← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

أن يلي على النكاح غيره كالعدل؛ ولأنه لما جاز للفاسق تزويج أمته جاز له تزويج وليته, ولأنه لما جاز أن يكون الكافر وليًا في نكاح ابنته فأولى أن يكون الفاسق وليًا في نكاح ابنته. ودليلنا: ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل, وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل". ورواه عن ابن عباس موقوفًا عليه, فإن قيل: فقوله "مرشد" ولم يقل رشد يقتضي أن يوجد منه فعل الرشد في غيره وإن كان غير موجود في نفسه, وهو إذا زوجها بكفء كان مرشدًا وإن لم يكن رشيدًا. قيل: هذا تأويل من يفسد من وجهين: أحدهما: أنها صفة مدح تتعدى عنه إلى غيره ومن ليس برشيد لا يتوجه إليه مذمة ولا يتعدى عنه رشد. والثاني: أن في الخبر الآخر في قوله: "وأيما امرأة ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل" ما يبطل هذا التأويل, ولأنه نقص يمنع من الشهادة فوجب أن يمنع من الولاية, كالرق, ولأنها ولاية تمنع منها الرق فوجب أن يمنع منها الفسقة كالولاية على المال, ولأن من تولى عقد النكاح في حق غيره منع الفسق من عقده كالحاكم, فأما الجواب على الآية فهو: أنها خطاب إما للأزواج فلا يكون فيها دليل أو للأولياء وليس الفاسق بولي. وأما قياسه على الزوج فالمعنى في الزوج: أنه يتولى في حق نفسه فلم يعتبر رشده كما لم تعتبر حريته وإسلامه والولي يتولاه في حق غيره, فاعتبر رشده كما اعتبرت حريته وإسلامه, وأما قياسه على العدل فالمعنى في العدل: أنه لما صحت ولايته على المال صحت ولايته على النكاح والفاسق بما بطلت ولايته على المال بطلت ولايته على النكاح وأما استدلالهم بعقد الفاسق على أمته فالمعنى فيه أنه يعقده في حق نفسه ألا تراه يملك المهر دونها فلم تعتبر فيه العدالة كالزوجين والولي يعقده في حق غيره فاعتبرت فيه العدالة كالحاكم, وأما ولاية الكافر فلأنه عدل في دينه ولو كان فاسقًا في دينه وبين أهل ملة أبطلنا ولايته وكذا كالفاسق في ديننا. فرع: فإذا ثبت أن ولاية الفاسق في النكاح باطلة, فالولاية, تنقل عنه إلى من هو أبعد منه فإن زال فسقه عادت الولاية إليه, وانتقلت عمن هو أبعد منه فلو زوجها الأبعد بعد عدالة الأقرب, فإن كان عالمًا بعدالة الأقرب أو علمت الزوجة بها أو الزوج كان [الزوج] باطلًا,

стр. 4167

وإن لم يعلم واحد منهم بعدالة الآخر حتى عقد العقد وجهان: أحدهما: باطل. والثاني: جائز بناء على اختلاف الوجهين في الوكيل إذا عقد بعد عزل موكله قبل علمه. فصل: فلو أن هذا الولي الفاسق وكل وكيلًا عدلًا كانت وكالته باطله؛ لأن الفسق قد زالت عنه الولاية فلم يصح منه الوكالة ولكن لو كان الولي عدلًا فوكل وكيلًا فاسقًا ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يجوز لأنه أبطل الفسقه ولاية الولي مع قوتها كانت أولى أن يبطل ولاية الوكيل مع ضعفها. والثاني: يجوز ويصح عقده لأنه مأمور والولي من ورائه لاستدراك ذلك. والثالث: أنه إن كان وكيلًا لولي غيرها على النكاح كالأب بطلت وكالته بفسقه لأنه لا يلزمه استئذانه فصارت ولاية تفويض, وإن كان وكيلًا لمن لا يجبرها على النكاح صحت وكالته لأنه لا يعقد إلا عن استئذانها. فرع: فلو كان الولي أعمى ففي صحة ولايته وجواز عقده وجهان: أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة لا تصح ولايته؛ لأن العمى يمنعه من طلب الحظ لوليته. والثاني: أن ولايته ثابتة وعقده صحيح؛ لأن شعيب زوج موسى بابنته وكان ضريرًا, ولأنه قد يصل إلى معرفة الحظ بالبحث والسؤال, لأن معرفة الحظ لا توصل إليه بالمشاهدة والعيان, فإن قيل بهذا الوجه صح عقده وتوكيله, وإن قيل بالوجه الأول: إنه لا يصح عقده فهل يصح توكيله فيه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يصح توكيله لأنه لما لم تصح منه مباشرته كان بأن لا تصح عنه الاستنابة أولى. الثاني: يصح منه التوكيل فيه وإن لم تصح منه المباشرة له بنفسه كبيعه وشرائه لا يصح منه أن يتولاه بنفسه ويصح أن يوكل فيه. فرع: فلو كان الولي أخرسًا ففي صحة ولايته وجواز عقده وجهان: أحدهما: أن ولايته باقية وعقده صحيح لأنه قد يصل إلى معرفة الخط وقد تقوم إشارته فيه مقام النطق كما يقوم مقامه في حق نفسه فعلى هذا يصح منه أن يتولاه بنفسه وأن يوكل.

стр. 4168

والثاني: لا يصح منه العقد لأن إشارته محتمله وإذا أقيمت في حق نفسه لضرورة مقام نطق لم تدع الضرورة إلى ذلك في حق غيره فعلى هذا لا يصح منه التوكيل وجهًا واحدًا لأن المعنى في احتمال الإشارة موجودة في توكيله لوجوده في عقده فلم يصحا منه والله أعلم. فرع: فأما إن كان الولي عدوًا للزوجة أو الزوج أو لهما فهو على ولايته وعقده صحيح بخلاف الشهود في أحد الوجهين لأن المقصود من الولي مباشرة العقد ومن الشهود الأداء, والعداوة تمنع من الأداء ولا تمنع من العقد, فإن قيل: فإذا كان عدوًا لهما وضعهما في غير كفء قيل: رشده وما يخافه من لحوق العار به يمنع هذا التوهم. فرع: فإن كان الولي محجورًا عليه بالفلس, فإن قيل: إن حجره جاري مجرى المرض كان على ولايته, وإن قيل: إنه يجري مجرى حجر السفه ففي ولايته وجهان: أحدهما: لا ولاية له كالسفيه. الثاني: وهو الأصح أنه على ولايته؛ لأن حجره وإن جرى مجرى السفه في ماله لم يجر مجراه في عدالته, والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "والشهود على العدل حتى يعلم الجرح يوم وقع النكاح". قال في الحاوي: والعدالة المعتبرة في شهود النكاح عند عقده هي عدالة الظاهر, بخلاف الشهادة في إثبات الحقوق عند الحاكم التي يراعى فيها الظاهر والباطن, والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن في إثبات الحقوق عند الحكام خصمًا جاحدًا فاستكشف لأجله عن عدالة الباطن وليس في عقد النكاح هذا المعنى فلم تعتبر إلا عدالة الظاهر. والثاني: أن الحاكم يقدر من استبرأ العدالة في الباطن ما لا يقدر عليه الزوجان فسقط اعتبار ذلك عنهما وإن لم يسقط عن الحاكم, وإذا كان ذلك فعدالة الظاهر اجتناب الكبائر والإقلال من الصغائر فإذا عقد الزوجان نكاحًا بشاهدين لم يخل حالهما من أربعة أقسام: أحدهما: أن يكونا عدلين في الظاهر والباطن معقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما وإثباته عند الحكام جائز لعدالة باطنهما.

стр. 4169

والثاني: أن يكونا عدلين في الظاهر دون الباطن معقد النكاح بهما صحيح لعدالة ظاهرهما لكن إثباته عند الحكام لا يصح إلا باستبراء عدالة باطنهما فيكشف عن عدالة الباطن وقت الأداء لا وقت العقد, فإن صحت للحاكم حكم بشهادتهما في الأداء, وإن لم تصح لم يحكم بشهادتهما في الأداء. والنكاح على حاله من الصحة ما لم يظهر منهما تقدم الفسق. والثالث: أن يكونا فاسقين فالعقد باطل فلو ظهرت عدالتهما بعد العقد مع تقدم الفسق وقت العقد كان العقد على فساده. والرابع: أن يكونا مجهولي الحال لا يعرف فيهما عدالة ولا فسق فهما على ظاهر العدالة والنكاح بهما جائز, لأن الأصل العدالة والفسق طارئ وهو معنى قول الشافعي: والشهود على العدل حتى يعلم الحرج يوم وقع النكاح وإذا صح العقد بهما مع الجهالة بحالهما لم يحكم الحاكم بهما من إثبات العقد عنده إلا بعد استبراء حالهما في الظاهر والباطن, فإذا استبرأهما لم يخل حالهما بعد الاستبراء من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتبين له عدالة ظاهرهما وباطنهما فيحكم بها في صحة العقد وفي ثبوته. والثاني: أن يتبين له عدالة ظاهرهما دون باطنهما فلا يحكم بهما في ثبوت العقد فإن شهد بعقد النكاح بهما شاهدًا عدل حكم حينئذ بثبوت العقد وصحته فيكون صحة العقد بهما بعدالة ظاهرهما وثبوته بشهادة غيرهما. والثالث: أن يتبين له فسقهما فلا يخلو حال الفسق من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يتبين له وجود الفسق وقت العقد فالنكاح باطل. والثاني: أن يتبين له حدوث الفسق بعد العقد فالعقد على الصحة ولا يفسد بحدوث فسقهما لكن لا يحكم بثبوته عنده إلا أن يشهد به عدلان أنه عقد بهما فيحكم حينئذ بثبوته, فإن قيل: فكيف يشهد بعقد النكاح بهما عدلان غيرهما؟ ولو حضره عدلان غيرهما لاستغنى بهما عن غيرهما, قيل: قد يجوز أن يقر الزوجان عند عدلين أنهما عقدا النكاح بهذين. والثالث: أن يتبين له فسقهما في الحال ولا يعلم تقدمه ولا حدوثه والنكاح على الصحة لا يحكم بفساده لجواز حدوث الفسق مع سلامة الظاهر وقت العقد وهو معنى قول الشافعي: " حتى يعلم الجرح وقت العقد" وإذا لم يحكم بفساده لم يحكم بإثباته إلا بشهادة غيرهما. فرع: فإذا أقر الزوجان عند الحاكم أنهما عقد النكاح بولي مرشد وشاهدي عدل حكم

стр. 4170

عليهما بصحة النكاح على إقرارهما ولم يسأل عن عدالة الشاهدين ورشد الولي فلو تناكر الزوجان من بعد أو ادعى أحدهما سفه الولي وفسق الشاهدين ألزمه صحة النكاح بسابق إقراره ولم يؤثر فيه حدوث إنكاره فلو قال: أنا أقيم البينة بما ادعيت من سفه الولي وفسق الشاهدين لم يسمعهما منه, لأن إقراره على أولى من بدنه أكذبها به. فرع: وإذا تصادق الزوجان أنهما عقداه بولي وشاهدي عدل, وقال الشاهدان: بل كنا وقت العقد فاسقين حكم بصحة النكاح بإقرار الزوجين ولم يلتفت إلى قول الشاهدين فلو اختلف الزوجان فقالت الزوجة: عقدناه بشاهدين فاسقين, وقال الزوج: عقدناه بشاهدين عدلين فقد اختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: وهو قول البغداديين أن القول قول الزوج أنهما عدلان والنكاح صحيح, لأنه مستصحب لظاهر العدالة. والثاني: أن القول قول الزوجة إنهما فاسقان والنكاح باطل, لأنها مستصحبة أن لا نكاح بينهما, ولو قال الزوج: كان الشاهدان فاسقين وقالت الزوجة: كانا عدلين, فالنكاح قد ارتفع بينهما بإقرار الزوج ولكن في سقوط المهر وجهان: أحدهما: أن المهر لا يسقط تغليبًا لقول الزوجة لاستصحابها ظاهر العدالة. والثاني: قد ظهر المهر تغليبًا لقول الزوج لاستصحابه أن لا عقد بينهما, والله أعلم. فرع: فإذا تصادق الزوجان أنهما تناكحا بولاية الأب وأن الأب زوجها منه وأنكر الأب أن يكون زوجها فالنكاح ثابت بتصادقهما ولا يؤثر إنكار الأب أنه ما عقد بينهما, لأن الحق لهما لا للأب فلم يؤثر فيه إنكار الأب, وهكذا لو تصادقا أنهما عقداه بشاهدين هما زيد وعمرو فأنكر زيد وعمرو أن يكونا حضراه فالنكاح ثابت بتصادق الزوجين ولا يؤثر فيه إنكار الشاهدين لأن الحق فيه للزوجين دون الشاهدين. فرع: لا يصح النكاح بحضور الشاهدين حتى يسمعا لفظ الولي بالبذل ولفظ الزوج بالقبول فيصح العقد فإن سمعا مع البذل والقبول ذكر الصداق شهدا به وبالعقد وإن لم يسمعا ذكر الصدق شهدا بالعقد دون الصداق ولا يجوز أن يشهدا بالصداق بظاهر الأخيار في مجلس العقد.

стр. 4171

مسألة: قال الشافعي: "ولو كانت صغيرةً ثيبًا أصيبت بنكاح أو غير فلا تزوج إلا بإذنها". قال في الحاوي: وهذا صحيح, والنساء ضربان: أبكار وثيب, فأما الأبكار فقد مضى حكمهن وسنذكره من بعد, وأما الثيب فضربان: عاقلة ومجنونة, فأما العاقلة فضربان: صغيرة وكبيرة فأما الكبيرة فلا يجوز إجبارها ولا تزويجها إلا باختيارها. وعن إذنها سواء كان وليها أبًا أو عصبة, وإذنها النطق الصريح, وهذا متفق عليه, وأما الثيب الصغيرة فليس لأحد من أوليائها أبًا كان أو غيره أو يزوجها إلا بعد بلوغها وإذنها, فإن زوجها قبل البلوغ بإذن أو بغير إذن كان النكاح باطلًا, وقال أبو حنيفة: يجوز أن يزوجهاٍ أوليائها قبل البلوغ فإن زوجها أبوها فلا خيار لها إذا بلغت وإن زوجها غير أبيها من العصبات كانت بالخيار إذا بلغت بين المقام والفسخ, وقال أبو يوسف: لا خيار لها في تزويج العصبات كما لم يكن لها الخيار في تزويج الأب واستدلوا على جواز تزويجها قبل البلوغ بعموم قوله تعالى: ﴿وأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ولأن كل من ثبتت عليه الولاية في ماله جاز إجباره على النكاح كالبكر الصغيرة وكالغلام ولأن لها منفعتين استخدام واستمتاع فلما كان لولي العقد على استخدام منفعتها بالإجازة جاز له العقد على منفعة الاستمتاع بها كالنكاح. وتحريره: أنها إحدى منفعتيها فجاز العقد عليها قبل بلوغها كالإجازة, ودليلنا قوله ﷺ : الثيب أحق بنفسها من وليها, فلم يكن له إجبارها لأنه يصير أحق بها من نفسه. وقال ﷺ : "ليس للولي مع الثيب أمر" فكان على عمومه في الصغيرة والكبيرة ولأن كل صفة خرج بها الولي عن كمال الولاية قبل البلوغ قياسًا على عتق الأمة لما كان حدوثه بعد البلوغ مانعًا من إجبارها على النكاح كان حدوثه قبل البلوغ مانعًا من إجبارها على النكاح كان حدوثه قبل البلوغ مانعًا من إجبارها وعليه ولأنه حرة سليمة ذهبت عدتها بجماع فلم يجز إجبارها على النكاح كالكبيرة, فأما الآية إن حملت على الأولياء فمخصوصة بما ذكرنا, وأما قياسهم على البكر والغلام اعتبارًا بالولاية على المال فلا يجوز اعتبار الولاية بالولاية على النكاح, لأن ولاية المال أوسع ثبوتها للوصي الذي لا ولاية له على النكاح ثم المعنى في البكر والغلام أنه لما لم يثبت لهما خيار جاز إجبارهم وليس كالثيب لثبوت الخيار لها عندهم وأما استدلالهم بمنفعة الاستخدام فالفرق بينهما وبين الاستمتاع أن مدة الاستخدام مقررة بأمر ينقضي يصل إلى مثل ذلك العقد بعد بلوغها ومدة الاستمتاع مؤيدة وهي لا تصل إلى مثل ذلك العقد بعد بلوغها فافترقا.

