← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

فرع آخر لو قال: [١٠٦/ب] والله لا أقربك حتى أخرجك إلى بلد كذا، فإن كان على مسافة أكثر من أربعة أشهر كان موليًا وإلا فلا. فرع آخر لو قال: لا أقربك حتى أهب عبدي كان موليًا؛ لأن في هبته إدخال ضرر عليه، كما لو قال: حتى أعتق عبدي. فرع آخر لو قال: لا أقربك حتى أبيع عبدي، فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون موليًا لتعليقه بزوال ملكه عنه فيستضر. والثاني: لا يكون موليًا؛ لأن الثمن الذي في مقابلته يمنع من دخول الضرر عليه، وربما يجد من يشتريه بأكثر من قيمته. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يقال: إن كان هذا العبد للتجارة لم يكن موليًا، وإن كان للقينة كان موليًا؛ لأن ما للتجارة بيعه مفيد، وما للقينة بيعه مضر. فرع آخر لو قال: إن وطئتك فلله عليَّ أن أطلق زوجتي لم يكن شيئًا، كما لو قال: داري وقف. مسألة: قال: والإيلاء في الغضب والرضا سواء. حكم الإيلاء في الغضب والرضا سواء، وهو في حال الرضا أشد عليها؛ لأنه امتنع من غير جرم. وقال مالك: لا إيلاء إلا في الغضب، لأنه لا يضاره في حال الرضا، وروي ذلك عن على، وابن عباس ﵄، وهذا غلط لظاهر الآية ولم يفصل، لأنه يمين بالله تعالى فيستوي حكمها في الرضا والغضب كسائر الأيمان، وذكرنا عن ما لله أنه إذا حلف للصلاح لأجل ولده لا يكون موليًا. مسألة: قال: "ولو قال: والله لا أقربك حتى أخرجك من هذا البلد لم يكن موليًا". الفصل إنما لا يصير موليًا هاهنا؛ لأنه يقدر [١٠٧/أ] أن يخرجها قبل انقضاء أربعة أشهر ويفارق البنيان والمنازل فيزول الإيلاء ويرجع، ويفارق هذا إذا قال: إن قربتك فعبدي حر يكون موليًا، ويمكنه أن يبيعه ويطأها ولا يلزمه شيء؛ لأن في البيع ضررًا يلحقه؛ لأنه ربما يطلب بأقل من ثمنه، وإن اشتراه بعد البيع ربما لا يقدر عليه بذلك الثمن ولا ضرر عليه بإخراجها من البلد ولا يكون موليًا. وذكر أصحابنا بخراسان أن الأمر في مثل هذا موقوف، وأراد الشافعي أن لا يكون موليًا في الحال

стр. 4902

حتى يمضي أربعة أشهر، وقول الشافعي رحمه الله تعالى لا يجبر على إخراجها، وأراد في أثناء المدة فأما بعد انقضائها فقال: إن أردت أن لا تلزمك الكفارة فأخرجها وإلا فأقربها وكفر. باب الإيلاء من نسوة مسألة: قال: "وإذا قال لأربع نسوة عنده: والله لا أقربكن فهو مولٍ منهن كلهن". الفصل إذا قال لأربع نسوة: والله لا أقربكن فقد حلف أن لا يطأ الأربعة فلا يحنث إلا بوطئهن كلهن، كقوله: والله لا كلمت زيدًا وعمرًا وخالدًا وبكرًا لم يحنث حتى يكلم الكل، فإذا لم يحنث إلا بوطئ الكل فهو في الحال غير مولٍ؛ لأن المولى من لا يمكنه الفيئة بعد التربص إلا بضرر، وكل واحدة منهن لو طالبته بعد التربص فوطئها لم يحنث بوطئها، فإذا وطئ ثلاثًا صار الآن موليًا من الرابعة؛ لأنها هي التي يحنث بوطئها، فيضرب لها المدة، فإذا انقضت، فإما أن يفي أو يطلق. وقد قال الشافعي هنا: أنه لو قال: والله لا أقربكن فهو مولٍ منهن كلهن، يوقف لكل واحدة منهن. [١٠٧/ب] وليس هذا الكلام على ظاهره، بل الحكم ما ذكرناه. وقوله: "فهو مولٍ منهن كلهن" معناه: فهو حالف منهن كلهن. وقوله: "يوقف لكل واحدة منهن" أي: في الحالة التي يحنث بوطئها فيها أو معناه: إذا وطئ صاحباتها الثلاث. فإذا تقرر هذا تكلم المزني على ظاهر كلام الشافعي، وقال: "لا يكون موليًا في الحال ما لم يطأ ثلاثة". قلنا: هو كما قلت، إلا أنك لم تنصف حتى ظننت به غير ما تأولناه، وقد قال: لو وطئ اثنتين منهن خرجتا عن حكم الإيلاء، ولم يحنث به. وقال في "الأم": لو حلف لا أقرب امرأة له وامرأة أجنبية لم يكن موليًا من امرأته حتى يطأ الأجنيبة"، فدل على أن الأصل الشافعي ما ذكرناه. وبطل اعتراض المزني، وقال القفال وجماعة: هذا صحيح على أحد القولين في القديم ثم إن القرب إلى الحنث يوجب حكم الإيلاء؛ لأن وطئ كل واحدة. هاهنا يقربه إلى الحنث، فيوقف لكل واحدة منهن بعد أربعة أشهر. وقيل: هذا مذهبه في الجديد أيضًا وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأحمد وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة على قولنا، ووجهه أنه منع نفسه من وطئهن بيمين الله تعالى فكان موليًا، كما لو قال: لا وطئت كل واحدة منكن، وهذا لا يصح؛ لأن الشافعي نص على هذه المسألة في كتاب "الإيلاء" من

стр. 4903

"الأم" ومذهبه في إنما قربه من الحنث لا يصير به موليًا. وقيل: في المسألة قولان، والصحيح ما ذكرناه. فإذا تقرر هذا فرع الشافعي ﵁ على أصل المسألة. مسائل: أحدها: قال: "لو أصاب اثنتين منهن خرجتا عن حكم الإيلاء". وهذا لأنهما أمنتا من تأخير الوطئ [١٠٨/أ] وتعلقت اليمين بالباقي، قال: فهو مولٍ منهما يوقف لهما، ومعناه: يوقف لمن يتعين الحنث بوطئها على ما ذكرنا، وعلى ما قال القفال معناه يوقف لكل واحدة منهما. والثانية: قال: "لو طلق منهن ثلاثًا كان موليًا في الباقية" ومعناه: أن المطلقات خرجن عن حكم الإيلاء بالطلاق، والرابعة يجوز أن يكون موليًا منها إذا تعين الحنث في وطئها، بأن يتزوج بالمطلقات ويطأهن، أو يطأهن بشبةٍ أو زنا، فلا يبقى إلا وطئ الرابعة التى يحنث فيها. وعلى ما ذكره القفال يجري على ظاهره. والثالثة قال: "إذا ماتت واحدة منهن سقط عنه حكم "الإيلاء"، وأراد به: أنه تنحل اليمين وتسقط؛ لأن وطئ الميتة لا يتناوله اليمين ولا يتعلق به المهر والحنث، فإنه لو حلف لا يطأ زوجته فوطئها بعد موتها لم يحنث عند أصحابنا، بخلاف وطئ المطلقة الأجنبية فإنه مقصود تتناوله اليمين فافترقا. ومن أصحابنا من قال: هذا إذا دفنت فلا سبيل إلى وطئها بحالٍ، لأنها تبلى وتتقطع أوصالها، وقبل الدفن لا يبطل حكم الإيلاء؛ لأن اسم الوطئ يقع عليه ويجب الغسل به، فكذلك الكفارة وهذا ليس بمشهور، وعلى المذهب المشهور قال أصحابنا تفريقًا: لو قال: إن قربتك فعبدي حر، فمات العبد أو باعه خرج من حكم الإيلاء. ولو قال: فعبدي حر قبل مجامعتي إياكِ بشهر، فإن مضى شهر حكم حينئذٍ بأنه مولٍ، فإن مضت أربعة أشهر أخرى وتكون من يوم اليمين خمسة أشهر يوقف؛ لأن حكم الإيلاء أن يلزمه أمر بالإصابة، ويكون ذلك اللزوم بعد أربعة أشهر، وما لم يتم خمسة أشهر لو وطئ بان أن العبد عتق قبل تمام أربعة أشهر من يوم اليمين [١٠٨/ب] فلهذا لا يوقف في هذه الحالة. ولو باع العبد في الشهر الخامس في نصف الشهر مثلاً، ففي النصف الثاني يوقف، لكنه لو وطئ بان أن عبده كان عتق عليه قبل ذلك بشهر، وإذا دخل الشهر السادس وقفناه ما لم يمضِ من الشهر نصفه؛ لأنه لوفاء بان أن عبده عتق في النصف الأول من الشهر الخامس، وذلك حكم يلزمه بعدما تمت مدة الإيلاء من يوم اليمين، فأما في النصف الأخير في هذا الشهر وفيما بعد فلا يوقف وقد سقط حكم الإيلاء؛ لأنا إذا نظرنا إلى ما قبل ذلك بشهر كان ذلك بعد البيع أو الموت فلا يلزمه شيء، هكذا ذكره القفال.

стр. 4904

وقال غيره: لا يعتبر مضي خمسة أشهر من يوم اليمين، بل يكفي مضي أربعة أشهر وفيه نظر. ثم أعلم أن المزني تكلم على المسألة الأولى فقال: إذا وطئ منهن اثنتين كيف يكون موليًا من الباقيتين على معنى أنه متى وطئ إحديهما كان موليًا من الثانية. ثم تكلم على المسألة الثانية فقال: إذا طلق ثلاثًا لا يكون موليًا من الباقيه إلا أن يطأ الثلاث سواها، قلنا له: صدقت وقد ذكرنا ذلك. مسألة: قال: "ولو قال: والله لا أقرب واحدة منكن وهو يريدهن كلهن فهو مولٍ يوقف لهن". الفصل إذا قال: والله لا أقرب واحدة منكن وهو يريد عن كلهن، أو طلق ولم ينو واحدة بعينها فهول مولٍ منهن كلهن لأن اليمين تعلقت بواحدة من الجماعة لا بعينها، فأي واحدة وطئها حنث وسقطت اليمين؛ لأنها لم تتناول إلا واحدة، ولو طلق واحدة أو اثنتين لم يبطل حكم الإيلاء من الباقيتين ولهما المطالبة؛ لأن اليمين باقية فيها. ولو أنه قال: والله لا أقرب كل واحدة منكن كان موليًا من كل واحدة منهن [١٠٩/أ] بإيلاء منفرد كما لو أفرد كل واحد منهن بيمين منفردة؛ لأنه يحنث بوطئ كل واحدة منهن حنثًا يوجب الكفارة فنضرب له المدة للكل ويوقف فكل من طلقها فقد وفاها حقها من تلك المدة، وكل من وطئها إن حلت الإيلاء من حقها دون الباقيات، كما لو قال لأربعة أنفس: والله لا كلمت واحدة منكن يعلق الحنث بكلام كل واحد ولا تنحل اليمين في حق بعضهم بانحلالها في حق بعض كذلك هاهنا. وقال القاضي الطبري: هذا ذكره صاحب "الإفصاح"، ولم أر لغيره، فأما غيره من أصحابنا أطلقوا الجواب وقالوا: يكون موليًا منهن، ولكن إذا وقع الحنث مسقط الإيلاء في البواقي؛ لأنه حنث بإصابة الواحدة فلا يعود الحنث بعد ذاك. وهذا الكلام يقتضي أن الحنث لا يقع في بعض اليمن دون بعض. وعلى هذا كما لو قال: والله لا أدخل هذه الدار وهذه الدار، ولو قال: والله لا أدخل كل واحدة من هذه الدارين فدخل واحدة منهما حنث وسقط اليمين، وهذا مذهب الشافعي دون ما قاله صاحب الإفصاح وهذا هو الصحيح، وذكره أصحابنا بخراسان. وأما ما ذكر إذا قال لأربعة أنفس: والله لا كلمت واحدة منكن، لا نسلم بل ينحل اليمين في حق بعضهم بانحلالها في البعض. فرع قال في "الأم": لو قال: "والله لا أقرب واحدة منكن وعين بقلبه واحدة منهن

стр. 4905

دون غيرها فهو مولٍ من التي حلف عليها دون غيرها"، وظاهره يقتضي أن يقبل قوله في ذلك ظاهرًا وباطنًا، وبه قال أكثر أصحابنا. وقال أبو حامد: يقبل في الباطن فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقبل في الظاهر، لأن الإطلاق يخالفه وهذا لا يصح، لأن قوله واحدة يحتمل المعينة ويحتمل غيرها ولا ظاهر في واحدة منهن فيقبل قوله في ذلك. [١٠٩/ب]. فرع آخر لو قال: والله لا وطئت واحدة منكن وعين واحدة منهن وقد ذكرنا أنه تعيين الإيلاء فيها دون من سواها، ويرجع في التعيين إلى بيانه، فإن عين في واحدة وصدقه الباقيات تعتبر فيها، وإن كذبه الباقيات حلف لهن، فإن نكل حلفن وثبت فيهن حكم الإيلاء بنكوله وإيمانهن، ولو قال: لم أرد من هذه وهذه تعينت الثالثة للإيلاء إذا كنَّ ثلاثة. فرع آخر لو لم يكن تعيين واحدة منهن ذكرنا أن له أن يعين في واحدة منهن، وفي ابتداء المدة للوقف وجهان؛ أحدهما: من وقت اليمين، والثاني: من وقت التعيين كما قلنا في العدة في الطلاق إذا أوقعه في إحداهن لا بعينها، ثم يمينه في واحدة منهن هل تكون من وقت الطلاق أو من وقت التعيين؟ فيه وجهان. فرع آخر لو حلف بطلاق إحدى امرأتيه أن لا يطأ الأخرى وقد عين بقلبه من التي حلف بطلاقها فهاهنا امرأتان إحداهما محلوف بطلاقها، والأخرى مولٍ منها ولا يعرف ذلك، فإذا مضت المدة قال له الحاكم: بين، فإن لم يبين ولم يطلق ولم يفِ قال الحاكم طلقت عليك التي آليت منها، فإن قال: راجعتها ومضت مدة أخرى فكذا يفعل، ثم إن قال راجعتها ومضت مدة أخرى فهكذا يفصل، ثم نقول: بانت إحداهما منك بطلقات ثلاث فبينها، وحال بينه وبينهما حين يبين، ذكره ابن الحداد. قال أصحابنا: هذا غلط بل يوقف ولا يطالب بشيء ما لم يبين؛ لأن المدعية غير معينة فلا تقبل دعوى الرجل لأن لأحدنا على هذا الرجل عشرة دراهم، ولا دعوة المرأة بأن الزوج مولٍ مني أو من صاحبتي، ولكن إن ادعت [١١٠/أ] واحدة أنه آلي منها، فإن أقر وقف، وإن أنكر حلف، فإن لم يحلف حلفت هي ووقف لها على ما ذكرنا. فرع آخر قال ابن الحداد: لو كان له امرأتان فقال: إن وطئت إحداكما فالأخرى طالق ولم يعين فهو مولٍ عن إحديهما بغير عينها، وحالف بطلاق الأخرى فإذا انقضت أربعة أشهر قال له الحاكم: أنت مولٍ عن إحديهما فبينها والحكم على ما ذكرنا. ومن أصحابنا من

стр. 4906

قال: يكون موليًا منهما؛ لأن الشافعي قال: "لو قال لأربع نسوة: والله لا أقرب واحدة منكن موليًا من الجميع"؛ لأنه لا يمكنه أن يطأ واحدة منهن إلا بحنث كذلك هاهنا لا يمكنه أن يطأ واحدة منهن إلا بحنث من الأخرى وهذا أصح. باب التوقيت في الإيلاء مسألة: قال: "ولا تعرض للمولي ولا لامرأته حتى يطلب الوقف بعد أربعة أشهر". الفصل إذا آلي من زوجته وضربنا له المدة وقف انقضائها، فإما أن يفي أو يطلق على ما ذكرنا، فإن قالت: قد رضيت وتركت المطالبة لم تسقط مطالبتها به؛ لأن اليمين باقية والإضرار من قبل الزوج موجود لإمكان رفعه وقدرته عليه، ولأنه يتجدد لها الحق في كل يوم، فكان بمنزلة امرأة المصند إذا عفت عن نفقتها كان لها المطالبة. فإن قيل: أليس امرأة العنين إذا رضيت بذلك لم يكن لها أن تعود إلى المطالبة فما الفرق؟ قيل: الفرق أن العنة عيب في الزوج، فإذا رضيت بالعيب سقط حقها بخلاف هذا، فهو كما لو كان له على رجل دين فقال: تركت المطالبة، [١١٠/ب] كان له أن يرجع ويطالب لبقاء الحق. فإن تقرر هذا فإذا رجعت وطالبت لم تستأنف المدة؛ لأنها لم يوفها حقها من المدة الأولى. فإن قيل: ألا قلتم تستأنف له ضرب المدة كما قلتم فيه إذا راجعها بعدما طلقها أنه يستأنف له المدة؟ قيل: الفرق أنه إذا طلقها فقد أوفاها حقها من هذه المدة، فإذا عاد الحق استؤنفت المدة، وأما إذا عفت لم تستوفِ حقها، بل تركت المطالبة فكان لها أن تطالب في الحال. مسألة: قال: "وليس ذلك لسيد الأمة ولا يوليِّ معتوهةٍ". هذا يحتمل أنه أراد العفو، والأصح من الاحتمالين أنه أراد الطلب بدليل بين المعتوهة والأمة، وإذا كانت معتوهة لم يتوهم منها الطلب ولا العفو، وجملته أنه إذا زوج أمته ممن رجل فآلي منها وانقضت المدة فالمطالبة للمرأة دون السيد، فإن تركت المطالبة فليس لسيدها المطالبة، لأن ذلك يتعلق بشهوتها ولذتها، فلم يكن لمولاها فيه حق، ألا ترى أنها لو عتقت عن القسم أو رضيت بالعيوب لم يكن له المطالبة به، ولو كانت معتوهة لم يملك المولى المطالبة ولكن يقال للزوج: قد وجب لها حق المطالبة وتعذر ذلك من جهتها، فاتق الله تعالى في الفيئة أو استيلادها، وإنما يجب عليه الوطئ دون الإنزال، ولو أراد أن يعزل الماء كان له فلا حق للسيل فيه.

