنه ابن ثالث مع ابنين، فإن وصي له بمثل نصيب البنت كان له السبع، وكأنه بنت ثالثة مع ابنين، وإن أطلق له الوصية بمثل نصيب أحدهم ولم يذكر ابنًا، ولا بنتًا، أعطيته مثل نصيب البنت، لأنه اليقين ولا يعطه مثل نصيب الزوجة وإن كانت أقل ورثته نصيبًا؛ لأنه قال: مثل نصيب إحدى ولدي، وليست الزوجة من ولده، ولكن لو قال مثل نصيب إحدى ورثتي أعطيته مثل نصيب الزوجة، إذا كانت أقل ورثته نصيبًا كما لو ترك زوحة، وابنين وبنتًا، أصلها من ثمانية: للزوجة منها الثمن سهم واحد وللموصي له مثله، فتصير التركة بينهم على تسعة أسهم،
стр. 3711
للموصى له سهم، وللزوجة ثمن الباقي سهم وما بقي بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين. وتصح من تسعة وعشرين.
ولو ترك: بنتًا، وبنت ابن، وأخًا، ووصي لرجل بمثل نصيب أحدهم: كان له مثل نصيب بنت الابن، لأن الأقل، وهو السدس، فنصفه إلى فريضة الورثة، وهي ستة، تصير سبعة أسهم، يعطي للموصي له منها سهمًا، وللبنت ثلاثة أسهم، وبنت الابن سهمًا، وللأخ ما بقي وهو سهمان.
فلو ترك ثلاث زوجات، وابنًا، وبنتًا، ووصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ففريضة الورثة من أربعة وعشرين سهمًا، للزوجات منها الثمن ثلاثة أسهم، وهو الأقل، فيجعل للموصي له مثل نصيب إحداهن، وهو سهم واحد، فضمه إلى الفريضة، وهو أربعة وعشرين، تصير خمسة وعشرين فتقسم التركة بين الموصي له وبين الورثة، على خمسة وعشرين سهمًا، للموصي له منها سهم واحد.
فلو ترك بنتًا، وخمس بنات ابنًا، وعمًا، صحت فريضة الورثة من ثلاثين سهمًا، لبنات الابن منها السدس خمسة أسهم، لكل واحدة منهم سهم، فلو وصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، أعطيته مثل نصيب واحدة من بنات الابن، وهو سهم؛ لأنه الأقل، وضممته إلى فريضة الورثة وهي ثلاثون تصير إحدى وثلاثين سهمًا، فتقسم التركة بين الموصي له، وبين الورثة على أحد وثلاثين سهمًا، منها للموصي له سهم، ليدخل نقص العول بسهم الوصية لعى جماعتهم، ثم على هذا القياس.
فصل: ولو ترك ثلاثة بنين، ووصي لرجل بمثل نصيب ابن رابع، لو كان فللموصي له الخمس؛؟ لأن له مع الأربعة الخمس، وتكون الأربعة أخماس بين البنين الثلاثة، وهي غير منقسمة، فتضرب ثلاثة في خمسة تكن خمسة عشر.
للموصي له بالخمس ثلاثة أسهم، ويبقي اثني عشر سهمًا بين البنين الثلاثة لكل ابن أربعة.
ولو ترك ثلاثة بنين، ووصي لرجل بمثل نصيب ابن خامس لو كان، وبنت لو كانت: كان للموصي له، ثلاثة أسهم من أربعة عشر سهمًا، وذلك سهم ابن وبنت من جملة ستة بنين وبنتين، ويبقي أحد عشر سهمًا، تقسم بين البنين الثلاث، على ثلاثة، فاضرب ثلاثة في أربعة عشر تكن اثنين وأربعين سهمًا، للموصي له تسعة أسهم، ويبقي ثلاثة وثلاثون سهمًا، لكل ابن أحد عشر سهمًا.
فصل آخر: فإذا ترك ثلاثة بنين، وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بثلث ما يبقي من ثلثه. فوجه عملها بحساب الباب: أن تأخذ عدد البنين، وهو ثلاثة وتضم إليه نصيب أحدهم وهو واحد تصير أربعة، وتضرب به في مخرج الثلث وهو ثلاثة. تكن اثني عشر، ثم تلقي منه المثل، وهو واحد، يبقي أحد عشر، وهو ثلث المال، ثم تعرف قدر النصيب، بأن تضرب مخرج الثلث وهو ثلاثة، تكن تسعة، ثم تلقي منها المثل، وهو
стр. 3712
واحد يبقى ثمانية، فهو نصيب، فيأخذه الموصي له بمثل نصيب أحدهم، ويبقي من الثلث ثلاثة فيدفع ثلثها، وهو واحد، إلى الموصي له بثلث، الباقي من الثلث، ويبقي من الثلث سهمان، تضمها إلى الثلثين وهو اثنان وعشرون تصير أربعة وعشرين تقسم بين البنين الثلاثة فيكون لكل واحد ثمانية مثل ما أخذه الموصي له بمثل نصيب أحدهم، وتصح من ثلاثة وثلاثين سهمًا.
