← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

الزيادة لأنها وصية بمال لا يملك ولا يمكن أن يوضع إلا ما عليه [١٥٩/ ب]. مسألة: قال: «ولو قال: ضعوا عنه ما شاء». الفصل نقل المزني: أنه لا يجوز أن يشاء جميع ما عليه بل يحتاج أن يبقي منه جزءًا، وإن قل، ونقل الربيع عن «الأم»: أنه إذا قال: ضعوا عنه من كتابته ما شاء فشاء كلها لم يوضع عنه حتى يبقي منها شيئًا، فقيد بقوله من كتابته، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: الصحيح ما نقله الربيع، وإنما يوضع البعض إذا قال: ضعوا عنه من كتابته شيئًا لأن «من» تقتضي التبعيض، فأما ما نقله المزني، وهو إذا قال: ضعوا عن مكاتبي ما شاء، فإذا شاء الكل وضع عنه لأنه علق ذلك بمشيئته مطلقًا، وقال أبو إسحاق: الكلامان معًا صحيحان، أما ما نقله الربيع فصحيح على ما ذكرنا، وأما ما نقله المزني فله وجه صحيح، وذلك لأنه لو أراد وضع جميع مال الكتابة لقال: ضعوا عنه جميع مال الكتابة فلما قال: ضعوا عنه ما شاء كان معناه ما شاء من كتابته فحمل على ذلك، وقيل: معناه في التقدير: ضعوا عنه ما شاء مما عليه، أو من مال الكتابة، فإن لا يصح إلا هكذا فكأن كلمة «من» مضمرة فيه، وهكذا قال القاضي الطبري، وقال صاحب «الإفصاح» إذا قال: من مال كتابته فهو كما قال في «الأم»: وإذا لم يقل ذلك، وأطلق كما نقل المزني: فيه وجهان، وقال القفال: غلط المزني وترك كلمة «من» ولا بد من ذلك ليصح ما ذكر من الجواب. فرع قال في «الأم»: ولو قال: ضعوا عنمكاتبي بعض كتابته أو بعض ما عليه وضعوا عنه ما شؤوا من كتابته، وإن قل وإذا وضعوا قدرًا، وإن كثر [١٦٠/ أ] يكون ذلك بوصيته ولا يقال: الزيادة على الواجب تبرع من جهة الوارث لأن لفظ الموصي يحتمل ذلك ولهم أن يضعوا ذلك عنه من آخر نجومه، أو أولها كما يوصي لرجل بدين عليه من دين حال، أو بأجل وضعوا عنه إن شاء من الحال وإن شاء من المؤجل. فرع آخر ولو قال: ضعوا عنه نجمًا من نجومه، أو بعض نجومه لم يكن لهم أن يضعوا عنه نجمًا، ولهم أن يضعوا عنه أي نجم شاؤوا. فرع آخر قال: ولو قال: ضعوا عنه ما يخف من كتابته، أو ضعوا عنه ما يثقل عليه من كتابته، أو ضعوا عنه جزءًا من كتابته، أو ضعوا عنه كثيرًا من كتابته، أو قليلًا من كتابته، أو ذا بالٍ من كتابته، أو غير ذي بالٍ كان إليهم أن يضعوا عنه ما شاؤوا لأن

стр. 4097

القليل يخفف عنه من كتابته، ويثقل عليه مع غيره في كتابته ويكون كثيرًا وقليلًا. فرع آخر قال: ولو أوصي له بنجم من كتابته وكانت نجومه مختلفة كان ذلك إلى الورثة يعطونه أي نجم شاؤوا متقدمًا، أو متأخرًا أقل النجوم مالًا أو أكثرها، ولو قال: ضعوا عنه أكبر نجومه أو أكثر نجومه وضع عنه أكثرها مقدارًا لأن الأكبر لا يعبر عنه عن طول الأجل لأنه لا يقال: أجل كبير وصغير، وإنما يقال: أجل طويل وقصير. فرع آخر قال: ولو قال: ضعوا عنه أوسط نجومه، فإن كانت ثلاثة وكانت متفقة الآجال والمقدار وضع الثاني، وإن كانت أربعة كانوا بالخيار بين أن يضعوا الثاني أو الثالث لأن له أوسطين، وإن كانت خمسة وضعوا الثالث، وإن كانت مختلفة في [١٦٠/ ب] الآجال والمقدار مثل أن يكون أحدهما مائة والآخر مائتين والآخر ثلاثمائة ويكون أحدها إلى شهر والآخر إلى شهرين والآخر إلى ثلاثة أشهر، كانوا بالخيار بين أن يضعوا الأوسط من الآجال والمقدار والعدد. فرع آخر لو قال المكاتب: أراد السيد في المقدار، وقال الورثة بل أراد في العدد، فالقول قول الورثة أنهم لا يعلمون ما أراد والخيار إليهم وعليهم اليمين، وهكذا الحكم إذا قال: ضعوا عنه نجمًا من أوسط نجومه ولا فرق بين العبارتين. فرع آخر قال: ولو قال لمكاتبه: إذا عجزت بعد موتي فأنت حر عتق بعجزه بعد الموت لأنه لا يمتنع أن يكون الموت صفة في وقوع العتق كالتدبير، قال أصحابنا: ويصح مثله في قول السيد لعبده: إذا دخلت بعد موتي الدار فأنت حر أن يعتق بموت السيد بدخولها لأن الصفة المطلقة تقتضي حال الحياة، وإذا قيدها بما بعد الموت تعلقت به، وقال صاحب «الحاوي»: وفي هذا نظر عندي، وفرق بينه وبين مسألة المكاتب لأن العبد موروث فجاز أن يعتق المكاتب بالعجز لبقائه على حكم ملك السيد، ولم يعتق العبد بدخول الدار لخروجه عن ملك السيد. فرع آخر قال: لو ادعي العجز في هذه المسألة فإن كان قبل حلول النجم لم يعتق لأن العجز وقت الاستحقاق، وإن ادعي بعد حلول النجم أنه عاجز اعتبر ما بيده فإن كان معه مال النجم لم يعتق لأنه ليس بعاجز وإن جاز أن يعجز نفسه لأنه على عتقه بالعجز لا

стр. 4098

بالتعجيز، وإن لم يكن بيده مال، فالظاهر عجزه، [١٦١/ أ] فيكون القول قوله مع يمينه في التعجيز إن كذبته الورثة لأنه أمر يتعلق به، فالمرجع إليه، فإذا حلف عتق ولو عجز عن آخر النجوم، وقدر على الأول، والثاني: كان عجزًا يعتق به. فرع آخر لو كاتب عبدًا غائبًا وعبدًا حاضرًا فقبل الحاضر لنفسه وعن الغائب لم يجز، وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا لا يصح لأنه لم يأذن له الغائب بذلك فلا يصح. فرع آخر لو كاتبه على زقاق خمر فلو عجل دفعها إلى السيد قبل حلول النجم، قال بعض أصحابنا فيه وجهان، وإلا ظهر أنه لا يعتق لأن في الكتابة الفاسدة يعتق بالصفة والصفة عند حلول النجم. فرع آخر لو قال: إن شفي الله مريضي فعبدي مكاتب لا يكون شيئًا إلا أن يقول: كاتب عبدي. فرع آخر لو خلف لا يبيع عبده فكاتبه لا يحنث لأنه لا يسمي بيعًا في العرف وقيل: فيه وجه آخر يحنث لأنه بيع رقبته منه في الحقيقة. فرع آخر إذا كاتب عبده المرهون لا يجوز وكذلك إذا كاتب عبده المؤجر لا يجوز لأن الرهن يقتضي البيع والكتابة تمنع البيع والكتابة تقتضي التمكين من التصرف، والإجارة تمنع ذلك. فرع آخر قال بعض أصحابنا: يجوز كتابة أم الولد والمدبر لأنه عتق بصفة يجوز أن يتقدم الموت فجاز في المدبر وأم الولد بالعتق المعلق بدخول الدار، وقال ابن أبي أحمد في «التخليص»: أم الولد في جميع أحكامه كالأمة إلا في أربع مسائل، لا يجوز بيعها ورهناها وهبتها وكتابتها، ولا يجري فيها الوصايا [١٦١/ ب] أو المواريث، قاله في البيع نصًا وقلته في الباقي تخريجًا، وقال القاضي الطبري: قال في «الأم»: ولا تخالف أم الولد المملوكة في شيء إلا أنه لا يجوز لسيدها بيعها ولا إخراجها من ملكه بشيء غير العتق، وهذا يدل على أنه يجوز له أن يكاتبها، قال: ومن أصحابنا من خرج في جواز كتابتها وجهًا آخر أنه يجوز ولأن الشافعي نص أن المكاتبة إذا حبلت من سيدها لم تبطل الكتابة، وقال الداركي: فيه وجهان، وهذا كله تخليط، والفرق بين استدامة الكتابة وابتدائها أن الاستدامة أقوى من الابتداء، وقد أجمع أصحابنا على أن الإحبال يمنع ابتداء الرهن ولا يمنع من استدامته في أحد القولين، ولا يجوز كتابة أم الولد على ما أِار إليه في «الأم»، وهذا أصح عندي لأن الكتابة اعتياض عن رقبتها، ولا يجوز ذلك كالبيع والمشهور عند أصحابنا بخراسان جواز

стр. 4099

كتابتها وكذلك عند أكثر أصحابنا بالعراق والتحقيق ما ذكرنا والله أعلم. فرع آخر ذكره والدي ﵀ إذا أدي الكاتب المعيب إلى سيده ولم يبق عليه شيء فقبل معرفة السيد بالعيب شهد المكاتب عند الحاكم هل تقبل شهادته؟ يحتمل وجهين، فإذا لم يقبلها وردها فعاد بعد الرضا بالعيب، وأعاد الشهادة هل يقبل هذا المعاد أم لا؟ يحتمل وجهين. فرع آخر إذا قال لعبده: أت حر مثل هذا العبد، وأشار إلى عبد آخر يحتمل أن لا تقع الحرية لأن حرية البدن غير الحرية في المشتبه به، فيعلم أن القصد به حرية الخلق وهذا يشبه ما يقول: إذا قال: أنت أزني من فلان لم يكن قاذفًا [١٦٢/ أ] إلا أن يقول: فلان زان، وأنت أزني منه. فرع آخر لو قال لعبده: أنت حر مثل هذا وأشار إلى عبد، ولم يقل: هذا العبد احتمل أن يعتقا والأصح أنهما لا يعتقان لأن عتق المشبه به لم يثبت حتى يعتق هذا بتمثيله به، وهو قياس ما ذكرنا في القدف سواء. فرع آخر إذا قال: فلان أخي ثم [قال:] أردت به الإخوة من الرضاع يجب أن يقبل لأن اللفظ وإن كان محتملًا فالأظهر من محتمليه هو الإخوة من جهة النسب ولا يقبل قول أحد فيما يخالف ظاهر كلامه، ولهذا لما ذكر الله تعالى المحرمات في القرآن قيد الأمهات والأخوات بالرضاع لما قصد ذكرهن ولم يقيد أمهات النسب وأخواته بذكر النسب، ولهذا نقول: لو قال أردت به الإخوة بالإسلام لم يقبل، وإن كان الله تعالى قد قال: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ويحتمل أن يقبل ذلك عندي لأن الناس يسمونه أخًا مطلقًا في بعض البلاد. فرع آخر إذا أوقع العتق على بعض مملوكه سرى إلى الباقي إذا كان قابلًا للعتق إلا في مسألة ذكرها بعض أصحابنا، وهي: إذا وكل آخر بأني يعتق عبده كله فأعتق الوكيل نصفه، ففي وقوع العتق على النصف وجهان: أحدهما، لا يقع، والثاني، يقع وبه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد. والثاني: لا يعتق إلا النصف ويبقي نصفه لإعتقا المالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قد يستسعي في الباقي، وهذا الوجه ضعيف على أصلنا لأن إعتاق الوكيل عنه كإعتاقه بنفسه فلما امتنع التبعيض هناك كذلك ههنا. فرع آخر إذا قال لآخر: [١٦٢/ ب] أنت تعلم أن العبد الذي في يدي حر حكم بحريته، ولو

