Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
أحدهما: عليه تخييرها، فإن أسلمت ثبت نكاحها، وان أقامت على دينها فارقها ليصح أن تكون من أزواجه في الآخرة.
والثاني: ليس ذلك عليه؟ لأنه ما خير ريحانة وقد عرض عليها الإسلام فأبت وأقام على الاستمتاع بها. فأما الأمة فلم يختلف أصحابنا أنه لم يكن له أن يتزوجها وان جاز أن يستمتع بها لملك يمينه, لأن نكاح الأمة مشروط بخوف العنت وهذا غير مجوز عليه.
فرع:
والمسألة الثالثة: أن اختلفوا هل كان له أن ينكح في إحرامه؟ فذهب أبو الطيب بن سلمة إلى جوازه له خصوصا لروايته أنه تزوج ميمونة محرما، وذهب سائر أصحابنا إلى أنه ممنوع من النكاح في الإحرام كغيره من أمته, لأنه وإياهم في محظورات الإحرام سواء، وما نكح ميمونة إلا حلالا.
والمسألة الرابعة: أن اختلفوا في التي خطبها هل يلزمها إجابته؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمها إجابته لقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢ (٤)].
الثاني: لا يلزمها إجابته كما لا يلزمها إجابة غيره, لأن عقود المناكح لا تصح إلا عن مراضاة.
والمسألة الخامسة: أن اختلفوا فيمن لم يمم لها في عقد نكاحها مهرا، هل يلزمه
لها مهر المثل؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه كما يلزم غيره لقوله ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها".
الثاني: لا يلزمه لأن المقصود منه التوصل إلى ثواب الله تعالى.
والمسألة السادسة: أن اختلفوا فيما يملكه من الطلاق هل هو محصور بعدد أم مرسل بغير أمر؟ على وجهين:
أحدهما: مرسل بغير أما ولا محصور بعدد، ومهما طلق كان له بعد الطلاق أن يراجع؟ لأنه لم ينحصر عاد نسائه لم ينحصر طلاقهن.
الثاني: أنه محصور بالثلاث وان لم ينحصر عدد المنكوحات, لأنه المأخوذ عليه من أسباب التحريم أغلظ، فعلى هذا إذا استكمل طلاق واحدة منهن ثلاثا هل تحل له بعد زوج أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: تحل لما خص به من تحريم نسائه على غيره.
والثاني: لا تحل له أبدا لما عليه من التغليظ في أسباب التحريم.
стр. 4132
والمسألة السابعة: أن اختلفوا في وجوب القسم عليه بين أزواجه على وجهين:
أحدهما: كان واجبا عليه, لأنه كان يقسم بينهن، ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تؤاخذني فيما لا املك".
يعني: قلبه وطيفه على نسائه محمولا في مرضه حتى حللنه في المقام عند عائشة ..
وهم بطلاق سودة، فقالت: قد أحببت أن أحشر في جمل نسائك، وقد وهبت يومي منك لعائشة، فكف عن طلاقها. وكان يقسم لنسائه يوما يوما ولعائشة يومين، يومها ويوم سودة.
وقيل: في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وهو قول السدي.
الثاني: آن القسم بينهن لم يكن واجبا، وإنما كان يتطوع به وهو قول آبي سعيد الاصطخري وطائفة لها في وجوبه عليه من التشاغل عن لوازم الرسالة، ولقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:٥١] وفيه تأويلان:
أحدهما: معناه تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتها وتأتي من تشاء من أزواجك فلا تعزلها، هذا قول مجاهد.
والثاني: معناه تق خر من شتت من أزواجك, وهذا قول قتادة. ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي من ابتغيت فآويته إليك ممن غزلت آن تؤويه إليك ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: فلا جناح عليك فيمن ابتغيت وفيمن عزلت وهو قول يحيى بن سلام.
والثاني: فلا جناح عليك فيمن عزلت آن تؤويه إليك، وهو قول مجاهد: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١] فيه تأويلان:
أحدهما: إذا علمن آن له ودهن إلى فراشه إذا اعتزلهن قرت أعينهن فلم يحزن. وهذا قول مجاهد.
والثاني: إذا علمن آن هذا من حكم الله تعالى فيهن قرت أعينهن ولم يحزن وهذا قول قتادة، فاختلفوا هل أرجأ رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية أحدًا من نسائه أم لا؟ فالذي عليه الأكثرون أنه لم يرج منهن أحدا وأنه مات عن تسع فكان يقسم منهن لثمان؟ لآن سودة وهبت يومها لعائشة، روي عن منصور عن ابن وزين قال: بلغ بعض نسوة النبي ﷺ أنه يريد أن يخلي سبيلهن فأتينه فقلن: لا تخل سبيلنا، وأنت في حل فيما بيننا وبينك، فأرجأ منهن نسوة وآوى نوة، فكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وآم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقم بينهن في نفسه وماله ما شاء، وكان ممن آوى عائشة وأم سلمة
стр. 4133
وزينب وحفصة فكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، والله أعلم.
فرع:
وإذا قد مضى ما قد خص به رسول الله ﷺ في مناكحه نصًا واجتهادا وما خص به أزواجه تفصيلا وحكما، فلا بد من ذكر أزواجه ليعلم من يميز من نساء الأمة بهذه الأحكام المخصوصة وهن ثلاث وعشرون امرأة منهن ست متن قبله وتسع مات قبلهن وثمان فارقهن. فأما الست اللاتي متن قبله فإحداهن خديجة بنت خويلد، وهي أول امرأة تزوجها قبل النبوة عند مرجعه من الشام، وهي أم بنين وبناته إلا إبراهيم فإنه من ماريه القبطية، كان المقوقس أهداها إليه ولم يتزوج على خديجة أحدا حتى ماتت.
والثانية: زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين ودخل بها وأقامت عنده شهورا ثم
ماتت وكان أخت ميمونة من أمها.
والثالثة: سند بنت الصلت ماتت قبل أن تصل إليه.
والرابعة: شراق أخت دحية الكلبي ماتت قبل أن تصل إليه.
والخامسة: خولة بنت الهذيل ماتت قبل أن تصل إليه.
والسادسة: خولة بنت حكيم السلمية ماتت قبل دخوله بها، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، فهؤلاء ست متن قبله دخل منهن باثنين ولم يدخل بأربع.
وأما التسع اللاتي مات عنهن فإحداهن عائشة بنت أبي بكر، وهي أول امرأة تزوجها بعد موت خديجة ولم يتزوج بكرا غيرها, عقد عليها بمكة وهي ابنة سبع ودخل بها بالمدينة وهي ابنة تسع، ومات عنها وهي ابنة ثماني عشرة.
والثانية: سودة بنت زمعة تزوجها بعد عائشة، وكانت أم خمسة صبية فلما عرف أخوها عبد الله بن زمعة أنها تزوجت رسول الله ﷺ حثى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لسفيه لما حثوت التراب على رأسي حين تزوج رسول الله ﷺ أختي.
والثالثة: حفصة بنت عمر تزوجها بعد سودة، وكان عثمان قد خطبها فقال النبي ﷺ : "ألا أدلك على من هو خير لها من عثمان وأدل عثمان على من هو خير له منها" فتزوجها وزوج بنته أم كلثوم بعثمان.
والرابعة: أم حبيبة بنت أبي سفيان وقيل: إنه نزل في تزويجها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ [الممتحنة: (٧)] ولما تنازع أزواج رسول الله ﷺ في حضانة ابنه إبراهيم قال: "ادفعوه إلى أم حبيبة فإنها أقربهن منه رحما".
والخامسة: أم سلمة بنت أبي أمية.
والسادسة: زينب بنت جحش نزل عنها زيد بن حارثة فتزوجها وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وكانت بنت عمة رسول الله ﷺ وأمها أميمة بنت عبد المطلب.
стр. 4134
والسابعة: ميمونة بنت الحارث وكان بالمدينة فوكل أم رافع في تزويجه بها وبقي بمكة ودخل بها عام الفتح بسرف. وقضة الله تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف.
والثامنة: جويرية بنت الحارث من بني المصطلق من خزاعة سباها رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع التي هدم فيها مناة ثم أعتقها وتزوجها. وقال الشعبي: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك وسول الله ﷺ ما بقي أحد من المسلمين عبدا من قومها إلا أعتقه لمكانتها. فقيل: إنها كانت أبرك امرأة على قومها.
والتاسعة: صفية بنت حيي بن أخطب اصطفاها رسول الله ﷺ من سبي النضير ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهودية شاة مسمومة فأكل منها رسول الله ﷺ . فهؤلاء تسع مات عنهن، وكان يقسم لثمان منهن. وأما الثمان اللاتي فارقهن في حياته:
فإحداهن: أسماء بنت النعمان الكندية، دخل عليها فقال لها: تعالى. فقالت: أنا من قوم نؤتى ولا نأتي، فقام إليها فأخذ بيدها فقالت: ملكة تحت سوقة، فغضب وقال: لو رضيك الله لي لأمسكتك وطلقها.
والثانية: ليلى بنت الحطيم أتت رسول الله ﷺ وهو غافل فضربت ظهره، فقال: "من هذا؟ أكلة الأسود" فقالت: أنا ليلى قد جثتك أعرض نفسي عليك. فقال: "قد قبلتك" ثم علمت كثرة ضرائرها فاستقالته فأقلها، فدخلت حائطا بالمدينة فأكلها الذئب.
والثالثة: عمرة بنت يزيد الكلابية دخل بها ثم رآها تتطلع فطلقها.
والرابعة: العالية بنت ظبيان، دخل بها ومكثت عنده ما شاء الله ثم طلقها.
والخامسة: فاطمة بنت الضحاك الكلابية لما خير الرسول الله ﷺ نساءه اختارت فراقه ففارقها بعد دخوله بها.
والسادسة: قتيلة بنت قيس أخت الأشعث وصى رسول الله ﷺ بتخيرها في مرضه، فاختارت فراقه ففارقها قبل الدخول.
والسابعة: مليكة بنت كعب الليثية كانت مذكورة بالجمال فدخلت إليها عائشة، فقالت: ألا تستحين أن تتزوجين قاتل أبيك يوم الفتح، فاستعيذي منه فإنه يعيذك، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقالت: أعوذ بالله منك، فأعرض عنها وقال: "قد أعاذك الله مني" وطلقها.
والثامنة: امرأة من عفان تزوجها ورأى بكشحها وضحا فقال: "ضمي إليك ثيابك والحقي بأهلك" فهؤلاء ثمان فارقهن في حياته دخل منهن بثلاث، والله اعلم.
стр. 4135
فرع:
وإذ قد مضى ما خص به رسول الله ﷺ في مناكحه فالكلام فيما خص به رسول
الله ﷺ في غير مناكحه، وهو منقسم خمسة أقسام:
أحدها: ما خص به من فرض.
والثاني: ما خص به من حظر.
والثالث: ما خص به من إباحة.
والرابع: ما خص به من معونة.
والخامس: ما خص به من كرامة.
فأما ما خص به من فرض فثماني خصال: منها قوله: "فرض علي الوتر ولم يفرض عليكم"، ومنها قوله: "فرض علي السواك ولم يفرض عليكم"، ومنها قوله: "فرضت علي الأضحية ولم تفرض عليكم"، ومنها: أن فرضه في الصلاة كامل لا خلل فيه", ما اختلف أصحابنا فيه من قيام الليل هل كان مخصوصا به؟ على وجهين:
ومنها: أنه إذا لبس لامة سلاحه فليس له الرجوع قبل لقاء عدوه.
ومنها: أنه كان إذا بارز في الحرب رجلا لم ينكف عنه حتى يقتله.
ومنها: أنه لا يفر من الزحف ويقف بارزا عدوه وان كثروا.
فرع:
فأما ما خص به من حظر فخمسة خصال: منها:
قول الشعر وروايته لقوله تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]. ومنها الكتابة والقراءة لقوله تعالى: ﴿ومَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ومنها: أن ليس له خائنة الأعين ولأنه أمر عام الفتح بقتل ستة وان تعلقوا بأستار الكعبة أتاه عثمان بأحدهم وكان قريبه ليأخذ له أمانا منه فأعرض عنه ثم عاوده فأمنه. فلما ولي قال لمن حضر من أصحابه: هلا قتلتموه فقال: هلا أومأت إلينا بعينيك، فقال: ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين. ومنها منعه من الصدقات.
ومنها: منعه من أكل ما تؤذي رائحته من البقول لهبوط الوحي عليه.
فرع:
فأما ما خص به من إباحة فأربع خصال:
منها: الوصال بين اليومين بالإمساك لأنه لما نهى عن الوصال وواصل قال: "إني لست مثلكم إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني".
стр. 4136
ومنها: الصفي يصطفي من المغانم ما شاء.
ومنها: أنه يحيي نفسه بمال غيره ونفسه وان كان على مثل ضرورته.
ومنها: أنه خص بحمى الموات في أحد القولين.
فرع:
فأما ما خص به من معونة فسبع خصال:
منها: ما جعله الله تعالى من خمس الخمس من الفيء والغنائم.
ومنها: ما ملكه الله تعالى إياه من أربعة أخماس الفيء.
ومنها: أن لا يقره الله تعالى على خطأ.
ومنها: ما أمده به من ملائكة.
ومنها: ما تكفل به من عصمته في قوله: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: (٦٧)].
ومنها: ما وعده به من نصرته.
ومنها: ما ألقاه في قلوب المشركين من رهبته حتى قال: "نصرت بالرعب"
فرع:
فأما ما خص به من كرامة فعشر خصال:
منها: أن بعثه إلى كافة الخلق.
ومنها: أن جعله خاتم الأنبياء.
ومنها: أن جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
ومنها: أن جعل أمته خير الأمم.
