Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
فرع آخر
لو قال: أنا عليك كظهر أمك كان كناية، فإن أراد ظهارًا كان ظهارًا، وإن لم يرد ظهارًا لا يكون ظهارًا، ويجري مجرى قوله: أنا منك طالق، فإنه كناية من الطلاق خلافًا لأبي حنيفة فيهما.
فرع آخر
ذكر الشافعي ﵀ أنه لو قال بعد ظهاره: إن شاء الله فيه قولان، واختلف فيه أصحابنا فقال بعضهم: هو محمول على الحكاية من غيره من الفقهاء كما في الطلاق. وقال بعضهم: تخريجه من الظهار صحيح، والفرق بينه وبين الطلاق أن جنس الطلاق مباح، فجاز أن يرتفع بالاستثناء، ومن قال بهذا قال: لو علق الظهار بشرط أو بصفة أو بأجل لا يتعلق ويقع ناجزًا، وهذا غريب.
فرع آخر
لو قال: أنت عليّ كظهر أمي إلا أن يشاء زيد ولم يعلم حاله كان مظاهرًا.
فرع آخر
لو قال: أنا مظاهر منك كان مقرًا بالظهار.
مسألة: قال: "ويلزمُ الحنثَ بالظهارِ كما يلزمُ بالطلاقِ".
أراد به أن الظهار يصح تعليقه بصفة، مثل أن يقول لها: إن دخلت الدار فأنت عليّ كظهر أمي، أو إذا قدم زيد، أو إذا جاء رأس الشهر ونحو ذلك، فإذا وجد الشرط صار مظاهرًا؛ [١٣٣/ أ] لأنه تحريم من الزوجية للزوج رفعه، فجاز أن يتعلق بالصفات كالطلاق، وهذا لأن الظهار في معنى الطلاق، فكان طلاقًا في الجاهلية فورد الإسلام فيه بالكفارة، كما كان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية فورد الإسلام فيه بضرب المدة.
فرع
لو قال لامرأتيه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما عليّ كظهر أمي، فدخلتا معًا كلا الدارين كان مظاهرًا منهما. وإن دخلت كل واحدة منهما إحدى الدارين فيه وجهان.
مسألة: قال: "ولو قالَ: إذا نكحتكِ فأنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ فنكحها لم يكنْ متظاهرًا".
إذا قال لها: إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي لم ينعقد الظهار في الحال، وإذا نكحها لم يكن مظاهرًا. وقال أبو حنيفة ﵀: يصير مظاهرًا كما قال في الطلاق، وهذا لا يصح؛ لأن التحريم إنما يقع على من حلت له وهذه محرمة فلا معنى لتحريمها. قال الشافعي رحمة الله عليه: ويروي مثل ما قلت عن النبي ﷺ ، ثم علي
стр. 4937
وابن عباس ﵄ وهو القياس، ولم يرد به في الظهار خاصة؛ لأنه لا يحفظ في ذلك خبر، بل هو مروي في الطلاق قبل النكاح، حيث قال ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح، ولا عتاق قبل الملك"، والكلام في الطلاق والظهار واحد، والقياس الذي ادعى ولم يذكره هو إن شاء اله ما لا خلاف فيه أنه لو قال لأجنبية: إذا جاء رأس الشهر فأنت عليّ كظهر أمي، ثم تزوجها قبل رأس الشهر لا يصر مظاهرًا؛ لأنه ظهار قبل النكاح، فكذلك إذا أضاف إلى النكاح لا يصير مظاهرًا.
فرع
لو تزوجها على أنها عليه كظهر أمه بطل النكاح، وكذلك لو اشتري أمة بهذا الشرط بطل الشراء، ولو اشتري أخته [١٣٤/ أ] بهذا الشرط صح الشراء.
مسألة: قال: "ولو قالَ: أنتِ طالقٌ كظهرِ أميِّ يريدُ الظهارَ فهو طلاقٌ".
الفصل
من هذا أربع مسائل: إحداها: أن يقول ذلك ولا نية له فيقع الطلاق ولا ظهار؛ لأن الصريح فيه أن يقول: أنت علي أو مني أو معي، وهاهنا قال: أنت طالق كظهر أمي، فكأنه قال ابتداء كأمي.
والثانية: أن يقول: أردت الطلاق وتأكيده بمعنى أنها تحرم به كظهر أمي، فقبل قوله؛ لأن مثل هذا يجعل صفة له على سبيل التأكيد. لو قال: أردت الظهار مع لفظ الطلاق يكون طلاقًا فقط.
والثالثة أن يقول: نويت بالطلاق الطلاق وبالظهار الظهار. قلنا: وقع الطلاق، وأما الظهار نظر فيه، فإن كانت غير مدخول بها بانت ولم يلحقها الظهار، وإن كانت مدخولًا بها فهذه رجعية ظاهر منها زوجها فيصح، فمتى راجعها فقد عاد الظهار. وقال صاحب "المنهاج": من قال هذا يلزمه أن يسوي بين أن يفهم إرادة الظهار إلى لفظ الطلاق وبين أن يضعها إلى لفظ الظهار، فيجعله مظاهرًا في الحالين؛ لأنه إذا قال: أنت طالق ونوى ظهارًا وقع الطلاق لا محالة، فإذا عقبه بقوله كظهر أمي وهذا صريح في الظهار مستقل بنفسه من غير إرادة، وجب أن يصير مظاهرًا وهذا غريب.
والرابعة: وهي مسألة الكتاب، أن يقول: نويت الظهار بكل كلامي، كأنه قال: عبرت عن الطلاق بالظهار. قلنا: سقط بما نويت وكان طلاقًا؛ لأن الطلاق صريح في التحريم في جنس فلا يكون كتابة فيهن على ما ذكرنا من قبل.
فرع
لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي طالق يكون مظاهرًا بقوله الأول. وأما قوله: طالق إذا
стр. 4938
نوى أنها تصير [١٢٤/ ب] بما قدمه من الظهار كالمطلقة فلا تصير؛ لأن حكم الظهار مخالف لحكم الطلاق. وإن نوى أن يصير الظهار الذي قدمه طلاقًا يكون ظهارًا ولا يكون طلاقًا. وإن نوى به إيقاع الطلاق بعد الظهار يكون مظاهرًا ومطلقًا ويمنع الطلاق من العود. وإن لم ينو به شيئًا ففي وقوع الطلاق به وجهان؛ أحدهما: لا يقع؛ لأنه مبتور اللفظ. والثاني: يقع؛ لأنه من صريح ألفاظه وقد تقدم من المواجهة ما إذا تلفظ بعده بالطلاق صار مضمرًا فيه، فكأنه قال: أنت عليَّ كظهر أمي وأنت طالق. والفرق بين أن يؤخر الظهار فلا يكون مظاهرًا مع عدم النية، وبين أن يؤخر الطلاق فيصير مطلقًا مع عدم النية، أن ما تركه بتأخر الطلاق حرفان؛ أحدهما: حرف المواجهة، وهو قوله: أنت. والثاني: حرف الالتزام، فجاز أن يكون حرف الالتزام مضمرًا لعدم ذكره في الطلاق المتقدم.
فرع آخر
لو قال: أنتِ عليَّ كظهرِ أميَّ بلْ طالقٌ ثلاثًا كانَ مطلقًا.
مسألة: قال: "ولو قال أنتِ عليَّ حرامٌ كظهرِ أمَّي يريدُ الطلاقَ فهو ظهارٌ".
جملته أن قوله: أنت عليَّ حرام كظهر أمي، يريد الطلاق، فإن أراد به الظهار كان ظهارًا، فإذا ثبت هذا فمتى قال: أنت عليَّ حرام كظهر أمي فيه خمس مسائل: أحديها: أن يقول ذلك ولا نية له، فهو ظهار نص في "الأم" و"البويطي" لمعنيين؛ أحدهما: أن قوله عليَّ حرام كان أقوى من النية فكان ظهارًا؛ لأنه إذا كان إطلاقه ظهارًا كانت النية تأكيدًا. والثانية: أن يقول: نويت الطلاق بقول: أنت عليَّ حرام، قال في "الأم": ونقله المزني [١٣٥/ أ] في عامة نسخه: إنه طلاق، وبه قال عامة أصحابنا. وفي بعض نسخ كتاب المزني أنه ظهار، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن مطلق هذه الجملة صريح في الظهار، فإذا نوى بها الطلاق لم يكن طلاقًا، فقال بعض أصحابنا: فيه قولان؛ أحدهما: أنه طلاق، وبه قال أبو يوسف ومحمد، إلا أن أبا يوسف يقول: لا يقبل قوله في نفس الظهار، ووجه أن قوله: أنت عليَّ حرام مع نية الطلاق بمنزلة صريح الطلاق.
ولو قال: أنت طالق كظهر أمي كان طلاقًا، فكذلك الكناية مع النية. والثاني: أنه ظهار لما ذكرنا من العلة، والأول أصح، وما ذكره القائل الآخر لا يصح؛ لأن النية قارنت لفظ التحريم وسبقت لفظ الظهار، فكانت باللفظ أحق. ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا أنه طلاق وغيره تصحيف من الناقل أو غلط. وقال القفال: نقل المزني من المختصر أنه ظهار، ونقل في "الجامع الكبير" أنه طلاق، وهما على حالين لا على
стр. 4939
قولين، فإن أراد الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام صح. ثم الكلام في قوله: كظهر أمي على ما مضى في المسألة قبلها. وإن أراد الطلاق بقوله: كظهر أمي فهو ظهار لا غير؛ لأن بلفظ الظهار لا يقع الطلاق، وليس هو من كنايات الطلاق. والرابعة: أن يقول: نويت الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام، والظهار بقوله: كظهر أمي، يقع الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام، ويكون مظاهرًا بقوله: كظهر أمي؛ لأنه أرادها معًا كما لو قال: أنت طالق كظهر أمي ونوى به كليهما، نص عليه في "البويطي" وقال فيه: لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي حرام ونوى به الطلاق لزمه الظهار، لأنه صريح به، وأضاف إليه كلمة صفة له، والفرق بينهما ظهار، ومن أصحابنا من قال: يكون مظاهرًا اعتبارًا بقوله: كظهر أمي، ويسقط قوله: أنت عليَّ حرام، وهذا متولد من الخلاف قبل هذه المسألة، فإن [١٣٥/ ب] من أصحابنا من اعتبر هناك ما نواه دون ما نطق، وهو المذهب المنصوص. ومنهم من راعى النطق وألغى ما نواه، وهذا إذا كانت مدخولًا بها، فإن لم تكن مدخولًا بها بانت بالطلاق. ولا يصح الظهار إذا قلنا يقع الطلاق بقوله: أنت عليَّ حرام مع النية في هذه المسألة. والخامسة: أن يقول: نويت بقولي أنت عليَّ حرام تحريم العين الذي يوجب كفارة يمين، فهو على هذا الخلاق، فإن اعتبرنا النية وجب كفارة يمين وسقط قوله: كظهر أمي. قال أبو حامد: وهو المذهب، وإن اعتبرنا النطق سقط ما نواه ويلزم الظهار، ولأنه قصد التحريم ووصفه بما يوجب الكفارة العظمى، فلا يقبل قوله في إسقاطها إلى الكفارة الصغرى.
فرع
قال ابن الحداد: لو قال لها: أنت عليَّ حرام، ثم قال: أردت به الطلاق والظهار، قيل له: اِختر أيهما شئت، فإن اللفظة الواحدة لا تكون طلاقًا وظهارًا. وقال بعض أصحابنا: يكون طلاقًا؛ لأنه بدأ بذكره، فكأنه يلزمه من ذلك ما يبدأ به ومن نصر القول الأول، قال: الاعتبار بجميع لفظه، ألا ترى أنه لو قال: طلقت هذه أو هذه لم يلزمه طلاق الأولى، وله أن يعين فيمن شاءن كما لو طلق إحدى امرأتيه.
فرع آخر
قال في "البويطي": قد قيل: من صرح بالطلاق والظهار والعتق ولم يكن له نية في ذلك لا يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق ويلزم في الحكم. قال: وحجته في ذلك قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنية" و " يرفع القلم عن ثلاثة"، وإجماع العلماء أن المجنون والنائم إذا تلفظ بصريح لفظ الطلاق لا يلزمه، [١٣٦/ أ] ثم قال: وقال مالك: من طلق أو أعتق أو ظاهر بلا نية يلزم ذلك في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى. قال: والحجة في ذلك لمن ذهب إليه ما ذكر الله تعالى من إتلاف المؤمن خطأ، وما أجمع عليه العلماء أن مال آدمي خطأ فذلك عليه وإن لم ينو، وذلك من حقوق الآدميين، وللمرأة حق في منعها نفسها، وللعبد حق في حريته، وللمالكين حق
стр. 4940
في الظهار، ولم يعترض على أحدهما، فالظاهر أنه قصد تخريجه على قولين، وهذا غريب، حكاه القاضي الطبري.
مسألة: قال: "ولو قالَ لأخرى: قَدْ أشركتكَ معهَا".
الفصل
إذا ظاهر من امرأته ثم قال لامرأة أخرى: أنت شريكتها أو أشركتك معها، أو أنت كهي، فإن ذلك كناية، فإن نوى الظهار به كان ظهارًا، وإن لم ينو شيئًا بل أطلق لم يكن شيئًا لأنه يحتمل أن يكون معناه أنت شريكتها في الزوجية أو سوء الخلق. وقال مالك وأحمد: يكون ظهارًا وإن لم ينوِ؛ لأن حكم العطف حكم المعطوف عليه، وذلك يقتضي التشريك، فأشبه إذا جمعهما في لفظ الظهار، وهذا غلط لما ذكرنا، ويفارق إذا جمعهما؛ لأنه وجد فيهما صريح اللفظ بخلاف مسألتنا. وقال في "الحاوي" قال في "القديم": يكون مظاهرًا من الثانية، فقيل: هذا قول ثان، وقيل: هذا حكاية مذهب الغير، ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر أنه لا يصح التشريك في الظهار أصلًا، ذكره ابن أبي أحمد وصاحب "الإفصاح"، وهذا على قوله القديم الذي يعتبر فيه الصريح كاليمين.
فرع
لو قال: أنت عليَّ كظهر أمي إن شاء زيد، وإن شاء زيد فأنت عليَّ كظهر أمي، فشاء زيد انعقد ظهاره قولًا واحدًا؛ لأنه علق الصفة وقد وجدت، ولو قال: إن شاء، قد ذكرنا حكمه.
مسألة: [١٣٦/ ب] قال: "ولو تظاهرَ من أربع نسوةٍ له بكلمةِ واحدةٍ، فقالَ في كتاب "الظهارِ الجديد" وفِي "الإملاءِ" على مسائلِ مالكِ: إنَّ عليهِ في كلِ واحدةِ كفارةِ".
الفصل
إذا تظاهر من أربع نسوة له نظر، فإن أفرد كل واحدة بالظهار فعليه في حق كل واحدة كفارة بلا إشكال، وإن ظاهر منهن بكلمة واحدة فقال لهن: أنتنَّ علىَّ كظهر أمي، قال في "الأم" و "الإملاء" عليه في كل واحدة كفارة. وبه قال أبو حنيفة وهو الصحيح، لأن وحد الظهار والعود في حق كل واحدة منهن، فوجب عليه لكل واحدة كفارة، ولأنه لو خاطبهن بالطلاق أوجبت الحرمة في كل واحدة، فكذلك إذا خاطبهن بالظهار أوجبت الحرمة. وإذا أوجبت الحرمة يتعدد تعدد الرافع، وهو الكفارة. وقال في "القديم": يجزيه عن الكل كفارة واحدة. وبه قال مالك وأحمد، وروي ذلك عن عمر ﵁؛ لأن لفظ الظهار متحد والكفارة تمحو اللفظ، وادعى المزني أن
стр. 4941
الشافعي رجع عن القول القديم إلى القول الجديد، والمسألة على قول واحد. وقال القفال: يمكن بناء القولين على أنه كالإملاء، أو كالطلاق، فإن جعلناه كالإملاء فكفارة واحدة، كما لو قال: والله لا أقربكن يكفي لهن كفارة واحدة إذا حنث. وإن قلنا: كالطلاق يلزمه أربع كفارات، ويمكن بناءهما أيضًا على أنه إذا تعددت اليمين واتحد الحنث هل يلزمه كفارة أو كفارات؟ وهو أن يقول: والله لا أكلم زيدًا، ثم يقول: والله لا أكلم رجلًا ثم كلم زيدًا؛ لأن هناك تعددت الأعيان واتحد الحنث، وهاهنا اتحد اللفظ ويتصور تعدد الصور المقرر للكفارة، وهذا البناء أبعد من الوجهين الأولين.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ منها مرارًا يريدُ بكلِ واحدةٍ ظهارًا غيرَ الآخر [١٣٧/ أ] قبلَ أن يكفرَّ فعليه بكلِّ ظهارٍ كفارةً".