стр. 4100

قال: أنت تظن أنه حر لم يحكم بحريته، والفرق أن في الأول لو لم يقل بالحرية أدي إلى أن لا يكون المقول عالم بحريته، والسيد معترف بعلمه بذلك، فأوقعنا الحرية ليتحقق هذا المعني، وفي المسألة الثانية إذا لم يوقع الحرية لم يخرج المقول له من أن يكون ظانًا لجواز أن يظن الإنسان الشيء على خلاف ما هو به ومثل هذا في العلم لا يصح. فرع آخر إذا قال لآخر: أنت ترى أن العبد الذي في يدي حر احتمل أن لا تقع الحرية ويحتمل أن تقع الحرية ويحتمل الرؤية ههنا علم العلم كما قال الشافعي ﵁ إذا قال لامرأته: إن رأيت الهلال فأنت طالق حنث إذا رآه غيره وتحمل الرؤية على العلم. فرع آخر رجل ضرب عبد غيره، فقال صاحب العبد للضارب معاتبًا له على الضرب عبد غيرك حر مثلك هل تقع الحرية بهذا القول؟. قال والدي ﵀: عندي أنه لا تقع الحرية لأنه لم يعين عبده. واللفظ محمول على عبد واحد من عبيد الدنيا كبير عنه مع أنه اعتراف بالحرية وهو مناقض لأنه وصفه بكونه عبدًا حرًا، فهو كما لو قال: عبدي لفلان لا يكون إقرارًا لما فيه من التناقض. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أوصي لعبده بثلث ماله فيه ثلاثة أوجه أحدها: بطلت الوصية، والثاني: تصح بثلث نفسه فقط، والثالث: تصح بجميع ثلثه ويقدم نفسه عليه [١٦٣/ أ]. باب عتق أمهات الأولاد مسألة: قال: وإذا وطئ أمته فولدت ما تبين أنه من خلق الآدميين». الفصل اعلم أنه إذا وطئ أمته فولدت ولدًا منه، فالولد حر لأنها علقت في ملكه وتسري حرمة الحرية إلى الأم، فتصير أم ولدٍ له لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا التصرف فيها بشيء من أنواع التصرفات، ولكن يجوز التصرف في منافعها بالوطئ والاستخدام، فإذا مات السيد عتقت بموته وبه قال عمر وعثمان وعائشة ﵃، وسعيد بن المسيب والحسن ومالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام والليث بن سعد وأهل مصر وأحمد وإسحاق وكافة أهل العلم. وروي عن جابر وعبد الله بن الزبير، وبه قال داود والشيعة يجوز بيع أم الولد، وروي الحجازيون عن علي ﵁ أنه حرم بيعها، وروي العراقيون عنه جوازه، وروي الشيعة عن ابن سيرين عن علي ﵁، أنه قال: اضوا في أمهات

стр. 4101

الأولاد بما كنتم تقضون فإني أكره أن أخالف أصحابي يعني أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ وروي عن عبيدة قال: بعث إلى علي ﵁ وإلى شريح أن اقضوا ما كنتم تقضون في أمهات الأولاد فإني أكره الاختلاف. وروي عن عبيدة السلماني أنه قال: سمعت عليًا ﵁ يخطب، فقال: إن عمر شاورني في أمهات الأولاد فاجتمع رأيي ورأيه أن يعتقن فقضي عمر بذلك، [١٦٣/ ب] ثم ولي عثمان فقضي بذلك حياته ثم وليت فرأيت أن أرقهن، فقال له عبيدة: رأيي عدلين في جماعة أحب إلى من رأي عدل. وفي رواية عن علي ﵁، قال: اجتمع رأيي ورأيي عمر على أن لا تباع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن أن يبعن، فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة فمن أصحابنا من قال: رجع عن ذلك ومنهم من قال: لم يرجع عن ذلك ولكن العصر الثاني: أجمعوا على أنها لا تباع ويرتفع الخلاف السابق في أحد القولين. وروي عبد الله بن قارب الثقفي أنه اشتري رجل جارية بأربعة آلاف كانت قد أسقطت من مولاها سقطًا، فبلغ ذلك عمر ﵁، فأتاه بالدرة ضربًا وقال: بعدما اختلطت لحومكن بلحومهن ودماؤكم بدمائهن بعتموهن وأكلتم أثمانهن لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم أن يأكلوها فباعوها وأكلوا أثمانها، وعن ابن عباس ﵄ روايتان: إحداهما، أنه قال: هي كشاتك أو بعيرك، والثانية، أنه قال: تجعل في سهم الولد وتعتق عليه، وروي عن سلامة بنت مغفل، فقالت: كنت للخباب بن عمرو فمات ولي منه غلام فقالت امرأته: الآن تباعين في دينه فأتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال ﷺ : طمن صاحب تركة الخباب»، فقالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال: «لا تبيعوها وأعتقوها، فإذا سمعتم برقيق قد جاءني فأتوني أعوضكم عنها»، ففعلوا فاختلفوا فيما بينهم بعد رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: بل هي حرة أعتقها رسول الله ﷺ ، ففي ذا كان الاختلاف. وروي فرفع خوات إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله: «لا تباع وأمر بها فأعتقت». وروي عن قتادة أنه قال: إن عمرَ وعُمر يعني عمرَ بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز أعتقا أمهات الأولاد ومن بينهما من الخلفاء. واحتجوا بما روي عن جابر ﵁، قال: كنا نبيع أمهات أولادنا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا إلى أن نهانا عنه عمر ﵁ فانتهينا. وروي عن جابر وأبي سعيد الخدري ﵄ أنهما قالا: كنا نبيع أمهات

стр. 4102

الأولاد على عهد رسول الله ﷺ . ودليلنا أن النبي ﷺ قال عند موته: «ما أخلف دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة»، قالت عائشة ﵂، فمارية، فقال: «تلك أعتقها ولدها». وقال الوليد بن عبد الرحمن عهد النبي ﷺ إلى علي ﵁ أن أم إبراهيم حرة، وروي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ، قال لأم إبراهيم حين ولدت: «أعتقها ولدها». وروي ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة»، وروي: «فهي معتقة من دبر منه»، وروي ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أم الولد لا يبعن ولا يوهبن [١٦٤/ ب] ولا يورثن، ويستمتع بها سيدها ما بدا له فإذا مات فهي حرة». وقال الإمام أحمد البيهقي: هذا رواه ابن عمر عن عمر وغلط من رفعه إلى رسول الله ﷺ ، وروي ابن عباس ﵁، قال: أعتق رسول الله ﷺ أمهات الأولاد، وقال: «لا يبعن في دين، ولا يجعلن في وصية». وأما خبرهن فليس فيه أن النبي ﷺ علم ذلك فأقرهم عليه، ويحتمل أنه نهي عنه بعد ذلك ولم يبلغها النهي ويبلغ عمر ومن تابعه، فأجمعوا على تحريم بيعهن. وقال الإمام أحمد البيهقي أقوى شيء فيه إجماع الخلفاء، أو نحمله على الاستلاد برفع النكاح. ورفع إلى شريح رجل تزوج أمة فولدت له أولادًا ثم اشتراها فرفعهم شريح إلى عبيدة، فقال عبيدة: إنما تعتق أم الولد إذا ولدت أحرارًا، فإذا ولدتهم مملوكين، فإنها لا تعتق وبهذا أجاب الشافعي، وقال: لأن الرق جري على ولدها لغيره. فإذا تقرر هذا نقول: قال الشافعي ﵁: ولا تخالف أم الولد المملوكة في شيء إلا أنها لا تخرج من ملكه في دين ولا غيره. وهي في ثلاثة أحكام كالحرة في البيع والرهو والهبة، وفي الكتابة خلاف ما ذكرنا وهي في ستة أشياء، كالأمة في ملك أكسابها ونفقتها ووطئها وفي العدة وشهادتها والجناية عليها، وتخالف الحرة في جنايتها خطأ فإن أرشها على السيد وفي تزويجها اختلاف على ما ذكرنا في كتاب النكاح. وإذا تقرر هذا ففيه مسائل، أحدها: أن تعلق بولد حر في ملكه فتصير أم ولد بلا

стр. 4103

خلاف [١٦٥/ أ] إلا في مسألة واحدة وهي الراهن إذا أحبل جاريته المرهونة، فإنها لا تصير أم ولده في أحد الأقوال على ما ذكرنا في كتاب الرهن. والثانية: أن تعلق بولد مملوك في غير ملك بأن يتزوج أمة فأحبلها فأتت بولد يكون مملوكًا، فلا يثبت للأم حكم الاستيلاد بحال خلافًا لأبي حنيفة ﵀ إلا في مسألة واحدة، وهي المكاتب يستولد أمته يثبت له حكم الاستيلاد في أحد القولين، وإن كان الولد مملوكًا، والفرق أنه قد ثبت لهذا الولد حكم الحرية، فإنه مكتب على ولده وإن كان مملوكًا في الحال، وفي الولد الحاصل من النكاح لم يثبت حكم الحرية أصلًا، فلا يثبت لأمه حكم الاستيلاد كما لو استولدها بالزنا. والثالثة: أن تعلق بحر في غير ملكه فهل تصير أم ولده فيه قولان ذكرناهما في مواضع. فإذا تقرر هذا ينظر فإن أتت بولدٍ تام الخلقة، إما حيًا وإما ميتًأ تعلق بولادته أربعة أحكام، وهي أن تصير أم ولده وتجب فيه الغرة بالجناية، إن كان حرًا أو عشر قيمة أم إن كان مملوكًا وتجب فيه الكفارة وتنقضي به العدة. وإن أتت بولد ظهر فيه شيء من خلقه الآدمي، إما يد أو رجل أو ظفر ونحو ذلك يتعلق به هذه الأحكام أيضًا، وإن وضعت جسدًا ليس فيه تخليط، وقال القوابل: إن فيه تخليطًا باطنًا تتعلق به هذه الأحكام أيضًا لأن المرجع فيه [١٦٥/ ب] إلى القوابل اللاتي هن أهل المعرفة بذاك وقد شهدت بأنه ولد. وإن وضعت جسدًا ليس فيه تخطيط ظاهر ولا باطن، ولكن قالت القوابل: بل هذا مبدأ خلق الآدمي ولو بقي لتخلق وتصور كانت به أم ولد أيضًا، فإن شككن فيه لم تكن به أم ولد، هذا هو الطريق الصحيح، وهو الذي نص عليه الشافعي، ونقله القاضي أبو حامد ذكره القاضي الطبري، وقال أبو إسحاق: لا تصير بهذا أم ولد قولًا واحدًا، قال أبو حامد وهو ظاهر ما نص ههنا لأنه شرط أن يتبين فيه من خلقه الآدمي، وهذا أصح عندي لأنه لا يسمي ولدًا فلا تصير به أم ولد؟، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، ونص الشافعي في العدة، على أن العدة تنقضي به، وقد شرحنا هذا في الكتاب العدة وذكرنا ما قيل فيه من الطرق. فرع لو نظر إليه من الرجال من له بصيرة وعلم ذلك قبلنا فيه قول رجلين وإنما نص الشافعي على النساء لأن الرجال قلما يعلمون ذلك وليس ذلك تحتم ولكن هو الأولى والعدالة شرط في النساء وفي الرجال الذين رجعنا إلى قولهم. مسألة: قال: «فإذا مات عتقت من رأس المال». إذا مات سيد أم الولد، فإنها تعتق بموته من رأس المال بدليل ما روي أن مارية القبطية

стр. 4104

لما أتت بإبراهيم ابن النبي ﷺ قال ﷺ : [١٦٦/ أ] «أعتقها ولدها» أي أثبت لها حرمة الحرية وحقها ولم يرد به أنها عتقت في الحقيقة، ولا فرق بين أن يحبلها في الصحة أو في المرض لأنها بمنزلة ما يستمتع به من المأكول والطيب واللباس ونحو ذلك ولا فرق بين المديون وغيره لأن الاستيلاد لما تحقق صار كالاستهلاك بخلاف التدبير، ولهذا جاز بيع المدبر دون أم الولد، وقد روي أن عكرمة سئل عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار، قيل له: بأي شيء تقوله، قال: بالقرآن، قالوا: بماذا قال: قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وكان عمر ﵁ من أولى الأمر، قال: أعتقت وإن كان سقطًا وروي عنه أنه قال: «أعتقها ولدها وإن كان سقطًا». مسألة: قال: «وولد أم الوليد بمنزلتها». أم الولد إذا أتت بولد لا يخلو، إما أن تأتي به من سيدها أو من غيره، فإن كان من سيدها، فهو حر لأن الأول أتت به وهي مملوكة، وكان حرًا فهذا الولد الثاني وقد ثبت لها حق الحرية أولى أن يكون حرًا ولا يثبت الولاء على هذا الولد والاعتبار بالأم في رق الولد وحريته إلا في الاستيلاد فإن الولد في الحرية تبع الأب لا تبع الأم، وإن أتت به من غيره، إما من زوج أو من زنا. وقول الشافعي من حلال أراد به من زوج فإنه يثبت له الحرية مثل ما يثبت لها وتعلق عتقه بموت السيد، فلا يجوز له التصرف فيه [١٦٦/ ب] بما لا يجوز في الأم لأن الولد تبع للأم في الرق والحرية وفي سبب الحرية إذا كان مستقرًا، ثم ينظر فإن مات السيد عتقت الأم والولد بموته، وإن ماتت الأم قبل موت السيد، فقد بطل حكم الحرية فيها، وبقي ذلك الحكم في الولد، فإذا مات السيد عتق بموته من رأس المال لأن الحكم ثبت له ثبوتًا مستقرًا فلم يبطل بموت الأم. ولأن عتقه غير موقوف على عتق أمه ولكن يوقف عتقه وعتق أمه على موت السيد، فإذا مات السيد بقي من بقي من الولد كجماعة من المماليك تعلق عتقهم بوصف، فمات بعضهم ثم وجد الوصف وبهذا يخالف ولد المكاتب إذا عجزت نفسها وفسخت الكتابة، فإن ولدها يرق لأن أداء المال يسقط بفسخ الكتابة، وذلك العتق معلق بصفة أداء المال، فإذا سقطت الصفة سقط العتق في الأم والولد جميعًا، وقد روي عن ابن عمر رضي اله عنهما أنه قال: إذا ولدت الأمة من سيدها فنكحت بعد ذلك فولدت أولادًا كان ولدها بمنزلتها عبيدًا ما عاش، فإن مات فهم أحرار. مسألة: قال: «ولو اشترى امرأته وهي أمة حامل منه، ثم وضعت عنده عتق ولدها منه». الفصل إذا اشترى زوجته وهي حامل فولدت عنده، فإن الولد يكون لسيد الأمة، وقد ملك