стр. 4907

مسألة: قال: "ومن حلف على أربعة أشهر فلا إيلاء عليه". وقد ذكرنا شرح هذه المسألة فيما تقدم، لأن الضرر لا يتحقق بترك الوطئ فيما دون أربعة أشهر، والدليل عليه ما روي أن عمر بن الخطاب [١١١/أ] ﵁ كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأة تقول: ألا طال هذا الليل وازور جانبه وليس آلي جنبي خليل ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفني وأكرم بعلي أن تنال مراكبه فسأل عمر. ﵁. كم تصبر المرأة؟ قلن: شهرين وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفذ الصبر. فكتب إلي أمراء الأجناد: لا تحبسوا رجلاً عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، وروي أنه قال لابنته حفصة. ﵂. كم تصبر المرأة عن زجها؟ أتصبر شهرًا؟ قالت: نعم، قال: شهرين؟ قالت: نعم، قال: ثلاثة؟ قالت: نعم، قال: أربعة أشهر؟ فسكتت، فكتب إلى أمراء الأجناد بذلك. مسألة: قال: "ولو حلف بطلاق امرأته لا يقرب امرأة له أخرى ثم بانت". الفصل إذا كانت له زوجتان زينب وعمرة، فقال لزينب: إن قربتك فعمرة طالق، لم يكن موليًا من عمرة؛ لأنه يمكنه وطئها متى شاءت بغير ضرر، فأما زينب فلا يمكنه وطئها إلا بضرر وهو طلاق عمرة، فيكون موليًا منها على قوله الجديد، فيضرب له المدة ويوقف، فإما أن يفي أو يطلق، فإن طلق نظر، فإن كان رجعيًا فراجعها فالإيلاء بحاله، وإن أبانها بالطلاق ثم نكحها هل يعود الإيلاء؟ قولان على ما بيناه من كتاب الطلاق، فإذا قلنا يعود، استأنف أربعة أشهر من حين نكحها، ولا يختلف المذهب أنه إذا وطئ هذه المولى منها في المدة أو بعدها وقع الطلاق على المرأة الأخرى؛ لأن صفة الطلاق باقية لا تزول بالبينة، ألا ترى أنه لو طلقها، ثم زنى بها [١١١/ب] وقع الطلاق لوجود الشرط وليس كذلك الإيلاء؛ لأنه يسقط بالإبانة، ألا ترى أنه لو آلي من الأجنبية لا يصح فدل على الفرق بينهما، هذه مسألة الكتاب. فأما إذا طلق المحلوف بطلاقها ثم تزوج بها، ثم وطئ التي آلي منها. وهي التي حلف بترك وطئها. فهل يعود حكم الطلاق؟ قولان على ما بيناه. فإذا قلنا: يعود فحكم الإيلاء من التي (آلى) منها

стр. 4908

قائم. وإذا قلنا: لا يعود فقد بطل الإيلاء؛ لأنه لا يخشى من وطئها وجوب شيء. ثم قال الشافعي: "وهكذا الظهار مثل الإيلاء". يريد أنه يصح تعليقه بصفةٍ، فعلق ظهار إحدى امرأتيه بطلاق الأخرى، فإذا أبانها ثم عادت إليه كان الحكم في ذلك كالحكم في الإيلاء. مسألة: قال: "ولو آلي من امرأته الأمة ثم اشتراها فخرجت من ملكه ثم تزوجها، أو العبد من حرة ثم اشترته فعتق فتزوجته لم يعد الإيلاء". إذا آلي من امرأته الأمة ثم اشتراها وانفسخ النكاح ثم باعها ثم تزوج بها، أو آلي العبد من امرأته الحرة ثم اشترته وانفسخ النكاح ثم أعتقته وتزوجت به، ففي عود الإيلاء قولان، إلا أن هذا هل يجري مجرى الطلاق الثلاث أو يجري مجرى البيونة بدون الثلاث؟ اختلف أصحابنا فيه، وقد بيناه فيما مضى، وعامة أصحابنا على أنه يجري مجرى البينونة بدون الثلاث، لأنها تحل قبل زوج، وهكذا القول لو آلي من امرأته ثم انفسخ نكاحها بعيب، أو إعسار بالنفقة، أو ردة ثم عادت إليه ثانيًا، هل يعود الإيلاء على هذا الخلاف؟ وإذا قلنا: جرى مجرى البينونة بالثلاث لم يعد الإيلاء من قوله الجديد، ومن قوله القديم قولان، وإذا قلنا: يجري مجرى البينونة [١١٢/أ] بدون الثلاث عاد في قوله القديم، وفي قوله الجديد قولان. فرع إذا حلف على أجنبية أنه لا يطأها انعقدت يمينه حتى لو تزوجها ووطئها حنث وتلزمه الكفارة ولا يكون موليًا؛ لأن الإيلاء حكم يتعلق بالزوجية، فإن تزوج بها فهل يصير موليًا؟ قال القاضي الطبري: في الأول يصير موليًا. ثم قال: ينبغي أن لا يكون موليًا في أحد القولين، كما لو أبانها ثم تزوجها هل يعود الإيلاء؟ قولان. قال أصحابنا: الذي يجئ على مذهب الشافعي أنه يصير موليًا هاهنا قولاً واحدًا، ويفارق هذا مسألة القولين لأن حكم النكاح يعود في النكاح الثاني في أحد القولين، وفي القول الثاني لا يعود، وهاهنا حين اليمين لم يكن نكاح ولا كان بها موليًا، وهذه كما لو علق الطلاق في غير نكاح ثم تزوجها لم يثبت حكمه قولاً واحدًا، ولو علقه في النكاح ثم أبانها ثم تزوجها هل يعود؟ قولان وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: إذا تزوجها وقد بقيت من مدة اليمين أكثر من اربعة أشهر يصير موليًا؛ لأنه لا يمكنه الوطئ بعد أربعة أشهر إلا بحنث وكان موليًا كما لو حلف في الزوجية وهذا غلط؛ لأن الإيلاء حكم من أحكام النكاح، وإذا حلف على الزوجة ضربت المدة؛ لأنه قصد الإضرار بها بيمينه واليمين قبل الزوجية لا على وجه الإضرار؛ لأنه لا يحل وطئها فلا يكون موليًا،

стр. 4909

كما لو امتنع بغير يمين. فرع آخر لو امتنع من وطئها بغير يمين لا تضرب له المدة، وبه قال جماعة العلماء. وقال أحمد: إن قصد الإضرار بها لزوال الأعذار ضربت له المدة، كما لو امتنع باليمين، وهذا غلط؛ لأنه لم يحلف على ترك وطئها فلا يكون موليًا، كما لو لم يقصد الإضرار بها، ولأنه لا يتحقق الإضرار ما لم يؤكد اليمين. [١١٢/ب]. مسألة: قال: "والإيلاء يمين لوقت فالحر والعبد فيها سواء". مدة الإيلاء أربعة أشهر للحر والعبيد حرة كانت المرأة أو أمة. وبه قال أحمد في رواية. وقال مالك وأبو حنيفة: تختلف مدة الإيلاء بالرق والحرية إلا أن مالكًا يقول: الاعتبار برق الزوج وحريته، فمدة الإيلاء في حق الحر أربعة أشهر وفي حق العبد شهران، وأبو حنيفة يقول: الاعتبار برق المرأة وحريتها، فيكون للأمة شهران وللحرة أربعة أشهر، وهو الرواية الثانية عن أحمد، واحتج مالك ﵀ أنه معنى يتعلق به حكم البينونة فاختلف برق الزوج وحريته كالطلاق. واحتج أبو حنيفة بأنها مدة يثبت ابتدائها بقول الزوج فيختلف برقها وحريتها كمدة العدة، وهذا غلط؛ لأنها مدة تضرب للوطئ فلا يختلف بالرق والحرية كمدة العدة، ويؤكد أن هذا الأمر بني على طبع النساء، وقد يضير النساء عن الأزواج على ما ذكرنا عن عمر ﵁، وما بني على الطبع لا يختلف بالرق والحرية كمدة العنة ويخالف مدة العدة؛ لأنها مبنية على الكمال؛ لأن الاستبراء يحصل بقرء واحد فيختلف نقصانها وكمالها. وأما ما ذكر مالك لا يصح؛ لأنه لا يتعلق بها بينونة عندنا، ويلزم عليه مدة العنة. مسألة: قال: "ولو قالت: قد انقضت الأربعة أشهرٍ وقال: لم تنقض فالقول قوله". إذا اختلفا في انقضاء المدة فالقول قوله مع يمينه وعليها البينة؛ لأن الأصل بثبوت النكاح والمرأة تدعى أمرًا حادثًا تستحق به رفعه، وهو كما قلنا: إذا اختلفا في الإصابة، فقال الزوج: أصبتها، وقالت المرأة: لم يصبني فالقول قوله؛ لأن الأصل [١١٣/أ] بقاء النكاح ولزومه ولأن القول قوله في أصل الإيلاء إذا أنكرته فكذلك في مدته. مسألة: قال: "ولو آلي من مطلقةٍ لملك رجعتها كان موليًا من حين ترجيعها".

стр. 4910

الإيلاء من الرجعية صحيحة ولكنه لا يحتسب مدة العدة من التربص فيستأنف له المدة إذا راجعها دائمًا صح الإيلاء منها؛ لأنها في معنى الزوجات، وإنما لا تحتسب مدة العدة من التربص؛ لأنها محرمة الوطئ آلي أن يراجعها. وقال أبو حنيفة وأحمد: تحتسب مدة العدة من التربص، وبني أبو حنيفة على أصله أنها مباحة الوطئ، واحتج أحمد بأنه صح الإيلاء منها فتحتسب المدة من وقت الإيلاء وهذا غلط؛ لأنها معتدة منه فلا تحتسب عليه مدة العدة من زمان الإيلاء، كما لو كانت معتدة بائنة. فرع لو آلي من معتدة عن طلاق بائن ثم نكحها لا يكون موليًا. وقال مالك: يكون موليًا إذا نكحها، وهذا غلط، لأنها أجنبية منه فلا يصح الإيلاء منها أصلاً وهو لا يسم الأجنبية على ما ذكرنا عنه من قبل، وقد دللنا على بطلان مذهبه في الأجنبية. مسألة: قال: "والإيلاء من كل زوجة حرة وأمة، مسلمة وذمية سواء". وهذا صحيح؛ لأن لكلهن حقًا من الاستمتاع، ولا فرق في هذا بين الذمي والمسلم أيضًا. وقال أبو حنيفة: ينعقد إيلاء الذمي في حكم الطلاق ولأنه لا كفارة عليه لو وطئها بخلاف المسلم وهذا غلط؛ لأن من صح طلاقه صح حكم الإيلاد على الكمال كالمسلم. باب الوقف من كتاب الإيلاء مسألة: قال: "إذا مضت الأربعة الأشهر للمولى وقف [١١٣/ب] وقيل له: إن فئت وإلا فطلق، والفيئة الجماع إلا من عذر". قد بينا أنه إذا مضت أربعة أشهر يوقف، وقبله لا يوقف. وإذا وقف طولب بالفيئة أو الطلاق، والفيئة تكون بالطلاق؛ لأنه الذي منع نفسه منه بعقد اليمين، إلا أن يكون له عذر منمرض يخاف منه الزيادة في العلة والتباطؤ في البرء أو حبس أو غيره، فيقول له: فيء بلسانك وهو أن يقول بلسانه: قد ندمت على ما قلت، وإذا قدرت على الوطئ وطئت، ولو كنت قادرًا لفعلت. ذكره أبو حامد. وقال القاضي الطبري: جميع أصحابنا بين هذه الألفاظ ولم أجد ذلك للشافعي، ولا يجب عندي أن يأتي بجميع هذه الألفاظ، وإنما المأخوذ عليه أن يظهر من نفسه أنه غير قاصد الإضرار بها. فلو قال: إذا قدرت فئت إليك، أو وطئتك كفاه، وقد قال ابن أبي هريرة في التعليق هذه المسألة، وقال: إن لم يكن قادرًا على الجماع طولب بما يقدر عليه في الحال، فيقال له: أظهر من نفسك الرجوع عن الإضرار بلسانك لتطيب نفسها وتسكن إلى ذلك، كما تقول في الشفبع إن كان قادرًا على أخذ الشفعة أخذ، وإن لم يكن قادرًا أظهر من نفسه ما يصلح أنه مقيم على أخذها. وقال أبو ثور: لا يلزمه الفيئة باللسان عند العجز حتى