إذ كرر لفظ الظهار في امرأة واحدة لا يخلو إما أن يكون متواليًا أو متفرقًا، فإن كان تواليًا نظر، فإن أراد بكل مرة الاستئناف كان عليه في كل مرة كفارة، كما عليه في لفظ تطليقه إذا كرر لفظ الطلاق وأراد الاستئناف، وإذا أراد التكرار على سبيل التأكيد يلزمه كفارة واحدة كما يكون في الطلاق تطليقة واحدة، ذكره في "الجديد". وعلى هذا إذا أطلق فيه قولان كما في الطلاق. قال أبو إسحاق: الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فجعل فيه كفارة، فكل لفظ كان حكمه أن يكون طلاقًا فالساعة حكمه الكفارة؛ لأن الكفارة أقيمت مقامه. وقال أبو حامد وصاحب "الحاوي": المذهب في الظهار أنه إذا كرره وأطلق ولم ينوِ شيئًا يكفيه كفارة واحدة، والفرق بينه وبين الطلاق أن الطلاق يزيل الملك فهو أقوى من لفظ الظهار، لأنه يشعب الملك ولا يزيله، وهذا ضعيف، والصحيح ما تقدم، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، أنه لو قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي مائة مرة يلزمه مائة كفارة. وقال في "القديم": تجب كفارة واحدة ويتداخل وإن أراد الاستئناف؛ لأنه لم يفد الثاني إلا ما أفاد الأول، والظهار يوجب تحريم فرجها حتى يكفر، فإذا لم يكفر ولم يحل الفرج لم يكن لإعادة اللفظ معنى، وإن لم يوال بين الألفاظ لفرقها في الأيام. فإن أراد التأكيد كان تأكيدًا كالمتوالي بخلاف الطلاق؛ لأن الطلاق مزيل للملك فروعي الولاء من تأكيده بخلاف الظهار.
ومن أصحابنا من قال: لا يجعل تأكيدًا عند الفصل؛ لأنه أنشأ التحريم بخلاف الإيلاء لأنه تعليق قبل التأكيد وإن فصل. وقال القفال: فيه وجهان مبنيان [١٣٧/ ب] على أنه يسلك مسلك الإيلاء أو الطلاق، وإن أراد الاستئناف كان استئنافًا، ثم غن كان الظهار الثاني بعد التكفير عن الأول يلزمه في الثاني كفارة، وإن كان قبل تكفيره فيه قولان. وإن أطلق، فإن كان بعد التكفير عن الأول حمل على الاستئناف وإن كان قبل التكفير من الأول فيه وجهان، أحدهما: يحمل على الاستئناف وفيما يلزمه من الكفارة قولان. والثاني: يحمل على التأكيد. فإن تقرر هذا فحيث جعلناه تأكيدًا لو طلق عقيب
стр. 4942
الألفاظ المتوالية لم يصر عائدًا في شيء ولم يلزمه كفارة، لأنه استعمل بما يؤكد الكلام الأول فلا يجعله مخالفًا فيه ولا راجعًا فيه، وإذا جعلناه استئنافًا فهل يكون استقالة بالكلمة الثانية عودًا في الكلمة الأولى عند الموالاة؟ وجهان ذكرهما القفال؛ أحدهما عود كما قلنا فيما لو ظاهر من أربع نسوة بأربع كلمات، فلما استقل عن الظهار بالثانية صار عائدًا في الأول، فعلى هذا لو أطلق عقيب الكلمات الأربعة مثلًا لزمته ثلاث كفارات في المرات الثلاث الأول ولا يلزمه في الرابعة شيء. والثاني: أنه مادام مشتغلًا بجنس الظهار، فهو غير عائد، فإذا طلق عقيب الكلمات الأربعة لم يلزمه كفارة، وإن لم يطلق لزمته الكفارات حينئذٍ.
ومن أصحابنا من قال: الظهار الثاني في زمان عوده من الظهار الأول فلا يكون مظاهرًا في وقت العود كما لا يكون عائدًا في وقت الظهار، فإذا كرر الظهار خمس مرات يصير الثاني عودًا، ويصير الثالث ظهارًا ثانيًا، ويصير الرابع عودًا في الثاني الذي كان ثالثًا، ويصير الخامس ظهارًا ثالثًا وهذا خطأ؛ لأن العود بالزمان والظهار بالقول فلم يقع الفرق في معنى زمان العود بين أن يكون فيه ممسكًا أو متكلمًا، ولم يقع الفرق [١٣٨/ أ] ولم يقع الفرق في كلامه بين أن يكون ظهارًا أو خطابًا وعلى هذا يلزمه خمس كفارات إذا كرر خمس مرات، وعلى هذا الوجه الذي ذكرنا يلزمه ثلاث كفارات. واعلم أن الشافعي. رحمة الله عليه. قيد المسألة التي ذكرها بقوله: "قيل يكفر"، وهذا ليس بشرط في وجوب الكفارات ولكنه نص على أخص الحالتين تنبيهًا على الأظهر حتى إذا علمت وجوب الكفارات بهذه الألفاظ قيل يكفر لا يكاد يخفي عليك حكم المسألة إذا كرر بعد أن كفر.
مسألة: قال: "ولو قالَ: إذا تظاهرتُ من فلانةِ الأجنبية فإنتِ علىَّ كظهرِ أميَّ فتظاهرَ من الأجنبيةِ لمْ يكنْ عليهِ ظهارٌ".
الفصل
أما إذا قال: إن تظاهرت من امرأتي الأخرى فأنت عليَّ كظهر أمي، ثم تظاهر من تلك يصير متظهرًا من الأولى بالصفة ومن الثانية بالمباشرة، فإن عاد فيهما فعليه عن كل واحدة كفارة قولًا واحدًا؛ لأنه ظاهر من إحديهما بغير ما ظاهر من الأخرى وأقل أحواله أن يكون تظاهر من كل واحدة منهما بلفظ مفرد. ولو قال: إن تظهرت من إحدى امرأتي فالأخرى عليَّ كظهر أمي ولم يعين بالقلب إحديهما فمن أيتهما تظاهر متظاهرًا من الأخرى. وإن قال لزوجتيه: إن تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت عليَّ كظهر أمي، ثم قال للأجنبية: أنت عليَّ كظهر أمي لم يكن عليه ظهار في واحدة منهما؛ لأن الظهار من الأجنبية لا يصح، ومتى علق الظهار بالظهار اقتضى الظهار الشرعي كما
стр. 4943
إذا علق الطلاق بالبيع المطلق ليتقضي البيع الشرعي، فإن تزوج بها وظاهر منها صح الظهار من التي تزوج بها، وهل يكون مظاهرًا من امرأته؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يكون مظاهرًا؛ لأن الصفة لم توجد [١٣٨/ ب] وهو الظهار من الأجنبية، فإنه إذا تزوج بها لم تكن أجنبية. ومنهم من قال: يصير مظاهرًا؛ لأن الصفة مع التعيين إذا اجتمعا بتعلق الحكم بالتعيين دون الصفة، ومثل هذا إذا قال: والله لا آكل هذه الرطبة فصارت تمرة، أو قال: لا آكل لحم هذه السخلة فصارت كبشًا، هل يحنث؟ وجهان. ولو قال: إن تظاهرت من فلانة أجنبية فأنت عليَّ كظهر أمي فتزوج بها وظاهر منها كان مظاهرًا منها ولا يكون مظاهرًا من امرأته؛ لأن الصفة لم توجد، فإن قوله أجنبيةً بالنصب يقتضي أن تكون هذه الصفة حالًا لها في حال الظهار، فإنه نصب على الحال. وإن تظاهر منها وهي أجنبية لا يصير مظاهرًا من امرأته؛ لأنه لا يصح منها الظهار.
وقال المزني: يصير مظاهرًا لأنه لا يراد بذلك إلا اللفظ، وهذا غلط لما ذكرنا. ولو قال: أردت به من فلانة الأجنبية إن ظاهرت منها بعد الزوجية قبل منه ذلك، فإذا تزوج ها وظاهر كان مظاهرًا منهما جميعًا. ولو قال: أردت به إن خاطبتها بلفظ الظهار فخاطبها كان أيضًا مظاهرًا منهما جميعًا إن كان قد تزوج بها. وإن كانت أجنبية صار مظاهرًا من امرأته. ولو قال: إن تظاهرت من فلانة فأنت عليَّ كظهر أمي، وفلانة أجنبية ولكنه لم يقل أجنبية فإن تظاهر منها وهي أجنبية لم يصح منها ولا من زوجته، وإن تزوج فظاهر منها كان متظاهرًا منهما قولًا واحدًا، مثل أن قال: والله لا أدخل هذه الدار وهي في التقدير لزيد، فباعها زيد فدخلها حنث؛ لأنه علق اليمين بعينها فكذلك هاهنا.
باب ما يوجب على المتظهر كفارة
مسألة: قال: "قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] [١٣٩/ أ] قالَ: فالذِي علقتُ ما سمعتُ في "ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا" أنه إذا أتت على المتظاهرِ مدةً بعد القول بالظهار لم يحرمها بالطلاق الذِي تحرمُ بهِ وجبتْ عليهِ الكفارة".
الفصل
عندنا كفارة الظهار لا تلزم بنفس الظهار، بل تجب بشرطين؛ الظهار والعود، فالظهار معلوم والعود أن يمسكها عليه عقيب الظهار مدة يمكنه طلاقها فلا يفعل، فإذا تظاهر وعاد استقرت عليه الكفارة. وقال سفيان الثوري: كفارة الظهار تجب بنفس الظهار، ومعنى الآية: والذين يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون إلى ما قالوا في الإسلام. وروي هذا عن مجاهد، وحكي ابن سماعة هذا عن أبي حنيفة ﵀،
стр. 4944
واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة:٢]، فيجب أن ينطق به بالكفارة دون الإمساك فإنه مباح. وقال داود وأهل الظاهر تجب بالظهار والعود، ولكن العود إعادة لفظ الظهار، فإذا كرر لفظ الظهار يصير بالثاني عائدًا إلى ما قال، وهذا لأن العود مشتق من الإعادة. وقال مالك وأحمد: العود هو العزم على الوطئ، وهو رواية أخرى عن أبي حنيفة. وقيل: إنه قول للشافعي في القديم، وذكره ابن أبي أحمد، وهذا لأنه قصد باللفظ تحريمها، فإذا عزم على الوطئ فقد عاد فيما قصد.
وقال الحسن وطاوس والزهري: العود الوطئ، ويروي هذا عن مالك، لأنه حرم على نفسه الوطئ فالعود أن يطأ. وقال أبو حنيفة في الصحيح من الروايات عنه: كفارة الظهار لا تستقر في الذمة، بل هي شرط للاستباحة كالرجعة، فيقال له: إن أردت استباحة الوطئ تكفر، وإن لم ترد ذلك فلا تكفر، فإن وطئ قبل التكفير قلنا له: بئس ما فعلت ولا تعد إلى الوطئ حتى تكفر. واحتج بأن العود إنما يكون في مقوله دون قوله، ومقوله التحريم [١٣٩/ ب] فالعود استباحتها، فمتى يريد الاستباحة يكفر، وهذا غلط؛ لأن قوله يقتضي تحريمها وإبانتها وزوال النكاح بينهما، فإذا أمسكها زوجة، خالف ما قاله وأحل ما حرمه، وهذا يسبق العزم على الوطئ، وكان هو الموجب للكفارة. فإن قيل: أليس قال الله تعالى: "ثُمَّ يَعُودُونَ"، وثم للمهلة والتراخي والإمساك يعقبه لفظ الظهار؟ قيل: لا يعقبه، بل يكون العود بمضي زمان يمكن فيه الطلاق فلا يطلق وهو متراخٍ. فإن قيل: ليس في خبر المستفتية عن ظهار زوجها أنها أخبرت بوجود العود. قيل: لما أخبرت بالظهار ولم تخبر بالطلاق دل ظهاره على عدم الطلاق وقد مضى ما بين لفظ الظهار إلى زمان الاستفتاء ساعات محتملة للتطليق، فاستغنى رسول الله ﷺ أن يسأل هل وجود هذا العود أم لا.
وأما ما ذكر سفيان الثوري لا يصح؛ لأن الله تعالى علق الكفارة بشرطين في الإسلام فلا يتعلق بأحدهما وهو الظاهر والعود بعده. وأما ما ذكره داود لا يصح؛ لأن النبي ﷺ أمر المظاهر بالتكفير ولم يسأل هل أعاد اللفظ أم لا، ولأنها كفارة تجب باللفظ والشرط فلا يكون ذلك الشرط إعادة اللفظ ككفارة الإيلاء، ولأنه لم يقل: ثم يعودون إلى ما قالوا، بل قال: "لما قالوا"، وهذا يقتضي العود فيه لا العود إليه. وأما ما ذكر مالك لا يصح؛ لأنها كفارة فلا تتعلق بالعزم على المخالفة ككفارة اليمين، ولأنه إذا احتمل اللفظ ما ذكرتم وما ذكرنا فما قلنا أولى؛ لأن الإمساك يضيق العزم. وأما ما ذكره الزهري لا يصح؛ لأن النبي ﷺ أوجب الكفارة على أوس بن الصامت ولم يسأل عن وجود الوطئ، ولأنه أمسكها على الزوجية بعد التحريم الظهار فأشبه إذا وطئ، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] فأوجها قبل الوطاء. [١٤٠/ أ] وأما ما ذكر أبو حنيفة لا يصح؛ لأنه أوجبها بالعود والظهار، وعنده يحصل العود بالكفارة وهو الاستباحة، ثم الاستباحة ليست من فعله فلا معنى
стр. 4945
لشرطها في الكفارة، ولأنها كفارة تستقر في الذمة كسائر الكفارات.
مسألة: قال: "ولو أمكنهُ أن يطلقَها فلم يفعلْ لزمتهُ الكفارةُ، وكذلكَ لو ماتَ أو ماتتْ".
قال الشافعي في "الأم": "فإن تظاهر منها أو أمسكها مدة يمكنه طلاقها فلم يفعل فقد وجبت الكفارة، فإن طلقها لم تسقط الكفارة، وكذلك إن مات أو ماتت". والمزني نقل بعضه فقال: "ولو أمكنه أن يطلقها فلم يفعل لزمته الكفارة، وكذلك إن مات أو ماتت" وحذف قوله: "فإن طلقها لم تسقط الكفارة" من وسط الكلام وأبطل معناه؛ لن معنى ما نقل أنه إذا أمسكها عقيب الظهار مدة مكنه طلاقها لزمته الكفارة، وكذلك لو لم يطلق ولكن مات أو ماتت، ولا خلاف بين أصحابنا أنه لو مات أو ماتت عقيب الظهار لم يكن عائدًا ولا كفارة. نقل المزني العطف وترك العطوف، فخرج منه هذا السهو. ومن أصحابنا من اعتقد له فقال: أراد المزني إن طلقها عقيب الظهار فلا كفارة، وكذلك إن مات أو ماتت، وهذا فقه واضح ولكنه غير ما قاله الشافعي وغير ما نقله المزني. ثم اعلم أن مقصوده أنه لا تسقط الكفارة الواجبة بموته ولا بموتها خلافًا لأبي حنيفة فإنه قال: تسقط جميع الكفارات بالموت وهذا غلط، لأنها لزمته قبل موته فلا تسقط بموته. وقال مالك: إذا مات بعد العزم على الوطئ الذي هو العود عنده سقطت الكفارة بعد وجوبها، ولو ظاهر ثم عجز في الحال عن الطلاق واتصل عجزه بالموت لا يلزم الكفارة؛ لأنه لم يحصل العود.