ومنها: أن تنام عيناه ولا ينام قلبه.
ومنها: أن يرى من ورائه كما يرى من أمامه.
ومنها: أن يبلغ السلام بعد الموت.
ومنها: أنه من تنشق عنه الأرض.
ومنها: أنه أول من يدخل الجنة.
ومنها: أنه يشهد لجميع النبيين بالأداء يوم القيامة.
الترغيب في النكاح وغيره
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ المرأة أَنْ يَتَزَوَّجَا إِذَا تَاقَتْ أَنْفُسهُمَا إلَيْهِ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ ورَضَيِهُ وَنَدَبَ إِلَيْهِ وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَنَاكَحُوا تَكْثُروا
стр. 4137
فَإِنَّي أُبَاهِي بِكُمْ الأُمَمَ حَتَّى بالسَّقَطِ" وَأَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِى فَلْيَسْتَنَّ بسُنَّتِي وَمِنْ سُنَّتِى النَّكَاحُ" وَيُقَالُ: إنَّ الرَّجُلَّ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، النكاح مباح وليس بواجب.
وقال داود: النكاح واجب استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: (٣)] وهذا أمر وبقوله ﵇: "تناكحوا تكثروا" قال: ولأنه إجماع بقول صحابيين لم يظهر خلافهما:
أحدهما: قول عمر لأبي الزوائد لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور.
والثاني: قول معاذ في مرضه: زوجوني لا ألقى الله عزبا ولأن في النكاح تحصين النفس مثل ما في الغذاء. فلما لزم تحصينها بالغذاء لزم تحصينها بالنكاح؟ ولأنه لما لزمه إعفاف أبيه كان إعفاف نفسه أولى.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (٣)] ومنه دليلان:
أحدهما: أنه علق بطيب النفس. ولو كان لازما واجبا للزم بكل حال.
والثاني: قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: (٣)] فخيره بين النكاح وملك اليمين والتخيير بين أمرين يقتضي تساوي حكمهما. فلما كان ملك اليمين ليس بواجب النكاح بمثابته وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ وأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فأباح نكاح الأمة لمن خشي الزنا. وجعل الصبر خيرا له ولو كان واجبا لكان الصبر شرا له.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "خياركم بعد المائتين كل خفيف حاذ" قيل: ومن الخفيف الحاذ قال: "الذي لا أهل له ولا ولد" وروي عنه ﷺ أنه قال: "الصبر على النساء خير من الصبر عليهن، والصبر عليهن خير من الصبر على النار".
وروي عنه ﷺ أنه قال: "مسكين مسكين رجل لا امرأة له، ومسكينة مسكينة امرأة لا رجل لها" فأخرج ذلك مخرج الرحمة وتارك الواجب لا يرحم. ولأنه لما لم يجب مقصود النكاح وهو الوطء، كان النكاح بأن لا يجب أولى، ولأنه ليس في النكاح أكثر من نيل شهوة وأدارك لذة وليس ذلك بواجب كسائر الشهوات؟ ولأنه لو وجب عليه قطع شهوته بالنكاح لوجب قطعها عنا العجز عنه بما قام مقمامه من دواء وعلاج؟ ولأن ما دعت إليه الشهوات خارج من جملة الواجبات؟ لأن من صفات الواجبات تكلف المشاق فيها وتحمل الأثقال لها، فأما الآية فقد جعلناها دليلا.
وأما الخبر فهو أمر بالنكاح للمكاثرة بالأولاد, ولأنه قال: "تناكحوا تكثروا فإن
стр. 4138
أباهي بكم الأمم حتى السقط". وليست المكاثرة واجبة وكذلك ما جعل طريقا إليها. أما قوله: إن فيه تحصين النفس فإنما يجب من تحصين النفس ما خيف منه التلف وليس في ترك النكاح خوف التلف.
وأما قوله لما لزمه إعفاف أبيه لزمه إعفاف نفسه. فقد كان أبو علي بن خيران يقول: إنه إعفاف أمته لا يجب عليه كما لا يجب عليه إعفاف أبيه وظاهر المذهب وجوبه ولا يجب عليه في نفسه كما يلزمه في حق أبيه القيام بكفايته من القوت والكسوة ولا يلزمه ذلك في حق نفسه، فكذلك النكاح. فأما قول عمر لأبي الزوائد: "ما منعك من النكاح إلا عجز أو فجور" فهو على طريقة الترغيب د ون الوجوب ولو كان واجبا لزمه وأما قول معاذ: زوجوني لا ألقى الله عزباً فقد قيل: إنه كان ذا أولاد ويجوز أن يكون اختار ذلك ندباً.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَنْ لَمْ تَتُقْ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَحَبًّ إلَىَّ أَنْ يَتَخَلَّى لِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى: ﴿والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] وَذَكَرَ عَبْداً أَكْرَمهُ فَقَالَ: "سَيَّداً وَحَصُراً" وَالحَصُورُ الَّذِي لَا يَاتِي النَّسَاءَ وَلَمْ يَنْدُبْهُمَّ إِلَى النَّكَاحِ فَدَلَّ أَنَّ المَنْدُبَ إلَيْه مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْه"
قال في الحاوي: وهذا صحيح وجملته أنه لا يخلو حال الإنسان من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون تائق النفس إلى النكاح شديد الشهوة له تنازعه نفسه إليه وان لم يحدثها به، فهذا مناوب إلى النكاح ومأمور به, ونكاحه أفضل من تركه، لئلا تدعوه شدة الشهوة إلى مواقعة الفجور، وفي مثله وردت أخبار الندب.
والثاني: أن يكون مصروف الشهوة عن غير تائق إليه. ومتى حدث نفسه به لم ترده فالأفضل لمثل هذا أن لا يتعرض له وتركه أفضل له من فعله. لئلا يدعوه الدخول فيه إلى العجز عما يلزمه من حقوق وفي مثله وردت أخبار الكراهة. وقد أثنى الله تعالى على يحيى بن زكريا في ترك النساء فقال: ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ [آل عمران: (٣٩)] وفيه تأويلان:
أحدهما: أن السيد: الخليفة، والحصور: الذي لا يأتي النسا،، وهذا قول قتادة.
والثاني: أن السيد: الفقيه: والحصور الذي لا يقدر محلى إتيان النسا،، وهذا قول سعيد بن المسيب. وذكر الله تعالى: ﴿والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: (٦٠)]. والقواعد: هن اللاتي قعدن بالكبر عن الحيض والحمل فلا يردن الرجال ولا يريدهن الرجال.
والثالث: أن يكون معتدل الشهوة إن صبرت نفسه عنه صبر، وان حاثها به فسدت
стр. 4139
فلا يخلو حاله من أحد الأمرين:
إما أن يكون مشتغلًا بالطاعة أو مشتغلًا بالدنيا، فإن كان مشتغلًا بطاعة من عباده أو علم فتركه للنكاح تشاغلًا بالطاعة أفضل له وأولى به، وإن كان متشاغلًا بالدنيا فالنكاح أولى من تركه لأمرين:
أحدهما: للتشاغل به عن الحرص في الدنيا.
والثاني: لطلب الولد، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده".
وروي عنه ﷺ أنه قال: "سبع يجري على العبد أجرهن بعد موته من كري نهرًا، أو حفر بئرًا أو وقف وقفًا، أو ورق مصفحًا، أو بني مسجدًا" أو علم علمًا، أو خلف ولدًا صالحًا يدعو له، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا حَاسِرَةً وَيَنْظُرُ إِلى وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَهِيَ مُتَغَطِّيَةٌ بِإِذْنِهَا وَبِغَيْرِ إِذْنِهَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالَ: "الوَجْهُ وَالكَفَّانِ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام أن وجه المرأة وكفيها ليس بعورة في كتاب الصلاة لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. قال الشافعي: الوجه والكفان وهو قول الحسن وسعد بن جبير وعطاء، وقال ابن عباس والمسور بن مخرمة: هو الكحل. والخاتم عبارة عن الوجه بالكحل وعن اليدين بالخاتم فإذا أراد الرجل أن يتزوج المرأة جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها لا غير.
وقال أبو حنيفة: ينظر إلى الوجه والكفين إلى ربع الساق. وقال داود: ينظر منها إلى ما ينظر من الأمة إذا أراد شرائها. ورواء الأشهب عن مالك، وروى عن الأشهب مثل قولنا.
وقال المغربي: لا يجوز أن ينظر إلى شيء منها. فأما أبو حنيفة فإنه اعتبر القدمين بالكفين؛ لأنه أحد الطرفين فلم يجعلها عورة.
والكلام معه في حدّ العورة قد مضى، وأما داود: فاستدل بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فليولج بصره فيها فإنما هو مسر".
وأما المغربي فإنه استدل بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يا علي لا تتبع النظرة
стр. 4140
النظرة فإن الأولى لك والثانية عليك". ودليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يعني الساقين. ودليلنا على داود قوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني الوجه والكفين. ويدل عليها ما روي عن النبي ﷺ أن أسماء دخلت على عائشة وعليها ثوب رقيق فقال لها النبي ﷺ : "أما علمت أن المرأة إذا حاضت حرم كل شيء منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه.
ودليلنا على المغربي رواية جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها فإن في أعين الأنصار شيئًا أو قال: سواء". وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ قال: "إذا قذف الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فليتأمل خلقتها". وروى أبو بكر محمد بن عمر بن حزم قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما النساء لعب فإذا اتخذ أحدكم لعبة فليستحسنها". وروى بكر بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة من الأنصار فقال له النبي ﷺ : "اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" وفي يؤدم قولان:
أحدهما: وهو قول أصحاب الحديث: أنه يعني يدوم فقدم الواو على الدال كما قال في ثمر الأراكة: "كلوا منه الأسود فإنه أطيب". بمعنى أطيب فيكون مأخوذًا من الدوام.
والقول الثاني: وهو قول أهل اللغة أنه المحابة وأن لا يتنافروا مأخوذًا من إذام الطعام؛ لأنه يطيب به فيكون مأخوذًا من إدام لا من الدوام. ثم من حر الدليل على جواز أن ينظر المعقود عليه أبلغ من صحة العقد من فقده فاقتصر على نظر الوجه والكفين لخروجهما عن حكم العروة، وأن في الوجه ما يستدل به على الجمال. وفي الكفين ما يستدل به على خصب البدن ونعمته فأغناه ذلك عن النظر إلى غيره.
فصل:
فإذا ثبت ذلك جاز نظره بإذنها وبغير إذنها. وقال مالك: لا يجوز أن ينظر إلا بإذنها، ودليله رواية جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى
стр. 4141
رأيت ما دعاني إلى نكاحها؛ ولأنه إن كان النظر مباحًا لم يفتقر إلى إذن، وإن كان محظورًا لا يستبح بالإذن.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا لم يخل نظر الرجل الأجنبي إلى المرأة الأجنبية من احد الأمرين: إما أن يكون لسبب أو لغير سبب، فإن كان من غير سبب منع لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] ومنعت من النظر إليه لقوله تعالى: ﴿وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ وأن نظر كل واحد منهما إلى صاحبه داعية إلى الافتنان به، روي أن النبي ﷺ صدق وجه الفضل بن العباس وكان رديفه بمنى إلى الخثعمية وكانت ذات جمال، وقال: "شاب وشابة وأخاف أن يدخل الشيطان بينهما". فإن نظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه كان حرامًا، وإن نظر إلى عورة غيره كان مكروهًا، فإن كان النظر لسبب فضربان:
محظور ومباح؛ فالمحظور: كالنظر بمعصية وفجور فهو أغلظ تحريمًا وأشد مأثمًا من النظر بغير سبب، والمباح: على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون لضرورة كالطبيب يعالج موضعًا من جسد المرأة فيجوز أن ينظر إلى ما دعت الحجة إلى علاجه من عورة ويرها. إذا أمن الافتتان بها، ولا يتعدى بنظره إلى ما لا يحتاج إلى علاجه.
والثاني: أن يكون لتحمل شهادة أو حدوث معاملة فيجوز أن يعمد للنظر إلى وجهها دون كفيها لأته إن كان شاهدًا فليعرفها في تحمل الشهادة عنها وفي أدائها عليها وإن كان مبايعًا فليعرف من يعاقده.
والثالث: أن يريد خطبتها فهو الذي جوزنا له تعمّد النظر إلى وجهها وكفها بإذنها وغير إذنها. ولا يتجاوز النظر إلى ما سوى ذلك من جسدها وبالله التوفيق.
باب ما على الأولياء وإنكاح الأب البكر بغير إذنها
ووجه النكاح والرجل يتزوج أمته ويجعل عتقها صداقها
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَدَلَّ كِتَابُ اللهِ سُنَّةُ نَبِيَّهِ ﵊ عَلَى أَنّ حَقًا عَلَى الأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجُوا الحَرَائِرَ البَوَالِغَ إِذَا أَرَدْتَ النِّكَاحَ وَدَعَوْنَ إِلِى رِضًا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قَالَ: وَهَذِهِ أَبِيْنُ لآيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى دَلَالَةً عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْمَرأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيِّ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ نَزَلَتْ فِي مَعْقِل بْنِ
стр. 4142
يَسَارٍ ﵁ وَذَلِكَ أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلًا فَطَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ طَلَبَ نِكَاحَهَا وَطَلَبَتْهُ فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ أُخْتِي دُونَ غَيْركَ ثُمَّ طَلَّقْتَهَا لَا أُنْكِحُهَا أَبَدًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ".
