← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

أحدهما: يحكم بنكوله ويقضى بالمهر الذي اعترف به الزوج إذا كان بقدر مهر المثل لأن من حكم يمينه إذا حلف حكم بنكوله إذا نكل. والثاني: أنه لا يحكم بنكوله لما فيه من إسقاط حق الزوجة وتوقف اليمين على بلوغها لجواز أن يثبت بيمينها ما لا يثبته الولي فيحكم لها به. وإن كانت الزوجة وقت التحالف بالغة؟ فإن قيل: إن الأب لا يجوز أن يحالف الزوج في حال صغرها فأولى أن لا يحالفها في حال كبرها. وإذا قيل: له مخالفة الزوج في حال صغرها فأيهما أحق بمخالفة الزوج؟ فيه وجهان: من اختلاف المعنيين في تعليل هذا الوجه: أحدهما: أن الأب المباشر للعقد هو المحالف للزوج لفضل مباشرته وتعليلًا بقبول اعترافه. والثاني: أن الزوجة المالكة هي المحالفة للزوج دون الأب لاختصاصها بالملك وتعليلًا بأن الأب نائب. وعلى الوجهين معًا: لو امتنع الأب من اليمين جاز لها مخالفة الزوج وإنما الوجهان: هل يجوز مع بلوغها أن يحلف الأب؟ فصل: وأما المسالة الثانية: وهي اختلاف ورثة الزوجين أو أحدهما وورثة الآخر فقد حكي عن أبي حنيفة أنه إذا طالت صحبة الزوجين وحسنت عشرتهما وذهبت عشيرتهما ثم ماتت الزوجة لم يكن لوارثها مطالبة الزوج بصداقها وحكاه عند أبي الحسن الكرخي من أصحابه وعلى مذهب الشافعي وجمهور الفقهاء لوارثها مطالبة الزوج بصداقها وإن طالت صحبتهما لأمرين: أحدهما: أنه لما جازت مطالبته مع قرب المدة جازت مع بعدها كالدين. والثاني: أنه لما جاز للزوجة مطالبته جاز لوارثها مطالبته كالمدة القصيرة فلذا ثبت أن الصداق باق وأن للوارث مطالبة الزوج به فاختلفا في قدره جاز أن يتحالفا عليه لأن الوارث يقوم مقام موروثه في الاستحقاق فقام مقامه في لتحالف فعلى هذا إن تحالف وارثا الزوجين حلفا كتحالف الزوجين إلا في شيء واحد وهو أن يمين الزوجين على البت والقطع في النفي والإثبات جميعًا ويمين الوارثين على نفي العلم في النفي وعلى القطع في الإثبات لأن من حلف على فعل نفسه كانت يمينه على القطع في نفيه وإثباته، ومن حلف على فعل غيره كانت يمينه على العلم في نفيه وعلى القطع في إثباته. فعلى هذا يحلف وارث الزوج فيقول: والله ما أعلمه تزوجها على صداق ألفين ولقد تزوجها على صداق ألف.

стр. 4587

ويقول وارث الزوجة: والله ما أعلمه تزوجها على صداق ألف ولقد تزوجها على صداق ألفين. فإن كان الورثة جماعة حلف كل واحد منهم يمينًا على ما وصفنا ولم ينب أحدهم عن غيره فيها فإن حلف بعضهم ونكل بعضهم أجرى على الحان حكمه وعلى الناكل حكمه. ولو مات أحد الزوجين وكان الآخر باقيًا تحالف الباقي منهما ووارث الميت وكانت يمين الباقي على القطع في نفيه وإثباته ويمين الوارث على للعلم في نفيه وعلى القطع في إثباته. فصل: فأما إذا كان الاختلاف في المهر بين أبوي الزوجين الصغيرين فان حكم بالصداق في مال الزوج إما ليساره وإما على أحد القولين في إعساره فلا تحالف بينهما لأن الأب لا يجوز أن يزوج ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل ولا يجوز لأب الزوجة الصغيرة أن يزوجها بأقل من مهر المثل فبطل التحالف ووجب مهر المثل لأن أبا الزوج لا يجوز أن يزيد عليه وأبا الزوجة لا يجوز أن ينقص منه. وإن حكم بالصداق على أبي الزوج جاز التحالف لأنه يجوز أن يبذل الأب من ماله عن ابنه أكثر من مهر المثل. فعلى هذا لأبي الزوج أن يحلف مع صغر ابنه ومع كبره وهل يجوز لأبي الزوجة أن يحلف مع صغرها أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين. فصل: وإذا اختلف زوج الأمة وسيدها في قدر صداقها تحالف عليه الزوج والسيد دون الزوجة لأنه حق للسيد دونها وكذلك لو كانت الزوجة مدبرة أم أم ولد ولو كانت مكاتبة كانت هي المحالفة دون السيد لأن مهر المكاتبة لها ومهر المدبرة وأم الولد لسيدها. مسألة: قال الشافعي: "والقول قول المرأة ما قبضت مهرها؛ لأنه حق من الحقوق لا يزول إلا بإقرار الذي له الحق ومن إليه الحق". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا اختلف الزوجان في قبض المهر مع اتفاقهما على قدره فقال الزوج: قد أقبضتك مهرك وقالت الزوجة لم أقبضه. فالقول قول الزوجة مع يمينها أنها لم تقبضه وسواء كان قبل للدخول أو بعده أو قبل الزفاف أو بعده.

стр. 4588

وحكي عن بعض الفقهاء السبعة بالمدينة أنه إذا كان قبل الزفاف فالقول قولها وإن كان بعد الزفاف فالقول قوله. وقال مالك: إن كان قبل للدخول فالقول قولها وإن كان بعد الدخول فالقول قوله استدلالًا بالفرق أنها لا تسلم نفسها غالبًا إلا بعد قبض المهر فكان الظاهر بعد الدخول والزفاف مع الزوج فقبل قوله وقبل الدخول والزفاف مع الزوجة فلم يقبل قوله. وهذا فاسد لقول النبي ﷺ :"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" والزوج مدع فكلف البينة والزوجة منكره فكلفت اليمين ولأن من ثبت في ذمته حق لغيره لم يقبل قوله في دفعه والديون فأما الاعتبار بالعادة فغير صحيح لأن عادات الناس فيه مختلفة ثم لو اتفقت لما تعلق بها حكم ألا ترى أن مشتري السلعة إذا ادعى دفع ثمنها بعد قبضها لم يقبل قوله. وإن جرت العادة بأن السلعة لا تسلم إليه إلا بعد قبض الثمن منه. ولو ادعى للراهن قضاء الدين رد الرهن عليه لم يقيل قوله وإن جرت العادة أن الراهن لا يرد إلا بعد قبض الدين كذلك الزوجة. مسألة: قال الشافعي: "فإن قالت المرأة: الذي قبضت هدية وقال: بل هو مهر فقد أقرت بمال وادعت ملكه فالقول قوله". قال في الحاوي: وهذا كما قال. إذا دفع الزوج إليها مالًا ثم اختلفا فيه فقالت الزوجة: أخذته هبة وصداقي باقٍ وقال الزوج: بل دفعته صداقًا. فالقول قول الزوج سواء كانت من جنس الصداق أو من غيره وسواء كان مما جرت العادة بمهاداة الزوج بمثله أم لا. وقال مالك: إن كان مما جرت العادة أن يهديه الزوج للزوجة كالثوب والمقنعة والطيب والحلي فالقول قولها مع يمينها اعتبارًا بالعرف ولها المطالبة بمهرها. وهذا خطأ؛ لأن الأموال لا تتملك على أربابها بالدعاوى ولأنها لو ادعت هبة ذلك وقد قبضت مهرها لم يقبل قولها فكذلك قبل قبضه. وقد مضي الجواب عما استدل به من الصرف. فصل: فإذا ثبت أن القول قول الزوج دونها فإن ادعت أنه صرح لها بالهبة كان لها إحلافه فيكون القول قوله مع يمينه فإن نكل عن اليمين ردت عليها وحكم لها إن خلفت.

стр. 4589

وإن لم تدع أنه صرح لها بالهبة بل قالت: نواها وأرادها ولم يتلفظ بها فلا يمين عليه لأن الهبة لا تصح فلم يلزمه يمين في دعوى هبة فاسدة. فإذا جعلنا القول قوله: لم يخل حال ما أقبضها من حالين: إما أن يكون من جنس صداقها لأنه دراهم وقد دفع إليها دنانير له والصداق عليه لا يقبل قوله في أنها أخذت الدنانير بدلًا من صداقها فإن ادعى ذلك عليها أحلفها. مسألة: قال الشافعي: "ويبرأ بدفع المهر إلى أبي البكر صغيرة كانت أو كبيرة التي على أبوها بضعها ومالها". قال في الحاوي: اعلم أن الأب إذا قبض مهر ابنته لم بخل حالها من أحد أمرين: إما أن يكون المولي عليها أو رشيدة. فإن كان مولي عليها لصغر أو جنون أو سفه: جاز له قبض مهرها لاستحقاقه الولاية على مالها ولو قبضته من زوجها لم يصح ولم يبرأ الزوج منه إلا أن يبادر الأب إلى أخذه منها فيبرأ الزوج حينئذٍ منه وإن كانت بالغة عاقلة رشيدة فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون ثيبًا لا تجبر على النكاح فليس للأب قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذنها لم يبر الزوج منه كما لو قبض لها دينًا أو ثمنًا. والثاني: أن تكون بكرًا يجبرها أبوها على النكاح فالصحيح أنه لا يملك قبض مهرها إلا بإذنها فإن قبضه بغير إذن لم يبرأ الزوج منه وجعل له بعض أصحابنا قبض مهرها لأنه يملك إجبارها على النكاح كالصغيرة. وقال أبو حنيفة: له قبض مهرها بكرًا كانت أو ثيبًا ما لم تنهه عنه وكلا المذهبين عنه غير صحيح لأن صداقها دين فلم يجز أن ينفرد الأب يقبضه مع رشدها كسائر الديون ولأن ما لم يملك قبض دينها لم يكن له قبض مهرها كغير الأب من الأولياء ولأنه لو ملك القبض بخير إذن لما أثر فيه النهي كحاله مع الصغيرة وإذا أثر فيه النهي لم يملكه بغير إذن كالوكيل، والله أعلم. الشرط في المهر مسألة: قال الشافعي ﵀ تعالي: "وإذا عقد النكاح بألف على أن لأبيها ألفا المهر فاسد لأن الألف ليس بمهر لها بحق له باشتراطه إياه".

стр. 4590

قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا تزوجها على صداق ألف على أن لأبيها ألذ لم يصح الشرط ولم يلزمه دفع الألف إلى الأب ويبطل به الصداق. وقال قتادة: الصداق صحيح على ألف والشرط لازم للأب وعلى الزوج له ألف بالشرط. وقال مالك: الشرط باطل في حق الأب ويصير الألفان معًا صداقًا للزوجة والدليل على مالك في بطلان الشرط أن شروط العقود ما كانت في حق المعقود أو المعقود عليه وليس الأب واحدًا منهما فلم يصح الشرط له كما لو شرطه أجنبي. والدليل على قتادة في أن ما شرطه الأب لا يصير صداقًا للزوجة: هو أن ما لم يجعل صداقًا مسمى لم يجز أن يصير صداقًا مسمى كالمشروط لغير الأب ولأنه لو جاز أن يكون ما شرطه للأب زيادة في الصداق لكان ما شرط على الأب نقصانا من الصداق وهذا باطل في الشرط عليه فبطل في الشرط له. فصل: فإذا ثبت أن الشرط باطل في حق الأب بخلاف ما قاله قتادة وباطل في حق الزوجة بخلاف ما قاله مالك كان الصداق باطلًا لأن للشرط تأثرًا في النقصان منه وقدره مجهول فأفضى إلى جهالة جميع الصداق وإذا صار الصداق مجهولًا بطل ولم يبطل النكاح وكان لها مهر المثل فإن طلقت قبل الدخول كان لها نصف مهر المثل لأنه قد سمى لها صداقًا فاسدًا. مسألة: قال الشافعي: "ولو نكح امرأة على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفًا كان جائزًا ولها منعه وأخذها منه لأنها هبة لم تقبض أو وكالة". قال في الحاوي: ذكر المزني هذه المسألة على صورة التي قبلها وخالف بينهما في الجواب فقال: لو نكحها على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفا كان جائزًا. وقال في الأولى: ولو عقد نكاحها بألف على أن لأبيها ألفًا فالمهر فاسد وهما في الصورة سواء وفي الجواب مختلفان. فذهب أكثر أصحابنا إلى المزني أخطأ في نقل هذه المسألة وأن هذا الجواب مسطور للشافعي في الأم في غير هذه المسألة وهو أن يزوجها على ألفين على أن يعطي