стр. 4911

يقدر عليها بالوطئ ويؤخر المطالبة إلى زوال العذر؛ لأن الضرر بترك الوطئ لا يزول بالفيئة باللسان، وهذا غلط، لأن القصد بالفيئة ترك ما قصد إليه من الإضرار، وقد ترك القصد إلى الإضرار بما أتى به من الأعذار، ولأن القول مع العذر يقوم مقام الفعل مع القدرة، ولهذا نقول: إشهاد الشفيع على طلب الشفعة في حال العيبة يقوم مقام الطلب في حال الحضور في إثبات الشفعة. فإذا تقرر هذا، وفاء باللسان [١١٤/أ] ثم قدر بعد ذلك على الوطئ طولب به ولا يستأنف به المدة. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يستأنف له المدة؛ لأنه وفاها حقها بما أمكنه من الفيئة، فلا يطالب بعد إلا باستئناف المدة، كما لو طلقها ثم أرجعها، وهذا غلط؛ لأنه أخر حقها لعجزه عنه، فإذا قدر عليه يلزمه إيفاؤه، كما لو قدر المعسر على قضاء الدين. وأما ما ذكره لا يصح؛ لأنه ما وفاها حقها، بل وعدها إيفاء الحق. مسألة: قال: "ولو جامع في الأربعة الأشهر خرج من حكم الإيلاء وكفر عن يمينه". إذا وطئ المولي نظر، فإن كان وطئه بعد انقضاء المدة فقد وفاها حقها، وهل تلزمه الكفارة؟ قد ذكرنا قولين. وإن كان وطئه قبل انقضاء المدة فقد خرج من حكم الإيلاء وحنث في يمينه، وهل تلزمه الكفارة؟ فيه طريقان: أحدهما: تلزمه قولاً واحدًا، ويفارق بعد المدة لأن الوطء قبل المدة غير واجبة عليه فوجبت الكفارة به، وبعد انقضاء المدة واجبة، فجاز أن لا تحب به الكفارة. والثاني: فيه قولان أيضًا؛ لأن بهذا الوطئ خرج عن حكم الإيلاء أيضًا، والآية عامة من الكل، وهذه الطريقة الأصح؛ لأن الكفارة تجب من حنث الطاعة والواجب لوجوبها من حيث المعصية. فرع لو إلى أقل من أربعة أشهر ثم وطئ هل تلزمه الكفارة؟ قال القفال: فيه طريقان؛ أحدهما: يلزمه قولاً واحدًا. والثانية: فيه قولان. مسألة: قال: "ولو قال: أجلني في الجماع لم يؤجله أكثر من يوم". إذا طولب المولى فقال: أجلوني، لا يختلف المذهب أنه لا يؤجل؛ لأنه لا يكلف الوطئ في مجلس الحكم فلا بد من التأجيل، ثم فيه قولان: أحدهما: يؤجل ثلاثة أيام؛ لأنه أكثر حد القليل وأول حد الكثير، فيحتاج أن يراجع نفسه وينظر غبطته في أحد الأمرين، ولا يأتي ذلك إلا من هذه المرة. والثاني وهو الصحيح: [١١٤/ب] أنه يؤجل بمقدار الحاجة، فإن كان صائمًا فحتى يفطر، وإن كان جائعًا فحتى يشبع، وإن يؤجل بمقدار الحاجة، فإن كان صائمًا فحتى يفطر، وإن كان جائعًا فحتى يشبع، وإن كان شبعانًا فحتى يهضم الطعام لئلا يلحقه ضرر الجماع ولا تقدير فيه، وهو اختيار المزني وقول الشافعي "أجله يومًا" لم يرد به التقدير باليوم، بل ذكر ذلك على قدر

стр. 4912

الحاجة من العادة، وذلك قريب من يوم أو نحو ذلك. واحتج المزني بأن المرتد لا يؤجل ثلاثًأ، ولأن الثلاث حد والحد لا يؤخذ قياسًا. ويمكن أن يجاب بأن له في المرتد هل يؤجل ثلاثًا؟ قولان أيضًا، وعندنا يؤخذ الحد والتقدير قياسًا فلا نسلم. فرع إذا قلنا يؤجل ثلاثة أيام بعد المدة هل هو واجب أو استحباب؟ فيه وجهان، أحدهما: واجب كإنظار المرتد ثلاثًا، فعلى هذا ينظر استنظرها أم لا. والثاني: وهو الأظهر، واختاره الداركي أنه استحباب ينظر بها إن استنظرها وإلا فلا. والفرق بين هذا وبين المرتد أن إنظار المرتد حق لله تعالى فلم يعف على استنظاره، وإنظار هذا من حقه يوقف على استنظاره. فرع آخر لو طلق الحاكم عند الامتناع قبل ثلاثة أيام، فإن قلنا لا ينظر فيها وقع الطلاق، وإن قلنا: ينظر هل يقع طلاقه قبلها فيه وجهان بناء على أنها تجب شرعًا، أو استنظار، فإن قلنا وجب شرعًا لم يقع، وإن قلنا بالوجه الآخر وقع وإن كان الحاكم لا يراها وقع الطلاق وجهًا واحدًا؛ لأنه عن اجتهاد شائع. فرع آخر إذا قلنا: يطلق الحاكم عند الامتناع في أحد القولين وطلق الحاكم ثم طلق الزوج بعده ولم يعلم الزوج وقع طلاق الحاكم، وهل يقع طلاقه؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا يقع لأنه واجب قد سبق الحاكم باستيفائه منه. والثاني: يقع لأنه يملك ما يجب وما لم يجب، فإذا استوفي الحاكم الواجب ولم يستكشف الزوج عنه وقع طلاقه غير واجب. [١١٥/أ]. فرع آخر لو طلق الحاكم والزوج معًا في حالة واحدة فطلاق الزوج واقع، وفي طلاق الحاكم وجهان؛ أحدهما: قاله ابن أبي هريرة: يقع أيضًا؛ لأنه لم يسبقه الزوج بالطلاق، والثاني: لا يقع؛ لأنه لم يسبق الزوج بالطلاق. مسألة: قال: "ولو كانت حائضًا أو أحرمت مكانها بإذنه أو بغير إذنه فلم يأمرها بإحلال لم يكن عليه سبيل". الفصل إذا مضت مدة الإيلاء وهناك عذر يمنع الجماع كالحج والصوم والحيض والنفاس في الحبس؛ لم يكن لها مطالبته حتى يزول المانع، ولا فرق بين العذر الحسي كالحبس والمرض، أو الشرعي كالإحرام ونحوه، ويخالف هذا إذا آلي منها ثم تظاهر منها قبل

стр. 4913

مضي مدة التربص، فإذا مضت المدة كان لها المطالبة مع وجود المنع من الوطئ؛ لأنه معنى من جهته لا من جهتها أيضا، وهو يمكنه إزالة المانع بالتفكير إن كان قادرًا على الكفارة فلم تسقط عنه المطالبة. فإذا تقرر هذا فالوجه أن يصبر حتى يزول العذر ثم طالبه في الحال، ولا يلزمه قبل زوال المانع فيه المعذور باللسان إن كان المانع من جهتها. وقيل: وجه أنه يستأنف المدة بعد زوال العذر وليس بشيء، وإن كانت هذه الأعذار موجودة عند عقد اليمين، فإن كانت موجودة فيها مثل حبسها بحق أو غير حق، أو مرض أو صغر أو نشوز أو جنون بحنث لا يصل إليها منعت أنشأ ضرب المدة؛ لأن مدة الإيلاء هي المدة التي يكون الزوج فيها ممتنعًا من ووطئها فيها باليمين، هاهنا مع هذه الأعذار فيها لا يوصف بأنه يمتنع، وهذا نظر دالاً في الحيض وحده، فإنه يحتسب عليه زمان الحيض من المد؛ لأن الحيض يكثر ويوجد كل شهر، فلو لم يحتسب بزمانه من المدة لم يكن يحصل المدة بوجه. فإن قيل: أليس [١١٥/ب] الحيض يسقط مطالبتها فلا تسقط المدة؟ قلنا: لأنا لو أسقطنا المدة لم تكن تحصل مدة الإيلاء، وليس كذلك المطالبة، فإنا إذا أسقطناها في الحال طالبت به إذا زال الحيض، ولا يؤدي إلى إسقاط الحق رأسًا، فدل على الفرق بينهما وأما النفاس: قال القفال وجماعة: هي كالحيض؛ لأنها عادة في المرأة كالحيض، ولهذا سوّى بينهما في أنهما لا يقطعان التتابع في صوم شهرين متتابعين. وقال بعض أصحابنا وهذا صحيح: مدة النفاس قاطعة لمدة التربص بخلاف الحيض؛ لأن الحيض غالب والنفاس نادر. وأما إحرامها: يمنع الاحتساب على ما نص عليه. وقوله: "إذا لم يأمرها بإحلال" يدل على أنها إذا أحرمت بغير إذن الزوج له تحليلها وهو أحد القولين، والأمر بالإحلال لا يجب عليه؛ يترك بذلك حق نفسه. وقال بعض أصحابنا: إحرامها كالحيض والنفاس؛ لأن هذه العوارض تعرض في العادة، وقلما تخلو المرأة عن شيء منها في بعض أوقاتها، وهذا غلط لما ذكرنا وليس بشيء. وقيل: إذا أمكن في الابتداء ثم عرض لا يؤثر. فإذا تقرر هذا فكل هذه الأعذار التي تمنع بضرب المدة إذا طرأت في أثناء المدة قطعت استدامتها، وإذا زالت استؤنفت المدة أربعة أشهر ولا شيء على ما مضى منها؛ لأن من شأنها أن تكون متتابعة في المدة، ذكره صاحب "التقريب" كصوم شهرين في كفارة الجماع في رمضان والظهار. هكذا ذكره جميع أهل العراق. وقال القفال: فيه وجهان: أصحهما: أنه ينبغي على ما مضت من المدة؛ لأن المانع عدم التمكين من غير خلل في الملك وقد زال، وكما لو انقطعت المدة بوطئ شبهة ثم فرق بينهما وبين الوطئ بشبهة بنت على المدة الأولى. [١١٦/أ] والثاني: تستأنف وهذا غريب. هذا كله في المانع من جهتها. وأما إذا كان المانع من جهته مثل الحبس بحق أو بغير حق، أو المرض، أو الإحرام أو الصوم، أو العنة احتسب بزمانه عليه من مدة التربص.

стр. 4914

والفرق أنها حادثة في الفرقة في هاتين الحالتين غير ممسك لها إمساك الزوجات فلم تحتسب عليه بتلك المدة بخلاف مسألتنا. ثم اعلم أن المزني نقل عن الشافعي أنه إذا آلي منها فحبس استؤنفت أربعة أشهر، ثم اعترض عليه فقال: الحبس والمرض عندي سواء؛ لأنه ممنوع بهما، وإذا حسب عليه في المرض وهو يعجز عن الجماع بكل حال فلأن يحتسب زمان الحبس ويمكنه أن تأتيه في حسبه فيصيها أولي. قلنا له: حكم الحبس كما ذكرت، والغلط وقع في النقل، لأن الشافعي قال في "الأم": وإذا آلي فحسبت استؤنفت أربعة أشهر" فسقط التاء عن الناقل فبطل اعتراض المزني، وهذا يدل على بطلان ما ذكره القفال من الوجه أنه إذا زال العذر يبني على المدة فإنه نص ها هنا على أنه يستأنف المدة، ونص هذا الوجه قال: يمكن تأويل بأنها حبست عقيب الإيلاء لا بعده بزمان وهذا يفيد. ثم إذا مضت المدة والحبس والمرض باقٍ قلنا له: فيء بلسانك فيء معذور، إلا أن يكون محبوسًا بحق فنقول له: لا نقبل منك فيء المعذور وأنت تقدر على الخروج منه، فإن لم يفعل طلق الحاكم عليه في أصح القولين. مسألة: قال: "وقال في موضعين: لو كان بينه وبينها مسيرة أشهر فطلبه وكيلها بما يلزمه لها أمرناه أن يفيء بلسانه". إذا آلي منها وهو غائب عنها صح الإيلاء في نكاح تام وتضرب له المدة؛ لأن المانع من جهته، ولو آلي منها ثم غاب عنها فمضت أربعة أشهر فوكلت المرأة [١١٦/ب] وكيل في مطالبته صح التوكيل، فإذا فاء بلسانه وأخذ في المسير مع الإمكان أو في نقلها إليه قبل منه، وإن امتنع من ذلك طلق عليه الحاكم في أصح القولين، وإذا قال: أنا أريد أن أقعد في هذا البلد كان عليها المسير إليه ولا يجوز مطالبته بالمسير إليها، وإن كان الطريق مخوفًا كان معذورًا، فإن تمكن فعل ذلك. ولو لم يحملها ولم يسر إليها مع الإمكان ومضت مدة لو سار فيها لوصل إليها يطلق عليه، ولا يلتفت إلى قوله بعد ذلك: الآن أسير إليها هكذا ذكر القفال. وكلام أصحابنا يدل على أنه لا يشترط مدة الشهر، وعليه بعد مضي المدة أن يفيء باللسان في الحال ثم يأخذ في القدوم أو نقلها، فإن لم يفيء بلسانه فيء معذور ولم يأخذ في الجماع إما بالقدوم أو بالاستدامة لم تتم الفيئة، وطلق عليها ذلك الحاكم أيضًا وهذا أصح، وإنما يلزم المسير حسب الإمكان في العرف والعادة وانتظار الرفقة، والسير مرحلة مرحلة لئلا يؤدي إلى الإضرار به ولا بها. مسألة: قال: "ولو غلب على عقله لم يوقف". إذا مضت المدة وهو مغلوب على عقله سقطت المطالبة؛ لأن المجنون لا تصح مطالبته، فإن عقل طولب في الحال؛ لأن المنع في المدة كان بسبب منه. قال المزني:

стр. 4915

هذا يؤكد أن يحسب عليه مدة حبسه ومنع تأخيره يومًا أو ثلاثة، ومنع من أن يقرأ أو منع على الفعل الماضي بتأخيره نصب موقوع الفعل عليه، أي منع الشافعي في مسألة الجنون تأخيره ثلاثة أيام، فدل على إبطال التأقيت، والقراءة الأولى أصح وهي أن يقرأ: ومنع على المصدر تأخيره بالإضافة [١١٧/أ] يعني أن كلام الشافعي في المجنون يؤكد ما أخبره في مسألتين أحديهما: احتساب مدة جنسه عليه، والثانية: إبطال التأقيت عند الوقف. يقال له: أما مسألة الحبس فأنت غلطت في النقل. وأما التأقيت فالصحيح ما أخبرت، ولا يحسن منك أن تحتج بكلام الشافعي في هذه المسألة، وما قصد بها مسألة التأقيت، وإنما قصد حكم الجنون العارض أنه يمنع المطالبة في حال الجنون ولا يمنع احتساب المدة. وقيل: قوله: "ويمنع تأخيره" عطف الاسم على الفعل، وفي هذا يؤكد منع تأخيره، ومثل هذا جائز في الكلام. مسألة: قال: "ولو أحرم قيل له: إن وطئت فسد إحرامك". الفصل إذا كان محرمًا فمضت المدة، قلنا له: لا نقبل منك فيء معذور؛ لأنك أدخلته على نفسك ولا نطالبك بالجماع فإنه معصية، ونقول لك: إن وطئتها فقد أوفيتها حقها وفسد إحرامك، وإن لم تطأها طلق الحاكم عليك، ويفارق هذا إذا مرض لأنه معذور إلى أن يتحلل؛ لأنه غير قادر على الوطئ كالمريض، وهذا غير صحيح لما ذكرنا. وقال مالك: لو وطئها في هذه الحالة لا يخرج عن حقها ولها أن تطالبه بالوطئ بعد الإحلال. وهذا غلط، لأنه حنث بوطئها وزالت اليمين فلا يبقى حكم اليمين. مسألة: قال: ولو آلي ثم تظاهر، أو تظاهر ثم آلي وهو يجد الكفارة، قيل له: أدخلت المنع على نفسك". الفصل إذا آلي ثم تظاهر منها، أو تظاهر ثم آلي وهو مصر كفارته الصيام وقد انقضت مدة الإيلاء تقول له: [١١٧/ب] لا نطالبك للوطئ فإنه معصية؛ لأنه الوطئ في الظهار قبل التفكير معصية؛ ولكن نطالبك بالطلاق، فإن وطئت عصيت ووفيتها حقها، وإن طلقتها وفيتها حقها، وإن امتنعت من الأمرين طلقها الحاكم عليك ولا يقبل عذرك بتحريمها عليك؛ لأن تحريمها بالظهار شيء أدخلته على نفسك فلا يتأخر بذلك حقها، ولا يلزمها أن تصير حتى تصوم شهرين؛ لأن ذلك تأخير لحقها به ضرر. قال القفال: ونظير هذا ما لو غصب دجاجة ولؤلؤة، فابتلعت الدجاجة اللؤلؤة: قلنا له: إن ذبحت الدجاجة عصيت لأنها لغيرك، وإن لم تذبح غرمت قيمة اللؤلؤة، ولا نأمرك بالمعصية لكن نغرمك إن لم تذبح.