قال في الحاوي: بدأ الشافعي في هذا الفصل بها على الأولياء من نكاح الأيامى إذا دعون إلى رضي ووجوبه على الأولياء معتبر بخمش شرائط. وهو أن تكون حرة بالغة عاقلة تدعو إلى كفء عن تراضٍ فيلزمه إنكاحها. ولا يسوغ له منعها لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
وفي العضل قولان:
أحدهما: أنه المنع ومنه قولهم: داء عضال إذا اقتنع من أن يداوي وفلان عضلة أي داهية لأنه امتنع بدهائه.
والثاني: أنه الضيق ومنه قولهم: قد أعضل بالجيش القضاء إذا ضاق بهم وقول عمر: قد أعضل بي أهل العراق لا يرضون عن والٍٍ ولا يرضى عنهم والٍ وفي قوله: ﴿إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ تأويلان:
أحدهما: إذا تراضا الزوجان بالمهر.
والثاني: إذا رضيت المرأة بالزواج المكافئ وفيمن نزلت هذه الآية قولان:
أحدهما: وهو الأشهر أنها نزلت في معقل بن يسار زوج أخته رجلًا ثم طلقها وتراضيا بعد العدة أن يتزوجها معضلها وحلف أن لا يزوجها فنهاه الله تعالى عن عضلها وأمره أن يزوجها ففعل. وهذا قول الحسن ومجاهد وقتادة والشافعي.
والثاني: أنها نزلت في جابر بن عبد الله مع بنت عم له. وقد طلقها زوجها ثم خطبها فعضلها وهذا قول السدي.
فصل:
فإن أرادت المرأة أن تنفرد بالعقد على نفسها من غير ولي فقد اختلف الفقهاء فيها على ستة مذاهب.
مذهب الشافعي منها: أن الولي شرط في نكاحها لا يصح العقد إلا به وليس لها أن تنفرد بالعقد على نفسها وإن أذن لها وليها سواء كانت صغيرة أو كبيرة شريفة أو دنية بكرًا أو ثيبًا.
وبه قال من الصحابة عمر، وعلي، وابن العباس، وابن عمر، وعائشة ﵃. ومن التابعين: الحسن، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، والنخعي، ومن الفقهاء: الأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن عليها في مالها ولاية لبلوغها وعقلها لم يكن عليها في نكاحها ولاية جاز أن تنفرد بالعقد على نفسها وترده إلى من شاءت من رجل أو امرأة ولا اعتراض عليها من الوالي إلا أن تضع نفسها في غير كفء وإن كان عليها في مالها
стр. 4143
ولاية لجنون أو صغر لم تنكح نفسها إلى بولي. قال مالك: إن كانت ذات شرف أو جمال أو مال صح نكاحها بغير ولي. وقال داود: إن كانت بكرًا لم يصح نكاحها إلا بولي وإن كانت ثيبًا صحّ بغير ولي. وقال أبو ثور: إن أذن لها وليها وجاز أن تعقد على نفسها وإن لم يأذن لها لم يجز. وقال أبو يوسف: تأذن لمن شاءت من الرجال في تزويجها دون النساء ويكون موقوفًا على إجازة وليها. فأما أبو حنيفة فاستدل بقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فنسب النكاح إليهن ورفع الاعتراض عنهن وبرواية ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليه والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها".
وبرواية نافع بن جبير وابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس لولي الثيب أمرًا" وبما روي أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: "إن أبي- ونعم الأب هو- زوجني بابن أخ له ليرفع بي خسيسته، فرد نكاحها. فقالت: قد أخذت ما فعل أبي وإنما أردت ليعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء، ولأن كل من جاز له التصرف في ماله جاز له التصرف في نكاحه كالرجل طردًا والصغير عكسًا ولأنه عقد يجوز أن يتصرف فيه الرجل فجاز أن تتصرف فيه المرأة كالبيع ولأنه عقد على منفعته فجاز أن تتولاه المرأة كالإجارة ولأن لما جاز تصرفها في المهر وهو بدل من العقد جاز تصرفها في العقد، وتحريره: أن من جاز تصرفه في البدل جاز تصرفه في المبدل كالبالغ في الأموال طردًا والصغير عكسًا، والدلالة على جماعتهم قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فدلت الآية على ثبوت الولاية من وجهين:
أحدهما: نهى الأولياء عن عضلهن. والعضل: المنع في أحد التأويلين والتضيق في التأويل الآخر. فلو جاز لهن التفرد بالعقد لما أثر عضل الأولياء ولما توجه إليهم نهى.
والثاني: قوله في سياق الآية: ﴿إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. والمعروف ما تناوله العرف بالاختيار وهو الولي وشاهدان. فإن قيل: فالمنع من العضل إنما توجه إلى الأزواج لتقديم ذكرهم دون الأولياء الذين ليس لهم في الآية ذكر فعن ذلك جوابان:
أحدهما: أنه لا يجوز توجيه النهي إلى الأزواج؛ لأنه إن عضل الزوج قبل العدة فحق لا يجوز أن ينهى عنه، وإن عضل بعد العدة فهو غير مؤثر.
والثاني: أن ما روي من سبب نزولها في معقل بن يسار في أشهر القولين أو جابر في أعفهما يوجب حمله على الأولياء دون الأزواج، وليس ينكر أن يعود الخطاب إليهم
стр. 4144
وإن لم يتقدم لهم ذكرًا إذًا دل الخطاب عليه كما قال: ﴿إنَّ الإنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وإنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: ٦ - ٧] يعني الله تعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨] يعني الإنسان، وقال تعالى: ﴿بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، أي أوليائهن فجعل إذن الأولياء شرطًا في نكاحهن، فدل على بطلانه لعدمه.
ويدل على ذلك من السنة ما رواه ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة، وأنس، وعمران بن الحصين، وأبو موسى. وأثبتت الروايات رواية أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي".
وروى ابن عباس: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" فكان على عمومه في كل نكاح من صغيرة وكبيرة وشريفة ودنية وبكر وثيب.
فإن قالوا: نحن نقول بموجبه؛ لأن المرأة ولية نفسها، فإذا زوجت نفسها كانت نكاحها بولي. فعن ذلك جوابان: أنه خطاب لا يغير، لعلمنا أنه لا نكاح إلا بمنكوحة، ولا يتميز عن سائر العقود وقد خص النكاح به.
والثاني: أن قوله: "لا نكاح إلا بولي" يقتضي أن يكون الولي رجلًا، ولو كانت هي المراد
لقال: لا نكاح إلا بوليه، ويدل عليه ما رواه الشافعي عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، وإن سها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا- أو قال:- اختلفوا- فالسلطان ولي من لا ولي له" وهذا نص إبطال النكاح بغير ولي من غير تخصيص ولا تمييز واعترضوا على هذا الحديث بثلاث أسئلة:
أحدها: أن قالوا: مدار هذا الحديث على رواية الزهري وقد روي عن ابن علية عن ابن جريح أنه قال: لقيت الزهري فسألته عنه قال: لأ أعرفه وعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه قد رواه عن الزهري أربعة: سليمان بن موسى، ومحمد بن إسحاق، وجعفر بن ربيعة، والحجاج بن أرطأة. ورواه عن عروة ثلاثة: الزهري، وهشام بن عروة، وأبو الغصن ثابت بن قيس، فلم يصح إضافة إنكاره إلى الزهري مع العدد الذي رووه عنه، ولو صحّ إنكاره لما أثر فيه مع رواية غير الزهري له عن عروة.
стр. 4145
والثاني: ما قاله بعض أصحاب الحديث: أن الزهري أنكر سليمان بن موسى وقال: لا أعرفه، وإلا فالحديث أشهر من أن ينكره الزهري ولا يعرفه، وليس جهل المحدث بالراوي عنه مانعًا من قبول روايته عنه، ولا معرفته شرطًا في صحة حديثه.
والثالث: أنه لا اعتبار بإنكار المحدث للحديث بعد روايته عنه، وليس استدامة.
ذكر المحدث شرطًا في صحة حديثه، فإن ربيعة روى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ "قضى باليمين مع الشاهد". ثم نسي سهيل الحديث، فحدث به ربيعة وكان سهيل إذا حدث به قال: أخبرني علي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ : "قضى باليمين على الشاهد".
السؤال الثاني: إن قالوا: هذا الحديث لا يصح عن عائشة فقد رويتموه عنها؛ لأنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وكان غائبًا بالشام، فلما قدم قال: أمثلي يقتات عليه في بناته فأمضى النكاح.
وقيل: ما روته من الحديث أثبت عند أصحاب الحديث مما روي عنها من نكاح ابنة أخيها، وقد ذكر الدارقطني لإبطاله وجوهًا على أن الشافعي قد أفرد للجواب عنه بابًا فنحن نذكره فيه.
السؤال الثالث: إن قالوا: هو محمول على من عليها من النساء ولاية بصغر أو رق، وتلك لا يجوز نكاحها إلا بولي، وقد روي في الخبر: أن امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل، فاقتضى صريح هذه الرواية حملها على الأمة، ودليل تلك آكد وإن حمله على الصغيرة وخرجت الحرة الكبيرة في الروايتين، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن على جميع النساء في النكاح ولاية لجواز اعتراض الأولياء جميعهن.
والثاني: أن حمله على الصغير لا يجوز من وجهين:
أحدهما: لاستواء الصغير والصغيرة فيه، ولانتقاء تخصيص النساء بالذكر تأثير.
والثاني: لاستواء النكاح وغيره من العقود فلا يبقى لتخصيص النكاح بالذكر تأثيره.
وحمله على الأمة لا يجوز من وجهين:
أحدهما: لاستواء العبد والأمة فيه لم يكن لتخصيص الأمة تأثير.
والثاني: لقوله في آخر الخبر: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" والسلطان لا يكون وليًا للأمة وإن عضلها مواليها. وروايتهم أنه قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل". والمولى ينطلق على الولي كما قال الله تعالى: ﴿وإنِّي
стр. 4146
خِفْتُ المَوَالِيَ مِن ورَائِي﴾ [مريم: ٥]، يعني الأولياء؛ لأنه لم يكن عليه رق فيكون له مولى، على أننا نستعمل الروايتين فتكون روايتنا مستعملة في الحرة، وروايتهم مستعملة في الأمة فلا يتعارضان. ويدل عليه ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح نفسها" والتي تنكح هي الزانية.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح؛ الزوج والولي وشاهدان"؛ ولأنه إجماع الصحابة؛ لأنه قول من ذكرنا من الرواة الثمانية، وهو مروي عن عمر، وعلي ﵄ أما علي فروى عن الشعبي أنه قال: لم يكن في الصحابة أشد في النكاح بغير ولي من علي بن أبي طالب وأما عمر فروى عنه أنه قال: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان. وفيه تأويلان:
أحدهما: إلا بإذن وليها إن كان واحدًا، أو ذي الرأي من أهلها إن كانوا جماعة، أو السلطان إن لم يكن لها ولي.
والثاني: بإذن وليها إن كان لها ولي، فإن لم يكن ولي زوجها السلطان بمشورة ذي الرأي من أهلها وذوي أرحامها، فهذا قول من ذكرنا من الصحابة، وليس في التابعين مخالف فثبت أنه إجماع، ويدل على ذلك من القياس هو أن من كان من زوائد عقد النكاح كان شرطًا فيه كالشهود؛ ولأن ما اختص من بين جنسه بزيادة عدد كانت الزيادة شرطًا فيه كالشهادة في الزنا، ولأن كل عقد صارت به المرأة فراشًا لم يملكه المفترشة كالأمة، ولأن من عقد على نفسه واعترض عليه غيره في نسخه دل على فساد عقده، كالأمة أو العبد إذا زوجا أنفسهما، ولأن من منع من الوفاء معقود العقد خرج من العقد كالمحجور عليه، ولأنه أحد طرفي الاستباحة فلم تملكه المرأة كالطلاق، ولأن لولي المرأة قبل بلوغها حقين؛ حقًا في طلب الكفاءة، وحقًا في طلب العقد، فلما كان بلوغها غير مسقط لحقه في طلب الكفاءة كان غير مسقط لحقه في مباشرة العقد. ويتحرر من اعتلاله قياسان:
أحدهما: أنه أحد حقي الولي فلم يسقط بلوغها كطلب الكفاءة.
والثاني: أن كل من ثبت عليها حق الولي في طلب الكفاءة ثبت عليه حقه في مباشرة العقد كالصغيرة. فأما الجواب عن استدلالهم بالآية فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد برفع الجناح عنهن أن لا يمنعن من النكاح إذا أردنه، فلا يدل على تفردهن بغير ولي كما لم يدل على تفردهن بغير شهود.
والثاني: أن قوله: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] يقتضي فعله على
стр. 4147
ما جرى به العرف من المعروف الحسن، وليس من المعروف الحسن أن تنكح نفسها بغير ولي.
وأما قوله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها". فقد مرّ الجواب عنه أن لأهل اللغة في الأيم قولين:
أحدهما: التي لا زوج لها بكرًا كان أو ثيبًا، وإن لم تنكح قط يقال: امرأة أيم إذا كانت خلية من زوج، ورجل أيم إذا كان خليًا من زوجة.
والقول الثاني: أنها لا يقال لها أيم إلا إذا نكحت ثم خلت بموت أو طلاق بكرًا كانت أو ثيبًا، ومنه قول الشاعر:
فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكَحَ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي يَدَا الدَّهْرِ مَا لَمْ تَنْكحِي أَتَأَيَّمُ
فأما الأيم في هذا الخبر فالمراد بها الثيب من الخاليات الأيامى دون الأبكار لأمرين:
أحدهما: أنه قد روى: "الثيب أحق بنفسها من وليها".