стр. 4591

أباها ألفًا منها أو تعطى أباها ألفًا منها فإن كانت هي المعطية للألف فهي هبة للأب وإن كان هو المعطى للألف احتمل أن تكون هبة للأب واحتمل أن نكون وكالة يتولى قبضها الأب فيكون الصداق جائزًا لأن جميع الألفين صداق ولم يؤثر فيه هذا الشرط لأنه لم يشترط لنفسه عليها ولا اشتراط لها على نفسه. وإذا لم يكن الشرط على أحد هذين الوجهين لم يؤثر قي زيادة الصداق ولا نقصانه فسلم من الجهالة فلذلك صح. فأما ما نقله المزنى فخطأ وجوابه كجواب المسألة الأولى لنماثلهما في الصورة والذي عندي أن نقل المزني صحيح وأنه متأول على ما ذكروه ومحمول الجواب علي ما صوروه لأن في لفظ المسألة دليل على هذا التأويل وهو المفرق بينها وبين المسألة الأولى لأنه قال في هذه ولو تزوجها على ألف وعلى أن يعطي أباها ألفًا وقال في الأولى: ولو عقد نكاحها بألف على أن لأبيها ألفًا فجعل لأبيها في هذه المسألة قبض الألف وجعل لأبيها في المسألة الأولى ملك الألف فدل عل أن الألفين في هذه المسألة صداق للزوجة فلذلك صح وفي الأولى إحداهما صداق لها والأخرى للأب فلذلك بطل. ثم يوضح أن نقل المزني صحيح وأنه محمول على هذا التأويل ما ذكره في الحكم وبينه من التعليل لأنه قال: ولها منعه وأخذها منه وليس لها أن تمتع الزوج من دفع ماله ولا لها أن تأخذ غير صداقها فدل على أن الألفين كانت صداقًا لها ثم لين في التعليل فقال: لأنها هبة لم تقبض أو كالة لم تتم فدل على أن الشرط كان معقودًا على أن تهب هي من الألفين ألفًا لأبيها أو توكله في قبضها فكانت على خيارها في أن تتمم الهبة بالقبض أو ترجع فيها أو تتمم الوكالة أو تبطلها. وقد ذكر الشافعي مثل هذه المسالة في كتاب الأم يريد بها ما ذكرنا من التأويل فقال: ولو أصدقها ألفين على أن يعطي أباها ألفًا وأمها ألفًا كان الكل للزوجة وإنما يكون الكل لها إذا كان الكل صداقًا تكون لها بالتسمية لا بالشرط بخلاف ما قاله مالك. فصل: في الشروط التي تدخل النكاح. مسألة: قال الشافعي: "ولو أصدقها ألفًا على أن لها أن تخرج أو على أن لا يخرجها من بلدا أو على أن لا ينكح عليها أو يتسرى أو شرطت عليه منع ماله أن يفعله فلها مهر مثلها في ذلك كله فإن كان قد زادها على مهر مثلها وزادها الشرط أبطلت الشرط ولم أجعل لها الزيادة لفساد عقد المهر بالشرط ألا ترى لو اشترى عبدًا بمائة دينار (ورق)

стр. 4592

خمر فمات العبد في يد المشترى ورضي البائع أن يأخذ المائة ويبطل الرق الخمر لم يكن ذلك لأن الثمن انعقد بما لا يجوز فطل وكانت له قيمة العبد". قال في الحاوي: اعلم أن الشرط في النكاح ضربان: جائز ومحظور فأما الجائز: فما وافق حكم الشرع في مطلق العقد مثل أن يشترط عليها أن له أن يتسرى عليها أو يتزوج عليها أو يسافر بها أو أن يطلقها إذا شاء أو أن تشترط هي عليه أو يوليها صداقها أو أن ينفق عليها نفقة مثلها أو يقسم لها مع نسائه بالسوية. فكل هذه الشروط جائزة والنكاح معها صحيح والمسمى فيه من الصداق لازم لأن ما شرطة الزوج منها لنفسه يجوز له فعله بغير شرط فكان أولي بأن يجوز مع الشرط. وما شرطته الزوجة عليه يلزمه بغير شرط فكان أولى أن يلزمه الشرط وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج". وأما المحظور منها: فمردود لقول النبي ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط شرط الله أحق وعقده أوثق". روي عنه ﷺ أنه قال: "المؤمنون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا". والشروط المحظورة تنقسم أربعة أقسام: أحدها: ما يبطل به النكاح. والثاني: ما يبطل به الصداق. والثالث: ما يختلف حكمه لاختلاف مشترطه. والرابع: ما اختلف أصحابنا فيه. فصل: فأما القسم الأول: وهو ما يبطل النكاح فهو كل شرط رفع مقصود العقد مثل أن يتزوجها على أنها طالق رأس الشهر إذا قدم زيد أو على أن الطلاق بيدها تطلق نفسها متى شاءت. فالنكاح بهذه للشروط باطل سواء كانت هذه الشروط من جهته أو من جهتها لأنها رافعة لمقصود العقد من البقاء والاستدامة قصار النكاح بها مقدر المدة فجرى مجرى

стр. 4593

نكاح المتعة لكان باطلًا. فصل: وأما القسم الثاني: وهو ما يبطل الصداق دون النكاح: فهو كل شرط خالف حكم العقد وهو على ضربين: أحدهما: ما كان من جهة الزوج. والثاني: ما كان من جهة الزوجة. فأما ما كان من جهة الزوج: فمثل أن يتزوجها على أن لا يقسم لها مع نسائه أو على أن تخفف عنه نفقتها وكسوتها أو تنظره بهما. وفي حكم ذلك: أن يشترط عليها أن لا تكلم أباها ولا أخاها فهذه كلها شروط باطلة لأنها من للشروط التي تحلل حرامًا أو تحرم حلالًا واختصت بالصداق دون النكاح لأن مقصود النكاح موجود معها فوجب أن يبطل الصداق بها لأنها قابلت منه جزءًا إذ كأنه زادها فيه لأجلها وإذا أوجب بطلانها يطل ما قابلها منه وهو مجهول صار الباقي بها مجهولًا فبطل وكان لها مهر المثل سواء كان أكثر مما سمى أو أقل. وقال أبو حنيفة: إن كان مهر المثل أكثر من المسمى لم أوجب لها إلا المسمى وهو قول أبي علي بن خيران من أصحابنا لأنها رضيت به مع اشتراطه عليها فلأن ترضى به مع عدم الشروط أولى. وهذا فاسد لأن سقوط المسمى بالفساد إذا أوجب الرجوع إلى القيمة استحقت وإن كانت أكثر من المسمى كمن قبض عبدًا اشتراه بألف على شروط فاسدة شرطها على بائعه ثم تلف العبد في يده وقيمته أكثر من ثمنه استحقت عليه القيمة دون المسمى وإن كانت القيمة أكثر كذلك هاهنا. وأما ما كان من جهة الزوجة. فمثل أن تشترط عليه أن لا يتزوج عليها أو أن لا يتسرى بالإماء وأن لا يسافر بها فهذه شروط فاسدة لأنها منعته مما له فعله وتوجهت إلى الصداق دون وجود مقصود النكاح معها. وإذا كان كذلك فللصداق المسمى حالان: أحدهما: أن يكون أقل من مهر المثل فيبطل المسمى لبطلان الشروط التي قابلها جزء منه فصار به مجهولًا ويجب لها مهر المثل. والثانية: أن يكون المسمى من الصداق أكثر من مهر المثل ففيما تستحقه وجهان: أحدهما: وهو الأصح أنها تستحق مهر المثل تعليلًا بما ذكرنا من بطلان المسمى بما قابله من الشروط التي صار بها مجهولًا. والثاني: وهو قول المزني إنها تستحق المسمى لأن لا يجتمع عليها بخسان: بخس بإسقاط الشروط، وبخس بنقصان المهر.

стр. 4594

ولأنها لم ترض مع ما شرطت إلا بزيادة ما سمت فإذا منعت الشروط لم تمنع المسمى. فصل: وأما القسم الثالث: وهو ما يختلف حكمه باختلاف مشترطه فهو ما منع مقصود العقد في إحدى الجهتين دون الأخرى فمثل أن يتزوجها على أن لا يطأها فان كان الشرط من جهتها فتزوجته على أن لا يطأها فالنكاح باطل لأنها منعته ما استحقه عليها من مقصود العقد. وإن كان الشرط من جهته فتزوجها على أن لا يطأها فالنكاح على مذهب الشافعي صحيح لأن له الامتناع من وطئها بغير شرط فلم يكن في الشرط مع من موجب العقد. وقال أبو علي بن أبي هريرة: على الزوج أن يطأها في النكاح مرة واحدة على قوله إذا شرط عليها أن لا يطأها يبطل النكاح كما لو شرطت عليه أن لا يطأها. وليس هذا بصحيح لما ذكره في باب العنين. فأما إذا كان الشرط أن يطأها ليلًا دون النهار، فقد حكي أبو الطيب بن سلمة عن أبى القاسم الأنماطى أنه إذا شرط الزوج عليها ذلك صح الشرط لأنه له أن يفعل ذلك من غير شرط وإن شرطت الزوجة ذلك بطل النكاح لأنه يمنع مقصود العقد وهنا صحيح ولا يخالف فيه أبو علي بن أبي هريرة. فأما إن كان الشرط أن لا يقسم لها: فإن كان من جهتها صح النكاح لأن لها العفو عن القسم. وإن كان من جهته بطل النكاح إن كان معها غيرها وصح إن انفرد بنفسها لأنها تستحق القسم مع غيرها ولا تستحقه بانفرادها. وأما إن كان الشرط أن لا يدخل عليها سفه: فقد قال الربيع: إن كان الشرط من جهته صح النكاح لأن له أن يمنع من الدخول بغير شرط وإن كان من جهتها بطل النكاح لأنه ليس لها أن تمنعه من غير شرط فصار الشرط مانعًا من مقصود العقد. وعلى هذا التقدير لو تزوجها على أن يطلقها بعد شهر فإن كان الشرط من جهة الزوج صح العقد لأن له أن يطلقها من غير شرط وإن كان من جهة الزوجة بطل العقد لأنه منع من استدامة العقد. ولو تزوجها على أن يخالعها بعد شهر. فإن كان الشرط من جهتها يطل العقد وإن كان من جهته ففي بطلانه وجهان: أحدهما: أن العقد باطل لأنه قد أوجب عليها بالخلع بذل ما لا يلزمها. والثاني: أن العقد صحيح لأنه شرط لم يمنع من مقصود العقد فصار عائدًا إلى الصداق فبطل به الصداق وكان لها مهر المثل.

стр. 4595

فصل: وأما القسم الرابع: وهو ما اختلف أصحابنا فيه فهو ما رفع يدل المقصود بالعقد وذلك شأن الصداق والنفقة. فإذا تزوجها على أن لا نفقة لها أبدًا. فإن كان الشرط من جهتها توجه إلى الصداق دون النكاح لأنه حق لها إن تركته جاز فلذلك توجه إلى الصداق دون النكاح فيبطل الصداق ببطلان الشرط في النفقة وهو باطل باشتراط سقوطه والنكاح جائز ولها مهر المثل والنفقة. وإن كان الشرط من جهة الزوج فهل يقدح في صحة النكاح أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنه قادح في صحة النكاح فيكون باطلًا لأن ذلك مقصود العقد من جهة الزوجة فصار كالولي الذي هو مقصود العقد من جهة الزوج. والثاني: أنه غير قادح في صحة النكاح لجواز خلو النكاح من صداق ونفقة فعلى هذا يختص هذا للشرط بفساد الصداق دون النكاح ويحكم لها بمهر المثل والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "ولو أصدقها دارًا واشترط له أو لهما الخيار فيها كان المهر فاسدًا". قال في الحاوي: اعلم أن عقد النكاح لا يدخله خيار المجلس ولا خيار الثلاث لأنه ينعقد ناجزًا لا تقصد فيه المغابنة والخيار موضوع الاستدراك المغابنة. فإن شرط فيه أحد الخيارين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يشترطاه أو أحدهما في عقد النكاح فالنكاح بعطل باشتراطه فيه لمنافاته له في اللزوم. والثاني: أن يكون مشروطًا في الصداق دون النكاح فقد قال الشافعي في الأم ونقله المزني هاهنا: أن الصداق باطل والنكاح جائز. وقال في الإملاء: النكاح باطل. فاختلف أصحابنا في اختلاف نصه في هذين الموضعين: فخرجه أبو علي بن أبي هريرة على قولين: أحدهما: أن الصداق باطل والنكاح جائز، لأن بطلان الصداق لا يقدح في صحة النكاح. والثاني: أن النكاح باطل لبطلان الصداق ولم يحك عن الشافعي أنه أبطل النكاح لبطلان الصداق إلا في هذا الموقع لأن دخول الخيار في البدل كدخوله في المبدل.