مسألة: قال: " ومعنى قولُ الله تعالى: [١٤٠/ ب] ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا" وقت لأن يؤدَى فيهِ مَا وجبتْ عليهِ قبلَ المماسةِ حتى يكفرَّ﴾.
الفصل
بين الشافعي أن وقت الكفارة قبل الوطئ، وأنها موسع الوقت، وأن تحريم الوطئ إلى أن يكفر عقوبة فيه مضمومة إلى الكفارة، ومن الحدود ما ضم إليه تغليط آخر كضم النفي إلى الجلد في الزنا وضم التفسيق إلى الحد في القذف كذلك ها هنا.
مسألة: قال: "فإذا منعَ الجماعُ أحببتُ أن يمنعَ من القبلِ والتلذذِ احتياطًا".
الفصل
إذا عاد المظاهر يحرم عليه الوطئ حتى يكفر لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾، وأما غير الوطئ من القُبلة واللمس بالشهوة والوطئ دون الفرج، قال في "الجديد" ونقله المزني: "أحببت أن يمتنع احتياطًا". وقال في "القديم": رأيت أن يمنع ذلك. فقيل: فيه وجهان، وقيل: قول واحد أنه لا يحرم. وقوله في "القديم": رأيت
стр. 4946
أن يمنع" أراد احتياطًا واستحبابًا، ووجه قوله القديم وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية، وهو اختيار جماعة من أصحابنا، أن الله تعالى قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾، واسم المسيس يقع على الوطئ وما دونه، ولأنه لفظ يقع على التحريم في الزوجية فتحرم الدواعي كالطلاق، ووجه قوله الجديد وهو الأظهر أنه عارض في النكاح لا يزيل الملك بحال فلا تحرم الدواعي كالحيض والنفاس، أو وطئ محرم لا يتعلق به وجوب مال فأشبه ما ذكرنا.
مسألة: قال: "فإنْ مسَ لمْ تبطلْ الكفارةُ".
المظاهر إذا وجبت عليه الكفارة يحرم عليه وطئها ما لم يكفر، ووقت أداء الكفارة ما لم يطأ، فإن وطأ خرج وقت أدائها وكان تحريم وطئها قائمًا، ولا كفارة عليه بهذا الوطئ ولا يقربها مرة أخرى حتى يكفر، ومتى كفر بعد الوطئ كان قضاء، كما تقول في الصلاة إذا صلاها في الوقت كان أداء، وإن صلاها بعد خروج الوقت [١٤١/ أ] كانت قضاء. وقال سعيد بن جبير والزهري: تسقط عنه الكفارة؛ لأنها وجبت قبل المسيس وقد فات وقتها، وهذا غلط؛ لأن الثابت يقضي كصوم رمضان والصلاة. وقال عمرو بن العاص ومجاهد وعبد الرحمن بن مهدي: يلزمه بالوطئ كفارة أخرى، وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا من خبر ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال للمظاهر بعد الوطئ: "اعتزلها" حتى يكفر ولم يوجب كفارة أخرى. وروي سلمة بن صخر البياضي أن النبي ﷺ قال في المظاهر يواقع قبل أن يكفر: "يكفيه كفارة واحدة".
مسألة: قال: "ولو أصابَها وكفرَّ بالصومِ لم ينتقضْ صومَه".
من وجبت عليه الكفارة كانت علي الترتيب، فيلزمه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، فإن كان من أهل الصيام فدخل في الصوم ثم أكل أو جامع عمدًا نهارًا بطل صومه وعليه أن يستأنف شهرين، وإن لم يبطل صومه بأن أكل أو جامع ناسيًا أو مكرهًا لم يبطل صومه ولا شيء عليه، وكذلك إن وطئ ليلًا لم يقدم ذلك في الصوم ومضى على الكفارة، ولكنه يمضي بذلك. وبه قال أبو يوسف وأحمد في رواية. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في الرواية الثانية: إذا وطئ المظاهر عنها كيفما كان في أثناء الصوم بطل صومه ناسيًا كان أو عامدًا، ليلًا كان أو نهارًا، ويلزم استئناف شهرين متتابعين. واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٤]، فأوجب شيئين؛ إخلاهما عن المسيس، وتقدمها عن المسيس، وقد عجز الآن عن تقدمها على المسيس ولم يعجز عن إخلاهما عن المسيس، فوجب عليه ما قدر وسقط ما عجز [١٤١/ ب] وهذا غلط؛ لأنه وطئ لم يلق الصوم فلا يلق الصوم، كما لو وطئ غير المظاهر عنها ليلًا. وأما الآية فهي دليلنا؛ لأن المأمور بتقديم الشهرين على المسيس مأمور بتقديم كل واحد من الشهرين على
стр. 4947
المسيس، فإذا وطئ ليلًا بعد صوم شهر فقد قدم شهرًا على المسيس فيصوم شهرًا آخر بعده، وهو أحسن من أن يصوم شهرين بعد المسيس، وهذا لصلاة العصر مأمور بأدائها قبل الغروب، فأداء ركعتين منها قبل الغروب وركعتين بعدها أحسن من أدائها بعد الغروب.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ فاتبعَ الظهارِ طلاقًا تحلُ فيهِ قبلَ زوجِ".
الفصل
متى اتبع الظهار طلاقًا لم يكن عائدًا بائنًا كان أو رجعيًا على ما ذكرنا. ولو طلقها عقيب الظهار ثم كفر بالمال قبل مراجعتها فيه وجهان.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ منها ثمَّ لاعنَها مكانهُ بلَا فصلِ سقطَ الظهارُ".
اختلف أصحابنا في صورة المسألة، فمنهم من قال: صورتها أنه قذفها وحملها إلى الحاكم وأتى بألفاظ اللعان الأربعة وبقيت عليه الخامسة التي يقع بها الفرقة، فظاهر منها ثم أتى بكلمة اللعنة التي هي الخامسة وهو اختيار ابن الحداد، فأما إذا اشتغل بألفاظ اللعان الأربعة فقد مضى زمان يمكنه فيه الطلاق ولم يطلق فيه، فيصير عائدًا ويستقر حكم الظهار، والكلمة الخامسة تعذر زمان الطلاق. وقال أبو إسحاق وابن أبي هريرة: هذا خطأ، وصورة المسألة أنه ظاهر وابتدأ باللعان عقيبه فلا يكون عائدًا ولا كفارة عليه؛ لأنه أخذ في تحقيق التحريم والفسخ يحصل بجميع ألفاظه، وكونه أفضل من لفظة الطلاق لا يوجب حصول العود، كما لو ظاهر من نسائه ثم مال عقيبه: أنت يا زينب، ويا عمرة، ويا فلانة طوالق، وعلى هذا لو قذف عقيب الظهار ثم لاعن كان عائدًا؛ لأن القذف [١٤٢/ أ] ليس من الألفاظ التي تقع بها الفرقة، وقال في "الإفصاح": وقد قيل: إنه وإن قذف عقيب الظهار وأخذ في اللعان فلا كفارة عليه، لأن القذف من أسباب الفرقة، وذكره المزني في "الجامع الكبير". قال ابن سريج: لا يفرق هذا للشافعي ولا وجه له، لأن القذف يوجب عليه الحد، ولكن له إسقاطه بالبينة أو اللعان إذا طالبه به، ولا يحصل اللعان بالقذف، وباللعان مع الفرقة لا بالقذف. وقال القفال: ما ذكره في "الجامع الكبير" أصبح حتى لو قذف بعد الظهار في بينة ثم اشتغل بأسباب اللعان من المرافعة إلى الحاكم والدعوة إلى أن تم اللعان بينهما فلا كفارة، وإن لم يظفر بالحاكم إلا بعد مدة، وهذا كما أنه يبيع عبدًا غائبًا ويشتغل بأسباب تسليمه فيجوز ولا يجعل ذلك بيعًا تراخي فيه التسليم عن حالة العقد، وهذا غير صحيح عند أكثر أصحابنا لما ذكرنا.
فرع
قال ابن الحداد: لو قال لها: أنت عليّ كظهر أمي يا زانية، أنت طالق، يلزمه
стр. 4948
اللعان. وهذا على المذهب المشهور أن بالقذف عقيب الظهار يصير عائدًا، وعلى ما ذكرنا في "الجامع الكبير" لا يكون عائدًا ولا كفارة لأنه ينسب إلى اللعان الموجبة للفرقة.
مسألة: قال: "وقالَ في كتاب "اختلاف أبي حنيفة وابنُ أبِي ليلى": لو تظاهرَ منهمَا يومًا فلمْ يصبهَا حتى انقضى لمْ تكنْ عليهِ كفارةٌ".
قد بينا حكم الظهار المطلق، فأما الظهار الموقت كقوله: أنت عليّ كظهر أمي يومًا أو سنة فيه قولان: أحدهما وهو الذي نقله المزني: يكون ظهارًا، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، واختاره المزني؛ لأنه حكم ثبت لكونه منكرًا وزورًا، وهو موجود في الوقت، وقد روي في خبر مسلمة بن صخر أنه قال: تظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، وحكم النبي ﷺ فيه بحكم الظهار المطلق، واحتج المزني بهذا القول [١٤٢/ ب] فقال: أصل قوله أن المتظاهر إذا حبس امرأته مدة يمكنه الطلاق فلم يطلقها فيها فقد عاد وجبت الكفارة عليه، وقد حبسها بعد التظهر يومًا يمكنه الطلاق فيه فتركه فعاد إلى استحلال ما حرم، فالكفارة لازمة له في معني قوله. والثاني: ذكره في اختلاف العراقيين: لا تكون ظهارًا، وبه قال مالك والليث وابن أبي ليلى؛ لأن الظهار إذا أطلق تحريمها كإطلاق تحريم الأم، فإذا علق تحريمها في وقت دون وقت لم يصح، كما لو شبهها بامرأة محرمة عليه وكانت حلالًا له لم يصح الظهار، ويؤكده أن الظهار المعهود في الجاهلية والإسلام هو الظهار المطلق، والترتيب خارج عن موضوعه. فإذا قلنا بهذا القول فإن لم يطأها حتى انقضت المدة فلا كفارة، وإن وطئها في المدة فيه وجهان؛ أحدهما: يلزمه كفارة يمين على ظاهر ما قاله في هذا الموضع، ويصير بخروجه من الظهار محرمًا لها بغير ظهار فتلزمه الكفارة، كما لو إلى منها ثم وطئ. والثاني وهو الأصح: لا كفارة عليه؛ لأن لفظ التحريم موجب للكفارة في الحال من غير أن يتعلق بالوطئ والإيلاء يمين، وهذا غير حالف فيكون قول الشافعي في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى عليه الكفارة محمولًا علي أنه جمع بين الإيلاء وهذا ظهار، فعاد جوابه إلى الإيلاء دون الظهار، وهذا قول أبي الطيب بن سلمة.
وقال الإمام أبو محمد الجويني: إلحاق الشافعي هذه المسألة باليمين وكفارتها يوهم أنه لو جامعها في الظهار الموقت قبل انقضاء ذلك الوقت كانت كفارته كفارة اليمين وليس كذلك، بل كفارته كفارة الظهار، نص عليه الشافعي في غير هذا الموضع، وإنما ألزمناه كفارة الظهار كالمظاهر، لأنها وجبت بسبب لفظ الظهار والمنكر من القول والزور وإن لم نجعله في جميع أحكامه كالمظاهر. وإذا قلنا: يكون ظهارًا فانقضى زمانه زال الظهار، [١٤٣/ أ] إلا أنه إذا لم يطلقها عقيب الظهار وأمسكها في اليوم هل يكون عائدًا؟ ظاهر نصه أنه لا يكون عائدًا، وإنما العود منه بالوطئ في المدة؛ لأن
стр. 4949
إمساكه إياها لا يدل على العود لجواز أن يمسكها؛ لأنها تحل له بعد اليوم فجعل العود فيه الوطئ فإن لم يطئ حتى ذهب الوقت سقط حكمه؛ لأن العود لم يحصل، وإن وطئ يلزمه كفارة الظهار ولا يحل الوطئ أيضًا بعده في ذلك اليوم حتى يكفر.
ومن أصحابنا من قال: يكون عائدًا بالإمساك؛ لأنه أمسكها على النكاح زمانًا يمكنه فيه الطلاق، وهذا اختيار المزني. وقال القفال: إذا قلنا إنه يكون ظهارًا هل يكون مؤبدًا أو مؤقتًا؟ وجهان؛ أحدهما: مؤبد، فالطلاق المؤقت يتأبد، وعلى هذا يكون العود فيه كالعود في المطلق. والثاني وهو المنصوص: أنه مؤقت، وهذا خلاف النص الصريح، ويحكي عن مالك هذا القول أنه يصير مطلقًا ويسقط التأقيت، وهو غلط لما ذكرنا. وقيل: أصل هذا الخلاف أن الظهار هل يسلك مسلك الإيلاء أو مسلك الطلاق؟ وفيه قولان. وقال القفال: العود نفس الجماع في قوله القديم، وأصل هذين القولين ها هنا أن العود ماذا؟ فإن قلنا بأنه الجماع فها هنا يصير عائدًا بالجماع ويلزمه الكفارة به، وإن قلنا إنه بالإمساك فها هنا كذلك أيضًا، وهذا غريب والاعتياد على ما سبق.
مسألة: قال: "ولو تظاهرَ وآلي، قيل له: إن وطئتْ قبلَ الكفارةِ خرجتَ من الإيلاءِ".
الفصل
قد مضت هذه المسألة بشرحها في كتاب الإيلاء، والمقصود أن الوطئ بعد الظهار لا يصير حلالًا بسبب الإيلاء وقد ذكرنا أنه هل يتحتم بتحريم الوطئ طلاقًا ويتعين؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يتعين. ن والثاني: لا يتعين؛ لأن عجزه عن الوطئ بالتحريم كعجزه عنه بالمرض فيفيء بلسانه فيء معذور، ثم يوحد التفكير [١٤٣/ ب] عن ظهاره ولا يمهل فيه مع المكنة منه، فإذا كفر زال عذره ولزمه أن يفيء بالإصابة كالمريض إذا صح من مرضه.
باب عتق المؤمنة في الظهار
مسألة: قال الله تعالى في المظاهر: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قال "فإذا كانَ واحدًا لها أو لثمنَها لم يجزْئهِ غيرها".
قدمنا أن كفارة الظهار على الترتيب ككفارة الفطر على الترتيب، فإن كان في ملكه رقبة لزمه إعتاقها، وكذلك إن لم يكن في ملكه ولكنه قادر على ثمنها فتمكن من شرائها بثمن مثلها يلزمه ذلك، ولا يجوز له العدول إلى الصوم، ويفارق هذا إن لم يكن في ملكه ابنة مخاض وقدر على شرائها يلزمه شراؤها، ويجوز له العدول إلى ابن لبون وقد ذكرنا الفرق بينهما فيما تقدم.
стр. 4950
فرع
لو لم يجد الرقبة فنوى في الليل صوم شهرين من الغد فقبل طلوع الفجر وجد الرقبة يلزمه الانتقال إليها؛ لأن الرقبة موجودة قبل الشروع في المقصود من أي البدل، ولو لم يطلب الرقبة فنوى في الليل الصوم ثم طلب الرقبة في الليل مع تحمل المشقة ولم يجدها، فطلع الفجر ولم يعد النية بعد الطلب لا تصح النية؛ لأنه تقدم وقت الجواز فصار كما لو تيمم قبل الطلب ثم طلب الماء ولم يجد لا يصح تيممه، ولو طلب الوقت قبل وجوبها ولم يجدها فلما وجبت نوي وكن ليلًا ولم بطل الفصل من وقت الطلب لم تصح النية أيضًا كما لو طلب الماء قبل وجوب التيمم، فلما وجب تيمم لم يجز، هكذا ذكره والدي ﵀. ويحتمل وجهًا آخر أنه لا يصح؛ لأن العدم متحقق.
مسألة: قال: "وشرطَ اللهُ في رقبةِ القتلِ مؤمنةً كما شرطَ العدلُُ في الشهادةِ [١٤٤/ أ] وأطلقَ الشهودَ في مواضعَ".