والثاني: أنه لما قابل الأيم بالبكر اقتضى أن تكون البكر غير الأيم لأن المعطوف عليه وليس غير البكاء إلا الثيب فلهذا عدل بالأيم عن حقيقة اللغة إلى موجب الخبر. فإذا تقررت هذه المقدمة فعن الخبر ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها أحق بنفسها في أنها لا تجبر إن أبت ولا تمنع إن طلبت تدل تفردها بالعقد من غير شهود.
والثاني: أنه جعل لها وليًا في الموضع الذي جعلها أحق بنفسها فوجب أن لا يسقط ولايته عن عقدها ليكون حقها في نفسها وحق الولي في عقدها فيجمع بين هذا الخبر وبين: "لا نكاح إلا بولي" في العقد.
والثالث: أن لفظة "أحق" موضوعة في اللغة للاشتراك في المستحق إذا كان حق أحدها فيه أغلب كما يقال زيد أعلم من عمرو وإذا كانا عالمين. وأحدهما أفضل وأعلم ولو كان زيد عالمًا وعمرو جاهلًا لكان كلامًا مردودًا لأنه لا يصير بمثابة قول العالم أعلم من الجاهل. وهذا الفرد إذا كان ذلك موجبًا لكل واحد منهما حق وحق الثيب أغلب. فالأغلب أن يكون من جهتها الإذن والاختيار من جهة قبول الإذن في مباشرة العقد.
وأما قوله: "ليس للولي مع الثيب أمرًا" فالأمر هو الإجبار والإلزام وليس للولي إجبار الثيب وإلزامها ولا يقتضي ذلك أن ينفرد بالعقد دون وليها ولا تنفرد به دون الشهود. فأما حديث المرأة التي زوجها أبوها فرواية عكرمة ابن فلان. فإن كان مولى ابن عباس فهو مرسل الحديث لأنه تابعي ولم يسنده والمرسل ليس بحجة وإن كان غيره فهو مجهول
стр. 4148
وجهالة الراوي تمنع من قبول حديثه ثم لا حجة فيه لو صحّ؛ لأنه رد "نكاحًا انفرد به الولي وإنما يكون حجة لو أجاز نكاحًا" تفردت به المرأة. وأما قياسهم على الرجل فالمعنى في الرجل أنه لما لم يكن للولي عليه اعتراض في الكفاءة لم تكن له في العقد عليها ولاية. وكذا الجواب عن قياسه على عقد الإجارة أنه ليس للولي اعتراض فيه فلم يكن له ولاية عليه. وليس كذلك عقد نكاحها.
وأما قياسه على المهر فعندهم أن للولي أن يعترض عليها فيه ويمنعها بأن تتزوج بأقل من مهرها ثم هو منتقص بقطع الأطراف في إبدالها من الدية ولا ينصرف فيها بالقطع والإباحة.
فرع:
وأما مالك ففرق بين الشريفة والدنية بأن الولي يراد لحفظ المرأة أن تضع نفسها في غير كفء والدنية مكافئة لكل الأدنياء فلم يبق لوليها نظر واحتياط في طلب الأكفاء فجاز عقدها بغير ولي ولم يجز عقد الشريفة إلا بولي وهذا القول غير صحيح لأنه ليس من دنية إلا وقد يجوز أن يكون في الرجال من هو أدنى منها فاحتيج إلى احتياط الولي فيها ثم لو غلب عليه فرقة فقبل الشريفة يمنعها كرم أصلها من وضع نفسها في عير كفء فلم يحتج إلى احتياط الولي. والدنية يمنعها لؤم أصلها على وضع نفسها في غير كفء لكان مساويًا لقوله فوجب إسقاط الفرق بينهما. ثم يقال له لما يكن هذا الفرق مانعًا من استوائهما في الشهادة فهلا كان غير مانع من استوائهما في الولي من كون النصوص في الولي عامة لا تخص بمثل هذا الفرق.
فرع:
وأما داود فخص الثيب بالولاية دون البكر لقوله ﷺ : " ليس للولي مع الثيب أمر" ليطابق بين الإخبار في الاستعمال وقد قدمنا وجه استعمالها وأن الفرق بينهما واقع في الإخبار فكان جوابًا. ثم فرق داود بين البكر والثيب. بأن الثيب قد خبرت الرجال فاكتفت بخبرتها عن اختيار وليها والبكر لم تخبر فافتقرت إلى اختيار وليها وهذا فرق فاسد وعكسه عليه أولى؛ لأن خبرة الثيب بالرجال تبعثها على فرط الشهوة في وضع نفسها، فمن قويت فيه شهوتها والكبر لعدم الخبرة أقل شهوة فكانت لنفسها أحفظ على الشهوة مذكورة في طباع النساء قال النبي ﷺ : "خلقت المرأة من الرجل في الرجل" فغلب حكم الشهوة في جميعهن ثيبًا وأبكارًا حتى يمنعن من العقد إلا بولي يحتاط لئلا تغلبها فرط الشهوة على وضع نفسها في غير كفء، فيدخل به العار على أهلها.
فرع:
وأما أبو ثور: فراعى إذن الولي دون عقده لقوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن
стр. 4149
وليها فنكاحها باطل" فكما يراعى في نكاح السفيه إذن الولي دون عقده كذلك هذا وهذا خطأ؛ لأن صريح الخبر يقتضي بطلان النكاح لعدم إذنه ودليل خطأه نقيض صحة النكاح بوجود إذنه. وهو متروك لأمرين:
أحدهما: لما رواه معاذ بن معاذ عن ابن جريج بإسناده المتقدم ذكره أن النبي ﷺ قال لهما: "أيما امرأة لم ينكحها وليها فنكاحها باطل".
والثاني: أن إذن الولي الذي يصح به النكاح هو إذن لمن ينوب عنه وهو الوكيل والمرأة لا تصح أن تكون نائبًا عنه لأن الحق عليها فلم تكن هي النائبة فيه لاختلاف القرضين فجرى مجرى الوكيل في البيع الذي لا يجوز أن يبيع على نفسه لاختلاف عرضه وعرض موكله وليس لاعتبار بالإذن للسفيه وجه؛ لأن الحجر على السفيه في حق نفسه والحجر على المرأة في حقوق الأولياء فافترقا.
فرع:
وأما أبو يوسف فاعتبر أن يعقد رجل عن إذنها لقصورها عن مباشرة العقد بنفسها وجعله موقوفًا على إجازة وليها لما فيه من حق في طلب الأكفاء. وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: هو أنها كانت مالكة للعقد إلى الاستتابة. وإن كانت غير مالكة لم يصح منها الاستتابة.
والثاني: أنه إن كانت الاستتابة شرطًا لم تحتج إلى إجازة, وإن لم تكن شرطًا لم تحتج إليها فصار مذهبه فاسد من هذين الوجهين.
مسألة:
قال الشافعي: "ورَوَت عَائِشَةُ ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُمَا امرَأَةٍ نُكِحَت بِغَيرِ إِذنِ وَليَّهَا فَنِكَاحُهَا باَطِلٌ ثَلاثًا فَإِن مَسَّهَا فَلَهَا المَهرُ بِمَا استَحَلَّ مِن فَرجِهَا فَإن اشتَجَرُوا أو قَالَ اختَلَفُوا فَالسُلطَانُ وَلِيَّ مَن لا وَليَّ لَهُ. قَالَ: وفي ذَلِكَ دَلَالَاتٌ: مِنهَا أنَّ لِلوَلِيُ شِركًا في بُعضِهَا لا يَتِمُّ النِكاحُ إلَا بِهِ مَا لَم يَعضِلهَا وَلاَ نَجِدُ لِشِركِهِ في بُعضِهَا مَعنًى إلَّا فَصلَ نَظَرِهِ لِحياطَةِ المَوضِع أَن يَنَالَها مِن لَا يُكَافِئَهَا نَسَبُهُ وفي ذَلِكَ عَارٌ عَليهِ, وَأنَّ العَقدَ بِغَيرِ وَليِّ بَاطِلٌ, لا يَجُوزُ بِإجَازتِهِ وأنَّ الإصَابَةَ إذا كانَت بِشُبهَةٍ فَفِيهَا المَهرُ وَدُرِئ الحَدُّ".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي بعد استدلاله بهذا الحديث ما تضمنه ودل عليه من الفوائد والأحكام نصًا واستنباطًا منها قوله: "أيما امرأة" فذكر خمسة أحكام وذكر أصحابه ثلاثين حكمًا سواها فصارت خمسة وثلاثين حكمًا أخذت دلائلها من الخبر بنص واستنباط منها في قوله: "أيما امرأة" أربعة دلائل:
стр. 4150
(أحدها): أن "أي" لفظة عموم له صيغة ليناوله جميع ما اشتمل عليه فخالف قول داود أنه لا صيغة للعموم.
والثاني: أن "ما" المتصلة بأي صلة زائدة لأنها لو صدفت فقيل: أي امرأة صحّ مثله قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أي فبرحمة من الله فدل على جواز الصلة الزائدة في الكلام وإن تعلقت به أحكام.
والثالث: اشتماله على جميع النساء من صغيرة وكبيرة يخالف قول أبي حنيفة, وشريفة ودنية يخالف قول مالك, وبكر وثيب يخالف قول داود.
والرابع: خروج الرجال عن حكم النساء في ولاية النكاح لتخصيصهم بالذكر. ومنها قوله: "نكحت بغير إذن وليها" خمسة دلائل:
أحدها: أن اسم النكاح حقيقة في العقد فجاز في الوطء مخالف قول أبي حنيفة.
والثاني: ثبوت الولاية على جميع النساء في نكاحهن قول من قدمنا خلافه.
والثالث: أن للولي أن يوكل؛ لأن إذنه لا يصح إلا لوكيل ينوب عنه.
والرابع: أن لا ولاية لوصي؛ لأنه ليس بولي ولا نائب عمن في الحال ولي.
والخامس: أن العقد فاسد قد يضاف إلى عاقده وإن لم يلزمه.
ومنها في قوله: "فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل" ستة دلائل:
أحدها: بطلان النكاح بغير ولي بخلاف قول من أجازه بغير ولي.
والثاني: لا يكون إذا بطل موقوفًا على إجازة الولي بخلاف قول أبي حنيفة.
والثالث: أن النكاح فاسد لا يفسخ بطلقة وإن كان مختلفًا فيه بخلاف قول مالك.
والرابع: أن النكاح الفاسد يسمى نكاحًا.
والخامس: أن الإضافة قد تكون حقيقة ومجازًا.
والسادس: جواز تكرار اللفظ وزيادة في البيان وتوكيد للحكم؛ لأنه قال: فنكاحها باطل ثلاثًا.
ومنها قوله: "وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" خمسة عشر دليلًا:
أحدها: أن الميس عبارة عن الوطء.
والثاني: أن الوطء في النكاح الفاسد موجب للمهر.
والثالث: أنه لا يوجب الحدّ مع العلم والجهل.
والرابع: أن النكاح الفاسد إذا خلا من الإنابة لم يجب فيه المهر.
والخامس: أن الخلوة لا تكمل بها المهر بخلاف قول أبي حنيفة.
والسادس: أن المستكرهة على الزنا يجب لها المهر بما استحل من فرجها بخلاف قول أبي حنيفة.
والسابع: أن الإصابة في كل واحد من الفرجين من قبل أو دبر يوجب المهر؛ لأنه فرج.
стр. 4151
والثامن: أن ذات الزوج إذا أصيبت بشبهة فلها دون الزوج بخلاف قول من جعله للزوج.
والتاسع: أن الموطوءة بشبهة يكون لها المهر لا بيت المال بخلاف قول من جعله لبيت المال.
والعاشر: أتكرار الوطء في النكاح الفاسد لا يجب به إلا المهر مرة واحدة ما لم تغرم عما تقدم به.
والحادي عشر: أن الإصابة دون الفرج لا توجب المهر.
والثاني عشر: أن الغارة للزوج يسقط عنه مهره بالغرور.
والثالث عشر: أن الموطوءة في العدة بشبهة أو نكاح فاسد كالموطوءة في نكاح صحيح في لحومة النسب, ووجوب العدة تحريم المصاهرة لاستوائهما في وجوب المهر, ولحوق النسب والعدة وتحريم المصاهرة.
والخامس عشر: أن المهر إذا استحق بالإصابة في نكاح فاسد فهم مهر المثل دون المسمى, سواء كان أقل منه أو كثر, بخلاف قول أبي حنيفة: أنه يوجب أقل الأمرين من مهر المثل أو المسمى.
وأما قوله "فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" خمسة دلائل:
أحدها: أن العصبة أحق بالولاية عليها من السلطان.
والثانية: أنهم إذا عدموا انتقلت الولاية عليها إلى السلطان.
والثالث: أن الأقرب من عصبتها أولى من الأبعد, كما أن العصبة لقربهم أولى من السلطان.
والرابع: أن الأولياء إذا كانوا في درجة واحدة لم يكن أحدهم إذا اشتجروا أحق من الباقين إلا بقرعة أو تسليم.
والخامس: أنهم إذا اشتركوا في نكاحها عضلاً لها لا تنازعًا فيها زوجها السلطان, والاشتجار عضلاً؛ أن يقول كل واحد منهما: زوجها أنت ليصبروا جميعًا عضلة فزوجها السلطان, والاشتجار إن تنازعا أن يقول كل واحد منهم: أنا زوجها فلا تنقل الولاية إلى السلطان؛ لأنهم غيرة عضلة بل يقرع بينهم وبزوجها من فرع منهم.
مسألة:
قال الشافعي: "وجمعت الطريق رفقة فيهم امرأة ثيب فولت أمرها رجلا منهم فزوجها فجلد عمر بن الخطاب ﵁ الناكح والمنكح ورد نكاحهما".
