← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

والثاني: أنهما جائزان فعلى هذا ينظر مهر المثل فإن كان ألفًا صار العبد في مقابلة ألفين: أحدهما: صداق والأخرى ثمن فيكون نصف العبد صداقًا ونصفه مبيعًا. فإن طلقها قبل الدخول استرجع ربعه ولو كان مهر مثلها ألفين صار العبد في مقابلة ثلاثة ألف درهم فيكون ثلثه صداقًا إن طلقها قبل الدخول استرجع ثلثه ويكون ثلث العبد مبيعًا ولم كان مهر مثلها خمسمائة صار ثلث العبد صداقًا وثلثاه مبيعًا. فلو وجدت بالعبد عيبًا فإن رضت بعيبه في البيع والصداق أمسكته وإن أرادت الفسخ فيهما كان لها ورجعت بالثمن وهو ألف وفيما ترجع به من بدل الصداق قولان: أحدهما: مثل المثل على قوله الجديد. والثاني: قيمة صداقها منه من نصف أو ثلثين أو ثلث ولا يلزمها أن تأخذ ذلك القدر وأرشه في الصداق لما فيه من تفريق صفقة في معيب. ولو أرادت حين ظهرت على عيب العبد أن ترد منه المبيع دون الصداق أو ترد منه الصداق دون المبيع ففيه قولان من تفريق الصفة الأول: يجوز. والثاني: لا يجوز إذ تفريق الصفقة لا يجوز. فلو تلف العبد في يدها قبل علمها بعيبه رجعت بأرش المبيع من ثمنه ومن ماذا ترجع بأرش الصداق؟ على قولين: أحدهما: من قيمته. والثاني: من مهر المثل. فأما المزني فإن جعل الأولى بقولي الشافعي أن يكون العقد باطلًا فيهما واستشهد بالبيع والإجارة وبالبيع والكتابة ولا شاهد فيهما لأن كل ذلك على قولين. وحكي عن المزني أنه ذهب إلى جواز العقد فيهما وأن جعل الأولى على قول الشافعي أن يكون باطلًا فيهما ولكلا القولين وجه قد مضى والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافعيُّ: "وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَدَبَّرَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَرْجِعْ فِي نِصْفِهِ؛ لأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ إِلَّا بإخْرَاجِهَا إِيَّاهُ مِنْ مِلْكِهَا. قَالَ المُزَنِيُّ: قَدْ أَجَازَ الرُّجُوعَ فِي كِتَابِ التَّدبِيرِ بِغّيْرِ إِخْرَاجٍ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَهُوَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ بِقَوْلِهِ أَوْلَى. قَالَ المُزَنِيُّ: إِذَا كَانَ التَّدبِيرُ وَصِيَّةً لَهُ بِرقَبَتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أوْصَى لِغَيْرِهِ بِرَقَبَتِهِ مَعَ أَنَّ رَدَّ نِصْفِهِ إِلَيْهِ إِخْرَاجٌ مِنَ المِلْكِ". قال في الحاوي: وصورتها أن يصدقها عبدًا فتدبره بأن تقول له: إذا مت فأنت حر

стр. 4552

وتقول: أنت مدبر تريد به أنها إذا ماتت فهو حر فقد صار مدبرًا وللرجوع فيه قولان: أحدهما: وبه قال في القديم وأحد قوليه في الجديد: إن التدبير كالوصايا. ولها الرجوع فيه بالقول مع بقائه على ملكها بأن تقول: قد رجعت في تدبيرك أو أبطلته فيبطل التدبير مع بقائه على الملك كما تبطل الوصايا بالرجوع. والثاني: وهو قوله الثاني في الجديد: إن التدبير يجري مجرى العتق بالصفات وليس لها الرجوع فيه بالقول ولها إبطاله بالفعل وهو أن تخرجه عن ملكها ببيع أو هبة فيبطل. فإذا تقرر هذان القولان وطلقها الزوج بعد تدبيره فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون قد أبطلت تدبيره إما بالقول على القول الأول أو بالفعل على القول الثاني فللزوج أن يرجع بنصفه وهل له فيه الخيار أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا خيار له لأنه قد صار بإبطال التدبير عبدًا قنًا. والثاني: له الخيار لأن المدبر ربما حاكم مولاته بعد إبطالها لتدبيره إلى حنفي لا يرى إبطال التدبير فيحكم عليها بالتزامه فعلى هذا يكون الزوج لأجل ذلك مخيرًا بين أخذ نصفه وبين أن تفسخ ويرجع عليها بنصف قيمته. والثاني: أن يكون على تدبيره عند طلاق الزوج لم تبطله الزوجة بالقول ولا بالفعل ففي رجوع الزوج بنصفه ثلاثة أقاويل: أحدها: له الرجوع بنصفه سواء قيل إن التدبير كالوصايا يجوز الرجوع فيه بالقول أو قيل إنه كالعتق بالصفات التي لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل لبقاء المدبر على ملكها وإن لها وإزالة ملكها عنه مختارة بالبيع فلأن يجوز إزالة ملكها عنه جبرًا برجوع الزوج أولى. والثاني: ليس له الرجوع بنصفه ويعدل عنه إلى بدله سواء قيل إن التدبير كالوصايا يجوز الرجوع فيها بالقول أو قيل إنه كالعتق بالصفات لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل لأن الرجوع في التدبير إنما يصح إذا كان من جهة السيد المدبر لا من غيره ورجوع الزوج فيه يكون إبطالًا للتدبير من غير السيد فلم يجز. والثالث: أنه يجوز للزوج أن يرجع بنصفه إذا قيل: إن التدبير وصية يجوز الرجوع فيها بالقول ولا يجوز له الرجوع بنصفه إذا قيل: إن التدبير عتق بصفة لا يجوز الرجوع فيه إلا بالفعل فيكون حكم الزوج في إبطاله معتبرًا بالزوجة. فإذا تقررت هذه الأقاويل الثلاثة فإن قلنا: ليس لها الرجوع بنصفه كان له الرجوع عليها بنصف قيمته وإذا قلنا: له الرجوع بنصفه فله الخيار دونها بين المقام والفسخ لعلتين: إحداهما: أن بقاء نصفه على التدبير نقص في قيمته. والثاني: أنه ربما حاكم مولاته إلى حنفي يرى لزوم تدبيره. فإن أقام فهو حقه وإن فسخ رجع عليها بنصف قيمته.

стр. 4553

فصل: فإما إذا كاتبته فليس للزوج الرجوع بنصفه وله الرجوع بنصف قيمته لأن الكتابة لازمة للسيد لا يجوز له إبطالها إلا بالعجز. فعلى هذا لو لم يرجع الزوج بنصف قيمته حتى عجز المكاتب وعاد عبدًا فهل يرجع الزوج بنصفه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يرجع به لوجوده في ملكها. والثاني: لا يرجع لأن حقه وقت الطلاق قد كان في قيمته. ولكن لو لم يطلقها إلا بعد عجزه وعوده إلى الرق كان له الرجوع بنصفه وجهًا واحدًا. ولو كانت الزوجة قد وهبته ورهنته ثم طلقها فإن لم تكن قد أقبضته في الرهن والهبة فالعقد فيه لم يلزم في الرهن ولا في الهبة فللزوج أن يرجع بنصفه ولها إقباض النصف الآخر في الرهن والهبة وإن كانت قد أقبضته في الرهن والهبة فقد خرج بالقبض في الهبة من ملكها فيرجع الزوج بنصف قيمته وقد صار وثيقة في حق المرتهن فلم يجز إبطال وثيقته فيرجع الزوج بنصف قيمته. فلو لم يرجع بها حتى أفكته من رهنه ففي رجوعه بنصفه وجهان. وهكذا لو باعته ثم ابتاعته أو وهبته ثم استوهبته كان في رجوع الزوج بنصفه وجهان. ولو كان قد أجرته لم تمنع إجارته من رجوع الزوج بنصفه لأن عقد الإجارة على منفعته ورقبته باقية على ملكها فيكون الزوج لنقص الإجارة بالخيار بين الرجوع بنصفه والتزام الإجارة إلى انقضاء مدتها. وبين العدول عنه إلى الرجوع بنصف قيمته. ولو باعته بخيار ثلاثة أيام لهما أولها دونه ثم طلقها الزوج ففي رجوعه بنصفه وجهان: أحدهما: يرجع به لأن بيعه لم يلزم فصار كالهبة إذا لم تقبض. والثاني: لا رجوع له به لأن فسخه في مدة الخيار لا يستحقه غير المالك المختار، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَوَجَدَه حُرًّا فَعَلَيْهِ قَيمَتُهُ. قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا غَلَطٌ وَهُوَ يَقُولُ لَوْ تَزَوَّجَهَا بِشَيءٍ فَاسْتَحَقَّ رَجَعَتْ إِلَى إِلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَلَمْ تَكُنْ لَهَا قِيمَتُهُ لأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكُهُ فَهِيَ مِنْ مِلْكِ قِيمَةِ الحُرَّ أَبْعَدُ". قال في الحاوي: وصورتها: أن يصدقها عبدًا فيبين العبد حرًا أو مستحقًا فهو

стр. 4554

صداق باطل لا يتعلق لها برقبة الحر ولا بذمته حق. وحكي عن الشعبي والنخعي أن الحر رهن في يدها على صداقها حتى يفك نفسه أو يفكه الزوج. وهذا خطأ قبيح لأن ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه. وإذا كان كذلك ففيما ترجع به الزوجة قولان: أحدهما: بقيمته لو كان عبدًا مملوكًا. والثاني: بمهر مثلها واختار المزني واستشهد له بالمستحق ولا دليل فيه لأن كلاهما على قولين: ولكن لو قالت لها وقت العقد قد أصدقتك هذا الحر كان لها مهر مثلها قولًا واحدًا لأن علمها بحريته يمنع من استحقاقه أو الرجوع إلى قيمته أن لو كان عبدًا. ولو أصدقها خلًا فبان خمرًا، قال أصحابنا: ترجع عليه بمهر المثل قولًا واحدًا لأن الخمر ليس في الخل مثل فيرجع إلى قيمته أن لو كان خلًا وليس كالحر لأن له في العبيد مثل فجاز أن يرجع إلى قيمته أنه لو كان عبدًا. ولو أصدقها عبدًا موصوفًا في الذمة جاز كالسلم ولزمه تسليم عبد على تلك الصفة. ولو أصدقها عبدًا غير موصوف كان صداقًا باطلًا لجهالته ورجعت بمهر مثلها قولًا واحدًا لأنه لم يتعين لها عبد ترجع بقيمته. وحكي في القديم جوازه عن مالك وأن لها عبدًا وسطًا فمن أصحابنا من خرجه قولًا ثانيًا وأنكره سائرهم وقالوا: قد تكلم الشافعي على إبطاله بالجهالة. ولو تزوجها على صداق مؤجل صح إن ذكر مدة الأجل وإن لم يذكرها كان باطلًا وقال أبو عبيد: يصح ويكون حالًا. وقال الشعبي: يصح ويكون أجله إلى وقت الطلاق. وقال الأوزاعي: يصح ويكون أجله إلى سنة وهذا فاسد لأن جهالة الأجل كجهالة المقدار فيكون لها مهر مثلها قولًا واحدًا كما يكون لها مهر المثل في جهالة المقدار. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وّإِذَا شَاهَدَ الزَّوْجُ الوَليَّ وَالمَرْأَةَ أَنَّ المَهْرَ كّذَا وَتُعْلِنُ أَكُثَرَ مِنْهُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ فِي مَوْضَعِ السِّرِّ. وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: العَلَانِيَةُ: وَهَذَا أَوْلَى عِنْدِي لأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى العُقُودِ وَمَا قَبْلَهَا وَعْد". قال في الحاوي: وصورتها: أن ينكح امرأة في السر على صداق قليل ثم ينكحها في العلانية على صداق كثير.