стр. 4105

ولده فعتق بالملك ولم يرد به الشافعي أنه يعتق يوم الوضع بل حكمنا بعتقه من بطنها يوم اشتراها حاملًا، وإنما هو توسع في العبارة ويثبت عليه الولاء. وإن ولدت ثم اشتراها وولدها فأولى أن يعتق الولد، [١٦٧/ أ] وأمان الأم، فلا تصير أم ولد له أبدًا حتى تحمل منه وهي في ملكه وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: تصير أم ولد له لأنها علقت بولد ثابت النسب منه، قوال مالك: إن اشتراها وهي حامل، فولدت عنده في ملكه تصير أم ولد له، وإن اشتراها بعد أن ولدت لا تصير أم ولد له. ودليلنا: أنها عقلت بولدٍ مملوك، فلا تصير أم ولد له كما لو علقت بالزنا، وقد بينا أنه لو ملك ولد الزنا لا يعتق عليه خلافًا لأبي حنيفة. ثم قال الشافعي ﵁: فإن أصابها بشبهة فعلقت منه ثم ملكها لم تكن به أم ولد، وقد ذكرنا أنه أحد القولين. ولو كان بين رجلين أمة فأصابها أحدهما فعلقت قد ذكرنا فيما تقدم حكمه ونشير في هذا الموضع، فنقول: إن كان معسرًا فعليه نصف قيمة ولده ونصف مهر مثلها، وإن كان موسرًا، فعليه نصف قيمتها لشريكه وكلها أم ولد له، وفي نصف قيمة الولد قولان، قال القاضي أبو حامد: لا يلزمه في أولاهما لأنه أتلف حق شريكه منها بالعلوق قبل أن يكون للجنين قيمة، وهذه العلة لا تصح لأنه يوجب أن لا تجب أيضًا إذا كان معسرًا لأنه أتلف حق شريكه منه بالعلوق، قبل أن يكون للجنين قيمة وقد نص على أنه يجب ذلك ولكن العلة صحيحة فيه أنا جعلناها أم ولده في الحال، فيكون الوضع في ملكه فلا تجب قيمة الولد بخلاف ما إذا كان معسرًا فإنها وضعت نصفه في ملكه ونصفه فيملك شريكه لأن نصيب شريكه لم يصر أم ولد له. ثم قال: «وللمكاتب أن يبيع أم ولده»، وقد ذكرنا حكمه وعند أحمد لا يبيعها، وقال ابن أبي أحمد: [١٦٧/ ب] لا تباع أم الولد إلا في ثلاث مسائل، إحداها: هذه، والثانية: أن يطأها فأولدها وهي مرهونة، والثالثة: إذا أحبلها بعد ما حنث وقد شرحناها فيما تقدم. مسألة: قال: «ولو أوصي رجل لأم ولده أو لمدبره». الفصل أما أم الولد، فالوصية لها تصح لأن الوصية تلزم بعد الموت وهي حرة في تلك الحالة فيصح أن تملك بالوصية، وأما المدبر والمدبرة، فالوصية لهما تصح أيضًا لأنهما يعتقان بموته، ولكن أم الولد تعتق بموت السيد من رأس المال ويعتبر خروج ما أوصي لها من الثلث، فإن احتمل جميعه نفذت الوصية فيه، وإن لم يحتمل نفذ في القدر الذي يحتمله الثلث، وأما المدبر والمدبرة فيعتبر قيمتهما، وفيه ما أوصي لهما به من الثلث،

стр. 4106

فإن احتمل جميع ذلك نفذت الوصية، وإن لم يحتمل بديء باعتبار قيمة المدبر فإن خرجت من الثلث نظر حينئذ فيما أوصي به فإن بقي من الثلث شيء نفذ بقدره، وإن لم يبق شيء من الثلث بطلت الوصية، وإن لم يكن يحتمل الثلث جميع قيمة المدبر عتق منه بقدر ما يحتمله الثلث وبطلت الوصية له. مسألة قال: «ولو جنت أم الولد». الفضل إذا جنت أم الولد فالأرش يتعلق برقبتها وعلى السيد أن يفديها لأنه منع بيها بإحبالها، ولم يبلغ بها حالة يتعلق الأرض بذمتها ويفارق هذا إذا كان له عبد، أعتقه ثم جني تعلق الأرض بذمته فيها. فإذا تقرر هذا يضمن الأقل من قيمتها أو الأرش بخلاف العبد القن في احد القولين، فإنه يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ [١٦٨/ أ] لأنه يمكن بيعه بخلاف أم الولدفإن فداها السيد، ثم جنت ثانيًا، فقد ذكرنا في كتاب الجنايات قولين: أحدهما، أن الثاني يشارك الأول وعلل ههنا لهذا القول بأن إسلامه قيمتها كإسلامه بدنها لو كانت أمة، قنًا: فليس عليه سوى القيمة الواحدة. ثم قال: ويدخل على هذا أن إسلامه قيمتها لو كان كإسلامه بدنها إلى الأول لزم الأول إخراج تلك القيمة بتمامها إلى الثاني إذا بلغ أرش الجناية الثانية قيمتها كما لو سلم الجارية الجانية إلى الأول فجنت في يده جناية يستغرق قيمتها وجب تسليمها إلى الثاني، والقول الأول أن السيد يغرم جنايتها، الثانية كما غرم الأول واختار المزني هذا القول، وبه قال أبو إسحاق، وقال: هذا أشبه بالحق عندي، ثم احتج المزني بحجة أخرى للشافعي، فقال: «لو كان إسلام قيمتها كإسلام بدنها لوجب أن تكون الجناية الثانية على قيمتها ولبطلت الشركة، وفي إجماعهم على إبطال ذلك إبطال هذا القول، وفي إبطاله ثبوت القول الآخر إذ لا وجه لقول ثالث، نعلمه عند جماعة العلماء ممن لا يبيع أمهات الأولاد». ثم قال: «وإذا افتكها ربها عن الجناية الأولى صارت بمعناها المتقدم لا جناية عليها ولا على سيدها، فكيف إذا جنت لا يكون عليه مثل ذلك قياسًا؟»، فالجواب: أن السيد في الجناية الأولى قد غرم جميع قميتها لمنعه إياها عن البيع بالاستيلاد، والمنع لم يتكرر من السيد بتكرر الجناية كما يتكرر في العبد القن فكذلك لا يتكرر الغرم عليه، وإنما قلنا: لا يسترجع كل القيمة [١٦٨/ ب] من الأول لأن الجناية الثانية لم تحصل في ملك الأول حتى يلزمه الفداء، أو التسليم، وإنما حصلت في ملك السيد، ولكن الجنايات سواء في حق السيد، وهو ما ذكرنا من أن المنع واحد فيها.

стр. 4107

واحتج أيضًا بأن قال: «وقد ملك المجني عليه الأرض بحق، فكيف يجني غيره وغير ملكه وغير من هو من عاقلته فيجب عليه غرمه أو غرم شيء منه» وأراد بهذا أن المجني عليه الأول قد ملك الأرض بكماله وهو قيمة أم الولد، فإذا جنت جناية أخرى لم يجز أن يسترجع منه بعض تلك القيمة بجناية حصلت من غيره وغير ملك، وغير من هو من عاقلته ليحترز ذلك عن عبده إذا جني وعن جميعه الذي هو من عاقلته، والجواب أن نقول: نحن إذا سلمنا قيمة أم الولد إلى الأول، نقطع القول بأنها صارت مسلمة له حيث لا يسترجع منه بعضها، ولكن حكمنا له مع جواز نقص ذلك الملك، بمعني عارض في بعض تلك القيمة ألا ترى أن الورثة إذا اقتسموا الميراث حكمنا لهم بالملك؟، ثم إذا وقعت بهيمة في بئر حفرها مورثهم نقضنا ملكهم في التركة بجناية حصلت من غيرهم وغير ملكهم وغير من هو من عاقلته. مسألة: قال: «وإذا أسلمت أم ولد النصراني». الفصل إذا كان للذمي أم ولد فأسلمت لا تعتق عليه، ولا تباع ولا تستعي، ولكن يحال بينه وبينها وتجعل في يد امرأة ثقة ينفق عليها من كسبها، فإن فضل شيء من كسبها كان لسيدها، وإن عجز عن نفقتها لزم السيد تمامها، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة، وقال مالك تعتق بإسلامها [١٦٩/ أ] ولا شيء عليها في إحدى الروايتين، وفي الرواية الثانية عنه أنها تباع عليه، وقال أبو حنيفة ﵀: تستسعي في قدر قيمتها، فإذا أدي عتقت وهو رواية عن أحمد، وقال أبو يوسف ومحمد: تعتق ثم تستسعي في قيمتها، وقال الأوزاعي: يعتق نصفها، وتستسعي في النصف الباقي، ودليلنا: أنه إسلام طرأ على ملك فلا يقتضي عتقًا كالعبد القن إذا أسلم وقد دللنا على بطلان الاستسعاء. فرع قال أبو إسحاق: إذا أرادت التزويج في هذه المسألة زوجها الحاكم، وكان للسيد مهرها، وكذلك إن اختار تزويجها وكرهته هي غير أنه لا يزوجها فإنما يزوجها الحاكم، وتكون نفقتها على زوجها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز تزويجها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يزوجها هو ولا الحاكم لأن ولاية التزويج لا تثبت إلا مع الموالاة في الدين، وهذا أظهر وهو اختيار القفال، والثاني: يزوجها النصراني لأنه يتصرف بالملك، فلا يمنع اختلاف الدين، وما ذكرنا أصح. فرع قال أبو إسحاق: هذه الجارية ما دامت مقيمة لا تتزوج فهي أحق بحضانة الولد، فإذا تزوجت صار الأب أحق بالولد إلا أن يخاف الفتنة على دينه فيمنع من ذلك، وإذا

стр. 4108

كان طفلًا لا يعقل فهو أحق به، قال الشافعي ﵁: فإن أسلم خلي بينهما لأن المنع إنما تعلق بكفره، فإذا أسلم زال المانع. مسألة: قال: «وإذا توفى سيد أم الولد أو أعتقها فلا عدة». لا تجب العدة عليها، ولكن يجب الاستبراء، فإن كانت [١٦٩/ ب] من ذوات الأقراء، فإنها تستبرأ بقرء واحد، وبه قال مالك وأحمد، وقال الثوري: تعتد بقرأين، وقال أبو حنيفة: تعتد بثلاثة أقراء، وقال إسحاق: يلزمها عدة الوفاة، وقد مضت هذه المسألة بشرحها في كتاب العدة وإن كانت من ذوات الشهور، ففيه قولان: أحدهما: يلزمها شهر واحد لأن كل شهر في مقابله قرء، والثاني: يلزم ثلاثة أشهر وهو الأصح لأن براءة الرحم لا تعلم بدون ذلك لأن الولد يبقي في البطن أربعين نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة، فيتصور بعد ثلاثة أشهر وينتفج جوفها، فيعلم أن بها حملًا، وقيل: ذلك لا يعلم واختار المزني القول الأول. مسألة: قال المزني: «وقد قطع خمسة عشر كتابًا بعتق أمهات الأولاد، ووقف في غيرها». قال أبو إسحاق: ليس للشافعي في أم الولد إلا قول واحد أنها لا تباع، والذي حكاه المزني إنما هو قول حكاه الشافعي عن غيره وليس يتوقف منه فيه ولفظه في بعض المواضع لا يجوز بيعها في قول من لا يبعها يشير بذلك إلى خلاف كان في السلف، وذلك الخلاف اليوم مهجور، والفقهاء متفقون على منع بيعها فلا يكون هذا توقفًا فغلط المزني في هذا، وقيل: معناه توقف استيضاحًا لحكم الاجتهاد، وإفساد الدعوى للإجماع ردًا على مالك ﵀، فإنه ادعي بالاجماع في هذه المسألة بناءً على أصله في أن الإجماع إجماع أهل المدينة فقط لأن عليًا ﵁ استجد خلافه في جواز [١٧٠/ أ] بيعها بالكوفة بعد أن وافق أبا بكر وعمر ﵄ بالمدينة، فلم يعتد مالك بخلافه بعد خروجه عنها، والشافعي يخالفه فيما يعتقده من الإجماع في تحريم بيعها، وفيما يراه من إجماع أهل المدينة. مسألة: قال: «وفي كتاب النكاح القديم ليس له أن يزوجها بغير إذنها». في تزويج أم الولد ثلاثة أقوال ذكرناها في كتاب النكاح، والأصح أنه يجبرها على التزويج، وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني، فإذا قلنا: بالقول القديم لا يزوجها أصلًا، فإن أذنت، قد ذكرنا عن ابن أبي إسحاق والاصطخري أنهما قالا: لا يزوجها الحاكم على هذا القول لأن الحرية إذا منعت ولاية المولى، وهو السيد فلأن تمنع ولاية الحاكم أولى، وهذا يدل على ضعف هذا القول، وأن الصحيح ما ذكرنا وإذا جوزنا تزويجها فزوجها انقطع ملك السيد عن استمتاعها ويحرم عليه وطئها، ويحل