стр. 4172

فرع: فأما الثيب المجنونة فلها حالتان: صغيرة وكبيرة فإن كانت كبيرة جاز لأبيها إجبارها على النكاح للإياس من صحة إذنها إلا أن يكون ممن تجن في زمان وتفيق في زمان فلا يجوز إجبارها لإمكان استئذانها في زمان إفاقتها وإنما يجوز إجبارها إذا طبق الجنون بها فإن لم يكن لهذه أب زوجها الحاكم ولا يكون لأحد من عصبتها تزويجها لأنها ملحقة بولاية المال الثابتة بعد الأب والجد والحاكم دون العصبة فإن كانت الثيب المجنونة صغيرة لم يجز لغير الأب والجد إجبارها من حاكم ولا عصبة, وهل للأب والجد إجبارها إذا كان ما يؤس البرء؟ على وجهين: أحدهما: له إجبارها قياسًا على ما بعد البلوغ وإنه ربما كان لها الزوج عفاف وشفاء. والثاني: ليس له إجبارها قبل البلوغ وإن جاز له إجبارها بعد البلوغ لأنه برئها قبل البلوغ إرجاء والإياس منه بعد البلوغ أقوى فمنع من إجبارها ليقع الإياس من برئها. فرع: فإذا ثبت ما ذكرنا من حكم الثيب وإنها مفارقة للبكر من وجهين: أحدهما: أن البكر تجبر والثيب لا تجبر. والثاني: أن إذن البكر الصمت وإذن الثيب النطق وجب أن تصف الثيب بما تمتاز به عن البكر. والثيب هي التي زالت عذرتها, وزوال العذرة على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يزول بوطء. والثاني: أن تزول بطفرة أو جناية. والثالث: أن تزول خلقة وهي أن تخلق لا عذرة لها, فأما القسم الأول وهو أو تزول عذرتها بوطء, فالوطء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون حلالًا إما في عقد النكاح أو بملك يمين. والثاني: أن يكون شبهة. والثالث: أن يكون زنى حرامًا وجميع ذلك يزول به البكارة سواء كان الوطء نكاح أو سفاح ويجري عليها حكم الثيب. وقال أبو حنيفة: إذا زالت عذرتها بزنا كان في حكم البكر إلا أن يتكرر منها استدلالًا بأن الزانية إذا تذكرت ما فعلت من الزنا خجلت واستحييت من التصريح بطلب الأزواج فكان حالها أسوأ حالًا من البكر, ولأن كل وطء لا يبيح الرجعة للزوج الأول لم يزل به حكم البكارة كالوطء في غير القبل, ودليلنا قوله ﷺ : " ليس للولي مع الثيب أمر"

стр. 4173

فكان على عمومه, ولأن بكارتها زالت بوطء أن تكون في حكم الثيب كالموطوءة في نكاح, ولأن كل وطء زالت به البكارة إذا كان حلالًا زالت به البكارة, وإن كان محظورًا كوطء الشبهة, ولأن كل وطء زالت به البكارة إذا تكرر زالت به البكارة وإن لم يتكرر كالمنكوحة, وقد قال: إنه لو تكرر منها الزنا صارت ثيبًا, وكذلك إذا لم يتكرر, ولأن صمت البكر إنما صار إذنًا لاستحيائها بدوام الخفر وقلة اختيارها للرجال فتميزت عن الثيب التي قد ظهر خفرها وخبرت الرجال فصارت أقل حياء من البكر, والزانية لم تقدم على الزنا إلا لزوال الحياء وارتفاع الخفر فصارت أجرأ على القول وأخبر بالرجال من ذات الزوج, وفي هذا الاستدلال انفصال عما أورده, فأما قياسه مع انتفاضه بتكرار الزنا فالمعنى في الوطء في غير القبل بقاء العذرة مفارق الزنا الذي زالت به العذرة في الوطء من غير القبل. فرع: وأما زوال العذرة بإصبع أو طفرة أو جناية غير الوطء فقد ذهب أبو على بن خيران من أصحابنا إلى أنه رفع حكم البكارة استدلالًا بمذهب وحجاج, فالمذهب أن الشافعي قال: "أصيبت بنكاح أو غيره" وأما الحجاج فهو: أن الحكم تابع للاسم فلما زال بذلك اسم البكارة وجب أن يزول به حكم البكارة جار عليها, لأن صمت البكر إنما كان نطقًا لما هي عليه من الحياء وعدم الخبرة بالرجال, وهذا المعنى موجود في هذه التي زالت عذرتها بغير وطء, فلما وجد معنى البكر فيها وجب أن يعلق بها حكم البكر وتعليق أحكام البكر بمعاني الأسماء أولى من تعليقها بمجرد الأسماء, وفيه انفصال وما ادعاه من المذهب فقد زال فيه, ولأن قول الشافعي: "أصيبت بنكاح أو غيره" يعني أو غير نكاح من شبهة أو زنا وقد صرح بذلك في كتاب "الأم", وأما التي زالت عنها عذرتها خلقة فلا خلاف أنها في حكم البكر وهذا مما يوضح فساد قول ابن خيران حيث اعتبر الحكم بمجرد الاسم, فإذا تقرر ما وصفنا أراد الولي نكاح المرأة فذكرت أنها بكر قبل قولها ما لم يعلم خلافه وأجرى عليها حكم البكر, فإن قالت: أنا ثيب قبل قولها, وإن لم يعلم لها زوج تقدم ولم يسأل عن الوطء الذي صارت به ثيبًا وأجرى عليها حكم الثيب, فلو زوجها الأب بغير إذن لاعتقاده أنها بكر فادعت بعد عقده أنها ثيب لم يقبل قولها في إبطال النكاح بعد وقوعه على ظاهر الصحة, لأن الأصل فيها البكارة, فإن أقامت أربع نسوة شهدن لها أنهن شاهدنها قبل النكاح ثيبًا لم يبطل العقد إمضاء لجواز أن تكون عذرتها بظفره, أو أصبع أو حلق.

стр. 4174

مسألة: قال الشافعي ﵀: "ولا يزوج البكر بغير إذنها ولا يزوج الصغيرة إلا أبوها أو جدها بعد موت أبيها". قال في الحاوي: اعلم أن نكاح البكر معتبرًا بأوليائها ونكاح الثيب معتبر بنفسها, لأن الثيب لا تزوج مع الأولياء إلا بإذنها والبكر يجبرها عليه بعض أوليائها, وإن كانت كذلك لم يخل ولي البكر من أن يكون أبًا أو عصبة فإن كان وليها أبًا وزوجها جبرًا سواء كانت صغيرة أو كبيرة عاقلة أو مجنونة وهكذا الجد بعد موت الأب يقوم في إجبارها مقام الأب لكن اختلف أصحابنا هل قام مقام الأب, لأنه مشارك له في اسم الأب, أو لأنه في معنى الأب على وجهين: أحدهما: لأنه مشارك له في الاسم لأنهما يسميان أبًا قال الله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]. والثاني: لأنه في معنى الأب وإن لم يشاركه في الاسم لما فيه من صفتي الأب التي تميز بها عن سائر الأولياء, وهما الولادة, والتعصب. فبالولادة تميز عن الإخوة وبالتعصب تميز عن الجد للأم, وإن كان ولي البكر عصبة روعي حالها حينئذ, فإن كانت صغيرة لم يكن لأحد من عصابتها تزويجها, سواء كانت عاقلة أو مجنونة, وإن كانت كبيرة زوجها أقرب عصبتها إن كانت عاقلة باختيارها وعن إذنها, وإن كانت مجنونة لم يزوجوها, لأن تزويجها في الجنون معتبر بالنظر في مصالحها ولا نظر للعصبات في مصالحها, ولذلك لم يكن لهم ولاية في حالها, وإن كان ولي البكر الحاكم, فإن كانت صغيرة لم يكن له تزويجها عاقلة كانت أو مجنونة, لأنها ليست من أهل المناكح فتزوج ولا من أهل الاختيار فتستأذن, وإن كانت كبيرة نظر, فإن كانت عاقلة لم يكن للحاكم تزويجها إلا بإذنها وإن كانت مجنونة زوجها إذا رأى ذلك صلاحًا لها, وإن لم يكن للعصبة تزويجها في حال جنونها, والفرق بينهما: أن للحاكم نظر في مصالحها شارك به الأب وفارق به العصبة, ولذلك ولي على مالها وإن لم يلي عليه العصبة. فرع: وإذا كان لرجل ابن وله بنت ابن آخر, فأراد أن يزوج ابن ابنه بنت ابنه, فإن كان أبواهما باقيين لم يكن له تزويجهما, لأنه لا ولاية للجد مع بقاء الأب, وإن كان أبواها ميتين فإن كان ابن ابنة بالغًا فليس له إجبار على النكاح, فإن كانت بنت ابنه ثيبًا فليس له إجبارها على النكاح, وإن كان ابنه صغيرًا أو بنت ابنه بكرًا فله إجبار كل

стр. 4175

واحد منهما على الانفراد, فإن أراد تزويج أحدهما بالآخر ففي جوازه جبرًا وجهان: أحدهما: لا يجوز تزويج أحدهما حتى يبلغ الابن فيكون هو القابل لنفسه, لأن النبي ﷺ قال: "كل نكاح لم يحضره أربع فهو سفاح" ولأن لا يتولى العقد من طرفيه كما لا يجوز لابن العم أن يزوج موليته لأن لا يصير متوليًا للعقد من طرفيه وهذا قول أبي العباس بن القاص وطائفة. والثاني: يجوز للجد أن يفعل ذلك ويتولى العقد من طرفيه كما يجوز له فيما ينفق من مال على ابن ابنه إذا كان وليًا عليه أن يتولى العقد من طرفيه, وخالف ابن العم في تزويجه ابنة عمه إذا كان واليًا عليها من وجهين: أحدهما: أن ولاية الجد توجب الإجبار لقوتها, وولاية ابن العم, تمتع من الإجبار لضعفها. والثاني: أن الجد في الطرفين عاقد لغيره وابن العم أحد الطرفين عاقد لنفسه, وهذا قول أبي بكر بن الحداد المصري وطائفه, فعلى هذا لا بد للجد من أن يتلفظ في عقد نكاحها بالإيجاب, فيقول: قد زوجت ابن ابن ببنت ابني وهل يحتاج فيه القبول أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا بد من أن يتلفظ فيه القبول فيقول: وقبلت نكاحها له, وهذا قول أبي بكر بن الحداد, ولأنه ذلك بولايتين فقام فيه مقام وليين فلم يكن بد فيه من لفظتين: أحدهما: إيجاب والآخر قبول. والثاني: لا يحتاج أن يتلفظ فيه بالقبول, وهذا قول أبي بكر القفال, لأن الجد يقوم مقام وليين فقام لفظه مقام لفظين. مسالة: قال الشافعي ﵀: "ولو كان المولى عليه يحتاج إلى النكاح زوجه وليه فإن أذن له فجاور مهر رد الفضل". قال في الحاوي: المولى عليه بالسفه ممنوع من التزويج إلا بإذن وليه, لأن الحجر يمنع من التصرف في العقود, فإن لم يكن به إلى النكاح حاجة لم يجز له أن يتزوج, ولا لوليه أن يزوجه لما فيه من التزام المهر والنفقة لغير حاجه, وإن كان به إلى النكاح حاجه, إما بأن يرى يتوثب على النساء لفرط الشهوة, وأما بأن يحتاج إلى خادم وخدمة النساء له أرفق به فيجوز لوليه أن يزوجه, لأنه مندوب إلى القيام بمصالحه التي هذا منها وليصده بذلك عن واقعة الزنا الموجب للحد والمأثم, وإذا كان كذلك فوليه بالخيار بين أن يزوجه بنفسه وبين أن يأذن له في التزويج, فإن زوجه الولي جاز أن يعقد له النكاح على

стр. 4176

من يختارها له من الأكفاء, ولا يلزمه استئذانه فيه, لأن ذلك من جملة مصالحه التي لا تقف على إذنه كما لا تقف على إذن ما عقده من بيع وشراء, ولا يزيد المنكوحة على مهر مثلها كما لا يزيد في عقود أمواله على أعواض أمثالها, فإن زوجه بأكثر من مهر المثل كانت الزيادة مردودة ولا تجب في مال السفيه ولا على وليه, وإن أذن له الولي في التزويج ليتولاه السفيه بنفسه جاز, فإن قيل: فهلا منع من مباشرة العقد بنفسه ولم يصح منه مع إذن وليه كما لم يصح منه عقد البيع وإن أذن فيه وليه؟ قيل: الفرق بين النكاح حيث صح منه أن يعقده بإذن الولي وبين البيع حيث يصح منه أن يعقده, وإن أذن فيه الولي من وجهين: أحدهما: أن المقصود بالحجر عليه حفظ المال دون النكاح فذلك لم يصح منه العقد في النكاح. والثاني: أنه لما صح منه رفع النكاح بالخلع والطلاق من غير إذن فأولى أن يصح منه عقد النكاح بإذن ولما لم يصح منه إنزاله ملكه عن الأموال بالعتق والهبة بإذن ولا غير إذن لم يصح منه عقود الأموال كلها بإذن ولا غير إذن. فرع: فإذا ثبت أنه يجوز أن يتولى عقد النكاح بنفسه بإذن وليه فقد اختلف أصحابنا, هل على وليه عند إذنه له في النكاح أن يعين له على المنكوحة أم لا؟ على ثلاثة أوجه: أحدهما: يلزمه أن يعين له غلى المنكوحة ليقطع اجتهاده في العقد حتى لا ينكح من يعظم مهرها. والثاني: عليه أن يعين له على القبيلة أو العشيرة حتى لا ينكح من ذوي الأنساب الذي يعظم مهور نسائهم, وليس عليه أن يعين على المرأة من نساء القبيلة, لأن يقف على اختيار النفوس. والثالث: أنه لا يلزمه أن يعين المنكوحة ولا على قبيلتها, لأنه ليس بأسوأ حالًا من العبد الذي يجوز إذا أذن السيد له في النكاح أن لا يعين له على المنكوحة ولا على قومها, فأولى أن يكون السفيه مثله في الإذن, فإذا نكح السفيه بمقتضى الإذن بمهر المثل فما دون لزمه المهر والنفقة في ماله أن ينكح بأكثر من مهر المثل صح النكاح بمهر المثل وكانت الزيادة مردودة لا تلزمه في وقت الحجر ولا بعد فكه عنه وخالف العبد الذي إذا نكح بإذن السيد وزاد على مهر المثل كانت الزيادة في ذمته يؤديها بعد عتقه والرفقة بينهما أن الحجر على السفيه حفظ ماله عليه فلو لزمته الزيادة بعد فك الحجر عنه لم يكن ماله محفوظًا عليه والعبد إنما حجر عليه لأجل سيده وحفظ ما يستحقه السيد من كسبه فإذا لزمته الزيادة بعد عتقه سلم حق السيد وصار ماله محفوظًا عليه.