стр. 4555

فقد (حكى) المزني عن الشافعي أنه قال في موضع: "إن الصداق صداق السر". وقال في موضع آخر: "إن الصداق صداق العلانية" فكان المزني وطائفة من أصحابنا يخرجون اختلاف نصه في الموضعين على اختلاف قولين: أحدهما: أن الصداق صداق السر لتقدمه. والثاني: وهو اختيار المزني أن الصداق صداق العلانية لتعلق الحكم بظاهره. وامتنع سائر أصحابنا من تخريج ذلك على قولين وجعلوه محمولًا على اختلاف حالين. فالموضع الذي جعل الصداق فيه صداق السر دون العلانية إذا عقداه سرًا بولي وشاهدين ثم أعلناه تجملًا بالزيادة وإشاعة للعقد لأن النكاح هو الأول المعقود سرًا والثاني لا حكم له. والموضوع الذي جعل الصداق فيه صداق العلانية إذا تواعدا سرًا وأتماه سرًا بغير ولي وشاهدين ثم عقداه علانية بولي وشاهدين لأن الأول موعد والثاني هو العقد فلزم ما تضمنه العقد دون الوعد. وهذا أصح من تخريج ذلك على قولين: مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ عٌقِدَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ بِعِشْرِينَ يَوْم الخَمِيسِ ثُمَّ عُقِدَ عَلَيْهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِثَلَاثِينَ وَطَلَبَهُمَا مَعًا فَهُمَا لَهَا؛ لأَنَّهُمَا نِكَاحَان. قَالَ المُزَنًِّي ﵀: لِزَّوْجِ أَنْ يَقُولَ: كَانَ الفِرَاقُ فِي النَّكَاحِ الثَّانِي قَبْلَ الدُّخُول فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا مَهْرٌ وَنِصْفٌ فِي قِيَاشِ قَوْلِهِ". قال في الحاوي: إذا ادعت المرأة على زوجها أنه نكحها يوم الخميس على صداق عشرين، وشهد لها شاهدان، وادعت عليه أنه نكحها يوم الجمعة على صداق ثلاثين، وشهد لها شاهدان، فلا فرق بين أن يكون شاهدا الأول هما شاهدا الثاني، أو يكون غيرهما ولا فرق بين أن يختلف الصداقان أو يتساويا فإننا نحكم بالشهادتين ويثبت بهما النكاحين ويلزم بهما الصداقين لأن لهما في الصحة وجهًا ممكنًا وهو أن يتزوجها في يوم الخميس ثم يخالعها بعد الدخول أو يطلقها قبله ثم يتزوجها يوم الجمعة. فلو طالبته بالصداقين فادعى الزوج أنهما نكاح واحد أسراه في يوم الخميس بالشاهدين الأولين وأعلناه في يوم الجمعة بالشاهدين الآخرين فهذا محتمل. فإن كان عند الشاهدين من ذلك علم شهدا به عمل عليه وجعل ذلك نكاحًا واحدًا وحكم فيه بصداق واحد. وإن لم يكن عند الشهود من ذلك علم وأنكرته الزوجة فالقول قولها مع يمينها لأن الظاهر معها ودفعنا ما احتمله قول الزوج بيمينها.

стр. 4556

فأما المزني فإنه قال: للزوج أن يقول طلقتها في النكاح الأول قبل الدخول فلا يلزمه إلا مهر ونصف. وهذا صحيح غير أنه لا ينبغي للحاكم أن ينبه عليه. فإن ابتدأ به وقاله قيل قوله مع يمينه لأن قول الزوج في إنكار الدخول مقبول وسواء ادعى عدم الدخول في النكاح الأول أو في النكاح الثاني. وهكذا لو ادعى أنه لم يدخل بها في النكاحين معًا كان قوله مقبولًا مع يمنيه ولا يلزمه من كل واحد من المهر إلا نصفه. ولو ادعى الزوج أنها ارتدت في النكاح الأول قبل الدخول فسقط جميع مهرها وأنكرته فالقول قولها مع يمينها ولها المهر لأن الأصل أنها على دينها لم ترتد عنه. وعلى قياس ما ذكرنا في النكاح من البيوع أن يقول الرجل: بعتك عبدي يوم الخميس بمائة ويشهد له شاهدان ثم يقول: وبعتكه في يوم الجمعة بمائتين ويشهد له شاهدان فيحكم له بالثمنين ثلاثمائة درهم فإن ادعى المشتري أنهما بيع واحد أحلفنا له البائع. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَصْدقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ أَلْفًا قُسِّمَتْ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَرْبَعَةَ أَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ فِي صَفْقَةٍ فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَقْسُومًا عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ. قَالَ المُزَنِيُّ ﵀: نَظِيرُهُنَّ أَنْ يَشْتَرِي مِنْ أَرْبَع نِسْوَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَبْدًا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَتَجْهَلُ كُلُّ وَاحِدةٍ مِنْهُنَّ عَبْدِهَا كَمَا جَهِلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَهْرَ نَفْسِهَا وَفَسَادُ المَهْرِ بِقَوْلِهِ أَوْلَى". قال في الحاوي: وصورتها: في رجل تزوج أربع زوجات في عقد وأصدقهن ألفًا فإن بين منها مهر كل واحدة منهن صح النكاح والمهر وإن لم يبين فالنكاح صحيح وفي المهر قولان. وهكذا لو خالع أربع زوجات في عقد بألف صح الخلع وفي صحة البدل قولان. ولو كاتب أربعة عبيد له في عقد بألف إلى نجمين ففي أصل الكتابة قولان. فيكون القولان في بدل النكاح والخلع مع صحة النكاح والخلع والقولان في الكتابة في أصلها لأن فساد البدل في الكتابة مبطل لها وليس فساد البدل في النكاح والخلع مبطلًا لهما. أحد القولين في ذلك صحيح ووجهه شيئان: أحدهما: أن تزويجه بأربع في عقد على صداق ألف كابتياعه أربعة أعبد في عقد بألف وذلك يجوز إجماعًا فكذلك يجوز هذا حجاجًا.

стр. 4557

والثاني: أنه معقود بما يعلم به مهر كل واحدة منهن في ثاني حال بأن يقسط الألف على مهور أمثالهن وإن كان مجهولًا في الحال قلم يمنع ذلك من الصحة كما لو اشترى صبرة طعام كل قفيز بدرهم صح البيع وإن جهل الثمن في الحال لأنه معقود بما يصير معلومًا في ثاني حال. والقول الثاني: وهو الأصح اختاره المزني كل ذلك باطل ووجهه شيئان: أحدهما: ذكره أصحابنا وهو مهر كل واحدة منهن من الألف مجهول في حال العقد فلم يصح وإن أمكن العلم به من بعد العقد كما لو تزوج كل واحدة منهن على انفرادها بقسط مهر مثلها من الألف لم يجز على الانفراد فكذلك مع الاجتماع. والثاني: ذكره المزني أن تزوجه لهن بالألف كابتياعه أربعة أعبد منهن بألف وهو في البيع باطل. فكذلك في الصداق باطل لأن ما بطل به أحدهما من الجهالة بطل به الآخر فاختلف أصحابنا فيما ذكره المزني. فكان أبو العباس بن سريج يخرج هذا البيع على قولين كالصداق والخلع والكتابة ويسوي بين الجميع فعلى هذا لا يكون فيه دليل. وقال أبو إسحاق المروزي وأبو سعيد الإصطخري وهو قول الأكثرين من أصحابنا أنه باطل قولًا واحدًا وإن كان الصداق على قولين ومزقوا بينهما من وجهين: أحدهما: أنه لما لم يبطل النكاح بفساد الصداق لم يبطل الصداق بالجهالة به وقت العقد. والثاني: أن المقصود من البيع الثمن فجاز أن يبطل بالجهالة به وقت العقد وليس المقصود من النكاح الصداق فجاز أن يصح وإن كان مجهولًا وقت العقد إذا انتفت عنه الجهالة من بعد. فأما توجيه القول الأول بأن تزويجهن على صداق ألف كابتياع أربعة أعبد من رجل بألف فغير صحيح لأن العقد إذا كان في كل واحد من جهتيه عاقدًا واحدًا كان عقدًا واحدًا وإذا كان في أحد جهتيه عاقدان كان عقدين. ألا ترى لو اشترى رجل من رجلين عبدًا ووجد بالعبد عيبًا كان له رد نصف العبد على أحدهما دون الآخر ولو اشتراه من واحد لم يكن له لأن شراءه من اثنين يكون عقدين ومن الواحد يكون عقدًا واحدًا كذلك إذا تزوج أربعًا بألف كانت أربعة عقود فبطل البدل للجهالة ببدل كل عقد ولو اشترى أربعة أعبد من رجل بألف كان عقدًا واحدًا فلم يبطل لأن الثمن فيه واحد معلوم. وأما اعتبار ذلك بالصبرة من الطعام فالفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن ثمن أجزاء الصبرة معلوم فصار جميع الثمن به معلومًا وليس كذلك مهور الأربع. والثاني: أن ما ينتهي إليه العلم بثمن الصبرة تحقق فصار الثمن به معلومًا وما ينتهي

стр. 4558

إليه العلم بمهر مثل كل واحدة منهن تقريب لأنه عن اجتهاد يختلف فيه المجتهدون فصار المهر مجهولًا. فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا من توجيه القولين: فإذا قلنا ببطلان الصداق كان لكل واحدة منهن مهر مثلها. وإذا قلنا بصحته قسمت الألف على مهور أمثالهن وكان لكل واحدة منهن قسطًا من الألف. مثاله: أن يكون مهر مثل واحدة ألفًا ومهر الثانية ألفين ومهر الثالثة ثلاثة آلاف ومهر الرابعة أربعة آلاف: فنجعل الألف المسماة مقسطة على عشرة آلاف لأنها في مقابلتها فتكون التي مهر مثلها ألف عشر الألف وذلك مائة درهم وللتي مهر مثلها ألفان خمس الألف وذلك مائتا درهم وللتي مهر مثلها ثلاثة آلاف ثلاثة أعشار الألف وذلك ثلاثمائة درهم وللتي مهر مثلها أربعة آلاف خمسا الألف وذلك أربعمائة درهم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَوْ أَصْدَقَ عَنِ ابْنِهِ وَدَفَعَ الصَّدَاقَ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ طَلَّقَ فَلِلابْنِ النَّصْفُ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُ فَقَبَضَهُ". قال في الحاوي: وأصل هذه المسألة أن الأب إذا زوج ابنه الصغير لم يحل ما أصدق زوجته عنه من أن يكون معينًا أو في الذمة. فإن كان معينًا كعبد جعله صداقًا لزوجته فهو صداق جائز سواء كان العبد للابن أو للأب إلا أنه إن كان للأب كان ذلك هبة للابن وإن كان في الذمة: فلا يخلو الابن من أن يكون موسرًا أو معسرًا فإن كان موسرًا وجب الصداق في ذمته ولا يتعلق بذمة الأب إلا أن يصرح بضمانه وإن كان الأب معسرًا ففي الصداق قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم: أنه لازم للأب لأن قبوله النكاح ولده مع علمه بإعساره التزام منه لموجبه. والثاني: وهو قوله في الجديد: أنه لازم للابن دون الأب لأن الابن هو المالك للبضع فوجب أن يكون هو الملتزم بما في مقابلته من الصداق. فعلى هذا إذا قلنا بقوله في الجديد: إن الصداق لازم للابن فهو المأخوذ به في الصغر والكبر دون الأب. وإذا قلنا في القديم: إنه لازم للأب فقد اختلف أصحابنا هل يلتزمه الأب التزام

стр. 4559

تحمل أو التزام ضمان؟ على وجهين: أحدهما: التزام تحمل فعلي هذا يكون الابن بريئًا منه ولو أبراء الابن منه لم يبرأ الأب. والثاني: التزام ضمان فعلي هذا يكون ثابتًا في ذمة الابن وإن أبراء منه برئ الأب. فصل: فإذا تقرر ما ذكرنا وطلق الابن زوجته قبل الدخول فقد ملك بالطلاق نصف الصداق وإذا كان كذلك فلا يخلو الصداق من أحد أمرين: إما أن يكون من مال الابن أو مال الأب. فإذا كان من مال الابن فحكمه فيه كحكمه لو تزوج بالغًا ثم طلق قبل الدخول على ما مضى. وإن كان من مال الأب: فلا يخلو ماله من أحد أمرين: وإما أن يكون قد سلمه إلى الزوجة قبل طلاقها أو لم يسلمه إليها فإن كان قد سلمه إليها: فقد ملك الابن نصفه دون الأب, لأنه مملوك بالطلاق فأقتضى أن يكون ملك المطلق دون غيره. فعلى هذا: إذا استرجع الابن نصف الصداق فلا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن يسترجعه بعينه أو يسترجع بدله. فإن استرجع بدله لتلفه في يدها فليس للأب أن يرجع به على الابن لأنه غير العين التي وهبها. وإن استرجع الابن ما دفعه الأب بعينه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الصداق معينًا وقت العقد كعبد أو ثوب جعله صداقًا عن الابن ففي رجوع الأب به على الابن وجهان مبنيان على اختلاف وجهي أصحابنا في الأب إذا وهب لابنه مالاً فخرج عن ملكه ثم عاد إليه هل للأب أن يرجع به أم لا؟ على وجهين: كذلك هاهنا لأنها هبة للأب صارت إلى الزوجة ثم عادت إلى الابن. والثاني: أن يكون الصداق في الذمة فدفعه الأب إلى الزوجة فرجع الأب به على الابن إذا عاد إليه بطلانه مبني على اختلاف قوليه هل كان لازمًا للأب أم لا؟ فإن قلنا: كان لازمًا للأب لم يكن له الرجوع به سواء قبل: إنه يلزمه تحملاً أو ضامنًا لأنه دفع واجبًا عليه فخرج عن حكم الهبات. وإن قلنا: إنه كان لازمًا للابن صار كالصداق المعين فيكون للأب به وجهان: وإن كان الأب سلم الصداق إلى الزوجة حتى طلقت فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون الصداق معينًا فللزوجة نصفه والنصف الآخر يعود إلى الأب دون الابن لأنها هبة من الأب لم يقبضها فلذلك لم يملكها الابن عليه.