стр. 4916

فرع إذا أراد وطئها هل لها أن تمنع؟ وجهان: أحدهما: ليس لها ذلك بخلاف الوطئ في الحيض؛ لأن تحريم ذلك من حقها وتحريمه بالظهار في حقه وحده، ويسقط حقها من المطالبة بهذا الامتناع؛ لأن الممتنع ممنوع من المطالبة كالديون المبذولة ليس لصاحب الدين الامتناع من أحدها لعلمه أنها مغصوبة، وهذا اختيار أبي حامد وجماعة، ولم يذكر صاحب "الحاوي" سوى هذا. وحكي عن أبي حامد أنه إذا كان صائمًا أو محرمًا فدعاها ليس لها الامتناع وجهًا واحدًا: وهذا غريب. فإن قيل: أليس لو جاءها بنفقة مغصوبة لها أن تمتنع من غصبها فكذلك هذا؛ لأن كل واحد منهما حرام؟ قيل: الفرق أن النفقة المغصوبة لا تسلم لها بل تنزع من يدها، وليس كذلك لو وطئ، فإن الحرام والحلال سواء في توفية الحق. والوجه الثاني: لها أن تمتنع منه، وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة، وهو صحيح عندي؛ لأنه وطئ محرم فكان لها الامتناع منه كوطئ الرجعية، ويخالف الدين فإنه يدعى أنه مغصوب [١١٨/أ] ومن عليه الدين يدعى أنه ماله، والظاهر معه فإن اليد تدل على الملك، وهذا الوطئ متفقان على تحريمه، والسبب الذي يحرمها عليه يحرمه عليها ونظره من المال أن يتفقا على أنه مغصوب ولا يجبر صاحب الدين على أخذه، فإن قلنا بهذا أجبر الزوج على الطلاق لأنه مخير بين الفيئة والطلاق، فإذا تعذرت الفيئة تعيق الطلاق. ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر أنه لا يتعين عليه الطلاق ويفيئ فيئ معذور حتى يقدر على الكفارة والأول أصح وهو المذهب. وهكذا الخلاف إذا أحرم ثم أراد وطئها هل لها أن تمتنع أم لا؟ فرع آخر لو كان المظاهر مالكًا للرقبة لم ينظر في عتقها؛ لأنه يقدر على تعجيله، فإن لم يكن مالكًا للرقبة أنظر لابتياعها، وهل يبلغ بإنظاره ثلاثًا؟ قولان. وذكر أبو إسحاق هاهنا: أنظر به يومين وثلاثة؛ لأنه يسير. وكذلك في الإطعام إذا أراد أن يكفر بها بمثل قدر الحاجة. مسألة: قال: "ولو قالت: لم يصبني وقال: قد أصبتها، فإن كانت ثيبًأ فالقول قوله مع يمينه". الفصل إذا اختلفنا في الإصابة، فإن كانت ثيبًا فالقول قوله مع يمينه، ولكن يقبل ببينة أيضًا لو أقامها؛ لأنه يتصور بصورة المدعي، فهو كالمودع إذا ادعى رد الوديعة أو تلقها يقبل قوله مع يمينه وتقبل بينة أيضًا. وإن ادعت أنها بكر أرى أربع نسوة، فإن قلن: إنها يثب

стр. 4917

فإن القول قوله مع يمينه، وإن قلن: إنها بكر فالقول قولها مع يمينها. مظاهر كلام الشافعي أنها تحلف سواء ادعى الزوج عليها عود البكارة أو لم يدع. قال المزني: إنما أحلفها لأنه لا يمكن أن يكون لم يبالغ في الوطئ فرجعت العذرة بحالها. فمن أصحابنا من أخذ بظاهره، ومنهم من قالك إذا لم يدع الزوج عود العذرة لا يحلف؛ لأنا قد علمنا كذبه [١١٨/ب] وإنما يحلفها إذا أدعي عودها فتكون دعوى مستأنفة ويكون قولها مع يمينها. فإن قيل: الأصل عدم الوطئ فلم قلتم القول قوله في الوطئ إذا كانت ثيبًأ؟ قيل: هذا الأصل غير محقق ويجوز غيره، والنكاح محقق فكان المحقق أولى من غيره، والمحقق مع قوله. قال ابن الحداد: لو كانت هذه المرأة غير مدخول بها وادعي الوطئ وحلفناه، ثم طلقها وأراد أن يراجعها فامتنعت وأنكرت الوطئ كان القول قولها مع يمينها، فإذا حلفت لم يثبت له الرجعة عليها؛ لأنا أثبتنا الوطئ بيمينه في حكم الإيلاء، فأما إثبات الرجعة لا يمكن بيمينه ويسقط عنها بيمينها. مسألة: قال: "ولو ارتدا أو أحدهما في الأربعة الأشهر أو خالعها ثم راجعها، أو راجع من ارتد منهما في العدة استأنف في هذه الحالات كلها أربعة أشهر من يوم حل له الفرج". قدمنا إن هذه الردة لا تحسب عليه، فإن رجع إلى الإسلام يستأنف المدة كما لو راجع الرجعية، فإن لم يرجع إلى الإسلام حتى انقضت العدة انفسخ النكاح، فإن تزوجها بعدة هل يعود الإيلاء فهذا فسخ وقع فيه هل يكون كالبينونة بالثلاث أو دون الثلاث؟ قد ذكرنا فيما تقدم. وهكذا لو آلي منها ثم خالفها وقلنا: الخلع فسخ ثم تزوجها فهو كالفسخ بالرد سواء. قال الشافعي: "ولا يشبه هذا الباب الأول؛ لأنها في هذا الباب كانت محرمة كالأجنبية الشعر والنظر والحيض في تلك الأحوال لم تكن محرمة بشيء غير الجماع". وأراد أن بالحيض والإحرام لا تنقطع المدة كما تنقطع بالارتداد لهذا الفرق، والتحقت في حالة الارتداد والخلع بالأجنبيات شعرًا نظرًا وحسًا فاستأنفنا [١١٨/ب] المدة. ثم أن المزني اختار لنفسه الفرق بين الارتداد والخلع فأوجب إسقاط المدة في الخلع دون الارتداد وقال: القياس عندي أن ما حل له بالقعد الأول فحكم حكم امرأته والإيلاء يلزمه لمعناه فأما من لم يحل له بعقده الأول حتى يحدث نكاحًا يعني الخلع فحكم حكم من آلي ثم تزوج فلا حكم للإيلاء في معناه وهذا إشارة إلى اختيار من القولين في عود اليمين وقد اختاروا أن لا تعود فلذلك أسقط الإيلاء بالخلع كل الإسقاط ولم يقطع المدة بعارض الارتداد يقال له إذا اعترض الارتداد ثم جمعها الإسلام فتحريمها عليه في حالة الارتداد كان كتحريم الأجنبية ولم يحل له منها في تلك الحالة شيء مما يستباح بالنكاح فكيف لا تنقطع المدة والحالة وبهذه الصفة.

стр. 4918

مسألة: قال: وأقل ما يكون المولي به فائتًا في الثيب أن يغيب الحشفة، وفي البكر ذهاب العذرة". الفيئة في الإيلاء عند القدرة التقاء الختانين بكرًا كانت أو ثيبًا والالتقاء أن يغيب الحشفة في الفرج وقول الشافعي في الثيب: أن يغيب الحشفة في البكر إذهاب العذرة لم يرد به أن الاقتضاض شرط، أو هما يفترقان بل أراد أن الالتقاء في حق البكر لا يقع إلا بالافتضاض، ثم قال الشافعي: فإن قال لا أقدر على افتضاضها أجل أجل العنين وينظر في هذا، فإن كذبته المرأة كان القول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بنفسه، وحلفناه لأنه متهم في ترك الفيئة، فإذا حلفت فاء فيئة معذور بالمرض بلسانه، ثم إذا سألت المرأة الحاكم أن يضرب له مدة العنة ضرب له المدة، ثم إذا مضت المدة، ولم يطأ كان لها المطالبة بالفسخ، وهذا هو المذهب المنصوص. وقال ابن أبي هريرة: [١١٩/ب] يتعين عليه الطلاق إذا أقر بالعجز؛ لأنه من خير بين شيئين ثم تعذر عليه أحدهما تعين الآخر، كالمخير في أنواع كفارة اليمين. قال: وتأويل قول الشافعي أنه طولب بالفيئة بعد انقضاء المدة فاختار الطلاق ثم راجعها، ثم قال: لا أقدر على وطئها أُجل أَجل العنين، وهذا لأن حقها بعد انقضاء المدة ثبت معجلاً فلا يؤجل؛ لأنه يؤدي إلى الإضرار بها، وكذا ذكره صاحب "الإفصاح" وقال: إذا رجع خيرناها بين حكم الإيلاء وحكم العنة؛ لأنه قد اجتمع لها الأمران، وهذا لا يصح؛ لأنه إنما يكون مخيرًا بين الوطئ والطلاق إذا كان قادرًا على الوطئ، فأما إذا تعذر عليه بسبب فعليه يكون الفيئة بلسانه كما لو كان مريضًا، وها هنا قد ثبت عجزه في الحال بيمينه هذا كله من الكبر. فأما إذا كانت ثيبًا فقال: لا أقدر على وطئها نظر، فإن لم يكن وطئها قبل ذلك فالحكم على ما ذكرنا من قبل، وزن كان قد وطئها لم يقبل منه أنه عنين ونطالبه بالفيئة أو الطلاق؛ لأن من وطئ في أول النكاح لا يكون في الحكم عنينًا من ذلك النكاح. مسألة: قال: "لو جاء معها محرمة أو حائضًا خرج من حكم الإيلاء". من فاء فيئة القادر خرج بها من حكم الإيلاء، سواء كان وطئه مباحًا أو حرامًا، مثل أن تكون حائضًا أو نفساء أو صائمة، لأن كل حكم يتعلق بالوطئ في النكاح لا يفترق بين المباح منه والحرام كتحريم الربيبة واستقرار المهر. مسألة: قال: "لو آلي ثم جن فأصابها في جنونه أو جنونها خرج من الإيلاء وكفر إن أصابها وهو صحيح، ولم يكفر إذا أصابها وهو مجنون". إذا آلي منها ثم جن قد ذكرنا أن المدة تحسب عليها في حال الجنون، وأنها لا تطالب ما دام مجنونًا، فإن وطئها لا يختلف أصحابنا أنه لا يحنث [١٢٠/أ] بهذا

стр. 4919

الوطئ فلا تلزمه الكفارة؛ لأن قصد المجنون إلى الوطئ كعدم القصد، لاسيما فيما يتعلق بحق الله تعالى. ولهذا لو قال: والله لا أدخل الدار فدخلها وهو مجنون لا يحنث في يمينه ويفارق الناس على أحد القولين؛ لأنه من أهل القصد في الجملة بخلاف المجنون. قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج من حنث الناس أنه يحنث به، وتلزمه الكفارة. وهذا غلط والفرق ظاهر. فإذا تقرر هذا فالمنصوص أنه يخرج به من حكم الإيلاء؛ لأن وجود الجماع بدفع الإضرار والقصد غير معتبر. بدليل أنه لو آلي عن أحد امرأتيه ثم وجدها على فراشه فوطئها ظنًا منه أنها امرأته الأخرى خرج به عن حكم الإيلاء وإن لم يقصد، ويفارص الحنث ووجوب الكفارة؛ لأن ذلك حق الله تعالى فيحتاج فيه إلى القصد. ومن أصحابنا من قال: لا يخرج به عن حكم الإيلاء فيجب أن يستأنف لها أربعة أشهر بعد الوطئ كما لو طلقها في الإيلاء ثم راجع استؤنفت أربعة أشهر من يوم رحل الفرج. وتأويل قول الشافعي خرج من حكم الإيلاء، أي فيما مضى من المدة دون المستقبل، وإذا أفاق طولب بالفيئة والطلاق وهذا غير صحيح لما ذكرنا. ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: لا يخرج به من حكم الإيلاء ثم أفاق هل نستأنف له المدة من وقت الوطئ، أو يوقف في الحال؟ وجهان؛ أحدهما: ما ذكرنا أنه يستأنف. والثاني: يوقف في الحال؛ لأنا قد ضربنا له المدة والوطئ الذي وجد منه كالمعدوم فإنه لم يتعلق به حنث، ولا خروج من حكم الإيلاء فصار كما لو لم يوجد، والصحيح ما ذكرنا. وإذا قلنا: خرج من حكم الإيلاء فالمذهب أنه لا تنحل اليمين، فإن أصابها بعد ذلك [١٢٠/ب] وهو عاقل تلزمه الكفارة وتكون منزلته في هذا الوقت منزلة من حلف قبل النكاح، ثم نكح يكون حالفًا لا يحكم عليه بحكم الإيلاء. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان؛ أحدهما: هذا والثاني: انحلت اليمين بالوطئ الأول، وهذا ليس بشء. قال المزني: إذا خرج من حكم الإيلاء كيف لا يلزمه الكفارة؟ ولو لم تلزمه الكفارة ما كان حانثًا، وإذا لم يكن حانثًا لم يخرج به من حكم الإيلاء. ومراد المزني من هذا الكلام غير مفهوم لأنه يشبه أن يكون معناه أنه إذا خرج من حكم الإيلاء وجب أن تلزمه الكفارة ويشبه أن يكون معناه أنه إذا لم تلزمه الكفارة وجب أن لا يخرج به من حكم الإيلاء وهذا أظهر الاحتمالين من كلامه قلنا: له الخروج من حكم الإيلاء بزوال المضارة وقد زالت وجوب الكفارة بحرمان العلم والقلم مرفوع عن المجنون فالأولى أن يفصل في الحكمين كما فصل الشافعي بينهما ولأن هذا الوطئ إبقاء حق لأدمي فلا يعتبر فيه القصد، وأما قول الشافعي ﵀ "وكفر إذا أصابها وهو صحيح" يحتمل أنه أراد به إذا كانت مجنونة وهو عاقل تلزمه الكفارة إذا أصابها وهو صحيح، وله قصد بخلاف ما لو أصابها وهو مجنون لا كفارة عليه؛ لأنه جمع بين المسألتين فبين حكم الكفارة فيهما. ويحتمل أنه أراد: إذا أفاق من جنونه بعدما وطئ فيه، ثم وطئ مرة أخرى يلزمه الكفارة وإن لم يكن موليًا.

стр. 4920

فرع لو استدخلت ذكره وهو نائم يخرج به من حكم الإيلاء ولا تلزمه الكفارة؛ لأنها وصلت إلى الإصابة وهو مرفوع العلم كما ذكرنا في وطئ الجنون، ولا تنحل اليمين به حتى لو وطئها بعد ذلك عمدًا تلزمه الكفارة. وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: لا يخرج به [١٢١/أ] من حكم الإيلاء لأن حقها في فعله لا في فعلها، ولم يحنث بذلك ولا يسقط به الإيلاء. مسألة: قال: "والذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء". الفصل قد ذكرنا أن إيلاء الذمي صحيح وتلزمه الكفارة كما تلزم المسلم خلافًا لأبي حنيفة ﵀. حيث قال: لا تلزمه الكفارة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاءه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق. وهذا غلط لأنه يصح إيلاءه بالطلاق فيصح باليمين بالله تعالى كالمسلم. وقال مالك: لا يصح على معنى أنه إذا أسلم لا يوقف ولا يطالب بشيء، واحتج بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهذا لا يصح؛ لأن الغفران من حقوق الله تعالى والفيئة من حقوق الزوجة فلا يسقط بالإسلام. ثم اعلم أن الحكم بصحة إيلائه ولزوم الكفارة إنما يكون حين يتحاكم إلينا، فأما قبل تحاكمه فلا نتعرض له، وإذا تحاكموا إلينا هل يلزم الحاكم أن يحكم بينهما؟ فيه قولان؛ أحدهما: يلزمه. والثاني: لا يلزمه. وإذا حكم يحكم بحكم الإسلام لكل حال؛ لأن حكم الله تعالى على العباد واحد. واختار المزني قول الوجوب فقال: هذا أشبه القولين؛ لأن تأويل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، عند الشافعي أن تجري عليهم أحكام الإسلام، واحتج بأن الشافعي ﵀ قال في كتاب "الجزية": لو جاءت امرأة رجل منهم تستعدي بأن زوجها طلقها أو آلي منها أو ظهر منها، حكمت في ذلك حكمي على المسلمين". وقال أيضًا في كتاب "الجزية": وإن جاء رجل منهم يطلب حقًا كان على الإمام أن يحكم على المطلوب، وإن لم يرض بحكمه، وقد مضت هذه المسألة في كتاب النكاح بالشرح. مسألة: قال: "إذا كان العربي يتكلم بألسنة العجم [١٢١/ب] فآلي بأي لسان منهما فهو مولٍ في الحكم". الفصل إذا كان العربي يحسن العجمية فآلي بالعجمية صح الإيلاء كما يصح الطلاق، وإذا آلي العربي بالعجمية وقال: لم أعرف معناه ولم يعرف أنه يعرف باللسانين فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل جهله به وهذا من حق المرأة، فأما في حق الله تعالى لوجوب