стр. 4177

فرع: فأما إذا نكح السفيه بغير إذن وليه فهذا على ضربين: أحدهما: أن لا يكون قد أعلمه وليه ولا استأذنه فمنعه فنكاحه باطل, لأن ثبوت الحجر يمنع من جواز التصرف في العقد, فعلى هذا إن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه, وإن دخل بها فرق بينهما, ثم ينظر فإن كانت عالمة بحجره فلا مهر عليه في حال الحجر ولا بعد فك الحجر, وتصير كالمبرئة منه لعلمها بحجره, وإن لم تكن عالمة بحجره فليس عليه في حال الحجر دفع المهر, لأنه تصرف منع الحجر منه وفي لزومه له بعد فك الحجر عنه وجهان: أحدهما: يلزمه دفعه بعد فك حجره لئلا يصير ممتنعًا ببعضها من غير بدل. والوجه الثاني: لا يلزمه دفعه بعد فكاك الحجر عنه كما لم يلزمه قبل فكه عنه ليكون ماله بالحجر محفوظًا عليه, كما لم تلزمه الزيادة على مهر المثل لهذا المعنى, وليس جهلها بحاله عذرًا, لأنه قد كان يمكنها أن تستعلم فتعلم. والضرب الثاني: أن يكون السفيه قد سأل وليه النكاح فمنعه واستأذنه فلم يأذن له ففي نكاحه وجهان: أحدهما: باطل لتأثير الحجر في عقوده, فعلى هذا يكون الكلام في المهر على ما مضى. والوجه الثاني: أن النكاح جائز لأنه حق على الولي, فإذا منعه منه جاز أن يستوفيه بنفسه كالدين إذا منع صاحبه منه جاز إن يستوفيه بنفسه, فعلى هذا يكون النكاح كالمأذون فيه ويدفع مهر المثل والنفقة من ماله. فرع: فأما المجنون فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون مستدام الجنون لا يفيق في شيء من زمانه, فهذا ينظر في حاله, وإن لم يكن به إلى النكاح حاجة لم يكن لوليه أن يزوجه, ولا أن يوجب في ماله عزم النفقة والمهر في غير حاجة, وإن كان به إلى النكاح حاجة وذلك في أحد الحالين: إما أن يرى يتوثب على النساء لفرك شهوة, وإما أن يحتاج إلى خدمة النساء, والزوجة أرفق به فيجوز لوليه أن يزوجه بنفسه, ولا يجوز للولي أن يرد العقد إليه ليتزوج بنفسه بخلاف السفيه, لأن السفيه مكلف يتعلق بقوله حكم, والمجنون غير مكلف لا يتعلق بكلامه حكم. والضرب الثاني: أن يكون المجنون ممن يجن في زمان ويفيق في زمان فهذا على أضرب: أحدهما: أن يكون زمان جنونه أكثر من زمان إفاقته فيجوز لوليه إذا رآه محتاجًا إلى

стр. 4178

النكاح أن يزوجه في زمان جنونه, ولا يرد العقد إليه الذي طبق به الجنون, ويجوز له أن يزوجه في زمان إفاقته وأن يرد العقد إليه كالسفيه, لأن الحجر عليه قبل زمان إفاقته لا يرتفع لكن يكون حكمه في زمان الجنون حكم الحجر بالجنون وفي زمان الإفاقة حكم بالحجر بالسفه. والثاني: أن يكون زمان إفاقته أكثر من زمن جنونه فالحجر يرتفع في زمان الإفاقة ولا يجوز لوليه أن يزوجه في حال جنونه لما يرجى إفاقته ويجوز له أن يزوج بنفسه في زمان إفاقته من غير إذن وليه ولا يجوز لوليه أن يزوجه في إفاقته لارتفاع حجزه. والثالث: أن يتساوى زمان جنونه وزمان إفاقته, ففي أغلبها حكمًا وجهان: أحدهما: أن حكم الجنون اغلب تغليبًا لحكم ثبوت الحجر, فعلى هذا يكون حكمه كالضرب الأول: فيمن كثر زمان جنونه وقل زمان إفاقته. والثاني: أن حك الإفاقة أغلب تغليبًا لأصل السلامة, فعلى هذا يكون حكمه كالضرب الثاني فيمن كثر زمان إفاقته وقل زمان جنون. مسألة: قال الشافعي: "ولو أذن لعبده فتزوج كان لها الفضل متى عتق". قال في الحاوي: وهذا كما قال, ليس للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده لرواية عطاء عن جابر, أن النبي ﷺ قال: " أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر", والعاهر: الزاني, فشبه بالزاني لتحريم عقده, وإن لم يكن زانيًا في الحكم, ولأن السيد مالك لمنافعه وأكسابه فلم يكن له تفويتها بتزويجه, فإن تزوج بإذن سيده كان النكاح جائزًا, لأن مستحق الحجر قد رفعه بإذنه فعاد إلى جواز تصدقه, وإن تزوج بغير إذن سيده كان نكاحه باطلًا, وقال أبو حنيفة: يكون موقوفًا على إجازة السيد. وقال مالك: نكاحه جائز وللسيد فسخه عليه, والدليل عليها رواية نافع عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: " إذا نكح العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل ". وقد روي هذا الخبر موقوفًا على ابن عمر. ولأن الحجر المانع من جواز المناكح يمنع من صحتها كالجنون, فإذا تقرر أن نكاح العبد بغير إذن سيده باطل وبإذنه جائز, فللسيد إذا أذن لعبده في النكاح حالتان: إحداهما: أن يعين له على المنكوحة فلا يجوز له أن يتجاوزها, فإن نكح غيرها

стр. 4179

كان نكاحًا بغير إذن. والحال الثانية: أن لا يعين على المنكوحة ويكون إذنه مطلقًا فيجوز, بخلاف السفيه الذي يلزم الوطء, أن يعين على المنكوحة, والفرق بينهما: أن العبد من أهل الاختيار والتصدق في العقود وليس السفيه من أهل الاختيار والتصرف أن العبد من أهل الاختيار والعبد بإذن سيده نظر في المهر فإن كان قدر مهر المثل كان في كسبه على ما سنذكره وإن كان أكثر من مهر المثل لزم قدر مهر المثل في كسبه ونالت الزيادة في ذمته حتى يعتق فيؤدي وفارق السفيه في إبطال الزيادة على مهر المثل بالمعنى الذي قدمناه, والله أعلم فصل: فأما إذا سأل العبد سيده أن يزوجه فعضله ومنعه نظر في العبد, فإن كان غير بالغ لم يجبر السيد على تزويجه؛ لأنه قبل البلوغ غير محتاج إلى النكاح, وإن كان بالغًا فعل يجبر السيد على تزويجه إن أقام على عضله ومنعه زوجه الحاكم أم لا؟ على قولين: أحدهما: أشار إليه في كتاب العرض بالخطبة أن السيد يجبر على تزويج العبد لما يدعو إليه من حاجته وكمال مصلحته وسكون نفسه فشابه ما يحتاج إليه من تمام قوته وكمال كسوته. والقول الثاني: نص عليه في القديم والجديد وهو الصحيح أن السيد لا يجبر على تزويج عبده لأنه يجري مجرى الملاذ والشهوات ولا يلزم السيد تمكين عبده من ملاذه وشهواته. فعلى تقدير القولين لو كان السيد مولى عليه لصغر أو سفه أو جنون, فإن قيل بالقول الأول: أن السيد يجبر على نكاح عبده لزم ولي السيد المولى عليه أن يزوج عبده إذا طلب النكاح وإن قيل بالقول الثاني أن السيد لا يجبر على تزويجه لم يكن لوليه أن يزوجه. فصل: فأما إذا أراد السيد أن يجبر عبده على التزويج فإن كان العبد صغيرًا كان لسيده إجباره على النكاح ولأنه لما كان له إجبار ولده في صغره الذي لا ولاية له عليه بعد بلوغه فإجبار عبده في صغره أولى, وإن كان العبد بالغًا فهل للسيد إجباره على النكاح أم لا؟ على قولين: أحدهما: وهو قوله في القديم له إجبار عبده على النكاح لأنه لما ملك العقد على منافعه ورقبته جبرًا كان النكاح ملحقًا بأحدهما في عقده عليه جبرًا. والقول الثاني: وهو قوله في الجديد أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح لأنه يجري مجرى الملاذ والشهوات التي ليس للسيد إجبار عبده عليها, ولأن معقود الوطء الذي لا يجوز للسيد إجبار عبده عليه فكان النكاح بمثابه, وعلى القولين معًا لو كان

стр. 4180

السيد مولى عليه لصغر أو سفه لم يكن لوليه إجبار عبده على النكاح قولًا لما في إجباره من إخراج المهر والنفقة من كسبه. فصل: فأما المدبر فهو كالعبد في إجبار السيد له على النكاح, وفي إجبار السيد على تزويجه إذا أدعى إلى النكاح, وأما المكاتب فليس لسيده إجباره على النكاح, لما فيه من إلزامه المهر والنفقة في كسبه, وأما إذا دعي سيده إلى النكاح فهل يجبر السيد عليه؟ إن قيل: إنه يجبر على تزويج عبده فأولى أن يجبر على تزويج مكاتبه, وإن قلنا: إنه لا يجبر على تزويج عبده ففي إجباره على تزويج مكاتبه وجهان: أحدهما: لا يجبر عليه كما لا يجبر على تزويج عبده. والوجه الثاني: أنه يجبر على تزويج مكاتبه وإن لم يجبر على تزويج عبده, والفرق بينهما أن اكتساب العبد لسيده فلم يجبر على تزويجه لما يلحقه من التزام المهر والنفقة واكتساب المكاتب لنفسه فأجبر السيد على تزويجه, لأنه لا يؤول إلى التزام المهر والنفقة. فصل: فأما العبد إذا كان بين شريكين وليس له أن يتزوج بإذن أحدهما حتى يأذنا له جميعًا, فإن اتفقنا على تزويجه فهل لهما إجباره عليه أم لا؟ على قولين, وإن دعاهما إلى النكاح فهل يجبران على تزويجه أم لا؟ على قولين وأما إن كان نصف العبد حرًا ونصفه مملوكًا فليس لسيده أن يجبره على النكاح؛ لأن فيه حرية ولا ولاية عليه فيها, وإن دعا سيده إلى النكاح ففي إجباره قولان. مسألة: قال الشافعي: "وفي إذنه لعبده باكتساب المهر والنفقة إذا وجبت عليه". قال في الحاوي: إذا أذن السيد لعبده في النكاح فنكح, فقد وجب المهر بالعقد والنفقة بالتمكين, ولوجوبها محل معتبر بحال العبد, وللعبد ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يكون مكتسبًا. والثاني: أن يكون مأذونًا له في التجارة. والثالث: أن يكون غير مكتسب ولا مأذونًا في التجارة, فإن كان مكتسبًا فالمهر والنفقة في كسبه؛ لأن الإذن بالنكاح إذن به وبموجبه, وأولى ما تعلق ذلك بكسبه؛ لأن منه وإليه, فإن قيل: أفليس لو أذن لعبده في التجارة فلزمه فيها دين زاد على ما بيده كان في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه فهلا استويا؟ قيل: الفرق بينهما: أن الإذن بالتجارة معقود

стр. 4181

بالاكتساب والدين ضد الاكتساب فصار غير مأذون فيه فلذلك تعلق بذمته بعد عتقه والإذن بالنكاح معقودة الاستمتاع الموجب للمهر والنفقة فصار المهر والنفقة من موجبات إذنه فلذلك تعلق بكسبه دون ذمته. فرع: فإذا ثبت وجوب المهر والنفقة في كسبه فالمهر يستحق في كسبه بعد عتقه, والنفقة تستحق من كسبه بعد تمكنه من الاستمتاع؛ لأنهما يستحقان في الكسب الحادث بعد وجوبها, ولا يستحقان في كسب تقدمها؛ لأن الكسب لم يتعلق به إذن فصار خالصًا لسببه فلو كان العقد بمهر مؤجل استحق ذلك في الكسب الحادث بعد حلول الأجل, وإذا كان كذلك قيل للسيد: عليك أن تخلي سبيل عبدك وترفع عنه يدك ليلًا ونهارًا, أما النهار فللاكتساب الكسب والنفقة, وأما الليل فللاستمتاع بالزوجة, ثم لا سبيل لك إلى إبطال حقه في تمكين ليلًا من نفسه, ولك السبيل إلى منعه نهارًا من نفسه بالتزام المهر والنفقة؛ لأن حقه في استمتاعه ليلًا لا بدل له له فلم يسقط, ولحقه من اكتساب النهار بدل يلتزمه السيد فقط, ثم لا يخلو حال كسبه إذا مكن منه من ثلاث أقسام: أحدهما: أن يكون بقد المهر والنفقة من غير زيادة ولا نقصان فلا حق للسيد فيه ولا عليه وقد خلص جميع كسبه له في نفقته ونفقة زوجته وكسوتها ومهرها. والقسم الثاني: أن يكون كسبه أكثر من المهر والنفقة فللسيد الفاضل منهما. والقسم الثالث: أن يكون المهر والنفقة أكثر من كسبه فعليه أن يخلي عليه جميع كسبه ليصرفه في المهر والنفقة ويكون حاله في الباقي عليه من المهر والنفقة كحال من لا كسب له ولا هو مأذون له في التجارة على ما سنذكره بعد. فرع: فلو أن سيد هذا العبد المكتسب إذا استخدمه نهارًا لزمه جميع المهر والنفقة له ولزوجته, سواء كان كسبه مساويًا لهما أو مقصورًا عنهما؛ لأنه بالاستخدام كالضامن لهما, ولو أن سيده لم يستخدمه ولكن حبسه في زمان كسبه لزم غرم المهر والنفقة, ولو حبسه غير سيده لزمه أجره مثله, والفرق بينهما أن السيد يلتزم ذلك في حق عبده فلزمه ما يستحق العبد من مهر زوجته ونفقتها, والأجنبي يضمن ذلك في حق عبده فلزمه ما يستحق العبد من مهر زوجته ونفقته, والأجنبي ذلك في حق السيد نلزمه قيمة ما استهلكه من منافعه. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن كان مأذنًا له في التجارة أعطى مما في يديه".