стр. 4152
قال في الحاوي: وهذا الأمر المروي عن عمر وإن كان دليلاً على إبطال النكاح بغير ولي, فالمقصود به على المتناكحين بغير ولي من الأحكام, فإذا تناكح الزوجان بغير ولي فلا يخلو حالهما من أن يترافعا فيه إلى الحاكم لم يخل حال من أحد الأمرين:
إما أن يكون شافعيًا يرى إبطال النكاح بغير ولي, أو يكون حنفيًا يرى جواز النكاح بغير ولي, فإن كان شافعيًا يرى إبطال النكاح بغير ولي, حكم بإبطاله وفرق بينهما, فإن اجتمعا حكم فيه بمذهبه وقضى بينهما على الإصابة بعد تفريق الحاكم بينهما كانا زانيين عليهما الحد؛ لأن شيهة العقد قد ارتفعت بحكم الحاكم بينهما بالفرقة, فلو ترافعا بعد إبطال الحاكم الشافعي إلى حاكم حنفي لم يكن له أن يحكم بجوازه لنفوذ الحكم بإبطاله, وإن كانا في الابتداء قد ترافعا إلى حاكم حنفي يرى صحة النكاح بغير ولي, فحكم بينهما بصحته, وأذن لهما بالاجتماع فيه, فلم يكن عليهما في الإصابة حدّ لنفوذ الحكم بالإباحة, فلو ترافعا بعد الحكم الحنفي بصحة إلى حاكم شافعي فهل له أن يحكم بإبطاله وينقص الحكم الحنفي بصحته وإمضائه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: له الحكم بإبطاله ونقص حكم الحنفي بإمضائه, لما فيه من مخالفة النص في قوله: "فنكاحها باطل" ثلاثًا.
الثاني: أنه ليس له أن ينقص حكمًا قد نفذ باجتهاد والنص فيه من أخبار الآحاد.
فرع:
وإذا لم يترافعا فيه إلى الحاكم ولا حكم فيه بأحد الأمرين من صحة أو إبطال, فإن لم يجتمعا فيه على الإصابة حتى افترقا فلا عدة عليهما؛ ولا مهر لها, وإن مات أحدهما لم يتوارثا, وإن اجتمعا فيه على الإصابة لم تخل حالهما من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يعتقد الإباحة.
والثاني: أن يعتقدا تحريمه.
والثالث: أن يجهلا حكمه. فإن اعتقدا الإباحة لاعتقادهما مذهب أبي حنيفة فيه فلا حدّ عليهما. لاستباحتهما له من اجتهاد مسوغ فإن قيل: أفليس لو شرب النبيذ من اعتقد مذهب أبي حنيفة في إباحته حددتموه فهلا حددتم هذا مع اعتقاده إباحته؟ قيل: الفرق بينهما في وجهين:
أحدهما: أن الشبهة في النكاح بغير ولي أقوى لتردده بين أصلي حظر من زنا وإباحة من نكاح, وإباحة الشبهة في النبيذ الذي لا يرجع إلا أصل واحد في الحظر والتحريم وهو الخمر.
والثاني: أن النكاح الذي عقده ولي جعل له سبيل بولي, فاقتصر في الزجر عنه مجرد النهي, وليس كالنبيذ الذي لا سبيل إلى استباحته فلم يقتصر في الزجر
стр. 4153
عنه على مجرد النهي حتى يضم إليه حكم هو أبلغ في الزجر, ليكون أمنع من الإقدام عليه.
فرع:
وإذا كانا جاهلين بتحريم النكاح بغير ولي فلا حدّ عليهما؛ لأن الجهل بالتحريم أقوى شبهة, وفال النبي ﷺ : "ادرأوا الحدود بالشبهات" ولأن من جهل تحريم الزنا لحدوث إسلامه لم يحد فكان هذا بدرء الحدّ أولى, ألا ترى أن قول عثمان ﵁ في أمة أقرت الزنا إقرار جاهل بتحريمه: أراها تشهد به كأنها لم تعلم وإنما الحد على من علم.
ثم يتعلق على هذه الإصابة من الأحكام ما يتعلق على النكاح الصحيح إلا في المقام عليه, فيوجب العدة ويلحق النسب, ويثبت به تحريم المصاهرة, ولكن في ثبوت المحرمية بها وجهان:
أحدهما: تثبت بها المحرم كما تثبت بها تحريم المصاهرة فلا تحجب عن أبيه وابنه, ولا تحجب عنه أمها وبنتها.
والثاني: أن يثبت المحرم وإن ثبت به تحريم المصاهرة لأننا أثبتنا تحريم المصاهرة تغليظًا, فاقتضى أن ينتفي عنه الثبوت المحرم تغليظًا.
فرع:
وإن كانا معتقدين لتحريمه يريان فيه مذهب الشافعي من إبطال النكاح بغير ولي محظور عليهما الإصابة, فإن اجتمعا عليها ووطئها فمذهب الشافعي وجمهور الفقهاء: أنه لا حد عليهما, وقال أبو بكر الصيرفي -من أصحاب الشافعي- وهو مذهب الزهري وأبي ثور.
الحدّ عليهما واجب لرواية ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "البغي من نكحت بغير ولي". والأثر المروي عن عمر في المرأة والرجل جمعتهما رفقة فولت أمرها رجلاً منهم فزوجها فجلد الناكح والمنكح والدليل على سقوط الحدّ قوله ﷺ في الخبر الماضي: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فأبطل النكاح وأوجب المهر دون الحد؛ لأن النبي ﷺ قال: "ادرأوا الحدود بالشبهات", وأقوى الشبهات عقد اختلف الفقهاء في إباحته, فكان بإدراء الحد أولى, فأما قوله: "البغي من نكحت بغير ولي" فهي لا تكون بغيًا بالنكاح إجماعًا, وإنما بقول من يوجب الحدّ, إنها تكون بالوطء
стр. 4154
بغيًا فلم يكن في التعلق به دليل, ثم يحمى على أنه يتعلق عليها بعض أحكام البغي وهو تحريم الوطء, ولا يمتنع أن يسمى بعض أحكام البغي بغيًا, كما قال ﷺ : "من ترك الصلاة فقد كفر" فسماه ببعض أحكام الكفر كافرًا, وأما الأثر عن عنر فالجلد فيه عبارة عن التعزير, ألا تراه جلد الناكح والمنكح والحدّ لا يجب على المنكح فدل على أنه عزرهما.
فرع:
وإذا تناكح الزوجان بغير ولي ثم طلقها ثلاثًا ففي حكم طلاقه وحكم تحريمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره وجهان لأصحابنا:
أحدهما: يجز عليه حكم الطلاق حتى تنكح زوجًا غيره وهذا قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن هريرة وأبي سعيد الإصطخري وأبي حامد المروزي اعتبارًا بأغلظ الأمرين:
والثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني ومن عاضده من المتأخرين. وربما كان لهم فيه سلف أن حكم الطلاق لا يجري عليه للحكم بإبطاله وإنما تحل له قبل زوج لأن الطلاق لا يقع إلا في النكاح. وقد بطل أن يكون نكاحًا.
فإذا تقرر هذان الوجهان, فإن قيل بهذا الوجه إنه إذا طلقها ثلاثًا لم تحرم عليه أن ينكحها قبل زوج فإنه إذا أصابها لم تحل بإصابته لها للزوج إن كان طلقها قبله ثلاثًا. وإن قيل إنها قد حرمت عليه بطلاقه لها ثلاثًا حتى تنكح غيره فهل تحل إصابته لها الزوج إن كان قد طلقها قبله ثلاثًا أم فيه وجهان:
أحدهما: تحل له لإجرائنا على طلاقه حكم الطلاق في النكاح الصحيح.
الثاني: أنها لا تحل له لأننا ألزمناه حكم طلاقه تغليظًا عليهما فكان من التغليظ أن لا تحل لغيره بإصابته.
فرع:
وإذا عدمت المرأة وليًا مناسبًا وكانت في بلد لا حاكم فيه وأرادت نكاح زوج ففيه وجهان:
أحدهما: ليس لها نكاح حتى تجد وليًا بحكم أو بنسب كما عدمت الشهود لم يجز أن تتزوج حتى تجد الشهود.
والثاني: أن يجوز للضرورة أن تتزوج؛ لأن الولي يراد لنفي العار عنه بتزويج غير الكفء, فإذا عدم زال معناه وخالف الشهود المعقود بهم الاشتياق لحفظ الأنساب, فعلى
стр. 4155
هذا إذا جوز لها الترويج ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تتولاه بنفسها؛ لأن فقد أسقط الولي قد أسقط حكمه.
والثاني: أنها تولي أمرها رجلاً يكون بدلاً من وليها حتى لا يخلو العقد من عدده, ويحتمل تخريج هذين الوجهين من اختلاف قولين في الخصمين إذا حكمنا رجلاً هل يلزمهما حكمه كلزوم الحاكم, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وَلَا وِلايَةَ لِوَصِيِّ لأنَّ عَارَهَا لاَ يَلحَقُهُ".
وهذا كما قال: إذا وصى الأب بتزويج بنته لم يكن لوصيه أن يزوجها صغيرة كانت أم كبيرة, عين له على الزوج أو لم يعين, ولا يزوجها إن كانت صغيرة إلا أن يعين له على الزوج.
وقال أبو ثور: يزوجها الوصي بكل حالٍ استدلالاً على ذلك بأمرين:
أحدهما: أن للأب ولاية على مالها ونكاحها فلما جاز أن يوصي للولاية على مالها جاز أن يوصي بالولاية على نكاحها.
والثاني: أنه لما جاز للأب أن يستنيب في حياته وكيلاً جاز له أن يستنيب بعد موته وصيًا كالمال, وهذا غير صحيح لقوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي" وليس الوصي وليًا, ولرواية عبد الله بن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظغون بابنة أخيه عثمان بن مظغون, فمضى المغيرة إلى أمها وأرغبها في المال فمالت إليه وزهدت, فأتى قدامة النبي ﷺ فقال: أنا عمها ووصي أبيها وما نقموا من ابن عمر إلا أنه لا مال له, فقال النبي ﷺ : "إنها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها" فرد نكاحه مع كونه وصيًا من غبر أن يستبرئ حال صغرها وكبرها, ولا هل عين الأب على الزوج أم لا؟ فدل على أن النكاح إنما يجاز له؛ لأنه الوصي لا ولاية له, ولأن ولاية النكاح قد انتقلت بموت الأب إلى من يستحقها بنفسه من العصبيات, فصار موصيًا فيما غيره أحق به فكان مردود الوصية كما وصى بالولاية على مال أطفاله ولهم جد إلى غيره بطلت وصيته, كذلك هذا.
وتحريره قياسًا: أنها ولاية قد انتقلت من غير تولية فلم يجز نقلها بالوصية كالولاية على المال مع وجود الجد, وفي هذا انفصال عما ذكره من الوصية بالمال ولأن العصبة إنما اختصوا بالولاية في نكاحها لما يلحقهم من عارها بنكاحها غير كفء فصار حق الولاية بينهم مشتركًا لرفع العار عنهم وعنها. وهذا المعنى معدوم في الوصي الذي لا
стр. 4156
يلحقه عارها فلم نثبت ولايته لفقد معناها وليس كالوكيل الذي هو نائب غير مستحق لها وهو من ورائه مراعٍ لنفي العار عنه وعنها.
مسألة:
قال الشافعي: "وَفِي قَولِ النَبِيّ ﷺ : "الأَيِّمُ أَحَقُ بِنَفسِهَا مِن وَلِيّهَا وَالبِكرُ تُستَأذَنُ فِي نَفسِهَا وَإذنُهَا صَمَاتُهَا" دَلَالَةٌ عَلَى الفَرق بَينَ الثَّيبِ وَالبِكرِ في أَمرَينِ أحدهما أنَ إذنِ البِكرِ الصَمتُ والَّتي تُخَالِفُهَا الكَلاَمُ وَالأخِر أنَّ أَمرَهُمَا في وِلاَيَةِ أَنفُسِهِمَا مُختَلَفٌ فَوِلايَةُ الثَّيِبِ أنَّها أحَقُّ مِنَ الوَليِّ هَهُنَا الأَبُ, واللهِ أعلَمُ دُونَ الأَولِيَاءِ". وهذا كما قال: قد ذكرنا المراد بالأيم هاهنا الثيب لما قدمنا, وإذا كان كذلك فقد استدل الشافعي بهذا الخبر على الفرق بين البكر والثيب في كلمتين:
إحداهما: الفرق بينهما في صفة الإذن.
والثاني: الفرق بينهما في الإجبار على العقد ونحن نقدم الكلام في الإجبار على العقد, لأنه أصل لم يعقبه بصفة الإذن في موضعه, فتقول: النساء ضربان: أبكار, وثيب, فأما الثيب فيأتي حكمهن.
وأما الأبكار فلهن حالتان؛ حالة مع الآباء, وحالة مع غيرهم من الأولياء, فأما حالهن مع الآباء فهن ضربان؛ صغار وكبار, فأما صغار الأبكار فللآباء إجبارهن على النكاح, فيزوج ابنته البكر الصغيرة من غير أن يراعى في اختيارها, ويكون العقد لازمًا لها في صغرها وبعد كبرها. وكذلك الجد وإن علا يقوم في تزويج البكر الصغيرة مقام الأب إذا فقد الأب, والدليل عليه وإن كان وفاقًا قوله تعالى: ﴿واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] يعني الصغار, والصغيرة تجب العدة عليها من طلاق الزوج, فدل على جواز العقد عليها في الصغر. وروي عن عائشة أنها قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع ودخل بي وأنا ابنة تسع ومات عني وأما ابنة ثماني عشر".