فصل آخر: فإذا ترك ثلاثة بنين، وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث ما بقي من الثلاث فوجه عملها بالباب، أن تأخذ عدد البنين وهو ثلاثة، وتضم إليه نصيب أحدهم، تكن أربعة ثم اضربها في مخرج الثلث ثلاثة، تكن اثني عشر، تزيد عليها واحدًا، كما نقصت من الفصل الأول واحدًا تصير ثلاثة عشر وهو ثلث المال، ثم تعرف قدر النصيب، بأن تضرب مخرج الثلث في مثله تكن تسعة، وتزيد عليها واحدًا كما نقصت في الفصل الأول واحدًا تكن عشرة، وهو النصيب، فتنقص منه ثلث الثلاث، وهو واحدي بقي تسعة، وهي سهام الموصي له، ثم تضم الباقي من الثلث، وهو أربعة إلى ثلثي المال، وهو ستة وعشرون تكن ثلاثين، تقسم بين البنين الثلاثة، لكل ابن عشرة، وتصح من تسعة وثلاثين.
فصل: وإذا ترك خمسة بنين وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بثلث ما بقي من ثلثه، وأوصي لأحد بنيه، أنه لا يدخل عليه ضيم فيما أوصي به ولا نقصان وأن يوفر عليه نصيبه، وهو الخمس فذلك موقوف على الإجازة من الورثة، وغن كان خارجًا من الثلث، لأن تفضيل أحد الورثة على الباقين وصية لوارث. وإذا كان كذلك وأجاز الوصية الورثة فوجه عملها بالباب أن تجعل الابن الذي وصي أن لا يدخل عليه ضيم، كالموصي له بالخمس، فتصير المسألة كأنه ترك أربعة بنين، وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بثلث ما يبقي من ثلثه، ولآخر بخمس ماله فتأخذ عددًا تجمع مخرج الجميع من الوصايا وهو الخمس وثلث الباقي، وذلك خمسة وأربعون، مضروب خمسة في تسعة، فاضربها في مخرج الوصايا وهو خمسة وأربعون تكن مائة وثمانين، ثم انظر سهم الموصي له بمثل نصيب أحدهم وهو واحدًا، فاضربه في مخرج الوصايا تكن خمسة وأربعين، وانقص منه ثلثه وهو خمسة عشر، لأنه أوصي بثلث ما يبقي بعده ويبقي ثلاثون فزدها على مائة والثمانين تكن مائتين وعشرة، وهي سهام جميع المال.
فإذا أردت معرفة سهام النصيب، فانقص من مخرج الوصايا بثلث ثلثه وهو خمسة، وانقص منه خمس جميعه، وهو تسعة، يبقي منه بعد النقصانين أحد وثلاثون وهو نصيب كل ابن. فإذا أردت القسم فخذ ثلث المال، وهو سبعون فاعط منه الموصي له بمثل نصيب أحدهم، إحدى وثلاثين، يبقي من الثلث تسعة وثلاثون أعط منها الموصي له بثلث الباقي له من الثلث ثلثها، وهو ثلاثة عشرة واضمم الباقي، وهو ستة وعشرون إلى ثلثي
стр. 3713
المال، وهو مائة وأربعون تصير مائة، وستة وستون، فاعط منها الابن الذي وصي له بأن لا يدخل عليه ضيم، خمس جميع المال الذي هو مائتان وعشرة يكن اثنين وأربعين وهو سهمين، ويبقي مائة وأربعة وعشرون تقسم بين البنين الأربعة، يكن لكل ابن أحد وثلاثون، وهو مثل ما أخذه الموصي له بمثل نصيب أحدهم. ثم على هذا القياس.
فصل: وإذا ترك الرجل زوجة، وابنًا، وبنتًا، وأوصي لرجل بتكملة الثلث بنصيب الزوجة.