стр. 4182

قال [في] الحاوي: وهذا القسم الثاني من أحوال العبد أن يكون مأذونًا في التجارة فيكون ما لزمه من المهر والنفقة متعلقًا بمال التجارة؛ لأن هذا المال في حق المأذون في التجارة المال الكسب في حق المكتسب لكونهما ملكًا للسيد الآذن لكن اختلف أصحابنا في المال ها هنا يقول الشافعي: أعطى مما في يديه على ثلاث أوجه: أحدها: أن يعطيه من حال الربح المستفاد بعد وجوبه, فيعطي المهر من الربح المستفاد بعد العقد والنفقة من الربح المستفاد بعد التمكين, كما قلنا في المكتسب إنه يعطيها من كسب المستفاد بعد وجوبها. والثاني: أنه يعطيهما من جميع ما بيده من الربح المستفاد قبل الوجوب وبعده, ولا يعطيهما من أصل المال؛ لأن جميعها نماء المال والفرق بين الكسب والربح أن كسب العمل حادث في كل يوم وليس كسب التجارة حادثًا في كل يوم. والثالث: أنه يعطيهما من جميع ما بيده من مال التجارة من ربح وأصل؛ لأن جميع ذلك مالك للسيد وقد صار بالإذن كالمأمور يدفعهما, فتعلق الإذن لجميع ما بيده كالدين, فلو أن السيد دفع ذلك من غير مال التجارة خلص مال التجارة وربحه اليد. فصل: وأما القسم الثالث: من أحوال العبد فهو أن يكون غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة؛ إما لأنه زمن لا يقدر على عمل وإما لأنه محارف محروم لا يقدر شيئًا وإن عمل فهما سواء وعلى السيد التزام نفقته وليس عليه التزام نفقة زوجته, ويقال لها: زوجك معتبر بنفقتك وأنت بالخيار في الصبر معه على إعساره أو فسخ نكاحه, فأما المهر ففيه قولان: أحدهما: أنه في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه ولا يؤخذ السيد به لأنه في مقابلة البضع الذي قد صار ملكًا للعبد دون السيد ومن ملك ذا بدل ملك عليه ذلك البدل وهذا أشهر القولين وأظهرهما. والقول الثاني: أن يكون مضمونًا في ذمة سيده؛ لأن إذنه بالنكاح الذي لا ينفك من التزام المهر موجب الالتزام ذلك المهر كالديون. فرع: فأما إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا مهر ولا نفقة؛ لأن فساد العقد قد أسقط ما تضمنه من العوض وإن دخل بها فرق بينهما وكان لها بالدخول مهر مثلها لوطء الشبهة لقوله ﷺ : "فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" وأن يكون المهر فيه قولان: أحدهما: نص عليه في القديم والجديد أن يكون في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه؛ لأنه

стр. 4183

حق وجب برضي مستحق فأشبه الديون؟ والقول الثاني: خرجه أصحابنا من كلام أشار إليه الشافعي في القديم أنه يكون في رقبة عبده يباع فيه إلا أن يفديه سيده. لأنه وجب الوطء الذي هو إتلاف فأشبه الجنابة, والله أعلم. فرع: وإذا أذن السيد لعبده في نكاح, فنكح نكاحًا فاسدًا ففي دخوله في إذن السيد قولان: أحدهما: أن يكون داخلًا في حكم إذنه لانطلاق الاسم على فاسده كانطلاقه على صحيحه, ولوجوب المهر في فاسد كوجوبه في صحيحه, فعلى هذا يكون محل المهر كمحله في النكاح الصحيح إن كان مكتسبًا ففي كسبه وإن كان مأذونًا له في التجارة كان فيها بيده, وإن كان غير مكتسب ولا مأذونًا له في التجارة كان على ما مضى من القولين: أحدهما: في ذمة العبد. والثاني: في ذمة سيده. والقول الثاني: وهو الأصح أن النكاح الفاسد لا يكون داخلًا في جملة إذنه؛ لأن إطلاق الأمر يقتضي حمله على ما ورد به الشرع, ولأن هذا المهر ما وجب بالعقد, وإنما وجب بالوطء الذي لم يكن فيه إذن, فعلى هذا في محل هذا المهر القولان الماضيان: أحدهما: في ذمة العبد. والثاني: في رقبته. فرع: وإذا زوج الرجل عبده بأمته فليس على العبد مهر ولا نفقة؛ لأنهما لو وجبا لكانا للسيد, ولا يثبت للسيد على عبده مال, لكن اختلف أصحابنا في المهر, هل وجب بالعقد ثم سقط؟ على وجين: أحدهما: أنه وجب بالعقد ثم سقط لئلا يكون بالموهبة التي جعلت خالصة لرسول الله ﷺ من دون المؤمنين. والوجه الثاني: أنه لم يجب أصلًا, لأنه لما كان ملك السيد مانعًا من استدامة استحقاقه كان مانعًا من ابتداء استحقاقه, ألا تراه لو أتلف مال سيده لم يلزمه غرمه لا في الابتداء ولا في الاستدامة كذلك المهر ولمن قال بالأول أن ينفصل عنه بأن الأقوال قد تجوز أن تملك بغير يدل والبضع لا يجوز أن يملك إلا ببدل, فلو أن السيد بعد تزويج عبده بأمته أعتقهما معًا لم يكن له مطالبة عبده بالمهر بعد عتقه؛ لأنه ما وجب عليه بالعقد ولا للأمة بعد عتقها مطالبة الزوج ولا السيد بمهرها؛ لأنه ما وجب لها بالعقد.

стр. 4184

فرع: وإذا زوج السيد أمته بعبد غيره ولم تقبض مهرها منه حتى اشتراه فإذا كان بيد العبد من كسبه قبل الشراء وبعد النكاح شيء فهو للمشتري يأخذه من مهر أمته وليس للبائع فيه حق وإن لم يكن بيد العبد من كسبه قبل الشراء شيء فلا مطالبة لمشتريه بمهر أمته؛ لأنه قد صار عبده ولا حق للسيد على عبده, واختلف أصحابنا هل هذا الشراء أسقط المهر أو منع من المطالبة مع بقاء المهر؟ على وجهين: أحدهما: أنه قد أسقط المهر؛ لأنه كان الملك مانعًا من ابتداء استحقاقه كان مانعًا من بقاء استحقاقه. والوجه الثاني: أنه قد منع من المطالبة بالمهر ولم يسقطه؛ ولأن الحقوق ثابتة في الذمم لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء وليس الشراء واحد منهما وتأثير هذين الوجهين يكون بعتق العبد أو بيعه, فإن قيل إن الشراء قد أسقط ما عليه من المهر لم يكن للسيد مطالبة العبد بعد عتقه أو بيعه فإن قيل: إنه منع من المطالبة ولم يسقطه كان للسيد مطالبته بعد عتقه أو بيعه. فرع: وإذا زوج الرجل عبده بأمة غيره ثم اشتراها السيد كان النكاح بحاله ومهرها مستحق لبائعها لوجوبه في ملكه ولو كان السيد قد أمر عبده بشراء زوجته, فإن أمره يشتريها لسيده فالنكاح بحاله وأن أمره أن يشتريها لنفسه لتكون أمة لعبد لا للسيد ففيه قولان: أحدهما: بناء على اختلاف قوليه في العبد هل يملك إذا ملك أم لا؟ فعلى قوله في القديم أنه يملك إذا ملك فالشراء للعبد وقد بطل النكاح, لأن من ملكك زوجته بطل نكاحها وعلى القول الجديد: أن العبد لا يملك إذا ملك فيكون الشراء للسيد والنكاح بحاله, والله أعلم بالصواب. مسألة: قال الشافعي: "ولو ضمن لها السيد مهرها وهو ألف عن العبد لزمه". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أذن السيد لعبده أنه يتزوج حرة فتزوجها على صداق ألف ثم إن السيد ضمن لها ألف عن عبده صح الضمان لوجوبه كالديون ويكون الألف كسب عبده بالعقد, وفي ذمة سيده بالضمان هو بالخيار بين أن تطالب العبد بها من كسبه بحكم عقده أو تطالب السيد بها بحكم ضمانه فإن دفعها العبد من كسبه بريء السيد من ضمانها, وإن دفعها السيد من ماله بري العبد منها ولم يرجع السيد بها على عبده؛ لأن السيد لا يثبت له في ذمة عبده مال فلو طلق العبد زوجته نظر في طلاقه, فإن

стр. 4185

كان بعد الدخول بها فقد استكملته وإن كان قبل الدخول بها ملك بالطلاق نصف الصداق. فإن لم تكن الزوجة قبضت صداقها بريء الزوج من نصفه وبريء السيد من ضمان هذا النصف؛ لأن براءة المضمون عنه توجب المرأة الضامن وبقي للزوجة نصف الصداق على العبد وعلى السيد ضمانه. وإن كانت هذه الزوجة المطلقة قبل الدخول قد قبضت صداقها رجع عليها نصفه, ثم لا يخلو حال المطلق من أحد أمرين, وإما أن يكون باقيًا على ملك سيده عند طلاقه أو قد زال ملكه عنه فإن كان باقيًا على ملكه فالسيد هو الراجع عليها بنصف الصداق؛ لأنه من كسب عبده بالطلاق واكتساب العبد لسيده وإن كان ملك السيد قد زال عنه بعتقه أو بيع ففي مستحق هذا النصف من الصداق وجهان: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه يستحق العبد إن كان قد أعتق أو مشتريه إن كان قد بيع ولا حق فيه لسيده الدافع له, لأن نصف الصداق كسب ما ملك بالطلاق والطلاق لم يكن في ملك السيد فلم يستحق ما ملك به بعد زوال ملكه وجرى ذلك مجرى الأب يزوج ابنه الصغير على صداق يدفعه الأب من ماله ثم يطلق الابن عند البلوغ قبل الدخول بزوجته فيملك الابن نصف الصداق, ولا يعود إلى الأب وإن دفعه من ماله. والثاني: قاله أبو بكر بن الحداد في "فروعه" أنه يكون للسيد؛ لأن الصداق ماله ما رجع منه بالطلاق عاد إليه وإن زال ملكه عن العبد, وذهب إلى هذا بعض المتأخرين من أصحابنا أيضًا, وفرق بين الأب إذا دفع الصداق عن ابنه وبين السيد إذا دفعه عن عبده, بأن الابن يملك فكان دفع الأب تمليك له, ثم قضاء للصداق عنه, فإذا أطلق الابن قبل الدخول عاد نصف الصداق إليه لسابق ملكه, وليس كالعبد؛ لأنه لا يملك فلم يمكن دفع الصداق عنه تمليكًا له فإذا طلق قبل الدخول لم يملك ما لم يجبر له عليه ملك وسواء دفع السيد الصداق من ماله أو دفعه العبد من كسبه؛ لأن كسبه مال لسيده والأول أصح الوجهين وأولاهما. مسألة: قال الشافعي: "فإن باعها زوجها قبل الدخول بتلك الألف بعينها فالبيع باطل من قبل أن عقده البيع والفسخ وقعا معًا". قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا ضمن السيد عن عبده صداق زوجته وهو ألف, ثم ابتاعت زوجها من سيده بألف فهذا على ضربين: أحدهما: أن تبتاعه بألف في ذمتها. والثاني: أن تبتاعه بالألف التي هي صداقها, فإن ابتاعته بألف في ذمتها فقد ذكره

стр. 4186

الشافعي من بعد وإن ابتاعه بالألف التي هي صداقها, كأنها قالت للسيد: بعني زوجي بالألف التي ضمنتها من صداقي, فللجواب عن هذه المسألة مقدمتان نذكرهما ثم نبني الجواب عليهما, إحدى المقدمتين: أن المرأة إذا ملكت زوجها بطل نكاحها, وإنما بطل؛ لأن أحكام النكاح وملك اليمين متضادة؛ لأنه كان مالكها لبعضها فصارت مالكة لرقبته, وصار مستحق الحجر عليها بالزوجية فصارت تستحق الحجر عليه بالرق, وكانت نفقتها عليه فصارت نفقته عليها وإذا تضادت أحكامها من هذه الوجوه ثبت أقوامها وانتفي أضعفها, وملك اليمين أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد النكاح يختص بملك البضع وملك اليمين يستوعب ملك الرقبة كلها, فلذلك ثبت ملك اليمين وبطل عقد النكاح. والمقدمة الثانية: أن فسخ النكاح قبل الدخول إن كان من قبل الزوجة أسقط جميع صداقها, كما لو ارتدت, وإن كان من قبل الزوج لم يسقط الصداق إلا تصفه كما لو ارتد, وهو ها هنا من قبل الزوجة؛ لأنه وقع بابتياعها له, فإن قيل: الفسخ ها هنا إنما وقع بالابتياع الذي هو منهما, والفسخ إذا وقع بسبب من جهة الزوجين غلب فيه حكم الزوج دون الزوجة كالخلع, قيل: قد قال بعض أصحابنا هذا فأخطأ فيه, مذهبًا, وحجاجًا. أما المذهب فهو أن الشافعي قد نص في هذا الموضوع على خلافه, وجعل الفسخ مضافًا إلى الزوجة في إسقاط جميع صداقها, وأما الحجاج فهو الفرق بين الواقع بين الابتياع والخلع من وجهين: أحدهما: أن الابتياع إنما كان بين السيد والزوجة من غير أن يكون للزوج فيه صنع ولا اختيار فلم يجز أن يضاف إليه الخلع, وإنما كان بين الزوجين فجاز لاختصاص الزوج بالفرقة أن يضاف الفسخ إليه. والثاني: أن الزوج في الخلع أزال ملكه عن البضع إلى غير مالك كالعتق الذي يزيل به المعتق ملكه عن رقبة العبد إلى غير مالك, فغلب فيه حكم الزوج دون الزوجة, والابتياع قد زال به ملك البائع وانتقل إلى المشتري فغلب فيه حكم الزوجة لانتقال الملك إليها دون الزوج. فرع: فإذا تقررت هاتان المقدمتان وابتاعت زوجها بالألف الذي ضمنه السيد من صداقها, لم يخل من أن يكون الزوج قد دخل بها قبل الابتياع أو لم يدخل, فإن ابتاعته بعد دخوله بها كان البيع جائزًا لابتياعها إياه من مالكه بثمن قد استحقته ذمته لاستكمالها للصداق بالدخول, فصار كابتياعها إياه بدين على سيده, وإذا صح البيع بطل النكاح؛ لما ذكرنا من أن الزوجة إذا ملكت زوجها بطل نكاحها وبرثت الزوجة من الثمن لكونه صداقًا, وبريء السيد من ضمان الصداق لكونه ثمنًا ولم يبق لها على زوجها صداق؛ لأنها قد استوفته من ضامنه, ولم يكن للسيد أن يرجع على عبده بما غرمه عنه من ضمانة؛ لأنه ضمنه في حال ملكه.