стр. 4596

وقال سائر أصحابنا: ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين. فالموضع الذي أبطل فيه النكاح إذا كان الخيار مشروطًا في النكاح. والموضع الذي أبطل فيه الصداق وأجاز النكاح إذا كان للخيار مشروطًا في الصداق دون النكاح لأن الصداق عقد يصح إفراده عن النكاح كما يصح إفراد النكاح عنه فلم يوجب بطلان الصداق بطلان النكاح. فإذا قيل ببطلان النكاح فلا مهر فإن أصابها فعليه مهر مثلها وإذا قيل بصحة النكاح، فقد حكي أبو حامد الإسفراييني في الصداق والخيار لأصحابنا ثلاثة أوجه: ولم أر غيره يحكيه لأن نص الشافعي لا يقتضيه: أحدهما: وهو أن الخيار باطل والصداق باطل ولها مهر مثلها لأنه لما امتنع دخول الخيار في النكاح امتنع دخوله في بدله والخيار إذا دخل فيما ينافيه أبطله. والثاني: وهو خلاف نصه: أن الصداق جائز والخيار ثابت لأن الصداق عقد معاوضة يصح إفراده فجرى حكمه حكم الخيار فيه مجراه في عقود المعارضات. والثالث: أن الخيار باطل والصداق جائز لأن الصداق تبع للنكاح فيثبت ثبوته ولم يقدح فيه بطلان الشرط. فصل: فأما إذا تزوجها على صداق ألف على أنه إن جاءها بالألف في يوم كذا وإلا فلا نكاح بينهما فهذا نكاح باطل وصداق باطل وشرط باطل. وحكي عن طاوس وسفيان الثوري: أن الشرط باطل والنكاح جائز. وحكي عن ابن عباس والاوزاعي: أن النكاح جائز والشرط ثابت وهذا قول فاسد بما قدمناه في كتاب البيوع. مسألة: قال الشافعي: "ولو ضمن نفقتها أبو الزوج عشر سنين في كل سنة كذا لم يجز ضمان ما لم وأنه مرة أقل ومرة أكثر". قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا كان الزوج ملكًا بنفقة زوجته وضمنها عنه أبوه أو غير أبيه من جميع الناس فسواء. وهو على ضربين: أحدهما: أن يضمن نفقة ما مضى من الزمان فهذا ضمان مال قد وجب واستقر فيصح ضمانه إذا كان معلوم القدر ومن جنس يستقر ثبوته في الذمة. والثاني: أن يضمن نفقة المستقبل فهذا على ضربين:

стр. 4597

أحدهما: أن يكون مجهول المدة مثل أن يضمن لها نفقتها أبدًا فهذا ضمان باطل لأن ضمان المجهول باطل. والثاني: أن يكون معلوم المدة مثل أن يضمن لها نفقتها عشر سنين ففي الضمان قولان بناء على اختلاف قولي الشافعي في نفقة الزوجة بماذا وجبت. فأحد قوليه وهو في القديم وهو قول مالك: أنها وجبت بالعقد وحده وتستحق قبضها بالتمكين الحادث بعده كالصداق الواجب بالعقد والمستحق بالتمكين. والثاني: وهو قوله في الجديد: أنها تجب بالتمكين الحادث بعد العقد وبه قال أبو حنيفة بخلاف الصداق لأن الصداق في مقابلة العقد فصار واجبًا بالعقد والنفقة في مقابلة الاستمتاع فصارت واجبة الاستمتاع. فإذا تقرر هذان القولان في وجوب النفقة كان ضمانها مبنيًا عليهما. فإن قلنا: إنها لا تجب إلا بالتمكين يومًا بيوم فضمانها باطل لأنه ضمان ما لم يجب وقد يجب بالتمكين وقد لا يجب بعده. وإذا قلنا: إنها قد وجبت بالعقد جملة وتستحق قبضها بالتمكين يومًا بيوم صح ضمانها بشرطين: أحدهما: أن يكون ضمانه للقوت الذي هو الحب والحنطة أو الشعير بحسب قوت بلدهم دون الأدم والكسوة لأنهما لا يضبطانه بصفة ولا يتقدران بقيمة فإن قدرهما الحاكم بقيمة جعلهما دراهم معلومة لم يصح ضمانها أيضًا لأنه وإن قومها فهي مقومة لوقتها دون المستقبل وقد تزيد القيمة في المستقبل فيكون للزوجة المطالبة بفضل القيمة وقد ينقص فيكون للزوج أن ينقصها من القيمة. والثاني: أن يكون ضمانه لنفقة المعسر التي لا تسقط عن الزوج باختلاف أحواله وهي مدّ واحد من كل يوم فإن ضمن لها نفقة موسر وهي مدان أو نفقة متوسط وهي مد ونصف فالزيادة على نفقة المعسر قد تجب إن أيسر وقد لا تجب إن أعسر فصار ضمانها ضمان ما لم يجب فعلى هذا يكون الضمان فيما زاد عن المدّ في نفقة المعسر باطلًا وهل يبطل في المدّ الذي هو نفقة المعمر أم لا؟ على قولين من تفريق الصفة، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "وكذلك لو قال ضمنت لك ما داينت به فلانًا أو ما وجب لك عليه لأنه ضمن ما لم يكن وما يجهل". قال في الحاوي: وهذه مسألة من الضمان أوردها المزني هاهنا لأنه أصل يبني عليه ضمان النفقة.

стр. 4598

وضمان الأموال على ضربين: أحدهما: ضمان ما وجب. والثاني: ضمان ما لم يجب. فأما ضمان ما وجب فضربان: معلوم ومجهول. فإن كان معلومًا صح وإن كان مجهولًا بطل. وأما ضمان ما لم يجب كقوله: من عامل فلانًا وادينه فعلى ضمان دينه. فمذهب الشافعي: أنه ضمان باطل سواء عين المداين أو لم يعينه وسواء ذكر للدين قدرًا أو لم يذكره لأن الضمان لازم إن صح وما لم يجب فليس بلازم فلم يصح ضمانه. فإن قيل: أفليس ضمان الدرك صحيح وهو ضمان ما لم يجب؟ قيل: الدرك إذا استحق فوجوبه قبل الضمان وهو معلوم القدر فصار ضمانه ضمانًا واجبًا معلومًا. فهذا مذهب الشافعي في ضمان ما لم يجب وليس بواجب في الحال أنه باطل. وقال أبو إسحاق المروزي: يصح ضمان ما لم يجب بشرطين: أحدهما: أن يكون لإنسان معين فإن كان لغير معين لم يصح. والثاني: أن يكون في معلوم مقدر فإن كان في مقدر لم يصح اعتبارًا بضمان الدرك. وليس لهذا الجمع وجه والفرق بينهما: أن استحقاق الدرك يقتضي وجوبه قبل الضمان فصح وما تعامل به مستحق بعد الضمان فلم يصح، والله أعلم. باب عفو المهر وغير ذلك قال الشافعي ﵀ تعالي: قال الله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال: والذي بيده عقدة النكاح الزوج وذلك أنه إنما يعفو من ملك فجعل لها مما وجب لها من نصف المهر أن تعفو وجعل له أن يعفو بأن يتم لهم الصداق وبلغنا عن على بن أبي طالب ﵁ أن الذي بيده عقده النكاح الزوج وهو قول شريح وسعيد بن جبير وروى عن ابن المسيب وهو قول مجاهد. قال الشافعي ﵀ تعالي: فأما أبو البكر وأبو المحجور عليه فلا يجوز عقدهما كما لا تجوز لهما هبة أموالها". قال في الحاوي: وأصل هذا قوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذا خطاب للأزواج في طلاق النساء قبل الدخول وهو أولى الطلاقين لمن كان قبل للدخول كارهًا.

стр. 4599

ثم قال: ﴿وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] يعني: سميتم لهن صديقًا: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فيه تأويلان: أحدهما: فنصف ما فرضتم لكم تسترجعون منهن. والثاني: فنصف ما فرضتم لهن ليس عليكم غيره لهن. ثم قال: ﴿إلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذا خطاب للزوجات عدل به بعد ذكر الأزواج إليهن وندبهن فيه إلى العفو عن حقهن من نصف الصداق ليكون عفو الزوجة أدعى إلى خطبتها وترغيب الأزواج فيها. ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وفيه قولان للشافعي: أحدهما: وهو قوله في القديم: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي أبو البكر الصغيرة أو جدها لأنه لما ندب الكبيرة إلى للعفو ندب ولي الصغيرة إلى مثله ليتساويا في ترغيب الأزواج فيهما. وهو في الصحابة قول ابن عباس وفي التابعين قول الحسن ومجاهد وعكرمة وطاوس وفي الفقهاء قول ربيعة ومالك وأحمد بن حنبل. والثاني: وهو قول في الجديد: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج ندبه الله تعالى إلى العفو كما ندبها ليكون عفوه ترغيبًا للنساء فيه كما كان عفوها ترغيبًا للرجال فيها. وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب وجبير بن مطعم. ومن التابعين: شريح وسعيد بن جبير وسعيد بن المسبب والشعبي. ومن الفقهاء: قول سفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي حنيفة. ثم قال: ﴿وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وفي المقصود بهذا الخطاب قولان لأهل التأويل: أحدهما: أنه خطاب للزوج والزوجة وهو قول ابن عباس. فيكون العفو الأول خطابًا للزوجة والعفو الثاني خطابًا للزوج والعفو الثالث خطابًا لهما. والثاني: أنه خطاب للزوج وحده وهذا قول الشعبي فيكون العفو الأول خطابًا للكبيرة والعفو الثاني خطابًا الولي الصغيرة والعفو الثالث خطابًا للزوج وحده. وفي قوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] تأويلان: أحدهما: أقرب لاتقاء كل واحد منهما ظلم صاحبه. والثاني: أقرب إلى اتقاء أوامر الله تعالى في ندبه. ثم قال: ﴿ولا تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي تفضل كل واحد من الزوجين على صاحبه، بما ندب إليه من العفو ونبه على استعمال مثله في كل حق بين متخاصمين. فهذا تأويل الآية.

стр. 4600

فصل: فأما توجيه القولين في الذي بيده عقدة النكاح: فاستدل من نص قوله في للقديم أنه ولي الصغيرة وهو ذهب مالك من الآية بأربعة دلائل: أحدها: أنه افتتحها بخطاب الأزواج مواجهة ثم عدل بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] خطابًا المكنى عنه غير مواجه والخطاب إذا عدل به عن المواجهة إلى الكناية اقتضى ظاهرة أن يتوجه إلى غير المواجه والزوج مواجه فلم تعد إليه الكناية والزوجة قد تقدم حكمها ولفظ الكناية مذكر فلم يجز أن نعود إليها فلم يبق من يتوجه الخطاب إليه غير الولي. والدليل الثاني: من الآية قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وليس أحد بعد الطلاق بيده عقدة النكاح إلا الولي لأنه يملك أن يزوجها فاقتضى أن يتوجه الخطاب إليه ولا يتوجه إلى الزوج الذي ليس العقد إليه ليكون للخطاب محمولًا على الحقيقة من غير إضمار ولا يحمل على مجاز وإضمار. والدليل الثالث من الآية: أن الذي يختص به الولي من النكاح أن يملك عقده والذي يختص به الزوج أن يملك الاستمتاع بعده فكان حمل الذي بيده عقدة النكاح على الولي الذي يملك عقده أولى من حمله على الزوج الذي يملك الاستمتاع بعده. والدليل الرابع من الآية: أن الزوج غارم للباقي من نصف الصداق في حق الزوجة تقبضه الكبيرة وولي الصغيرة فكان توجه العفو إلى مستحق الغرم أولى من توجهه إلى ملتزم الغرم ولأن الله تعالى إنما ندب الزوجة إلى العفو لما تحظى به رغبة الأزواج فيها فاقتضى أن يكون ولي الصغيرة مندوبة إلى مثل ما ندبت إليه الكبيرة ليتساويا في عود الحظ إليهما بترغيب الأزواج فيهما. فصل: والدليل على صحة قوله في الجديد: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج دون الولي الآية ومنها خمسة أدلة: أحدهما: قوله تعالى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] والعقدة عبارة عن الأمر المنعقد ومنه حبل معقود وعهد معقود لما قد استقر عقده ونجز والنكاح بعد العقد يكون بيد الزوج دون الولي. والثاني: أنه أمر بالعفو قال الشافعي: وإنما يعفو من ملك والزوج هو المالك دون الولي فاقتضى أن يتوجه الخطاب بالعفو إليه لا إلى الولي. والثالث: أن حقيقة العفو هو الترك وذلك لا يصح إلا من الزوج لأنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق فإذا ترك أن يتملك لم يملك فأما الولي فعفوه إما أن يكون هبة إن كان عينًا أو إبراءًا إن كان في الذمة فصار حقيقة العفو أخمر بالزوج من حمله على المجاز في الولي.