стр. 4109

ذلك لزوجها ويلزمه المهر، ويكون ذلك للسيد لأنه من جملة الكسب. فرع لو أراد أن يزوج ابنة أم الولد، فهي كالأم فيها ثلاثة أقوال: وإذا جوزنا تزويجها يجوز أن يتزوجها من غير استبراء بخلاف أم الولد لأنها ليست فراشًا للسيد. فرع آخر لو كان الولد غلامًا لم يكن للسيد إجباره على النكاح لأن ليس بتكسب فيجبره عليه بخلاف الأمل، وليس لهذا الغلام أن يتزوج بغير إذن السيد وفي جواز تزويجه بإذن السيد وجهان، تخريجًا من الأقوال في أمه. فرع آخر إذا وطئ أخته من الرضاعة [١٧٠/ ب] بملك اليمين يلزمه الحد في أحد القولين والتعزير في القول الآخر، والنسب يلحقه ويكون الولد حرًا، وتصير الجارية أم ولد له بكل حال، وليس على أصلنا وطئ يجب به الحد، وتصير الجارية أم ولده غير هذا الوطئ، وهكذا الكافر إذا وطئ أمته المسلمة قبل أن تباع عليه، هل يجب الحد قولان وعلى كل حال تصير الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملكه كالمسلم سواء. فرع آخر أم الولد تضمن بالغصب خلافًا لأبي حنيفة وهذا على أصله أن التضمين يوجب التمليك ولا يملك أم الولد. فرع آخر قال أحمد: إذا أحبل جارية ابنه تصير أم ولده لا يلزمه قيمتها، ولا مهرها لأنه لا يضمن قيمة ولدها، وهذا لا يصح لأنه لو لم يحبلها لزمه مهرها، فكذلك إذا أحبلها، ولأنها أتلف ملك غيره فيستحيل أن لا يلزمه الضمان. فرع آخر للسيد إجارة أم الولد على ما ذكرنا وحكي عن مالك أنه ليس له إجارتها لأنه لا يبيعها، فلا يؤجرها كالمكاتبة، وهذا لا يصح لأنه يملك استخدامها فيملك إجارتها كالأمة القن سواء ويخالف المكاتبة لأنه لا يملك استخدامها، والله تعالى أعلم. تم الجزء الثامن بتقسيم المحقق ويليه إنشاء الله الجزء التاسع وأوله: كتاب النكاح

стр. 4110

بَحْرُ المَذْهَبِ في فُروعِ المذْهَب الشّافعي تأليف القاضيُ العلاّمة فخر الإسلَام شيَخ الشّافعيّة الإمَام أبي المحاسن عَبد الواحد بن إسماعيل الرّوُيَاني المتوفي سنة ٥٠٢ هـ تحقيق طَارق فَتحي السَيِّد الجُزء التاسع المحتوى: كتاب النكاح - كتاب الصداق

стр. 4111

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب النكاح أباح الله تعالى النكاح نصًا صريحًا في سنة نبيه ﷺ وانعقد بها سالفًا إجماع الأمة وتأكد بها العترة, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] , قوله: ﴿مِن نَفسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعنى آدم. ﴿وَخَلَقَ مِنهَا زَوجَهَا﴾ يعني حواء, لأنها خلقت من حي. وقيل: لأنها من ضلع أيسر. وقال الضحاك: خلقها من ضلع الخلف وهو أسفل الأضلاع, ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : "خلقت المرأة من الرجل فهمها في الرجل, وخلق الرجل من التراب فهمه في التراب". ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] فيه تأويلان: أحدهما: أنها حواء خلقها من ضلع آدم. والثاني: أن خلق سائر الأزواج من أمثالهم من الرجال والنساء ليستأنسوا إليها؛ لأنه جعل بين الزوجين من الآنسة ما لم يجعل من غيرهما. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فيها تأويلان: أحدهما: أنها المودة والمحبة والرحمة والشفقة قاله السدي. والثاني: أن المودة الجماع والرحمة الولد, قاله الحسن البصري, وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] يعني النطفة والبشر: الإنسان, والنسب: من تناسب بوالد وولد وكل شيء أضفته إلى شيء عرفته به فهو مناسبة وفي الظهر هاهنا تأويلان: أحدهما: أنه الرضاع, قاله طاوس. والثاني: أنه المناكح وهو قول الجمهور. وأصل الظهر الاختلاط فسميت المناكح ظهرًا لاختلاط الناس بها. وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية,

стр. 4112

والأيامى جمع أيم وهي التي لا زوج لها, ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الأيمة يعني العزبة, وفي هذا الخطاب قولان: أحدهما: أنه خطاب للأولياء أن ينكحوا أيامًا هن من أكفائهم إذا دعون إليه. والثاني: أنه خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة. وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] تأويلان: أحدهما: أن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله به عن السفاح. والثاني: أن يكونوا فقراء إلى المال يغنهم الله إما بقناعة الصالحين, وإما باجتماع الرزقين إليه. روى عبد العزيز بن داود أن النبي ﷺ قال: "اطلبوا الغنى في هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] , قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. وفي هذا الشرط أربع تأويلات: أحدها: يعني إن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح اليتامى فهكذا خافوا أن لا تعدلوا في النساء, وهذا قول سعيد بن جبير. والثاني: يعني إن خفتم ألا تعدلوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما حل لكم من غيرهم من النساء, وهو قول عائشة ﵂. والثالث: أنهم يتوقون أموال الأيتام ولا يتوقون الزنا, فقال: كما خفتم في أموال اليتامى فخافوا الزنا وانكحوا ما حل لكم من النساء, فهذا قول مجاهد. والرابع: أن سبب نزولها أن قريشًا كانت في الجاهلية تكثر التزويج بغير عدد محصور فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته وقل ما بيده مد يده إلى ما عنده من الأموال للأيتام, فقرر الله تعالى بهذه الآية عدد المنكوحات حتى لا يتجاوز فيحتاج إلى التعدي في أموال الأيتام, وهذا قول عكرمة. وفي قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قولان: أحدهما: أنه عائد إلى النكاح وتقديره: فانكحوا النساء نكاحًا طيبًا, يعني حلالاً, وهذا قول مجاهد. والثاني: أنه عائد إلى النساء وتقديره: فانكحوا من النساء ما حل وهذا قول الفراء. فهذا من كتاب الله تعالى ودال على إباحة النكاح. أما السنة فروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم, فإنه له وجاء".

стр. 4113

وروى أن النبي ﷺ : "تناكحوا تكاثروا أباهي بكم الأمم حتى بالسقط". وروي عن النبي صلى الله أنه قال: "من أحب فطرتي فليستن بسنتي ألا وهي النكاح". وروي عن النبي ﷺ [أنه] قال لعكاف بن وداعة الهلالي: أتزوجت؟ قال: لا قال: أمن إخوان الشياطين أنت, إن كنت من رهبان النصارى فألحق بهم, وإن كنت منا فمن سنتنا النكاح". وروي أن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ عزموا على جب أنفسهم والتخلي لعبادة ربهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنادهم وقال: "لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا سياحة ولا تبتل في الإسلام". أما الزمام والخزام فهو ما كان عليه بنو إسرائيل من زم الأنوف وخزم الترابي, وأما الرهبانية: فهو اجتناب النساء وترك اللحم. وأما السياحة: فهو ترك الأمصار ولزوم الصحارى. وأما التبتل: فهو الوحدة والانقطاع عن الناس, ولأن سائر الأمم عليه مجمعة والضرورة إليه داعية لما فيه من غض الطرف وتحصين الفرج وبقاء النسل وحفظ النسب. وروي عن عائشة أنها قالت: كانت مناكح الجاهلية على أربعة أضرب: نكاح الرايات, ونكاح الرهط, ونكاح الاستنجاد, ونكاح الولادة. فأما نكاح الرايات فهو أن العاهر في الجاهلية تنصب على بابها راية ليعلم المار بها عهرها فيزني بها فقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] تأويلين: أحدهما: أن ظاهر الإثم أولات الرايات من الزاوني وباطنه ذوات الأخدان؛ لأنهن كثر يستحللنه سرًا, وهو قول السدي والضحاك. والثاني: أن ظاهرة حظر من نكاح ذوات المحارم. وباطنه الزنا وهو قول سعيد بن جبير. وأما نكاح الرهط: فهو أن القبيلة أو القبائل كانوا يشتركون في إصابة المرأة, فإذا جاءت بولد ألحق بأشبههم به. وأما نكاح الاستنجاد فهو أن المرأة كانت إذا أرادت ولدًا نجدًا تحسبًا, بذلت نفسها لنجيب كل قبيلة وسيدها, فلا تلد إلا تحسبًا بأيهم شاءت. وأما نكاح الولادة: فهو النكاح الصحيح المقصود للتناسل الذي قال فيه رسول الله عليه وسلم: "ولدت من نكاح لا من سفاح" فإن الله تعالى لم يزل ينقل نبيه ﵇ من

стр. 4114

الأصلاب الذكية إلى الأرحام الطاهرة, وقد قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٩] قال: من نبي إلى نبي حتى جعلك نبيًا, وكان نور النبوة في أيامه ظاهرة, حتى حكي أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت الهرم قرأت الكتب, فمر بها عبد المطلب ومعه ابنه عبد الله يريد أن يزوجه آمنه بنت وهب, فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مثل الإبل فقال عبد الله: أَما الحَرَامُ فَلمَمَاتُ دُونَه وَالحلِ لا حِل فَأَستَبِينَه فَكَيفَ بِالأَمرِ الذِي تَبغِينَه يَحمِي الكَريمُ عَرضَهُ ودِينَهُ؟! فلما تزوج آمنة وحملت منه برسول الله ﷺ مر في عوده بفاطمة فقال: هل لك فيما قلت: قد كان مرة فاليوم لا. فإذا سبعت فقال: زوجي أبي بآمنة بنت وهب الزهرية فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك وأنشأت تقول: إني رأيت مخيلة نشأت فتلألأت بحناتم القطر فلمحتها نور يضيء به ما حوله كإنارة الفجر ورأيت سقياها حبا بلد وقعت به وعمارة القفر ورأيته شرفا أبوه به ما كل قادح زنده يوري لله ما زهرية سلبت منك الذي استلبت وما تدري فرع: فأما اسم النكاح فهو حقيقة في العقد فجاز في الوطء عندنا. وقال أبو حنيفة: هو حقيقة في الوطء فجاز في العقد وتأثير هذا الخلاف أن من جعل اسم النكاح حقيقة الوطء حرم بوطء الزنا ما حرم بالنكاح ومن جعله حقيقة في العقد لم يحرم بوطء الزنا ما حرم بالنكاح على ما سيأتي شرحه ودليله ولكن من الدليل على حقيقة في العقد أن كل موضع ذكر الله تعالى النكاح في كتابه فإنما أراد به العقد دون الوطء, ولأن التزويج لما كان بالإجماع اسمًا للعقد حقيقة كان النكاح بمثابة لاشتراكهما في المعنى ولأن استعمال النكاح في العقد أكثر وهو به أخص وأشهر وهو في أشعار العرب أظهر قال الشاعر: بَنُو دارم أكفَاؤُهُم آل مَسمَعِ وَتُنكَحُ فِي أَكفَائِهَا الخَطَباتِ

стр. 4115

باب ما جاء في أمر النبي ﷺ وأزواجه مسألة: قَالَ الشَافِعِيُ ﵀: "إِن اللهَ ﵎ لَما خَص بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن وَحي وَأَبَانَ بَينَهُ وَبَينَ خَلقِهِ بِمَا فَرَضَ عَلَيهِمِ مِن طَاعَتِهِ افتَرَضَ عَلَيهِ أَشيَاءَ خَففَهَا عَن خَلقِهِ لِيَزِيدَهُ بِهَا إِن شَاءَ اللهُ قُربَةً وَأَبَاحَ لَهُ أَشياءَ حَظَرَهَا عَلَى خَلقِهِ زِيَادَةً فِي كَرَامتِهِ وَتَبيِينًا لِفَضِيلَتِهِ". قال في الحاوي: وهذا فصل نقله المزني مع بقية الباب من "أحكام القرآن" للشافعي فأنكر بعض المعترضين عليه إيراد ذلك في مختصره لسقوط التكليف عنا فيما خص به الرسول من تخفيف, ولوفاة زوجاته المخصوصات بالأحكام, فلم يكن فيه إلا التشاغل بما لا يلزم, فصوب أصحابنا ما أورده المزني وردوا على هذا المعترض بما ذكروه من فرض المزني من وجهين: أحدهما: أنه قدم مناكح النبي ﷺ تبركا بها والتبرك في المناكح مقصود كالتبرك فيها بالخطب. والثاني: أن سبق العلم بأن الأمة لا تساوي ﷺ في مناكحته وإن ساوته في غيرها من الأحكام, حتى لا يقدم أحد على ما حظر عليه ابتداء به. فرع: فأما قول الشافعي: إن الله تعالى لما خص به رسول الله ﷺ من وحي ففيه روايتان: إحداهما: لما خص بكسر اللام وتخفيف الميم؛ ولأخرى لما خص: بفتح اللام وتشديد الميم, فمن روى بكسر اللام وتخفيف الميم حملها على معنى الشرط وجعل "ما" بمعنى الذي واللام قبلها للإضافة, فيكون تقديره أن الله تعالى لأجل الذي خص به رسول الله ﷺ من وحيه, ومن روى بفتح اللام وتشديد الميم حملها على معنى الخبر وجعل "ما" بمعنى بعد فيكون تقديره: أن الله تعالى خص به رسول الله ﷺ من وحيه. وكلا الروايتين جائزة والأولى أظهر, وإن قيل: فكيف جعل الشافعي رسول الله ﷺ مخصوصًا بالوحي وقد أوحى الله تعالى إلى غيره من الأنبياء قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه خص بالوحي من بين أهل عصره, حتى بعث رسولاً إلى جميعهم, فكان مخصوصًا بالوحي من بينهم. والثاني: أنه خص بانتهاء الوحي وختم النبوة حتى لا ينزل بعده وحي لا يبعث بعده بني, فصار خاتمًا للنبوة مبعوثًا إلى الخلق كافة حتى بعث إلى الإنس والجن, وقال رسول