стр. 4187

فرع: وإن ابتاعه بصداقها قبل دخوله بها في مسألة الكتاب, فالبيع يكون باطلًا وتعليل بطلانه قد أجمله الشافعي, فقال: "لأن عقد البيع والفسخ وقعا معًا". وبيانه: أنه في إثبات البيع النكاح, وذلك أن البيع إذا صح بطل النكاح, وإذا بطل النكاح من قبل الزوجة قبل الدخول سقط صداقها, وإذا سقط الصداق بطل ضمانه؛ لأن بقاء الضمان يكون لبقاء الحق المضمون, وإذا بطل الضمان بطل الثمن؛ لأن الثمن هو الصداق المضمون, وإذا بطل الثمن بطل البيع؛ لأن البيع لا يصح إلا بثمن, فلما أدى إثبات البيع إلى إبطال النكاح والبيع حكم بإبطال البيع وبقاء النكاح على ثبوته؛ لأن ما أدى ثبوته إلى إسقاطه وإسقاط غيره من حكم في أول الأمر بإسقاطه وثبوت غيره ليدفع بأقل الضررين أكبرهما, ولذلك نظائر: فمنها: أن من مات وترك أخًا لا وارث له سواه, فأقر الأخ بابن للميت ثبت نسب الابن ولم يرث؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ فلم يرث, وإذا لم يرث الأخ بطل إقراره بالنسب؛ لأنه لا يصح أن يقر بالنسب من ليس بوارث؛ وإذا بطل إقراره بالنسب لم يثبت النسب, فلما كان توريث هذا الابن مؤديًا إلى إبطال نسبه وميراثه ثبت نسبه ويطل ميراثه. ومنها: أن من اشترى أباه في مرض موته عتق ولم يرث؛ لأن عتقه في المرض كالوصية له في اعتباره من الثلث, فلو ورث لمنع الوصية؛ لأن لا وصية لوارث وإذا منع الوصية بطل العتق, وإذا بطل العتق سقط الميراث, فلما كان توريثه مؤديًا إلى إبطال عتقه وميراثه ثبت عتقه وسقط ميراثه ومنها: أن يوصي لرجل بابن له مملوكه فمات قبل الوصية, وخلف أخًا وهو وارثه فيقبل الأخ الوصية لأخيه بابنه, فإن الابن يعتق ولا يرث؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ, وإذا حجبه بطل قبوله للوصية, وإذا بطل قبوله عتق الابن, وإذا بطل عتقه سقط ميراثه, فلما أدى ميراثه إلى سقوط عتقه وبطلانه ثبت العتق وسقط الميراث. ومنها: أن يدعي عبدان على سيدهما العتق, وهو منكر فيشهد لهما شاهدان بالعتق فيحكم بعتقهما, ثم يشهد المعتقان بجرح الشاهدين, فإن شهادتهما بالجرح مردودة؛ لأنها لو قبلت في الجرح ردت شهادة الشاهدين بالعتق, وصار المعتقان عبدين مردودي الشهادة, فلما أدى قبول شهادتهما إلى ردها وإبطال العتق ردت شهادتهما وثبت العتق, ولذلك من النظائر ما يطول ذكره, وإنما ذكرنا أمثلة يؤدي دورها إذا ثبت إلى سقوطها فلم يثبت, وبالله التوفيق. مسألة: قال الشافعي: "ولو باعها إياه بألف لا بعينيها كان البيع جائزًا وعليها الثمن

стр. 4188

والنكاح مفسوخ من قبلها وقبل السيد". قال في الحاوي: وهذه المسألة الثانية من ابتياعها لزوجها إن ابتاعته بألف في ذمتها, فالبيع صحيح لانعقاده بثمن معلوم, والنكاح قد بطل, لما ذكرنا من أن النكاح وملك اليمين لا يجتمعان لتنافي أحكامها, فأثبت أقواها, وإذا كان كذلك فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون الزوج قد دخل بها قبل ابتياعها له أو لم يدخل بها, فإن لم يكن دخل بها فصداقها قد سقط لانفساخ النكاح من جهتها قبل الدخول, وإذا سقط الصداق بطل ضمان السيد له؛ لأن الضمان فرع الأصل قد بريء منه المضمون فبريء الضامن منه وللسيد عليها الألف الذي اشترت به زوجها ولا مطالبة لها بصداقها. فرع: وإن كان قد دخل بها قبل ابتياعها له, فقد استقر لها الصداق كاملًا بالدخول على الزوج قد ملكته, فصار عبدًا لها, قيل تبرأ الزوج منه بحدوث ملكها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: قد بريء منه؛ لأن السيد لا يصح أن يثبت له في ذمة عبده ماله, فعلى هذا قد بريء السيد من ضمانه لبراءة المضمون عنه, وللسيد مطالبتها بالألف الذي هو ثمن. والثاني: أن الزوج لا يبرأ من صداقها وإن صار عبدًا لها, لاستقراره عليه قبل ملكها له, فلم يسقط إلا بأداء أو إبراء, وإن صار بها عبدًا, وإنما لا يثبت لها ابتداء في ذمته مال بعد أن صار لها عبدًا, فإما أن يكون الحق ثابتًا فلا يمتنع أن يكون بعد الملك باقيًا فعلى هذا لها على السيد الألف الذي هو صداقها, وللسيد عليها الألف التي هي ثمن زوجها, فإن كانت الألفان من نقدين مختلفين لم يصر قصاصًا, وكان عليها أن يؤدي إلى السيد الألف التي هي ثمن زوجها, وعلى السيد أن يؤدي إليها الألف التي هي صداقها. فإن قال كل واحد منهما: لا أدفع ما علي حتى أقبض مالي لم يكن ذلك له؛ لأنه لا تعلق لأحد المالين بالآخر, فأيهما بدأ بالمطالبة قضى له على صاحبه بالدفع, فإن تبرأ من الألفين صح الإبراء, فلو قال كل واحد منهما لصاحبه: قد أبرأتك إن أبرأتني لم يصح لما فيه من تقييد البراءة بشرط, ولو قال: قد أبرأتك فأبرئني فهو مبرئ من حق بغير شرط, فحصت براءته وطلب إلى الآخر أن يبرئه, وكان بالخيار بين أن يبرئه أو لا يبرئه, وإن كانت الألفان من نقد واحد لا يختلف فكانت الألف الثمن من جنس الألف الصداق وعلى صفتها, فهل يصير قصاصًا أم لا؟ على أربعة أقاويل: أحدهما: أن يصير قصاصًا اختارا أو لم يختارا هذا, قد بريء كل واحد منهما من حق صاحبه. والقول الثاني: أنه يصير قصاصًا إن اختارا أو أحدهما ولا تصير قصاصًا إن لم

стр. 4189

يختر واحدا منهما. والثالث: أنه يصير قصاصاً إن اختاراه معاً، ولا يكون قصاصاً إن اختاره أحدهما. الرابع: وهو مخرج أنه لا يصير قصاصاً بحال وان اختاراه، وعلى كل واحد منهما أن يؤدي إلى صاحبه ماله ويستوفي منه ما عليه. ووجه هذه الأقاويل يذكر في موضعه من كتاب المكاتب إن شاء الله. مسألة: قال الشافعي: "وله أن يسافر بعبده , ويمنعه من الخروج من بيته إلى امرأته وفي مصره إلا في الحين الذي لا خدمه له فيه". قال في الحاوي: اعلم أن السيد إذا أذن لعبده في النكاح فعلى حالتين: أحداهما: أن يلتزم لزوجته المهر والنفقة. والحال الثانية: أن لا يلتزم، فإن لم يلتزم لها المهر والنفقة، فعليه أن يمكن عباه من اكتساب المهر والنفقة نهاراً، ويخلي بينه وبين زوجته ليلا، فيكون تخليته نهاراً للاكتساب وليلا للاستمتاع، إلا أن تكون زوجته في منزل سيل هـ فلا يلزمه تخليته ليلاً لوصوله إلى الاستمتاع مع سيده، فلو أراد السيد أن يسافر بعبده هذا لم يكن له ذلك لما فيه من منعه من الاكتساب، فإن قهره على نفه، قال أبو حامد الإسفراييني: يضمن أقل الأمرين من أجرة مثله أو نفقة زوجته؟ لأن أجرته إن زادت كان له أخذ الزيادة وان نقصت لم يلزمه إتمام النفقة، وهذا الذي قاله عندي ليس بصحيح، بل يضمنه لها نفقة ولا يضمن أقل الأمرين لأمرين: أحدهما: أنه يضمن ذلك في حق الزوجة لا في حق العبد، فلزمنه نفقة الزوجة ولم تلزمه أجرة العبد. والثاني: إن حال إجباره أعظم من حال خيارهء فلما لزمه في حال الاختيار ضمان النفقة فأولى أن يلزمه في حال الإجبار ضمان النفقة، فأما إذا قهره على نفسه ليلا وأرسله نهاراً فقد تعدى كتعدية ولو قهره نهارا غير أنه يضمن زمان نهاره ولا يضمن زمان ليله. والفرق بينهما: أن زمان ليله مستحق الاستمتاع الذي لا يقابله عوض فلم يضمن، وزمان نهاره مستحق للكسب الذي يقابله عوض ضمن. فرع: فإن التزم السيد لها المهر والنفقة فله أن يستخدمه في مصره، وله أن يسافر به لأمرين:

стр. 4190

أحدهما: أن السيد إذا التزم له المهر والنفقة سقط عنه ما لزمه بالزوجية فعاد إلى ما كان عليه من قبل وقد كان له أن يستخدمه في الحضر والسفر فكذلك الآن. والثاني: أن منزلة السيد مع عبده كمنزلة الحر في نفسه فكل ما جاز للحر أن يفعله مع زوجته من تصرف في الحضر وتقلب في السفر جاز للسيد أن يفعله مع عبده. وإذا كان كذلك فللسيد حالتان: إحداهما: أن يستخدمه في مصره فله أن يستخدمه نهاراً وعليه أن يرسل للاستمتاع بزوجته ليلاً؟ لأن زمان الاستخدام هو النهار فيعلق حق السيد به دون الليل، وزمان الاستمتاع هو الليل فيعلق حق العبد به دون النهار. والحالة الثانية: أن يسافر به فله أن يسافر به ويقطعه عن زوجته ليلاً ونهارا. فإن قيل: أفليس الليل في الحضر مستثنى من حق السيد، فهلا كان في السفر كذلك "قيل: لأن السيد في الحضر قد يصل إلى حقه من استخدام النهار، وإذا أرسله ليلاً للاستمتاع ولا يصل في السفر إلى حق من استخدام النهار إذا أرسله ليلاً للاستمتاع، فكذلك مار زمان الليل مستثنى في حال السيد في الحضر وغير مستثنى من السفر، إلا أن تكون الزوجة مسافرة مع العبد فيستوي حكم الحضر والسفر في استثناء الليل منها. فأما إن كان السيد ممن عمله واستخدامه في الليل دون النهار كالبزارين والرياحين والحدادين، صار الليل زمان استخدامه لعبده، والنهار زمان إرساله للاستمتاع بزوجته، ولا ينبغي للسيد أن يسافر بعبده عنا استغنائه عنه قصدا للإضرار به وبزوجته، وكذلك في مصره، فأما قول الشافعي: "له أن يسافر بعبده" فقد ذكرنا جوازه وقوله: "ويمنعه من الخروج من بيته إلى امرأته وفي مصره" ففيه تأويلان: أحدهما: قاله أبو حامد أنه يمنعه من الخروج من بيته إذا كانت امرأته فيه وان كانت خارجة منه لم يكن له منعه من الخروج إليها. والثاني: وهو أشبه التأويلين عندي. أنه يمنعه من الخروج من بيته نهارا؛ لأن زمان الاستخدام وليس له أن يمنعه من الخروج ليلاً في زمان الاستمتاع ألا ترى الشافعي قال بعد ذلك: "إلا في الحين الذي لا خدمة له فيه" يعني الليل. مسألة: قال الشافعي ﵀: "ولو قالت له أمته أعتقني على أن أنكحك وصداقي عتقي فأعتقها على ذلك فلها الخيار في أن تنكح أو، تدع ويرجع عليها بقيمتها فان نكحته ورضي بالقيمة التي عليها فلا بأس. قال المزني: ينبغي في قياس قوله أن لا يجيز هذا المهر حتى يعرف قيمة الأمة حين اعتقها فيكون المهر معلوماً لأنه لا يجيز المهر غير

стр. 4191

معلوم. قال المزني: سألت الشافعي ﵀ عن حديث صفيه قفية ﵂ أن النبي ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها فقال: للنبي ﷺ في النكاح أشياء وليست لغيره". قال في الحاوي: إذا أعتق السيد أمته على أن تتزوج به ويكون عتقها صداقها، أما إن ابتدأها بذلك أو سألته فأجابها إلى ذلك فقد عتقت، وهي بالخيار في الحالين بين أن تتزوج به أولا تتزوج. وقال أحمد بن حنبل: قد صارت له بهذا العتق زوجة من غير عقه. وقال الأوزاعي: لا تصير زوجة بالعتق ولكن تخير على أن تتزوج به بعقد مستجد. واستدل أحمد بأن رسول الله ﷺ : "أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" ولم ينقل أنه عقد بعد العتق عليها ثم دخل بها. واستدل الأوزاعي بأنه لو أعتقها على معلوم من خامته أو عمل أخذت به جبراً فكذلك على التزويج. ودليلنا: هو أن بدل العوض على نكاح في الذمة لا يصحء كما لو أعطاها ألفاً على أن تتزوج به بعد يوم لم يصح كذلك هذا. ولأن الذمة إنما ثبتت فيها الأموال والأعمال، ظ لأهوال كالقرص والسلم والأعمال كالبناء والخياطة، فأما العقود فلا يثبت في الذمة، كما لو أعطاه ثوباً على أن تبيعه داراً، أو يؤجره عبداً لم يصح، كذلك النكاح لا يثبت في الذمة بما نفذ من العتق. وفي هذا الاستدلال انفصال عما استدل به الأوزاعي: لأن قطع الخيار قبل ما يملك به استحقاق الخيار لا يصح، كما لو أسقط الشفيع خياره في أخذ الشفعة قبل البيع لم يسقط الخيار بعد البيع، وكذلك خيار المعتقة في التزويج يكون بعد العتق فلا يصح إسقاطه قبل العتق، ويدل على أحمد خصوصًا أن العتق مزيل لملك المعتق عن الرقبة والمنفعة فلم يجز أن يثبت به عقد النكاح الذي هو بعض تلك المنفعة؟ لأن ما أوجب نفي شيء استحال أن يوجب إثباته واثبات بعضه لكونهما فمدين متنافيين. فأما استدلال أحمد بحديث صفية فعنه جوابان: أحدهما: أنه قد روي أن النبي ﷺ أعتقها وتزوجها فبطل استدلال به. والثاني: أن النبي ﷺ مخصوص في مناكحه بما ليس لغيره. قال المزني: سألت الشافعي عن حديث صفية فقال: إن النبي ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها. قال الشافعي للنبي ﷺ قال المزني: كأنه ذهب إلى أنه مخصوص للنبي ﷺ ، فاختلف أصحابنا فيما خص به في أمر صفية على أربعة أوجه: أحدهما: أنه خص بأن صار عتقها نكاحها ولا يصير عتق غيره من أمته نكاحاً. والثاني: أنه خص بأن وجب عليها أن تتزوج به ولا يجب على غيرها أن تتزوج بغيره. والثالث: أنه خص بأن لم يلزمه لها صداق وغيره يلزمه الصداق. والرابع: أنه خص بأن صارت قيمتها وان جهلت صداقاً منه ولا تكون القيمة إذا جهلت صداقاً من غيره.