стр. 4560

والثاني: أن يكون في الذمة. فإن قيل: إنه لازم للأب لزوم ضمان فقد برئ الأب من نصف لأن الابن قد برئ منه بطلاقه وبراءة المضمون عنه توجب براءة الضامن. وإن قيل: إنه لازم للأب لزوم تحمل ففي براءته منه وجهان من اختلاف الوجهين في المعين هل للأب أن يرجع به على الابن أم لا؟ فإن ثيل: إنه لو كان معينًا رجع به على الابن برئ الأب منه إذا كان في الذمة. وإن قيل: لو كان معينًا لم يرجع به لم يبرأ منه إذا كان في الذمة وكان للأب مطالبته به. فصل: وإذا تزوج الابن بعد كبره وقضي الأب عنه صداق زوجته وطلق الابن قبل الدخول رجع بنصف الصداق الذي قضاه الأب عنه من ماله ثم ينظر في قضاء الأب للصداق. فإن كان بإذن ابنه فهو في الحكم الهبة وهل للأب أن يرجع به على الابن إذا وجده بعينه أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين: وإن كان الأب دفع ذلك دفع بغير إذن الابن فهو خارج عن حكم الهبة إلى حكم الإبراء والإسقاط لأن الابن بالغ لا يصح أن ينوب الأب عنه في قبول هبة ولا قبضها. فعلى هذا ليس للأب أن يرجع بها وجدها بعينها وجهًا واحدًا. مسألة: قَاَلَ الشَّافعِيُّ: "وَإِذَا تَزَوُّجَ المُوَلَّى عَلَيْهِ بِغِيْرِ أَمْرِ وَلِيِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجِيزَ النَّكَاحَ وإِنْ أَصَاَبَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا ولَا شَيْء تَسْتَحِلِّ بِهِ إِذَا كُنْتُ لَا أَجْعَلُ عَلَيْهِ فِي سِلْعةٍ يَشْتَرِيهَا فَيُتْلِفُهَا شَيْئًا لَمْ أَجْعَلْ عَلَيْهِ بَالإِصَابَةِ شَيْئًا". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن المولى بالسفه لا يجوز أن يتزوج بغير إذن وليه لأن وقوع الحجر عليه قد منعه من التصرف في العقود فإن تزوج فالنكاح باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا أرش عليه وإن دخل بها فلا حدّ علية لمكان الشبهة فإن جاءت بولد لحق به. فأما المهر فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون قد أكرهها على نفسها فعليه مهر مثلها لأن إكراهه لها كالجناية منه يضمن بها. والثاني: أن تطاوعه من غير إكراه ففي وجوب المهر عليه قولان: أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضوع أنه لا مهر عليه لأن الحجر قد أبطل ذمته في الحقوق كما لو اشترى سلعة واستهلكها لم يضمن قيمتها.

стр. 4561

والثاني: قاله في القديم: أن عليه مهر مثلها لأن البضع لا ينتهك إلا بمهر في الشبهة أو حد في الزنا فلما سقط الحد وجب المهر وخالف السلع في البيوع لأنها تملك بالإباحة ولا يملك البضع بالإباحة فإذا تقرر هذان القولان: فقد اختلف أصحابنا في موضوع القولين: فذهب البصريون منهم إلى أنهما مع جهلهما بسفهه وثبوت حجره فإن وجوب مهرها عليه يكون علي قولين فأما إذا كانت عالمة بسفهه وحجره فلا مهر لها عليه قولاً واحدًا لأن في تمكينها مع العلم بحاله إبراء له. وقال البغداديون منهم بل القولان مع العلم بحاله مع الجهل بها في أن مهرها على قولين لأنه غرم يعتبر بفعله فعلى هذا إن أوجبنا عليه المهر أخذ من ماله في الحال ولم ينظر به فكاك الحجر إلا أن يكون معسرًا فينظر به إلى وقت يساره وإن أسقطنا عليه المهر فلا شيء عليه في الحال ولا بعد فكاك حجره في الحكم. وهل عليه فيما بينه وبين الله تعالى بعد فكاك حجره أن يدفع إليها ما يصير البضع مستباحًا به أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا شيء عليه لأنه فعل ظاهر فإذا لم يلزمه به حق في الظاهر ولم يلزمه في الباطن. والثاني: عليه فيما بينه وبين الله تعالى ما يستحل به البضع لأن لا يكون مستبيحًا لبضعها بغير بذل فعلى هذا فيما يلزمه وجهان: أحدهما: مهر مثلها لأنه قيمة مستهلك عليها. والثاني: أن يستطيب نفسها بما يصير البضع مستباحًا به من غير تقدير مهر المثل ما لم يزد على مهر المثل لقوله ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها" ولأن لا يشارك رسول الله ﷺ فيما خص به من استباحة الموهوبة بغير مهر, والله أعلم. باب التفويض قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "التَّفْوِيضُ الَّذِي مَنْ تَزَوَّجَ بِهِ عُرٍفَ أَنَّهُ تَفْوِيضُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ الثَّيِّبَ المَالكَةَ لأَمْرِهَا بِرِضَاهَا وَيَقُولَ أَتَزَوَّجُكِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَالنَّكَاحُ فِي هّذَا ثَابِتُ". قال في الحاوي: أما التفويض في اللغة: فهو التسليم يقال: فوضت أمري إلى فلان أي سلمت أمري إليه ووكلته إلى تدبيره ومنه قوله تعالي: ﴿وأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ﴾ [غَافر:٤٤] أي أستسلم إليه.

стр. 4562

وقال الشاعر: لَاَ يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ ولَا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا أي: لا يصلحون إذا كان أمرهم مقوضًا لا مدبر لهم. والتفويض في النكاح: أن تنكح المرأة نفسها بغير مهر فمن منع النكاح بغير ولي قال: امرأة مفوضة بفتح الواو ومن أجازه بغير ولي قال: مفوضة بكسر الواو. والتفويض ضربان: أحدهما: تفويض البضع. والثاني: تفويض المهر. فالتفويض البضع: فهو أن يتزوج الرجل المرأة الثيب من وليها بإذنها ورضاها على أن لا مهر لها فهذا نكاح التفويض لأنها سلمت نفسها بغير مهر وهو نكاح صحيح ثابت لما دللنا عليه من قول الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦] ومعناه ولم تفرضوا لهن فريضة فأقام "أو" مقام "لم" على وجه البدل مجازًا. وقال بعض أهل العربية: في هذا الكلام حذف وتقديره: فرضتم أو لم تفرضوا لهن فريضة. والفريضة: المهر المسمى سمي فريضة لأنه فرضه لها بمعنى أوجبه لها كما يقال: فرض الحاكم النفقة إذا أوجبها فلما رفع عنه الجناح وأثبت فيه الطلاق دل على صحته. ولأن المقصود من النكاح التواصل بين المتناكحين والمهر تبع بخلاف البيع الذي مقصوده ملك الثمن والمثمن فبطل النكاح بالجهل بالمتناكحين لأنه مقصود ولم يبطل بالجهل بالمتابعين لأنه غير مقصود وإذا صح نكاح التفويض بما ذكرنا لم يجب للمفوضة بالعقد مهر لاشتراط سقوطه دلالها أن تطالب بمهر لأنه لم يجب لها بالعقد مهر ولكن لها أن تطالب بأن يفرض لها مهرًا إما بمراضاة الزوجين أو بحكم الحاكم فيصير المهر بعد الفرض كالمسمى في العقد أو أن يدخل الزوج بها فيجب لها بالدخول مهر. فإن مات عنها قبل الدخول ففي وجوب المهر قولان على ما سنذكره فيصير المهر مستحقًا بأحد أربعة أمور: إما بأن يفرضاه عن مراضاة وإما بأن يفرضه الحاكم بينهما وإما بالدخول بها وإما بالموت على أحد القولين: فإن قيل: فلم فرضتم لها مهرًا وقد شرط أن ليس لها مهر؟

стр. 4563

قيل: لتخرج عن حكم الموهوبة بغير مهر, التي خص بها رسول الله ﷺ , ويكون الشرط محمولًا على أن لا مهر لها بالعقد. فإن قيل: فلو نكحها على أن لا مهر لها بحال؟ قيل: في النكاح حينئذٍ وجهان: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إن النكاح باطل لأن التزام هذا الشرط يجعلها كالموهوبة التي جعل النبي ﷺ بها مخصوصًا. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إن النكاح صحيح والشرط باطل لأن شروط المهر لا تؤثر في عقود المناكح. فصل: فأما إذا فوض مهرها فتزوجها ولم يسم لها في العقد مهرًا ولا شرط فيه أن ليس لها مهر فقد اختلف أصحابنا هل يكون نكاح تفويض أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول إسحاق المروزي: إنه ليس بنكاح تفويض لعدم الشرط في سقوط المهر ويكون مهر المثل مستحقًا بالعقد. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إنه نكاح تفويض لأن إسقاط ذكره في العقد كاشتراط سقوطه في العقد فعلى هذا لا مهر لها بالعقد إلا أن تتعقبه أحد ما ذكرناه من الأمور الأربعة. فهذا حكم التفويض إذا كان عن إذنها. فصل: فأما إذا فوض الولي بغير إذنها, فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون الولي ممن لا ينكح إلا بإذن كسائر الأولياء مع الثيب وغير الأب مع البكر فإن لم يستأذنها في النكاح ولا في التفويض كان النكاح باطلا فإن استأذنها في النكاح ولم يستأذنها في التفويض صح النكاح وبطل التفويض وكان لها بالعقد مهر المثل. والثاني: أن يكون الولي ممن يصح أن ينكح بغير إذن كالأب مع البكر فالنكاح صحيح بغير إذنها فأما صحة التفويض بغير إذنها فمعتبر باختلاف قوليه في الذي بيده عقدة النكاح. فإن قيل: إنه الزوج دون الأب بطل تفويض الأب. وإن قيل: إنه الأب ففي صحة تفويضه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إنه باطل ولها بالعقد مهر المثل. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنه صحيح كالعقود وليس لها بالعقد مهر.

стр. 4564

فصل: فأما السيد إذا فوض نكاح أمته صح وإن لم يأذن في التفويض لأن المهر له دونها فلو فرض لها المهر قبل الدخول وبعد أن باعها أو أعتقها ففي مستحق المهر وجهان: أحدهما: هي إن أعتقت ومشتريها إن بيعت لأن مهرها لم يجب بالعقد وإنما وجب بالفرض بعد زوال الملك. والثاني: أنه للسيد المنكح لأن سبب استحقاقه كان في ملكه. فأما تفويض المهر فسيأتي والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْر مِثْلِهَا". قال في الحاوي: وهذا صحيح المفوضة لنكاحها إذا وطئها الزوج فلها مهر المثل لقول النبي ﷺ :" فلها المهر بما استحل من فرجها" ولتخرج بالتزام المهر مما خص به نبي الله من نكاح الموهوبة بغير مهر ومن حكم الزنا الذي لا يستحق فيه مهر فإن قيل: فهلا كان التفويض إبراء من المهر فلا يجب لها بالدخول مهر؟ قيل: الإبراء إنما يصح مما وجب وهذا مهر وجب بالدخول فلم يصح الإبراء منه بالعقد. فإن قيل: أفليس لو بذلت له يدها فقطعها لم يلزمه ديتها وهو إبراء قبل الوجوب فهلا إذا بذلت له بضعها صح أن يكون إبراء قبل الوجوب؟ قيل: الفرق بينهما أن إذنها يقطع اليد نيابة عنها لأنه يصح منها أن تتولى قطع يدها بنفسها فصارت كالقاطعة ليدها بنفسها فلذلك سقط عنه الغرم وليس البضع كذلك لأنه لا يصح منها الاستمتاع ببضع نفسها فصار الزوج مستمتعًا به في حق نفسه لا في حقها فلذلك لم يبرأ بالإذن من مهرها. فإن قيل: فهلا وجب بهذا التعليل مهر الزانية على الزاني؟ قيل: لأن الزنا مغلظ بالحد ليكون زاجرًا عنه فغلظ بسقوط المهر ولو وجب لها المهر بالزنا لدعاها ذلك لفعل الزنا فحسمت هذه الذريعة بسقوط المهر كما حسمت بوجوب الحد. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا فَلَهَا المُتْعَةُ. وَقَالَ فِي القَدِيمِ: بَدَلًا مِنَ العُقْدَةِ".