стр. 4921

الكفارة لا يحلف، بل هو أمر بينه وبين الله تعالى، وعلى هذا لو قال العربي لأمته بالفارسية: شهره حري تو وقال: لم أعرف معناه حلف ولم يعتق. ولو آلي العربي بالعربية ثم قال: جرى ذلك على لساني من غير قصد، أو قال العجمي هذا في إيلائه بالعجمية لم يقبل في الحكم؛ لأنه خلاف الظاهر ويدين ما بينه وبين الله تعالى. وأعلم أن فيما نقله المزني إشكالا، وذلك أنه قال: فهو مولٍ في الحكم، وإذا كان يحسن العربي العجمية فآلي بالعجمية فهو مول في الحكم وغيره، فما معنى تقيده بالحكم؟ وإزالة هذه الأشكال بأن يقال: لعل الشافعي تصور المسألة في عربي علمًا أنه يتكلم بكلمات كثيرة من ألسنة العجم، فالظاهر أنه كان عالماً بمعنى الإيلاء في اللغة العجمية لما آلي بلسان العجم، فإذا ادعى إني لا أعقل ما ذكرت جعلناه في الحكم موليًا، لأنا لما عرفناه ناطقًا بلغة العجم في كلمات كثيرة فالظاهر منه أنه علم بالإيلاء، فأما بينه وبين ربه فهو أعلم، ويحتمل أنه لم يعقل هذه الكلمة الواحدة، وإن عقل الكلمات الكثيرة. والذي يدل على مراد الشافعي ما عطف على هذه المسألة "أنه لو كان لا يتكلم بالعجمية فقال: ما عرفت ما قلت وما أردت الإيلاء فالقول قوله مع يمينه" يعني في الحكم أن الظاهر هاهنا أنه لم يعقل معنى لفظه، والظاهر في المسألة الأولى أنه يعقل معناه. مسألة: قال: "ولو آلي ثم آلي". الفصل إذا آلي ثم آلي، مثل أن يقول: والله لا وطئتك خمسة أشهر [١٢٢/أ] ثم قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر، أو حلف على مدتين، فقال: والله لا وطئتك خمسة أشهر ثم قال: والله لا وطئتك سنة، فإذا مضت أربعة أشهر طولب، فإن وطئ حنث فيما قال الشافعي. ﵀. في "الأم": لا ينظر فإن أراد باليمين الثانية الأولى فكفارة واحدة، وإن أراد غيرها فأحب آلي "كفارتان"، ويجزيه كفارة واحدة لأنهما يمينان في شيء واحد"، وهو المشهور من مذهبه. وقال أصحابنا: فيه قول آخر أن عليه لكل يمين كفارة. قال أبو إسحاق: وليس وجوب الكفارتين بشيء، وإنما ذلك استحباب كما إذا نذر ثم نذر عليَّ شيء واحد لم يلزمه الثاني ما لم يكن لزمه بالأول استحباب كما إذا نذر ثم نذر عليَّ شيء واحد لم يلزمه الثاني ما لم يكن لزمه بالأول من الوفاء، فكذلك اليمين في الكفارة، وإن أطلق ولايته له، فإذا قلنا: إذا أراد غيرها يلزمه كفارة واحدة فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: يلزم كفارتان فها هنا قولان. وقال صاحب "الإفصاح": إذا حلف على مدتين مختلفتين يجب كفارتان قولاً واحدًا؛ لأنهما يمينان مختلفان، وهذا لا يصح؛ لأن الحنث واحد فلا تتكرر الكفارة، كما لو كانتا على مدة واحدة. قال القفال: بين الوصل وبين الفصل في هذه المسألة؛ لأنه لو قال

стр. 4922

لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، وقال: أردت به التأكيد كان تأكيدًا والإيلاء كالتعليق؛ لأنه لا يوقع أمرًا بل يوجب أمرًا بخلاف ما لو قال: أنت طالق ثم قال: أردت به التأكيد لا يصح لأنه إيقاع. مسألة: قال: "وقَدْ زعمَ من خالفنَا في الوقفِ أنَّ الفيئةِ فعلٌ يحدثُه اليمين فِي الأربعةِ الأشهرِ إما بجماع، وإمّا فِيء معذورِ باللسانِ، وزعمَ أنَّ عزيمةِ الطلاقِ انقضاءُ أربعةِ أشهر بغير فعل يحدثُه". الفصل رجع الشافعي. ﵀. عليه آلي أول كتاب الإيلاء يناظر أبا حنيفة في الوقف وزمان الفيئة وقد تقدم بيان ذلك، ثم احتج عليه بأنه لما كان الفيء فعلًا منه يخرج به عن [١٢٢/ ب] حكم الإيلاء، فكذلك وجب أن تتوقف على فعله، ولا يحصل ذلك بانقضاء المدة. وحرره أصحابنا فقالوا: الطلاق أحد ما يخرج به المولي عن حكم الإيلاء، فوجب أن يتعلق بفعله كالفيئة. واحتج أيضًا بأن ظاهر الآية أنه خيِّر بينهما في زمان واحد فيختار أحدهما في الزمان الذي يختار فيه الآخر، وأنت جعلت الفيء بالمدة لم يكن شيئًا فكيف يحصل الفراق بقدم الفيئة عند انقضاء المدة من غير عزم، ولا إحداث أمر عند انقضاء المدة، ثم إذا بطل مذهبه ثبت أن قوله تعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، أراد: وإن أنشأوا الطلاق بعد انقضاء المدة، وقيل: مقصود من هذا الفصل أن عزم الطلاق عند الشافعي ظاهر اللفظ قال تعالى في آية التعريض بالخطبة: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: ولا تتلفظوا ولم يرد النهي عن الفيئة، وكيف ينهي عن الفيئة والتعريض بالخطبة مباح، وزعم أبو حنيفة، ﵀ بالامتناع قصد وقوع الطلاق عند انقضاء المدة، فقال الشافعي: لو جاز أن يحمل هذا العزم على الفيئة لوجب أن يقال: إذا عزم طلاقًا في المدة قبل انقضائها، فإذا أجمعنا على أنها لا تطلق بالعزم حين يعزم فكيف تطلق بنفس انقضاء المدة من غير عزيمة ولا فعل أنشأه. باب إيلاء الخصي مسألة: قال: "إذا آلي الخصيَّ مِنَ امرأتهِ فهوَ كغيرِ الخصي". الخصي إذا آلي من امرأته، وهو الذي سلت بيضتاه وبقي ذكره. حكمه حكم الفحل؛ لأنه يجامع كما يجامع الفحل، وإنما عدم الإنزال وذلك لا يؤثر. وقيل: جماع الخصي [١٢٣/ أ] أقوى وأشد لعدم الإنزال، وقيل: قد ينزل ماءً رقيقًا أصفر ولهذا ألحق به

стр. 4923

الولد. وأما المجبوب فعلى ثلاثة أضرب؛ مجبوب قد بقي منه ما يمكن أن يولجه ويجامع به، فحكمه حكم غير المجبوب. ومجبوب لم يبقّ منه شيء أو بقي شيء إلا أنه لا يمكن إيلاجه فيه قولان؛ أحدهما: لا ينعقد إيلاؤه وهو الصحيح، وقد نص عليه في "الإملاء" وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني؛ لأن الحنث غير متصور منه والمضارة غير متحققة. والثاني: ينعقد إيلاؤه نص عليه في "الأم" ونقله المزني إلى المختصر؛ لأن قصد المضارة باليمين قد ظهر منه. فإن قلنا بهذا قلنا له: فء بلسانك ولا شيء عليك غيره، والفيء باللسان من المجبوب أن يقول لها: لو قدرت لفعلت، ولا يقول: إذا قدرت فعلت؛ لأنه ميئوس من ذلك. ومن أصحابنا من قال: النصان على حالين، فالذي قال ينعقد إيلاؤه إذا بقي له بعد الجب شيء يمكن منه الجماع، والذي قال لا ينعقد إذا لم يبقَ ذلك. ومن أصحابنا من قال: كما على حالين على وجه آخر: فحيث صحح الإيلاء صور فيمن آلي وهو غير مجبوب ثم اعترض الجب، وحيث لا يصح الإيلاء صور فيمن آلي وهو مسموح عند الإيلاء، وهو جماعة من أصحابنا. ومجبوب بقي من ذكره قدر ما يمكن الجماع به إلا أنه يدعي أنه عاجز لا يمكنه الجماع به، فالقول قوله في ذلك وحكمه حكم العنين، وقد ذكرنا حكم من آلي ثم ثبتت عنته. مسألة: قال: "ولو آلي صحيحًا ثمَّ وجبَ ذكرهُ كانَ له الخيارُ مكانهَا". وقد بينا هذا المسألة في " كتاب النكاح" فإذا اختارت المقام فمضت أربعة أشهر، فإن قلنا بقوله في "الإملاء" لا ينعقد إيلاؤه، بطل إيلاؤه بالجب، وإن قلنا بقوله في "الأم" فلها المطالبة بعد انقضاء المدة وإيلاؤه باقٍ [١٢٣/ ب] ورضاها بالمقام معه في خيار الجب لا يسقط خيار الإيلاء فيكفيه في معذور. وأما قوله "كان لها الخيار مكانها": أي بسبب الجب العارض، ويكون على الفور قولًا واحدًا، لأنه خيار عيب فلا مهلة فيها. فرع لو آلي من الرتقاء أو القرناء. قال أصحابنا: فيها قولان كالمجبوب، إلا أنا إذا قلنا يصح الإيلاء لا تضرب الإيلاء؛ لأن المنح بسبب من جهتها كالمريضة يصح الإيلاء منها ولا تحتسب عليه المدة، ولذلك يصح الإيلاء من الصغيرة ولا تضرب له المدة حتى تبلغن فتضرب له المدة، وكذلك من الناشرة ولا تضرب المدة حتى ترجع إلى الطاعة. وقال أبو حنيفة: تضرب للمرأة الرتقاء المدة عقيب الإيلاء، فإن فاء إليها بلسانه وإلا بانت بانقضائها، وكذلك عقده إذا نشزت المرأة أو غابت المرأة في المدة وهذا غلط؛ لأن حقه من الوطاء سقط بذلك فوج أن تسقط المدة المضروبة له.

стр. 4924

كتاب الظهار الأصل في الظهار الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة:٢]، إلى آخر الآيتين. وأما السنة فما روى أبو داود بإسناده عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه ورسول الله ﷺ يجادلني فيه ويقول: "اتقى الله فإنه ابن عمك"، فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] الآيات: فقال: "يعتق رقبة" فقلت لا يجد. فقال: "يصوم شهرين متتابعين" [١٢٤/ أ] فقلت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: "فليطعم ستين مسكينًا"، قلت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأتى من ساعته بعرق من تمر، فقلت: يا رسول الله إني أعنيه بعرق آخر، قال: "قد أحسنت اذهبي فاطعمي عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك". وقال ابن سيرين: أول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت. قال الأصمعي: العرق بفتح العين والراء السفينة التي تنسخ من الخوص كالزنبيل الكبير، وقد جاء تفسيره في هذا الخبر أنه ستون صاعًا. وروي أبو داود، عن محمد بن إسحاق، أن العرق للكيل يسع ثلاثين صاعًا، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن العرق زنبيل يسع خمسة عشر صاعًا، وهذا يدل على أن العرق قد تختلف في السعة والضيق، فيكون بعض الأعراق أكبر وبعضها أصغر، وروي هشام بن عروة أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت، وكان رجلًا به لمم، فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته، فأنزل الله تعالى فيها كفارة الظهار. واللمم هاهنا الإلمام بالنساء وشدة الخحرص، والتوقان إليهن. وأيضًا روي سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر قال: كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا يتتابع عليَّ حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ رمضان، فبينما هي تحدثني ذات ليلة إذ تكشف له منها شيء، فلم ألبث أن وقعت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت: امشوا معي إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: لا والله، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "أنت بذاك يا سلمة؟ "، قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله [١٢٤/ ب] ، فاحكم فيما أراك الله ، قال: "حرر رقبة" قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي، قال:

стр. 4925

"فصم شهرين متتابعين"، فقلت: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: "فاطعم وسقًا من تمر بين ستين مسكينًا"، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما أملك لنا طعامًا، قال: "فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعهما إليك، فاطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها" فرجعت إلى قومي وقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عن النبي ﷺ السعة وحسن الرأي، وقد أمرني أو أمر لي بصدقتكم. وقوله: "أنت بذاك يا سلمة" معناه: أنت المسلم بذلك والمرتكب له. وقوله: "بتنا وحشين"، معناه: بتنا مقفرين لا طعام لنا. وروي ابن عباس ﵄ أن رجلًا أتى النبي ﷺ وقد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: "ما حملك على ذلك رحمك الله""، قال رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: "فلا تقربها حتى تعمل ما أمرك الله تعالى". وروي عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أن سلمة بن صخر الأنصاري. أحد بني بياضة. جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلًا، فأتي النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "أعتق رقبة". فقال: لا أجدها، قال: "فصم شهرين متتابعين". قال: لا أستطيع، فقال: "أطعم ستين مسكينًا". قال: لا أجد، فقال رسول الله ﷺ لعروة بن عمرو: "أعطه ذلك العرق، وهو مكتل [١٢٥/ أ] يأخذ خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر صاعًا، إطعام ستين مسكينًا". قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن. يقال: سليمان، ويقال: سلمى. وروي بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار خبر سلمى بن صخر وذكر فيه: فأتي رسول الله ﷺ بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب خمسة عشر صاعًا، فقال: "تصدق بهذا"، فقال: يا رسول الله، على أفقر مني ومن أهلي. فقال: "كله أنت وعيالك". وقيل: سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر فإخباره عن مرسل. وأما الإجماع: لا خلاف بين المسلمين فيه، ثم أعلم أن الظهار مشتق من الظهر، كأنه يقول: ظهرك محرم علي كتحريم ظهر أمن. وإنما خص الظهر من بين أعضاء الأم؛ لأن كل مركوب سمي ظهرًا لحصول الركوب على ظهره، والمرأة تركب الزوج، والظهار محرم لقوله تعالى: ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة:٢]، ومعنى ذلك أن الزوجة لا تكون محرمة كالأم. فإن قيل: أليس قوله: أنت علي حرام في معناه وليس بمحرم؟ قلنا: هو مكروه ولا يحرم؛ لأن الله تعالى عاتب فيه فقال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١]، ولم يعقبه بما عقب به لفظ الظهار من الإنكار،

стр. 4926

وعلق بالظهار الكفارة العظمى ومنع الوطاء قبل التكفير، وفي لفظة التحريم تتعلق كفارة اليمين، وليست اليمين والحنث محرمين، فلهذا لا يحرم. ويمكن أن يقال: التحريم يجتمع مع الزوجية، فأما تحريم الأم لا يجتمع معها فافترقا. مسألة: قال: "فكلُّ زوجِ جازَ طلاقُهُ وجرى عليهِ الحكمُ منْ بالغِ جرى عليهِ الظهارُ". الفصل فإن تظاهرت امرأة من زوجها كان قولها لغوًا. وقال الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلي" يلزمها كفارة الظهار. وقال الأوزاعي: [١٢٥/ ب] لو قالت لزوجها لا يكون شيئًا، ولو قالت لأجنبي: أنت عليَّ كظهر أمي، لزمتها الكفارة إذا تزوجته. وقال أبو يوسف: يلزمها كفارة اليمين، وهذا غلط لظاهر الآية، ولأنه لا يصح طلاقها فلا يصح ظهارها. وأما الرجال: فكل زوج صح طلاقه صح ظهاره حرًا كان أو عبدًا، مسلمًا كان أو كافرًا، ذميًا كان أو حربيًا. وقول الشافعي: "جرى عليه الحكم" أراد طريق التأكيد، وهو توسع في عبارة العلة، وهذا عبارة المحققين عند التحرير يستكثرون معاني الفقه في أوصاف العلة، وإن كان الوصف الواحد فيها مستقلًا بنفسه، ولا فرق بين أن تكون المرأة مدخولًا بها أو غير مدخول بها، أو صغيرة أو كبيرة، أو حائضًا أو طاهرًا، أو رتقاء أو صحيحة، أو عاقلة أو مجنونة، أو محلة أو محرمة. وقال بعض العلماء لا يصح ظهار العبد، ونسبه صاحب "الحاوي" إلى مالك ﵀. واحتج بأن الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] والعبد لا يملك الرقبة، وهذا غلط لعموم الآية، ولأنه يصح طلاقة فصح ظهاره كالحر. وأما ما ذكر لا يصح؛ لأنه أوجب تحرير الرقبة على من يجدها، وأوجب على من لا يصح من الكفارة، وهذا غلط لما ذكرنا من الآية والقياس، ولا نسلم أن موجبة الكفارة بل موجبة التحريم، ولا نسلم أنه لا يصح منه الكفارة. ثم اعلم أن الكفارة تجب الظهار والعود لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] والعود عند الشافعي أن يمسكها عقيب الظهار زوجة زمانًا يمكنه فيه إرسالها فلا يفعل، فإذا ظاهر الكافر عن زوجته نظر، فإن عاد لزمته الكفارة، وإن أتبع الظهار طلاقًا فلا كفارة؛ لأنه لم يحصل العود، وإن لم يطلق ولكن أسلم أحدهما [١٢٦/ أ] فلا يخلو إما أن تسلم هي أو يسلم هو؛ فإن أسلمت فلا فصل بين أن يكون كتابيًا أو وثنيًا؛ لأنه لا يجوز لها أن تقيم تحت كافر. ثم ينظر فإن كان إسلامها قبل الدخول عقيب الظهار لا يكون عابدًا؛ لأنه لا يمكنه طلاقها عقيب الظهار، فإنها تبين بإسلامها عقيب الظهار كما