فوجه عملها بحساب الباب: أن تصحح الفريضة، وتسقط منها سهم ذوي التكملة ثم تزد على الباقي مثل نصفه، وتقسم سهام الفريضة بين أهلها فما بقي بعدها فهو للموصي له، فإذا صححت فريضة الزوجة والابن والبنت، كانت من أربعة وعشرين، فإذا ألغيت منها سهام الزوجة، وهي ثلاثة كان الباقي أحدًا وعشرين، فإذا زدت عليها مثل نصفها لم يسلم فأضعف الأحد والعشرين يكن اثنين وأربعين فزد عليها مثل نصفها وهو أحد وعشرون تصير مائة وستين، ومنها تصح سهام الفريضة مع الوصية للزوجة منها ستة، وللابن ثمانية وعشرون، للبنت أربعة عشر، وللموصي له بتكملة الثلث بنصيب الزوجة خمسة عشر. وإذا ضممت إليها سهام الزوجة، وهي ستة، صار أحدًا وعشرين، وذلك ثلث جميع المال. فلو كانت المسألة بحالها وأوصي لرجل بتكملة الثلث بنصيب البنت أسقطتها من سهام الفريضة وهي سبعة من أربعة وعشرين، يكن الباقي سبعة عشر، ثم زدت عليها مثل نصفها، وذلك غير سليم فأضعفه، ليسلم يكن أربعة وثلاثين، ونصفه سبعة عشر تكن إحدى وخمسين، ومنها تصح سهام الفريضة مع الوصية. منها للزوجة ستة، وللابن ثمانية وعشرون وللبنت أربعة عشر، وللموصي له بتكملة الثلث بنصيب البنت ثلاثة أسهم؛ لأنك إذا ضممتها إلى سهام البنت صارت سبعة عشر، وذلك ثلث جميع المال. ولو أوصي له بتكملة الثلث بنصيب الابن كانت الوصية باطلة، لأن سهام الابن أكثر من الثلث.
مسألة:
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال مثل نصيب أحد ورثتي أعطيته مثل أقلهم نصيبًا».
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن الوصايا لا يستحق فيها إلا اليقين، والأقل يقين، والزيادة عليه شك، فإن كان سهم الزوجة أقل، أعطيته مثل سهام الزوجة، وإن كان نصيب غيرها أقل من البنات، أو بنات الابن، أعطيته مثله. واعتبار ذلك باعتبار سهام كل واحد من الورثة من أصل فريضتهم، فتجعل للموصي له مثل سهام أقلهم، وتضمه إلى أصل الفريضة، ثم تقسم المال بين الموصي له والورثة على ما اجتمع معك من العددين، وقد بيناه.
стр. 3714
ولو وصى بمثل نصيب أكثرهم نصيبًا، اعتبرته، وزدته على سهام الفريضة ثم قسمت ما اجتمع من العددين على ما وصفنا. فعلي هذا: لو اختلف الورثة فقال بعضهم، أراد مثل أقلنا نصيبًا، وقال بعضهم: بل أراد مثل أكثرنا نصيبًا، أعطيته من نصيب كل واحد من الفريقين حصته مما اعترف به. ومثاله: أن يكون الوراثة ابنين، وبنتين، فيقول الابنان: وصي لك بمثل نصيب ذكر، وتقول البنتان: وصي لك بمثل نصيب أنثي.
فوجه العمل أن يقال: لو أراد ذكرًا لكان المال مقسومًا، على ثمانية أسهم فريضة ثلاثة بنين، وبنتين، فيكون لكل ابن سهمان، ولكل بنت سهم، وللموصي له بمثل نصيب الذكر سهمان، وإن أراد أنثي كان المال مقسومًا على سبعة أسهم، فريضة ذكرين وثلاث بنات فيكون لكل ابن سهمان، ولكل بنت سهم، وللموصي له بمثل نصيب أنثي سهم. فاضرب سبعة في ثمانية، تكن ستة وخمسين. للبنتين سبعاها: ستة عشر سهمًا، وللموصي له على أن له مثل نصيب أنثي: السبع ثمانية أسهم وعلى أن له مثل نصيب ذكر الربع، أربعة عشر سهمًا، فيكون له اثني عشر وللابنين لو لم يعترفا له بمثل نصيب ذكر أربعة أسباع المال اثنان وثلاثون سهمًا، ولهما عند اعترافهما له بنصيب ذكر أربعة أثمان المال، ثمانية وعشرون سهمًا.
فيرد الابنان ما بين نصيبهما، وهو أربعة أسهم على الموصي له ليأخذه مع ما حصل له من الأسهم الثمانية، فيصير له اثني عشر سهمًا، وللبنتين ستة عشر سهمًا، وللابنين ثمانية وعشرون سهمًا ويرجع بالاختصار إلى نصفها، ثم على هذا القياس.