стр. 4601

والرابع: أنه إذا توجه بالعفو إلى الزوج كان محمولًا على عمومه في كل زوج مطلق وإذا توجه إلى الولي كان محمولًا على بعض الأولياء في بعض الزوجات هو الأب والجد من بين سائر الأولياء مع الصغيرة البكر التي لم يدخل بها دون سائر الزوجات فكان حمل الخطاب على ما يوجب العموم أولى من حمله على ما يوجب الخصوص. والخامس: قوله: ﴿وأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذا الخطاب غير متوجه إلى الولي لأن قربه من التقوى أن يحفظ مال من يلي عليه لا أن يعفو عنه ويبرأ منه فدل على أنه الزوج دون الولي وهو راجع على ما تقدمه فاقتضى أن يكون المتقدم قبله الذي بيده عقده النكاح هو الزوج ويدل عليه من طريق السنة: ما رواه ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "ولي عقد النكاح الزوج". وهذا نص. ولأنه إجماع الصحابة روى شريح عن علي بن أبي طالب ﵁ أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج. وروى أبو سلمة عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني فهر فطلقها قبل الدخول بها وأرسل إليها صداقها كاملًا وقال: أنا أحق بالعفو منها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذا قول صحابيين فإن قيل: خالفهما ابن عباس. قيل: قد اختلفت عنه الرواية فتعارضتا وثبت خلافه فصار الإجماع بغيره منعقدًا. ومن طريق الاستدلال أن الزوجين متكافئان فيما أمرا به وندبا إليه فلما ندبت الزوجة إلى العفو ترغيبًا للرجال فيها اقتضى أن يكون الزوج مندوبًا إلى مثله ترغيبًا للنساء فيه ولأنه لو ملك الأب العفو لملكه غيره من الأولياء ولو ملكه في البكر لملكه في الثيب ولو ملكه قبل الدخول لملكه يعد الطلاق لملكه قبله ولو ملكه في المهر لملكه في الدين. وتحريره قياسًا: أن من لم يملك العفو عن مهرها إذا كانت ثيبًا لم يملكه إذا كانت بكرًا كالإخوة والأعمام طردًا وكالسيد في أمته عكسًا فإن قيل: فإنما اختص به الأب في البكر لاختصاصه بإجبارها على النكاح قيل: قد يملك إجبار المجنونة والبكر ولا يملك العفو عن صداقها ولأن من لم يملك العفو عن المهر بعد الدخول لم يملكه قبله كالصغيرة طردًا والكبيرة عكسًا. فإن قيل: إنما لم يملكه بعد للدخول لاستهلاك بعضها بالدخول. قيل: لا فرق في رد عفوه بين ما كان في مقابلة رد بدل كالثمن وبين ما كان بغير بدل كالميراث.

стр. 4602

ولأنه مال للمولى عليه فلم يكن لوليه العفو عنه كالثمن. فإن قيل: إنما عفا عن المهر لأنه أفادها إياه. فصل: فإذا تقرر توجيه القولين. فإن قلنا بالقديم: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي صح عفوه باجتماع خمسة شرائط: أحدها: أن يكون الولي أبا أو جدًا ممن يلي على بضعها ومالها فإن عفا غيرهما من العصبات لم يصح. والثاني: أن تكون المرأة بكرًا يصح إجبار الأب لها على النكاح فإن كانت ثيبًا لم يصح. والثالث: أن تكون صغيرة ثبتت الولاية على مالها فإن كانت كبيرة تملك النظر في مالها لم يصح. والرابع: أن يكون عفوه بعد الطلاق الذي تملك به نفسها فإن عفا قبله لم يصح. والخامس: أن يكون الطلاق قبل الدخول لأن لا يستهلك عليها بضعها فإن كان بعد الدخول لم يصح. فإذا اجتمعت هذه الشروط الخمسة صح حينئٍذ عفوه. وإذا قلنا: إن الزوج إن صح عفوه لجواز أمره بالبلد والعقل والحرية والرشد. فأما الصغير: فلا تبين زوجته منه بالطلاق ولأن طلاقه لا يقع وتبين منه بالردة أو بالرضاع فإن كان ذلك قبل الدخول عاد جميع صداقها إليه لوقوع الفرقة من جهتها قبل الدخول. وإن كان مجنونًا وقعت الفرقة بردتها لا غير فإن كان ذلك قبل الدخول فلا صداق لها. وإن كان عبدًا وقعت الفرقة بطلاقه فيكون في وقوعه كالحر وتقع الفرقة بردتها. وإن كان محجورًا عليه بسفه وقعت الفرقة بطلاقه وبردتها فلا يصح عفو واحد من هؤلاء. ويصح عفو سيد العبد فأما عفو ولي الصغير والمجنون والسفيه فلا يصح قولًا واحدًا وإن كان عفو ولي الزوجة على قولين: والفرق بينهما من وجهين: أحدها: أن ولي الزوجة هو الذي أكسبها الصداق يعقده فصح منه إسقاطه بعقده وولي الزوج ما أكسبه ما عاد من الصداق إليه فلم يصح عفوه عنه. والثاني: أن ما عاد من الزوج قد كان ماله فلم يجز أن يعفو عنه بعد عوده وصداق الزوجة ملك مستفاد فصح عفوه بعد استحقاقه والله أعلم.

стр. 4603

مسألة: قال الشافعي: "وأي الزوجين عفا عما في يدبه قلة الرجوع قبل الدفع أو الرد والتمام أفضل". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا طلق الرجل الرشيد زوجته الرشيدة قبل الدخول تنصف الصداق بينهما فكان لها نصفه بالعقد وصار للزوج نصفه وفيما يصير به مالكًا لنصفه قولان مضيا: أحدهما: أنه يصير مالكًا لنصفه بنفس الطلاق. والثاني: أنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق. فإن لم يعف واحد منهما عن حقه تقاسماه عينًا كان أو في الذمة وإن عفا واحد منهما فلا يخلو حال الصداق من أن يكون عينًا أو في الذمة. فإن كان الصداق في الذمة فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون في ذمة الزوج وذلك من أحد وجهين: - إما أن يكون قد أصدقها مالًا في الذمة. - أو أصدقها عينًا تلفت في يده فصار غرمها في الذمة. فلا يخلو العاني من أن يكون هو الزوج أو الزوجة. - فإن كان العافي هي الزوجة فعفوها يكون إيراءًا محضًا ويصح بأحد ستة ألفاظ: إما أن تقول: قد عفوت، أو قد أبرأت، أو قد تركت، أو قد سقطت، أو قد ملكت أو قد وهبت. فبأي هذه الألفاظ الستة أبرأته صح ولم تفتقر إلى قبوله على مذهب الشافعي وأكثر أصحابنا. وقال بعض أصحابه منهم أبو العباس بن رجاء البصري: الإبراء لا يتم إلا بالقبول كالهبة وهذا قول أبي حنيفة. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه إسقاط ملك فأشبه العنق. والثاني: أنه عفو فأشبه العفو عن القصاص والشفعة. وإن كان العافي هو الزوج: فعفوه هبة محضة لا يصح من الألفاظ الستة إلا بإحدى لفظين: إما الهبة وإما التمليك ولا يتم إلا بثلاثة أشياء: ببذل الزوج وقبول الزوجة وقبض من الزوج أو وكيله فيه إلى الزوجة أو وكيلها فيه. فإن لم تقبض فله الرجوع وهو معنى قول الشافعي: فله الرجوع قبل الدفع.

стр. 4604

فصل: والضرب الثاني: أن يكون الصداق في ذمة الزوجة وذلك بأن تستهلكه بعد قبضه فيصير نصفه المستحق: بالطلاق في أحد الوجهين أو باختيار تملكه بعد الطلاق في الوجه الثاني ملكًا للزوج فلا يخلو أن يكون العاني منهما هو الزوج أو الزوجة: فإن كان العافي هو الزوج ترتب عفوه على اختلاف القولين فيما ملك بالطلاق. فإن قيل: إنه ملك بالطلاق نصف الصداق كان عفوه إبراء محضًا يصح بأحد الألفاظ الستة: إما بالعفو أو بالإبراء أو بالترك أو الإسقاط أو التمليك أو الهبة وفي اعتبار قبولها وجهان على ما مضى. وإن قيل: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق كان عفوه إبطالًا لتملك الصداق فيصح بالألفاظ الستة التي يصح بها الإبراء أو يصح بزيادة لفظتين وهما: الإحلال والإباحة فيصير عفوه بأحد ثمانية ألفاظ ولا يفتقر إلى القبول وجها واحدًا لا يختلف أصحابنا فيه كما لا يفتقر العفو عن الشفعة والقصاص إلى قبول. وإن كان العافي منهما هي الزوجة فعفوها هبة محضة تصح بإحدى لفظتين: إما الهبة أو التمليك ولا تنم إلا بثلاثة أشياء: بالبذل والقبول والقبض فإن عفا الزوجان جميعًا نظر. - فإن كان في ذمة الزوج غلب عفو الزوجة على عفو الزوج لأن عفو الزوجة إبراء وعفو الزوج هبة. - وإن كان في ذمة الزوجة غلب عفو الزوج على عفو الزوجة لأن عضو الزوج إبراء وعفو الزوجة هبة. فصل: وإن كان الصداق عينًا قائمة فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون في يد الزوج فلا يخلو العاني من أن يكون هو الزوج أو الزوجة. - فإن كان العافي هي الزوجة فعفوها هبة محضة لنصف عين مشتركة في يد الموهوب له فلا تصح إلا بإحدى لفظتين: الهبة أو التمليك ولا تتم إلا بثلاثة أشياء ورابع مختلف فيه: وهو البذل والقبول والقبض وأن يمضي عليهما بعده زمان القبض وهل يفتقر إلى إذن الزوجة له بالقبض أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا يفتقر إلى إذن بالقبض لأنه في قبضه. والثاني: لا بد من إذن بالقبض لأنه كان في يده مالكًا لها فلم يزل حكم يده إلا بإذنها. - وإن كان العافي هو الزوج: ترتب عفوه على اختلاف قوليه فيما ملكه بطلاقه فإن قلنا: إنه ملك به نصف الصداق كان عفوه هبة محضة لمشاع في يده فيصح بإحدى لفظتين

стр. 4605

إما بالهبة أو بالتمليك ولا يتم إلا بثلاثة أشياء: بالبذل والقبول والقبض. وإن قلنا: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق وكان عفوه إسقاطًا لحقه فيه فيصبح بإحدى ثمانية ألفاظ مضت ولا يفتقر إلى القبول وجهًا واحدًا. فصل: والضرب الثاني: أن يكون الصداق في يد الزوجة فلا يخلو حال العافي من أن يكون هو الزوج أو الزوجة. فإن كان العافي هي الزوجة: فعفوها هبة محضة لمشاع في يدها فلا يتم إلا بالبذل والقبول والقبض ولها قبل القبض الرجوع. وإن كان العافي هو الزوج ترتب عفوه على اختلاف توليه فيما ملكه بطلاقه على ما ذكرنا. فإن قلنا: إنه ملك نصف الصداق كان عفوه هبة محضة لمشاع في يد الموهوبة له فلا تتم إلا بالبذل والقبول وأن يمضي زمان القبض وهل يفتقر إلى إذن بالقبض أم لا؟ على ما ذكرنا من القولين وله الرجوع قبل أن يمضي زمان القبض وهل يرجع بعده وقبل الإذن؟ على القولين. وإن قلنا: إنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق كان عفوه إسقاطًا يصح بأحد الألفاظ الثمانية ولا يفتقر إلى القبول وجهًا واحدًا. - فإن عفا الزوجان معًا لم يصح عفو الزوجة بحال لأن عفوها هبة لا تتم إلا بالقبول ولا يصح عفو الزوج إن جعلناه واهبًا لافتقاره إلى القبول ويصح عفوه إن جعلناه مسقطًا لأن عفوه لا يفتقر إلى قبول. مسألة: قال الشافعي: "قال ولو وهبت له صداقها ثم طلقها قبل أن يمسها ففيها قولان أحدهما يرجع عليها بنصفه والآخر لا يرجع عليها بشيء ملكه. قال المزني ﵀: وقال في كتاب القديم لا يرجع إذا قبضته فوهبته له أو لم تقبضه؛ لأن هبتها له إبراء ليس كاستهلاكها إياه لو وهبته لغيره فبأي شيء يرجع عليها فيما صار إليه؟ " قال في الحاوي: اعلم أن المرأة إذا وهبت لزوجها صداقها ثم طلقها قبل الدخول طلاقًا يملك به نصف الصداق لم يخل الصداق الموهوب من أحد أمرين إما أن يكون عينًا أودينًا. فإن كان عينًا: فسواء وهبته قبل قبضه أو بعد قبضه هل له الرجوع عليها بنصف