стр. 4927

تبين بالطلاق عقيب الظهار. ولو طلق عقيب الظهار وأسلمت عقيبه وافق إسلامها زمان الطلاق، فمنع ذاك نفوذ الطلاق؛ لأنه صادف زمان البينونة، كما لو قال: إن شئت فأنت طالق فمات لا يقع الطلاق، وإن كان إسلامها بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة، ولا يكون عائدًا؛ لأنهما جارية إلى بينونة، فإن أسلم بعد انقضاء العدة فلا كلام، وإن أسلم قبل انقضائها اجتمعا على النكاح، وهل يكون عائدًا بالإسلام أو بالإمساك بعده مع قدرته على الطلاق؟ اختلف أصحابنا فيه. فقال ابن أبي هريرة: لا يصير عائدًا إلا بالإمساك بعده. قال: ونص الشافعي على أن الرجعة عود دون الإسلام، فقال: "إذا ظاهر من امرأته وارتد، ثم عاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة فحسبما قدر ما يمكنه الطلاق لزمته الكفارة، فشرط ذلك الإمساك بعد الإسلام، وفرق بينهما بأن القصد من الإسلام الدين دون استباحة الفرج، فلم يكن عائدًا، وليس كذلك الرجعة، فإن المقصود منها استباحة الفرج، فكان عائدًا بها. ومن أصحابنا من قال: يصير عائدًا بنفس الإسلام كما بالرجعة والأول أصح. وقال القاضي الطبري: رأيت في البويطي يقول: فإن رجع في العدة فالكفار لازمة فجعل الرجوع عود، وإن أسلم الزوج عقيب الظهار لم تخل المرأة من أحد أمرين؛ إما أن تكون كتابية أو لا تكون، فإن كانت كتابية فهما على الزوجية، ولكنه قد عاد لأنه أمكنه الطلاق [١٢٦/ ب] عقيب الظهار فلم يفعل، وإن لم تكن كتابية نظر، فإن كان قبل الدخول بها بانت في الحال ولم يكن عائدًا، وإن كان بعد الدخول لم يكن عائدًا؛ لأنه أجراها إلى البينونة كما لو طلقها، فإن أسلمت لم يكن إسلامها عودًا منه؛ لأن إسلامها اجتماع على الزوجية لا من جهته، ولكن متى أمسكها عقيب إسلامها مدة يمكنه طلاقها فهو عود، وهكذا إذا ظاهر مسلم من امرأته المسلمة فارتد الزوج عقيبه أو ارتدت المرأة لا فرق بينهما. مسألة: قال: "أوفي مدةٍ يمكنهُ رجعتَها". يصح الظهار من الرجعية؛ لأنه يصح طلاقها ولا يكون عائدًا؛ لأنها جارية إلى بينونة، ثم إذا راجعها يصير عائدًا وتلزمه الكفارة، ونفس الرجعة عود، وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى: "مراجعته إياها بعد الطلاق أكثر من حبسها بعد الظهار". وقال بعض أصحابنا: فيه قولان؛ أحدهما قاله في "الأم"، وهو ما ذكرناه. والثاني: قاله في "الإملاء" لا يكون نفسها عودًا؛ لأن العود إمساكها بعد ردها، فأما الرجعة نفسها رد الإمساك ما كان بعد الرد، فإذا قلنا بالأول فإن طلقها عقيب الرجعة لم تسقط الكفارة، وإذا قلنا بالثاني تسقط الكفارة، وإن لم يراجعها حتى انقضت العدة ثم تزوج بها هل يعود الظهار؟ فيه ثلاثة أقوال ذكرناها في كتاب النكاح. فإذا قلنا: يعود فنفس النكاح هل يكون عودًا على هذين القولين يخرجا. قال

стр. 4928

المزني: ينبغي أن يكون معنى قوله في التي يملك زوجها رجعتها أن ذلك يلزمه إذا راجعها؛ لأنه يقول: لو تطهر منها ثم أتبع الظهار طلاقًا يمكن فيه الرجعة لم يكن فيه كفارة، وكذا قال: إذا طلقها ثلاثًا، وقد جمع الشافعي بينهما حيث يلزمان وحيث يسقطان. واختلف أصحابنا في مراده، فقال البغداديون: أراد به الظهار في عدة الرجعية لا يكون ظهارًا إلا بعد المراجعة؛ لأنه لم يكن عائدًا إلا بعد [١٢٧/ أ] الرجعة لا يكون مظاهرًا إلا بعد أن يمسكها غير محرمة وهي محرمة. وقال البصريون: بل توهم المزني أن الشافعي حين جعله عائدًا فيها فتكلم عليه، وهذا وقف على الشافعي وليس بمخالفة له، والحكم على ما ذكره على ما بينا. مسألة: قال: "ولو تظاهرَ مِنْ امرأتهِ وهي أمةٌ ثمَّ اشتراهَا". الفصل إذا تظاهر من زوجته الأمة صح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقها على ما ذكرنا، فلو اشتراها بعد ذلك نظر، فإن اشتراها بعد العود لزمته الكفارة وإن انفسخ النكاح، ولا يحل له وطئها بملك اليمين حتى يكفر؛ لأن الفرج قد حرم عليه بالظهار فلا ترتفع إلا بالتكفير، وهذا يدل على أن المطلقة ثلاثًا إذا اشتراها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وقد ذكرنا فيه وجهًا عن أصحابنا، وهو غير صحيح. ولو أعتقها عن هذه الكفارة أجزأه، وإذا تزوج بها بعد ذلك حلت له، ولا يمنع أن تجزأ عن الكفارة، وإن كانت الكفارة وجبت بسببها، كما لو قال: إن ملكت أمة فلله علىّ أن أعتق رقبه، فمسك أمة ثم أعتقها عن نذره أجزأه. ولو كان اشتراها عقيب الظهار من غير فصل بأن كان سيدها حاضرًا فقال عيب الظهار له: بعنيها بكذا، فقال: بعتكها انفسخ النكاح، وهل صار عائدًا؟ فيه وجهان: أحدهما: قاله أبو إسحاق وابن أبي هريرة: لم يصير عائدًا؛ لأنه قد أبطل النكاح عقيبه فلم تلزمه الكفارة، وكان له وطئها بملك اليمين، قالا: وقول الشافعي: "لا يقربها حتى يكفر أراد إذا اشتراها بعد زمان، ألا ترى أنه قال: "لأنها لزمته وهي زوجته". قال القفال: وكذا لو اشتغل بأسباب الشراء من المساومة والمماسكة إلى أن تم الشراء بينهما. والثاني: لا يصير عائدًا به؛ لأنه كان يمكنه تحريمها بالطلاق، فاشتغل بقوله: "بعنيها" وذلك غير محرم لها، وإنما هو طلب النقل من إباحة إلى إباحة وإمساك بالشراء، فصار عائدًا. [١٢٧/ ب] والأول أصح. وفيه وجه ثالث ذكره صاحب "الحاوي" أنه ينطر، فإن ابتدأ الزوج بالطلب فقال لمالكها: يعني لم يكن عائدًا؛ لأنه شرع عقيب ظهاره فيما يرقع الزوجية كما لو شرع في الطلاق. وإن ابتدأ المالك عقيب ظهاره بالبذل فقال: بعتك، فقال الزوج: قبلت صار عائدًا؛ لأن بذل المالك غير منسوب إلى فعل الزوج، فصار الزوج في زمان البذل

стр. 4929

ممسكًا عن رفع الزوجية وما يعقب البذل من قبول الدافع للزوجية كان بعد مضي زمان العود، فلذلك صار عائدًا ووجبت الكفارة، فإذا قلنا بقول أبي إسحاق لو أعتقها وتزوج هل يعود حكم الإظهار؟ ينبني ذلك على ما ذكرناه من الطريقين لأصحابنا في عود النكاح بعد الفسخ هل يجري مجرى عوده بع البيونة بالثلاث أو بما دون الثلاث؟ ومتى قلنا يعود حكم الظهار هل يصير عائدًا بنفس العقد أو بمضي زمان يمكن فيه الطلاق على ما مضى من الوجهين. مسألة: قال: "ولا يلزمُ المغلوبَ على فعِله الَّا مِنْ سكرٍ. وقالَ فِي "القديم": في ظهارِ السكرانِ قولانِ أحدهما: يلزمُه والآخر لا يلزمهُ. قال المزنَي: يلزمُه وأشبه بأقاويله ولا يلزمهُ أشبهِ بالحقِ". منصوص الشافعي رحمه الله تعالى في كتبه الجديدة والقديمة أن طلاق السكران وظهاره صحيحان، والمزني نقله فيما نقله عن بعض كتبه الجديدة في الظهار، ولا فرق بين الظهار والطلاق، وقد ذكرنا فيها قولين وشرحنا ما قيل فيه، فإذا قلنا: يصحان فإن كان له تمييز فهما يصحان في الظاهر والباطن، وإن لم يكن له تمييز بحالٍ، قال ابن سريج، وأبو إسحاق: يصحان في الباطن والظاهر أيضًا؛ لأنّا نغلط عليه بسكره فيوقعها. ومن أصحابنا من قال: لا يصح في الباطن؛ لأنّا لا نقبل قوله أنه لم يكن له تمييز، ولو أخبرنا بذلك الصادق [١٢٨/ أ] نحكم أنه لا يصح ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: أحكامه أحكام الصاحي في جميع الحوادث سواء كان عليه أوله أو بعضه له وبعضه عليه، فطلاقه، وظهاره، ورجعته، ونكاحه، وإقراره، وعقوده كلها صحيحة لازمة، وكذلك إسلامه وردته، ونص الشافعي في البويطي على أن إسلامه صحيح فقال فيه: "فإن أسلم السكران جاز إسلامه، وأقبله إن لم يسلم إذا أفاق" قال هذا القائل: وقول الشافعي: "إذا ارتد السكران لم أستتبه في حال سكره" أخر استتابته؛ لأنه في حال الصحو أقرب إلى زوال الشبه عنه، وإفهام الدلائل إياه، والسكران تعارضه الشبه وتخفي عليه الدلائل ووضح الحق، ولم يقل ذلك؛ لأن إسلامه في حال السكر لا يصح، وهذا مذهب أبي إسحاق. وقال أبو عبد الله الختن في "شرح التلخيص": يصح من قول السكران كل ما كان عليه، ولا يصح ماله والبيع بجميع ماله وعليه، ولا ينفرد أحد طرفيه عن الآخر، فوجب إبطال الطرفين، وكذلك حكم عقوده كلها، ثم إقراره فيما يلزمه في بدنه على ضربين؛ أحدهما: لحق الآدمي فيلزمه، والثاني: لحق الله تعالى من قبل الردة، وحد الزنا، وما في معنى ذلك فلا يقام عليه حتى يفيق؛ لأن توبته من ردته لا تصح في سكره، إذ هي له وما لزمه من حد الله تعالى، فرجوعه أن يرجع عنه يقول: ولا يصح في حال سكره أيضًا؛ لأنه له فوجب التأني به إلى أن يصح منه الرجوع بعد الإفاقة.

стр. 4930

قال: رأيت ابن أبي هريرة يقول: لا تصح توبته في حال سكره من الردة. ومن قال بهذا قال: قول الشافعي: "إسلامه صحيح". أراد به من الكفر الأصلي فإن ذلك الإسلام عليه، فأما إسلامه من الردة فهم له فلم يصح، وهذه الطريقة حسنة ولكنها مخالفة لنص الشافعي [١٢٨/ ب] لأنه صحح إسلام الوثني في حال سكره، ونحن نعلم أن إسلامه يدرأ القتل عنه ويخفف عنه أحكام كثيرة. ثم إن المزني اختار أنه لا يصح طلاقه ولا ظهاره. واحتج بأن الطلاق عند الشافعي لا يجوز إلا من أهل القصد والإرادة، ولا طلاق عنده على مكره لارتفاع إرادته، فالسكران الذي يعقل كالنائم. ثم ألزم نفسه سؤالًا فقال: فإن قيل: لأنه أدخل ذلك على نفسه. قلنا: وإن أدخله على نفسه فهو في معنى ما أدخله عليه غيره من ذهاب عقله وارتفاع إرادته، ولو افترق حكمهما باختلاف السبب لاختلاف حكم من يجب بسبب نفسه أو بسبب غيره، فيجوز بذلك طلاق بعض المجانين. وهذا الفصل غير مسلم للمزني؛ لأن أصحابنا قالوا: إذا قصد إزالة عقله بدواء فحكمه حكم السكران، فإن تداوي من مرض بدواء لا يعلم أن العقل يزول فحكمه حكم المجنون. ومن أصحابنا من مسلم هذا، وعلل بأنه لا تميل النفس إلى مثله فلا يحتاج إلى رادع. وذكر المزني في "المنثور" عن الشافعي أن رجلًا لو نطح رجلًا فانقلب دماغ الناطح والمنطوح، ثم طلقا امرأتيها لا يقع طلاقهما، فسوى بين الناطح والمنطوح، وإن كان الناطح عاصيًا دون المنطوح لما ذكرنا أنه لا تميل النفس إلى مثله وليس كالمكره؛ لأنه أكره على اللفظ بغير حق بخلاف هذا وليس كالنائم؛ لأنه غير عاصٍ بما أزال عقله بخلاف هذا. ثم ألزم نفسه سؤالًا آخر فقال: فإن قيل: ففرض الصلاة يلزم السكران دون المجنون قيل: وكذلك فرض الصلاة يلزم النائم، فهل يجيز طلاق النوم لوجوب فرض الصلاة عليه وقد بينا الفرق بينه وبين النائم، واحتج بأن الله تعالى قال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارَى [١٢٩/ أ] حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، فلم يكن له صلاة حتى يعلمها ويريدها، وكذلك لا طلاق حتى يعلمه ويريده: فقال له: أليس أجمعت الصحابة ﵃ على أن قذفه قذف في قصة المشهورة حين قال علي ﵁: إذا شرب سكر، وإذ سكر هذى، وإذا هذى افترى، أرى أن يبلغ به حد المفترين، فلم يقل أحد منهم أنه لو افترى لم يلزم بالغربة حدًا كما لا يلزم المجنون بها حدًا، وإذا ثبت إجماعهم في لفظ واحد من ألفاظه فكذلك في غيره، وإنما لا تصح الصلاة منه في حال سكره؛ لأنه لا يتمكن من فعلها ومباشرة أركانها. ثم احتج بأن قول عثمان، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، ويحي بن سعيد، والليث بن سعد وغيرهم، فقال له: أما التابعون فلا حجة لك في قولهم، وأما عثمان، وابن عمر فأغلب الظنون أنهما كانا في تلك المشورة، فرأيهما في الجماعة أولى من رأيهما في الفرقة، وإن كانا غائبين عن المشورة فقول الأكثرين أولى. واحتج بفصل الردة، فقال: قال الشافعي: "وإذا ارتد سكران لا يستتاب في حال