стр. 4565

قال في الحاوي: وهذا كما قال: المفوضة لبضعها إذا طلقها الزوج قبل الدخول فلا مهر لك لسقوطه بالعقد وهو اتفاق ولها المتعة عندنا. وبه قال الاوزاعي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وصاحباه. وقال مالك: لا متعة لها وبه قال شريح والليث بن سعد وابن أبي ليلى والحكم استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] فلما جعله بالمعروف على المتقين وقال في موضع آخر: ﴿عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] دل على استحبابه دون وجوبه. ولأن ما وقعت به الفرقة لم يجب به المتعة كالموت ولأن الطلاق مؤثر في سقوط المال دون إلزامه كالمسمى لها إذا طلقت قبل الدخول بها ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. إحداهن: قوله:"ومتعهن" وهذا أمر يقتضي الوجوب. والثانية: قوله: ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. [البقرة: ٢٣٦] وذلك في الواجبات دون التطوع. والثالثة: قوله: "حقًا" والحقوق ما وجبت. والرابعة: قوله: "على المحسنين" وعلى من حروف الإلزام وقال تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٤١] فجعل ذلك لهن بلام التمليك فدل على استحقاقهن له ثم قال: "بالمعروف" فقدره. وما لا يجب فليس بمقدر ثم جعله "حقًا على المتقين" فدل على أن من منع فليس بمتقٍ. فإن قيل: فلم خص المتقين بالذكر وهو على المتقين وعلى غيرهم. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه خصهم بالذكر تشريفًا وإن كان عام الوجوب كما قال: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]. والثاني: ما حكاه ابن زيد أن لنزول هذه الآية سببًا وهو أنه لما قال:" حقًا على المحسنين" قال رجل فإن أحسنت فعلت وإن لم أرد أن أحسن لم أفعل فأنزل الله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولأن بوجوب المتعة قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ وليس يعرف لهما في الصحابة مخالف فصار إجماعًا، ولأن وقوع الفرقة بالطلاق يمنع خلو النكاح من بدل كذات المهر فأما قياسهم على الموت: فالمعنى في الميتة إنه لم يخل نكاحها من بدل فلذلك خلا من متعة وليس كذلك المطلقة. وأما قولهم إن تأثير الطلاق سقوط المال فذاك في ذات المهر فأما في غيرها فتأثيره ثبوت المال.

стр. 4566

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَلَا وَقْتَ فِيهَا وَاسْتَحْسَنَ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَماً أَوْ ما رَأى الوَالِي بِقَدْرِ الزَّوْجَيْن". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ثبت وجوب المتعة للمفوضة فالكلام فيها يشتمل على فصلين: أحدهما: في مفوضة لم يفرض لها مهر. والثاني: في مفوضة قد فرض لها مهر. فأما التي لم يفرض لها مهر فهي مستحقة المتعة والكلام في استحقاقها يشتمل على ثلاثة فصول: أحدهما: فيما تجب به المتعة. والثاني: في قدر المتعة. والثالث: فيمن تعتبر به المتعة. فأما الفصل الأول: وهو ما تجب به المتعة ففيه قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم: إنها تجب بالعقد لأن متعة المفوضة بدل من مهر غير المفوضة والمهر يجب بالعقد فكذلك المتعة. والثاني: وهو قوله في الجديد: إنها تجب بالطلاق لا بالعقد وهذا أصح لأن حالها قبل الطلاق مترددة بين وجوب المهر أو المتعة فدل على أن بالطلاق وجبت المتعة ولأن الله تعالى قرن المتعة بالطلاق فدل على وجوبها بالطلاق. قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٨] ويكون على هذا القول في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: فتعالين أسرحكن وأمتعكن. على القول الأول الكلام على نسقه ليس فيه تقديم ولا تأخير. فصل: وما قدر المتعة فهي إلى رأى الحاكم واجتهاده غير أن الشافعي استحسن في موضع من القديم أن يكون بقدر خادم وحكاه عن ابن عباس واستحسن فيما نقله المزني في هذا الموضع أن يكون بقدر ثلاثين درهماً. وحكاه عن ابن عمر وليس فيما ذكره تقدير لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه لاختلافه باختلاف العادات في أجناس وبلدانهم كالمهر الذي لا ينحصر بقدر ما وجب ولم ينحصر بمقدار شرعي كان تقديره معتبراً باجتهاد الحاكم. وقال أبو حنيفة: هي مقدرة بنصف مهر المثل ولا يجوز أن يكون أقل من خمسة

стр. 4567

دراهم لأنه نصف أقل ما يكون مهرًا عنده وهذا فاسد لأنه التحديد بنصف المهر إن لم يوجد شرعًا فليس في الاجتهاد ما يقتضيه ولا نجعله بالنصف أخص منه بالثلث أو الربع فإن قيل: لأن غير المدخول بها تستحق نصف الصداق. قلنا: فقد أوجبت الصداق أو أسقط المتعة. وفي إجماعنا على إيجاب المتعة وإسقاط الصداق دليل على الفرق بين المتعة والصداق وليس ما استحسنه الشافعي من قدر ثلاثين درهمًا قولًا بالاستحسان الذي ذهب إليه أبو حنيفة ومنع منه الشافعي لأنه قرنه بدليل وهو يمنع من استحسان بغير دليل. فصل: وأما من تعتبر به المتعة ففيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: تعتبر بحال الزوج وحده في يساره وإعساره كالنفقة لقوله تعالى: ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] كما قال في النفقة ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]. فعلى هذا يكون تأويل قول الشافعي:" وما رأى الولي بقدر الزوجين" يعني: الزوج الموسر والزوج المعسر. والثاني: تعتبر بها حال الزوجين على ظاهر كلامه فتعتبر حال الزوج في يساره وإعساره وتعتبر بها حال الزوجة واختلف أصحابنا فيما نعتبره من حال الزوجة على وجهين: أحدهما: أنه يعتبر سنها ونسبها وجمالها كما يعتبر في مهر المثل. والثاني: أنه يعتبرها حال قماشها وجهازها في قلته وكثرته لأنها عوض من أخلاقه ومؤنة نقله. وهذا وجه مردود لأنه ليس الجهاز مقصودًا فيعتبر ولو اعتبر في المتعة لكان اعتبره في المهر أحق ولوجب أن لا يكون متعة لمن لا جهاز لها. فصل: وأما المفوضة التي فرض لها مهر وذلك قد يكون بأحد وجهين: إما بأن يتراضى الزوجان بفرضه وتقديره على ما سنذكره وإما بأن يفرضه الحاكم فيصير بالفرض بعد التفويض كالمسمى في العقد فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف المفروض دون المتعة. وقال أبو حنيفة: يبطل المفروض قبل الدخول ويثبت حكم في وجوب المتعة التي لم يفرض لها مهر بناء على أصله في أن المفوضة وجب لها بالعقد مهر وسقط بالطلاق واستدلالًا: بأنه نكاح خلا عن ذكر مهر فوجب أن يستحق فيه بالطلاق.

стр. 4568

قبل الدخول المتعة قياسًا على غير المفروض لها مهر. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]. فكان قوله: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] على عموم الحالين فيما فرض في العقد أو بعد العقد وإن كان بالمفروض بعد العقد أشبه فجعل الله تعالى له استرجاع نصفه. وأبو حنيفة يوجب استرجاع جميعه فكان قوله مدفوعًا بالنصف. وروي عن النبي ﷺ أنه قال "أدوا العلائق" قيل: وما العلائق؟ قال:" ما ترادي به الأهلون" فكان على عموم التراضي في حال العقد وبعده. ومن طريق القياس: أنه فرض يستقر بالدخول فوجب أن لا يسقط بالطلاق قبل الدخول كالمسمى في العقد ولأن هذا المفروض بمنزلة المسمى في استقراره بالموت فوجب أن يكون بمنزلته في الطلاق قبل الدخول. فأما بناء أبي حنيفة ذلك على أصله فمخالف فيه. وأما قياسه: فالمعنى في المفوضة أنه لا يجب بالموت مفروض وتستحق المطالبة بفرض المهر وهذه يجب لها المفروض بالموت ولا تستحق المطالبة بالفرض فصار كالمسمى، والله أعلم مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسَمَّى مَهْرًا أَوْ مَاتَتْ فَسَواءٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيَّ ﷺ : بَأَبِي هُوَ وَأُمَّي أَنَّهُ قَضَى فِي بُرُوع بِنْتِ وَأشِقٍ وَنُكِحَتْ بِغَيْر مَهْرٍ فَمَاتَ زَوْجُهَا فَقَضَى لَهَا بِمَهْرِ نِسَائِهَا وَبِالمِيراثِ، فَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَالُ مَرَّة عَنْ مِعْقَلِ بْنِ يَسَارِ وَمَرَّةً عَنْ مِعْقَلِ بْنِ سَنَانَ وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِ بَنِي أَشْجَعَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا مَهْرَ وَلَهَا المِيرَاثُ وَهُوَ قَوْلُ عَليًّ وَزَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ". قال في الحاوي: أما المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول أو ماتت فإنهما يتوارثان بالإجماع لقول الله تعالى: ﴿ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢] وهما زوجان لصحة النكاح بينهما. فأما مهر مثلها: فقد اختلف قول الشافعي في استحقاقه بالموت قبل الدخول على قولين: أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أن لها مهر المثل وهو في الصحابة قول عبد الله بن مسعود وفي التابعين: قول علقمة والشعبي وفي الفقهاء: قول ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق.

стр. 4569

والثاني: وهو مذهب مالك لا مهر لها. وهو في الصحابة قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ﵃. وفي التابعين: قول جابر بن زيد والزهري وعطاء ومن الفقهاء: قول ربيعة والاوزاعي. ودليل القول الأول: وهو مذهب أبي حنيفة: حديث بروع بنت واشق: روى قتادة عن خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن رجلًا تزوج امرأة فلم يسم لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات فأتى عبد الله بن مسعود وكان قاضيًا فاختلفوا إليه مراوًا، وقال شهرًا. فقال: إن كان ولابد فإني أفرض لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة إن يكن صوابًا فمن الله وان يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه، فقال ناس من أشجع: فيهم الجراح أبو سنان نشهد أن رسول الله ﷺ قضاها فينا في بروع بنت واشق وكان زوجها هلال بن مرة الأشجعي بما قضيت. وهذا حديث إن صح في بروع لم يجز خلافه. ومن طريق القياس: أنه ما استقر به كمال المسمى استحق به مهر المثل في المفوضة كالدخول ولأن ما أوجبه عقد النكاح بالدخول أوجبه بالوفاة كالمسمى ولأنه أحد موجبي الدخول فوجب أن يستحق بالوفاة كالعدة. ودليل القول الثاني: وهو الأصح. إن لم يثبت حديث بروع ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أدوا العلائق "قيل: وما العلائق؟ قال: "ما تراضى به الأهلون" فدل على أن المستحق بالعقد ما تراضى به الأهلون دون غيره. ومن طريق القياس: أنه فراق مفوضة قبل فرض وإصابة فلم يستحق به مهر كالطلاق ولأن الموت سبب يقع به الفرقة فلم يجب به المهر كالرضاع والردة ولأن من لم ينتصف صداقها بالطلاق لم يستفد بالموت جميع الصداق كالمبرئة لزوجها من صداقها ولأن كل ما لم ينتصف بالطلاق لم يتكمل بالموت كالزيادة على مهر المثل. فأما حديث بروع فقد اختلف في ثبوته فذهب قوله إلى ضعفه وأنه مضطرب غير ثابت من ثلاثة أوجه: أحدهما: اضطراب طرقه؛ لأنه روى تارة عن ناس من أشجع وهم مجاهيل، وتارة عن معقل بن يسار، وتارة عن معقل بن سنان، وتارة عن الجراح بن سنان. فدل اضطراب طرقه على وهائه.

стр. 4570

والثاني: أن عليًا بن أبي طالب ﵁: أنكره وقال: حديث أعرابي يبول على عقبيه ولا أقبل شهادة الأعراب على رسول الله ﷺ . والثالث: أن الواقدي طعن فيه وقال: هذا الحديث ورد إلى المدينة من أهل الكوفة فما عرفه أحد من علماء المدينة. وذهب آخرون إلى صحة الحديث لاشتهاره، وقبول ابن مسعود له ووروده عن ثلاثة طرق صحيحة: أحدها: منصور بن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. والثاني: داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة. والثالث: عن خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة. وليس اختلاف أسماء الراوي قدحا لأن معمل بن يسار بن سنان مشهور في الصحابة وهو المنسوب إليه نهر معقل بالبصرة تبركا باسمه حين اختفره زياد لأنه كان من بقايا الصحابة. ومن كان بهذه المنزلة في بقايا الصحابة وجمهور التابعين لم يدفع حديثه. وأما الجراح أبو سنان فقد شهد بذلك مع قومه عند عبد الله بن مسعود في قصة مشهورة فما رد ولا ردوا. وأما إنكار علي رضوان الله عليه فقد كان له في قبول الحديث رأي أن يستحلف المحدث ولا يقبل حديثه إلا بعد يمينه وقال: ما حدثني أحد عن رسول الله لا استحلفته إلا أبو بكر وصدق أبو بكر. وهذا مذهب لا يقول به الفقهاء. وأما الواقدي فلم يقدح فيه إلا بأنه ورد من الكوفة فلم يعرفه علماء المدينة وهذا ليس بقدح لأنها من قضايا رسول الله ﷺ في القبائل التي انتشر أهلها فصاروا إلى الكوفة فرووه بها ثم نقل إلى المدينة ومثل هذا كثير في الحديث فإن كان هذا الحديث غير صحيح فالمهر على قولين. وان صح فقد اختلف أصحابنا. فذهب أبو حامد المروزي وجمهور البصريين إلى وجوب المهر قولا واحدا وهو الظاهر من كلام الشافعي. وذهب أبو علي بن أبي هريرة وجمهور البغداديين إلى أن وجوب المهر مع صحته على قولين لأنه قضية في عين يجوز أن يكون وليها فوض نكاحها فلم يصح التفويض أو تكون مفوضة المهر دون البضع فإن فرض لها مهر مجهول فلاحتماله مع الصحة كان على قولين: وأما اعتبار الموت بالدخول: ففي الدخول إتلاف يجب به الغرم بخلاف الموت. وأما اعتبار التفويض المسمى: فالمسمى يجب بالطلاق نصفه فكمل بالموت والمفوضة لم يجب لها بالطلاق نصفه فلم يكمل لها بالموت جميعه.