فصل: ولو ترك ابنًا، وبنتًا، وأوصي لرجل بمثل نصيب الابن، ولآخر بمثل نصيب البنت فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يوصي بمثل نصيب البنت قبل دخول الوصية عليها.
والثاني: أن يكون بعد دخول الوصية عليها، فعلي هذا يكون للموصي له بمثل نصيب الابن ربع المال، وللموصي له بمثل نصيب البنت قبل دخول الوصية عليها خمس المال، فتصير الوصيتان بخمس المال وربعه، فتوقف على إجازتهما.
والضرب الثاني: أن يريد بمثل نصيب البنت بعد دخول الوصية عليها، فعلي هذا يكون للموصي له بمثل نصيب الابن خمس المال وللموصي له بمثل نصيب البنت سدس المال فتصير الوصيتان بخمس المال وسدسه، فتوقف على إجازتهما ولو ابتدئ فوصي لرجل بمثل نصيب البنت، ولآخر بمثل نصيب الابن، فإن أراد قبول دخول الوصية عليه كان له خمسا المال وإن أراد بعد دخول الوصية، كان له ثلث المال ... ثم على هذا القياس.
فصل: ولو ترك بنتًا، وأختًا، وأوصي لرجل بمثل نصيب البنت فقد اختلف أصحابنا في قدر ما يستحقه الموصي له على وجهين:
أحدهما: له الربع نصف حصة البنت، لأنه لما تستحق مع الابن الواحد إذا أوصى
стр. 3715
له بمثل نصيبه النصف، لأنه نصف نصيب الابن، وجب أن يستحق مع البنت الواحدة النصف من النصف، لأنه نصف نصيبها.
والوجه الثاني: وهو أصح له الثلث، لأنه يصير مع البنت الواحدة، كبنت ثانية، كما يصير مع الابن الواحد كابن ثان وللواحدة من البنتين الثلث وكذلك للموصي له بمثل نصيب البنت الواحدة الثلث. وعلى هذا: لو أوصي بمثل نصيب أخت مع عم، كان فيما يستحقه بالوصية وجهان: وهكذا: لو لم يرث مع البنت والأخت غيرها، لأن لكل واحدة منهما لو انفردت النصف، والباقي لبيت المال. فعلي هذا: لو وصي بمثل نصيب أخ لأم، فله في أحد الوجهين نصف السدس، وفي الآخر السدس والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال ضعف ما يصيب أحد ولدي أعطيته مثله مرتين. وإن قال: ضعفين، فإن كان نصيبه مائة أعطيته ثلثمائة فكنت قد أضعفت المائة التي تصيبه بمنزلة مرةٍ بعد مرةٍ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا وصي لرجل بمثل ضعف نصيب أحد أولاده، كان الضعف مثل أحد النصيبين. فإن كان نصيب الابن مائة كان للموصي له بالضعف مائتين، وبه قال جمهور الفقهاء وبه قال الفراء، وأكثر أهل اللغة.
وقال مالك: الضعف مثل واحد، فسوي بين المثل والضعف. وبه قال من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثني استدلالًا بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣ -] فلما أراد بالضعفين مثلين، علم أن الضعف الواحد مثل واحد. واستدلوا على أن المراد بضعفي العذاب مثليه بأنه لا يجوز أن يعاقب على السيئة بأكثر مما يجوز على الحسنة.
وقال الله تعالى في نساء النبي: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] فعلم أن ما جعله من ضعف العذاب على السيئة مرتين، فدل على أن الضعف والمثل واحد والدليل على أن الضعف مثلان هو اختلاف الأسماء توجب اختلاف المسمي إلا ما خص بدليل، ولأن الضعف أعم في اللغة من المثل، فلم يجز أن يسوي بينه وبين المثل. ولأن انشقاق الضعف من المضاعفة، والتنبيه من قولهم أضعف الثوب إذا طويته بطاقتين ونرجس مضاعف: إذا كان موضع كل طاقة، طاقتين ومكان كل ورقة، ورقتين فاقتضي أن يكون الضعف مثلين. وقد روي أن عمر ﵁ أضعف الصدقة على نصاري بني تغلب، أي أخذ مكان الصدقة صدقتين، ويدل عليه قول الشاعر عبد الله بن عامر:
وأضعف عبد الله إذا كان حظه على حظ لهفان من الخرص فاغر
следующие страницы →