стр. 4606

بدله؟ فيه قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم وأحد قوليه ني الجديد واختاره المزني أنه لا يرجع عليها بشيء. والثاني: وهو قوله في الجديد أنه يرجع عليها بنصفه وقال أبو حنيفة: إن وهبته قبل قبضه لم يرجع عليها وإن وهبته بعده رجع وكلا الأمرين في الأعيان سواء لأن التصرف فيهما قبض. - فإذا قلنا بالقول الأول أنه لا ير. عليها بشيء فوجهه شيئان: أحدهما: أنه قد تعجل الصداق قبل استحقاقه فلم يكن له الرجوع بعد استحقاقه كما لو تعجل دينًا مؤجلًا. والثاني: أن هبتها للصداق يجعلها كالمنكوحة بغير صداق فلم يستحق عليها رجوعًا بالطلاق. - إذا قلنا بالقول الثاني: إنه يرجع عليها بنصفه فوجهه شيئان: أحدهما: أنه عاد الصداق إليه بغير السبب الذي استحق الرجوع به فلم يمنعه ذلك من الرجوع بنصفه كما لو ابتاعه. والثاني: أنها لو وهبت له غير الصداق لم يمنعه ذلك من الرجوع بنصفه كذلك إذا وهبت له الصداق لأن جمع ذلك مال لها. فصل: فإذا تقرر توجيه القولين فإن قيل: له الرجوع فسواء كافأها على الهبة أم لا فلا يرجع عليها بنصف قيمة الصداق إن لم يكن له مثل وبنصف مثله إن كان له مثل. وإن قيل: لا رجوع وكان قد كافأها على هبته ففي رجوعه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في وجوب المكافأة: أحدهما: لا يرجع إذا قيل. إن المكافأة لا تجب. والثاني: يرجع إذا قيل: إن المكافأة تجب. فصل: وإن كان الصداق دينًا فعلى ضربين: أحدهما: أن تهبه للزوج بعد قبضه منه فيكون في حكم الصداق إذا كان عينًا فوهبتها له في أن رجوعه يكون على قولين. والثاني: أن تبرئه منه قبل قبضه فإذا قيل: لا يرجع في الهبة فأولى أن لا يرجع مع الإبراء وإذا قيل: يرجع مع الهبة ففي رجوعه مع الإبراء قولان. ومن أصحابنا من خرج في رجوعه عليها مع الهبة والإبراء ثلاثة أقاويل:

стр. 4607

أحدهما: يرجع عليها سواء وهبت أو أبرأت. والثاني: لا يرجع عليها سواء وهبت أو أبرأت. والثالث: يرجع عليها إن وهبت ولا يرجع عليها إن أبرأت. والفرق بين الهبة والإبراء: أن الهبة تصرف الإثراء إسقاط وهذه للطريقة أولى. فعلى هذا لو كان بعض صداقها عينًا وبعضه دينًا فوهبت له العين وأبرأته من الدين أجرى على العين حكم الهبة في جواز الرجوع وعلى الدين حكم الإبراء في عدم الرجوع. وعلى هذا: لو وهبت له الصداق إن كان عينًا أو أبرأته منه إن كان دينًا ثم ارتدت قبل الدخول فملك الرجوع عليها بجمع صداقها. كان في رجوعه عليها بجميعه ثلاثة أقاويل كما يرجع عليها في الطلاق بنصفه: أحدها: لا يرجع بشيء في الهبة والإبراء. والثاني: يرجع عليها بجميعه في الهبة والإبراء. والثالث: يرجع عليها بجميعه في الهبة ولا يرجع بشيء في الإبراء. فصل: ويتفرع على ما ذكرنا: أن يبتاع الرجلان سلعة ويهب البائع للمشتري ثمنها ثم تستحق السلعة من مشتريها ففي رجوعه على البائع بثمنها وجهان مخرجان من القولين في رجوع الزوج. وهكذا لو وجد المشتري بالسلعة عيبًا ففي رجوعه بأرشه وجهان: أحدهما: لا رد ولا أرش. والثاني: له الرد والرجوع بالثمن فإن تعذر الرد رجع بالأرش. ولكن لو أن مشتري السلعة وهبها لبائعها ثم فلس هذا المشتري فللبائع أن يضرب بالثمن مع غرماء المشتري قولًا واحدًا بخلاف ما تقدم لأنه استحق غير ما وهب له. ويتفرع على ما ذكرنا: أن يكاتب السيد عبده على مال ثم يبرئه فقد عتقه بالإبراء كما يعتق بالأداء فهل يلزم السيد أن يؤتيه بعد الإبراء ما كان يلزمه أن يرده عليه بعد الأداء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأنه ما استأدى منه شيئًا. والثاني: يلزمه لأن الإبراء يقوم مقام الأداء، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي: "وكذلك إن أعطاها نصفه ثم وهبت له النصف الآخر ثم طلقها لم

стр. 4608

يرجع بشيء ولا أعلم قولا غير هذا إلا أن يقول قائل هبتها له كهبتها لغيره والأول عندنا أحسن والله أعلم ولكل وجه قال المزني: والأحسن أولى به من الذي ليس بأحسن. والقياس عندي على قوله ما قال في كتاب الإملاء إذا وهبت له النصف أن يرجع عليها بنصف ما بقي". قال في الحاوي: وصورتها: أن تهب له نصف صداقها ثم يطلقها قبل للدخول ففي رجوعه عليها أربعة أقاويل: أحدهما: لا يرجع عليها بشيء ويكون ما وهبته من نصفه هو المستحق بطلاقه. والثاني: أنه يرجع عليها بجميع النصف الباقي ويكون النصف المملوك بالهبة كالمملوك بالابتياع. والثالث: أن يرجع عليها ينصف الموجود وهو الربع وبنصف قيمة الموهوب وهو الربع. الرابع: أنه يرجع عليها بنصف الباقي وهو الربع ولا شيء له سواه وكأن الموهوب لم يكن صداقًا بعوده إليه. مسألة: قال الشافعي: "وإن خالفته بشيء مما عليه من المهر فما بقي فعليه نصفه. قال المزني: هذا أشبه بقوله لأن النصف مشاع فيما قبضت وبقي". قال في الحاوي: وهذه المسألة من الخلع أوردها المزني في هذا الموضع من الصداق لأمرين: أحدهما: أنه خلع على الصداق فأوردها فيه. والثاني: ليفرق بها بين ما عاد من الصداق إلى الزوج بالهبة وبين ما عاد إليه بالخلع. والخلع: عقد تملك به الزوجة نفسها ويملك به الزوج مال خلعها كالنكاح الذي يملك به الزوج يضعها وتملك الزوجة به صداقها إلا أن الزوجة في الخلع تقوم مقام الزوج في النكاح لأنها تملك بالخلع بضع نفسها كما ملك الزوج بالنكاح يضعها والزوج في الخلع يقوم مقام الزوجة في النكاح لأنه يملك بالخلع البدل كما ملكت الزوجة بالنكاح المهر. فإذا خالع الرجل زوجته على صداقها فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون بعد الدخول فالخلع جائز سواء خالعها بجميع الصداق أو

стр. 4609

ببعضه لأنه استقر لها جميعه بالدخول فخالعته على ما قد استقر ملكها عليها. والثاني: أن يخالعها فإن الزوج يملك من الصداق بطلاقه في غير الخلع نصفه ويبقى عليه نصفه لأن الفرقة إذا وقعت قبل الدخول من جهة الزوج سقط عنه نصف الصداق ولو وقعت من جهة الزوجة سقط عنه جميع الصداق. والفرقة في الخلع وإن تمت بهما فالمغلب فيها الزوج دونها لأنه قد يجوز أن يخالعها مع غيرها ولا يجوز أن تخالعه مع غيره وإن كان كذلك فهذا على ضربين: أحدهما: أن يخالعها على جميع الصداق وهذا يأتي في كتاب الخلع. والثاني: أن يخالعها على بعضه وهو المسطور هاهنا فإن أصدقها ألفًا وخالعها قبل الدخول على نصفها وهو خمسمائة. قال الشافعي: فما بقي فعليه نصفه وهو مئتان وخمسون ونصفها يملكه بطلاقه والنصف الباقي من الصداق وهو خمسمائة يملك نصفه بطلاقه وهو مئتان وخمسون ويبقى عليه نصفه وهو مئتان وخمسون يسوقه إليها. وقد كان الظاهر يقتضي أن يملك جميع النصف بالخلع ويملك النصف الآخر بالطلاق قبل الدخول فلا يبقى عليه من الصداق شيء. فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي علي بن خيران أن المسألة مصورة أنه خالعها على نصف الألف وهو خمسمائة وهما يعلمان أن يسقط بالطلاق نصفها ويبقى الخلع نصفها فصار كأنه خالعها من الخمسمائة على ما يملكه ممنها بعد الطلاق وهو مئتان وخمسون مملك تلك الخمسمائة بخلعه أو طلاقه ويبقى لها عليه خمسماءة ملك الزوج نصفها بطلاقه وذلك مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: ما بقي فعليه نصفه فصار ثلاثة أرباع الصداق وهو سبعماءة وخمسون ساقطًا عن الزوج النصف بالطلاق والربع بالخلع وبقي عليه: الربع للزوجة وهو مئتان وخمسون فقيل لابن خيران: فعلى هذا ما تقول فيمن باع عبده وعبد غيره بألف وهما يعلمان أن أحد العبدين مغصوب؟ قال: يصح البيع في العبد المملوك بجميع الألف ويكون ذكر المغصوب في العقد لغوًا كما قال في الخلع. والثاني: أن المسألة مصورة على أنها خالعته على ما يسلم لها بعد الطلاق من خمسمائة وصرحت به لفظًا في العقد ولو لم تصرح به لم يكن عليهما به مقنع فيسقط عنه جميع الخمسمائة بالخلع والطلاق ويسقط عنه نصف الخمسمائة الأخرى بالطلاق ويبقى عليه نصفها وهو مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: ما بقي فعليه نصفه فيكون الجواب موافقًا لجواب ابن خيران إذا صرحا بما علماه ومخالفًا له إن لم يصرحا به وإن علماه. والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي حامد المروروزي:

стр. 4610

أن المسألة مصورة على إطلاقها لذلك في خالعها هي نصف الألف وقد كانت وقعت العقد مالكة لجميع فصح الخلع في نصفها ثم سقط نصف الخمسمائة التي خالعها بها بالطلاق فصار كم خالعها على مال تلف نصفه بعد العقد وقبل القبض فيأخذ النصف الباقي. وفيما يرجع به بدل النصف التالف قولان: أحدهما: وهو قول القديم يرجع بمثل التالف إذا كان ذا مثل أو بقيمته إن لم يكن له مثل. وعلى قوله في الجديد: يرجع عليها بنصف مهر المثل فعلى هذا يكون الخلع قد صح على نصف الخمسمائة وهو مائتان وخمسون وبطل في نصفها وهو مائتان وخمسون واستحق بدله على قوله في القديم مثله وهو مائتان وخمسون, وعلى قوله في الجديد نصف مهر المثل. ثم بقي عليه الصداق وهو خمسمائة وقد سقط عنه نصفه بالطلاق وهو مائتان وخمسون وبقي عليه نصفه مئتان وخمسون وهو معنى قول الشافعي: وما بقي فعليه نصفه فيصير الباقي عليه مئتان وخمسون وفي الباقي قولان: أحدهما: وهو القديم مئتان وخمسون. والثاني: وهو الجديد: نصف مهر المثل. فيكون الشافعي قد ذكر الباقي عليه ولم يذكر الباقي له. وهل يكون الباقي عليه قصاصًا من الباقي له أم لا؟ على اختلاف أقاويله فيمن له حال وعليه مثله فإن جعل ذلك قصاصًا: برئا وإن لم يجعله قصاصًا تقابضا. فإن قيل: هلا قلتم إذا خالعها على نصف الألف أنه يصح الخلع في جميع الصنف لأنه يسلم لها بعد الطلاق النصف كما لو خالعته على نصف ألف بينهما وبين شريك لها أنه يصح في جميع الألف. قيل: الفرق بينهما: أنها في الصداق قد خالعت على نصفه وهي مالكة بجميعه فإذا سقط بعد الخلع نصفه بالطلاق ولم يتعين حقها من النصف الذي خالعت به دون الباقي فلذلك صار مشتركًا فيها وليس كذلك حالها في الألف المشتركة لأنها لم تملك منها وقت الخلع إلا النصف فانصرف العقد إلى النصف الذي لها ولم يتوجه إلى النصف الذي يشاركها فافترقا. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فقد ذكر أصحابنا في صحة الخلع على النصف الصداق وسقوط باقيه بالطلاق ثلاثة طرق يصح بكل واحد منها: أحدها: أن يخالعها بمثل نصفه في ذمتها فإذا كان صداقها ألفًا في ذمته خالعها على