стр. 4931

سكره"، وفي هذا دليل على أنه لا حكم لقوله: "لا أتوب"؛ لأنه لا يعقل ما يقول، فكذلك هو في الطلاق والظهار لا يعقل ما يقول. قيل له: ألست وافقتنا على صحته ردته في حال سكره كان دمه هدرًا، وهذا مما لا يختلف فيه نص الشافعي ﵁، وكذلك قذفه. وإذا قتل في السكر قبلًا يوجب القصاص لزمه العود ولم يختلف النص فيه، وقد ذكرنا ما قيل في الاستتابة أنه أراد استحبابًا. وأما حد السكران قد ذكرنا فيما تقدم، وقيل: إن الشافعي قال: "هو من غرب عنه بعض عقله، فكان مرة يعقل ومرة لا يعقل". وقال الأوزاعي: هو من لا يميز ردائه من أردية الحر. [١٢٩/ ب]. مسألة: قال: "ولو تظاهرَ منها ثم تركها أكثر من أربعة أشهر فهو متظاهر ولا إيلاء عليه". وإذا تظاهر من امرأته ولم يفارقها، قد ذكرنا أنه صار عائدًا وهي حرام عليه حتى يكفر، فإن تركها ولم يفكر حتى مضت أربعة أشهر لم يكن موليًا ولا يطالب بالفيئة أو الطلاق، وبه قال أبو حنيفة ﵀، وقال مالك ﵀: يصير موليًا؛ لأنه منع نفسه من وطئها بقوله: "فكان موليًا"، وها غلط؛ لأن الظهار لفظ يتعلق به التحريم فلا يصير به موليًا كالطلاق، ولأنه لا يلزمه بوطئها شيء فلم يكن موليًا، كما لو أحرم أو اعتكف. واحتج الشافعي ﵀ عليه بأن الظهار والإيلاء أصلان متباينان لأن المظاهر بعد الظهار مطيع لله بترك الجماع عاص له لو جامع قبل أن يكفر، والمولى عاص بالامتناع من الجماع، فكيف يصير المتظهر موليًا بالظهار، ولو جاز ذلك لجاز أن يصير المولى متظاهرًا بالإيلاء، ولكن هذه أصول لا يدخل بعضها في بعض، وفي هذا اللفظ الذي نقله المزني إشكال؛ لأنه قال: وعاصٍ بالإيلاء، وليس مراده أنه غير عاص بالظهار، وكيف لا يكون عاصيًا وقد قال تعالى: ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: ٢١]، ولكن مراد الشافعي ما ذكرنا أنه عاصٍ بالامتناع عن الجماع في الإيلاء بخلاف الظهار. ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: "وسواء كان مضارًا بترك الكفارة أو غير مضار، إلا أنه يأثم بالضرار كما يأثم إذا آلي منها أقل من أربعة أشهر يريد ضرارًا ولا يحكم عليه بحكم الإيلاء". وقيل: مذهب مالك أنه يكون إيلاء إذ قصد به الضرار، وإن لم يقصد ذلك لا يكون موليًا. مسألة: قال: "ولو تظاهرَ يريدُ طلاقًا [١٣٠/ أ] كانَ ظهارً". إذا قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي ونوى به الطلاق كان ظهارًا، ولو قال: أنت طالق يريد به الظهار كان طلاقًا؛ لأن كل واحدة منهما صريحي في بابه في جنس واحد، فلا ينصرف بالنية إلى غيره. وقوله: "وهذه أصول": أي كل واحد منها يخالف الأصول الأخر لفظًا ومعنى، فلا يكون الظهار إيلاء، ولا الإيلاء ظهارًا، ولا الطلاق ظهارًا ولا

стр. 4932

إيلاء. وحكي عن مالك أنه قال: يصح الظهار بلفظ الإيلاء والإيلاء بلفظ الظهار، وهو غير مشهور. فإن قيل: أليس قوله: أنت عليّ حرام صريح في إيجاب الكفارة، ثم لو نوي به الطلاق أو الظهار صح. قلنا: هل تجب الكفارة بإطلاقه؟ ذكرنا قولين ولئن سلما فلا نقول إنه صريح في شيء، والكفارة تلزمه لما ذكرنا من قبل. مسألة: قال: "ولا ظهارَ مِن أمَةٍ ولا أمِّ ولدٍ". لا يصح الظهار إلا من الزوجات، فأما من الإماء وأمهات الأولاد لا يصح، وبه قال ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق ﵏. وقال مالك والثوري يصح الظهار من كل أمة مباحة له، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، واحتجوا بأنه فرج محلل له فصح منه ظهارة كالزوجة، وهذا الظاهر الآية "والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ" [المجادلة:٣] ونساؤنا أزواجنا، كما في قوله : "لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ" [البقرة: ٢٢٦]، قال الشافعي رحمة الله عليه: ولو لزمها واحد من هذه الأحكام لزمها كلها، ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجية فلا يعمل من الأمة كالطلاق، ويؤكده أن الظهار كان طلاق الجاهلية، ونسخ حكمه دون محله. [١٣٠/ ب]. باب ما يكون ظهارًا وما لا يكون مسألة: قال: "والظهارُ أنْ يقولَ الرجلُ لامرأتهِ: أنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ". الفصل الظهار الذي ورد به الشرع أن يشبه جملتها بظهر أمه فيقول: أنت عليَّ كظهر أمي ولا فصل بين قوله: عليَّ ومعي، وعندي، ومني؛ لأن هذه الحروف أدوات يقوم بعضها مقام بعض. وكذلك لو قال بدل قوله: أنت، بدنك أو جسمك، وذاتك، أو كلك، أو جملتك عليَّ كظهر أمي. ولو قال: أنت كظهر أمي، قال القفال: كان ظاهرًا كما لو قال: أنت طالق كان طلاقًا وإن لم يقل مني. وقال الداركي: لا يكون ظهارًا لأنه ليس فيه ما يدل على أن ذلك في حقه بخلاف قوله: أنت طالق؛ لأن الطلاق من جنس الزوجية والجنس له دون غيره. مسألة: قال: "ولو قالَ: فرجكِ، أو رأسكِ، أو ظهركِ، أو جلدكِ، أو يديكِ، أو رجليكِ عليَّ كظهرِ أميِّ كانَ ظهارًا، ولو قال: كبدن أميِّ أو كرأسِ أميِّ كانَ ظهارًا". نص الشافعي ﵁ على أنه إذا شبه عضوًا منها بظهر أمه كان ظهارًا، وإذا شبهها بعضوٍ من أعضاء أمه كان ظهارًا. قال أصحابنا: وكذلك إذا أشبه عضوًا منها

стр. 4933

بعضو من أمه، كأنه قال: رأسك عليَّ كرأس أمي أو كفرج أمي أو كيد أمي. وبه قال مالك وأحمد، ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر في "القديم" أنه لا ظهار إلا أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي؛ لأن هذا اللفظ هو المعهود في الجاهلية، وكان طلاقًا فغير الله حكمه، فعلى هذا حصول قولين، وقيل: لم يقل [١٣١/ أ] الشافعي في القديم أكثر من أن الظهار الذي ورده القرآن: أنت عليَّ كظهر أمي، فإن قال: أنت عليَّ كظهر امرأة محرمة سوى الأم فيه قولان؛ فقال أصحابنا: فهذا يدل على أن في مسألتنا أيضًا قولين، ونص في القديم على أنه لو قال لها: رأسك أو بطنك أو فرجك أو رجلك عليَّ كظهر أمي كان ظهارًا، وليس كما لو شبهها بغير الأم في قول؛ لأن الأم أغلظ المحرمات والأعضاء كلها في الحرمة سواء، فعلى هذا المسألة على قول واحد. وقال أبو إسحاق: فيه وجه ثالث: ما كان من أعضاء الأم مخصوصًا بالكرامة والتعظيم كالرأس والثدي لم يكن مظاهرًا في التشبيه به، وفي غير ذلك يكون مظاهرًا، فإذا قلنا بهذا هل يكون كناية في الظهار حتى يصير مظاهرًا بالنية؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق يكون كناية؛ لأن النية كالعرف. والثاني: وهو ظاهر قول أبي هريرة، لا يكون كناية ولا يكون ظهارًا، وإن نواه كما لا يكون التشبيه بغير أمه كناية ولا يكون ظهارًا، وإن نواه تعليلًا بالعرف. وقال أبو حنيفة: إن شبهها بعضو يحرم النظر إليه من الأم كالفرج والفخذ ونحو ذلك كان متظاهرًا، وإن كان لا يحرم النظر إليه من الأم كالرأس والوجه لم يكن متظاهرًا، وقال: لو شبه يدها بيدها أو يدها بجملتها لا يكون ظهارًا، كما قال في الطلاق، وهذا غلط؛ لأنه شبه زوجته بعضو من أمه فكان مظاهرًا كما لو شبهها بظهرها. فرع لو قال: إنت علي كنفس أمي فيه وجهان؛ أحدهما: يكون صريحًا في الظهار؛ لنه يعبر به عن الذات كالبدن. والثاني: يكون كناية ولا يصير ظهارًا إلا بالنية؛ [١٣١/ ب] لأنه يحتمل أن يريد به الكرامة والتعظيم. فرع آخر لو قال: أنت عليَّ كزوج أمي فيه ثلاث أوجه: أحدهما: يكون صريحًا في الظهار كالبدن؛ لأن البدن لا يقوم إلا بالروح ولا يستمتع بالبدن إلا مع الروح لجري ذلك مجرى تشبيهها بالبدن، وهو اختيار الداركي. والثاني: أنه كناية لما فيه من الاحتمال. والثالث: لا يكون صريحًا ولا كناية؛ لأن الروح ليست من الأعيان المرئية التي يتعلق بها حظرًا وإباحة، وهو اختيار ابن أبي هريرة. فرع آخر لو قال: ما فِي بطنكِ عليَّ كظهرِ أميِّ كانَ مظاهرًا. ولو قال: حملكِ هكذا لم يكن مظاهرًا.

стр. 4934

مسألة: قال: "ولو قال: أنْتِ عليّ كَأُمي أو مِثل أُمِّي". الفصل إذا قال: أنت علي كأمي أو مثل أمي أو أنت أمي، فإن أراد في الكرامة والتوقير الشفعة فلا ظهار، وإن أراد في التحريم كان ظهارًا، وإن أطلق لا يكون شيئًا، لأنه كلام يحتمل، وبه قال أبو حنيفة. وقال القفال: وعلى هذا لو قال: أنت علي كعين أبي أو روح أمي أو كرأس أمي، وقال: أردت به الكرامة قُبل، لأن تقديره أنت أعز علي من عين أمي. وقال مالك، وأحمد، ومحمد بن الحسين: يكون مظاهرًا بما ذكرنا ولا يقبل منه أنه أراد به الكرامة، واحتجوا بأنه شبه امرأته بأمه فأشبه إذا شبهها بعضو من أعضائها وهذا غلط، لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم ولا يحمل على التحريم إلا بالنية ويخالف الأصل، لأنه لا يستعمل من الكرامة، ولا يقبل منه إذا قال: أردت الكرامة. مسألة: قال: "ولو قال: أنتِ عليَّ كظهرِ امرأةِ محرمةِ من نسبِ أو رضاعِ". لم يرد به أن لفظ الظهار هكذا ولكن أراد [١٣٢/ أ] أن يشبهها بامرأة محرمة عليه من نسب أو رضاع كان كالتشبيه بالأم، وجملته أن النساء المحرمات على ثلاثة أضرب: ضرب يصير به مظاهرًا كالأم، وكذا الجدة من قبل الأب أو من قبل الأم؛ لأنها في معنى الأم اسمًا وحالًا وتحريمًا. وإذا شبهها بالجدة هل يكون مظاهرًا بالنص أو بالقياس على النص؟ وجهان؛ أحدهما: النص لأن الجدة تسمى أمًا. والثاني: بالقياس على النص لما فيها من الولادة. وضرب لا يصير به مظاهرًا، وهو كل امرأة كانت حلالًا له ثم حرمت عليه، ثم حليلة ابنه، وامرأة أبيه التي تزوج بها بعد ولادته، والصبية التي كانت حلالًا ثم أرضعت فحرمت عليه، والمطلقة ثلاثًا، وأخت زوجته أو عمتها أو خالتها، وهؤلاء غير محرمة على التأبيد، ولو شبهها بالملاعنة لم يكن مظاهرًا وإن كانت محرمة على التأبيد لأنها لم تحرم بوصله بينه وبينها، بل حرمت بفرقة موصوفة، ولأنها كانت حلالًا له في وقت. وقال مالك وأحمد: يكون به مظاهرًا؛ لأنه شبه امرأته بمن لا تحل له على التأبيد، كما لو شبهها بالمحرمة وهذا غلط؛ لأن هذه المرأة كانت حلالًا، فإذا شبه زوجته بها احتمل أنه أراد الحالة التي كانت حلالًا له فيها فلم يكن مظاهرًا، كما لو شبهها بالأجنبية. وقال بعض أصحاب مالك: إذا شبهها بظهر الأجنبية كان مظاهرًا أيضًا، وإن شبهها بغير الظهر، فمنهم من يقول هو ظهار، ومنهم من يقول هو طلاق، وهذا غلط لأنها غير محرمة على التأبيد، فأشبه إذا شبهها بالمحرمة من زوجاته. وأما الطلاق فلا وجه له إلا أن ينويه فإنه كفاية، واحتج بأنه شبه فرجًا محللًا له بفرج محرم عليه، كما

стр. 4935

لو شبهها المحرمة، والجواب عنه الفرق بعلتنا. وضرب فيه قولان، وهو كل امرأة لم تزل محرمة عليه على التأبيد بالوصلة كذوات المحارم غير الأم من امرأة أبيه التي تزوج بها [١٣٢/ ب] قبل الولادة، أو أخيه من الرضاعة التي أرضعت قبل ولادته، والعمة، والخالة، والابنة وغيرها. قال الشافعي في "الجديد": يصير مظاهرًا به وهو الصحيح، واختاره المزني؛ لأنه شبه زوجته بامرأة لم تحل له بحال الوصلة، فأشبه إذا شبهها بالأم. وقال في "القديم": لا يصير به مظاهرًا؛ لأن لله تعالى نص على الأمهات، وهن الأصل في التحريم، وغيرهن فرع لهن ودونهن، فلا يحق بهن في حكم الظهار، وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى لما ذكر الظهار بين أنه قول منكر وزور، وهذا موجود في مسألتنا، فتعلق به الحكم، كما لو شبهها بالأم، ولأن النبي ﷺ قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، فألحق الرضاع بالنسب. ومن أصحابنا من قال: في الأخت من الرضاعة التي كانت حلالًا له قول آخر؛ أنه يصير بالتشبيه بها مظاهرًا؛ لأن المزني ذكر الأخت من الرضاعة وأطلق، ثم حكي قولًا آخر، فقال: وحفظي وحفظ غيري عنه أنه قال: لا يكون مظاهرًا ممن كان حلالًا له في حال ثم حرمت، فحصل قولين، وهذا غير صحيح، وكان من حق المزني أن لا يطلق الجواب في الأول، بل كان ينبغي له أن يقسم حال الأخت من الرضاعة؛ لأنها ربما تكون حلالًا ثم تصير حرامًا، وربما تكون حرامًا ابتداءً وانتهاءً على ما ذكرنا، والمسألة على قولٍ واحدٍ في التي كانت حلالًا مرة أنه لا يصير مظاهرًا. ومن أصحابنا من قال في الجدة قول آخر لا يصير مظاهرًا؛ لأنها ليست بأم حقيقية وهذا ليس بشيء. وذكر الإمام الجويني صاحب "المنهاج" عن بعض أصحابنا أنه لو شبهها بظهر امرأة أبيه لا يكون مظاهرًا بحالٍ، وإن لم تزل محرمة عليه بأن سبق عقدها ميلاده؛ لأنها محرمة عليه بالمصاهرة، والثاني اقتصر على ذكر النسب والرضاع دون المصاهرة، وهذا غريب. [١٣٣/ أ]. فرع لو قال: أنت عليَّ كظهر أبي، أو منك أبي، أو كأبي لا يكون مظاهرًا. وقال أبو القاسم: إذا شبهها بظهر أبيه أو غلامه كان مظاهرًا. وقال أحمد في رواية: إذا شبهها بالمحرمين من الرجال كان مظاهرًا؛ لأنه شبهها بظهر ذي محرم منه كالأم، وهذا غلط؛ لأنه لا مدخل له في الاستمتاع، فأشبه إذا شبهها بالبهيمة. فرع آخر لو قال: أنت كظهر أبي وأمي كان مظاهرًا. ولو قال: كظهر أبي أو كظهر أمي وعاد باللسان، ومنع من الوطئ حتى يكفر.