الفصل
لا يجزئ من كفارة الظهار وغيرها إلا رقبة مؤمنة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي. وقال أبو حنيفة، وعطاء، والثوري، والنخعي: لا يشترط إلا في كفارة القتل. ويحكي هذا عن الأوزاعي أيضًا، وهذا غلط؛ لأنه عتق في كفارة يشترط فيه الإيمان كما في كفارة القتل. واحتج الشافعي بأن الله تعالى لما شرط العدالة في موضع في الشهود وأطلق في سائر المواضع حمل المطلق على المقيد. واحتج أيضًا بأن الصدقات لما لم تصرف إلى المؤمنين كذلك العتق وتحريره، فإنه حق مال يجب على سبيل الطهر كالزكاة. واحتج أصحابنا فيه بما روي عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي أوصت إلى أن أعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية سوداء نوبية، فقال: "ادع بها" فقال: "من ربك؟ قالت: الله. قال: "فمن أنا؟ " قالت: رسول الله. قال: "اعتقها فإنها مؤمنة". فدل أنه يشترط الإيمان في كل عتق واجب.
فرع
لو نذر أن يعتق رقبة وأطلق، هل يشترط الإيمان؟ لا نص فيه، واختلف أصحابنا فيه على وجهين؛ أحدهما: يشترط قياسًا على الرقبة الشرعية. والثاني: لا يشترط للإطلاق.
مسألة: قال: "فإن كانتْ أعجميةُ وصفتْ بالإسلامِ".
أراد بالعجمية من لا يحسن العربية لا يختص هذا بالفرس والروم والنبط في ذلك
стр. 4951
واحد. ومعنى قوله: "وصفت بالإسلام" أي علقت ووصفت، فأما إذا لقنت وتلقنت ولم تعرف ذلك لا يجوز، وهذا لأن الشرط حصول الإسلام. فإذا تقرر هذا إن كان المعتق يحسن العجمية يسمعها تصف الإسلام بالعجمية أجزاه ذلك، وإن لم يحسن [١٤٤/ ب] العجمية لابد من شاهد وعدلين يشهدان بأنها وصفت الإسلام جاز إعتاقها عن الكفارة أعجمية كانت أو عربية، فما فائدة قوله: فإن كانت أعجمية؟ قلنا: مقصود الشافعي إنها متى وصفت أصل الإسلام أجزأت، وإن كانت لا تهتدي إلى فروع الإسلام ومشاعره وتوابعه وكانت العرب سابقين إلى الإسلام فربما كان العربي في ذلك الزمان يعرف ويحسن من الإسلام وأحكامه ما لا يعرف العجمي غير أن العجمي إذا شارك العربي في أصل الإسلام مشاركه في اسم الإسلام وحكمه، وكأن قال: إذا وصفت الإسلام أجزأته ورن كانت أعجمية.
مسألة: قال: "فغنْ أعتقَ صبيةً أحدَ أبويَها مؤمنٌ، أو خرساءَ جليبةَ تعقلُ الإشارةَ بالإيمانِ أجزأهُ".
الصبي إذا كان أبواه مسلمين، أو أبوه يحكم بإسلامه بلا خلاف، وإن كانت أمه مسلمة وأبوه كافر يحكم بإسلامه عندنا خلاف لمالك، وهذا لأن من تبعه الحمل تبعه الولد المنفصل كالأب. وقال عطاء: لا يصير الولد مسلم حتى يسلم أبواه معًا، فإذا تقرر هذا يجوز إعتاقه عن الكفارة، وإن كان لهن يوم مثلًا؛ لأن القصد تكميل الشخص لا القيمة ولا المنفعة في الحال. وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: إذا أعتق وصيفًا لا يجوز، ثم رجع وقال: يجوز؛ لأن الله تعالى أطلق الرقبة ولم يفصل. وقال أحمد: لا يجوز عتقه إلا بعد البلوغ؛ لأنه لا يقدر على علم وإيمانه ناقص أيضًا. وهذا غلط؛ لأنه إيمانه كامل ولهذا يقتل به المؤمن البالغ وهو سليم الخلق وترجي منفعته وقال مالك: لا يجوز إلا عد أن يصلي ويصوم بعد البلوغ. وحكي عن مالك أنه قال: أحب أن لا يعتق إلا بالغًا. وعندنا يستحب هذا أيضًا فلا خلاف على هذا. وحكي عن أحمد [١٤٥/ أ] أنه قال: يعجبني أن لا يعتق إلا من يعبر عن نفسه لقوله ﷺ "الإيمان قول وعمل"، وهذا إشارة إلى الاستحباب فيرتفع الخلاف معه أيضًا. فإن قال قائل: أي فائدة في نصوص الشافعي رحمه الله تعالى مسألة الإيمان في الأنثى حيث قال: "وإن أعتقَ صبية أحد أبويها مؤمن"، وعلى هذا أجري أكثر المسائل؟ قلنا: يحتمل أنه قصد متابعة لفظ الكتاب حيث قال تعالى:" فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ" واسم الرقبة تأنيث، ثم ينطلق ذلك على الذكر والأنثى، ويحتمل أنه قصد جزالة اللفظ، فإن اللفظ في كنايات الأنثى أجزل وأفصح، وهذا نظير ما قال في كتاب الزكاة: "ولو تسلف الرجلين بعيرًا فأتلفاه".
стр. 4952
الفصل
ولو تسلف الرجل واحد كان حكمه كما لو تسلف لرجلين، ولكن اللفظ في الاثنين وكناياتها أجزل وأفصح. وأما الرقبة الخرساء قال الشافعي ﵀ في "الجديد": يجوز إعاقته إذا كانت تعقل الإشارة" وقال في "القديم": لا يجوز الأخرس في الكفارة وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله؛ لأنه ينقص قيمتها به كالعمى، فقيل: في المسلمين قولان وهو ضعيف، وقيل: هما على حالين، فإن كانت أصم لا يجوز وإن كانت تعقل الإشارة وإن لم يكن مع الخرس صمم يجوز، والدليل على جوازه أن الخرس نقص لا يضر بالعمل فلا يمنع الأجزاء كالطرش، وبه فارق الأعمى. فإذا تقرر هذا، فإن كانت مسلمة تبعا أجرأت، وإن كانت بالغة مجلوبة أو كانت من أبوين كافرين فأشارت بالإسلام إشارة مفهومة، قال: ها هنا تجزأ. وروى الربيع في كتاب "الأم" إذا أشارت الخرساء بالإسلام وصلت جاز عتقها". فقيل: ذكر الصلاة تأكيدًا لا شرطًا ولهذا ترك المزني نقل الصلاة لأنه علم أن الشافعي ذكره احتياطًا لا شرطا. وقال بعض أصحابنا: صلاة الأخرس شرط في صحة إسلامه بالإشارة، وحملوا إطلاق المزني [١٤٥/ ب] على تفسير الربيع؛ لأن الإشارة استدلال يختص بالأخرس والصلاة فصل يشترط فيه الناطق والأخرس فإذا أمكن اختيار إسلامه بما يشتركان فيه لم يجز الاقتصار على ما يختص به ولأن الإشارة لا تصرح وهي ضعيفة، فأكدت بفصل الصلاة. فإن قيل: ما فائدة قوله: "جليبة" ولا فرق بين المجلوبة والولد في بلاد الإسلام؟ قلنا: الجواب عنه ما مضى في تقييده بالأعجمية، فإن المجلوبة تكون هي العجمية. واعلم أن المستحب أن تكون ناطقة بكلمة الإيمان فلذلك أنفي للريبة وأبعد من الاختلاف.
مسألة: قال: "ولو سُبيتْ صبيةٌ معَ ابويهَا كافرين فعَقَلَتْ ووصَفَتْ الإسلامَ وصلَّتْ إلا أنها لمْ تبلغَ لمْ تجزئهُ".
فصل
إذا سبي الصغير مع أبويه أو أحدهما لم يصر مسلمًا بإسلام السابي، وإنما يصير مسلمًا بإسلامه إذا لم يكن معه أحد أبويه. وفيه وجه لا يصير تبعًا للسابي أصلًا في الإسلام لعدم البعضية، وهو خلاف مفهوم كلام الشافعي ها هنا، فإن أسلم هذا الصغير بنفسه فقد ذكرنا فيما تقدم أنه لا يجوز إسلامه على ظاهر المذهب، وفيه وجهان آخران؛ أحدهما يجوز إسلامه دون ردته، وهو اختيار الاصطخري. والثاني: يراعي على ما يكون منه حال بلوغه، فإذا قلنا: لا يصح إسلامه لا يجوز إعاقته عن الكفارة.
وإذا قلنا: يجوز إسلامه يجوز إعتاقه عن الكفارة. وإذا قلنا: يراعى فأعتقه عن
стр. 4953
الكفارة ثم بلغ، فإن وصف الكفر لم يجز، وإن وصف الإسلام هل يجوز؟ فه وجهان؛ أحدهما: يجوز لأنه محكوم بإسلامه، وهو اختيار القفال. والثاني: لا يجوز؛ لأنه ناقص الدين بدليل أنه يقر على الكفر ولم يحكم بإسلامه حال إعتاقه. وقال في "الحاوي": قال الداركي وجماعة من أصحابنا: يحكم بإسلامه ظاهرًا، وفي الباطن موقوف على بلوغه، فإن أقام عليه ثبت في الباطن أيضًا، وإن أظهر الكفر لم يقبل منه [١٤٦/ أ] في الظاهر وكان مقبولًا في الباطن، فعلى هذا لو اعتقه عن الكفارة ومات قبل أن يصف الكفر أو الإسلام أجزأه في الظاهر دون الباطن، وإن أظهر الإسلام أجزأه في الظاهر والباطن وجهًا واحدًا.
مسألة: قال: "ووصفهَا بالإسلامِ أن تشهَد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وأَنْ محمدٌ رسولُ اللهِ وتبرأَ منْ كلِّ دينٍ خالفَ الإسلامَ".
هذا الذي ذكره الشافعي ﵀ في "الجديد" أكمل ما يكون في وصف الإيمان. وقال في "القديم": إذا أتى بكلمة الشهادتين كان مسلمًا ولم يعتبر البراءة من كل دين خالف الإسلام. قال أصحابنا: إنما اعتبر الشافعي البراءة من كل دين خالف الإسلام؛ لأن اليهود ومن يعتقد أن محمدًا، مبعوث إلى العرب الآدميين دون أهل الكتاب وهذا قول الجبرية من اليهود. فأما من لا يعتقد نبوته أصلًا أو كان من عبدة الأوثان يكفي أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإن لم يتعرض للبراءة يجوز. وهو اختيار أبي إسحاق، وهو المذهب، وليست المسألة على قولين. وأما الإقرار بالبعث بعد الموت والجنة والنار لا يعتبر ولكنه يستحب امتحانها بذلك وبسائر شرائط الاعتقاد، فإن أعتقه عن الكفارة ثم رأيناه ينكر البعث جعلناه مرتدًا من الآن والعتق مجزئ.
فرع
الكافر الذي يقول مع الله إلهًا آخر من عبدة الأصنام والوثنية والنصارى الذين يقولون ثالث ثلاثة إذا قال: لا إله إلا الله اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يحكم بإسلامه ويجز على أن يقول محمد رسول الله، فإن لم يقل ذلك فهو مرتد. وأما من يقول في دينه: لا إله إلا الله كاليهودي والنصراني لا بد له أن يقول: محمد رسول الله ويصير مسلمًا بهذا القدر وحده، والذي يقول: [١٤٦/ ب] محمد رسول الله إلى بعض الناس دون بعض يحتاج أن يقول محمد رسوله الله بعث إلى الناس كافة، ففي الجملة يجب أن يقر بشيء مما يخالف أصل دينه من أصول دين الإسلام، أو يقول: تبرأت من كل دين خالف الإسلام حتى يصير به مؤمنًا، وهذا اختيار القفال. ومنهم من قال: لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين، وهو ظاهر كلام الشافعي ها هنا، وهو المذهب،
стр. 4954
وقال في "الحاوي": إذا أتى بالشهادتين والبراءة من كل دين خالف الإسلام، هل هو شرط في صحة الإسلام؟ ثلاثة أوجه؛ أحدها ما ذكرناه. والثاني: أنه شرط ليزول الاحتمال عن شهادته لما روي أن رجلًا من اليهود أتى في جماعة من أصحابه إلى رسول الله، فسأله عن معالم الدين، فأخبره بها فقال: أشهد انك نبي حق. فقال له ولمن معه: "ما منعكم أن تتبعوني؟ " فقالوا: نخاف أن تقتلنا اليهود؛ لأن داود، دعا أن يجعل الله النبوة في ولده، فلم يجر عليه حكم الإسلام مع الاعتراف بنبوته؛ لأنه لم يتبرأ من دينه. والثالث: أنه شرط في الإسلام من زعم أن محمدًا، نبي مبعوث إلى ولد إسماعيل دون إسحاق، أو هو مبعوث في آخر الزمان، وهو قول بعض النصارى، ولا يشترط في غيرهم، وهذا اختيار القاضي أبي حامد وجماعة، وهذه الطريقة غريبة.
باب ما يجزئ من الرقاب وما لا يجزئ
مسألة: قال: "ولا يجزئُ في رقبةِ واجبةِ رقبة تشترى بشرطِ أَنْ تعتقَ".
ظاهر المذهب انه يصح الشراء بشرط العتاق كما نص ها هنا، والقياس أن البيع باطل؛ لأنه شرط ما يضاد موضوع العقد، ثم إذا صححنا [١٤٧/ أ] البيع يجب إعتاقه، وهل يجبر المشتري على العتق أو لا يجبر، ويكون للبائع الخيار؟ وجهان: فإن قلنا: يجبر حقًا لله تعالى لا بد من الإعتاق، ثم لا يجزئ عن الكفارة؛ لأنه مستحق بسبب آخر، وعلل الشافعي هاهنا فقال: "لأنه بضع من ثمنها"، ومعناه أنه إذا اشترى بهذا الشرط فقد حوبي في ثمنه، وإنما حوبي على أن يكون للذي حابى فيه نصيب فلا يجزيه ذلك؛ لأنه يعتق رقبة كاملة. وإن قلنا: إنه لا يجبر ويكون للبائع الخيار فما دام يطالب الإعتاق فأعتقه عن الكفارة لا يجوز؛ لأنه يسقط به حقًا وهو خيار البائع وإن عفي البائع ثم أعتق المشتري بعد ذلك عن الكفارة فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز لأنه لم يجب عتقه بسبب آخر واعتقه مختارًا. والثاني: لا يجوز لما ذكر الشافعي من العلة؛ لأن ذلك يضع من ثمنها ولم يفصل، ذكره القفال واختار أبو حامد هذا الوجه الثاني، وعلل بأنه لم يقع العتق خالصًا عن الكفارة، بل وقع مشتركًا بينها وبين المعتق بالشرط، ولا فرق فيما ذكرنا بين كفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة اليمين والرقبة التي وجب إعتاقها بالنذر.
مسألة: قال: "ولا يجزئُ فيهَا مكاتبٌ أدى مِنْ نجومهِ شيئًا أو لمْ يؤدهِ".
لا يجوز عتق المكاتب عن الكفارة بحالٍ، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد، وزفر، وأحمد في رواية. وقال أبو حنيفة: "إن لم يؤد شيئًا من نجومه يجوز
стр. 4955
إعتاقه عن الكفارة، وإن أدى شيئًا من نجومه لا يجوز في اظهر الروايتين"، وبه قال الليث، وأحمد في الرواية الثانية. وقال أبو ثور: يجوز إعتاقه عن الكفارة سواء ادى بعض النجوم أو لا، واحتجوا بأنها رقبة تامة الرق سليمة الخلق لم يؤخذ عن شيء منها عرضًا فجاز إعتاقها كالقن، وهذا غلط [١٤٧/ ب] لأن عتقه مستحب سابق فلا يجوز صرفه إلى الكفارة كعتق أم الولد، وبهذا فارق القن. واحتج الشافعي ها هنا بأن قال: "إنه ممنوع من بيعه"، وهذه العلة لا تستغني من الاحتراز؛ لأن الراهن ممنوع من بيع المرهون، ولو اعتقه عن الكفارة أجزأه على القول الذي يقول بنفوذ عتقه، غير أن الشافعي أراد لأنه ممنوع من بيعه بسعيه الحرية وهي الكتابة فنزلت منزلة أم الولد.