стр. 4611

خمسمائة في ذمتها فإذا طلقها في خلعه بريء من نصف صداقها بطلاقه وبقي عليه نصفه وهو خمسمائة ووجب له عليها ما خالعها به وهو خمسمائة فصار له مثل ما بقي لها فيتقضان أو يتقابضان أو يتباريان. والثانية: أن يخالعها على ما يسلم لها من صداقها والذي يسلم لها بالطلاق قبل الدخول نصف الصداق ويكون هو المعقود عليه الخلع فيبرأ من جميع نصفه بما يملكه من الطلاق ونصفه بما ملكه من الخلع. الثالثة: ذكرها أبو العباس بن سريج: أنا يخالعها على أن لا تبعة لها عليه في مهرها فيبرأ من جميعه بما ملكه بطلاقه وبخلعه ويضير كأنه قد خالعها على ما يسلم لها من صداقها, والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأمَّا في الصَّدَاقِ غَيرَ المُسَمَّى أوِ الفَاسِدِ فَالبَراءَةِ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ لأنَهَا أَبرَأتهُ مِمَّا لا تَعلَمُ. قَالَ: وَلَو قَبَضَتِ الفَاسِدَ ثُمَ رَدَّتهُ عَلَيهِ كَانَت كَالبرَاءَةُ بَاطِلَةٌ ولَهَا مَهرُ مِثلَهَا إلا أن يَكُونَ بَعدَ مَعرِفَةِ المَرأَةِ أو يُعطِيهَا مَا تَستَيقِنُ أنَهُ أقَلُّ وَتحَلِّلَهُ مِمَّا بَينَ كَذَا إلى كَذَا أو يُعطِيهَا أكثَرَ وَيُحَلِّلُهَا مِمَّا بَينَ كَذَا إلى كَذَا". قال في الحاوي: اهلم أن إبراء المرأة لزوجها من الصداق معتبر بشرطي الإبراء. أحدهما: أن يكون بعد وجوب الحق فإن كان قبل وجوبه لم يصح كمن عفي عن الشفعة قبل الشراء لم يصح العفو. والثاني: أن يكون من معلوم القدر فإن كان الإبراء من مجهول لم يصح وكذلك الضمان لا يصح إلا بهذين الشرطين: أن يكون بعد وجوب الحق وأن يكون معلوم القدر. وأسقط أبو حنيفة اعتبار هذين الشرطين في الضمان وجوز الإبراء من المجهول. وللكلام عليه موضع غير هذا وإذا كان كذلك فالنكاح ضربان: أحدهما: أن يكون بعد أن فرض لها فيه مهر فالإبراء صحيح لأنها أبرأته من واجب معلوم. والثاني: أن يكون قبل أن فرض لها فيه مهر فهذا على ضربين:

стр. 4612

أحدهما: أن تبرئة قبل الدخول بها فالإبراء باطل لأنها أبرأته مما لم يجب لأن مهر المفوضة لا يجب بالعقد وإنما يجب بالفرض أو الدخول. والثاني: أن يكون بعد الدخول بها فقد وجب لها مهر المثل فإن علمت قدره صح الإبراء ولم تفتقر إلى القبول على مذهب الشافعي وجمهور أصحابه. وقال بعضهم: لا يتم إلا بقبول الزوج وهو مذهب أبي حنيفة وإن لم تعلم قدره فالإبراء باطل لأن البراءة من المجهول باطلة. فصل: وأما نكاح غير التفويض: وهو أن يسمى فيه مهر فهو على ضربين صحيح وفاسد. - فأما الصحيح: فالإبراء منه صحيح لأنه إبراء من واجب معلوم. - وأما الفاسد: فالإبراء منه فاسد لأنه الفاسد لا يجب فصار إبراء من غير واجب والواجب لها في الفاسد مهر المثل فلو سلم الصداق الفاسد إليها فردته عليه هبة له لم تصح الهبة لأنه مال ردته عليه وهي على حقها من مهر المثل فلو أبرأته من مهر المثل روعي علمها بقدره فإن جهلت قدره فالإبراء باطل سواء علم الزوج قدره أو لم يعلم وإن علمت قدره صح الإبراء سواء علم الزوج قدره أو لم يعلم لأن قبوله غير معتبر فكان علمه بقدره غير معتبر. وعلى قول من زعم من أصحابنا أن قبول الزوج معتبر فعلمه بقدره معتبر. فصل: فلو علما أن مهر مثلها لا ينقص عن عشرة دنانير وجهلت الزيادة عليها فأبرأته من جميعه لم يبرأ من الزيادة على العشرة لأنها مجهولة وفي براءته من العشرة المعلومة وجهان: أحدهما: أنه يبرأ منها لكونها معلومة القدر. والثاني: لا يبرأ منها لأنها بعض جملة مجهولة فجرى على جميعها حكم الجهالة كما لو ضمن ما يعلم بعضه ويجهل جميعه كان ضمان الجميع باطلًا. فإن كان مهر مثلها مجهول القدر معلوم الطرفين مثل أن تعلم أنه لا ينقص عن عشرة دنانير ولا يزيد عن عشرين دينارًا فللبراءة منه حالان: حال بالإبراء, وحال بالأداء. فأما الإبراء: فالطريق إلى صحته أن تقول: قد أبرأتك من دينار إلى عشرين دينارًا فيبرأ لأن العلم بالطرفين يجعل الوسط ماحقًا بهما فلو أبرأته من الزيادة على العشرة إلى العشرين صح وصار ما تستحقه عليه من المهر عشرة دنانير. فلو قالت: قد أبرأتك من عشرة إلى عشرين برئ من الجميع لأن الحدين يدخلان من المحدود إذا جانساه فالحد الأول: هو المبتدأ منه والحد الثاني: هو المنتهى إليه. وقال أبو حنيفة: يدخل فيه الحد الأول المبتدأ منه ولا يدخل فيه الحد الثاني

стр. 4613

المنتهى إليه فيبرأ من تسعة عشر دينارًا. وقال زفر بن الهذيل: لا يدخل فيه واحد من الحدين لا المبتدأ منه ولا المنتهى إليه فيبرأ من تسعة دنانير. والدليل على دخول الحدين فيه وهو قول أبي يوسف: أن "من" حرف لابتداء غاية الشيء و "إلى" حرف الانتهاء غاية الشيء وابتداء الشيء وانتهاؤه طرفاه وطرفا الشيء من جملته فلذلك وجب دخول الحد في المحدود. وأما الإبراء بالأداء فضربان: أحدهما: أن يدفع إليها عشرين دينارًا فقد دخل فيها جميع مهرها فبرئ منه عشرة منها متحققة والعشرة الأخرى مشكوكة فتحتاج أن يبرئها من دينار إلى عشرة فيبرئان جميعًا. والثاني: أن يدفع إليها عشرة فيحتاج أن تكون هي المبرئة له من دينا إلى عشرة فيبرأ حيتئذٍ من جميع مهرها بالأداء والإبراء, وإذا كان مهرها معلومًا في الذمة فقالت: قد أبرأتك منه إن شئت فقال: قد شئت لم يصح الإبراء. ولو كانت عينًا قائمة فقالت: قد وهبته لك إن شئت فقال: قد قبلت وشئت, صحت الهبة. والفرق بينهما: أن الإبراء إسقاط لا يراعى فيه المشتبه كما لا يراعى فيه القبول والهبة تمليك يراعى فيه المشيئة كما يراعى فيه القبول فافترقا. فصل: وإذا اعتقدت قبض مهرها منه فقالت: قد أبرأتك من مهري ثم بان أن مهرها كان باقيًا عليه ففي برأته من وجهان: أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري يبرأ منه لأنهل صادفت حقًا معلومًا. والثاني: وهو قول الأكثرين: أن لا يبرأ لأنها لم تقصد تصحيح الإبراء بل أوردته لغوًا. وأصل هذين الوجهين: من باع عبد أبيه ثم بان لأنه كلن وارثًا له وقت بيعه ففي صحة بيعه وجهان. باب الحكم في الدخول وإغلاق الباب وإرخاء الستر قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "وَلَيسَ لَهُ الدُّخُولُ بِهَا حَتَّى تُعطِيهَا المَالَ فَإن كَانَ كُلُّهُ دَينًا فَلَهُ الدُّخُولُ بِهَا".

стр. 4614

قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا امتنعت المرأة من تسليم نفسها لقبض صداقها لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون جميعه حالاً. والثاني: أن يكون جميعه مؤجلاً. والثالث: أن يكون بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً. فأما الأول: وهو أن يكون جميعه حالاً إما بإطلاق العقد أو بالشرط فيكون حالاً بالعقد والشرط تأكيد فلها أن تمتنع من تسليم نفسها على القبض صداقها كما كان لبائع السلعة أن يمتنع من تسليمها على قبض ثمنها فإن تطوعت بتسليم نفسها قبل قبض الصداق ثم أرادت بعد التسليم أن تمتنع عليه لقبض الصداق فهذا على ضربين: الأول: أن لا يكون قد وطئها فلها أن تمتنع عليه وإن سلمت نفسها إليه إذا لم يكن قد وطئها لأن القبض في النكاح يكون بالوطء الذي يستقر به كمال المهر دون التسليم وهذا متفق عليه. والثاني: أن يكون قد وطئها بعد التسليم فليس لها عندنا أن تمتنع عليه. وقال أبو حنيفة: لها الامتناع بعد الوطء كما كان لها الامتناع قبله احتجاجًا بأن الصداق في مقابلة كل وطء في النكاح لأمرين: أحدهما: أنه لو كان في مقابلة الأول لوجب للثاني مهر آخر. والثاني: أنه لو كان في مقابلة الأول لجاز لها أن تمنعه نفسها بعد الول لاستيفاء حقه به. وإذا ثبت بهذين أنه في مقابلة كل وطء لم يكن لتسليمها لبعض الحق مسقطًا لحقها في منع ما بقي كمن باع عشرة أثواب فسلم أحدها قبل قبض الثمن كان له حبس باقيها كذلك هاهنا. قال: ولأنها لم تستوف مهرها مع استحقاق المطالبة فجاز لها أن تمتنع من تسليم نفسها قياسًا على ما قبل الوطء. ودليلنا هو أنه تسليم رضا استقر به العوض فوجب أن يسقط به حق الإمساك قياسًا على تسليم المبيع ولأن أحكام العقد بالوطء اختصت بالوطء الأول وكان ما بعده تبعًا وقد رفع الوطء الأول حكم الإمساك في حقه فوجب أن يرفعه في حق تبعه كالإحلال. فأما استدلالهم بأن المهر في مقابلة كل وطء: فتقول: قد استبيح به كل وطء لكنه قد استقر بالوطء الأول فقام فيه مقام كل وطء ألا تراها لو ارتدت بعد الوطء الأول لم يؤثر في سقوط المهر وإن لم يستوف كل وطء في النكاح ولو عادت إلى الإسلام حل له وطؤها بالمهر المتقدم. وأما قياسهم على ما قبل الوطء الأول: فالمعنى في الأصل أنها لم تسلم ما استقر

стр. 4615

به المهر فجرى البيع قبل التسليم وليس كذلك بعد الوطء لأنها قد سلمت ما استقر به المهر فجرى مجرى المبيع بعد التسليم. فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يكون صداقها مؤجلاً فيجوز إذا كان الأجل معلومًا لأن كل عقد صح بعين وبدين صح أن] كون معجلاً أو مؤجلاً كالبيع وإذا كان الصداق مؤجلاً فعليها تسليم نفسها وليس لها الامتناع القبض الصداق بعد حلول الأجل لأنها قد رضيت بتأخير حقها وتعجيل حقه فصار كالبيع بالثمن المؤجل يجب على البائع تسليم المبيع قبل قبض الثمن فعلى هذا لو تأخر تسليمها لنفسها حتى حل الأجل فأرادت الامتناع من تسليم نفسها حتى تقبض الصداق لم يكن لها وإن حلّ لأنها لم تستحق الامتناع عليه بالعقد. فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون بعض صداقها خالاً وبعضه مؤجلاً فيصح إذا كان قدر الحال منه معلومًا وأجل المؤجل معلومًا ولها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض الحال وليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها لقبض المؤجل فيكون حكم الحال منه كلمة لو كان جميعه حالاَ وحكم المؤجل منه كحكمه لو كان جميعه مؤجلاً فلو تراخى التسليم حتى حلّ المؤجل كان لها منع نفسها على قبض المعجل دون ما حلّ من المؤجل. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَتُؤَخَّرُ يَومًا وَنَحوَهُ لِتُصلِحَ أمرَهَا وَلَا يُجَاوزُ بِهَا ثَلاثًا إلَّا أَن تَكُونَ صَغِيرَةٌ لا تحَتَمِلُ الجِمَاعَ فَيَمنَعَهُ أهلَهَا حَتَّى تَحتَمِلَ". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا دفع الزوج صداق زوجته وسألها تسليم نفسها لم يخل حالها من أحد أمرين: إما أن تكون صغيرة أو كبيرة. فإن كانت كبيرة لزمها تسليم نفسها كما يلزم البائع تسليم المبيع بعد قبض ثمنه والمؤجر ما أجر بعد قبض أجرته. فإن استنظرته لبناء دار أو استكمال جهاز لم يلزمه إنظارها وإن استنظرته لمراعاة نفسها وتعاهد جسدها لزمه انتظارها يومًا ويومين وأكثر ثلاثة أيام, لأن المرأة لا تستفتى مع بعد عهدها بالزوج عن التأهب له بمراعاة جسدها وتفقد بدنها, لو أنها ربما كانت على صفة تنفر نفس الزوج منها.