стр. 4116

الله ﷺ : "بعث إلى الأحمر والأسود" وفيه تأويلان: أحدهما: إلى العرب والعجم. والثاني: إلى الإنس والجن. والثالث: أنه خص بالوحي الذي هو القرآن المعجز الذي يبقى إعجازه إلى آخر الدهر ويعجز عن معارضة أهل كل عصره, وليس فيما أوحي إلى ما قبله من الأنبياء إعجاز يبقى, فصار بهذا الوحي مخصوصًا. فرع: وأما قول الشافعي: "وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم طاعته" وطاعة أولي الأمر واجبة لوجوب طاعته, قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] , وفي أولي الأمر ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الأمراء وهو قول ابن عباس. والثاني: هم العلماء وهو قول جابر. والثالث: هم أصحاب رسول الله ﷺ وهو قول مجاهد. فأوجب طاعة أولي الأمر كما أوجب طاعة الرسول ﷺ , فأين موضع الإبانة بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته؛ وعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أن طاعة أولي الأمر من طاعة الرسول لتباينهم عنه, وقيامهم مقاومة, فصار هو المخصوص بها دونهم. والثاني: أن طاعة الرسول واجبة في أمور الدين والدنيا, وطاعة أولى الأمر مختصة بأمور الدنيا دون الدين, فتميز عنهم بوجوب الطاعة. والثالث: أن طاعة الرسول باقية في أوامره ونواهيه إلى قيام الساعة وطاعة أولي الأمر مختصة بمدة حياتهم وبقاء نظرهم. فكان هذا موضع الإبانة بينه وبينهم. فرع: وأما قول الشافعي: "افترض عليه أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله تعالى قربة, وأباح له أشياء حظرها على خلقه زيادة في كرامته وتبينًا لفضيلته". وهذا صحيح أن الله تعالى خص رسول الله ﷺ بالرسالة وفرض الطاعة, حتى يميز بهما على جميع المخلوقات, وميزة عنهم في أحكام الدين من وجهين: أحدهما: تغليظ. والآخر: تخفيف.

стр. 4117

فأما التغليظ: فهو أن فرض عليه أشياء خففها عن خلقه وذلك لأمرين: أحدهما: لعلمه بأنه أقوم بها منهم وأصبر عليها منهم. والثاني: ليجعل أجره بها أعظم من أجورهم وقربه بها أزيد من قربهم. وأما التخفيف فهو أنه إباحة أشياء حظرها عليهم. وذلك لأمرين: أحدهما: لتظهر بها كرامته وتبين بها اختصاصه ومنزلته. والثاني: لعلمه بأن ما خصه من الإباحة لا يلهيه عن طاعته وإن ألهاهم, ولا يعجزه عن القيام بحقه وإن أعجزهم, ليعلموا أنه على طاعة الله تعالى أقدر وبحقه أقوم. فإن قيل: فقول الشافعي: "ليزيده بها إن شاء الله تعالى قربة إليه" كان على شك فيه حتى استثنى بمشيئة الله تعالى. قيل: ليست شكًا وفيها لأصحابنا وجهان: أحدهما: أنها تحقيق كقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. والوجه الثاني: أنها بمعنى إذا شاء الله وتكون بمعنى إذ, كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. مسألة: "فَمِن ذَلِكَ أَن كُل مَن مَلَكَ زَوجًة فَلَيسَ ﵊ أَن يُخَيرَ نِساءَهُ فَاختَرنَهُ". قال في الحاوي: وهذا صحيح ذكر الشافعي ما خص به رسول الله ﷺ في مناكحته دون غيره لأمرين: أحدهما: أنه كتاب النكاح فأورد ما اختص بالنكاح. والثاني: أنه منقول عنه من "أحكام القرآن" فأورد منه ما نص الله تعالى عليه في القرآن, فمن ذلك وهو ما خص به تغليظًا, أن الله تعالى أوجب عليه تخيير نسائه واسم يوجب ذلك على أحد من خلقه, فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾] الأحزاب: ٢٨ - ٢٩ [فاختلف أهل العلم فيما خيرهن رسول الله ﷺ فيه على قولين: أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن, وبين اختيار الآخرة فيمسكهن, ولم يخيرهن الطلاق. وهذا قول الحسن وقتادة. والثاني: أنه خيرهن بين الطلاق أو المقام. وهذا قول عائشة ومجاهد. وهو الأشبه

стр. 4118

بقول الشافعي. واختلف أهل العلم في سبب التخيير على خمسة أقاويل: أحدها: أن نساءه تغايرن عليه فحلف أن لا يكلمهن شهرًا فأمر بتخييرهن, وهذا قول عائشة. والثاني: أنهن اجتمعن يومًا وقلن: نريد ما تريد النساء من الثياب والحلي وطالبنه, وكان غير مستطيع, فأمر بتخييرهن, حكاه النقاش. والثالث: أن الله تعالى أراد امتحان قلوبهن ليرتضي رسول الله ﷺ خير نساء خلقه فخيرهن. والرابع: أن الله تعالى صان خلوة نبيه فخيرهن على أن لا يتزوجن بعده فلما أجبن إلى ذلك أمسكهن. وهذا قول مقاتل. والخامس: أن الله تعالى خير نبيه بين الغني وبين الفقر, فنزل عليه جبريل وقال: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول: إن شئت يا محمد جعلت لك جبالاً ذهبًا, فقال: صف لي الدنيا, فقال: حلالها حساب, وحرامها عذاب, فاختار الفقر على الغني والآخرة على الدنيا, وقال: "لأن أجوع يومًا فأصبر, وأشبع يومًا فأشكر خيرًا من الدنيا وما فيها, اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرين في زمرة المساكين" فحينئذٍ أمره الله تعالى بتخيير نسائه, لما في طباع النساء من حب الدنيا, فلما نزل عليه التخيير بدأ رسول الله ﷺ بعائشة, وكانت أحب نسائه إليه وأحدثهن سنًا- فتلا عليها آية التخيير- حتى تستأمري أبويك لأنه خاف مع حبة لها أن تعجل لحداثة سنها فتختار الدنيا فقالت: أفيك يا رسول الله أستأمر أبوي. قد أخذت الله ورسوله والدار الآخرة, وسألته أن يكتم عليها اختيارها عند أزواجه فقال رسول الله ﷺ : "ما كان النبي أن يفعل" ثم دخل على أزواجه, فكان إذا دخل على واحدة منهن تلا عليها الآية تقول: ما اختارت عائشة؟ فيقول: اختارت الله ورسوله والدار الآخرة, حتى دخل على فاطمة بنت الضحاك الكلابية, وكانت من أزواجه, فلما تلا عليها الآية فقالت: قد أخذت الحياة الدنيا وزينتها فسرحها, فلما كان في زمن عمر وجد تلقط البعر وهي قول: اخترت الدنيا على الآخرة فلا دنيا ولا آخرة. فإذا تقرر ما وصفنا من تخييرهن. انتقل الكلام إلى الاختيار. فإن قيل: ﵇ خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن, وبين اختيار الآخر: فيمسكهن لم يقع بهذا الاختيار طلاق حتى يطلقهن, وعليه أن يطلقهن إن أخذن الدنيا كما طلق فاطمة بنت الضحاك لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] والسراح الجميل يحتمل ثلاث تأويلات: أحدها: أنه الصريح من الطلاق دون الكناية لئلا يراعي فيه النية. والثاني: أنه أقل من ثلاث لتمكن فيه الرجعة.

стр. 4119

والثالث: أن يوفي فيه الصداق ويدفع فيه المتعة, فإن طلق المختارة منهن أقل من ثلاث فهل يقع طلاقها بائنًا لا يملك فيه الرجعة أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أن يكون كطلاق غيره من أمته رجعياً. والوجه الثاني: أن يكون بائنًا لا رجعة فيه؟ لأن الله تعالى غلظ عليه في التخيير، فيغلظ عليه الطلاق، وفي تحريمهن بذلك على التأييد وجهان: أحدهما: لا يحرمن على التأييد يكون سراحًا جميلًا. والوجه الثاني: قد حرمن على الأبد؟ لأنهن أخذن الدنيا على الآخرة فلم يكن من أزواجه في الآخرة، فهذا حكمهن إذا قيل إنه تخيير النبي ﷺ إنما كان تخييرًا بين الدنيا والآخرة. فأما إذا قيل وهو الأظهر من القولين: إنه خيرهن بين الطلاق أو المقام، فتخيير غيره من أمته يكون كناية يرجع فيه إلى نية الزوج في تخييرها، والى نية الزوجة في اختيارها. وقال مالك: وهو صريح: فإن لم تختر نفها كان صريحًا في طلقة بائنة. وقال أبو حنيفة: إن لم تختر نفسها وان اختارت نفسها كان صريحًا في طلقة بائنة لا يرجع فيه إلى نية أحد منهما. وللكلام عليهما في موضع يأتي. وأما تخيير النبي ﷺ وجهان: أحدهما: أنه كناية لتخيير غيره يرجع فيه إلى نيتهما. والثاني: أنه صريح في الطلاق لا يراعى فيه النية لخروجه مخرج التغليظ على نيته، ثم هل يكون بائنًا يوجب تحريم الأبد أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين. ثم تخيير غيره من أمته يراعى في اختيار الزوجة على الفور، فمتى تراخى اختيارها بطل، لأنه يبري مجرى الهبة في تعجيل قبولها على الفور، فأما تخيير النبي ﷺ لهن في هذه الحال ففيه وجهان: أحدهما: يراعى فيه تعجيل الاختيار على الفور فإن تراخى بطل حكمه. لما ذكرنا من اعتباره بقبول الهبة التي هو وغيره من أمته فيها سواء. والوجه الثاني: أن اختيارهن على التراخي لما اختص به من النظر لأنفسهن بين الدنيا والآخرة، ولأن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂ حين خيرها: "استأ مري أبويك" فلولا أنه على التراخي لكان بالاستثمار يبطل الاختيار. فرع فأما أنه التخيير فغيها دلائل على خمسة أحكام: أحدهما: أن الزوج إذا أعسر بنفقة زوجته فلها خيار الفسخ. والثاني: أن المتعة تجب للمدخول بها إذا طلقت. والثالث: جواز تعجيلها قبل الطلاق، وكذلك تعجيل حقوق الأموال قبل الوجوب.