стр. 4571

وأما اعتبار المهر بالعدة: فقد تجب العدة بإصابة السفيه وان لم يجب عليه مهر فكذلك الموت في المفوضة. فصل فإذا تقرر ما وصفنا فلا فرت بين أن تكون الزوجة مسلمة أو ذمية في أن المهر إن وجب للمسلمة وجب للذمية وإن سقط للمسلمة سقط للذمية. وقال أبو حنيفة: أوجب المهر للمسلمة وأسقطه للذمية وجعل ذلك مبنيًا على أصله في أن ثبوت المهر في النكاح حق الله تعالى وأهل الذمة لا يؤاخذون بحقوق الله ويؤخذ بها المسلمون فلذلك سقط مهر الذمية لسقوطه من العقد ووجب مهر المسلمة لوجوبه في العقد. وهذا فاسد بل المهر من حقوق الآدميين المحضة كالثمن في البيع والأجرة في الإجارة لاستحقاقه بالطلب وسقوطه بالعفو. ولأنه لما كان استدامة ثبوته من حقوق الآدميين وجب أن يكون ابتداء ثبوته من حقوق الآدميين كسائر حقوق الآدميين طردًا وكسائر حقوق الله عكسًا ولأنه لو كان المهر من حقوق الله تعالى في النكاح كالولي والشاهدين لبطل النكاح بترك المهر كما بطل بترك الولي والشاهدين، والله أعلم. مسألة قال الشافعي: "ومتى طلبت المهر فلا يلزمه إلا أن يفرضه السلطان لها أو يفرضه هو لها بعد علمها بصداق مثلها". قال في الحاوي: هذا كما قال المفوضة لبضعها لا تملك المهر بعقد النكاح. وقال أبو حنيفة: تملكه بالعقد استدلالًا بأمرين: أحدهما: أن الزوج قد ملك بضعها بالعقد فوجب أن تملك بدله من المهر بالعقد كالثمن والمثمن لا يملك عليها مبدلًا لم تملك في مقابلته بدلا. والثاني: أن للمفوضة المطالبة بالمهر والامتناع من تسليم نفسها إلا بعد قبضه ولا يجوز أن تطالبه بما لم يجب ولا أن تمتنع من تسليم ما وجب على تسليم ما لم يجب. والدليل على أن المهر لم يجد بالعقد أن ما وجب بالعقد تنصف بالطلاق كالمسمى وما لم يتنصف بالطلاق لم يجب بالعقد كالزيادة على مهر المثل وكالمهر الفاسد. فأما ملك البضع بالعقد فلأنه مقصود لا يجوز الإخلال بذكره في العقد فلذلك ملك بالعقد والمهر ليس بمقصود لأنه يجوز الإخلال به في العقد فلم يملك بالعقد مع ترك ذكره فيه فافترق حكم البضع والمهر وأوجب ذلك افتراض حكم المسمى والتفويض وأما المطالبة فليس لها المطالبة عندنا بالمهر وإنما لها المطالبة بأن يفرض لها المهر فتكون قد ملكت بالتفويض أن تملك بالفوض مهرًا كالشفيع ملك بالبيع أو يتملك بالشفعة.

стр. 4572

فصل: فإذا ثبت ما وصفنا ففي قار ما ملكت أن تتملك من المهر قولان: أحدهما: وهو قوله في الجديد أنه مهر المثل لأنه في مقابلة مستهلك بالعقد فتقدر بمهر المثل كالمستهلك بالوطء. والثاني: وهو قوله في القديم أنه مهر مطلق لا يتقدر بمهر المثل لأنه بدله من المسمى في العقد وذلك غير مقدر بمهر المثل فكذلك ما استحق بالفرض. وإذا كذلك فالمفوضة تملك المهر بأحد أربعة أشياء ذكرناها مجملة ونحن نشرحها: أحدها: أن يترافعا إلى الحاكم فيفرض لها الحاكم مهر المثل فلا يصح حكمه به إلا بعد علمه بقدره كما لا يصح أن يحكم بقيمة متلف إلا بعد علمه بقدر القيمة ولا يجوز له أن يزيد على مهر المثل فيظلم الزوج إلا أن يبذل الزوج الزيادة ولا أن ينتقص من مهر المثل فيظلم الزوجة إلا أن ترضى الزوجة بالنقصان وهل يعتبر مهر المثل وقت العقد أو وقت الفرض؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج أنه يعتبر مهر مثلها وقت العقد لأن البضع مستهلك بالعقد. والثاني: وهو قول ابن علي بن خيران أنه يعتبر مهر مثلها وقت الفرض لأنها ملكته بالفرض دون العقد. فإذا فرضه الحاكم صار كالمسمى بالعقد إن طلقت قبل الدخول وجب لها نصفه وهذا مما وافق عليه أبو حنيفة لأن الحكم إذا نفذ بجائز لم ينقص. الفصل وأما الثاني: يجب به مهر المفوضة فهو أن يجتمع الزوجان بعد العقد على فرض مهر عن تراضٍ فيصير ما فرضاه لازمًا كالمسمى إن طلقها قبل الدخول وجب لها نصفه. وقال أبو حنيفة: لا يلزم المهر إلا بعقد أو حكم ولا يصير لازمًا باجتماعهما على فرضه فإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة احتجاجا بعموم قول الله تعالى:﴾ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿[البقرة: ٢٤١] ولأنهما ملكا التسمية في العقد لأنها تصير واجبة بوجوب العقد ولم يملكاها بعد العقد لأنه لا يصير لها موجبًا إلا الحاكم. ودليلنا قول الله تعالى:﴾ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴿[البقرة: ٢٣٧] ولم يفرق بين ما فرض لها في العقد وبعده فوجب حمله على الأمرين وان كان بما بعد العقد أشبه ولأن المهر من أعواض العقود فكان ثبوته بالمراضاة أولى من ثبوته بالحكم كالأثمان والأجور ولأن كل مهر كمل بالدخول ينصف بالطلاق قبل الدخول كالمسمى في العقد. فأما الآية فمحمولة على التي لم يفرض لها مهر بدليل قوله:﴾ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ

стр. 4573

طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ﴿[البقرة: ٢٣٦] وأما الاستدلال بالحكم فاجتماعهما على الفرض أبلغ في الالتزام من الحكم كما لو اجتمعا على قيمة متلف أو أرش معيب. فإذا تقرر أن المهر يلزم بفرضهما كما يلزم بفرض الحاكم فإن فرضاه مع علمهما بقدر المثل صح وجاز أن يفرضا مهر المثل وأكثر منه وأقل وأن يعدلا إلى عوض من ثوب أو عبد بخلاف الحاكم الذي لا يجوز أن يعدل عن جنس المهر ومقداره لأن فرض الزوجين كالتسمية في العقد وان فرضاه مع جهلهما بمهر المثل ففي جوازه قولان: أحدهما: وهو قوله في الجديد: أنه لا يجوز الفرض ويكون باطلا كالتي لم يفرض لها كما لو فرضه الحاكم وهو غير عالم ولأنه يتضمن معنى الإبراء من مجهول. والثاني: وهو قوله في القديم: أنه يجوز ويصح الفرض لأنه معتبر بالمسمى في العقد وان جهلا مهر المثل كذلك ما فرضاه بعد العقد. وهذان القولان يترتبان على اختلاف قوليه في الذي يجب لها هل هو مهر المثل أو مهر مطلق؟ فإن قيل: مهر المثل لم يصح فرضهما إلا بعد علمهما به. وان كان مهر مطلق صح فرضهما مع الجهل به. الفصل: وأما الثالث: مما يجب به مهر المفوضة فهو الدخول لأن المهر لما وجب بوطء الشبهة فأولى أن يجب بالوطء في نكاح صحيح والواجب بهذا الدخول هو مهر المثل قولًا واحدًا سواء تعقبه موت أو طلاق. وإذا وجب بالدخول فتقايره يكون لحكم الحاكم وان تقام وجوبه على حكمه فيكون حكمه مقصورًا على تقديره دون إيجابه وحكمه فيما تقام مشتمل على التقدير والإيجاب. فإن قدره الزوجان لم يصح تقديرهما إلا مع علمهما به قولًا واحدًا؛ لأن المهر ها هنا قيمة مستهلك فإن جهلاه أو أحدهما لم يصح تقديره وكان على إرساله بعد وجوبه. قال الشافعي: واستحب أن لا يدخل بها إلا بعد فرض المهر ليكون مستمتعًا بمهر معلوم وليخالف حال الموهوبة التي خص بها رسول الله ﷺ . فصل: وأما الرابع: فهو الموت وفي وجوب مهر المفوضة به قولان مضيا ثم إن وأجبناه فهو مهر المثل ولا يقدره إلا الحاكم وحده فإن قدره مع الباقي من الزوجين أجنبي علم قدره فإن فعل ذلك ليؤديه من ماله جاز، كما لو قضى دينًا عن ميت أو قضاه عن حي لورثه ميت وان فعل ذلك ليؤخذ من مال الزوج ففي جوازه إذا تراضى به الباقي وورثه الميت قولان من اختلاف قوليه في حكم غير الحاكم وهو يلزم بالتراضي أم لا؟ على قولين، والله أعلم.

стр. 4574

مسألة: قال الشافعي: "فإن فرضه فلم ترضه حتى فارقها لم يكن إلا ما اجتمعا عليه فيكون كما لو كان في العقدة". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا شرع الزوجان في فرض المهر في نكاح التفويض فلم يتفقا على قدره حتى يطلقها كأنه بذل لها ألفًا فلم ترض إلا بألفين فحكم التفويض باق وبذل الألف من الزوج كعدمها ولها المتعة إذا طلقها قبل الدخول لأن الفرض لا يتم من الزوجين إلا بالرضا. فإن قيل: فهلا كان هذا كالصداق المختلف في تسميته وقت العقد فلا يلزم ويجب لها بالطلاق قبل الدخول نصف مهر المثل. قلنا: ما اختلف في تسميته وقت العقد قد زال عنه حكم التفويض فلذلك وجب لها نصف مهر المثل وهذا لم يزل عنه حكم التفويض فلذلك وجبت لها المتعة. وقول الشافعي: لم يكن لها إلا ما اجتمعا عليه يعني أنه لم يكن لها مهر مفرد إلا ما اجتمعا على فرضه ولم يود به الألف الذي بذله الزوج لاجتماعهما عليه حتى طلبت الزوجة زيادة عليها لأن هذا افتراق وليس باجتماع. مسألة: قال الشافعي: "وقد يدخل في التفويض وليس بالتفويض المعروف وهو مخالف لما قبله وهو أن تقول لا أتزوجك على أن تفرض لي ما شئت أنت أو شئت أنا فهذا كالصداق الفاسد فلها مهر مثلها. قال المزني ﵀: هذا بالتفويض أشبه". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن التفويض في النكاح ضربان: تفويض البضع وتفويض المهر. فأما تفويض البضع فهو أن يتزوجها على غير مهر لها وقد مضى الكلام فيه وأما تفويض المهر فضربان: أحدهما: ترك ذكره في العقا وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا فيه. والثاني: أن يتزوجها على مهر لا يصح إما لجهالته وأما لتحريمه فالمجهول كقوله: قد تزوجتك على ما شئنا أو شاء أحدنا أو شاء فلان. والحرام أن يتزوجها على خمر أو خنزير فيكون هذا تفويضًا للمهر لبطلانه وليس بتفويض للبضع لذكره فيخرج عن حكم نكاح التفويض وان كان مشابهًا له في سقوط المهر فيجب لها بالعقد مهر المثل وان طلقت قبل الدخول وجب نصفه دون المتعة وان مات عنها زوجها وجب لها المهر قولًا واحدًا فيكون مخالفًا لنكاح التفويض من أربعة أوجه:

стр. 4575

(أحدها): أن مهر هذه وجب بالعقد ومهر المفوضة وجب بالفرض بعد العقد. الثاني: أنه موجب المهر بالمثل قولا واحدا وفيما وجب للمفوضة قولان: أحدهما: مهر المثل. والثاني: مهر مطلق. والثالث: أنها إن طلقت قبل الدخول وجب لها نصف مهر المثل وللمفوضة متعة. والرابع: أنه يجب لها المهر بالموت قبل الدخول وفي المفوضة قولان. وقال أبو حنيفة: تفويض المهر كتفويض البضع وليس لها إذا طلقت قبل الدخول إلا المتعة احتجاجًا بأن العقد خلا عن مهر لازم فكان تفويضًا كما لو خلا من ذكر مهر. ودليلنا: هو أنه عقد تضمن مهرًا فخرج عن حكم التفويض كالمهر الصحيح ولأن التفويض تسليم بضع بغير بدل وهذا تسليمه ببدل وان فسد. وفرق في الأصول بين التسليم بغير بدل وبين التسليم ببدل فاسد في وجوب الغرم ألا ترى أنه لو قال ملكتك عبدي هذا ولم يذكر بدلًا جعلنا ذلك هبة لا توجب البدل. ولو قال: قد ملكتك عبدي بثمن فاسد صار بيعًا فاسدًا يوجب البدل فال على افتراض الأمرين. فإذا ثبت ما ذكرنا: فأحوال من لا يستقر لها بعقد النكاح مهر ينقسم ثلاثة أقسام. قسم تكون مفوضة وقسم لا تكون مفوضة وقسم اختلف أصحابنا في كونها مفوضة. فأما التي تكون مفوضة فهي التي يشترط في عقد نكاحها مع إذنها وجواز أمرها أن لا مهر لها. وأما التي لا تكون مفوضة: فهي المنكوحة على مهر مجهول أو حرام أو فوضها وليها بغير إذنها. وأما التي اختلف أصحابنا في كونها مفوضة: فهي التي ترك ذكر الصداق في نكاحها من غير شرط. فعلى قول أبي إسحاق المروزي: ليست مفوضة. وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: إنها مفوضة، والله أعلم. تفسير مهر مثلها قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وحتى قلت لها مهر نسائها فإنما أعني نساء عصبتها وليس أمها من نسائها وأعني (نساء) بلدها".

стр. 4576

قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا استحقت المرأة مهر مثلها في الموضع الذي يجب لها مهر المثل وقد مضى في مواضعه وجب أن يعتبر مهر مثلها في حالتين: إحداهما: في منصبها. والثانية: في صفات ذاتها. فأما المنصب فمعتبر بنظيرها في النسب. وقال مالك: فمعتبر بنظيرها في البلد فغلب اعتبار البلد على اعتبار النسب وهذا فساد لأن النبي ﷺ قضى في بروع بنت واشق بمهر نسائها والميراث. ولأن الأنساب معقودة في المناكح دون البلدان ولأنها من صفات الذات اللازمة ولأن أهل البلد قد تختلف مهورهم باختلاف الأنساب وإذا وجب اعتبار النظير في النسب وجب اعتبار نظيرها من النساء العصبات من قبل الأب ولا اعتبار بنساء الأم ولا بنساء ذوي الأرحام. وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى هما سواء فيعتبر بناء أهلها من قبل الأب والأم من العصبات وذوي الأرحام. وهذا فاسل لأن النسب معتبر بالأب دون الأم وكذلك كان ولد العربي من النبطية عربيا وولد النبطي من العربية نبطيا فاقتضى إذا كان منصب النسب معتبرا أن يكون من قبل الأب الذي ثبت به النسب دون الأم التي لا يلحق بها نسب. الفصل: فإذا ثبت اعتبارها بناء عصبتها فأقربهن الأخوات فيعتبر الأخوات من الأب والأم والأخوات من الأب ولا اعتبار بالأخوات من الأم لأنهن مشاركات في الرحم دون النسب. فلو اجتمع أخوات لأب وأم وأخوات لأب ففيهن وجهان: أحدهما: أنهن سواء. والثاني: أن اعتبار الأخوات من الأب والأم لاجتماع السببين فهن مقدمات على الأخوات من الأب. ولا اعتبار ببنات الأخوات ثم بنات الإخوة وبنيهم ثم العمات دون بناتهن ثم بنات الأعمام وبنيهم ثم عمات الأب دون بناتهن ثم أعمام الأب وبنيهم ثم كذلك أبدًا في نساء العصبات فإذا عدم العصبات ففي اعتبار ناء المولى المعتق وجهان: أحدهما: يعتبرون لأن المولى عصبة. والثاني: لا يعتبرون لأنه لا يلحق بالمولى نسب وان جرى في التعصيب مجرى النسب.

стр. 4577

الفصل: فإذا ثبت أن الاعتبار بالصعبات دون الأمهات فقد قال الشافعي: "أعني نساء بلدها" فيكون الاعتبار من كان من عصباتها في بلدها دون من كان في غيره لأن للبلدان في المهور عادات مختلفة فتكون عادلت بعض البلدان تخفيف المهور وعادلت بعضها تثقيل المهور فاقتضى أن يكون ذلك معتبرًا كما تعتبر قيمة المتلف في موضع إتلافه لأن القيم تختلف باختلاف الأمكنة فلذلك وجب اعتبار البلد مع نساء العصبات، فهذا حكم المنصب. مسألة: قال الشافعي: "ومهر من في مثل سنها وعقلها وحمقها وجمالها وقبحها ويسرها وعسرها وأدبها وصراحتها وبكرا كانت أو ثيبًا؛ لأن المهور بذلك تختلف". قال في الحاوي: وهذا صحيح. وصفات الذات المعتبرة في المهور شرط في الحكم بمهر المثل كما تعتبر صفات ما يقوم والصفات المعتبرة في مهر المثل عشرة: أحدهما: السن لاختلاف المهر باختلافه، لأن الصغيرة أرجى للولد وألذ في الاستمتاع من الكبيرة. والثاني: عقلها وحمقها فإن للعاقلة مهرًا وللرعناء والحمقاء دونه لكثرة الرغبة في العاقلة وقلة الرغبة في الحمقاء، وحكي عن قتادة في قول الله تعالى:﴾ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿[هود:٧] أي أيكم أتم عقلا. وروى كليب بن وائل عن عبد الله بن عمر: أن النبي ﷺ تلا:﴾ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿[هود:٧] ثم قال: "أيكم أحسن عقلا وأردع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله تعالى. والثالث: جمالها وقبحها فإن مهر الجميلة أكثر من مهر القبيحة وقد روى سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ينكح النساء لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فعليك بذات الدين تربت يداك". والرابع: يسارها وإعسارها أن ذا المال مطلوب ومخطوب فيكثر مهر الموسرة بكثرة طالبها ويقل مهر الموسرة لقلة خاطبها. وقد قال ابن عباس وقتادة في قول الله تعالى:﴾ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴿[العاديات: ٨] يعني المال.

стр. 4578

وروى مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من تزوج ذات جمال ومال فقد أصاب سدادا من عوز". والخامس: إسلامها وكفرها لقوله تعالى:﴾ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴿[البقرة: ٢٢١] والسادس: عفتها وفجورها؛ لأن الرغبة في العفة أكثر ومهرها لكثرة الراغب فيها أكثر. وقد قال الله تعالى:﴾ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴿[النور: ٣]. والسابع: حريتها ورقها لنقصان الأمة عن أحكام الحرة وان كان نكاحها لا يحل لكل حر. والثامن: بكارتها وثيوبتها لأن الرغبة في البكر أكثر منها في الثيب وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما، وأعز غرة، وأرضى باليسير". ومعنى قوله: "أنتق أرحامًا" أي أكثر أولادًا، وفي قوله: "وأعز غرة" روايتان: أحداهما: غرة بكر الغين يريد أنهن أبعد من معرفة الشر وأقل فطنة له. والرواية الثانية: وأغر غرة: بضم الغين وفيه تأويلان: أحداهما: أنه أراد غرة البياض لأن الأغير وطول التعبيس يحيلان اللون ويبليان الجسد. والثاني: أنه أراد حسن الخلق وحسن العشرة. وقال معاذ بن جبل: "عليكم بالأبكار فإنهن أكثر حبًا وأقل خبًا". والتاسع: أدبها وبذاؤها، لأن الأديبة مرغوب فيها والبذيئة مهروب منها وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال "البذاء لؤم ومحبة الأحمق شؤم". والعاشر: قول الشافعي: وصراحتها فاختلف أصحابنا في معناه فقال بعضهم: يريد فصاحتها لأن لفصاحة المنطقة حظًا من الاستمتاع. وقال الأكثرون: بل أواد به صراحة النسب المقصود في المناكح والصريح النسب الذي أبواه عربيان.

стр. 4579

والهجين: الذي أبوه عربي وأمه أمة. والمزرع: فيه تأويلان: أحدهما: الذي أمه عربية وأبوه عبد. والثاني: أنه الذي أمه أشرف نسبًا من أبيه. قال الشاعر: إِنَّ المذَرَّع لَا تُغْنِي خُؤولَتُه كَالبَغْل يَعْجَز عَنْ شَوْطِ المَحَاضِرِ والفلنقس فيه تأويلان: أحدهما: أنه الذي أبوه مولى وأمه عربية. والثاني: أنه الذي أبواه عربيان وجدناه من قبل أبويه أمتان. فهذه عشرة أوصاف تعتبر في مهر مثلها لاختلاف المهر بها وقد ذكر الشافعي منها سبعة وأعقل ثلاثة وهي: الدين والعفة والحرية اكتفاء بما ذكره منها في اعتبار الكفاءة. وقد نص النبي ﷺ على بعضها ونبه على باقيها بقوله ﵇: "تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها ومبسمها" وروي: وسامتها، فعليك بذات للدين تربت يداك". وفيها ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه افتقرت يداك إن لم تظفر بذات الدين يقال: ترب الرجل إذا افتقر وأترب إذا استغنى. والثاني: أن معناه استغنت يداك إن ظفرت بذات الدين ويكون تربت من أسماء الأضداد بمعنى الغنى والفقر رأيه في قدر تلك الصفة وقسطها من تلك المهور فزادها إن كانت الصفة زائدة أو نقصها إن كانت الصفة ناقصة لأنه قل ما يتساوى صفاتها وصفات جميع نساء عصبتها فلم يجد بدًا من اعتبار ما اختلفن فيه بما ذكرنا، والله أعلم. والثالث: أنها كلمة فقال على ألسنة العرب لا يراد بها حمد ولا ذم كما يقال ما أشجعه قاتله الله وكالذي حكاه الله تعالى عن سارة زوجة إبراهيم حين بشرت بالولد: ﴿قَالَتْ يَا ويْلَتَى أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ وهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] وهي لا تدعو بالويل عند البشرى ولكن كلمة مألوفة للنساء عند سماع ما يعجل من فرح أو حزن، فإذا وجدت أوصافها التي يختلف بها المهر من يسار عصبتها وكانت مهورهن مقدرة صار مهر مثلها ذلك القدر فإن خالفتهن في إحدى الصفات أشهد الحاكم.

стр. 4580

مسألة: قال الشافعي: "واجعله نقدًا كله لأن الحكم بالقيمة لا يكون بدين". قال في الحاوي: وهذا كما قال في الحكم بمهر المثل مع اعتبار تلك الأوصاف شرطان: أحدهما: أن يكون من نقود الأثمان والقيم وهي الدراهم والدنانير لأن قيم المتلفات لا تكون إلا منها ومهر المثل قيمة متلف فعلى هذا لو كان مهر نساء عصينها إبلًا أو عبيدًا أو ثيابًا قومها بالدراهم أو الدنانير وحكم لها بقيمة الإبل أو العبيد أو الثياب من أغلب النقدين من الدراهم أو الدنانير في أثمان الإبل والعبيد دون المهور. والثاني: أن لا يحكم به إلا حالًا وإن كان نساء عصبتها ينكحن بمهور مؤجلة لأن قيمة المتلف لا تتأجل. فإن قيل: أفليس دية الخطأ مؤجلة وهي قيمة متلف؟ قيل: ليست الدية قيمة لكونها مقدرة والقيمة لا تتقدر ولو كانت قيمة لجاز أن تخالف أحكام القيمة في التأجيل كما خالفتها ني وجوبها على غير المتلف من العاقلة. وإن كانت قيم المتلفات لا تجب إلا على المتلف. وإذا وجب أن يحكم بها نقدًا حالًا وكانت مهورهن مؤجلة نظر: فإن كان وقت حكمه بمهر المثل هو وقت المؤجل ساوى بين القدرين ولم ينقص منه بالتعجيل شيئًا. وإن كان وقت حكمه بمهر المثل قبل حلول آجال تلك المهور نقص من مهر المثل بالتعجيل بقدر ما يكون بين الحال والمؤجل في العرف والعادة. مسألة: قال الشافعي: "فإن لم يكن لها نسب فمهر أقرب الناس منها شبهًا فيما وصفت". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن مهر مثلها معتبر بنساء عصبتها فإذا وجدن ولم يجز العدول عنهن إلى نساء الأم. فإن عدم نساء العصبات اعتبر بعدهن للضرورة نساء الأم لأنهن أقرب إليها بعد العصبات من الأجانب. فنبدأ باعتبار الأم ثم بناتها وهن الأخوات من الأم ثم بأمها وهي الجدة من الأم. فإن اجتمع جدتان أم أب وأم أم ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن اعتبارها بأم الأب أولى به لأنها من جهة التعصيب.