стр. 4616

وقد روى الشعبي عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ نهى إذا أطال الرجل الغيبة أن يطرق أهله ليلاً. فلما نهى الزوج الذي قد ألفها وألفته على أن يطرقها ليلاً ولم تتأهب له, لأن لا يصادفها على حال تنفر منها نفسه فالزوج الذي لم يألفها ولم تألفه ولم يعرفها ولم تعرفه أولى بالنهي. وأكثر مدة إنظارها ثلاثة أيام؛ لن لها في الشرع أصلاً وأنها أكثر القليل وأقل الكثير وهذا منصوص الشافعي هاهنا وفي كتاب "الأم" وقال في "الإملاء": "لا تمهل" وليس هذا مخالفًا لما قاله هاهنا, وفي الأم, وإما أراد أنها لا تمهل أكثر من ثلاثة أيام ردًا على مالك في جواز إمهالها السنة. فصل: وإن كانت صغيرة فعلى ضربين: أحدهما: أن يمكن الاستمتاع بمثلها لأنها ابنة تسع أو عشر قد قاربت البلوغ وأمكن استمتاع الزوج بها فهي كالكبيرة لها أن يطالبه وليها بمهرها وعليها تسليم نفسها. والثاني: أن لا يمكن الاستمتاع بمثلها لأنها ابنة ست أو سبع بحسب حالها فرب صغيرة السن يمكن الاستمتاع بها ورب كبيرة السن لا يمكن الاستمتاع بها فلذلك لم يجده سن مقدرة وإذا كان الاستمتاع بها غير ممكن لم يلزم تسليمها إليه ولم يلزمه تسليم الصداق إليها. فإن طلب تسليمها إليه ليقوم بحضانتها لم يلزم إليه أيضًا لأنه لا حق له في حضنتها وإنما حقه في الاستمتاع الذي لم يخلق فيها فيستحقه الزوج منها ولأن لا يؤمن أن تغلبه الشهوة على مواقعتها فربما أفضى إلى تلفها ونكايتها. فلو سأله وليخا وهي صغيرة أن يتسلمها لم يلزمه لأن ما استحقه من الاستمتاع بها لم يخلق فيها ولأنها تحتاج إلى تربية وحضانة لا يلزمه القيام بها ولأنه يلتزم لها نفقة لا يقابلها الاستمتاع والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافَعَيُّ: "وَالصَّدَاقُ كَالدَّينِ سَوَاءٌ". قال في الحاوي: وهذا صحيح لأنه مال ثبت في الذمة بعقد فكان دينًا كالأثمان ومراد الشافعي بأنه كالدين في لزوم الدين وأنه قد يكون حالاً تارة

стр. 4617

ومؤجلاً تارة ومنجمًا أخرى وأنه قد يجوز أن يستوثق فيه بالرهن والضمان والشهادة وأن الحوالة به جائزة وأن أخذ العوض عنه سائغ وأنه قد يجوز أن يبتاع فيه العقار وأن الزوج يحبس به إذا امتنع من أدائه وأن الزوجة تضرب به مع الغرماء عند فلسه وتتقدم به على الورثو بعد موته إلى غير ذلك من أحكام الديون المستحقة. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيسَ عَلَيهِ دَفعُ صَدَاقِهَا وَلَا نَفَقَتِهَا حَتَّى تَكُونَ في الحَالِ الَّتي يُجَامِعُ مِثلهَا ويُخَلَّى بَينَهَا وَبَينَهُ". قال في الحاوي: وهذه مسألة من النفقات ذكرها لاتصالها بالصداق وليس يخلو حال الزوجين في استحقاق النفقة والصداق من أربعة أقسام: أحدهما: أن يكونا كبيرين. والثاني: أن يكونا صغيرين. والثالث: أن يكون الزوج كبيرًا والزوجة صغيرة. والرابع: أن يكون الزوج صغيرًا والزوجة كبيرة. فأما القسم الأول وهو: أن يكونا كبيرين: فلها أن تمتنع من تسليم نفسها على قبض الصداق وله أن يمتنع من تسليم نفسها على قبض الصداق وله أن يمتنع من تسليم الصداق لتسليم نفسها فأيهما سلم ما في ذمته حكمه أجبر الآخر على التسليم ما في مقابلته وإن أقاما على التمانع فسنذكر حكمه من بعد. وأما النفقة فلها ثلاثة أحوال: أحدها: أن تمكنه من نفسها فلا يستمتع بها فلها النفقة. والثاني: أن يدعوها إلى نفسه فتمتنع بغير حق فلا نفقة لها لأنها ناشز. والثالث: أن لا يكون منها تسليم ولا منه طلب ففي وجوب النفقة قولان: أحدهما: لها النفقة. والثاني: لا نفقة لها. بناء على اختلاف قوليه في نفقة الزوجة بم تجب؟ قاله في القديم: تجب العقد وتستحق قبضها بالتمكين فعل هذا تجب لها النفقة ما لم يكن منها نشوز. وقال في الجديد: تجب بالعقد والتمكين معًا فعلى هذا لا نفقة لها لعدم التمكين. فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يكونا صغيرين: فالتسليم لا يجب على وليها ولو

стр. 4618

سلمت لم يجب على ولي الزوج أن يقبلها. وإن كان التسليم لا يجب فالصحيح أن دفع الصداق لا يجب ومن أصحابنا من أجراه مجرى الثقة في الاستحقاق وفي استحقاق النفقة بين هذين الصغيرين قولان: أحدهما: وهو القديم: تجب لوجوبها بالعقد. والثاني: وهو الجديد: لا تجب لوجوبها بالعقد والتمكين فكذلك وجوب تسليم الصداق يكون على هذين القولين: وهذا الجمع غير صحيح والفرق بينهما أن وجوب الصداق لا يقتضي وجوب دفعه ووجوب النفقة يقتضي وجوب دفعها لأن الصداق في مقابلة عين باقية والنفقة في مقابلة زمان ماض. فكان له حبس الصداق لبقاء موجبه حتى يصل إليه ولم يكن له حبس النفقة لذهاب موجبها. فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الزوج كبيرًا وهي صغيرة فليس عليه تسليم صداقها لما ذكرنا من أن تسليمها لا يجب ولو طلبها ولا يستحق عليه لو بذلت له. فأما النفقة فعلى قوله في الجديد: لا نفقة لهنا لأنها تجب في الجديد بالعقد والتمكين وأما على قوله في القديم: ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنها تجب عليه لوجوبها على القديم بالعقد وحده. والثاني: لا تجب عليه وإن وجبت بالعقد لأن الاستمتاع متعذر منها بصغرها فجرى مجرى نشوزها. فصل: وأما القسم الرابع: وهو أن يكون الزوج صغيرًا وهي كبيرة فهاهنا إن سلمت نفسها وجب على ولي الزوج أن يتسلمها له لتكون معه وإن كان صغيرًا بخلاف الصغيرة التي لا يجب على وليها أن يسلمها إلى الزوج إذا كان كبيرًا لأمور: أحدهما: أن الاستمتاع المعقود عليه موجود في الكبيرة مفقود في الصغيرة. والثاني: أن الصغيرة لا يؤمن عليها إذا كان كبيرًا والكبيرة تؤمن على الزوج إذا كان صغيرًا. والثالث: أن الكبيرة إذا سلمت إلى الصغير أقامت بتربيته فكان عونًا والصغيرة إذا سلمت إلى الكبير احتاج إلى تربيتها فكانت كلا فصار الفرق بينهما من هذه الأوجه الثلاثة. وإذا لزم بها تسليم الكبيرة إلى الصغير وإن لم يلزم تسليم الصغيرة إلى الكبير فلها المطالبة بصداقها كالكبيرة مع الكبير.

стр. 4619

فأما النفقة فعلى قوله في القديم وأنها تجب بالعقد وحده فلها النفقة لوجود العقد وارتفاع النشوز. وعلى قوله في الجديد: أن النفقة تجب بالعقد والتمكين ففي وجوب النفقة لها وجهان: أحدهما: لا نفقة لها لعدم التمكين. والثاني: لها النفقة لأن التمكين منها موجود من الزوج مفقود فصار المنع من جهته لا من جهتها. مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَإن كَانَت بَالِغَةً فَقَالَ لا أدفَعُ حَتَّى تَدخُلُوهَا وقَالُوا لا تُدخِلُهَا حَتَّى تَدفَعَ فَأيُّهُمَا تَطَوَّعَ أَجبَرتُ الآخَرَ فَإن امتَنَعُوا مَعًا مِما أٌجبَرتُ أَهلَهَا عَلَى وَقتِ يُدخِلونَهَا فِيهِ وَأخَذَت الصَّدَاقِ مِن زَوجِهَا فَإذَا دَفَعتُهُ إليهَا وَجَعلَت لَهَا النَفَقَةَ إذا قَالوا نَدفعَهَا إلَيهِ إذا دَفَعَ الصَّدَاقَ إليَنَا". قال في الحاوي: اعلم أن للزوجين ثلاثة أحوال: إحداهن: أن تبدأ المرأة بتسليم نفسها وتمكين الزوج منها فيجوز للزوج إصابتها قبل قبض شيء من صداقها وعلى الزوج تسليم صداقها إليها. وقال مالك: لا يجوز له إصابتها إلا أن يدفع إليها صداقها أو شيء منه. وبه قال ابن عباس وقتادة. قال مالك: وأقل ما يدفعه إليها ليستبيح به إصابتها أقل ما يجوز أن يكون صداقًا وهو ربع دينار. وهذا فاسد لقول النبي ﷺ : "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة من الله" وكما لو كان صداقًا مؤجلاً. والثانية: أن يبدأ الزوج بتسليم الصداق إليها فعليها تسليم نفسها إليه فإن امتنعت صارت ناشزًا ولا نفقة لها. والثالثة: أن يتمانعا فتقول الزوجة: لا أسلم نفسي حتى أقبض صداقي ويقول الزوج: لا أدفع الصداق حتى تسلمي نفسك ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يجبر واحد منهما على التسليم بل تقطع الخصومة بينهما ويتركان فأيهما تطوع بتسليم ما عليه أجر الآخر على تسليم ما في مقابلته وإنما لم يبدأ بإجبار واحد منهما لأن لكل واحد منهما حقًا وعليه حق فلم يكن الحق الذي عليه في البداية باستيفائه منه أولى من الحق الذي له في البداية باستيفائه له فتاوى الأمران فوجب تركهما وقطع التخاصم بينهما.

стр. 4620

والثاني: أن الحاكم ينصب لهما أمينًا ويأمر الزوج بتسليم الصداق إليه فإذا تسلمه أمر الزوجة بتسليم نفسها إلى الزوج فإذا سلمت نفسها سلم الأمين الصداق إليها لأن الحاكم موضوع لقطع التنازع وفعل الأحوط في استيفاء الحقوق وهذا أحوط الأمور فيها وأقطع للتنازع بينهما. وهذان القولان في تنازع المتبايعين في التسليم وفي البيع قول ثالث: أنه يجبر البائع على تسليم السلعة ويجبر المشتري على تسليم الثمن. ولا يجيء تخريج هذا القول الثالث في تنازع الزوجين لأن المشتري يمكن أن يحجر عليه في السلعة حتى يسترجع منه إن امتنع من التسليم الثمن ولا يمكن إذا سلمت الزوجة نفسها أن يمنع منها وربما استهلك بضعها بالدخول قبل تسليم صداقها. فصل: فإذا تقرر القولان في تنازع الزوجين فإذا قيل بالقول الأول أنه لا يجبر واحد منهما فلا نفقة للزوجة في مدة امتناعها من تمكين الزوج لأن الزوج على هذا القول لا يلزمه تعجيل الصداق. فصارت ممتنعة بما لا يستحق تعجيله فجرى عليها حكم النشوز في سقوط النفقة. وإذا قيل بالقول الثاني: أن الحاكم يجبر الزوج على تسليم الصداق إلى أمين ينصبه لهما فلها النفقة في مدة امتناعها من تمكينه إلى أن يدفع الصداق إلى الأمين لأنها ممتنعة بحق يجب لها تعجيله فإذا صار الصداق مع الأمين كان امتناعها بعد ذلك سقطًا لنفقتها لأنها ممتنعة بغير حق. مسألة: قَالَ الشَّافعيُّ: "وَإن كَانَت نِضوًا أُجبِرَت عَلَى الدُّخُولِ إلَّا أن يَكونَ مِن مَرَضٍ لا يُجَامِعُ فِيهِ مِثلُهَا فَتُمهَلُ". قال في الحاوي: أما النضوة الخلق فهي الدقيقة العظم القليلة اللحم فإذا كانت المرأة نضوة الخلق فلها حالتان: إحداهما: أن يكون ذلك خلقة لا يرجى زواله فعليها تسليم نفسها كغيرها من النساء وللزوج أن يستمتع بها بحسب طاقتها ولا ينكأها في نفسها ويؤذيها في بدنها. وقد كانت عائشة ﵂ خفيفة اللحم ولخفة لحمها رفع هودجها في غزوة المريسيع وقد خرجت منه للحاجة فلم يعلم خروجها منه حتى أدركها صفوان بن المعطل فحملها. وكان من شلن الإفك أن أنزل الله تعالى فيه من القرآن ما أنزل فلم تمنع ضؤولتها