стр. 4192

فرع فإذا أثبت أنها لا تجبر على نكاحه إذا أبت فكذلك لو بذلت له نفها لم يجبر على نكاحها إذا أبى لأن الشرط إذا لم يوجب إجبارها لم يوجب إجباره. وكان كل واحدا منهما على خياره. وإذا كانا كذلك فلها حالتان: إحداهما: أن يتناكحا. والثاني: أن لا يتناكحا. فإن لم يتناكحا إما لامتناعه أو امتناعها فله عليها قيمتها وإنما وجبت له عليها قيمتها؟ لأنه أعتقها على شرط منع الشرع من لزومه. فإذا فاته الرجوع برقبتها لنفوذ العتق رجع بقيمتها كما لو أعتقها على حمى أو حرى تجب له القيمة يوم العتق لا يوم الرجوع بالقيمة لأن بالعتق ومع الاستهلاك الموجب للقيمة. وهكذا لو أعتق على هذا الشرط أم ولده أو مكاتبته أم مدبرته لم يلزمهن أن يتزوجن به وكان له على كل واحدة منهن لأنهن مواء في تفارقهن فتساوين في عتقهن. وهكذا لو أعتقهن على أن يتزوج بهن ولم يقل على أن عتقهن صداقهن كان العتق نافذاً وله عليهن قيمتهن؛ لأن الشرط الذي في مقابلة عتقهن لم يلزمهن توجب العدول عنه إلى قيمتهن. فرع فإن اتفقا على أن نكحها فعلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن ينكحها على صداق معلوم معينا أو في الذمة فالنكاح بلا صداق جائز وله عليها قيمتها ولها عليه صداقها. فإن كان الصداق معيناً لم يجز أن يكون قصاصا وكذلك لو كان في الذمة من غير جنس القيمة لم يكن قصاصاً أيضاً، وان كان في الذمة من جنس القيمة فهل يكون قصاصا أم لا؟ على ما ذكرنا من الأقاويل الأربعة. والثاني: أن ينكحها على أن يكون عتقها صداقها والنكاح جائز والصداق باطل. وقال أبو حنيفة: الصداق جائز وهذا خطأ؛ لأن العتق ليس بمال ولا عمل يعتاض عليه بمال، فلم يجز أن يكون صداقاً وصح النكاح؟ لأن بطلان الصداق لا يوجب فساد النكاح فتكون لها عليه مهر مثلها كما لو تزوجها على صداق فاسد من محرم أو مجهول ويكون له عليها قيمتها، فإن كانت القيمة مهر المثل من جنسين مختلفين لم يكونا قصاصاً، وان كانا من جنس واحد فهل يكون قصاصاً أم لا؟ على ما ذكرنا من الأقاويل. والثالث: أن ينكحها على أن تكون قيمتها صداقًا فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكونا عالمين بقدر القيمة فيكون النكاح والصداق جائزين؟ لأنه تزوجها على معلوم في ذمتها فصار كما لو تزوجها على دين في ذمتها من ثمن أو قرض وتبرأ من قيمتها بالصداق، ويبرأ من صداقها بالقيمة. والثاني: أن يكونا جاهلين بقدر القيمة أو أحدها، فالنكاح جائز وفي بطلان الصداق قولان:

стр. 4193

أحدهما: وهو قوله في الجديد، واختاره المزني وأبو إسحاق المروزي: أن الصداق باطل: لأن الجهالة تمنع من صحته، كما لو تزوجها على عقد غير موصوف، ولا معين. والثاني: قاله في القديم واختاره أبو علي بن خيران، وأبو علي بن أبي هريرة، أن الصالح جائز بناء على قوله في القديم: أن الصداق المعين إذا بطل وجب الرجوع بقيمة لا بمهر المثل فتصح هاهنا؛ لأن قيمة الصداق هي القيمة المستحقة. فرع: فإذا أراد سيد الأمة أن يتوصل إلى عتقها ونكاحها من غير أن يكون لها خيار في الامتناع بعد العتق، فقد قال أبو علي بن خيران: إنه يقدر على التوصل إلى ذلك بأن يقول لها: إن تزوجتك في غدٍ فأنت اليوم حرة، فهي ما لم يتزوجها في غير باقية على الرق لا خيار لها في نفسها وإذا تزوجت أوجب التزويج تقدم عتقها، وبان أن العقد وقع عليها وهي حرة قبله بيوم فصح. وقال سائر أصحابنا: هذا خطأ والنكاح فاسد؛ لأن العتق لا يقع إلا بعد تمام العقد، فصار العقد واقعاً في حال الرق، ولا يصح لأحد أن ينكح أمته فبطل العقد إذا لم يقع العتق: لأن العتق إذا علق بعقد تعلق بصحيحة دون فاسدة. فرع وإذا قالت المرأة لعبدها: قد أعتقتك على أن تتزوج بي، أو ابتدأها العبد فقال: اعتقيني أن أتزوج بك فأعتقته، عتق في الحالين، ولم يلزمه أن يتزوج بها ولا يلزمها إن رضي أن تتزوج به لما قدمناه، ولا قيمة لها على عبدها بخلاف عتق السيد لأمته على هذا الشرط، والفرق بينهما: أن ما أوجبه عقد النكاح من التمليك يستحق الزوج دون الزوجة، فإذا شرطه السيد على أمته كان شرطاً له، فإذا فاته رجع ببذل كما لو أعتقها على ط ل يأخذه استحق عليها، وإذا شرطت المرأة على عبدها كان شرطاً عليها فلم يكن سقوطه عنها موجباً لرجوعها ببدله، وصار كما لو أعتقه على مال يدفعه إليها لم يلزمها دفع المال إليه ولم يكن لها عليه شيء. فرع وإذا قال الرجل لسيد عبد: أعتق عبدك على أن أزوجك بنتي، فأعتقه على هذا الشرط بعد العتق لم يلزمه تزويج بنته بهء لما ذكرنا من أن عقا النكاح لا يصح فيه السلف ولا يثبت في الأمة، ثم ينظر فإن كان قال له: أعتق عبدي عني على أن أزوجك بنتي، كان العتق واقعاً على الباذل للنكاح دون السيد. وكان للسيد أن يرجع عليه بقيمة عبده: لأنه أعتقه عنه على بذل لم يحصل. وان قال له: أعتق من نفسك على أن أزوجك بنتي، ففي وجوب قيمة العبد عليه وجهان من اختلاف قوليه فيمن قال لعباه: أعتق عبدك على

стр. 4194

نفسك على ألف لك علي، نفي وجوب الألف عليه قولان: أحدهما: لا يجب عليه: لأنه لم يعد عليه ني مقابله ذلك نفع، نعلى هذا لا يجب عليه ها هنا قيمة. والثاني: تجب عليه القيمة الألف كما لو قال: طلق زوجتك على ألف لك علتي لزمه الألف، كذلك في العتق، فعلى هذا يجب عليه هاهنا القيمة. فرع وإذا أعتق الرجل أمته في مرض موته وهي تخرج من ثلث ماله في حال عتقها ثم تزوجها، ففي النكاح وجهان بناء على اختلاف أصحابنا في العتق، وهل وقع بأجزاء، في الظاهر أو موقوفا؟ فأحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج أنه وقع بأجزاء في الظاهر لخروجها من الثلث في حال العتق، فإن صح من مرضه أو مات وهي خارجة من ثلثه استقر العتق من وقت التلفظ به. فإن تلف ماله ثم مات فلم يخرج من ثلثه أبطل العتق الواقع في الظاهر بما تجدد من السبب المانع. والثاني: وهو قول ابن الحداد وبعض المتأخرين أن تعتق موقوف على ما يكون من موت السيد أو صحته ولا يحكم في المال بصحة ولا فساد فإن صح أو مات وهي خارجة من ثلث بان أن العتق كان واقعاً باللفظ فإن مات وهي خارجة من الثلث أو أتلف ماله أو حدوث دين أحاط بجميعه بان أن العتق لم يقع لأن ما تردد بين أمرين لم يقطع بأحدهما ووجب أن يكون موقوفا على ما يستقر منهما. فإذا تقرر هذان الوجهان تفرع النكاح وغيره من الأحكام عليها. فإذا قيل بالوجه الأول إن العتق وقع ناجزاً في الظاهر جاز له أن يتزوجها وأن يزوجها بغيره وجاز لو وهبها ولم يعتقها أن يطأها الموهوبة له وقبلت شهادتهما وحد قاذفهما، وان قذفت أكمل حدها وترث وتورث. وإذا قيل بالوجه الثاني: إن العتق موقوف لم يجز أن يتزوجها ولا أن يزوجها وكان النكاح إن تزوجها أو زوجها باطلاً؟ لأن النكاح لا ينعقد موقوفا ولم يجز إن وهبت ولم يعتق أن يطأها الموهوب له ولا أن يتصرف فيها؛ لأنه كما يكون العتق موقوفا فكذلك الهبة تكون موقوفة ولا تقبل شهادتها ولا يحد قاذفها وان قذفت لم يكمل حاها ويقف ميراثها على ما يتبين من أمرها. فصل فإذا وضح ما وصفنا فد حكم النكاح إن صح أو فسد، فإذا قيل: إن النكاح باطل فإن لم يدخل بها السيد حتى مات فلا مهر لها ولا عدة عليها وهي حرة إن خرجت من الثلث وقت الوفاة، فإن عجز الثلث عنها عتق منها قدر ما احتمله الثلث على ما سنذكره، ورق باقيها إن لم يمض الورثة عتقها. وان قيل: إن النكاح صحيح ومات والثلث يحتمل جميع قيمتها استقر عتقها وعليها عدة الوفاة دخل بها السيد أو لم يدخل ولا ميراث لها؛

стр. 4195

لأن ثبوت الميراث يؤدي إلى سقوطه؛ لأن عتقها في المرض وصية بها، وإذا ورثت منعت الوصية، وإذا منعت الوصية بطل العتق، وإذا بطل العتق بطل النكاح، وإذا بطل النكاح سقط الميراث، وما أدى ثبوته إلى نفسه لم يثبت. فأما المهر فإن كان يقدر مهر فما دون أخذته من رأس المال، وان كان أكثر من مهر المثل كان قدر مهر المثل هن رأس المال، وكانت الزيادة عليه وصية لها تعطاها من الثلث إن احتملها؛ لأنها غير وارثة فلو كانت قيمتها تخرج من الثلث وقت العتق ولا تخرج من الثلث وقت العتق ننر في الورثة فإن يجيزوا ما زاد على الثلث أعتق منها قدر ما احتمله الثلث ويرق الباقي وكان النكاح باطلاً على الوجهين معاً. فإن لم يدخل بها فلا مهر لها. وان دخل بها كان مهر المثل بقدر ما عتق منها وسقط منه بقدر ما رق وان أجاز الورثة العتق عتق جميعها. فأما النكاح فعلى اختلاف قولي الشافعي إجازة الورثة هل هي تنفيذ للوصية أو ابتداء ~. فإن قيل: إنما تنفيذ ما فعله كان النكاح جائزاً. إن قيل: إنها ابتداء عطية منهم كان النكاح باطلاً. فلو كانت قيمتها تخرج من الثلث وقت العتق ووقت الموت وكان المهر إن دفع نقص من الثلث عن قيمتها نظر فإن لم يكن قد دخل بها فلا مهر لها والعتق فيجمعها نافذ والنكاح على قول أبي العباس جائز؛ لأن ثبوت المهر يؤدي إلى سقوطه لعجز الثلث عن قيمتها وعجزه يؤدي إلى رق بعضها ورق بعضها يؤدي إلى بطلان نكاحها وسقوط مهرها وما أدى ثبوته إلى سقوط لم يثبت وان كان قد دخل بها فقد استحقت بالدخول مهر المثل. فإن أبرأت منه اتسع الثلث لقيمتها فنغذ عتقها وصح نكاحها. وان طالبت استحقت منه بقار ما تحرر من عتقها وكان نكاحها باطلاً وسقط منه بقدر ما رق منها ودخله الدور وسنذكر من طريق العمل ما يعلم به قدر ما تتحرر من العتق على حقيقة، والله أعلم. الفصل فنقول: إذا أعتق في فرضه أمة له قيمتها مائة درهم لا مال له غيرها وتزوجها على صداق مائة دوهم ومهر مثلها خمسون درهما فالنكاح باطل على الوجهين معا، فإن لم يدخل بها فلا مهر لها وعتق ثلثها إن لم يجز الورثة عتق جميعها وان دخل بها، فإن أبرأت من المهر عتق منها الثلث ورق الثلثان، وان طالبت بما تستحقه من مهر مثلها داخلة الدور وبان العمل فيه من طريق الخبر أن يقول: للأمة بالعتق شيء ولها بالمهر نصف شيء: لأن مهر مثلها نصف قيمتها وللورثة شيئان مثلاً مما يخرج بالعتق، ويصير الجميع ثلاثة أشياء ونصف شيء فأضر بها في مخرج الكر الذي هو النصف وذلك اثنان تكن سبعة أشياء للعتق منها سهمان سبعاها وذلك ثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع دوهم وللمهر سهم هو سبعها وقيمة أربعة عشر درهما وسبعان، وذلك سبعا مهر مثلها وهو قدر مهر ما أعتق منها ويرق للورثة أربعة أسباعها وذلك بسبعة وخمسين درهماً وسبع درهم، وهو مثلاً ما عتق منها ما يقال للورثة. إن دفعتم قيمة السبع المستحق في المهر صار لكم خمسة