стр. 4120

والرابع: أن السراح صريح في الطلاق. والخامس: أن المتعة غير مقدرة شرعًا، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: - فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: (٥٢)] قال في الحاوي: وذلك أن الله تعالى لما أوجب على نبيه ﷺ تخيير نسائه فاخترنه، حظر الله تعالى عليه طلاقهن، وحظر عليه أن يتزوج عليهن استبدالا بهن، فخص بتحريم طلاقهن وتحريم التزويج عليهن تغليظًا عليه, ومكافأة لهن على صبرهن معه ما كان من ضيق وشدة. فقال : ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ولا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ولَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ لا يحل لك النساء،. ومن بعد نساءك اللاتي خيرتهن فأخذن الله ورسوله والدار الآخرة، وهن التسع اللاتي مات عنهن بعد العاشرة التي فارقها، فصار مقصورا عليهن وممنوعا من غيرهن وان أعجبه حسنهن. وقيل: إن التي أعجبه حسنها أسماء بنت عميس بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها، فجازاهن الله تعالى في الدنيا بتحريم طلاقهن والتزوج عليهن؟ لأنه أحب الأشياء إلى النساء إذا اخترن أزواجهن بعد أن جازاهن بالجنة في الآخرة لقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ١٦٩] والمحسنات هن المختارات لرسوله ﷺ , والأجر العظيم هو الجنة، وان الله تعالى أكرمهن في الدنيا وفضلهن على غيرهن من النساء بتسع خصال، نذكر تفصيلها من بعد مشروحًا إن شاء الله تعالى. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَتْ عَائِشةُ ﵂: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَحَلَّ لَهُ النَّسَاءَ قَالَ كَأَنَّهَا تَعْنِي اللاَّتِي حَظَرَهُنَّ عَلَيْهِ" قال في الحاوي: قد ذكرنا في حظر الله على نبيه ﷺ في طلاق نسائه بعد تخييرهم وتحريم نكاح النساء عليهن. فأما تحريم طلاقهن فقد كان باقيًا عليه إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وما كان من طلاقه لحفصة واسترجاعها وازعامه طلاق سودة حتى وهبت يومها لعائشة، فإنما كان قبل التخيير، وأما تحريم النكاح فقد اختلف في ثبوت حكمه ونسخه، فزعم بعض أهل العراق: أن تحريم النكاح عليه كان ثابتا إلى أن قبضه الله تعالى إليه بدلالة أشياء: أحدهما: قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وكان هذا على الأبد. والثاني: أن الله تعالى جعله مقابلة على اختيارهن على طريق الجزاء فلم يجز أن

стр. 4121

يتعقبه رجوع. والثالث: أنه لما كان تحريم طلاقهن باقياً وجب أن يكون تحريم النكاح عليهن باقيا لأنهما جميعا جزاء. وذهب الشافعي إلى تحريم النكاح عليهن نسخ حين اتسعت الفتوح فإن النبي ﷺ ما مات حتى أحل له النساء وهذا قول عائشة وأبي بن كعب والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ ومَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والإحلال يفضي إلى عدم الحظر ولم يحظر على النبي ﷺ النكاح قبل التخيير، فدل على أن الإحلال والإباحة بعد حظر التخيير. فإن قيل: فهذا الإحلال إنما يوجه إلى نسائه اللاتي خيرهن وأخذنه وهذا قول مجاها قيل: لا يصح من وجهين: أحدهما: أنهن قد كن حلاله قبل نزول هذه الآية بإحلالهن. الثاني: أنه قال فيها: ﴿وَبَنَاتِ عَمِكَ وَبَنَاتِ عَمَّتِكَ﴾ [الأحزاب: ١٥٠] ولم يكن في نسائه المتخيرات أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته. فإن قيل: فهذه الآية متقدمة على التلاوة على قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ ولا يجوز أن يكون المتقدم ناسخًا للمتأخر؟ قيل: هي وان كانت متقدمة في التلاوة فهي متأخرة في التنزيل، فجاز النسخ بها كما في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ناسخ لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وهي متقدمة في التلاوة لكنها متأخرة في التنزيل. فإن قيل: فهلا قدمت تلاوة ما تأخر تنزيله؟ قيل: لأن جبريل ﵇ كان إذا نزل على رسول الله ﷺ بأية من القران أمره أن يضعها في موضع كذا. فإن قيل: فلما أمره بتقديم تلاوة ما تأخر تنزيله؟ قيل: لسبق القارئ إلى معرفة حكمه، حتى إن لم يعرف حكم ما بعده من المنسوخ أجزأه، ويدل على نسخ الحظر أيضا أن النبي ﷺ اصطفي صفية بنت حيي من سبي خيبر سنة ثمان فأعتقها وتزوجها، وذلك بعد التخيير, فقد قالت عائشة وأبي بن كعب: ما مات رسول الله ﷺ حتى أبيح له النساء. وهما بذلك أعرف، ولأن علة الحظر الضيق والشدة، فإذا زالت زال موجبها، وقد فتح الله تعالى على رسوله حتى وسع على نسائه وأجرى لكل واحدة منهن ثمانين صاعا من تمر وأربعين صاعا من شعير سوى الهدايا والألطاف. وأما الاستدلال بالآية فقد ذكر وجه نسخها، وأما الجزاء وهو مشروط بحال الضيق والشدة, وأما الطلاق فالفرق بينه وبين التزويج عليهن أن في طلاقهن قطعا لعصمتهن ويخرجن به أن يكون في أزواجه في الآخرة وليس في التزويج عليهن قطع لعصمتهن فافترقا والله أعلم.

стр. 4122

فإذا ثبت نسخ الحظر مما ذكرنا فقد اختلف أصحابنا في الإباحة هل هي عامة في جميع النساء، أو مقصورة على المسميات في الآية، إذا هاجرن معه على وجهين: أحدهما: أن الإباحة مقصورة على المسميات من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي معه، وهذا قول أبي بن كعب لرواية أبي صالح عن أم هانئ قالت: نزلت هذه الآية فأراد النبي ﷺ أن يتزوجني فنهى عني لأني لم أهاجر. والوجه الثاني: وهو أظهرهما أن الإباحة عامة في جميع النساء؟ لأنه تزوج بعدها صفية وليست من المسميات فيها، ولأن الإباحة رفعت ما تقدمها من الحظر، ولأنه في استباحة النساء أوسع حكما من جميع أمته فلم يجز أن يقصر عنهم. مسألة: قال الشافعي: - وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: (٥٠)]. قال في الحاوي: وهذا مما خص به رسول الله ﷺ في النكاح تخفيفا، أن ينكح بلفظ الهبة, لأن الشافعي بدأ بذكر ما خص به في النكاح تغليظا، وذلك في ثلاثة أشياء؟ وجوبا التخيير، وتحريم الطلاق، وتحريم الاستبدال بهن. ثم عقبه بذكر ما خص به تخفيفا، فمن ذلك أن إباحة الله تعالى أن يملكه نكاح الحرة بلفظ الهبة من غير بدل يذكر مع العقد، ولا يجب من بعد فيكون مخصوصا به من ين أمته من وجهين: أحدهما: أن يملك نكاح الحرة بلفظ الهبة ولا يجوز ذلك لغيره من أمته. والثاني: أن يسقط عنه المهر ابتداء مع العقا وانتهاء فيما بعده وغيره من أمته يلزمه المهر فيما بعد. وقال أبو حنيفة: إنما اختص بسقوط المهر وحده وهو وأمته سوا، في جواز العقا بلفظ الهبة. وقال سعيد بن المسيب: إنما خص بسقوط المهر وليس له ولا لغيره من أمته أن يعقا بلفظ الهبة، ويه قال من الصحابة أنس بن مالك، وذهب إليه بعض أصحاب الشافعي، والدليل على تخصيصه بالأمرين وإن كان للكلام مع أبو حنيفة موضع يأتي. وقوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: (٥٠)] والهبة تتميز بلفظها عقدا، وسقوط المهر فيها بدلا، وقد جعلها خالصة من دون المؤمنين، فلم يجز لأجد من أمته أن يشاركه في واحد من الحكمين. وفي الآية قراءتان:

стр. 4123

إحداهما: "إن وهبت" بالفتح وهو خبر عما مضى, والقراءة الأخرى بالكسر وهو شروط في المستقبل، فاختلف العلماء هل كان عند النبي ﷺ امرأة وهبت له نفسها بحسب اختلافهم في هاتين القراءتين، فمن قرأ بالكسر وجعله شرطا في المستقبل قال: لم يكن عنده امرأة موهوبة, ويه قال مجاهد. ومن قرأ بالفتح جعله خبرا عن ماض قال: قد كانت عنده امرأة وهبت له نفسها واختلفوا فيها على أربعة أقاويل: أحدهما: أنها أم شريك بنت جابر بن خباب, وكانت امرأة صالحة وهذا قول عروة بن الزبير. والثاني: أنها خولة بنت حكيم. وهذا قول عائشة. والثالث: أنها ميمونة بنت الحارث. وهذا قول ابن عباس. والرابع: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار. وهذا قول الشعبي. وإذا كان عند النبي ﷺ من وهبت له نفسها أو شرط له في المستقبل أن تقبل من وهبت له نفسها خالصة من دون المؤمنين. كان دليلا قاطعا على من خالف. وروي عن سهل بن سعد الساعدي: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد وهبت نفسي منك، فقالت: ما لي في النساء من حاجة" فلو لم يكن له أن يقبلها لأنكر عليها هبتها. فرع: ومما خص به النبي ﷺ في مناكحه تخفيفان أن ينكح أي عدد شاء. وان لم يكن لغيره من أمته أن ينكح أكثر من أربع في عقد واحد لقوله تعالى: ﴿إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ ومَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآية [الأحزاب: (٥٠)]، وأحل له من الأزواج من أتاها أجرها من غير تقدير بعدد، ثم ذكر بنات عمه وعماته وخاله وخالاته من يزيد على الأربع. فدل على اختصاص بالإباحة من غير عدد, وقد جمع رسول الله ﷺ بين إحدى عشر، ومات عن تسع، وكان يقم لثمان, ولأنه لما كان الحر لفضله على العبد يستبح من نكاح النساء أكثر مما يستبحه العبد, وجب أن يكون النبي ﷺ لفضله على جميع الأمة يستبيح من النساء أكثر مما يستبيحه جميع الأمة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب, وجعل قرة عيني في الصلاة" فاختلف أهل العلم في معنى تحبيب النساء إليه على قولين: أحدهما: أنه زيادة في الابتلاء والتكليف, حتى لا يلهو بما حبب إليه من النساء

стр. 4124

عما كلف به من أداء الرسالة، ولا يعجز عن تحمل أثقال النبوة فيكون ذلك أكثر لمشاقه وأعظم لأجره. والقول الثاني: ليكون خلواته معهم يشاهدها من نسائه، فيزول عنه ما يوميه المشركون به من أنه ساحر أو شاعر، فيكون تحببهن إليه على وجه اللطف به. وعلى القول الأول على وجه الابتلاء له، وعلى أي القولين كان فهو فضيلة، وان كان في غيره نقصا وهذا مما هو به مخصوص أيضا. مسألة: قال الشافعي: - وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿فَأَبَانَهُنَّ بِهِ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ﴾. قال في الحاوي: وهذا مما خص الله تعالى به رسول من الكرامات أن فضل نساءه على نساء العالمين، فقال تعالى ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: (٣٢)]، وذلك لأربعة أشياء: أحدهما: لما خصهن الله من خلوة رسوله ونزول الوحي بينهن. والثاني: لاصطفائهم لرسوله أزواجا في الدنيا وأزواجا في الآخرة. والثالث: لما ضاعفه لهن من ثواب الحسنات وعقاب السيئات. والرابع: لما جعلهن للمؤمنين أمهات محرمات فمرن بذلك من أفضل النساء، وفيه قولان: أحدهما: من أفضل نساء زمانهم. والثاني: أفضل النساء كلهن. وفي قوله: ﴿إِنِ اَتَّقَيتُنَّ﴾ تأويلان: محتملان: أحدهما: معناه إن استدمتن التقوى فلستن كأحد من النساء. والثاني: معناه لستن كأحد من النساء فكن أخصهن بالتقوى. فعلى التأويل الأول يكون معناه معنى الشرط. وعلى التأويل الثاني: معناه معنى الأمر، ثم قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وفي خضوعهن بالقول خمسة تأويلات: أحدها: فلا ترفعن بالقول وهو قول السدي. والثاني: فلا ترخص بالقول، وهو قول ابن عباس. والثالث: فلا تكلمن بالرفث، وهو قول الحسن. والرابع: هو كلام الذي فيه ما يهوى المريب، وهو قول الكلبي. والخامس: هو ما يدخل من قول النساء في قلوب الرجال، وهو قول ابن زيد. وفي

стр. 4125

قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه الفجور، وهو قول السدي. والثاني: أنه النفاق، وهو قول قتادة. وكان أكثر ما يصيب الحدود في زمان رسول الله ﷺ المنافقون. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَخَصَّهُ بِأَنْ جَعَلَهُ ﵊ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ". قال في الحاوي: وهذا صحيح لما اختص الله تعالى رسوله بكرامته وفضله على جميع خلقه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وقرأ عكرمة: وهو أبوهم. وقرأ مجاهدا: وهو أب لهم. وقيل: إنها قراءة أبي بن كعب، وفيه أربعة تأويلات: أحدهما: أنه أولى بهم فيما يراه لهم منهم بأنفسهم، وهذا قول عكرمة. والثاني: أنه أولى بهم فيما يأمرهم به من آبائهم وأمهاتهم. والثالث: أنه أولى بهم في دفاعهم عنه ومنعهم منه من دفاعهم عن أنفسهم, حتى لو عطش ورأى مع عطشان ما كان أحق به منه. ولو رأوا سوءًا يصل إليه لزمهم أن يقوه بأنفسهم كما وقاه طلحة بن عبيد الله بنفسه يوم أحد. والرابع: أنه أولى بهم من قضاء ديونهم وإسعافهم في نوائبهم. وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال:"ما من مؤمن إلا أنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، أقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فأيما مؤمن ترك مالآ فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه". فكان هذا مما خص الله تعالى رسوله من الكرامات، وكان ما يفعله من قضاء الديون تفضلا منه لا واجبا عليه, لأنه لو كان واجبا لقام به الأئمة بعده، إلا أن يكون من لهم الغارمين فيكون واجبا في سهم الصدقات إن احتمله. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ, قَالَ: أُمَّهَاتُهُمْ فِي مَعْنًى وّذَلِكَ أّنَّهُ لاَ يَحِلُّ نِكَاحَهُنَّ بِحَالٍ وّلّمْ يُحْرَمْ نَبَاتٌ لَوْ كُنَّ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ زَوَّجَ بَنَاتِهِ وَهُنَّ