стр. 4936

فرع آخر لو قال: أنا عليك كظهر أمك كان كناية، فإن أراد ظهارًا كان ظهارًا، وإن لم يرد ظهارًا لا يكون ظهارًا، ويجري مجرى قوله: أنا منك طالق، فإنه كناية من الطلاق خلافًا لأبي حنيفة فيهما. فرع آخر ذكر الشافعي ﵀ أنه لو قال بعد ظهاره: إن شاء الله فيه قولان، واختلف فيه أصحابنا فقال بعضهم: هو محمول على الحكاية من غيره من الفقهاء كما في الطلاق. وقال بعضهم: تخريجه من الظهار صحيح، والفرق بينه وبين الطلاق أن جنس الطلاق مباح، فجاز أن يرتفع بالاستثناء، ومن قال بهذا قال: لو علق الظهار بشرط أو بصفة أو بأجل لا يتعلق ويقع ناجزًا، وهذا غريب. فرع آخر لو قال: أنت عليّ كظهر أمي إلا أن يشاء زيد ولم يعلم حاله كان مظاهرًا. فرع آخر لو قال: أنا مظاهر منك كان مقرًا بالظهار. مسألة: قال: "ويلزمُ الحنثَ بالظهارِ كما يلزمُ بالطلاقِ". أراد به أن الظهار يصح تعليقه بصفة، مثل أن يقول لها: إن دخلت الدار فأنت عليّ كظهر أمي، أو إذا قدم زيد، أو إذا جاء رأس الشهر ونحو ذلك، فإذا وجد الشرط صار مظاهرًا؛ [١٣٣/ أ] لأنه تحريم من الزوجية للزوج رفعه، فجاز أن يتعلق بالصفات كالطلاق، وهذا لأن الظهار في معنى الطلاق، فكان طلاقًا في الجاهلية فورد الإسلام فيه بالكفارة، كما كان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية فورد الإسلام فيه بضرب المدة. فرع لو قال لامرأتيه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما عليّ كظهر أمي، فدخلتا معًا كلا الدارين كان مظاهرًا منهما. وإن دخلت كل واحدة منهما إحدى الدارين فيه وجهان. مسألة: قال: "ولو قالَ: إذا نكحتكِ فأنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ فنكحها لم يكنْ متظاهرًا". إذا قال لها: إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي لم ينعقد الظهار في الحال، وإذا نكحها لم يكن مظاهرًا. وقال أبو حنيفة ﵀: يصير مظاهرًا كما قال في الطلاق، وهذا لا يصح؛ لأن التحريم إنما يقع على من حلت له وهذه محرمة فلا معنى لتحريمها. قال الشافعي رحمة الله عليه: ويروي مثل ما قلت عن النبي ﷺ ، ثم علي

стр. 4937

وابن عباس ﵄ وهو القياس، ولم يرد به في الظهار خاصة؛ لأنه لا يحفظ في ذلك خبر، بل هو مروي في الطلاق قبل النكاح، حيث قال ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح، ولا عتاق قبل الملك"، والكلام في الطلاق والظهار واحد، والقياس الذي ادعى ولم يذكره هو إن شاء اله ما لا خلاف فيه أنه لو قال لأجنبية: إذا جاء رأس الشهر فأنت عليّ كظهر أمي، ثم تزوجها قبل رأس الشهر لا يصر مظاهرًا؛ لأنه ظهار قبل النكاح، فكذلك إذا أضاف إلى النكاح لا يصير مظاهرًا. فرع لو تزوجها على أنها عليه كظهر أمه بطل النكاح، وكذلك لو اشتري أمة بهذا الشرط بطل الشراء، ولو اشتري أخته [١٣٤/ أ] بهذا الشرط صح الشراء. مسألة: قال: "ولو قالَ: أنتِ طالقٌ كظهرِ أميِّ يريدُ الظهارَ فهو طلاقٌ". الفصل من هذا أربع مسائل: إحداها: أن يقول ذلك ولا نية له فيقع الطلاق ولا ظهار؛ لأن الصريح فيه أن يقول: أنت علي أو مني أو معي، وهاهنا قال: أنت طالق كظهر أمي، فكأنه قال ابتداء كأمي. والثانية: أن يقول: أردت الطلاق وتأكيده بمعنى أنها تحرم به كظهر أمي، فقبل قوله؛ لأن مثل هذا يجعل صفة له على سبيل التأكيد. لو قال: أردت الظهار مع لفظ الطلاق يكون طلاقًا فقط. والثالثة أن يقول: نويت بالطلاق الطلاق وبالظهار الظهار. قلنا: وقع الطلاق، وأما الظهار نظر فيه، فإن كانت غير مدخول بها بانت ولم يلحقها الظهار، وإن كانت مدخولًا بها فهذه رجعية ظاهر منها زوجها فيصح، فمتى راجعها فقد عاد الظهار. وقال صاحب "المنهاج": من قال هذا يلزمه أن يسوي بين أن يفهم إرادة الظهار إلى لفظ الطلاق وبين أن يضعها إلى لفظ الظهار، فيجعله مظاهرًا في الحالين؛ لأنه إذا قال: أنت طالق ونوى ظهارًا وقع الطلاق لا محالة، فإذا عقبه بقوله كظهر أمي وهذا صريح في الظهار مستقل بنفسه من غير إرادة، وجب أن يصير مظاهرًا وهذا غريب. والرابعة: وهي مسألة الكتاب، أن يقول: نويت الظهار بكل كلامي، كأنه قال: عبرت عن الطلاق بالظهار. قلنا: سقط بما نويت وكان طلاقًا؛ لأن الطلاق صريح في التحريم في جنس فلا يكون كتابة فيهن على ما ذكرنا من قبل. فرع لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي طالق يكون مظاهرًا بقوله الأول. وأما قوله: طالق إذا

стр. 4938

نوى أنها تصير [١٢٤/ ب] بما قدمه من الظهار كالمطلقة فلا تصير؛ لأن حكم الظهار مخالف لحكم الطلاق. وإن نوى أن يصير الظهار الذي قدمه طلاقًا يكون ظهارًا ولا يكون طلاقًا. وإن نوى به إيقاع الطلاق بعد الظهار يكون مظاهرًا ومطلقًا ويمنع الطلاق من العود. وإن لم ينو به شيئًا ففي وقوع الطلاق به وجهان؛ أحدهما: لا يقع؛ لأنه مبتور اللفظ. والثاني: يقع؛ لأنه من صريح ألفاظه وقد تقدم من المواجهة ما إذا تلفظ بعده بالطلاق صار مضمرًا فيه، فكأنه قال: أنت عليَّ كظهر أمي وأنت طالق. والفرق بين أن يؤخر الظهار فلا يكون مظاهرًا مع عدم النية، وبين أن يؤخر الطلاق فيصير مطلقًا مع عدم النية، أن ما تركه بتأخر الطلاق حرفان؛ أحدهما: حرف المواجهة، وهو قوله: أنت. والثاني: حرف الالتزام، فجاز أن يكون حرف الالتزام مضمرًا لعدم ذكره في الطلاق المتقدم. فرع آخر لو قال: أنتِ عليَّ كظهرِ أميَّ بلْ طالقٌ ثلاثًا كانَ مطلقًا. مسألة: قال: "ولو قال أنتِ عليَّ حرامٌ كظهرِ أمَّي يريدُ الطلاقَ فهو ظهارٌ". جملته أن قوله: أنت عليَّ حرام كظهر أمي، يريد الطلاق، فإن أراد به الظهار كان ظهارًا، فإذا ثبت هذا فمتى قال: أنت عليَّ حرام كظهر أمي فيه خمس مسائل: أحديها: أن يقول ذلك ولا نية له، فهو ظهار نص في "الأم" و"البويطي" لمعنيين؛ أحدهما: أن قوله عليَّ حرام كان أقوى من النية فكان ظهارًا؛ لأنه إذا كان إطلاقه ظهارًا كانت النية تأكيدًا. والثانية: أن يقول: نويت الطلاق بقول: أنت عليَّ حرام، قال في "الأم": ونقله المزني [١٣٥/ أ] في عامة نسخه: إنه طلاق، وبه قال عامة أصحابنا. وفي بعض نسخ كتاب المزني أنه ظهار، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن مطلق هذه الجملة صريح في الظهار، فإذا نوى بها الطلاق لم يكن طلاقًا، فقال بعض أصحابنا: فيه قولان؛ أحدهما: أنه طلاق، وبه قال أبو يوسف ومحمد، إلا أن أبا يوسف يقول: لا يقبل قوله في نفس الظهار، ووجه أن قوله: أنت عليَّ حرام مع نية الطلاق بمنزلة صريح الطلاق. ولو قال: أنت طالق كظهر أمي كان طلاقًا، فكذلك الكناية مع النية. والثاني: أنه ظهار لما ذكرنا من العلة، والأول أصح، وما ذكره القائل الآخر لا يصح؛ لأن النية قارنت لفظ التحريم وسبقت لفظ الظهار، فكانت باللفظ أحق. ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا أنه طلاق وغيره تصحيف من الناقل أو غلط. وقال القفال: نقل المزني من المختصر أنه ظهار، ونقل في "الجامع الكبير" أنه طلاق، وهما على حالين لا على

стр. 4939

قولين، فإن أراد الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام صح. ثم الكلام في قوله: كظهر أمي على ما مضى في المسألة قبلها. وإن أراد الطلاق بقوله: كظهر أمي فهو ظهار لا غير؛ لأن بلفظ الظهار لا يقع الطلاق، وليس هو من كنايات الطلاق. والرابعة: أن يقول: نويت الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام، والظهار بقوله: كظهر أمي، يقع الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام، ويكون مظاهرًا بقوله: كظهر أمي؛ لأنه أرادها معًا كما لو قال: أنت طالق كظهر أمي ونوى به كليهما، نص عليه في "البويطي" وقال فيه: لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي حرام ونوى به الطلاق لزمه الظهار، لأنه صريح به، وأضاف إليه كلمة صفة له، والفرق بينهما ظهار، ومن أصحابنا من قال: يكون مظاهرًا اعتبارًا بقوله: كظهر أمي، ويسقط قوله: أنت عليَّ حرام، وهذا متولد من الخلاف قبل هذه المسألة، فإن [١٣٥/ ب] من أصحابنا من اعتبر هناك ما نواه دون ما نطق، وهو المذهب المنصوص. ومنهم من راعى النطق وألغى ما نواه، وهذا إذا كانت مدخولًا بها، فإن لم تكن مدخولًا بها بانت بالطلاق. ولا يصح الظهار إذا قلنا يقع الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام مع النية في هذه المسألة. والخامسة: أن يقول: نويت بقولي أنت عليَّ حرام تحريم العين الذي يوجب كفارة يمين، فهو على هذا الخلاق، فإن اعتبرنا النية وجب كفارة يمين وسقط قوله: كظهر أمي. قال أبو حامد: وهو المذهب، وإن اعتبرنا النطق سقط ما نواه ويلزم الظهار، ولأنه قصد التحريم ووصفه بما يوجب الكفارة العظمى، فلا يقبل قوله في إسقاطها إلى الكفارة الصغرى. فرع قال ابن الحداد: لو قال لها: أنت عليَّ حرام، ثم قال: أردت به الطلاق والظهار، قيل له: اِختر أيهما شئت، فإن اللفظة الواحدة لا تكون طلاقًا وظهارًا. وقال بعض أصحابنا: يكون طلاقًا؛ لأنه بدأ بذكره، فكأنه يلزمه من ذلك ما يبدأ به ومن نصر القول الأول، قال: الاعتبار بجميع لفظه، ألا ترى أنه لو قال: طلقت هذه أو هذه لم يلزمه طلاق الأولى، وله أن يعين فيمن شاءن كما لو طلق إحدى امرأتيه. فرع آخر قال في "البويطي": قد قيل: من صرح بالطلاق والظهار والعتق ولم يكن له نية في ذلك لا يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق ويلزم في الحكم. قال: وحجته في ذلك قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنية" و " يرفع القلم عن ثلاثة"، وإجماع العلماء أن المجنون والنائم إذا تلفظ بصريح لفظ الطلاق لا يلزمه، [١٣٦/ أ] ثم قال: وقال مالك: من طلق أو أعتق أو ظاهر بلا نية يلزم ذلك في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى. قال: والحجة في ذلك لمن ذهب إليه ما ذكر الله تعالى من إتلاف المؤمن خطأ، وما أجمع عليه العلماء أن مال آدمي خطأ فذلك عليه وإن لم ينو، وذلك من حقوق الآدميين، وللمرأة حق في منعها نفسها، وللعبد حق في حريته، وللمالكين حق

стр. 4940

في الظهار، ولم يعترض على أحدهما، فالظاهر أنه قصد تخريجه على قولين، وهذا غريب، حكاه القاضي الطبري. مسألة: قال: "ولو قالَ لأخرى: قَدْ أشركتكَ معهَا". الفصل إذا ظاهر من امرأته ثم قال لامرأة أخرى: أنت شريكتها أو أشركتك معها، أو أنت كهي، فإن ذلك كناية، فإن نوى الظهار به كان ظهارًا، وإن لم ينو شيئًا بل أطلق لم يكن شيئًا لأنه يحتمل أن يكون معناه أنت شريكتها في الزوجية أو سوء الخلق. وقال مالك وأحمد: يكون ظهارًا وإن لم ينوِ؛ لأن حكم العطف حكم المعطوف عليه، وذلك يقتضي التشريك، فأشبه إذا جمعهما في لفظ الظهار، وهذا غلط لما ذكرنا، ويفارق إذا جمعهما؛ لأنه وجد فيهما صريح اللفظ بخلاف مسألتنا. وقال في "الحاوي" قال في "القديم": يكون مظاهرًا من الثانية، فقيل: هذا قول ثان، وقيل: هذا حكاية مذهب الغير، ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر أنه لا يصح التشريك في الظهار أصلًا، ذكره ابن أبي أحمد وصاحب "الإفصاح"، وهذا على قوله القديم الذي يعتبر فيه الصريح كاليمين. فرع لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي إن شاء زيد، وإن شاء زيد فأنت عليَّ كظهر أمي، فشاء زيد انعقد ظهاره قولًا واحدًا؛ لأنه علق الصفة وقد وجدت، ولو قال: إن شاء، قد ذكرنا حكمه. مسألة: [١٣٦/ ب] قال: "ولو تظاهرَ من أربع نسوةٍ له بكلمةِ واحدةٍ، فقالَ في كتاب "الظهارِ الجديد" وفِي "الإملاءِ" على مسائلِ مالكِ: إنَّ عليهِ في كلِ واحدةِ كفارةِ". الفصل إذا تظاهر من أربع نسوة له نظر، فإن أفرد كل واحدة بالظهار فعليه في حق كل واحدة كفارة بلا إشكال، وإن ظاهر منهن بكلمة واحدة فقال لهن: أنتنَّ علىَّ كظهر أمي، قال في "الأم" و "الإملاء" عليه في كل واحدة كفارة. وبه قال أبو حنيفة وهو الصحيح، لأن وحد الظهار والعود في حق كل واحدة منهن، فوجب عليه لكل واحدة كفارة، ولأنه لو خاطبهن بالطلاق أوجبت الحرمة في كل واحدة، فكذلك إذا خاطبهن بالظهار أوجبت الحرمة. وإذا أوجبت الحرمة يتعدد تعدد الرافع، وهو الكفارة. وقال في "القديم": يجزيه عن الكل كفارة واحدة. وبه قال مالك وأحمد، وروي ذلك عن عمر ﵁؛ لأن لفظ الظهار متحد والكفارة تمحو اللفظ، وادعى المزني أن
следующие страницы →