فرع:
وأما البكر فللأب أو للجد عند فقد الأب أن يزوجها جبرًا كالصغيرة, وإنما يستأذنها على استطابة النفس من غير أن يكون شرطًا في جواز العقد, وبه قال ابن أبي ليلى, وأحمد, وإسحاق. وقال أبو حنيفة: ليس للأب إجبار البكر البالغ على العقد إلا عن إذن, وبه قال الأوزاعي, والثوري, فجعل الإجبار معتبرًا بالصغيرة دون البكارة, وجعل الشافعي الإجبار معتبرًا بالبكارة دون الصغر. واستدل من نص قول أبي حنيفة برواية عطاء عن جابر أن رجلاً زوج ابنته وهي بكر فمات, ففرق رسول الله ﷺ بينهما.
стр. 4157
وبرواية عائشة أن النبي ﷺ قال: "استأمروا النساء في أبضاعهن" فكان على عمومه؛ ولأنها متصرفة في مالها فلا يجوز إجبارها على النكاح كالثيب, ولأن كل من زال عنه الحجر في ماله زال عنه الحجر في نكاحه كالرجال. ودليلنا رواية الشافعي عن مالك عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها" والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" فلما جعل الثيب أحق بنفسه من وليها علم أن ولي البكر أحق بها من نفسها, ويكون قوله: "والبكر تستأذن في نفسه" محمولاً على الاستحباب دون الوجوب استطابة للنفس؛ لأنه لو كان محمولاً على الوجوب لصارت أحق بنفسها من وليها كالثيب.
ومن القياس: أن كل من جاز له قبض صداقتها بعد رضاها جاز له عقد نكاحها بغير رضاها, كالأمة وكالبكر, والصغيرة؛ ولأن ما استحق بالولاية في نكاح الصغيرة استحق بالولاية في نكاح الكبيرة قياسًا على طلب الكفاءة, ولما ذكر الشافعي من أنه: لو لم يكن له تزويجها جبرًا في الكبر لما كان له تفويت بضعها في الصغر, كالطفل يقتل أبوه لما لم يكن لوليه تفويت خياره عليه, وفي القود والدية بعد البلوغ لم يكن له تفويته عليه قبل البلوغ, وكان القاتل محبوسًا حتى يبلغ فيختار أحد الأمرين. فإن قيل: فهذا يبطل بالصبي فإن للأب أن يجبره على النكاح قبل البلوغ وليس له أن يجبره بعد البلوغ. قلنا: ليس في تزويج الابن تفويت لما يقدر على استدراكه؛ لأنه يقدر على الطلاق إن شاء, وله أن يتزوج غيرها من النساء, والثيب لا تقدر على خلاص نفسها من عقد الأب إن لم يشاء. وأما خبر عائشة فهو محمول على الثيب دون البكر تخصيصًا بما ذكرناه, وأما قياسهم على الثيب فالمعنى فيها أنه لما لم يجز للأب قبض صداقها إلا بإذنها لم يجز له عقد نكاحها إلا بإذنها ولما جاز للأب قبض صداق البكر بغير رضاها عند أبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي جاز له أن يعقد نكاحها بغير رضاها؛ لأن التصرف في المبدل معتبرًا بالتصرف في البدل. وأما قياسهم على الرجل, فالمعنى فيه أنه لما لم يكن للأب أن يعترض عليه في نكاحه لم يكن له أن يجبره عليه وليس كذلك البكر.
فرع:
فإذا ثبت أن للأب إجبار على النكاح صغيرة أو كبيرة, وكذلك الجد وإن علا. وقال ابن أبي ليلى, وأحمد بن حنبل: ليس الإجبار إلا للأب دون الجد. وقال مالك: للجد إجبار الصغيرة كالأب وليس له إجبار الكبيرة بخلاف الأب, وفرقا بين الأب والجد بأن الجد يملك الولاية بوسيط كالإخوة وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] فسماه أبًا إجراء لحكم الأب عليه وإن خالفه في الاسم, ولأنه لما
стр. 4158
ثبت ولاية الحد على الأب فأولى أن يثبت على من يلي عليه الأب, ولأنه لما ساوى الجد الأب في الولاية على مالها ساواه في الولاية على نكاحها, ولهذا فرق بينه وبين سائر العصبات.
فرع:
فأما حال البكر من غير الأب والجد من الأولياء كالإخوة والأعمام, فلا تخلو حالها معهم من أن تكون صغيرة أو كبيرة, فإن كانت كبيرة لم يكن لهم إجبارها إجماعًا, وليس لهم تزويجها إلا بإذنها. والفرق بين الآباء والعصبات, أن الآباء بعضية ليست في العصبات فقويت بها ولايتهم حتى تجاوزت ولاية النكاح إلى ولاية المال فصاروا بذلك أعجز ولأنه من العصبات وإن كانت البكر صغيرة فليس لأحد من العصبات تزويجها بحال.
وقال أبو حنيفة: بجميع العصبات تزويجها صغيرة كالأب ولها الخيار إذا بلغت بخلافها مع الأب. وقال أبو يوسف: لهم تزويجها ولا خيار لها كهي مع الأب استدلالاً بقوله تعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قال: واليتيمة من لا أب لها من الصغار والذي كتب لها صداقها فدل على جواز نكاح غير الأب لها, ولأن كل من جاز له تزويجها في الكبر جاز له أن ينفرد بتزويجها في الصغر كالأب, ولأنه لما استوي الآباء والعصبات في إنكاح الثيب وجب أن يستووا في إنكاح البكر, ودليلنا حديث قدامة بن مظعون أنه زوج ابنة أخيه بعبد الله بن عمر فرد رسول الله ﷺ نكاحه, فقال: إنني عمها ووصي أبيها, فقال رسول الله ﷺ : "إنها يتيمة وإنها لا تتزوج إلا بإذنها" فلم يجعل له تزويجها إلا بعد البلوغ.
ومن القياس: أن كل من لم يملك قبض صداقها لم يملك عقد نكاحها كالعم مع الثيب طردًا أو كالسيد مع أمته عكسًا؛ ولأنها ثبتت للأب في الصغيرة من غير تولية فوجب أن يختص بها من بين العصابات كولاية المال؛ ولأن النكاح إذا لم ينعقد لأن ما كان فاسدًا كالمنكوحة في العدة, ولأن النكاح لا ينعقد بخيار التحكم والاقتراع قياسًا على خيار الثيب, فأما الآية فتحمل على إنكاحها قبل اليتم, أو على إنكاح الجد, لأن اليتم يكون بموت الأب وإن كان الجد باقيًا. وأما قياسهم على الأب فالفرق بينهما في الولاية ما قدمناه في الأخبار وأما جمعهم بين البكر والثيب مردود بافتراقهما في قبض الصداق, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وَمِثلُ هَذَاَ حَدِيثُ خَنسَاءَ زَوَّجَهَا أبوهَا وَهِيَ ثَيِبٌ فَكَرِهَت ذَلِكَ
стр. 4159
فرد رسول الله ﷺ نكاحه وفي تركه أن يقول لخنساء "إلا أن تشائين أن تحيزي ما فعل أبوك" دلالة على أنها لو أجازته ما جاز والبكر مخالفة لها لاختلافهما في لفظ النبي ﷺ ولو كانا سواء كان لفظ النبي ﷺ أنهما أحق بأنفسهما. وقالت عائشة ﵂: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع سنين ودخل بي وأنا ابنة تسع وهي لا أمر لها وكذلك إذا بلغت ولو كانت أحق بنفسها أشبه أن لا يجوز ذلك عليها قبل بلوغها كما قلت في المولود يقتل أبوه ويحبس قاتله حتى يبلغ فيقتل أو يعفو".
قال في الحاوي: وهذا كما قال, النكاح الموقوف لا يصح ولا يقع إلا على إحدى حالتين من صحة أو فساد, سواء كان موقوفًا على إجازة الزوجة أو الزوج أو الولي, وكذلك البيع لا يصح أن يعقد موقوفًا على إجازة البائع أو المشتري, وقال أبو حنيفة: يصح النكاح الموقوف على إجازة الزوجة أو الزوج أو الولي ويصح البيع الموقوف على إجازة البائع دون المشتري, واستدل بما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: إن أبي - ونعم الأب- هو زوجني بابن أخ له أراد أن يرفع بي خسيسته, فخيرها رسول الله ﷺ فقالت: قد اخترت ما فعل أبي, وإنما أردت لتعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء, فلما خيرها والخيار لا يثبت في اللازم ولا في الفاسد دل على أنه كان موقوفًا على خيارها وإصابتها, قال: لأنه لما جاز أن تكون الوصية, بما زاد على الثلث موقوفة على إجازة الوارث, واللقطة إذا تصدق بها الواحد موقوفة على إجازة المالك, لكون المجيز لهما موجودًا, جاز أن يكون النكاح, موقوفًا على إجازة من يكون في حالة الوقف موجودًا, وتحريره قياسًا أن كل ما كان محيزه موجودًا جاز أن يكون على إجازته موقوفًا كاللقطة, والوصية. قال: ولأنه لما جاز أن يكون موقوفًا على الفسخ جاز أن يكون موقوفًا على الإجازة, وتحريره قياسًا: أنه أحد نوعي الاختيار فجاز أن يكون العقد موقوفًا عليه كالفسخ. قال: ولأن حال العقد بعد كماله أقوى من حاله قبل كماله, فلما جاز أن يكون قبل كماله موقوفًا بعد البذل على إجازة القبول, فأولى أن يكون بعد كماله موقوفًا على الإجازة.
وتحريره: أنه أحد حالتي العقد فجاز أن يكون موقوفًا على الإجازة كالحال الأولى.
ودليلنا: حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بعد إذن وليها فنكاحها باطل" فلو صح بالإجازة لوقفه على إجازة الولي, ولما حكم بإبطاله. وحديث خنساء بنت خدام أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت فرد رسول الله ﵊ نكاحها, ولم يقل إلا أن تشاء أن تجيزي ما فعل أبوك مع حثه على طاعة الآباء, فدل على أنها لو أجازته لم يجز, ولأن عقد المنكوحة إذا لم تصر المرأة به فراشًا كان
стр. 4160
فاسدًا كالمنكوحة في ردة أو عدة.
وقال أبو حنيفة: إنها لو جاءت في النكاح الموقوف بولد لستة أشهر لم يلحق به؛ ولأن ما انتفت عنه أحكام النكاح والظهار والتوارث لم يكن نكاحًا كالمتعة.
وقد قال أبو حنيفة: إنه لا يلحقها في زمان الوقف طلاق ولا ظهار ولا توارث, ولأن ما افتقر إليه النكاح كان تأخره عن العقد مبطلًا للنكاح كالشهادة, ولأن اشتراط لزوم النكاح إلى مدة أقوى من اشتراط لزومه بعد مدة؛ لأن من العقود ما ينعقد إلى مدة كالإجارة, وليس منها ما ينعقد بعد مدة, فلما بطل باشتراط لزومه بعد مدة كقوله: تزوجتها شهرًا, كان أولى أن يبطل باشتراط لزومه, كقوله تزوجتها على إجازتها؛ لأنه إذا بطل بما له في الصحة نظير فأولى أن يبطل بما ليس له في الصحة نظير؛ لأن النكاح إذا اعتبر لزومه بشرط متيقن بعد العقد كان أقوى وأوكد من اعتبار لزومه بشرط مجوز بعد العقد, وقد ثبت أنه لو قال: قد تزوجتك الآن إذا أهل شهر رمضان كان العقد فاسدًا فأولى إذا تزوجها على مدة إجازتها أن يكون فاسدًا إلا أنه بطل في أقوى الحالين كان بطلانه في أضعفهما أولى, فأما الخبر الذي استدلوا به فضعيف والمشهور من الرواية أنه رد نكاحها ولم يخيرها, لو سلمنا أنه خيرها لكان محمولًا على وقت الفسخ لا وقت الإمضاء لأن أباها قد كان زوجها بغير كفء.
وأما استدلالهم بوقف الوصية والتصدق باللقطة, فالوصية يجوز وقفها لجواز بالمجهول والمعدوم وليس كالنكاح والبيع الباطلين على المجهول والمعدوم, وأما التصدق باللقطة فلا يجوز وقفه, بل إن لم يتملك اللقطة كانت في يده أمانة لا يجوز أن يتصدق بها, وإن تملكها فتصدق بها كانت عن نفسه, وإذا لم يعلم الأجل بطل القياس. وأما استدلالهم بجواز وقف النكاح على الفسخ فكذلك على الإجازة باطل؛ لأن الموقوف على الفسخ فقد تعلقه عليه أحكام النكاح فصح الموقوف على الإجازة وقد انتفت عنه أحكام النكاح فبطل, وأما استدلالهم بوقفه بعد البذل وقبل القبول فغير صحيح؛ لأنا نمنع من وقف العقد وهو قبل تمامه بالبذل والقبول ليس بعقد فلم يجز أن يستدل بوقف ما ليس يلزم على وقف عقد يلزم والله أعلم
مسألة:
قال الشافعي: "والاستثمار للبكر على استطابة النفس قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿وَشَاوٍرْهُم فيِ الَأمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] لا على أن لأحد رد ما رأى ﷺ ولكن لاستطابة أنفسهم وليقتدي بسنته فيهم وقد أمر نعيمًا أن يؤمر أم بنته".
قال في الحاوي: أما الثيب فاستئذانها واجب؛ لأنها أحق بنفسها من وليها, وإذنها يكون بالقول الصريح, وأما البكر فيلزم غير الأب والجد أن يستأذنها, سواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ لأنه يجوز له إجبارها, وقال أبو حنيفة وداود: يلزمه استئذانها استدلالًا
стр. 4161
بقوله ﷺ : "والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". والدليل على استئذان الأب لها لا يجب وإنما يستحب ما قدمناه من جواز إجبارها على النكاح صغيرة وكبيرة, وما رواه صالح بن كيسان عن ابن جبير ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس للولي مع الثيب أمر" واليتيمة وصمتها إقرارها فلما خص اليتيمة بالاستثمار وهي التي لا أب لها دل على أن ذات الأب لا يلزم استثمارها.