مسألة: قال: "ولا تجزئُ أمَّ الولدِ منْ قولِ منْ لا يبيعهَا".
لا يجوز إعتاق ام الولد عن الكفارة بحال؛ لأن فيها شعبة الحرية بالاستيلاد، وقوله: "في قول من لا يبيعها" ليس بتعليق القول في جواز بيع أم الولد؛ لأن الصحابة ﵃ اختلفوا في بيعها في العصر الأول ثم العصر الثاني والثالث أجمعوا على أنه لا يجوز بيعها، واختلف أصحابنا في إجماع العصر الثاني، هل يرفع خلاف أهل العصر الأول على وجهين. وفي هذا إشارة إلى انه لا يرفع خلافهم، والمزني أوهم أن الشافعي علق القول في جواز بيعها ثم اختار أنها لا تباع. قال: وقد قطع بهذا الجواب في خمسة عشر كتابًا، والحق ما اختاره، والمسألة على قول واحد. وقيل: قوله: "في قول من لا يبعها" تنبيه على الخلاف؛ لأن علي بن أبي طالب ﵁ اختلف رأيه واجتهاده في بيعها، فكأنه قال: من جوز بيعها أجزأت عنده الكفارة، وهو قول جميع الفقهاء اليوم، ولم يقصد تعليق القول. وقال القفال: في بيعها قولان: وفي عتقها عن الكفارة قولان أيضًا، وفي المكاتب قول بعيد انه يجوز بيعه ولكن لا يجوز عتقه عن الكفارة بكل حالٍ، والفرق أن أمية الولد تزول بالبيع حتى لا تعتق بموت المشتري، والكتابة لا تزول بالبيع، فإنه لو أدى النجوم عتق، وهذا غريب. وقال طاوس، [١٤٨/ أ] وعثمان البتي، وداود: يجوز عتقها عن الكفارة، وجوز داود بيعها وأبطل عثمان البتي بيعها، ولا نص عن طاوس في البيع، وهذا غلط لما ذكرناه.
فرع
قال في "الأم": ويجوز عتق المدبر والمدبرة عن الكفارة سواء قلنا إنه يمكن الرجوع عن التدبير قولًا أو لا يمكن إلا بالإخراج من ملكه، سواء قلنا التدبير وصية، او قلنا إنه عتق بصفةٍ؛ لأن إعتاق المعلق عتقه بصفةٍ. وقال مالك وأبو حنيفة،
стр. 4956
(والأوزاعي): لا يجوز عتق المدبر عن الكفارة؛ لأنه لا يباع عنده، وهذا غلط؛ لأنه يعتبر عتقه من الثلث فأشبه الموصى بعتقه.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ مرهونًا أو جانيًا جنايةَ فأدى الرهنَ والجنايةَ أجزأهُ".
قد ذكرنا في عتق الراهن المرهون ثلاثة أقوال، والأظهر انه إن كان موسرًا نفذ عتقه وتوضع قيمته رهنًا مكانه، وإن كان معسرًا لا ينفذ، فإذا قلنا: ينفذ يجوز عتقه عن الكفارة، وقول الشافعي هاهنا: "فادى الرهن أو الجناية أجزأه". اختلف أصحابنا فيه، فقال أبو إسحاق يكون العتق موقوفًا على أداء الدين أو وضع قيمته رهنَا مكانه، ولا يحكم بجواز عتقه في الحال لظاهر هذا اللفظ، وقد ذكرنا في كتاب الرهن أنَّا إذا لم نجوز عتق الراهن فأخرجه من الرهن هل ينفذ ذلك العتق؟ وجهان أو قولان، وهذا جواب على أحد القولين، وهو اختيار جماعة مشايخ خراسان والقاضي الطبري.
قال القاضي: هذا نص الشافعي وأجراه مجرى الشريكين إذا أعتق تصيبه، فإن شراية العتق تكون موقوفة على الداء في أصح الأقوال، فإذا أدى المال تبينا انه شراء. وقال أبو حامد: هذه من زلات أبي إسحاق؛ لأن الناجز لا يتوقف، بل نقول: ينفذ ويطالب بقضاء الدين أو دفع رهنًا غن لم يكن جل الدين، [١٤٨/ ب] أو نقول: لا ينفذ. وتأويل كلام الشافعي أجزأه الأداء عن حق الرهن دون العتق وهذا بعيد؛ لن الشافعي يتكلم في حكم الكفارة دون حكم الرهن، والأولى أن نقول: ينفذ ويجوز عن الكفارة. وقوله: "فأدى الرهن" لم يذكر على وجه الشرط. وأما العبد الجاني فهل يجوز عتقه؟ قد ذكرنا أنه كالمرهون، وحكم الجواز عن الكفارة وحكم أداء حق الجناية على ما ذكرنا في الرهن، ثم يلزمه أن يفديه. قال أبو إسحاق فيه قولان؛ أحدهما: يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ. والثاني: يفديه بأقل المرين من قيمته، أو أرش الجناية. وقال أبو حامد: هذا خطأ، ويجب أن يفديه بأقل الأمرين قولًا واحدًا؛ لأن بيعه تعذر بإعتاقه كما قلنا في أم الولد. وذكره أبو إسحاق يصح؛ لأن حال الجناية كان يمكنه تسليمه للبيع ولكنه منعه بإعتاقه بخلاف أم الولد، ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه يراعي وقت المطالبة، فيقال: إما أن تفديه بأرش الجناية، أو تسلمه للبيع، فإذا تعذر تسليمه لا معنى لإيجاب أكثر من القيمة؛ لأنها هي الثمن في العادة.
فرع
إذا أعتق عبدًا مغصوبًا عن كفارته نفذ عتقه. وقال أبو حامد وجماعة: لا يجوز عن كفارته؛ لأنه مسلوب المنفعة فصار بمنزلة الزمن. وقال القفال: يجوز لأنه يملكه ملكًا تامًا والغصب يعرض الزوال كالصغير، وهذا قريب من المذهب. وقال صاحب "الحاوي": عندي أنه ينظر في حال العبد، فإن قدر على الخلاص من غاصبه الهرب
стр. 4957
منه، وإن لم يقدر على العود إلى سيده أجزأه عن كفارته؛ لأنه قادر عن منافع نفسه، وإن لم يقدر على الخلاص والهرب فالإجزاء موقف، فإن قدر بعد ذلك على الخلاص بموت الغاصب أو عجزه أجزه عن الكفارة حينئذٍ، وإن لم يقدر لا يجوز ولا يمنع ان يكون إجزاؤه [١٤٩/ أ] موقوفًا، وإن لم يكن عتقه موقوفًا كالغائب إذا علم بحياته بعد عتقه.
فرع آخر
لو اعتق الحمل عن الكفارة لم يجز، وإن ولدته بعد العتق حيًا؛ لأنه حين أعتق لم يكن له أحكام الدنيا، نص عليه. ولو أعتق الم وهي حبلى عن كفارته أجزأه، ويعتق الولد تبعًا ولا يكون عن الكفارة. قال الشافعي: "فإن استثنى حملها من العتق لم يصح وتبعها، ولا يصير العتق عن الكفارة.
فرع آخر
إذا تزوج بأمة ثم اشتراها وأعتقها عن كفارته نظر، فإن لم تأت بولد منه فقد صح إعتاقها وقد انفسخ نكاحها بملكه إياها. وإن أتت بولد نظر، فإن لم يكن وطئها بعد الشراء وأتت به لدون أربع سنين من حيث الشراء فالولد يلحق به لأنها كانت فراشًا له بعقد النكاح ولم تصر أم ولد له؛ لأنها حملت منه من غير ملكه وعتقها مجزئ عن الكفارة، وقد عتق عليه الولد بالملك. وإن أتت به لأربع سنين، فما زاد من حين الشراء لا يلحق به الولد، ويجزيه عتقها عن الكفارة. وإن كان وطئها بعد الشراء. فإن أتت به لدون ستة أشهر من حين الوطئ، فالحكم فيه كما لو لم يطأها. وإن أتت به لستة أشهر من حين الوطئ يلحق به، ولم يمسسه رق، والأمة أم ولده، ولا يجزيه عن الكفارة؛ لأن الظاهر أن الحمل من هذا الوطئ الموجود في الملك، وهي صارت أم ولد له به.
مسألة: قال: "وإنْ أعتقَ عبدًا له غائبًا فهوْ على يقينِ أَنهُ أعتقَ".
في بعض النسخ: فهو على غير يقين أنه أعتق. وجملته أنه إذا أعتق عبدًا غائبًا يعرف مكانه ويسمع بخبره جاز عن كفارته؛ لأنه محكوم بملكه ملكًا تامًا، وهو المراد به على القراءة الأولى، وإن أعتق عبدًا غائبًا مفقودًا لا يعرف خبره لا يجوز عن الكفارة [١٤٩/ ب] وهو المراد به في القراءة الثانية. وقال في "زكاة الفطر": يلزمه أن يذكر عنه زكاة الفطر وقد ذكرنا في كتاب أن من أصحابنا من قال فيهما قولان على سبيل النقل والتخريج، ومن أصحابنا من حملها على الظاهر، والمعنى مراعاة الاحتياط فيهما وهو اختيار القفال، فإن قيل: إذا شك في الحدث وجب أن يأمروه بالضوء احتياطًا للصلاة. قيل: الغيبة ليس لها ظاهر ينبني عليه الحكم، وشكه في حدث نفسه
стр. 4958
له ظاهر، وهو أن كل أحد يعلم فعل نفسه، فإذا لم يعلم كان الظاهر بقاء أصله.
مسألة: قال: "ولو اشترى مَنْ يعتقُ عليهِ لمْ يجزهُ".
الفصل
إذا اشترى من يعتق عليه أو أتهب ونوى أن يكون عتقه عن كفارته لم يجز عن كفارته، وبه قال مالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة: يجزئه، وهذا غلط؛ لأن عتقه مستحق بسبب سابق فلا يجوز صرفه إلى الكفارة كأم الولد.
فرع
لو اشترى من يعتق عليه بشرط الخيار، ثم أعتقه في مدة الخيار عن كفارته. قال أبو بكر الأودي من أصحابنا: إنه يجوز؛ لأنه باشر إعتاقه، والمذهب أنه لا يجوز، وذلك الوجه لم يقله غيره.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ عبدًا بينهُ وبينَ آخرِ عنْ ظهارهِ وهو موسرٌ أجزأهُ".
إذا كان بينه وبين آخر عبد مشترك فأعتق نصيبه، فإن كان موسرًا عتق نصيبه وقوم عليه نصيب شريكه ومتى يسري العتق إلى نصيب شريكه فيه أقوال أحدها: عند اللفظ، والثاني: عند أداء القيمة، والثالث: مراعى. فإن أدى القيمة تبينا انه عتق عند اللفظ، وإذا قلنا: يعتق عند اللفظ فهل يقع العتق في جميعه بنفس اللفظ، أو في نصيبه باللفظ ومن [١٥٠/ أ] نصيب شريكه؛ بالشراية؟ وجهان: فإذا ثبت هذا فإن كان موسرًا فأعتق كله عن كفارته جاز بلا إشكال؛ لأن عتقه نافذ في جميعه كما ينفذ من مملوكه الخالص. وأما وقت النية: فإن قلنا: يعتق جميعه بنفس اللفظ، أو قلنا: يراعى فيحتاج أن ينوي عتق نصيبه ونصيب شريكه عن الكفارة حال تلفظه؛ أو قلنا يراعي فيحتاج أن ينوي عتق نصيبه ونصيب شريكه عن الكفارة حال تلفظه؛ لأنه وقت عتقه. فغن نوى عتق النصف عند العتق والنصف عند أداء القيمة لم يجز؛ لأنه أخر فيه الكفارة عن وقت العتق. قال القفال: ولا فرق بين أن يقول: أعتقتك أو يقول: أعتقت نصيبي، كما لو كان الكل له وقال: أعتقت نصفك عن ظهاري جاز؛ لأنه عبارة عن عتق الكل.
قال: وفيه وجه آخر أنه إذا قال: أعتقت نصيبي منك لا يجوز عن الكفارة؛ لأنه ما نوى في النصف الثاني والشرع أعتق ذلك عليه. وقال بعض أصحابنا: إن قال: أعتقت ونوى عتق الكل عن كفارته جاز، وإن نوى عتق حصته عن كفارته ولم ينو أصلاً في حصة شريكه اجزأه عتق نصيبه عن كفارته، وهل ما عتق عليه من حصة شريكه عن كفارته؟ وجهان بناء على الوجهين أنه يعتق الباقي بالمباشرة أو بالشراية؟ فإن قلنا بالمباشرة أجزأته نيته في حصته عن النية في حصة شريكه. وإن قلنا: يعتق بالشراية لم يجزه. وهكذا لو كان مالكًا لجميع العبد فأعتق نصفه ينوي بنصفه عن كفارته عتق عليه
стр. 4959
جميعه وأجزأه منه النصف الذي نواه، وفي أجزاء نصفه الثاني وجهان؛ أحدهما: يجوز ويكون عتق مباشرة. والثاني: لا يجوز ويكون عتق شراية. وإن قلنا يعتق نصيب شريكه باللفظ وأداء القيمة، فغن نوى في الحال عتق النصف عن كفارته ونوى عتق النصف الآخر عند أداء القيمة، فإن نوى في الحال عتق النصف عن كفارته ونوى عتق النصف الآخر عند أداء القيمة أجزأه؛ لأنه إذا نوى عند أداء القيمة فقد نوى عند وقوع العتق. [١٥٠/ ب] وإن نوى عتق الجميع عن الكفارة في حال العتق ولم ينو عند الأداء اجزأه أيضًا؛ لأنه وقت وجوب عتق نصيب الشريك.
قال أبو حامد: وعندي انه يلزمه فيه عتق الكل حال العتق؛ لأن تلك الحالة سبب العتق، وهو اختيار القاضي الطبري. وقال في "الحاوي": فيه أربعة أوجه: أحدها: تلزمه النية مع دفع القيمة. والثاني: تلزمه وقت اللفظ. والثالث: يتخير بين أن ينوي مع اللفظ؛ لأنه سبب العتق وبين أن ينوي مع دفع القيمة؛ لأنه وقت نفوذ العتق. والرابع: وهو الأصح عندي، ان يجمع بين النية مع لفظ العتق والنية مع دفع القيمة؛ لأن العتق إذا وقع بأمرين لم يجز أن تختص النية بأحدهما، فإن نوى عند أحدهما لم يجزه". فحصل من هذا أنه إذا نوى في الحال عتق النصف عن كفارته، ونوى عند أداء القيمة عتق النصف الآخر عن كفارته هل يجوز؟ وجهان؛ أحدهما: لا يجوز، وهو اختيار أبي حامد. والثاني: يجوز وهو الأظهر.
وحصل أيضًا انه لو اعتق جميعه بنية الكفارة ولم ينو عند أداء القيمة أصلاً هل يجوز؟ وجهان؛ أحدهما: يجوز وهو ظاهر المذهب. والثاني: لا يجوز. وأما إذا كان معسرًا فنوى عند العتق أن يكون نصيبه عن كفارة ثم وجد مالاً فاشترى النصف الآخر وأعتقه، ونوي أن يكون عن كفارته اجزائه أيضًا. وإن نوى الجميع عند العتق لم يجز؛ لأنه قدم نية الكفارة على عتق النصف. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أعتق الباقي مطلقًا ولم ينوِ عن كفارته هل يجوز عن كفارته؟ وجهان بناء على تفريق الوضوء إذا جوزناه هل يلزمه تجديد النية؟ وجهان. قال القفال: والأصح انه لا يجزئه. والفرق أن في الطهارة نيته الأولى مشتملة على جميع أفعالها، وها هنا نيته الأولى مشتملة على نصيبه فقط فافترقا.