стр. 4196

أسباعها، (وإن) لم تدفعوا بيع ودفع ثمنها إليها. فرع وإذا أعتق في مرضه أمته قيمتها مائة درهم وتزوجها على صادق مائة درهم ومهر مثلها خمسون درهماً ومات وخلف معها مائتي درهم فقيمتها تخرج من الثلث فيكون النكاح على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن الحداد ومن تابعه- أن النكاح باطل- فعلى هذا إن لم يدخل بها فلا مهر وقد عتق جميعها وان دخل بها فإن أبرأت من مهر مثلها عتق جميعها أيضا موان لم تبرأ منه وطلبت رق منها بقار ما عجز به الثلث عن قيمتها بالخارج من مهرها وبابه من طريق الخبر ما قدمناه. وهو أن يقول له: بالعتق شيء وبالمهر نصف شي، وللورثة شيئان ويصير الجميع ثلاثة أشياء ونصف الشيء أخبر بها في مخرج النصف وهو اثنان تكن سبعة أشياء فيعتق منها سهمين بهمين سبعاً التركة وذلك ستة أسباع رقبتها؛ لأن التركة ثلاثماثة وقيمتها مائة فتكون قيمة ستة أسباعها خمسة وثمانين درهم وخمسة أسباع درهم ويكون لها مهر ستة أسباعها اثنين وأربعين درهماً وستة أسباع درهم ويكون للورثة أربعة أسباع التركة وهو مائة وواحد وسبعون درهما وثلاثة أسباع درهم وهو قار السبع الموقوف منها والباقي من التركة بها مهرها. لأن قيمة سبعها أربعة عشر درهما وسبعان والباقي من المائتين بعد الخارج من مهرها مائة درهم وسبعة وخمسون درهما. والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج - أن النكاح جائز فعلى هذا إن لم يدخل بها كان عتق جميعها نافذ بخروج جميع قيمتها من الثلث وسقط المهر؟ لأن ثبوته يؤدي إلى سقوطه لنقصان الثلث به فلم يثبت وان دخل بها فإن أبرأت من مهرها نفذ العتق في جميعها موان طلبته بطل النكاح لنقصان الثلث عن قيمتها وحكم لها بقدر ما تستحقه من مهر المثل دون المسمى؟ لأنه بفساد النكاح يبطل المسمى وكان وجه العمل فيه من طريق الخبر وما ذكرنا والقدر الذي يتحرر من عتقها ما وصفنا، وبالله التوفيق. باب اجتماع الولاة وأولادهم وتفرقهم وتزويج المغلوبين على عقولهم والصبيان مسألة: قال الشافعي: "ولا ولاية لأحد مع الأب فإن مات الجد ثم الجد ثم أبو الجد ثم أبو أبي الجد كذلك؛ لأن كلهم أب في الثيب والبكر سواء". قال في الحاوي: وهذا كما قال، أقرب أولياء المرأة إليها وأحقهم بنكاحها الأب؟ لأنها بعضه وهي منه بمثابة نفسه. روي عن النبي س أنه قال: فاطمة بضعة مني يريبني

стр. 4197

(مايريبها) " وقد قيل في قوله تعالى:﴾ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴿[النساء: ١٣٥]، أن الأنفس ها هنا الأولاد، ولأب الأب أكثر العصبات شفقة وحباً وأعظمهم رفقة وحنواً وصار بها أمس، ويطلب الحظ لها أخص، ولذلك قال النبي ﷺ "الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة ولأن سائر العصابات به يدلون إليه ينتسبون، والمدلى به أقوى من المدلي، ولأنه يلي على المال والنكاح أقوى من بالولاية على النكاح، فصار الأب بهذه المعاني الأربعة أولى بالولاية في النكاح من سائر العصبة. فرع فإن مات الأب أو بطلت ولايته بكفر، أو رق، أو جنون، أو فق فالجد أبو الأب أحق العصبات بالولاية بعد الأب. وقال مالك: الأخ بعه الأب أحق بالولاية من الجد؛ لأن الأخ ابن الأب والجا أو أب الأب، والابن أقوى تعصيباً من الأب وهذا خطأ؟ لأن في الجد بعضية ليست في الأخ فصار بها متشابهاً للأب، ولأن للجد ولاية على المال والنكاح فكان أولى من الأخ الذي تختص ولايته بالنكاح، ولأن الجد كانت له ولاية على الأب فكان بعده أولى من الأخ الذي قد كان تحت ولاية الأب، فأما استدلاله بأن الأخ ابن الأب فكان أولى من أبيه ففاسد من وجهين بابن المرأة وأبيها. فرع فإن مات الحد أو بطلت ولايته بكفر أو رق أو جنون أو فسق، قالوا: فالولاية بعده لأبيه ثم تنتقل عنه إلى من فوقه من الآباء كلما عدم الأقرب كانت الولاية بعده لمن هو أبعد حتى ينفذ جميع الآباء، فيكون الجد الأبعد بما فيه من الولادة والبعضية أحق بالولاية من الأخ وان ترب ويكون حكم الأجداد وان بعدوا في إجبار البكر واستئمار الثيب كالأب. مسألة: قال الشافعي: "ولا ولاية بعدهم. حد مع الأخوة ثم اقرب فالأقرب من العصبة. قال المزني: واختلف قولا في الإخوة فقال في الجديد: من انفرد في درجة

стр. 4198

بأم كان أولى وقال في القديم: هما سواء. قال المزني: قد جعل الأخ للأب والأم في الصلاة على الميت أولى من الأخ للأب وجعلا في الميراث أولى من الأخ للأب وجعلا في كتاب الوصايا الذي وضعاً بخطه لا أعلمه سمع منه إذا أوصى لأقربهم به رحمًا أنا أولى من الأخ للأب. قال المزني: وقياس قوله أنه أولى بإنكاح الأخت من الأخ للأب". قال في الحاوي: اعلم أن الولاية في النكاح تكون للأب، ثم لمن ناسب الأب، ولا يستحقها بالنسبة من لم يرجع بالنسب إلى الأب، فيكون الأب أملأ يرجع إليه كل من استحق الولاية بالنسبة، وإذا كان كذلك فالآباء من جملة العصبات عمود يستحق الولاية منهم الأقرب فالأقرب، ومن هم من العصبات درج مرتبته تخرج من كل درجة عمود، وكل درجة تتقدم بعمودها على ما بعدها وتتأخر بعمودها) على ما قبلها، فإذا انقرض عمود الآباء كانت الدرجة الأولى بني الأب وهم الإخوة وعمودها بنوهم وان سفلوا، والدرجة الثانية بنو الجد وهم الأعمام وعمودها بنوهم وان سفلوا، والدرجة الثالثة بنو أبي الجد وهم أعمام الأب وعمودها بنوهم وان سفلوا، وكذلك بنو أب بعد أب حتى ينقرض جميع الآباء فيصير أحق العصبات بالولاية بعد الآباء الإخوة وبنوهم وان سفلوا، ثم الأعمام وبنوهم وان سفلوا، ثم أعمام الأب وبنوهم وان سفلوا، ثم أعمام الجا وبنوهم وان سفلوا، ثم أعمام جد الجا وبنوهم وان سفلوا، وكذلك أبداً حتى ينقرض الآباء كلهم فلا يبقى بعدهم ولي مناسب، فينتقل حينئذ الولاية على المناسبين إلى غيرهم من الموالي المعتقين، ثم إلى عصبتهم على ما سنذكره، ثم إلى السلطان فهو ولي من لا ولي له. فصل فإذا تقررت هذه القاعدة في ترتيب العصبات لاستحقاق الولاية، فأول درجة ينتقل إليها الولاية بعد الآباء الإخوة، والإخوة ثلاثة أقام: إخوة لأب وأم، وإخوة لأب، واخوة لأم. فأما الإخوة للأم فلا ولاية لهم سواء اجتمعوا مع غيرهم من العصبات أو انف دوا؟ لأنهم لما أدلو ابالأم ولم يرجعوا بنسبهم إلى الأب خرجوا من جملة العصبات المناسبين فلم يكن لهم ولاية. وأما الإخوة للأب والأم والإخوة للأب فلهم الولاية، فأي الفريقين انفرد كان ولياً، فإن انفرد الأخ للأب والأم كانت الولاية له، وان انفرد الأخ للأب كانت الولاية له، وان اجتمعا ففيه قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم: وهو مذهب مالك وأبي ثور أنهم سواء، ولا يقدم الأخ للأب والأم على الأخ للأب في الولاية على النكاح وان قدم عليه في الميراث لأمرين: أحدهما: أن الأم لا مدخل لها في ولاية النكاح فلم يترجع من أدلى بها؛ لأن المدلى به أقوى من المدلي وليس كالميراث الذي يقدم فيه الأخ للأب والأم على الأخ

стр. 4199

للأب؛ (لأن) للأم في الميراث مدخل فلذلك يرجع أدلى بها. والثاني: أن ولاية النكاح تختص بها الذكور فلم يترجح فيها من أدلى بالإناث كتحمل العقل. والقول الثاني: قاله في الجديد وهو مذهب أبى حنيفة - أن الأخ للأب وإلام أحق بالولاية من الأخ لأمرين: أحدهما: أن الإدلاء بالأم كالتقدم بدرجة بدليلين: أحدهما: أن للأخ للأب واللام يحجب الأخ للأب كما يحجب ابن الأخ. والثاني: للأخت مع الأب من الأم والأم السدس كما يكون لبنت الابن مع بنت الصلب، وإذا كان الإدلاء بالأم كالتقدم بدرجة بهذين البلدين وجب أن يكون أولى بالولاية، وقد عبر المزني عن هذا الاستدلال بأن المدلى بالأبوين أقرب من أدلى بأحدهما، استشهادا بالوصايا فيمن وصى بثلث ماله لأقرب الناس به وترك أخوين أحدهم لأب أم الآخر لأب أن يكون الأخ للأب والأم اتفاقا لاختصاص بالقرب، فكذلك ولاية النكاح فهذا وجه. والثاني: أن الأخ للأب والأم أدائه بالسببين واشتراكهما في الرحمين أكثر إشفاقا وحبا ممن تفرد بأحدهما، فصار بمعنى الولاية أخص وبطلب الحظ فيها أمس، كما كان الأب لاختصاصه بهذا المعنى أحق بها من سائر العصبات، وهكذا الصلاة على الميت في أحقهما بها قولان، وهكذا في تحمل العاقلة للدية إذا كان فيها أخ لأب وأم، أخ لأب قولان فتكون هذه المسائل الثلاث على قولين. فأما في الميراث والوصية للأقرب، فالأخ للأب والأم في هذه المسائل الثلاث أحق من الأخ للأب. فصل فإذا تقرر هذان القولان في الأخوين فهكذا بنوهما فيكون ابن أخ لأب وأم وابن أخ لأب في أحقهما بالولاية قولان، وهكذا بنو أبى الأخوين وإن سفلوا وإن استووا في الدرج، فإن اختلف درجهم قدم الأقرب إن كان للأب، فيكون الأخ للأب أولى من ابن الأخ للأب والأم، وكذلك من بعدة، وهكذا الأعمام وبنوهم الأخوة وبينهم، فالعم للأم لا ولاية له لخروجه من العصبات، وإن تفرد بها عم الأب وأم كانت الولاية له، وإن اجتمعا فعلى القولين الماضيين: أحدهما: وهو القديم- أنهما سواء. والثاني: وهو الجديد: أن العم للأب والأم أولى. وهكذا بنو هذين العمين على القولين فإن اختلف الدرج قدم الأقرب وإن كان لأب فيكون العم للأب أولى من أبن العم للأب والأم وهكذا الكلام في أعمام الآباء والأجداد (وبنيهم).

стр. 4200

فصل وإذا كانت للمرأة ابنا عم أحدهما أخ لام ففيها قولان كالأخ من الأب والأم والأخ من الأب. فإن قيل: إنهما سواء كان ابنا العم سواء. وإن كان أحدهما أخا لأم. وإن قيل: إن الأخ للأب والأم أولى كان ابن العم الذي هو أخ لأم أولى لفضل إدلائة بالأم، فأما العمان إذا كان أحدهما خالا فهما سواء؛ لأن الخال لا يرث فلم يترجح به أحدهما على الآخر، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي رحمة الله: "ولا يزوج المرأة ابنها إلا أن يكون عصبة لها". قال في الحاوي: وهذا كما قال، لا ولاية للابن على أمة، وليس له أن يزوجها بالبنوة. وقال مالك، وأبو حنيفة وصاحبة، وأحمد، وإسحاق يجوز للابن أن يزوج أمة اختلفوا في ترتيبه مع الأب. فقال مالك، وأبو يوسف، وإسحاق: الابن أولى بنكاحها من الأب. وقال أحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن: الأب أولى ثم الابن. وقال أبو حنيفة: هما سواء وليس أحدهما بأولى من الأخر، فأيهما زوجها جاز واستدلوا جميعا على ثبوت ولاية الابن عليها بأن النبي ﷺ لما خطب أم سلمه، قالت: يا رسول الله مالي ولى حاضر، فقال: "مالك ولى حاضر ولا غائب لا يرضاني"، ثم قال لابنها عمر بن أبى سلمه: "قم يا غلام فزوج أمك" فهذا نص. قالوا: وقد روى أن أنس بن مالك زوج أمة أم سليم من عمة أبى طلحة فلم ينكره رسول الله ﷺ ، ولأن ابن المرأة عصبة لها فجاز أن يكون وليا في نكاحها كالأب، ولان تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب، لأنهما إذا اجتمعا سقط بالابن تعصيب الأب وصار معه ذا فرض فاقتضى أن يكون أولى بتزويجها من الأب، ولان الولي إنما يراد لحفظ المنكوحة من تزوج من لا يكافئها فيدخل العار على أهلها، والابن رافع للعار عنها وعن نفسه من سائر الأولياء لكثرة أنفته وعظم حميته، فكان أحق بنكاحها. ودليلنا: هو أن كل نسب لا يملك به أو المنتسب الولاية لم يملك المنتسب بالولاية كالأخ من الأم طردا أو كالأخ من الأب عكسا، ولان كل ذي نسب أولى بمن لا يملك الإجبار على النكاح لم يكن وليا في النكاح كابن الأخت طردا، وكابن الأخ عكسا، ولان من لم يجمعهما نسب لم يثبت بينهما ولاية النسب كالابن من الرضاع فإن قيل: فالابن مناسب والمرتضع غير مناسب. قيل: الابن غير مناسب لأمة؛ لأنة يرجع بنسبة إلى أبية لا إليها، ألا ترى أن ابن العربية من النبطي نبطى، وابن النبطية من العربي عربي،