فأما قوله: "والبكر تستأمر في نفسها" فيحمل مع غير الأب على الإيجاب ومع الأب على الاستحباب كما أمر الله تعالى نبيه ﷺ بمشاورة أمته فقال تعالى: ﴿وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩] لا على أن لأحد رد ما رأى رسول الله ﷺ .
قال الشافعي: "ولكن على استطابة أنفسهم وليقتدوا بسنته فيهم" واختلف فيما أمر بمشاورتهم فيه, فقال قوم: في الحرب ومكائد العدو خاصة, وقال آخرون: في أمور الدنيا دون الدين, وقال آخرون: في أمور الدين تنبيهًا لها على علل الأحكام وطريق الاجتهاد, وقد روي أن النبي ﷺ : "أمر نعيمًا أن يؤامر أم ابنته". وقال: "وأمروا الأمهات في بناتهن" وإنما ذلك على استطابة أنفسهن لا على وجوب استثمارهن, وكذلك استثمار الأب للبكر على استطابة النفس لا على الوجوب.
فرع:
فإذا ثبت أن استثمار الأب لابنته البكر استحبابًا فإذنها يكون بالصمت دون النطق, بخلاف الثيب لقوله ﷺ : "وصمتها إقرارها" وروى ثابت البناني عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا خطب إليه إحدى بناته دنا من الخدور وقال: "إن فلانًا خطب فلانة" فإن هي رضيت سكتت فكان سكوتها رضاها, وإن هي أنكرت طعنت في الخدر فكان ذلك منها إنكارًا فلا يزوجها, ولأن البكر أكثر خفرًا وتخدرًا من الثيب فهي تستحي مما لا تستحي منه الثيب من التصريح بالرغبة في الأزواج, فجعل سكوتها إذنًا ورضًا, ولم يجعل إذن الثيب إلا نطقًا, فأما من عدا الآباء من الأولياء مع البكر فعليهم استثمارها؛ لأنه لا يجوز لهم إجبارها وإذنها معهم الصمت كإذنها مع الأب.
وقال بعض أصحابنا: إذنها معهم بالنطق الصريح كالثيب بخلافها مع الأب؛ لأنها لما كانت معهم في وجوب الاستثمار كالثيب وجب أن يكون إذنها نطقًا صريحًا كالثيب, وهذا خطأ لما قدمناه من عموم الأخبار, ولما ذكرناه من كثرة الاستحياء, ولعل حياءها من غير الأب أكثر لقلة مخالطته, فكان إذنها معهم بأن يكون صمتها أولى, وهكذا السلطان مع البكر كالعصابات إذا فقدوا لا يزوجوها إلا بعد بلوغها بإذنها وإذنها معه
стр. 4162
الصمت, وسواء كانت البكر ممن قد تزوجت مرة وطلقت قبل الدخول, أو لم تتزوج قط إذا كانت البكارة باقية في أن حكمها ما ذكرناه مع الأب والعصبات.
مسألة:
قال المزني ﵀: وروى عن الشافعي عن الحسن عن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ورواه غير الشافعي عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح الشهادة في النكاح واجبة, وقال داود: غير واجبة, وبه قال من الصحابة عن علي بن أبي طالب, وعبد الله بن الزبير, وعمر, وعبد الله بن عباس, ومن التابعين: سعيد بن المسيب, والحسن البصري, والنخعي, ومن الفقهاء: أبو حنيفة, والثوري, وأحمد بن حنبل, ومال, وأبو ثور, غير أن مالكًا جعل الإشهاد به وترك التراخي يكتمه شرطًا في صحته, واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] فكان على عمومه وكما رواه عباد بن سنان أن الرسول ﷺ قال: ألا أنكحك آمنة بنت ربيعة بن الحارث؟ قال: بلى قد أنكحتها ولم يشهد, ولما روي أن عليًا زوج بنته أم كلثوم من عمر ولم يشهد, قالوا: ولأن العقود نوعان: عقد على عين كالبيع, وعقد على منفعة كالإجارة وليست الشهادة شرطًا في واحد منهما مكان النكاح ملحقًا بأحدهما.
واستدل مالك خصوصًا في وجوب الإشهار بما روي أن النبي ﷺ قال: "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف" وبما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن نكاح السر.
ودليلنا ما رواه الحسن عن عمران بن الحصين عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين", وروي عن ابن مسعود عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين". وروى هشام بن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: " لابد من النكاح من أربعة: زوج وولي وشاهدي عدل" ولأن النكاح لما خالف سائر العقود في تجاوزه عن المتعاقدين إلى ثالث وهو الولد الذي يلزم حفظ نسبه خالفها في وجود الشهادة عليه حفظًا لنسب الولد الغائب لئلا يبطل نسبه فيجاهد الزوجين وفي هذا انفصال لما ذكروه من الاستدلال في إلحاقه إما بعقود الأعيان أو بعقود المنافع.
فأما الجواب عن الأول: فهو أن المقصود بها من يستباح من المنكوحات ولم يرد في صفات النكاح, وأما الجواب عن تزويج النبي ﷺ آمنة بنت ربيعة ولم يشهد وتزويج
стр. 4163
علي بنته أم كلثوم بعمر بن الخطاب ولم يشهد هذا فجواب واحد وهو أنه حضر العقد شهود لم يقل لهم: اشهدوا إذ يبعد أن يخلو من مجلس رسول الله ﷺ في حال بروزه من حضور نفسين فصاعدًا وكذلك حال عمر مع علي ﵉ لا يخلو أن يحضره نفسان وإذا حضر العقد شاهدين بقصد أو اتفاق صح العقد بهما وإن لم يقل لهما اشهدا فكم يكن في الخبر دليل لأن قول الراوي: لم يشهد أي لم يقل لمن حضر اشهدوا وكيف يصح ذلك عن عمر وقد روي عنه أنا رد نكاحًا حضره رجل وامرأة فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو تقدمت فيه لرجمت فيه تأويلان:
أحدهما: يعني لو تقدمت فيه فخولفت.
والثاني: يعني لو تقدمت بالواجب وتعديت إما ليس بجائز لرجمت, وأما استدلال مالك بقوله ﵇: "وأعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف" ففيه جوابان:
أحدهما: أن إعلانه يكون بالشهادة وكيف يكون مكتومًا ما شهده الشهود أم كيف يكون معلنًا ما خلا من بينة وشهود.
والجواب الثاني: أن يحمل إعلانه على الاستحباب كما حصل ضرب الدف على الاستحباب دون الإيجاب لمن كان في ذلك العصر, وإن كان في عصرنا غير محمول على الاستحباب ولا على الإيجاب وأما نهيه عن نكاح السر فهو النكاح الذي لم يشهده الشهود ألا ترى أن عمر رد نكاحًا حضره رجل وامرأة وقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه.
وقال الشاعر:
وسرك ما كان عند أمري وسر الثلاثة غير الخفي
فصل:
فإذا ثبت وجوب الشهادة في النكاح وأنها شرط في صحته فلا ينعقد إلا بشاهدين ولا ينعقد بشاهد وامرأتين.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بشاهد وامرأتين استدلالًا بقول الله تعالى:
﴿فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فكان على عمومه ولأنه عقد معاوضة فصح بشاهد وامرأتين كسائر العقود.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فلما بالمرجعة بشاهدين وهي أخف حالًا من عقد النكاح كان ذلك في النكاح أولى, وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" فإن قيل: فإذا جمع بين المذكر والمؤنث غلب في اللفظ المذكر على المؤنث فلم يمنع جمع الشاهدين من أن يكون شاهدًا وامرأتين, قيل: وهذا وإن صح في الجمع؛ لأن المذكر والمؤنث بلفظ التثنية يمنع من
стр. 4164
حمله على الجمع؛ لأن من أهل اللغة من يحمل الجمع على التثنية وليس فيهم ولا في الفقهاء من يحمل التثنية على الجمع فإن حمله على شاهد وامرأة خالف مذهبه وقول الأمة وإن حمله على شاهد وامرأتين خالف لفظ التثنية إلى الجمع, ولو أن رجلًا قال: رأيت رجلين وقد رأى رجلًا وامرأتين لم يصدق في خبره فبطل ما ناولوه, من القياس: أن الفروج يا يسوغ فيها البذل والإباحة فلم يستبح بشهادة النساء كالقصاص؛ ولأن ما خص من بين جنسه بشاهدين لم يجز أن يكون ولا أحدهما امرأة كالشهادة على الزنا ولأن من لم يكونوا من شهود النكاح بانفرادهم لم يكونوا شهوده مع غيرهم كالعبيد والكفار, فأما الآية فمحمولة على الأموال لتقدم ذكرها ولتخصيص عمومها بما ذكرناه فأما القياس على سائر العقود فمردودة بما فرق الشرع بينهما في وجوب الشهادة, والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر أن النكاح لا يصح إلا بشاهدين من الرجال دون النساء فلا يصح حتى يكونا عدلين, وقال أبو حنيفة: يصح بفاسقين استدلالًا بأن حضورهما للعقد إنما هو حال فحمل الشهادة وعدالة الشهود إنما يراعى وقت الأداء لا وقت التحمل, ألا ترى لو تحمل بشهادة صبي ثم بلغ أو عبد ثم أعتق أو كافرًا ثم أسلم قبلت شهادتهم اعتبارًا بحالهم وقت الأداء لا وقت التحمل, كذلك شهادة الفاسقين في النكاح, وتحريره: أنه تحمل شهادة على عقد فجاز أن يصح من الفاسقين قياسًا على سائر العقود؛ ولأن من كان شرطًا في عقد النكاح لم يراع فيه العدالة كالزوجين, ولأنه لم يصح النكاح بشهادة عدوين لا تقبل شهادتهما على الزوجين صح أن تنعقد بشهادة فاسقين.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق:٢] فلما شرط العدالة على الرجعة وهي أخف كان اشتراطها في النكاح المغلط أولى, وروى الحسن عن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ورواه ابن عباس وعائشة؛ ولأن موضع وجبت فيه الشهادة اعتبرت فيه العدالة كالحقوق ولأن كل نقص يمنع من الشهادة في الأداء وجب أن يمنع انعقاد النكاح بها كالرق والكفر, ولأن كل ما لم يثبت بشهادة العدوين لم يثبت بشهادة الفاسقين كالأداء, فأما استدلاله بأن حضور العقد حال تحمل لا يراعى فيه العدالة فخطأ؛ لأن الشهادة في عقد النكاح إن كانت تحملًا فهي تجري بجري الأداء من وجهين:
أحدهما: وجوبها في العقد كوجوبها في الأداء.
والثاني: أن يراعى فيه حرية الشهود وإسلامهم وبلوغهم كما يراعى في الأداء وإن لم تراع في تحمل غيره من الشهادات, فكذلك الفسق, وأما الجواب عن قياسه على فسق الزوجين, فهو أن العدالة تراعى في الشاهدين وإن لم تراع في العاقدين؛ ولأنه لما روعي
стр. 4165
حرية الشاهدين وإن لم يراع حرية الزوجين كذلك فسق الشاهدين, وأما قياس على شهادة العدوين فمذهبنا في انعقاد النكاح بهما ما نذكره من اعتداد حالهما, فإن كانا عدوين لأحد الزوجين دون الآخر انعقد النكاح بهما؛ لأن شهادتهما في الأداء قد تقبل على من ليس له عدوين, خالفًا الفاسقين إذ لا تقبل شهادتهما لأحد الزوجين بحال, وإن كانا عدوين للزوجين معًا ففي انعقاد النكاح بهما وجهان لأصحابنا:
أحدهما: لا تنعقد كالفاسقين؛ لأن الأداء لا يصح منهما على أحد الزوجين بحال.
والوجه الثاني: هو ظاهر ما تنص عليه الشافعي في "كتاب الأم" أن النكاح بهما منعقد وإن لم يصح منهما أداؤه بخلاف الفاسقين, والفرق بينهما: أن الفاسقين لا يصح منهما أداء هذه الشهادة صح منهما أداء غيرها من الشهادات وهذا لو كان الشاهدين ابني الزوجين كانا كالعدوين, لأن الولد لوالده مردودة كما أن شهادة العدو على عدوه مردودة, فإن كانا ابني أحد الزوجين انعقد النكاح بهما لإمكان أداء الشهادة لأحدهما, وإن كان أحدهما ابن الزوج والآخر ابن الزوجة ففي انعقاد النكاح بهما الوجهان الماضيان.
ومن أصحابنا من منع من انعقاد النكاح بكل حال, وفرق بينهما وبين العدوين بأن فيهما بغضيه لا تزول وليست كالعداوة التي قد تزول, والله أعلم بالصواب.
مسألة:
واحتج الشافعي بابن عباس أنه قال: "لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل" وأن عمر رد نكاحًا لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال: "هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو تقدمت فيه لرجمت" وقال عمر ﵁: "لا تنكح المرأة بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان قال الشافعي: والنساء محرمات الفروج فلا يحللن إلا بما بين رسول الله ﷺ فبين "وليا وشهودًا وإقرار المنكوحة الثيب وصمت البكر".