ولو اعتق هذا المعسر [١٥١/ أ] نصيبه عن كفارته وأراد أن يتمم بالتفكير في الحال لم يجز إلا أن يكمل بصيام شهرين أو بإطعام ستين مسكينًا. ثم قال بعض أصحابنا في نصف العتق الذي قدمه وجهان؛ أحدهما: أنه عتق نافذ في التفكير وكمله بصوم شهرين. والثاني: ما تقدم صار طوعًا؛ لأن الصوم كفارة كاملة لا تلزمه الزيادة عليها، ذكره في "الحاوي" ما إذا أيسر قبل أن يصوم هل يلزمه أن يكفر بالعتق؟ قولان؛ أحدهما: لا يلزم إذا قلنا: المراعى في الكفارة حال الوجوب. والثاني: يلزمه إذا قلنا المراعى فيه حال الداء، فإن اشترى الباقي وأعتقه عن كفارته أجزأه ولا يضر التفريق؛
стр. 4960
لأن المقصود تكميل العتق في الرقبة وقد تكامل وإن كان زمانين. وقال أبو حنيفة: لا يجوز عتق المشترك عن كفارته موسرًا كان أم معسرًا؛ لأنه إذا أعتق نصبه صار عتق الباقي مستحقا على مالكه فلا يجزئ عن الكفارة كأم الولد، وهذا غلط؛ لأنه معتق لجميعه لأنه يسري إلى الباقي قد صادف رقًا تمامًا فجاز بلا خلاف أم الولد. فإن قيل: عندكم إذا استحق العتق عن جهة لا يجوز عن الكفارة، فكيف جوز تم ها هنا؟ قلنا: إنما لا تجوز إذا لم تقارن النية سبب الاستحقاق وها هنا قارنته فجاز، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر عن كفارتي جاز. فإن قيل: فيجب إذا نوى المعتق عن الكفارة عند عتق الكتابة عليه يجوز. قلنا: المانع ها هنا عن الجواز كون المعتق واقعًا بعوض ولا يجوز ذلك بالإجماع.
مسألة: قال: "ولو أعتقهُ على أَنْ جعلَ لهُ رجلٌ عشرةَ دنانيرِ لمْ يجزئهُ".
إذ قال رجل: اعتق عبدك عن ظهارك ولك عليّ عشرة دنانير فأعتقه على عشرة دنانير لم يجزه عن ظهاره؛ لأنه اعتقه على جعل، ويقع العتق [١٥١/ ب] عن الباذل للعشرة وللمعتق العشرة والولاء للباذل، ولا فرق بين أن يقدم ذكر العشرة على الظهار أو يقدم ذكر الظهار على العشرة، مثل أن يقول: أعتقت عبدي عن ظهاري على أن يكون عليك عشرة، أو يقول: أعتقت عبدي على أن عليك عشرة عن ظهاري. ومن أصحابنا من فرق بينهما فقال: إذا قدم ذكر الظهار أجزأه عنه ولم يستحق العشرة، وإن قدم ذكر العشرة استحقها ولم يجزئه عن الظهار، وهذا ضعيف؛ لأن الشرط في الإيجاب لا يثبت ما لم يتم الكلام ويقطع عليه وأتم الكلام ها هنا على العشرة.
وقال القفال: هل يستحق عليه العشرة؟ وجهان؛ أحدهما: يستحق كما في الطلاق إذا قال: طلق امرأتك على عشرة. والثاني: لا يستحق كما لو قال: بعه من فلان ولك علي عشرة. ومن قال بالأول فرق بأن له غرضًا في عتق العبد ولا غرض له في بيع ذلك من فلان، فصار كما لو قال: ألق متاعك في البحر على أني ضامن صح إذا كان خوف غرق؛ لأن له فيه غرضًا، ولا يصح ذلك إذا لم يكن ذلك الخوف ولا سبب صحيح، وعلى كلا الوجهين لا يجوز عن الكفارة؛ لأنه لم تتمخض بينة عن الكفارة، فعلى احد الوجهين استحقاق المخض يمنع الأجزاء، وعلى الوجه الثاني فساد النية. يمنع الأجزاء وهذا حسن، ولكن المشهور ما تقدم وقال بعض أصحابنا بالعراق: كيف تلزمه العشرة وهو لم يرض بإعتاقه عنه، وينبغي أن تكون التسمية فاسدة لبطلان الشرط الذي شرطه؟ ذكره صاحب "الشامل".
مسألة: لو قالَ المعتقُ فِي هذهِ المسألة: لا أريد العوضَ أعتقته عنْ ظهارى جازَ بلا إشكالٍ؛ لأنه تمخضَ العتقُ عنَ الكفارةُ.
ولو قال في جوابه: أعتقته عن كفارتك فالحكم على ما ذكرنا؛ لأن الإيجاب مبني
стр. 4961
[١٥٢/ أ] على الاستدعاء، فكأنه قال: أعتقته على عشرة، هذا ذكره عامة أصحابنا. وقال في "الحاوي": فيه وجهان؛ أحدهما هذا. والثاني: يجزئه عن ظهاره لإمساكه عن ذكر العوض ولا شيء على الباذل، ولو أعتقه بعد تطاول الزمان وأمسك عن ذكر العوض ولم يذكره بنفي ولا إثبات جاز عتقه عن ظهاره.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ عنهُ رجلٌ عبدًا بغيرِ أمرِ لمْ يجزنُه".
الفصل
إذا كان لرجل عبد فأعتقه عن غيره بغير أمره وهو حي وقع عن المعتق، وكان الولاء له دون المعتق عنه، ولا فرق بين أن يكون أعتقه عن واجب عليه أو غير واجب. وقال مالك: إن أعتقه عنه عن واجب عتق عنه وإلا فلا، وهذا غلط؛ لأنه لو أوقع العتق عن نفسه ولم ينوه لم يجزه وقد باشر العتق، فإذا اعتق عنه أولى أن لا يجوز؛ لأنه فقد النية والمباشرة جميعًا. فإن قيل: أليس لو قضى عنه الدين بغير أمره يجوز؟ قلنا: الفرق انه لا يحتاج إلى النية بخلاف هذا، وإن كان المعتق عنه ميتًا نُظر، فإن اعتقه عنه تطوعًا ولم يكن أمر به الميت كان العتق عن المعتق ولم يجز عن الميت سواء كان وارثًا أو أجنبيًا؛ لأن في العتق إلحاق الولاية وهو بمنزلة النسب فلا يلحق به بغير أمره، ويخالف هذا إذا تصدق عن الميت بصدقة فتجزئه ويلحقه ثوابها؛ لأن ليس من الصدقة ما ذكرناه من المعنى، وإذا كان ذلك بأمر الميت ووصيته اجزأه، وإن كان العتق واجبًا عليه لا يخلوا إما أن يكون مرتبًا، أو غير مرتب، فإن كان مرتبًا وكان قد خلف مالاً فالعتق واجب من رأس المال، وإن لم يكن خلف مالاً لا يجب العتق عنه، فغن تبرع به الولي فأعتق عنه اجزأه، وكذلك إن خلف مالاً وهو أعتقه عنه من مال نفسه جاز؛ لأن نيته تقوم مقام نيته، [١٥٢/ ب] وللوارث أن يقضي دينه من حيث شاء ويمسك التركة، وإن كان العتق غير مرتب كفارة اليمين، وإن لم يكن أوصي العتق عنه فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز وهو الأصح؛ لأنه وإن كان مخيرًا فيه فإن كل نوع يتعين عن الواجب بالفصل. والثاني: لا يجوز؛ لأنه غير متعين عليه فيصير في معنى التطوع، وإن كان قد أوصى العتق عنه في هذه الكفارة جاز بلا إشكال.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ فيهَ بجعلِ أو غيرهِ جازَ والولاءُ لهُ".
إذا كانت عليه كفارة فقال لآخر له عبد: أعتق عبدك عن كفارتي، فأعتقه عنه أجزأه سواء كان بعوض أو بغير عوض. وقال أبو حنيفة: يجوز إن كان بعوض؛ لأنه يكون عتق المشتري قبل القبض، ولا يجوز من غير عوض ويقع العتق عن المعتق لا عن السائل؛ لأنه موهوب فلا يمسك قبل القبض، وهو اختيار المزني غير انه عبر عن اختياره بان قال: معناه عندي أن يعتقه عنه بجعل، أي قياس مذهبه يوجب عندي أنه
стр. 4962
إنما يجوز بعوض؛ لأن مذهبه أن الهبة لا تملك قبل القبض، خلاف قول مالك أنها تملك بالعقد، وهذا غلط؛ لأنها رقبة تجزئ عن كفارة المعتق عنه، فإذا أعتقها غيره عنه بأمره أجزأه عنه كما لو شرط العوض. وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن العتق بعوض جعل بمنزلة البيع المقبوض، ولهذا يستقر عوضه، فينبغي مع عدم العوض أن يجعل بمنزلة الهبة المقبوضة.
فإذا تقرر هذا نقول: إذا أعتقه عنه يكون استدعاؤه إذا انضم إليه الإعتاق بمنزلة التمليك والقبول فيعتق من ملك الأمر. فإن قيل: متى يملك المعتق عنه، ومتى يزول ملك صاحبه؟ قلنا: فيه أربعة أوجه؛ أحدها: قاله أبو إسحاق: يقع الملك والعتق في حالة واحدة [١٥٣/ أ] عقيب الإيجاب بالإعتاق ولا يمتنع ذلك، وإن كانا ضدين تمانع الضدين مما طريقة بالمشاهدة دون الحكم، وها هنا طريقة الحكم. وعلى هذا قال: إذا اشترى أباه يعتقه ويملك عليه بالشراء وهذا ضعيف؛ لأن ما يمتنع في العقل من اجتماع الضدين لا يجوز إثباته في الأحكام؛ لأنه يكون حكمًا بالمحال. والثاني: يتبين بالعتق أنه كان مالكًا له باستدعاء العتق ثم عتق عليه بعد الملك بلفظ العتق، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن الإيجاب شرط فيه فلا يتقدم الملك على شرطه. والثالث: يقع الملك والعتق معًا في حالة واحدة، وهذا أيضًا ضعيف لما ذكرنا. والرابع: يملكه بلفظ العتق ويعتق بعد استقرار الملك، وهذا هو الصحيح، واختاره أبو حامد والقاضي والطبري. وعلى هذا إذا اشترى أباه يملكه بالشراء ويعتق عليه بعد استقرار الملك، وهذا لأن وقوع عتقه عنه يقتضي إثبات ولاية له، وذلك لا يكون إلا بتقدم الملك، ثم يقع العتق بحكم اللفظ واقع .... اللفظ، ولا يمتنع أن يوجد لفظ العتق ولا يتعقبه العتق لعدم شرطه. ألا ترى أنه لو قال: أعتقه عنك بألف فقال: قبلت، وقع العتق عيب القبول متأخرًا عن لفظه. وفيه وجه خامس: يملكه بأول لفظ العتق ويعتق بآخر لفظ العتق، وهذا قريب من الوجه الثالث. وهناك ما ذكرنا ما قال أصحابنا فيمن دعي إلى طعام فتناوله متى يملك الطعام؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يملكه بالتناول كالموهوب، فعلى هذا إذا تناوله لم يكن لصاحبه الرجوع فيه. والثاني: يملكه إذا وضعه في فيه؛ لأنه يختلط بريقه وهو سبب تعرضه لتلفه فتعلق به الملك. والثالث: يملكه بالابتلاع والإزدراد. فإذا قلنا: يملكه بالتناول هل يجوز أن يطعمها غيره؟ فيه وجهان؛ [١٥٣/ ب] أحدهما: له ذلك؛ لأنه ملكه. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه مأذون في تملكها على وجه مخصوص كالعارية لا يعيرها. والأول اختيار أبي حامد والقاضي الطبري.
وقال في "الشامل": الأشبه أنه يقال: هذا إذن بالإتلاف لا تملك فيه، لأن من شرط الهبة لفظها، والأذن في القبض إلا أن يتضمنها العتق خاصة لقوة العتق ولم يوجد ها هنا، ولأن الإذن بالتناول يتضمن إباحة الأكل فلا يجوز أن يحصل به الملك وليس بتمليكه بمطلق، ولو كان ذلك صحيحًا لجاز أن يتناول جميع الذي قدمه إليك ويرده إلى بيته ولا يصح أن يقال: يملك بالوضع في فيه؛ لأنه لم يحصل الأكل المأذون فيه، ولا
стр. 4963
يصح أن يقال يملكه بالابتلاع؛ لأنه يبطل به معنى الملك فيه ويصير كالتالف فكيف يملكه وهذا حسن؟ فإن قيل: ما تقولون إذا وهب لغيره عبدًا ثم أذن الواهب للموهوب له بالإعتاق فأعتقه قبل القبض هل يجوز أم لا؟ يجوز ويصير كأنه أعتقه بإذنه بعد قبضه. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هاهنا؛ لأن البيع باللفظ الصريح يخالف البيع لفظ استدعاء العتق بعوض والإيجاب فكذلك الهبة بلفظها الصريح بخلاف الهبة بلفظ استدعاء العتق والإيجاب.
فرع
لو أعتق عبدًا عن عامة المسلمين يعتق عنهم دونهم والولاء له. وحكي عن مالك أنه قال: يعتق عنهم والولاء لهم، وهذا غلط؛ لأن فيه إلحاق الولاء بهم من غير رضاهم.
فرع آخر
إذا قال: أعتق عبدك عني غدًا ولك عليَّ ألف فأعتق عنه غدًا يعتق عنه. قال القفال: وهل يستحق عليه المسعى أو قيمة العبد؟ وجهان؛ والظاهر أنه يستحق المسمى.
مسألة: قال: "ولو أعتقَ عبدينِ عنْ ظهارينِ أو ظهارٍ وقتلٍ كلُّ واحدٍ منهمَا [١٥٤/ أ] عن الكفارتين أجزأه".
الفصل
إذا كان عليه كفارتان عن ظهار أو جماع في رمضان، أو ظهار وقتل فأعتق عنهما عبدين فيه أربع مسائل؛ أحديها: أن يعتق أحدهما عن كفارة القتل فيجزئه إجماعًا. والثانية: أن يعتق عبدًا عن إحدى الكفارتين لا بعينها، وأعتق الآخر عن الكفارة الأخرى لا بعينها، فيجوز أيضًا؛ لأنه قد أتى بنية التكفير، وإنما فقدت منه نية التعيين، ولا اعتبار بنية التعيين في الكفارة عندنا، سواء اتفقت الكفارتان أو اختلفنا. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يفتقر إلى تعيين النية عند الاتفاق، وتعتبر عند الاختلاف، مثل أن تكون إحديهما عن ظهار والأخرى عن قتل، وهذا غلط؛ لأنها كفارة واجبة فلم يفتقر صحة أدائها إلى تعيين سببها، كما لو كانت عليه كفارة واحدة. والثالثة: أن ينوي عتق كل واحد منهما عن الكفارتين، بأن يقول: أعتقت هذا عن كفارتي، ثم قال: أعتقت هذا الآخر عن كفارتي. نص الشافعي - رحمة الله عليه - أنه لا يجوز، ولا يختلف فيه أصحابنا، ولكن اختلفوا في كيفية وقوع العتق عن الكفارتين.
فقال ابن سريج وابن خيران: يعتق كل واحد عن كل واحدة من الكفارتين على التمام؛ لأنه لما أعتق نصفه عن إحدى الكفارتين سرى ذلك إلى الباقي فعتق عنها، وكذلك الآخر، وهذا بيَّن في كلام الشافعي هاهنا؛ لأنه قال: "أجزأه؛ لأنه أعتق عن
стр. 4964
كل واحدة عبدًا نصفًا عن واحدة ونصفًا عن واحدة يكمل في العتق" فأخبر أنه كمل فيها العتق، وقوله: "أعتق عن كل واحدة عبدًا تامًا عن واحدة ونصفًا عن واحدة" إخبار عن فعل المعتق أنه هكذا فعل، ولكن انقلب ذلك وسرى على ما ذكرنا، وهذا اختيار أبي حامد، وذكر أنه نص عليه في الأم هكذا.