стр. 4621

وخفة لحمها من شأن الإفك أن أنزل الله تعالى فيه القرآن ما أنزل فلم تمنع ضؤولتها وخفة لحمها من دخول رسول الله ﷺ بها فلو كانت النضوة على حد إن وطئها الزوج أتلفها منع من وطئها ولا خيار له قي فسخ نكاحها بخلاف الرتقاء التي يستحق الزوج فيها خيار الفسخ لتعذر وطئها. والفرق بينهما: أن الرتقاء لا يقدر كل زوج على وطئها فصار المنع مختصًا بها فكان له الخيار والنضوة الخلق يمكن غير هذا الزوج إذا كان مثلها نضوًا أن يطأها فصار المنع منها فلم يكن له الخيار. والثانية: أن يكون ذلك بحادث من مرض يرجى زواله فلا يلزمها تسليم نفسها زتمهل حتى تصح من مرضها. والفرق بين أن يكون بحادث مرض وبين أن يكون خلقة وجهين: أحدهما: أن ما يرجى زواله فالاستمتاع مستحق فيه بعد الصحة فلم يلزمها تسليم نفسها قبل الصحة وما لا يرجى زواله فالاستمتاع فيه مستحق في الحال لأنها حال الصحة فلزمها تسليم نفسها. والثاني: أن العادة الجارية بتأخير زفاف المريضة إلى حال الصحة فلم يلزمها التسليم قبل الصحة والعادة جارية بتسليم النضوة الخلقة عاجلاً فلزمها التسليم في الحال اعتبارًا بالعادة فيهما. فعلى هذا إذا منعته من نفسها بالمرض فلا نفقة لها لفوات الاستمتاع بها ولو سلمت نفسها لزمته النفقة كما لو مرضت بعد التسليم وكان لها النفقة لأن المرض الحادث بعد التسليم لا يسقط النفقة وإن منع من الوطء كالحيض. مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَإن أفضَاهَا فَلَم تَلتَئِم فَعَليهِ دِيتُهَا وَلهَا المَهرُ كَامِلاً وَلَها مَنعُهُ أَن يُصِيبَهَا حَتَّى تَبرأَ البرءَ الذَّي إنِ عَادَ لَم يَنكأَهَا وَلَم يُزِد في جُرحِهَا والقَولُ في ذَلِكَ قَولُها". قال في الحاوي: وصورتها: في رجل وطأ زوجنه فأفضاها بشدة المبالغة في الإيلاج والإفضاء: وهو أن يتخرق الحاجز الذي بين مدخل الذكر ومخرج البول لأن مدخل الذكر في مخرج الحيض والمني فأما البول فخرجه من غيره وبينهما حاجز فإذا بالغ الواطئ في إيلاجه خرق الحاجز بين المخرجين فهذا هو الإفضاء. ووهم بعض أصحابنا فجعل الإفضاء خرق الحاجز بين السبيلين القبل والدبر حتى يصير السبيلان واحدًا وهذا وهم من قائله.

стр. 4622

فإذا أفضى زوجته بوطئه فعليه المهر بالوطء والدية بالإضاء سواء كان البول مستمسكًا أو مسترسلاً وكذلك لو وطأ أجنبية بشبهة أو استكرهها على نفسها فأفضاها كان عليه الدية ومهر المثل ولو طاوعته على الزنا كان دية الإفضاء دون المهر. وقال أبو حنيفة: إن أفضى زوجته فلا شيء عليه في الإفضاء وعليه المهر بالعقد وإن أفضى أجنبية بوطء شبهة فإن كان البول مسترسلاً فعليه الدية في الإفضاء ولا مهر في الوطء وإن كان البول مستمسكًا فعليه المهر بالوطء وثلث الدية بالإفضاء كالجائفة وإن أفضى أجنبية بوطء إكراه فعليه الدية دون المهر. وقال مالك: في الإفضاء حكومة. والكلام مع أبي حنيفة على أن إفضاء الزوجة هدر لا يضمن بأن السراية عن مستحق غير مضمونة كالقطع في السرقة إذا سرى إلى النفس لم يضمن لحدوثه عن مستحق كذلك الإفضاء سرى عن وطء مستحق فوجب أن لا يضمن. ودليلنا هو أنها جناية تفتك عن الوطء فوجب أن لا يسقط أرشها باستحقاق الوطء كما لو وطئها وقطع يدها وذلك أن المهر يجب بغير ما تجب به الدية لأن النهر عندهم بالخلوة وعندنا بتغيب الحشفة والإفضاء يكون بما زاد على ذلك من المبالغة في الإيلاج فصار الوطء الذي تجب به دية الإفضاء زائدًا على الوطء الذي يجب به المهر فوجب أن يكون لكل واحد منهما حكمه. وأما استدلالهم: بأنه حادث عن وطء مستحق فوطء الإفضاء غير مستحق لأن الوطء المستحق ما لم يفض إلى التلف فإذا أفضى إلى التلف صار غير مباح فضمن كذلك وطء الإفضاء غير مباح فضمن. فصل: وأما مالك فاستدل على أن في الإفضاء حكومة بأن الحاجز بين المخرجين كالحاجز في الأنف بين المنخرين وقد ثبت في الحاجز بين المنخرين إذا قطع حكومة كذلك في خرق الحاجز بين المخرجين حكومة. ودليلنا: هو أن الحاجز بين المخرجين أعظم منفعة من الشفرين لأن خرق الحاجز يفضي إلى استرسال البول وقطع الشفرين لا يقتضيه ثم ثبت أن في الشفرين الدية فكان في خرق الحاجز أولى أن تجب فيه الدية. فأما الحاجز بين المنخرين فمخالف للحاجز بين المخرجين لأن هذا عضو بكماله فجاز أن تكمل فيه الدية وذاك بعض عضو فلم تكمل فيه الدية.

стр. 4623

فصل: فإذا تقرر أن في الإفضاء الدية مع المهر فإنما يجب فيه الدية إذا لم يلتحم الحاجز على حاله منخرقًا فأما إن التحم وعاد إلى حاله حاجزًا بين المخرجين فلا دية فيه وفيه حكومة لأنه جانٍ عليه وليس بمستهلك له ولهذا قال الشافعي: ولو أفضاها فلم تلتئم فعليه ديتها فدل على أن التئامه يمنع وجوب ديتها وإذا كان كذلك فالدية إذا وجبت فيه فهي إن عمد ففي حالة وإن أخطأ فعلى عاقلته ثم هو ممنوع من وطئها حتى يندمل جرحها ويبرأ الفرج الذي لا يضرها جماعة فيمكن حينئذٍ جماعها فلو ادعى برأها واندمالها ليطأها وقالت: بل أنا على مرضي لم أبرأ منه ولم يندمل وأنكر ما قالت فالقول قولها مع يمينها ويمنع من وطئها لأمرين: أحدهما: أن مرضها متيقن وبرئها مظنون. والثاني: أنه مغيب يمكن صدقها فيه فجرى مجرى الحيض ثم لها النفقة وإن كان ممنوعًا منها كالمريضة, والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "فَإن دَخَلَت عَلَيهِ فَلم يَمسَّهَا حَتَّى طَلَقَهَا فَلَهَا نِصفُ المَهرِ لِقَول الله تَعَالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَإنِ احتَجَ مُحتَجٍ بِالأثَرُ عَن عُمَر ﵁ في إغلَاقُ البَابِ وَإرخَاءِ السَّترِ أَنَهُ يُوجِبُ المَهرَ فَمِن قَولِ عُمَرَ مَا ذَنبُهُنَ لو جَاءَ بِالعَجزِ مِن قِبَلُكم؟ فَأخبَرَ أنَّهُ يَجِبُ إذا حَلَّت بَينَهُ وبَينَ نَفسِهَا كَوُجُوبِ الثَّمَنِ بِالقَبضِ وَإن لم يُغلِق بَابًا ولم يرُخِ سِترًا". قال في الحاوي: وصورتها أن يطلق الرجل زوجته المسمى لها صدقًا معلومًا فلا يخلو حال طلاقه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون قبل الدخول بها وقبل الخلوة وليس لها من المهر إلا نصفه وملك الزوج نصفه لقوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. والثاني: أن يطلقها بعد الدخول يوطء تام تغيب به الحشفة فقد استقر لها جميع المهر الذي كانت مالكة له بالعقد لقوله تعالى: ﴿وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]. وهذا القسمان متفق عليهما. والثالث: أن يطلقها بعد الخلوة بها وقبل الإصابة لها فقد اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة مذاهب:

стр. 4624

أحدها: وهو قول الشافعي في الجديد والمعمول عليه من مذهبه: أنه ليس لها من المهر إلا نصفه ولا تأثيرة للخلوة في كمال المهر ولا إيجاب عدة. وبه قال الصحابة: ابن عباس وابن مسعود. ومن التابعين: الشعبي وابن سيرين ومن الفقهاء: أبو ثور. والثاني: أن الخلوة كالدخول في كمال المهر ووجوب العدة وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ﵃. ومن التابعين: الزهري ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وبه قال الشافعي في القديم. إلا أن أبي حنيفة يعتبر الخلوة القاممة في الكمال المهر ووجوب العدة بأن لا يكونا محرمين ولا صائمين. والثالث: أن الخلوة يد لمدعي الإصابة منهما في كمال المهر أو وجوب العدة فإن لم يدعياها لم يكمل بالخلوة مهر ولا يجب بها عدة وهذا مذهب مالك وبه قال الشافعي في الإملاء. واستدل من نصر قول أبي حنيفة في أن الخلوة تقتضي كمال المهر ووجوب العدة بقوله تعالى: ﴿وإنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وإثْمًا مُّبِينًا (٢٠) وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١] ولهم من الآية دليلان: أحدهما: عموم قوله: ﴿فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] إلا ما خصه دليل. والثاني: قوله: ﴿وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] قال الفراء: معناه وقد خلا بعضكم ببعض لأن الفضاء هو الموضع الواسع الخالي وقول الفراء فيما تعلق باللغة حجة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كشف قناع امرأة فقد وجب لها هذا المهر كاملاً" وهذا نص. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "ماذا بهن إن جاء العجز من قبلكم". وروي عن زرارة بن أوفي أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابًا وأرخى سترًا فقد دخل بها أو لم يدخل وقد قال النبي: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضو عليها بالنواجذ".

стр. 4625

ومن القياس: أن النكاح عقد على منفعة فوجب أن بكون التمكين من الن=منفعة بمنزلة استيفائها في استقرار بدلها كالإجازة ولأن التسليم المستحق بالعقد قد وجد من جهتها فوجب أن يستقر العوض لها أصله: إذا وطئها. ولأن المهر في مقابلة الإصابة كما أن النفقة في مقابلة الاستمتاع ثم ثبت أن التمكين من الاستمتاع في استقرار النفقة فوجب أن يكون التمكين من الإصابة بمنزلة الإصابة في استقرار المهر. والدليل على أن الخلوة لا تتعلق بها حكم في كمال المهر ولا وجوب عدة ولا بدء في دعوى قوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] والمسيس عبارة عن الوطء الثلاثة معانٍ: أحدها: أنه المروي في التفسير عن ابن عباس وابن مسعود. والثاني: أن المسيس كتابة لما يستقبح صريحه وليست الخلوة مستقبحة التصريح فينكى عنها والوطء مستقبح فكني بالمسيس عنه. والثالث: أن المسيس لا يتعلق به عن المذهبين كمال المهر لأنه خلا بها من غير مسيس كمل عندهم المهر ولو وطئها من غير خلوة كمل عليه المهر ولو مسها من غير خلوة ولا وطء يكمل المهر فكان حمل المسيس على الوطء الذي يتعلق به. الحكم أولى من حمله على غيره وإذا كان كذلك فقد جعل الطلاق قبل المسيس الذي هو الوطء موجبًا لاستحقاق نصف المهر. ومن طريق القياس: أنه طلاق قبل الإصابة فوجب أن لا يكمل به المهر كالطلاق قبل الخلوة ولأنها خلوة خلت عن الإصابة فوجب أن لا يكمل بها المهر كالخلوة إذا كان أحدهما محرمًا أو صائمًا فرضًا ولأن ما يوجب الغسل لا يوجب كمال المهر كالقبلة من غير خلوة ولأن الخلوة لما لم يقم في حقها مقام الإصابة لم يقم في حقه مقام الإصابة كالنظر وبيان ذلك أنه لو خلا بها لم يسقط بها حق الإيلاء والعنة ولأن ما لا يثبت به حق التسليم في أحد جنبي العقد لم يثبت به حق التسليم في الجنبة الأخرى قياسًا على تسليم المبيع والمجر إذا كان دون قبضهما حائل ولأن للوطء أحكامًا تختص به من وجوب الحد والغسل وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وسقوط العنة وحكم الإيلاء وإفساد العبادة ووجوب الكفارة واستحقاق المهر في النكاح الفاسد وكماله في الصحيح ووجوب العدة فيهما. فلما انتفي عن الخلوة جميع هذه الأحكام سوى تكميل المهر والعدة انتفي عنها هذان اعتبارًا بسائر الأحكام. وتحريره قياسًا: أنه حكم من أحكام الوطء فوجب أن ينتفي عن الخلوة قياسًا على ما ذكرنا.
следующие страницы →