قال في الحاوي: وهذا كما قال رشد الولي في النكاح شرط في صحة عقده فإن كان الولي فاسقًا بطل عقده على الظاهر من مذهب الشافعي والمشهور من قوله سواء كان الولي ممن يجبر على النكاح كالأب أو ممن لا يجبر كالعصبات, وقال أبو إسحاق المروزي: إن كان الولي ممن يجبر كالأب بطل عقده بالفسق وإن كان ممن لا يجبر كالعصبات لم يبطل عقده بالفسق لأنه يكون مأمورًا كالوكيل, وقال أبو حنيفة: فسق الوالي لا يبطل عقده وبه قال بعض أصحاب الشافعي وحكاه قولًا عنه استدلالًا بعموم قوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ ولأن من تعين في عقد النكاح لم يعتبر فيه العدالة كالزوج, ولأن كل من جاز أن يقبل النكاح لنفسه جاز
стр. 4166
أن يلي على النكاح غيره كالعدل؛ ولأنه لما جاز للفاسق تزويج أمته جاز له تزويج وليته, ولأنه لما جاز أن يكون الكافر وليًا في نكاح ابنته فأولى أن يكون الفاسق وليًا في نكاح ابنته.
ودليلنا: ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل, وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل". ورواه عن ابن عباس موقوفًا عليه, فإن قيل: فقوله "مرشد" ولم يقل رشد يقتضي أن يوجد منه فعل الرشد في غيره وإن كان غير موجود في نفسه, وهو إذا زوجها بكفء كان مرشدًا وإن لم يكن رشيدًا.
قيل: هذا تأويل من يفسد من وجهين:
أحدهما: أنها صفة مدح تتعدى عنه إلى غيره ومن ليس برشيد لا يتوجه إليه مذمة ولا يتعدى عنه رشد.
والثاني: أن في الخبر الآخر في قوله: "وأيما امرأة ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل" ما يبطل هذا التأويل, ولأنه نقص يمنع من الشهادة فوجب أن يمنع من الولاية, كالرق, ولأنها ولاية تمنع منها الرق فوجب أن يمنع منها الفسقة كالولاية على المال, ولأن من تولى عقد النكاح في حق غيره منع الفسق من عقده كالحاكم, فأما الجواب على الآية فهو: أنها خطاب إما للأزواج فلا يكون فيها دليل أو للأولياء وليس الفاسق بولي.
وأما قياسه على الزوج فالمعنى في الزوج: أنه يتولى في حق نفسه فلم يعتبر رشده كما لم تعتبر حريته وإسلامه والولي يتولاه في حق غيره, فاعتبر رشده كما اعتبرت حريته وإسلامه, وأما قياسه على العدل فالمعنى في العدل: أنه لما صحت ولايته على المال صحت ولايته على النكاح والفاسق بما بطلت ولايته على المال بطلت ولايته على النكاح وأما استدلالهم بعقد الفاسق على أمته فالمعنى فيه أنه يعقده في حق نفسه ألا تراه يملك المهر دونها فلم تعتبر فيه العدالة كالزوجين والولي يعقده في حق غيره فاعتبرت فيه العدالة كالحاكم, وأما ولاية الكافر فلأنه عدل في دينه ولو كان فاسقًا في دينه وبين أهل ملة أبطلنا ولايته وكذا كالفاسق في ديننا.
فرع:
فإذا ثبت أن ولاية الفاسق في النكاح باطلة, فالولاية, تنقل عنه إلى من هو أبعد منه فإن زال فسقه عادت الولاية إليه, وانتقلت عمن هو أبعد منه فلو زوجها الأبعد بعد عدالة الأقرب, فإن كان عالمًا بعدالة الأقرب أو علمت الزوجة بها أو الزوج كان [الزوج] باطلًا,
стр. 4167
وإن لم يعلم واحد منهم بعدالة الآخر حتى عقد العقد وجهان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز بناء على اختلاف الوجهين في الوكيل إذا عقد بعد عزل موكله قبل علمه.
فصل:
فلو أن هذا الولي الفاسق وكل وكيلًا عدلًا كانت وكالته باطله؛ لأن الفسق قد زالت عنه الولاية فلم يصح منه الوكالة ولكن لو كان الولي عدلًا فوكل وكيلًا فاسقًا ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا يجوز لأنه أبطل الفسقه ولاية الولي مع قوتها كانت أولى أن يبطل ولاية الوكيل مع ضعفها.
والثاني: يجوز ويصح عقده لأنه مأمور والولي من ورائه لاستدراك ذلك.
والثالث: أنه إن كان وكيلًا لولي غيرها على النكاح كالأب بطلت وكالته بفسقه لأنه لا يلزمه استئذانه فصارت ولاية تفويض, وإن كان وكيلًا لمن لا يجبرها على النكاح صحت وكالته لأنه لا يعقد إلا عن استئذانها.
فرع:
فلو كان الولي أعمى ففي صحة ولايته وجواز عقده وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة لا تصح ولايته؛ لأن العمى يمنعه من طلب الحظ لوليته.
والثاني: أن ولايته ثابتة وعقده صحيح؛ لأن شعيب زوج موسى بابنته وكان ضريرًا, ولأنه قد يصل إلى معرفة الحظ بالبحث والسؤال, لأن معرفة الحظ لا توصل إليه بالمشاهدة والعيان, فإن قيل بهذا الوجه صح عقده وتوكيله, وإن قيل بالوجه الأول: إنه لا يصح عقده فهل يصح توكيله فيه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يصح توكيله لأنه لما لم تصح منه مباشرته كان بأن لا تصح عنه الاستنابة أولى.
الثاني: يصح منه التوكيل فيه وإن لم تصح منه المباشرة له بنفسه كبيعه وشرائه لا يصح منه أن يتولاه بنفسه ويصح أن يوكل فيه.
فرع:
فلو كان الولي أخرسًا ففي صحة ولايته وجواز عقده وجهان:
أحدهما: أن ولايته باقية وعقده صحيح لأنه قد يصل إلى معرفة الخط وقد تقوم إشارته فيه مقام النطق كما يقوم مقامه في حق نفسه فعلى هذا يصح منه أن يتولاه بنفسه وأن يوكل.
стр. 4168
والثاني: لا يصح منه العقد لأن إشارته محتمله وإذا أقيمت في حق نفسه لضرورة مقام نطق لم تدع الضرورة إلى ذلك في حق غيره فعلى هذا لا يصح منه التوكيل وجهًا واحدًا لأن المعنى في احتمال الإشارة موجودة في توكيله لوجوده في عقده فلم يصحا منه والله أعلم.
فرع:
فأما إن كان الولي عدوًا للزوجة أو الزوج أو لهما فهو على ولايته وعقده صحيح بخلاف الشهود في أحد الوجهين لأن المقصود من الولي مباشرة العقد ومن الشهود الأداء, والعداوة تمنع من الأداء ولا تمنع من العقد, فإن قيل: فإذا كان عدوًا لهما وضعهما في غير كفء قيل: رشده وما يخافه من لحوق العار به يمنع هذا التوهم.
فرع:
فإن كان الولي محجورًا عليه بالفلس, فإن قيل: إن حجره جاري مجرى المرض كان على ولايته, وإن قيل: إنه يجري مجرى حجر السفه ففي ولايته وجهان:
أحدهما: لا ولاية له كالسفيه.
الثاني: وهو الأصح أنه على ولايته؛ لأن حجره وإن جرى مجرى السفه في ماله لم يجر مجراه في عدالته, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والشهود على العدل حتى يعلم الجرح يوم وقع النكاح".
قال في الحاوي: والعدالة المعتبرة في شهود النكاح عند عقده هي عدالة الظاهر, بخلاف الشهادة في إثبات الحقوق عند الحاكم التي يراعى فيها الظاهر والباطن, والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن في إثبات الحقوق عند الحكام خصمًا جاحدًا فاستكشف لأجله عن عدالة الباطن وليس في عقد النكاح هذا المعنى فلم تعتبر إلا عدالة الظاهر.
والثاني: أن الحاكم يقدر من استبرأ العدالة في الباطن ما لا يقدر عليه الزوجان فسقط اعتبار ذلك عنهما وإن لم يسقط عن الحاكم, وإذا كان ذلك فعدالة الظاهر اجتناب الكبائر والإقلال من الصغائر فإذا عقد الزوجان نكاحًا بشاهدين لم يخل حالهما من أربعة أقسام:
أحدهما: أن يكونا عدلين في الظاهر والباطن معقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما وإثباته عند الحكام جائز لعدالة باطنهما.
стр. 4169
والثاني: أن يكونا عدلين في الظاهر دون الباطن معقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما لكن إثباته عند الحكام لا يصح إلا باستبراء عدالة باطنهما فيكشف عن عدالة الباطن وقت الأداء لا وقت العقد, فإن صحت للحاكم حكم بشهادتهما في الأداء, وإن لم تصح لم يحكم بشهادتهما في الأداء.
والنكاح على حاله من الصحة ما لم يظهر منهما تقدم الفسق.
والثالث: أن يكونا فاسقين فالعقد باطل فلو ظهرت عدالتهما بعد العقد مع تقدم الفسق وقت العقد كان العقد على فساده.
والرابع: أن يكونا مجهولي الحال لا يعرف فيهما عدالة ولا فسق فهما على ظاهر العدالة والنكاح بهما جائز, لأن الأصل العدالة والفسق طارئ وهو معنى قول الشافعي: والشهود على العدل حتى يعلم الحرج يوم وقع النكاح وإذا صح العقد بهما مع الجهالة بحالهما لم يحكم الحاكم بهما من إثبات العقد عنده إلا بعد استبراء حالهما في الظاهر والباطن, فإذا استبرأهما لم يخل حالهما بعد الاستبراء من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتبين له عدالة ظاهرهما وباطنهما فيحكم بها في صحة العقد وفي ثبوته.
والثاني: أن يتبين له عدالة ظاهرهما دون باطنهما فلا يحكم بهما في ثبوت العقد فإن شهد بعقد النكاح بهما شاهدًا عدل حكم حينئذ بثبوت العقد وصحته فيكون صحة العقد بهما بعدالة ظاهرهما وثبوته بشهادة غيرهما.
والثالث: أن يتبين له فسقهما فلا يخلو حال الفسق من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتبين له وجود الفسق وقت العقد فالنكاح باطل.
والثاني: أن يتبين له حدوث الفسق بعد العقد فالعقد على الصحة ولا يفسد بحدوث فسقهما لكن لا يحكم بثبوته عنده إلا أن يشهد به عدلان أنه عقد بهما فيحكم حينئذ بثبوته, فإن قيل: فكيف يشهد بعقد النكاح بهما عدلان غيرهما؟ ولو حضره عدلان غيرهما لاستغنى بهما عن غيرهما, قيل: قد يجوز أن يقر الزوجان عند عدلين أنهما عقدا النكاح بهذين.
والثالث: أن يتبين له فسقهما في الحال ولا يعلم تقدمه ولا حدوثه والنكاح على الصحة لا يحكم بفساده لجواز حدوث الفسق مع سلامة الظاهر وقت العقد وهو معنى قول الشافعي: " حتى يعلم الجرح وقت العقد" وإذا لم يحكم بفساده لم يحكم بإثباته إلا بشهادة غيرهما.
فرع:
فإذا أقر الزوجان عند الحاكم أنهما عقد النكاح بولي مرشد وشاهدي عدل حكم
стр. 4170
عليهما بصحة النكاح على إقرارهما ولم يسأل عن عدالة الشاهدين ورشد الولي فلو تناكر الزوجان من بعد أو ادعى أحدهما سفه الولي وفسق الشاهدين ألزمه صحة النكاح بسابق إقراره ولم يؤثر فيه حدوث إنكاره فلو قال: أنا أقيم البينة بما ادعيت من سفه الولي وفسق الشاهدين لم يسمعهما منه, لأن إقراره على أولى من بدنه أكذبها به.
فرع:
وإذا تصادق الزوجان أنهما عقداه بولي وشاهدي عدل, وقال الشاهدان: بل كنا وقت العقد فاسقين حكم بصحة النكاح بإقرار الزوجين ولم يلتفت إلى قول الشاهدين فلو اختلف الزوجان فقالت الزوجة: عقدناه بشاهدين فاسقين, وقال الزوج: عقدناه بشاهدين عدلين فقد اختلف أصحابنا على وجهين:
أحدهما: وهو قول البغداديين أن القول قول الزوج أنهما عدلان والنكاح صحيح, لأنه مستصحب لظاهر العدالة.
والثاني: أن القول قول الزوجة إنهما فاسقان والنكاح باطل, لأنها مستصحبة أن لا نكاح بينهما, ولو قال الزوج: كان الشاهدان فاسقين وقالت الزوجة: كانا عدلين, فالنكاح قد ارتفع بينهما بإقرار الزوج ولكن في سقوط المهر وجهان:
أحدهما: أن المهر لا يسقط تغليبًا لقول الزوجة لاستصحابها ظاهر العدالة.
والثاني: قد ظهر المهر تغليبًا لقول الزوج لاستصحابه أن لا عقد بينهما, والله أعلم.
فرع:
فإذا تصادق الزوجان أنهما تناكحا بولاية الأب وأن الأب زوجها منه وأنكر الأب أن يكون زوجها فالنكاح ثابت بتصادقهما ولا يؤثر إنكار الأب أنه ما عقد بينهما, لأن الحق لهما لا للأب فلم يؤثر فيه إنكار الأب, وهكذا لو تصادقا أنهما عقداه بشاهدين هما زيد وعمرو فأنكر زيد وعمرو أن يكونا حضراه فالنكاح ثابت بتصادق الزوجين ولا يؤثر فيه إنكار الشاهدين لأن الحق فيه للزوجين دون الشاهدين.
فرع:
لا يصح النكاح بحضور الشاهدين حتى يسمعا لفظ الولي بالبذل ولفظ الزوج بالقبول فيصح العقد فإن سمعا مع البذل والقبول ذكر الصداق شهدا به وبالعقد وإن لم يسمعا ذكر الصدق شهدا بالعقد دون الصداق ولا يجوز أن يشهدا بالصداق بظاهر الأخيار في مجلس العقد.
следующие страницы →