ومن أصحابنا [١٥٤/ ب] من قال: يعتق كل واحد منهما عن الكفارتين؛ لأنه هكذا نوي، فلا يجوز أن يقلب عما نوى، كما لو جب عليه كفارتان فأعتق عبدًا عن إحديهما لا ينقلب إلى الأخرى، وهذا أظهر من كلام الشافعي ها هنا. وقوله: "فكمل العتق فيهما" أي: كمل من طريق الحكم فجاز، لا أنه كمل من طريق السراية. وفائدة هذا الخلاف لا يتبين في هذه المسألة، وإنما يتبين في مسألة أخرى، وهو إذا كان له نصف عبدين فأعتقهما عن كفارته وهو معسر. فعلى قول ابن سريج لا يجوز بحالٍ؛ لأن الله تعالى أمر بعتق رقبة كاملة وهذا لم يعتق رقبة كاملة، ولأن ما أمر بصرفه إلى شخص واحد في الكفارة لم صرفه إلى اثنين كالمد من الطعام، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة. وعلى قول القائل الثاني يجوز بكل حالٍ، وبه قال أحمد؛ لأنه ينظم أحد النصفين إلى الآخر فتكون رقبة كاملة، ولأن الأشقاص بمنزلة الأشخاص فيما لا يمتنع منه العيب اليسير كما في الزكاة فإن من ملك ثمانين شاه مشتركًا كان بمنزلة إن تملك أربعين، ولا يلزم على هذا إذا ضحى بنصف شاتين لا يجوز لأنه يمتنع منها العيب اليسير.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا إنه إن كان باقيهما حرًا يجوز، وإن كان رقيقًا لا يجوز؛ لأنه إذا كان الباقي حرًا فقد كمل الأحكام فيه ووجد مقصود الحرية، بخلاف ما لو كان الباقي رقيقًا، والأول أظهر؛ لأن تكميل الأحكام لم تحصل بما أعتقه عن الكفارة، وإنما حصل بانضمام عتق النصف الآخر فلا يجوز.
فرع
لو أخرج في الزكاة نصفي شاتين بدل شاة، هل يجوز؟ وجهان؛ أحدهما: لا يجوز، وهو قول عامة أصحابنا. والثاني: يجوز، وهو اختيار الأصطخري [١٥٥/ أ] وكان يقول: لا أعلم خلافًا بين أصحابنا في الممتنع إذا ذبح نصفي شاتين يجوز، وأن نصفي رقبتين في وجوب زكاة الفطر بمنزلة رقبة واحدة، وعندي أن في الممتنع إذا ذبح نصفي شاتين يجوز على قياس قول أصحابنا؛ لأنه يمتنع بالعيب اليسير كالأضحية.
مسألة: قال: "ولو كانَ ممَن عليهِ الصومُ فصيامَ شهرينِ متتابعينِ عِنْ أحديهمَا كانَ له أنْ يجعلَه عنْ أيهمَا شاءَ".
стр. 4965
الفصل
قد بينا أن الكفارة لا تحتاج إلى نية التعيين، ولكن تحتاج إلى النية. قال الشافعي في "الأم": ولا تجزئة الكفارة حتى ينوي مع التفكير أو قبله واختلف أصحابنا في جواز تقديم نية الكفارة عليها الظاهر هذا الكلام، فمنهم من قال: يجوز، ومنهم من قال: لا يجوز إلا مع الفصل كما لا يجوز في الصلاة وهو الأظهر. وأراد الشافعي بما ذكر أنه ينوي قبله واستصحب النية، وهو كالوجهين في نية الزكاة؛ أحدهما: عند عزلها، والثاني: عند دفعها. ولا إشكال أنه لا تجوز النية قبل أن يتعين له العبد الذي يعتقه والطعام الذي يطعمه، والوجهان بعد تعيين العبد والطعام.
فإذا تقرر هذا لو كان عليه كفارتان فصيام عن إحديهما شهرين متتابعين هو معسر جاز، وهو بالخيار إن شاء عين الأن عن أحدى الكفارتين ثم يصوم شهرين آخرين عن الكفارة الثانية، وإن شاء تركها كما هي ويصوم شهرين آخرين عن كفارة أخرى لا يعينها، فإن عينها عن إحدى الكفارتين ثم أراد أن يصدقها إلى الآخر فليس له ذلك، كما لو أحرم إحرامًا موقوفًا له أن يصرفه إلى أي النسكين شاء من الحج والعمرة، فلو صرفه إلى أحدهما ليس له أن يصرفه إلى الآخر بعد ذلك. ولو صام أربعة أشهر عن كفارتين ونوى أن كل يوم عنهما أو يوم عن هذا ويوم عن ذاك، [١٥٥/ ب] أو شهر عن هذا وشهر عن ذاك لم يجز؛ لأن التتابع شرط. ولو كان عليه ثلاث كفارات وكان له رقبة فأعتقها عن إحديهما صام عن الأخرى، ثم مرض فأطعم عن الثالثة ونوى بالجميع الكفارة جاز؛ لأنه قد أتى بكل واحد من هذه الأجناس وهو من أهله فجاز، ولو عين الكفارة فأخطأ، مثل أن كانت عليه كفارة القتل لا غير فنوى عن كفارة الظهار لم يجز؛ لأن أصل النية واجب، وإن لم يكن التعين واجبًا، فإذا أخطأ في التعين لم يجز، وهذا كما لو أخرج خمسة دراهم زكاة ونوى عن أحد ماليه جاز بعد ما كان تالفًا لم يجز عن الآخر وعند الإطلاق لو بان تلف أحدهما تعين ما أدى عن الآخر، وكذا إذا صلى على جنازة فلا حاجة إلى أن يعرف أنه رجل أو امرأة، فلو عين وأخطأ لم يجزه.
فرع
لو قال لعبديه: أحدكما حر عن ظهاري أجزأه وتعين العتق.
فرع آخر
لو قال: إن كان ذا المقبل عبدي سالمًا فهو حر عن ظهاري، فكان ظاهر المذهب أنه لا يجزيه، كما لو قال لمكاتبه: إن عجزت فأنت حر عن ظهاري لم يجز.
مسألة: قال: "ولو وجبتَ عليهِ كفارةٌ فشكَ أَنْ يكونَ مِن ظهارِ أو قتلٍ أو نذرٍ،
стр. 4966
فأعتقَ رقبةَ عن أيهمَا كانَ أجزأَه".
إذا كان عليه كفارة ولم يعلم سببها فأعتق عنها رقبة أجزأه؛ لأن المأخوذ عليه أصل النية وقد وجد، فإن نوى عن الكفارة التي عليه جاز بلا إشكال. وقول الشافعي: "أو نذر" أراد به النذر الذي يجري مجرى اليمين وهو نذر اللجاج، فأما نذر البرر لا يكفي فيه نية التفكير. بل يحتاج إلى أن يأتي فيه إلى نية النذر، ولو أعتق في مسألتنا عبدًا ينوي به [١٥٦/ أ] العتق مطلقًا لا يجوز؛ لأن الظاهر من العتق المطلق، المطلق المتطوع به. وكذلك لو نوي عتقًا واجبًا لا يجوز؛ لأن الواجب قد يكون عن كفارة وقد يكون غيرها، ولو لم يكن عليه إلا المنذور فأعتق رقبة عن الحواجب الذي عليه جاز في ظاهر نص الشافعي.
مسألة: قال: "ولو أعتقهَا لا ينويَ واحدةً منهَا لمْ يجزئْهُ".
قد بينا أن النية شرط في صحة الكفارة، وصفتها أن ينوي عتقها عن الكفارة، فإذا زاد الواجبة كان تأكيدًا واعلم أن ها هنا إشكالًا وذلك أنه عطف بهذا على المسألة قبلها، وظاهر أن التعين واجب بلا خلاف ما قبلها، وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: يحتمل أن يكون مراد الشافعي بقوله: "لا ينوي واحدًا منها" راجعًا إلى الصفة، أي لا ينوي الواجب عند العتق؛ لأن كل واحدة منهما واجبة فلا بد من أن ينوي واجبًا واحدًا من الواجبات التي شك فيه حتى يجزيه، ويحتمل معنى آخر، وهو أن ينوي بالعتق ما يتعين أنه غير واجب عليه، ثم يستبين أن الواجب غيره على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "ولو ارتدَ قبلَ أن يكفرَّ فأعتقَ عبدًا عَنْ ظهارهِ فإنَ رجعَ أجزأهُ".
إذا وجب عليه عتق رقبة فارتد ثم أعتق، ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على تصرفه وملكه وفيهما ثلاثة أقول: أحدها: تصرفه باطل وملكه زائل. والثاني: تصرفه نافذ وملكه باق. والثالث كلاهما مراعى الوقوف. فإن قلنا: ملكه باق وتصرفه نافذ يجوز أن يعتق عن الظهار من ماله، ولو كفر بالإطعام فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز كالعتق. والثاني: لا يجوز؛ لأنه بدل عن الصيام الذي لا صلح منه، فأجرى على البدل حكم المبدل، هكذا ذكره صاحب "الحاوي" وسائر أصحابنا [١٥٦/ ب] لم يفصلوا بين العتق والإطعام بوجه، ولو صام في ردته لا يجوز، والفرق لأن الصوم عبادة بدنية محضة لا منفعة فيه للآدمي بحال، فالكفر يمنع جواز أدائه، وفي هذا نفع للآدمي، والأغلب فيه معنى الغرامة فجاز مع الكفر، ولأن الصوم عمل البدن لا يدخل في النيابة حتى لو أناب فيه كافرًا، فجاز إذا كان المؤدي كافرًا. فإن قيل: أليست الأعمال بالنيات والكافر ليس من أهل النية في حال كفره وجود نيته وعدمها بمنزلةٍ والكفارة عبادة تفتقر إلى النية، فكيف صحت من المرتد في
стр. 4967
حال ارتداده؟ قيل: في الكفر بالمال معنيان؛ أحدهما: التطهير عن الذنب. والثاني: الإرفاق بأهل الحاجة، فلئن لم يحصل بتفكيره في الردة معني التطهير فقد حصل معنى الإرفاق، ونظيرها الحد يتضمن التنكيل والتطهير ويوجب الحد على الكافر على وجه التنكيل لا على وجه التطهير، ولا نعتبر فيه نية القربة بل يكفر نية الكفارة فقط، كما ينوي في كنايات الطلاق والعتاق، أو نقول: النية تابعة في الكفارة والفعل مقصود إرفاقًا بالغير، فإذا حصل الفعل في حال تعذر النيية سقط الفرض، ولهذا قلنا في الزكاة: إذا امتنع من أدائها فأخذها الإمام من غير نية منهما جاز. وإن قلنا: تصرفه باطل وملكه زائل لا يجوز عتقه عن الكفارة أيضًا. وإن قلنا: تصرفه وملكه موقوفان فعتقه أيضًا موقوف، فإن أسلم تبينا جوازه عن الكفارة، وإن قتل تبينا أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: يجوز أن يكفر عن الظهار من ماله. وإن قلنا ملكه زائل وتصرفه مردود أو مراعى؛ لأنه استحق عليه قبل الردة فهو كالدين والزكاة والقصاص وحد القذف [١٥٧/ أ] كما صح أداءه الدين أو القود أو الحد، فكذلك الكفارة.
باب ما يجزئ من العيوب في الرقاب الواجبة
مسألة: قال "لمَا لمْ اعلمْ أحدًا ممَن مضى مِنْ أهلِ العلمِ ولا ذكرَ لي عنهُ ولا بقيَ من خالفٍ فِي أَنْ من ذواتِ النقصِ مِنْ الرقابِ مَا لا يجزئ".
الفصل
قال الشافعي: "لا خلاف بين أهل العلم" وأراد أهل العلم المتقدمين. وقوله: ولا بقي أراد ممن بقي أن بعض العيوب يمنع الجواز في الكفارة وبعضها لا يمنع. وحكي عن داود أنه قال: يجوز مع كل عيب وهو كان بعض الشافعي، واحتج بأن اسم الرقبة يقع عليه وهذا غلط؛ لأن المقصود بالعتق في الكفارة تكميل الأحكام وتمليك المنفعة، وهو أن يصير بالحرية مالكًا لمنافع نفسه، فيجب أن يكون كامل المنافع، ولأن العتق أحد لا ما يكفر به فلا يجوز ما يقع عليه الاسم أصله الإطعام، فإنه لا يجوز فيه المسوس، وإن كان اسم الطعام يقع عليه.
فإذا تقرر هذا نقول: كل عيب في الرقبة يضر بالعمل ضررًا لا يمنع جوازها في الكفارة وكل عيب لا يضر بالعمل ضررًا بينًا لا يمنع جوازها في الكفارة، وهو كالبيع ما يؤثر في مقصوده يعد عيبًا، وما لا يؤثر في مقصوده لا يعد عيبًا، فعلى هذا نقول الأعمى لا يجوز؛ لأنه عاجز عن الاكتساب فلا يمكن العمل مع العمى في أكثر الصنايع والأعوز لا يجوز؛ لأن ما يعمل ذو العينين يعمل الأعور ويخالف الأضحية،
стр. 4968
ولا يجوز فيها الأعور؛ لأن العين مقصودة بالأكل وهو المقصود فيه [١٥٧/ ب] وها هنا المقصود ما ذكرنا.
فرع
لا يجوز الزمن سواء كان أقطع اليدين أو إحديهما، أو أقطع الرجل من خلال يجوز، وإن كان من وفاق كلاهما من جانب واحد لا يجوز، واحتج بأن منفعة الجنس باقية مع قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين وهذا غلط؛ لأن هذا النقص يؤثر في العمل ويضر به ضررًا بينًا كما لو كانا من وفاق.
فرع آخر
إذا كان مقطوع الإصبع نظر، فإن كان مقطوع الإبهام أو السبابة أو الوسطى يجوز، وإن كان مقطوع البنصر والخنصر من يد واحدة لا يجوز، وإن كان مقطوع الخنصر والبنصر من اليدين أجزأه، وإن كان مقطوع الخنصر أو البنصر من يد واحدة يجوز أيضًا؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررًا بينًا.
فرع آخر
لو كان هذا الرجل، قال ابن أبي هريرة: لا فرق بين أن يكون ذلك من اليد أو الرجل؛ لأنه يزول به معظم القوة من المشي كما يزول معظم القوة من البطش، هو اختيار القاضي الطبري. وقال في "الحاوي": قطع إبهام الرجل يمنع الجواز؛ لأنه يضر بالمشي. وأما غير الإبهام إذا قطع أحدهما من سبابة أو وسطى أو بنصر أو خنصر لا يمنع الجواز بخلاف اليد؛ لأن منافعها في الرجل متقاربة، وفي اليد متفاصلة فإن قطع إصبعين منها في رجل واحدة لا يجوز؛ لأن اجتماعهما مضر بالمشي. وقال القفال: مفقود أصابع الرجل يجوز؛ لأنه لا يذهب به أكثر المشي ولم يذكر غير هذا وهو غريب، والصحيح ما ذكره صاحب "الحاوي".
فرع آخر
شلل الأصبع فيما ذكرنا يقوم مقام قطعها، فإذا منع القطع منع الشلل. [١٥٨/ أ].
فرع آخر
لو كان مقطوع الأنملة، فإن كان من الإبهام لا يجوز، وإن كان من سائر الأصابع جاز، حتى لو كانت السبابة والوسطى والبنصر والخنصر مقطوعة الأنامل كلها جاز؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررًا بينًا، وإن كان مقطوع الأنملين لم يجز إذا كان من الإصبع التي يمنع تقدمها الجوار وهي الأصابع الثلاثة من الإبهام والمسبحة والوسطى، فأما الخنصر أو البنصر ففقدها لا يمنع جوازها عن الكفارة، ففقد أنملتين أولى بأن لا يمنع.
стр. 4969
فرع آخر
مقطوع الأذنين يجوز في الكفارة، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك وزفر: لا يجوز؛ لأنه يجب فيهما الدية كاليدين، وهذا غلط؛ لأن قطعهما لا يضر بالعمل ضررًا بينًا، وإنما يورث نقصان السمع.
فرع آخر
يجوز الأجدع وغيره أولى منه بالخروج من الخلاف، وإنما جاز لأنه لا يؤثر في العمل.
فرع آخر
يجوز مفقود الأسنان، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز لأن منفعة المضغ ذاهبة وهذا غلط؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررًا بينًا.
فرع آخر
الأصم يجوز؛ لأنه لا يضر بالعمل بل يزيد العمل لأنه لا يسمع بالسفلة عنه، وقد قال الشافعي: "فإن كان أبكم وأصم يعقل أو أحمق أو ضعيف البطش أجزأه". وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصمم كالخرس، وهذا ليس بشيء.