стр. 4201

ولأن (ولي) الأختين المتناسبتين واحد وولاية الأخوين المتناسبتين واحد، فلما لم يملك الابن تزويج خالته لم يملك تزويج أمة ولما لم يملك أخوة لأبية تزويج أمة لم يملك هو تزويج أمة. ويتحرر من الاعتلال: قياسان: أحدهما: أن من لم يملك تزويج امرأة لم يملك تزويج أختها المناسبة لها قياسا على ابن البنت طردا، وعلى ابن العم عكسًا. والثاني: أنها امرأة لا تملك أخوة المناسب له تزويجها فلم يملك هو تزويجها كالخالة طردا وكالعمة عكسا، ولأن كل موضع الولاية بالنسب أن يكون على الولد فلم يجز أن يصير للولد قياسا على ولاية المال، ولأن ولايته على نكاحها لا يخلو أن يكون لإدلائه بها أو بأبية، فلم يجز أن يكون لإدلائه بأبية؛ لأن أباة أجنبي منها، ولم يجز أن تكون لإدلائه بها؛ لأنة لا ولاية لها على نفسها، فأولى أن يكون لها ولاية لمن أدلى بها. وإذا بطل الإدلاء بالسببين بطلت الولاية. فإن قيل: فغير منكر أن يكون لمن أدلى بها من ولاية النكاح ما ليس لها كالأب يزوج أمة بنته إدلاء بها وليس للبنت تزويجها. قيل: لم يزوجها الأب أداء بالبنت؛ لأن الإدلاء إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى، ولا يكون من الأعلى بالأسفل، وإنما زوجها لأنة لما كان وليا على بنته، فأولى أن يكون وليا على بنته؛ لأن الولاية إذا أثبتت على الأقوى فأولى أن تثبت على الأضعف. فأما الجواب عن تزويج أم سلمه فمن ثلاثة أوجه: أحدها: أب ابنها زوجها. لأنه كان مع النبوة مناسبًا لها، لأن عمر بن أبى سلمه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فكان من بني عمها يجتمعان في عبد الله بن عمر بن مخزوم. قال أحمد بن حنبل: فكان أقرب عصباتها الحاضرين فزوجها بتعصيب النسب لا بالنبوة. والجواب الثاني: أن قوله ﷺ "قم فزوج أمك" أي فجئني بمن يزوج أمك أمرين: أحدهما: أن أم سلمه قالت: يا رسول الله مالي ولى حاضر، فأقرها على هذا القول، فدل على أنه لم يكن وليًا. والثاني: أن كان غير بالغ، قيل: إن كان ابن ست سنين، وقيل: ابن سبع سنين، فدل بهذين الأمرين على أن أمرة بالتزويج إنما كان أمرا بإحضار من يتولى التزويج. والجواب الثالث: أن النبي ﷺ مخصوص في مناكحة بأن يتزوج بغير ولي، فأمر ابنها بذلك استطابه لنفسه لا تصحيحا للعقد، على أن راوي هذا اللفظ إنما هو ثابت عن عمر بن أبى وثابت لم يلق عمر فكان منقطعًا. وأما أنس بن مالك فكان من عصبات أمة فزوجها بتعصيب النسب لا بالبنوة. وأما الجواب عن قياسه بأن عصبة كالأب فهو أن الابن عصبة في الميراث ليس

стр. 4202

بعصبة في ولاية النكاح؛ لأن ولاية النكاح يستحقها من علا من العصبات، والميراث يستحقه من وسفل من العصبات، ثم المعنى في الأب لما كان أبوة وهو الجد وليا لها كان الأب وليا، ولما كان أبو الابن وهو الزوج غير ولى لها لم يكن الابن وليا. وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعصيب الابن أقوى من تعصب الأب، فهو أنه أقوى منه الميراث باستحقاق الولاية في النكاح لا في ولاية النكاح، ولا يجوز أن يعتبره قوة التعصب في الميراث؛ لأن الصغير والمجنون من الأنباء يسقط في الميراث تعصيب الآباء وإن خرج من ولاية النكاح عن حكم الأب. وأما الجواب عن استدلالهم بأنة أعظم حمية وأكثر أنفة في منعها من غير حمية وأكثر أنفة في منعها من غير الأكفاء، فهذا المعنى هو الذي أبطل ولايته به، وبه استدل الشافعي فقال: "لأنه يرى نكاحها عار" يعنى أنه يدفع عن تزويجها ويراه عارا فهو لا يطلب الحظ لها في نكاح كفئها، والولي مندوب لطلب الحظ فلذلك خرج الابن عن معنى الأولياء. فصل فإذا تقرر أن ليس للابن تزويج أمة بالبنوة فله تزويجها بأحد أربعة أسباب: أحدها: أن يكون عصبة لها من النسب، بأن يكون ابن ابن عمها وليس لها من هو أقرب منه فيزوجها؛ لأن بنوته إن لم تزده ضعفًا، فعلى هذا لو كان لها ابنا ابن عم أحدهما ابنها، فعلى قياس قوله في القديم هما سواء كالأخ للأب والأم مع الأخ للأب، وعلى قياس قوله في الجديد ابنها أولى لفضل إدلائه بها. والسبب الثاني: أن يكون موالٍ لها يزوجها بولاية الولاء، فلو كان لها ابنا مولى أحدهما ابنها فعلى قولين، كالأخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب: أحدهما: وهو القديم أنهما سواء. والثاني: وهو الجديد أن ابنها يفضل ادلائه بها أولى. والثالث: أن يكون ابنها قاضيا وليس لها عصبة مناسب فيجوز لابنة أن يزوجها بولاية الحكم. والرابع: أن يكون وكيلًا لوليها المناسب فيجوز له أن يزوجها نيابة عنه يزوجها المستناب من الأجانب. فصل فإذا أعتقت المرأة أمة لها وأرادت تزويجها وكان لها أب وابن فأبوها أولى بتزويج المعتق من ابنها فلو ماتت السيدة المعتقة وخلفت أباها وابنها فولاء أمتها التي أعتقها للابن دون الأب وفي أحقهما بنكاحها وجهان: أحدهما: أن الأب أولى بولاية نكاحها من الابن كما كان أولى بذلك في حياة سيدها.

стр. 4203

والثاني: أن الابن بعد موت السيد أولى بنكاح المعتقة من الأب لأنة قد صار بعد الموت أملك بالولاء من الأب فصار أملك بولاية النكاح من الأب، والله أعلم. مسالة: قال الشافعي: "وَلَا وِلَايةَ بَعْدَ النَّسبِ إِلا لِلمُعتِقِ ثٌمَّ أَقْرَبِ النَّاسِ بِعَصَبةِ مُعتِقَها". قال في الحاوي: وهذا صحيح، قد ذكرنا أن أحق الناس بنكاح المرأة الحرة المناسبون لها من العصبات يترتبون بالقرب إليها على ما ذكرنا، فمتى وجد واحد منهم وإن بعد فهو أحق الناس بنكاحها، وإن عدموا جميعًا قام المولى المعتق في نكاحها مقام الأولياء المناسبين من عصبتها، لقول النبي ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب" ولقوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل"، ولأن المولى المعتق قد أفادها بالعتق ما أفادها الأب الحر من زوال الرق حتى صارت مالكة ووارثة وموروثة ومعقولًا عنها، فاقتضى أن تحل محل الأب والعصبات في ولاية نكاحها. فمتى وجد المولى المعتق بعد فقد العصبات كان أحق الناس بنكاحها، فإن عدم فعصبة المولى يترتبون في ولاية نكاحها على مثل ما يترتبون عليه في استحقاق ولائها وميراثها، فيكون ابن المولى ثم بنوه أحق بولائها وولاية نكاحها من الأب، ثم الأب بعد البنين وبنيهم ثم فيمن يستحق بعد الأب من أهل الدرجة الثانية ثلاث أقاويل: أحدها: الأخوة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الجلد. والثاني: الجد ثم الأخوة ثم بنوهم وإن سفلوا. والثالث: الأخوة ثم الجد ثم بنو الإخوة ثم فيمن يستحقها من الدرجة الثالثة ثلاثة أقاويل: أحدها: الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ثم أبو جد. والثاني: أبو الجد ثم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا. والثالث: الأعمام ثم أبو الجد، ثم بنو الأعمام وإن سفلوا ثم يترتبون في الدرجة الرابعة وما بعدها على ما ذكرنا حتى جميع عصبات المولى، فإن عدموا فمولى المولى ثم عصبته على ما ذكرنا، فإن لم يبق من الموالى المعتقين وعصباتهم أحد وكانت المرأة العادمة للعصبات حرة لا ولاء عليها فالسلطان ولى من لا ولى له وهو الناظر في الأحكام فتكون له الولاية على الأرامل والأيتام.

стр. 4204

فرع وإذا كان للمعتق ابنًا مولى استويا في ولاية نكاحها فأيهما زوجها جاز، ولو كان لها موليان معتقان ولم يجز أن ينفرد أحدهما بنكاحها حتى يجتمعا عليه، أو يأذن أحدهما بنكاحها من غير إذن الأخر كان النكاح باطلا. وقال أبو حنيفة: أيهما انفرد بنكاحها من غير إذن صح، وأجراهما مجرى أخوي الحرة وابني مولى المعتقة، وهذا الجمع خطأ لظهور الفرق بينهما، وهو أن كلا من الأخوين وابني المولى ممن يستحق كل الولاية والولاء لانتقال الميت وابني المولى ممن يستحق كل الولاية والولاء لانتقال الميت منهما إلى الباقي ولى كل واحد من المعتقين ممن يستحق كل الولاية، والولاء؛ لأن من مات منهما انتقل حقه إلى الباقي فمنع هذا الفرق من صحة الجميع. فلو مات أحد المعتقين وترك اثنين فزوجها المعتق الباقي بأحد ابني المعتق الميت جاز ولو زوجها ابنا الميت دون المعتق الباقي لم يجز لما بينا من التعليل ولو أعتق رجلان عبدا أو أعتق العبد أمة ومات العبد لم يكن لأحد معتقيه تزويج الأمة حتى يجتمعا على نكاحها، لأن الذي يملكه كل واحد منهما نصف الولاء فإن تفرد أحدهما بنكاحها بطل وإن عضل أحد المعتقين الآمة أو غاب أو مات ولم يترك عصبة زوجها، الحاكم والمعتق الباقي لينوب الحاكم عمن مات أو عضل فإن تفرد الحاكم بتزويجها دون المعتق أو تفرد به المعتق دون الحاكم كان باطلًا؛ لأنه ليس لأحدهما إلا نصف الولاية. مسألة: قال الشافعي: "فإن استوت الولاة فزوجها بإذنها دون أسنهم وأفضلهم كفؤا جاز". قال في الحاوي: إذا كان للمرأة جماعة أولياء يساوى الأخوال في التعيب والقرب، كالأخوة وبينهم، والأعمام وبينهم فإنهم في الولاية سواء؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد بها لاستحقها، فإذا شارك غيرة لم يخرج منها، وقد قال النبي ﷺ : "فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له" فجعلهم عند الاشتجار سواء ولم يعدم منهم من التكافئ أحدا، وإذا كان كذلك لم يخل حالهم من أن يتشاجروا أو لا يتشاجروا، فإن لم يتشاجروا: فالأولى أن يتولى العقد منهم أفضلهم مشيا ودينا وعلما، أما المشي فلأنة أخبر بالأمور لكثرة تحربته، وأما الدين فإنه يسارع إلى ما ندب إليه من طلب الخط لوليته، وأما العلم فلأنه يعرف شروط العقد في صحته وفساده، فإذا تولاه من تولاه من تكاملت فيه هذه الأصاف كان أولى وأفضل وإن تولاه منهم خالفهم فكان أصغرهم سنا وأقلهم علما أو دينا لكن بالغا عدلا بالنكاح جاز لأنه لم يكن سواه لصح عقدة ولم يكن لما أخل

стр. 4205

به من زيادة الفضل تأثير فكذلك إذا كان مع غيره. فرع: فإن تشاجروا أو طلب كل واحد منهم أن يكون هو المتولي للعقد أن يتراجع منهم عند التشاجر بالسن والعلم أحد، وكانوا مع اختلافهم في ذلك سواء؛ لأن كل صفة لم تكن شرطا في الولاية مع الانفراد لم يترجح بها أحدهم عند الاجتماع، كالمخالطة والجوار طردا وكالعدالة عكسا. وإن كان كذلك وجب الأقرع بينهم ليتميز بالقرعة أحدهم؛ لأن ما اشتركت الجماعة في موجبه ولم يكن اشتراكهم في حكمة تميزا فيه بالقرعة، كما يقرع بين أولياء القصاص فيمن يتولاه منهم وبين أولياء الطفل فيمن يكلفه من بينهم فإذا قرع بينهم كان قرع منهم أولاهم بالعقد أو يتولاه أو أن يأذن لغيرة فيه. وهل يصير أولى به استحقاقا أو اختيارا؟ على وجهين: أحدهما: أنه يصبر أولى به من طريق الاستحقاق لترجحة بالقرعة على من سواه. فعلى هذا إن أذن لغيرة فيه كان نائبا عنه، وإن تولاه غيرة من الجماعة بغير إذنه كان النكاح باطلا. والثاني: أنه أولى به من طريق الاختيار ليكافئ الجماعة في الاستحقاق فعلى هذا إن أذن لغيره فيه كان تاركا لحقه والمتولي له قائم فيه بحق نفسه، وإن تولاه غيره من الجماعة بغير إذنه كالنكاح كان جائزا. مسألة: قال الشافعي: "وإن كان غير كفء لم يثبت إلا باجتماعهم قبل إنكاحه فيكون حقا لهم تركوه". قال في الحاوي: وإذا رضيت المرأة لنفسها رجلًا ودعت أوليائها إلى تزويجها به لم يخل حال الرجل من أن يكون كفؤًا لها أو غير كفء فإن كان كف لزمهم تزويجها به فإن قالوا: نريد من هو أكفأ منه لم يكن لهم ذاك لأن طلب الزيادة على الكفاءة خروج عن الشرط المعتبر إلى ما لا يتناهى فسقط وكانوا على هذا القول عضلة يزوجها الحاكم دونها -وإن كان غير كفء كان لهم أن يمتنعوا من تزويجها لئلا يدخل عليهم عار فقمن فلو رحبوا به إلا واحد كان للواحد منعها منه لما يلحقه من عار. وجرى ذلك مجرى أولياء الميت المقذوف إذا أعفوا من القاذف إلا واحد كان الواحد أن يجده لما يلحق من معرة القذف فلو بادر أحد أوليائها بغير علم الباقين ورضاهم فزوجها بهذا الذي ليس كفء لها فظاهر ما قاله الشافعي ها هنا وفي كتاب "الأم" أن النكاح باطل لأنة قال: "لم يثبت إلا باجتماعهم قبل إنكاحه فيكون حقا لهم" وقال في كتاب "الإملاء": فإن زوجها من غير
следующие страницы →