стр. 4581

والثاني: أن أم الأم أولى لأن العصبة فيها محققة. والثالث: أنهما سواء. ثم بعد الجدات الخالات ثم بنات الأخوات ثم بنات الأخوال ثم على هذا فإذا عدم جمع القرابات فنساء بلدها لاشتراكهن في العادة فإذا عدمن فأقرب البلاد ببلدها. مسألة: قال الشافعي: "وإن كان نساؤها إذا نكحن في عشائرهن خففن خففت في عشيرتها". قال في الحاوي: اعلم أن العادات في مهر المثل معتبرة فربما جرت عادة قبيلتها إذا نكحن في عشائرهن خففن المهور وإذا نكحن في غير عشائرهن ثقلن المهور وهذا يكون من عادات القبيلة التي تشرف على غيرها. فإن كانت من هؤلاء وكان الزوج من عشيرتها خفف مهر مثلها وإن كان من غير عشيرتها ثقل مهر مثلها. وربما كانت عادة قبيلتها إذا نكحن في عشائرهن ثقلن المهور وإذا أنكحن في غير عشائرهن خففن المهور وهذا يكون من عادات القبيلة الدنيئة التي غيرها أشرف منها فإن كانت من هؤلاء وكان الزوج من عشيرتها ثقل مهرها. فإن قيل: فإذا كنتم تعتبرون مهر المثل بقيم المتلفات فالمعتبر في القيم حال التالف لا حال المتلف فكيف اعتبرتم هاهنا حال المتلف وحال التالف؟ قيل: لأن كل واحد من الزوجين مقصود بالعقد في النكاح فجاز أن يعتبر بالتالف والمتلف وليس كسائر المتلفات التي لا يعتبر فيها إلا أثمانها بالعقود وقيمها بالاستهلاك. وعلى هذا: إذا كان عادة قبيلتها أن يخففن المهور في نكاح الشباب ويثقلن المهور في نكاح الشيوخ. روعي ذلك، والله أعلم. باب الاختلاف في المهور مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا اختلف الزوجان في المهر قبل الدخول أو بعده تحالفا ولها مهر مثلها وبدأت بالرجل". قال في الحاوي: وهذا كما قال. إذا اختلف الزوجان في قدر المهر أو جنسه أو في صفته فقال الزوج: تزوجتك على

стр. 4582

صداق ألف وقالت الزوجة: بل على صداق ألفين أو قال: تزوجتك على دراهم وقالت: بل على دنانير أو قال على صداق مؤجل فقالت: بل حال فكل ذلك سواء ويتحالف الزوجان عليه عند عدم البينة وقال النخعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف: القول فيه قول الزوج. وقال أبو حنيفة ومحمد: إن كان الاختلاف بعد الطلاق فالقول قول الزوج وإن كان قبل الطلاق فالقول قول الزوجة إلا أن تدعي أكثر من مهر المثل. فيكون القول في الزيادة على مهر المثل قول الزوج. وقال مالك: إن كان الاختلاف بعد الدخول فالقول قول الزوج لأنه غارم وإن كان قبل الدخول تحالفًا. وأصل هذه المسألة: اختلاف المتبايعين في قدر الثمن أو المثمن فيبني كل واحد من الفقهاء اختلاف الزوجين في الصداق على مذهبه في اختلاف المتبايعين في البيع وقد مضى الكلام معه في كتاب البيوع. ثم من الدليل على صحة ما ذهبنا إليه من تحالفهما قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وكل واحد من للزوجين مدعِ ومدعى عليه. فإن الزوج يقول: تزوجتك بألف وما تزوجتك بألفين. والزوجة تقول: تزوجتني بألفين وما تزوجتني بألف. فلم يتراجح أحدهما على صاحبه وتساويا في الدعوى والإنكار فتحالفا ولأنهما لو تداعيا دارًا هي في أيديهما وتساويا فيها ولم يترجح أحدهما على صاحبه بشيء تحالفا كذلك اختلاف للزوجين عند تساويهما يوجب تحالفهما. فصل: فإذا ثبت تحالف للزوجين فإنهما يتحالفان عند الحاكم لآن الأيمان في الحقوق لا يستوفيها إلا الحاكم فإذا حضراه قال الشافعي هاهنا: بدأ بإحلاف الزوج. وقال في اختلاف المتيايعين: إنه يبدأ بإحلاف البائع وهو يتنزل منزلة الزوجة في النكاح والزوج يتنزل منزلة المشتري في البيع. وقال في كتاب "الدعوى والبينات" في اختلاف المتبايعين ما يدل على أن الحاكم بالخيار في البداية بإحلاف أيهما شاء. فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة طرق: أحدها: أن المسألتين في اختلاف الزوجين والمتبايعين على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يبدأ بإحلاف البائع والزوجة على ما يقتضيه في البيوع.

стр. 4583

والقول الثاني: أنه يبدأ بإحلاف الزوج والمشتري على ما يقتضيه نصه في الصداق. والقول الثالث: أن الحاكم بالخيار في البداية بإحلاف أي الزوجين شاء على ما يقتضيه كلامه في الدعوى والبينات. والثانية: وهي طريقة أبي حامد المروزي: أن المسألتين على قول واحد وأن الحاكم فيهما بالخيار في البداية يإحلاف أي الزوجين شاء وأي المتبايعين شاء. والثالثة: وهي طريقة أبي إسحاق المروزي: أن حكم المسألتين مختلف وأنه يبدأ في اختلاف للزوجين بإحلاف الزوج قبل الزوجة. وفي اختلاف المتبايعين بإحلاف البائع قبل المشتري. والفرق بينهما: أن جنبة البائع أقوى لعود السلعة إليه بعد التحالف فبدأ بإحلافه وجنبة الزوج أقوى لأنه قد ملك البضع ولا يزول ملكه عنه بعد التحالف فبدأ بإحلافه، والله أعلم. فصل: فإذا ثبت تحالفهما ومن بدأ الحاكم بإحلافه متهما فقد اختلف أصحابنا: هل يحلف كل واحد منهما يمينًا واحدة أو يمينين؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول كثير من أصحابنا ن أنه يحلف كل واحد عنهما يمينًا واحدة تجمع النفي والإثبات لأنه أسرع إلى فصل القضاء فعلى هذا في كيفية يمينه وجهان: أحدهما: يصرح فيها بالابتداء بالنفي ثم بالإثبات فيقول الزوج: والله ما تزوجتك على صداق ألفين ولقد تزوجتك على صداق ألف. ثم تحلف الزوجة فتقول: والله ما تزوجتني على صداق ألف ولقد تزوجتني على صداق ألفين. والثاني: أنه لا يصرح بالنفي ويصرح بالإثبات الدال على النفي فيقول والله ما تزوجتك إلا على صداق ألف. وتقول الزوجة: والله ما تزوجتني إلا على صداق ألفين لأن اليمين على هذا الوجه أوجز واللفظ فيه أخص. فهذا إذا قيل يحلفهما يمينًا واحدة. والوجه الثاني: أنه يحلف كل واحد منهما يمينين. يمينًا للنفي ثم يمينًا للإثبات. وهذا قول أبي العباس بن سريج فيبدأ بيمين النفي. فيقول الزوج: والله ما تزوجتك على صداق ألفين وتقول الزوجة: والله ما تزوجتني على صداق ألف. ثم يحلفهما بعد ذلك يمين الإثبات فيقول الزوج ن والله لقد تزوجتك على صداق ألف. ونقول الزوجة: والله لقد تزوجتني على صداق ألفين. فصل: فإذا تحالف الزوجان على ما وصفنا بطل الصداق لأنه تردد بين أن يكون ألفًا بيمين

стр. 4584

الزوج وبين أن يكون ألفين بيمين الزوجة فصار كما لو تزوجها على صداق ألف أو ألفين فيكون باطلًا للجهل به كذلك إذا تحالفا. وهل يبطل الصداق بنفس التحالف أو بفسخ الحاكم؟ على رجلين مضيا في البيوع ثم إذا بطل الصداق لم يبطل النكاح. وقال مالك: إذا تحالفا بطل النكاح بناء على أصله في أن فساد الصداق موجب فإن فساد الصداق إذا سقط من النكاح صار نكاحًا بغير صداق ولو نكحها على غير صداق صح النكاح فكذلك إذا نكحها على صداق فاسد وكان هذا بخلاف تحالف المتبايعين في بطلان البيع بعد التحالف لأن البيع لا يصح إلا بثمن فبطل ببطلان والنكاح يصح بغير صداق فلم يبطل ببطلان الصداق. فصل: فإذا ثبت أن النكاح لا يبطل بتحالفها حكم لها بمهر المثل لأنه قد صار بالعقد مستهلكًا لبضعها فلزمه غرم قيمته وهو مهر المثل كما يلزم البائع بعد التحالف إذا تلفت السلعة غرم قيمتها ويحكم لها بمهر المثل سواء كان أقل مما دعته أو أكثر. وقال أبو علي بن خيران: يحكم لها بمهر المثل وإن كان مثل ما ادعته أو أقل ولا يحكم لها إذا كان أكثر مما ادعت إلا يقدر ما ادعت لأنها غير مدعية للزيادة فلم يحكم لها بما لا تدعيه وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن دعواها كانت لمسمي في عقد وقد بطل بالتحالف وهذا قيمة متلف فلم يؤثر فيه حكم الدعوى في غيره. والثاني: أنه لما كان لو نقص مهر المثل عما أقر به الزوج لم يلزمه إلا مهر المثل وإن كان مقرًا بالزيادة وجب إذا كان مهر المثل أكثر مما ادعت أن يحكم لها به وإن كانت غير مدعية للزيادة والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "وهكذا الزوج وأبو الصبية البكر وورثه الزوجين أو حدهما". قال في الحاوي: ذكر الشافعي هاهنا مسألتين: إحداهما: اختلاف الزوج والولي. والثانية: في اختلاف ورثة الزوجين أو أحدهما وورثة الآخر. فأما المسألة الأولى: وهي اختلاف الزوج والولي فهذا على ضربين:

стр. 4585

أحدهما: أن تكون الزوجة وقت العقد جائزة الأمر بالبلد والعقل فلا اعتبار يقول الولي في تصديق أو تكذيب سواء كان الولي أبًا أو عصبة وسواء كانت الزوجة بكرًا أو ثيبًا. فإن كانت الزوجة مصدقة لزوجها على قدر الصداق لم يؤثر فيه مخالفة الولي وإن كانت الزوجة مخالفة لزوجها في قدر الصداق لم يؤثر فيه تصديق الولي وكان للزوجين أن يتحالفا على ما مضى ولم يجز أن يكون الولي شاهدًا للزوج قيما ادعاه من الصداق لأنه يشهد على فعل نفسه. والثاني: أن تكون الزوجة وقت العقد صغيرة فليس يصبح أن يزوجها إلا أبوها أو جدها. فإذا اختلف الأب والزوج في قدر صداقها فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون ما ادعاه الأب هو قدر مهر المثل وما يقر به الزوج أقل فلا تحالف بينهما والقول فيه قول الأب بغير يمين لأنه لا يجوز للأب أن يزوج الصغيرة بأقل من مهر المثل ولو زوجها به لكان لها مهر المثل. والثاني: أن يكون ما ادعاه الأب أكثر من مهر المثل وما أقر به الزوج قدر مهر المثل فهاهنا يكون التحالف وإذا وجب التحالف فلا يخلو حال الزوجة وقت الاختلاف والتحالف من أحد أمرين: إما أن نكون على حال الصخر أو قد بلغت. فإن كانت صغيرة حلف الزوج وهل يحالفه الأب أو تكون اليمين موقوفة على بلوغ الزوجة؟ على وجهين: أحدهما: أن الزوج إذا حلف لم يجز للأب أن يحلف معه ووقفت اليمين بلوغ الزوجة لأمرين: أحدهما: أن النيابة في الإيمان لا تصح. والثاني: أن اليمين إنما وضعت لإثبات حق الحالين أو رفع مطالبه عنه وليس الأب بهذه المنزلة فلم يجز أن يحلف وتأول قائل هذا الوجه قول الشافعي: "وكذلك الزوج وأبو الصبية" يعني في أنهما إذا اختلفا قدم الحاكم الزوج في إحلافه. والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق المروزي. والظاهر من نص الشافعي: أنه يجوز للأب أن يحلف مع الزوج لأمرين: أحدهما: أنه مباشر للعقد فجاز أن يحلف على فعل نفسه وإن كان في حق غيره كالوكيل. والثاني: وأشار إليه ابن سريج: أنه لما قبل إقراره فيه وإن كان في حق غيره جاز إحلافه فيه عند إنكاره. فعلى هذا إن حالف الأب الزوج حكم للزوجة بمهر المثل وإن نكل الأب عن اليمين ففيه وجهان:

стр. 4586

أحدهما: يحكم بنكوله ويقضى بالمهر الذي اعترف به الزوج إذا كان بقدر مهر المثل لأن من حكم يمينه إذا حلف حكم بنكوله إذا نكل. والثاني: أنه لا يحكم بنكوله لما فيه من إسقاط حق الزوجة وتوقف اليمين على بلوغها لجواز أن يثبت بيمينها ما لا يثبته الولي فيحكم لها به. وإن كانت الزوجة وقت التحالف بالغة؟ فإن قيل: إن الأب لا يجوز أن يحالف الزوج في حال صغرها فأولى أن لا يحالفها في حال كبرها. وإذا قيل: له مخالفة الزوج في حال صغرها فأيهما أحق بمخالفة الزوج؟ فيه وجهان: من اختلاف المعنيين في تعليل هذا الوجه: أحدهما: أن الأب المباشر للعقد هو المحالف للزوج لفضل مباشرته وتعليلًا بقبول اعترافه. والثاني: أن الزوجة المالكة هي المحالفة للزوج دون الأب لاختصاصها بالملك وتعليلًا بأن الأب نائب. وعلى الوجهين معًا: لو امتنع الأب من اليمين جاز لها مخالفة الزوج وإنما الوجهان: هل يجوز مع بلوغها أن يحلف الأب؟ فصل: وأما المسالة الثانية: وهي اختلاف ورثة الزوجين أو أحدهما وورثة الآخر فقد حكي عن أبي حنيفة أنه إذا طالت صحبة الزوجين وحسنت عشرتهما وذهبت عشيرتهما ثم ماتت الزوجة لم يكن لوارثها مطالبة الزوج بصداقها وحكاه عند أبي الحسن الكرخي من أصحابه وعلى مذهب الشافعي وجمهور الفقهاء لوارثها مطالبة الزوج بصداقها وإن طالت صحبتهما لأمرين: أحدهما: أنه لما جازت مطالبته مع قرب المدة جازت مع بعدها كالدين. والثاني: أنه لما جاز للزوجة مطالبته جاز لوارثها مطالبته كالمدة القصيرة فلذا ثبت أن الصداق باق وأن للوارث مطالبة الزوج به فاختلفا في قدره جاز أن يتحالفا عليه لأن الوارث يقوم مقام موروثه في الاستحقاق فقام مقامه في لتحالف فعلى هذا إن تحالف وارثا الزوجين حلفا كتحالف الزوجين إلا في شيء واحد وهو أن يمين الزوجين على البت والقطع في النفي والإثبات جميعًا ويمين الوارثين على نفي العلم في النفي وعلى القطع في الإثبات لأن من حلف على فعل نفسه كانت يمينه على القطع في نفيه وإثباته، ومن حلف على فعل غيره كانت يمينه على العلم في نفيه وعلى القطع في إثباته. فعلى هذا يحلف وارث الزوج فيقول: والله ما أعلمه تزوجها على صداق ألفين ولقد تزوجها على صداق ألف.

стр. 4587

ويقول وارث الزوجة: والله ما أعلمه تزوجها على صداق ألف ولقد تزوجها على صداق ألفين. فإن كان الورثة جماعة حلف كل واحد منهم يمينًا على ما وصفنا ولم ينب أحدهم عن غيره فيها فإن حلف بعضهم ونكل بعضهم أجرى على الحان حكمه وعلى الناكل حكمه. ولو مات أحد الزوجين وكان الآخر باقيًا تحالف الباقي منهما ووارث الميت وكانت يمين الباقي على القطع في نفيه وإثباته ويمين الوارث على للعلم في نفيه وعلى القطع في إثباته. فصل: فأما إذا كان الاختلاف في المهر بين أبوي الزوجين الصغيرين فان حكم بالصداق في مال الزوج إما ليساره وإما على أحد القولين في إعساره فلا تحالف بينهما لأن الأب لا يجوز أن يزوج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل ولا يجوز لأب الزوجة الصغيرة أن يزوجها بأقل من مهر المثل فبطل التحالف ووجب مهر المثل لأن أبا الزوج لا يجوز أن يزيد عليه وأبا الزوجة لا يجوز أن ينقص منه. وإن حكم بالصداق على أبي الزوج جاز التحالف لأنه يجوز أن يبذل الأب من ماله عن ابنه أكثر من مهر المثل. فعلى هذا لأبي الزوج أن يحلف مع صغر ابنه ومع كبره وهل يجوز لأبي الزوجة أن يحلف مع صغرها أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين. فصل: وإذا اختلف زوج الأمة وسيدها في قدر صداقها تحالف عليه الزوج والسيد دون الزوجة لأنه حق للسيد دونها وكذلك لو كانت الزوجة مدبرة أم أم ولد ولو كانت مكاتبة كانت هي المحالفة دون السيد لأن مهر المكاتبة لها ومهر المدبرة وأم الولد لسيدها. مسألة: قال الشافعي: "والقول قول المرأة ما قبضت مهرها؛ لأنه حق من الحقوق لا يزول إلا بإقرار الذي له الحق ومن إليه الحق". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا اختلف الزوجان في قبض المهر مع اتفاقهما على قدره فقال الزوج: قد أقبضتك مهرك وقالت الزوجة لم أقبضه. فالقول قول الزوجة مع يمينها أنها لم تقبضه وسواء كان قبل للدخول أو بعده أو قبل الزفاف أو بعده.

стр. 4588

وحكي عن بعض الفقهاء السبعة بالمدينة أنه إذا كان قبل الزفاف فالقول قولها وإن كان بعد الزفاف فالقول قوله. وقال مالك: إن كان قبل للدخول فالقول قولها وإن كان بعد الدخول فالقول قوله استدلالًا بالفرق أنها لا تسلم نفسها غالبًا إلا بعد قبض المهر فكان الظاهر بعد الدخول والزفاف مع الزوج فقبل قوله وقبل الدخول والزفاف مع الزوجة فلم يقبل قوله. وهذا فاسد لقول النبي ﷺ :"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" والزوج مدع فكلف البينة والزوجة منكره فكلفت اليمين ولأن من ثبت في ذمته حق لغيره لم يقبل قوله في دفعه والديون فأما الاعتبار بالعادة فغير صحيح لأن عادات الناس فيه مختلفة ثم لو اتفقت لما تعلق بها حكم ألا ترى أن مشتري السلعة إذا ادعى دفع ثمنها بعد قبضها لم يقبل قوله. وإن جرت العادة بأن السلعة لا تسلم إليه إلا بعد قبض الثمن منه. ولو ادعى للراهن قضاء الدين رد الرهن عليه لم يقيل قوله وإن جرت العادة أن الراهن لا يرد إلا بعد قبض الدين كذلك الزوجة. مسألة: قال الشافعي: "فإن قالت المرأة: الذي قبضت هدية وقال: بل هو مهر فقد أقرت بمال وادعت ملكه فالقول قوله". قال في الحاوي: وهذا كما قال. إذا دفع الزوج إليها مالًا ثم اختلفا فيه فقالت الزوجة: أخذته هبة وصداقي باقٍ وقال الزوج: بل دفعته صداقًا. فالقول قول الزوج سواء كانت من جنس الصداق أو من غيره وسواء كان مما جرت العادة بمهاداة الزوج بمثله أم لا. وقال مالك: إن كان مما جرت العادة أن يهديه الزوج للزوجة كالثوب والمقنعة والطيب والحلي فالقول قولها مع يمينها اعتبارًا بالعرف ولها المطالبة بمهرها. وهذا خطأ؛ لأن الأموال لا تتملك على أربابها بالدعاوى ولأنها لو ادعت هبة ذلك وقد قبضت مهرها لم يقبل قولها فكذلك قبل قبضه. وقد مضي الجواب عما استدل به من الصرف. فصل: فإذا ثبت أن القول قول الزوج دونها فإن ادعت أنه صرح لها بالهبة كان لها إحلافه فيكون القول قوله مع يمينه فإن نكل عن اليمين ردت عليها وحكم لها إن خلفت.

стр. 4589

وإن لم تدع أنه صرح لها بالهبة بل قالت: نواها وأرادها ولم يتلفظ بها فلا يمين عليه لأن الهبة لا تصح فلم يلزمه يمين في دعوى هبة فاسدة. فإذا جعلنا القول قوله: لم يخل حال ما أقبضها من حالين: إما أن يكون من جنس صداقها لأنه دراهم وقد دفع إليها دنانير له والصداق عليه لا يقبل قوله في أنها أخذت الدنانير بدلًا من صداقها فإن ادعى ذلك عليها أحلفها. مسألة: قال الشافعي: "ويبرأ بدفع المهر إلى أبي البكر صغيرة كانت أو كبيرة التي على أبوها بضعها ومالها". قال في الحاوي: اعلم أن الأب إذا قبض مهر ابنته لم بخل حالها من أحد أمرين: إما أن يكون المولي عليها أو رشيدة. فإن كان مولي عليها لصغر أو جنون أو سفه: جاز له قبض مهرها لاستحقاقه الولاية على مالها ولو قبضته من زوجها لم يصح ولم يبرأ الزوج منه إلا أن يبادر الأب إلى أخذه منها فيبرأ الزوج حينئذٍ منه وإن كانت بالغة عاقلة رشيدة فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون ثيبًا لا تجبر على النكاح فليس للأب قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذنها لم يبر الزوج منه كما لو قبض لها دينًا أو ثمنًا. والثاني: أن تكون بكرًا يجبرها أبوها على النكاح فالصحيح أنه لا يملك قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذن لم يبرأ الزوج منه وجعل له بعض أصحابنا قبض مهرها لأنه يملك إجبارها على النكاح كالصغيرة. وقال أبو حنيفة: له قبض مهرها بكرًا كانت أو ثيبًا ما لم تنهه عنه وكلا المذهبين عنه غير صحيح لأن صداقها دين فلم يجز أن ينفرد الأب يقبضه مع رشدها كسائر الديون ولأن ما لم يملك قبض دينها لم يكن له قبض مهرها كغير الأب من الأولياء ولأنه لو ملك القبض بخير إذن لما أثر فيه النهي كحاله مع الصغيرة وإذا أثر فيه النهي لم يملكه بغير إذن كالوكيل، والله أعلم. الشرط في المهر مسألة: قال الشافعي ﵀ تعالي: "وإذا عقد النكاح بألف على أن لأبيها ألفا المهر فاسد لأن الألف ليس بمهر لها بحق له باشتراطه إياه".

стр. 4590

قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا تزوجها على صداق ألف على أن لأبيها ألذ لم يصح الشرط ولم يلزمه دفع الألف إلى الأب ويبطل به الصداق. وقال قتادة: الصداق صحيح على ألف والشرط لازم للأب وعلى الزوج له ألف بالشرط. وقال مالك: الشرط باطل في حق الأب ويصير الألفان معًا صداقًا للزوجة والدليل على مالك في بطلان الشرط أن شروط العقود ما كانت في حق المعقود أو المعقود عليه وليس الأب واحدًا منهما فلم يصح الشرط له كما لو شرطه أجنبي. والدليل على قتادة في أن ما شرطه الأب لا يصير صداقًا للزوجة: هو أن ما لم يجعل صداقًا مسمى لم يجز أن يصير صداقًا مسمى كالمشروط لغير الأب ولأنه لو جاز أن يكون ما شرطه للأب زيادة في الصداق لكان ما شرط على الأب نقصانا من الصداق وهذا باطل في الشرط عليه فبطل في الشرط له. فصل: فإذا ثبت أن الشرط باطل في حق الأب بخلاف ما قاله قتادة وباطل في حق الزوجة بخلاف ما قاله مالك كان الصداق باطلًا لأن للشرط تأثرًا في النقصان منه وقدره مجهول فأفضى إلى جهالة جميع الصداق وإذا صار الصداق مجهولًا بطل ولم يبطل النكاح وكان لها مهر المثل فإن طلقت قبل الدخول كان لها نصف مهر المثل لأنه قد سمى لها صداقًا فاسدًا. مسألة: قال الشافعي: "ولو نكح امرأة على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفًا كان جائزًا ولها منعه وأخذها منه لأنها هبة لم تقبض أو وكالة". قال في الحاوي: ذكر المزني هذه المسألة على صورة التي قبلها وخالف بينهما في الجواب فقال: لو نكحها على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفا كان جائزًا. وقال في الأولى: ولو عقد نكاحها بألف على أن لأبيها ألفًا فالمهر فاسد وهما في الصورة سواء وفي الجواب مختلفان. فذهب أكثر أصحابنا إلى المزني أخطأ في نقل هذه المسألة وأن هذا الجواب مسطور للشافعي في الأم في غير هذه المسألة وهو أن يزوجها على ألفين على أن يعطي
следующие страницы →