стр. 4126

أَخَوَاتُ المُؤْمِنِينَ. قال في الحاوي: وهذا مما خص الله تعالى به رسوله من الكرامة وخص به أزواجه من الفضيلة، وأن جعلهن أمهات المؤمنين فقال : ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: (٦)] يعني اللاتي مات عنهم وهن تسع، فيجري عليهم أحكام الأمهات في شيئين، متفق عليهما وثالث نختلف فيه، أحد الشيئين تعظيم حقهن والاعتراف بفضلهن، كما يلزم تعظيم حقوق الأمهات ولقوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: (٣٢)]. والثاني: تحريم نكاحهن حتى لا يحللن لأحد بعده من الخلق كما يحرم نكاح الأمهات لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وسبب نزول هذه الآية ما حكاه السدي أن رجلا من قريش قال عند نزول أية الحجاب: أيحجبنا رسول الله ﷺ عن بنات عمنا ويتزوج نسائنا من بعدنا، لثن حدث به حدث لتزوجن نساءه من بعده، فنزلت هذه الآية، ولأن حكم نكاحهن لا ينقضي بموته لكونهن أزواجه في الآخرة، فوجب أن يكون تحريمهن بعد موته كتحريمهن في حياته. فأما الحكم الثالث: اختلف فيه فهو المحرم هل يصرن كالأمهات في المحرم حتى لا يحرم النظر إليهن على وجهين: أحدهما: لا يحرم النظر إليهن لتحريمهن كالأمهات نسبا ورضاعا. والوجه الثاني: يحرم النظر إليهن حفظا لحرمة رسوله فيهن. وقد كانت عائشة إذا أرادت دخول رجل عليها أقرت أختها أسماء أن ترضعه حتى ليصير ابن أختها، فيصر محرما لها ولا يجري عليهن أحكام الأمهات في النفقة بالميراث، فلهذا قال الشافعي: "أمهاتهم في معنى دون معنى" وإذا كن أمهات المؤمنين ففي كونهن أمهات المؤمنين وجهان: أحدهما: أنهن أمهات المؤمنين والمؤمنات تعظيما لحقهن على الرجال والنساء. والوجه الثاني: أن حكم التحريم مختص بالرجال دون النساء فكن أمهات المؤمنين دون المؤمنات، وقد روى الشعبي عن مسروق عن عائشة، أن امرأة قالت لها: يا أمه فقالت: لست لك بأم وإنما أنا أم رجالكم. واختلف أصحابنا في وجوب العدة عليهن بوفاة رسول الله ﷺ عنهن على وجهين: أحدهما: ليس عليهن عدة, لأنهن حرمن كان كل زمانهن عدة. والثاني: يجب عليهن تعبدا أن يعتدون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، لما في العدة من الإحداد ولزوم المنزل، ثم نفقاتهن تجب بعد وفاته في سهمه من خمس الخمس من الفيء والغنيمة لبقاء تحريمهن، وقد أنفق عليهن أبو بكر ﵁ وأجرى لهم عمر ﵁ عطاءً فائضا، فهذا حكم من مات عنهن رسول الله ﷺ من زوجاته.

стр. 4127

فرع: فأما اللاتي فارقهن رسول الله ﷺ في حياته فليس لهن من حرمة التعظيم ما للمتوفي عنهن، وفي تحريمهن على الأمة ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يحرمن سواء دخل بهن أو لم يدخل لقوله تعالى ﴿إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨] وإرادة الدنيا منهن هي طلب الأزواج لهن, لأن النبي ﷺ قال: "أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة" وليس للمطلقات من أزواجه في الآخرة. والثاني: أنهن يحرمن سواء دخل بهن أو لم يدخل بهن تعظيما لحرمة الرسول فيهن، لقوله ﷺ :"كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبيا" وليحفظ الله تعالى محبة رسوله في قلوب أمته, فإن العادة أن زوج المرأة يبغض من تقدمه من أزواجها، والتعرض لبعض الرسول كفر. والثالث: وهو الأصح أنه إن لم يكن دخل بهن لم يحرمن، وإن كان دخل بهن حرمن صيانة لخلوة الرسول أن تبدوا، فإن من عادة المرأة إن تزوجت ثانيا بعد الأول أن تذم عنده الأول إن حمدته، وتحمد الأول إن ذمته, ولأنه كالإجماع من جهة الصحابة. روي أن النبي ﷺ تزوج في سنة عشر التي مات فيها في شهر ربيع الأول قتيلة أخت الأشعث بن قيس الكندي ولم يدخل بها, فأوصى في مرضه أن تخير إن شاءت أو يضرب عليها الحجاب، وتحرم على المؤمنين ويحرم عليها ما يجري على أمهات المؤمنين، وان شاءت أن تنكح من شاءت نكحت فاختارت النكاح فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر فقال: هممت أن أحرمه عليكما، فقال عمر: ما هن من أمهات المؤمنين، ما دخل بها رسول الله ﷺ ولا ضرب عليها حجابا، فكف عنها أبو بكر. وروي أن الأشعث بن قيس تزوج امرأة كان رسول الله ﷺ تزوجها وفارقها، فهم عمر برجمهما حتى بلغه أن رسول الله ﷺ لم يدخل بها فكف عنهما، فصار ذلك كالإجماع. فإن قلنا: إنها لا تحرم لم تجب نفقتها، وان قلنا: إنها محرمة ففي وجوب نفقتها في سهم رسول الله ﷺ من الخمس وجهان: أحدهما: تجب كما تجب نفقات من مات عنهن لتحريمهن. الثاني: لا تجب لأنها لم تجب قبل الوفاة فأولى أن لا تجب بعدها، ولأنها مبتوتة العصمة بالطلاق.

стр. 4128

فرع: فأما من وطئها من إمائه فإن كانت باقية على ملكه إلى حين وفاته مثل مارية أم ابنه إبراهيم حرم نكاحها على المسلمين وان لم تصر كالزوجات أما للمؤمنين لنقصها بالرق وان كان قد باعها وملكها مشتريها بقي تحريمها عليه وعلى جميع المسلمين وجهان كالمطلقة. فرع: فأما ما نقله المزني أن رسول الله ﷺ قد زوج بناته وهن أخوات المسلمين، وإنما أراد به الشافعي أنهم وان كن كالأمهات في تحريمهن فلسن كالأمهات في جميع أحكامهن، أن لو كان كذلك لما زوج رسول الله ﷺ أحد من بناته منهن؟ لأنهن أخوات المؤمنين، وقد زوج وسول الله ﷺ أربعا من بناته فزوج قبل النبوة: زينب بأبي العاص بن الربيع، وزوج قبل النبوة رقية بعتبة بن أبي لهب وطلقها بعد النبوة فزوجها بعده عثمان بن عفان ﵁ بمكة فولدت له عبد الله, وبلغ ست سنين ثم مات هو وأمه ورسول الله ﷺ ببدر، ثم زوجه بعدها بأم كلثوم فماتت عناه في حياة رسول الله ﷺ ، فقال: "لو كان لنا ثالثة لزوجناك" وزوج عليا ﵁ فاطمة بعد الهجرة، فلما زوج رسول الله ﷺ من ذكرنا من بناته علم اختصاص نسائه من حكم الأمهات بالتعظيم والتحريم, إلا أن المزني نقل عن الشافعي ما زوج بناته وهن أخوات المؤمنين فذهب أكثرها أصحابنا إلى غلط منه في النقل، وأن الشافعي قال في "أحكام القرآن" من الأم: "قد زوج بناته وهن غير أخوات المؤمنين" فغلط في النقل. وذهب بعض أصحابنا إلى صحة نقل المزني وأنه على معنى النقل والتقرير، ويكون تقديره قد زوج نباته أو يزوجهن وهن أخوات المؤمنين. فرع: ومما خص الله تعالى به نماء رسول الله ﷺ تفضيلا لهن وإكراما لرسوله أن ضاعف عليهن عقاب السيئات، وضاعف عليهن ثواب الحسنات، فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: (٣٠)]. وفي الفاحشة المبينة هاهنا تأويلان: أحدهما: الزنا وهو قول السدي. والثاني: النشوز وسوء الخلق وهو تول ابن عباس. وني مضاعف العذاب لهما معفين قولان لأهل العلم: أحدهما: أنه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وهو (قول) قتادة.

стр. 4129

والثاني: أنه عذابان في الدنيا لعظم جرمهن بأذية رسول الله ﷺ . قال مقاتلا: حدان في الدنيا غير السرقة. وقال سعيد بن جبير: فجهل عذابهن ضعفين وعلى من قذفهن الحد ضعفين، ولم أر للشافعي نصا في أحد القولين غير أن الأشبه بظاهر كلامه إنما هو حدان في الدنيا. فإن قيل: في أمر مضاعفة الحد عليهن من تفضيلهن. قيل: لأنه لما كان حد العبد نصف حد الحر لنقصه عن كمال الحر وجب أن يكون مضاعفة الحد عليهن من تفضيلهن على غيرهن، ثم قال تعالى: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: (٣١)] أي يطيع الله ورسوله والقنوت الطاعة ثم قال: ﴿وتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: (٣١)] فضوعف لهن الأجر مرتين كما ضوعف عليهن العذاب ضعفين، فصار كلا الأمرين تفصيلا لهن وزيادة من كرامتهن, وفي ﴿أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ قولان لأهل العلم: أحدهما: أن كلا الأجرين في الآخرة. والثاني: أن أحدهما في الدنيا والثاني في الآخرة. ويحتمل قوله: ﴿وأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ تأويلين: أحدهما: حلالا فقد كان رزقهن من أجل الأرزاق. والثاني: واسعا فقد صار رزقهن بعد وفاته وفي أيام عمر من أوسع الأرزاق. فرع: وصار ما خص الله تعالى به رسول الله ﷺ في مناكحه، مما جاء فيه نص واتصل به نقل عشر خصال، تنقسم ثلاثة أقسام منها ثلاثة خصال تغليظ، وثلاث خصار تخفيف وأربع خصال كرامة. فأما الثلاث التغليظ فإحداهن: ما أوجبه عليه من تخيير نسائه. والثانية: ما حظر عليه من طلاقهن. والثالثة: ما منعه من الاستبدال بهن. وأما الثلاث التخفيف: فإحداهن: ما أباحه له من النكاح من غير تقدير محصور. والثانية: أن يملك النكاح بلفظ الهبة من غير بدل. والثالثة: أنه إذا أعتق أمة على أن يتزوجها كان عتقها نكاحا عليها وصداقا لها, لأنه أعنق صفية بنت حيي على هذا الشرط فصارت بالعتق زوجة وصار العتق لها صداقا. فأما الأربع الكرامة: فإحداهن: أنه فضل نسائه على نساء العالمين. والثانية: أنه جعلهن أمهات المؤمنين. والثالثة: حرمهن على جميع المسلمين. والرابعة: ما ضاعف من ثوابهن وعقابهن. فرع وإذا قد مضى ما كان رسول الله ﷺ مخصوصاً به في مناكحه نصا. فقد اختلف

стр. 4130

أصحابنا في جواز الاجتهاد فيما يجوز أن يكون مخصوما به في مناكحة من طريق الاجتهاد والنص، فكان أبو علي بن خيران يمتنع من جواز الاجتهاد لنقصه، وكذلك في الإمامة, لأن الاجتهاد وإنما يجوز عند الضرورة في النوازل الحادثة. وذهب سائر أصحابنا إلى جواز الاجتهاد في ذلك ليتوصل به إلى معرفة الأحكام، وان لم تدع إليها ضرورة، كما اجتهدوا فيما لم يحدث من النوازل فاجتهدوا في سبع مسائل أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف فيها. فأحدها: أن اختلفوا هل كان لرسول الله ﷺ أن ينكح بغير ولي ولا شهود؟ على وجهين: أحدهما: لم يكن له ذلك. وهو وغيره سواء في أن ينكح إلا بولي وشاهدين لقوله ﷺ : "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح" فلم يجز أن يتوجه ذلك إلى مناكحه. الثاني: أن يجوز له أن ينكح بغير ولي ولا شاهدين لقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وأَزْوَاجُهُ﴾ [الأحزاب: ٦] ولأن النبي ﷺ خطب أم سلمة فقال: ما لي ولي حاضر فقال: ما يكرهني من أوليائك حاضر ولا غائب، ثم قال لابنها عمر وكان غير بالغ: قم زوج أمك. وقد أنكر أحمد بن حنبل على من قال غير بالغ وهو قول الأكثرين، ولأن الولي إنما يراد لالتماس الأكفاء والرسول ﷺ أفضل الأكفاء. والشهود إنما يرادون حذر التناكر وهذا غير موهوم في الرسول ﷺ أن يكون منه أو له فلذلك لم يفتقر نكاحه إلى ولي ولا شهود. فرع والمسألة الثانية: أن اختلفوا هل له نكاح الكتابية أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لم يكن له ذلك لقوله تعالى: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وقال ﷺ : "أزواجي في الدنيا هن أزواجي في الآخرة ". وهذان الأمران منتفيان عن غير المسلمات, ولأن الله تعالى شرط فيما أباحه لرسوله من بنات عمه وعماته الهجرة، فقال: ﴿اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فلما حظر عليه من المسلمات من لم تهاجر فكيف يستبيح من لم تسلم ولم تهاجر؟. والثاني: يحل له نكاح الكتابية، لأن حكم رسول الله ﷺ في النكاح أوسع من حكم أمته فلم يجز أن يحرم عليه ما يحل لأمته؟ ولأنه ﷺ استمتع بأمته ريحانة بنت عمرو بملك يمينه، وكانت يهودية من سبي بني قريظة، وعرض عليها الإسلام فأبت، ثم أسلمت من بعد، فلما بشر بإسلامها سر به. والكفر في الأمة أغلظ منه في الحرة؟ لأن نكاح الأمة الكتابية حرام، ونكاح الحرة الكتابية مباح، فلما لم تحرم عليه الأمة الكتابية فأولى أن لا تحرم عليه الحرة الكتابية، فعلى هذا إذا نكح الكتابية فهل عليه تخييرها أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان:

стр. 4131

أحدهما: عليه تخييرها، فإن أسلمت ثبت نكاحها، وان أقامت على دينها فارقها ليصح أن تكون من أزواجه في الآخرة. والثاني: ليس ذلك عليه؟ لأنه ما خير ريحانة وقد عرض عليها الإسلام فأبت وأقام على الاستمتاع بها. فأما الأمة فلم يختلف أصحابنا أنه لم يكن له أن يتزوجها وان جاز أن يستمتع بها لملك يمينه, لأن نكاح الأمة مشروط بخوف العنت وهذا غير مجوز عليه. فرع: والمسألة الثالثة: أن اختلفوا هل كان له أن ينكح في إحرامه؟ فذهب أبو الطيب بن سلمة إلى جوازه له خصوصا لروايته أنه تزوج ميمونة محرما، وذهب سائر أصحابنا إلى أنه ممنوع من النكاح في الإحرام كغيره من أمته, لأنه وإياهم في محظورات الإحرام سواء، وما نكح ميمونة إلا حلالا. والمسألة الرابعة: أن اختلفوا في التي خطبها هل يلزمها إجابته؟ على وجهين: أحدهما: يلزمها إجابته لقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢ (٤)]. الثاني: لا يلزمها إجابته كما لا يلزمها إجابة غيره, لأن عقود المناكح لا تصح إلا عن مراضاة. والمسألة الخامسة: أن اختلفوا فيمن لم يمم لها في عقد نكاحها مهرا، هل يلزمه لها مهر المثل؟ على وجهين: أحدهما: يلزمه كما يلزم غيره لقوله ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها". الثاني: لا يلزمه لأن المقصود منه التوصل إلى ثواب الله تعالى. والمسألة السادسة: أن اختلفوا فيما يملكه من الطلاق هل هو محصور بعدد أم مرسل بغير أمر؟ على وجهين: أحدهما: مرسل بغير أما ولا محصور بعدد، ومهما طلق كان له بعد الطلاق أن يراجع؟ لأنه لم ينحصر عاد نسائه لم ينحصر طلاقهن. الثاني: أنه محصور بالثلاث وان لم ينحصر عدد المنكوحات, لأنه المأخوذ عليه من أسباب التحريم أغلظ، فعلى هذا إذا استكمل طلاق واحدة منهن ثلاثا هل تحل له بعد زوج أم لا؟ على وجهين: أحدهما: تحل لما خص به من تحريم نسائه على غيره. والثاني: لا تحل له أبدا لما عليه من التغليظ في أسباب التحريم.

стр. 4132

والمسألة السابعة: أن اختلفوا في وجوب القسم عليه بين أزواجه على وجهين: أحدهما: كان واجبا عليه, لأنه كان يقسم بينهن، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تؤاخذني فيما لا املك". يعني: قلبه وطيفه على نسائه محمولا في مرضه حتى حللنه في المقام عند عائشة .. وهم بطلاق سودة، فقالت: قد أحببت أن أحشر في جمل نسائك، وقد وهبت يومي منك لعائشة، فكف عن طلاقها. وكان يقسم لنسائه يوما يوما ولعائشة يومين، يومها ويوم سودة. وقيل: في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وهو قول السدي. الثاني: آن القسم بينهن لم يكن واجبا، وإنما كان يتطوع به وهو قول آبي سعيد الاصطخري وطائفة لها في وجوبه عليه من التشاغل عن لوازم الرسالة، ولقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:٥١] وفيه تأويلان: أحدهما: معناه تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتها وتأتي من تشاء من أزواجك فلا تعزلها، هذا قول مجاهد. والثاني: معناه تق خر من شتت من أزواجك, وهذا قول قتادة. ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي من ابتغيت فآويته إليك ممن غزلت آن تؤويه إليك ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: فلا جناح عليك فيمن ابتغيت وفيمن عزلت وهو قول يحيى بن سلام. والثاني: فلا جناح عليك فيمن عزلت آن تؤويه إليك، وهو قول مجاهد: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١] فيه تأويلان: أحدهما: إذا علمن آن له ودهن إلى فراشه إذا اعتزلهن قرت أعينهن فلم يحزن. وهذا قول مجاهد. والثاني: إذا علمن آن هذا من حكم الله تعالى فيهن قرت أعينهن ولم يحزن وهذا قول قتادة، فاختلفوا هل أرجأ رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية أحدًا من نسائه أم لا؟ فالذي عليه الأكثرون أنه لم يرج منهن أحدا وأنه مات عن تسع فكان يقسم منهن لثمان؟ لآن سودة وهبت يومها لعائشة، روي عن منصور عن ابن وزين قال: بلغ بعض نسوة النبي ﷺ أنه يريد أن يخلي سبيلهن فأتينه فقلن: لا تخل سبيلنا، وأنت في حل فيما بيننا وبينك، فأرجأ منهن نسوة وآوى نوة، فكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وآم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقم بينهن في نفسه وماله ما شاء، وكان ممن آوى عائشة وأم سلمة

стр. 4133

وزينب وحفصة فكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، والله أعلم. فرع: وإذا قد مضى ما قد خص به رسول الله ﷺ في مناكحه نصًا واجتهادا وما خص به أزواجه تفصيلا وحكما، فلا بد من ذكر أزواجه ليعلم من يميز من نساء الأمة بهذه الأحكام المخصوصة وهن ثلاث وعشرون امرأة منهن ست متن قبله وتسع مات قبلهن وثمان فارقهن. فأما الست اللاتي متن قبله فإحداهن خديجة بنت خويلد، وهي أول امرأة تزوجها قبل النبوة عند مرجعه من الشام، وهي أم بنين وبناته إلا إبراهيم فإنه من ماريه القبطية، كان المقوقس أهداها إليه ولم يتزوج على خديجة أحدا حتى ماتت. والثانية: زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين ودخل بها وأقامت عنده شهورا ثم ماتت وكان أخت ميمونة من أمها. والثالثة: سند بنت الصلت ماتت قبل أن تصل إليه. والرابعة: شراق أخت دحية الكلبي ماتت قبل أن تصل إليه. والخامسة: خولة بنت الهذيل ماتت قبل أن تصل إليه. والسادسة: خولة بنت حكيم السلمية ماتت قبل دخوله بها، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، فهؤلاء ست متن قبله دخل منهن باثنين ولم يدخل بأربع. وأما التسع اللاتي مات عنهن فإحداهن عائشة بنت أبي بكر، وهي أول امرأة تزوجها بعد موت خديجة ولم يتزوج بكرا غيرها, عقد عليها بمكة وهي ابنة سبع ودخل بها بالمدينة وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة. والثانية: سودة بنت زمعة تزوجها بعد عائشة، وكانت أم خمسة صبية فلما عرف أخوها عبد الله بن زمعة أنها تزوجت رسول الله ﷺ حثى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لسفيه لما حثوت التراب على رأسي حين تزوج رسول الله ﷺ أختي. والثالثة: حفصة بنت عمر تزوجها بعد سودة، وكان عثمان قد خطبها فقال النبي ﷺ : "ألا أدلك على من هو خير لها من عثمان وأدل عثمان على من هو خير له منها" فتزوجها وزوج بنته أم كلثوم بعثمان. والرابعة: أم حبيبة بنت أبي سفيان وقيل: إنه نزل في تزويجها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ [الممتحنة: (٧)] ولما تنازع أزواج رسول الله ﷺ في حضانة ابنه إبراهيم قال: "ادفعوه إلى أم حبيبة فإنها أقربهن منه رحما". والخامسة: أم سلمة بنت أبي أمية. والسادسة: زينب بنت جحش نزل عنها زيد بن حارثة فتزوجها وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وكانت بنت عمة رسول الله ﷺ وأمها أميمة بنت عبد المطلب.

стр. 4134

والسابعة: ميمونة بنت الحارث وكان بالمدينة فوكل أم رافع في تزويجه بها وبقي بمكة ودخل بها عام الفتح بسرف. وقضة الله تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف. والثامنة: جويرية بنت الحارث من بني المصطلق من خزاعة سباها رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع التي هدم فيها مناة ثم أعتقها وتزوجها. وقال الشعبي: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك وسول الله ﷺ ما بقي أحد من المسلمين عبدا من قومها إلا أعتقه لمكانتها. فقيل: إنها كانت أبرك امرأة على قومها. والتاسعة: صفية بنت حيي بن أخطب اصطفاها رسول الله ﷺ من سبي النضير ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهودية شاة مسمومة فأكل منها رسول الله ﷺ . فهؤلاء تسع مات عنهن، وكان يقسم لثمان منهن. وأما الثمان اللاتي فارقهن في حياته: فإحداهن: أسماء بنت النعمان الكندية، دخل عليها فقال لها: تعالى. فقالت: أنا من قوم نؤتى ولا نأتي، فقام إليها فأخذ بيدها فقالت: ملكة تحت سوقة، فغضب وقال: لو رضيك الله لي لأمسكتك وطلقها. والثانية: ليلى بنت الحطيم أتت رسول الله ﷺ وهو غافل فضربت ظهره، فقال: "من هذا؟ أكلة الأسود" فقالت: أنا ليلى قد جثتك أعرض نفسي عليك. فقال: "قد قبلتك" ثم علمت كثرة ضرائرها فاستقالته فأقلها، فدخلت حائطا بالمدينة فأكلها الذئب. والثالثة: عمرة بنت يزيد الكلابية دخل بها ثم رآها تتطلع فطلقها. والرابعة: العالية بنت ظبيان، دخل بها ومكثت عنده ما شاء الله ثم طلقها. والخامسة: فاطمة بنت الضحاك الكلابية لما خير الرسول الله ﷺ نساءه اختارت فراقه ففارقها بعد دخوله بها. والسادسة: قتيلة بنت قيس أخت الأشعث وصى رسول الله ﷺ بتخيرها في مرضه، فاختارت فراقه ففارقها قبل الدخول. والسابعة: مليكة بنت كعب الليثية كانت مذكورة بالجمال فدخلت إليها عائشة، فقالت: ألا تستحين أن تتزوجين قاتل أبيك يوم الفتح، فاستعيذي منه فإنه يعيذك، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقالت: أعوذ بالله منك، فأعرض عنها وقال: "قد أعاذك الله مني" وطلقها. والثامنة: امرأة من عفان تزوجها ورأى بكشحها وضحا فقال: "ضمي إليك ثيابك والحقي بأهلك" فهؤلاء ثمان فارقهن في حياته دخل منهن بثلاث، والله اعلم.

стр. 4135

فرع: وإذ قد مضى ما خص به رسول الله ﷺ في مناكحه فالكلام فيما خص به رسول الله ﷺ في غير مناكحه، وهو منقسم خمسة أقسام: أحدها: ما خص به من فرض. والثاني: ما خص به من حظر. والثالث: ما خص به من إباحة. والرابع: ما خص به من معونة. والخامس: ما خص به من كرامة. فأما ما خص به من فرض فثماني خصال: منها قوله: "فرض علي الوتر ولم يفرض عليكم"، ومنها قوله: "فرض علي السواك ولم يفرض عليكم"، ومنها قوله: "فرضت علي الأضحية ولم تفرض عليكم"، ومنها: أن فرضه في الصلاة كامل لا خلل فيه", ما اختلف أصحابنا فيه من قيام الليل هل كان مخصوصا به؟ على وجهين: ومنها: أنه إذا لبس لامة سلاحه فليس له الرجوع قبل لقاء عدوه. ومنها: أنه كان إذا بارز في الحرب رجلا لم ينكف عنه حتى يقتله. ومنها: أنه لا يفر من الزحف ويقف بارزا عدوه وان كثروا. فرع: فأما ما خص به من حظر فخمسة خصال: منها: قول الشعر وروايته لقوله تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]. ومنها الكتابة والقراءة لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ومنها: أن ليس له خائنة الأعين ولأنه أمر عام الفتح بقتل ستة وان تعلقوا بأستار الكعبة أتاه عثمان بأحدهم وكان قريبه ليأخذ له أمانا منه فأعرض عنه ثم عاوده فأمنه. فلما ولي قال لمن حضر من أصحابه: هلا قتلتموه فقال: هلا أومأت إلينا بعينيك، فقال: ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين. ومنها منعه من الصدقات. ومنها: منعه من أكل ما تؤذي رائحته من البقول لهبوط الوحي عليه. فرع: فأما ما خص به من إباحة فأربع خصال: منها: الوصال بين اليومين بالإمساك لأنه لما نهى عن الوصال وواصل قال: "إني لست مثلكم إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني".
следующие страницы →