فرع آخر
الأبكم الذي ولد أخرس، والأخرس هو الذي خرس بعد الولادة وقد ذكرنا حكمه. قال المزني: أولى قوليه أنه يجوز، وهو كما قال، وليست المسألة على قولين لما روي أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ومعه جارية خرساء، فقال: يا رسول الله، علي رقبة [١٥٨/ ب] فهل تجزئ عني هذه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ " فأشارت إلى السماء. فقال لها: "من أنا؟ " فأشارت إلى أنه رسول الله، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
فرع آخر
الأحمق هو الذي يقارف الفعل أو القول وهو يعلم قبحه فيجوز عتقه عن الكفارة، وقيل: الأحمق الأخرق العاقل، فأما من لا يعلم قبح ما يأتيه من القول والفعل فإنه مجنون، وحكمه أنه إن كان مطلقًا لا يجوز.
فرع آخر
قد ذكرنا أن إعتاق المجنون عنها لا يجوز إذا كان الجنون مطبقًا؛ لأن الجوارح وإن كانت باطنية فملاك منافعها العقل، وإن كان يجن ويفيق قال الشافعي: يجوز. قال أصحابنا: الاعتبار فيه بالغالب، فإن كان الغالب الإفاقة جاز، وإن كان الغالب الجنون
стр. 4970
لا يجوز، وإن كان يجن ويفيق قال الداركي: لا يجوز، وينبغي أن يكون زمان إفاقته أكثر، وظاهر ما قال أصحابنا أنه يجوز.
فرع آخر
لو كان زمان إفاقته أكثر ولكنه يبقى في زمان إفاقته سدرًا مصعوقًا لا يقدر على العمل إلا بعد حين لا يجوز، وإن كان يزول عنه السدر ويقدر على العمل يجوز.
فرع آخر
في الأبله ينظر فإن كان بله بلادة ودهش لم يجزءه؛ لأنه يؤثر في العمل، وإن كان بله سلامة وقلة فطنة أجزأه.
فرع آخر
يجوز الأقرع، والأبرص، والرتقاء، والمجنون؛ لأنه لا يمنع العمل والاكتساب.
فرع آخر
يجوز ولد الزنا وغيره أولى لرفع الخلاف. وقال الزهري والأوزاعي: لا يجوز لقوله ﷺ : "ولد الزنا شر الثلاثة" وهذا غلط؛ لأنها رقبة سليمة الخلق كاملة الرق، فأشبه صحيح النسب. وأما الخبر له أربع تأويلات [١٥٩/ أ] أحدها: أنه نشر الثلاثة ذكرًا؛ لأنه يذكر أبدًا أنه ولد الزنا إذا سئل عن أبيه. والثاني: أنه شر الثلاثة نسبًا؛ لأنه لا ينسب إلى أب. والثالث: أنه شر الثلاثة إن كان زانيًا؛ لأنه قد جمع بين الزنا وفساد النسب. والرابع: أنه ذكر ذلك عن طريق التعريف؛ لأنه كان واحدًا من ثلاثة وقد عرفوا بالشر، فقال: ولد الزني فيهم شرهم، كما يقال: المشتمل بثوبه هو شر الجماعة للتعريف لا لاشتماله الثوب. وقيل: أراد نسبه ضائع لا يستدرك وهما يستدركان حال أنفسهما بالتوبة.
فرع آخر
يجوز قصير الخلق إذا كانت خلقته صحيحة ولم يعجز عن العمل، فإن عجز عن العمل لا يجوز، وإن كان موجود في العمل من بعيد يجوز.
فرع آخر
لو كان مريضًا، قال الشافعي رحمة الله عليه: إن كان يرجى برؤه أجزأه، وإن كان لا يرجى لا يجوز، وهو مثل السل ونحوه. قال أصحابنا: والشيخ الكبير مثله إن كان يرجى عمله يجوز، فإن كان عاجزًا عن الكسب والعمل لا يجوز.
فرع آخر
لو كان به شجاج لم يندمل منها، فإن كانت دون مأمومة الرأس وجائفة البدن يجوز؛
стр. 4971
لأنها غير مخوفة، وإن كانت مأمومة الرأس أو جائفة لم يجز؛ لأنهما قبل الاندمال مخوفان.
فرع آخر
الأعرج إذا كان خفيف العرج لا يضر العمل بنقصان مشية يجوز، وإن كان عرجًا شديدًا لا يجوز. وقيل: يعتبر في الرقبة التي تجزئ عن الكفارة خمس شرائط؛ أحدها: الإسلام. والثاني: السلامة من العيوب. والثالث: كمال العقل. والرابع أن لا يكون معتاطًا فيها. والخامس: النية، وهذا حسن، وتفصيله ما ذكرنا [١٥٩/ ب].
باب من له الكفارة بالصيام
مسألة: [قال]: "من كانَ لهُ مسكنٌ وخادمٌ لا يملكُ غيرهُ وَلَا مَا يشتريَ بهِ مملوكًا كانَ لهُ أَنْ يصومُ".
الفصل
إذا وجبت عليه كفارة وله خادم لا يملك غيره، وبه حاجة إلى خدمته إما لضعفه أو لمروته فإنه ممكن لا يخدم نفسه؛ لا يجب عليه إعتاقه وقد يجوز له أن يصوم وبه قال أحمد. وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي: لا يجوز أن يصوم ويجب عليه إعتاقه، ووافقنا أبو حنيفة أنه لو كان معه ثمن الرقبة وهو يحتاج إليه لا يلزمه شراء الرقبة، وعند مالك والأوزاعي يلزمه شراءها وهذا غلط لأن حاجته تستغرقه فصار كالعادم كما لو وجد الماء وهو يحتاج إليه للعطش؛ يجوز له الانتقال إلى التيمم، ولا يلزمه التوضؤ به.
فرع آخر
له رقبة تخدمه ولكنه غير محتاج إليها، لم تجر عادة مثله الخدمة؛ فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح لا تضاف تلك إلى كفايته وتكون فاضلة عن يلزمه التكفير بها وبه قال أكثر أصحابنا، والثاني: أنها من كفايته لكونها من كفاية غيره، وإن من يخدم نفسه فلعدم القدرة على من يخدمه، وكان الداركي يحكي عن أبي إسحاق أنه قال: يحتمل أنه يقال: لا يلزمه إعتاقها لأن على الإنسان مشقة في خدمة نفسه ولهذا لا يلزمه أن يبيع مسكنه، وإن كان مثله يبيت في المدرسة أو المسجد لأن عليه في البيتوتة في المسجد مشقة عظيمة؛ فسومح فيه كذلك هاهنا.
فرع آخر
لو كان الخادم ثمينًا يمكنه بيعه وشراء من يخدمه ببعض ثمنه وسوى رقبة الكفارة بالفاضل عنه لزمه ذلك ولا يجزيه الصوم، وهذا لأنه لا ضرر عليه فيه. وكذلك لو كانت له ثياب فاخرة تزيد على ملابس مثله [١٦٠/ أ] يمكنه أن يبيعها ويشتري بثمنها ما يكفيه من لباسه ورقبة يعتقها عن الكفارة، وكذلك لو كان له مسكن واسع كثير الثمن.
стр. 4972
يمكنه أن يبيعه ويشتري مسكنًا آخر يقدر حاجته ويفضل ما يشتري به رقبة يمكنه إعتاقها يلزمه ذلك.
فرع آخر
لو أمكن بيع المسكن في محلته وشري مسكن آخر في محلة أخرى ببعض وشري فيه للكفارة بالفاضل عنه، ظاهر ما قال أصحابنا أنه يلزمه ذلك. وقال القفال: فيه وجهات؛ أحدهما: هذا، والثاني: لا يكلف ذلك لأنه يشق عليه الجلاء عن وطنه.
فرع آخر
لو كانت معه بضاعة لا تكفيه قال ابن أبي هريرة: تكون كفارته كفارة المعسر فيجوز له الصوم ولهذا جاز له أخذ الزكاة معها. ومن أصحابنا من قال: كفارته كفارة الموسر ولا يجزيه الصوم لأن حاجته إلى البضاعة أخف من حاجته إلى المسكن والخادم والأول أصح.
فرع آخر
إذا كان غائبًا عن بلده لا يقدر على العتق وهو في بلده موسر واحد المعتق، فإن كان في كفارة القتل أو الفطر لم يجز له الانتقال إلى البلد، بل يكون في ذمته إلى أن يصل إلى ماله، وإن كان في كفارة الظهار فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز له الانتقال إلى الصوم لوجود الأصل في ماله، ولا يخاف بتأخيره فوات عباده وهو أصر بنفسه حيث ظاهر، والثاني: يجوز الانتقال إلى الصوم لأن الضرر يلحقه ولحق امرأته بالصبر في ذلك لأن لا يجوز له وطأها حتى يكفر.
فرع آخر
لو وجد ثمن الرقبة ولا يجد رقبة يشتريها؛ قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه الصبر إلى أن يجد الرقبة، ولا ينتقل على الصوم بخلاف المحصر، إذا وجد الثمن ولم يجد الهدي يصوم ولا يلزمه الصبر لأن عليه ضررًا [١٦٠/ ب] في ذلك والإحضار سبب هو معذور فيه، وعلى قياس ما تقدم يحتمل وجهًا آخر أنه لا يلزمه الصبر للضرر.
فرع آخر
لو وجد رقبة باع منه نسيئة ولد مال ببلد آخر، قال بعض أصحابنا: يجب الشراء، وعندي أنه لا يجب ذلك لأنه إنما يملك ماله قبل توفر ثمنها منه فيلحقه الضرر.
فرع آخر
لو وهب منه رقبة، أو عرض عليه إعتاقها عنه لا يلزمه قبولها لأن ذلك منه عظيم.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: من المادة من كفايته ولا يلزمه الإعتاق حتى يفصل منها ما يمكنه أن يشتري به رقبة وهي من إحدى جهات ثلاث؛ إما من استغلال عقار، أو ربح
стр. 4973
تجارة، أو كسب صناعة. فأما استغلال العقار فقد يكون تارة أرضًا تزرع، وتارة شجرة تستثمر، وتارة أبنية تؤجر، ومثله أن يكون ماشية تحتلب فإن ملك منها ما يكون غلته وفق كفايته من غير زيادة كانت هذه الأصول من جملة كفايته فيجزيه الصوم ولا يلزمه العتق، وإن كانت تزيد على كفاييته يلزمه صرف الزيادة إلى العتق، فإن نقصت عن قيمة رقبة يجزيه الصوم، وأما ربح التجارة إن كان يملك من رأس المال ما يكون ربحه وفق كفايته كان رأس المال من جملة الكفاية، ويكفر بالصوم، وإن زاد تلزمه الرقبة من الزيادة، وأما كسب الصناعة فإن كان وفق الكفاية يجوز الصوم، وإن كان لكثر ينظر فإن كان لا يجتمع قيمة الرقبة إلا في زمان طويل ينسب فيه إلى تأخير التكفير عن وقته لم يلزمه جمعها للعتق، وله أن يكفر بالصوم، وإن كان يبلغ قيمة الرقبة في ثلاثة أيام فما قاربها، ففي وجوب جمعها للتكفير بالعتق وجهان أحدهما يلزمه جمعها والتكفير بالعتق لأن قادر عليه، والثاني وهو الأشبه لا يلزمه [١٦١/ أ] ذلك ويجوز أن يكفر بالصوم لأنه في وقت وجوب العتق غير قادر فعلى هذا إن لم يدخل في الصوم حتى جمع فاضل الكسب فبلغ قيمة الرقبة فيه قولان بناءً على أن الاعتبار بوقت الوجوب أو بوقت الأداء.
مسألة: قال: "فإنْ أفطرَ مِنْ عذرٍ أو غيرهِ، أو صامَ فيهَا تطوعًا".
الفصل
إذا أراد أن يصوم شهرين عن الظهار أو الجماع في رمضان أو القتل يلزمه أن يتابع بين أيامها ولا يفطر ولا يصوم من غيرها فإن أفطر لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بعذر، أو بغير عذر، فإن كان بغير عذر لزمه الاستئناف، وإن كان لعذر؛ فالعذر على ثلاثة أضرب: حيض، ومرض، وسفر. فأما الحيض فلا يقطع التتابع قولًا واحدًا لأنه ينافي الصوم من غير أن يكون لها فيه صنع بوجه، ولا يمكن الاحتراز منع في شهرين، وأما المرض ففيه قولان؛ أحدهما قاله في "القديم" أنه مثل الحيض لا يقطع التتابع، وبه قال أحمد ومال، واختاره المزني، وروي ذلك عن ابن عباس، ووجه هذا أنه أفطر بسبب لا يتعلق باختياره فأشبه إذا أفطرت بالحيض ولهذا سوي بين حكم المرض والحيض في الفطر في صوم رمضان، والثاني: قاله في "الجديد" وهو قول أبي حنيفة أنه يقطع التتابع لأن المريض يفطر بفعله واختياره بخلاف الحائض. وأما السفر فإن قلنا المرض يقطع التتابع فالسفر أولى لأن الفطر وسبب الفطر كانا باختياره. وإن قلنا: المرض لا يقطعه ففي السفر قولان؛ أحدهما: لا يقطع لأن الله تعالى سوى بينه وبين المرض في إباحة الفطر في رمضان وجعلهما عذرين فيه كذلك هاهنا، والثاني: يقطع لأن السفر كان باختياره بخلاف المرض. وقال القاضي الطبري: الصحيح أنه
стр. 4974
يقطع التتابع قولًا واحدً ولا أعرف فيه القول الآخر للشافعي، وإنما نص في "القديم" على المرض وحده. [١٦١/ ب]
فرع
لو أفطرت بالنفاس هل يبطل التتابع أم لا؟ فقال جماعة أصحابنا: هو كالمرض، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان؛ أحدهما هذا، والثاني: يبطل التتابع لأنه ليس بغالب ويقدر على صوم شهرين لا نفاس فيهما.
فرع آخر
لو أفطر بالجنون أو الإغماء قال جماعة أصحابنا هو كالمريض، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: بالمرض لا ينقطع التتابع فهذا أولى، وإن قلنا بأنه ينقطع به التتابع فيه قولان؛ أحدهما: يقطعه لإمكان خلوه في الأغلب من هذا والثاني: لا يقطعه لأنه ينافي الصوم كالحيض خلاف المرض.
فرع آخر
الحامل والمرض إذا خافتا على أنفسهما فأفطرتا فهو كالفطر بالمرض، وإن كان الخوف على الولد فأفطرتا له فإن قلنا في المرض يبطل التتابع فهاهنا أولى، وإن قلنا المرض لا يقطع التتابع فيه وجهان؛ أحدهما: لا يبطل، والثاني: يبطل لأن العذر في غيرهما والفطر باختيارهما، ولهذا يلزمهما الفدية دون المريض، ومن أصحابنا من قال: يبطل في حق المرضع دون الحامل كما لا يلزم الفدية في أحد الأقوال على المرضع دون الحامل.
فرع آخر
لو أكره على الفطر في أثناء الشهرين، فإن كان أوجر الطعام في حلقه لم يفطر قولًا واحدًا، وإن أكره حتى أكل بنفسه هل يفطر؟ قولان؛ فإذا قلنا يفطر هل يبطل تتابعه قولا؛ أحدهما: يبطل تتابعه ولا ينافي الصوم، والثاني: يبطل لأنه معذور فيه كالمرض، وقيل قول واحد؛ يطل. وهو اختيار الداركي، والطريقة الأولى اختارها صاحب "الحاوي".
فرع آخر
إذا أوجبنا التتابع في صوم كفارة اليمين في أحد القولين، وكانت لها إبانة معلومة للحيض فابتدأت الصوم في وقته يتخلله الحيض يبطل التتابع، وإن لم يكن لها معلومة قال أصحابنا: يحتمل وجهين، وظاهر [١٦٢/ أ] المذهب أنه يبطل التتابع لإمكان الاحتراز من تخللها.
стр. 4975
فرع آخر
إذا تخللها رمضان أو يوم العيد يستأنف ويبطل التتابع قولًا واحدًا لأنه إن كان عالمًا فهو متعد، وإن كان جاهلًا فهو مفرط لأنه يمكنه الاحتراز منه عن غير مشقة. واعلم أنه لا يتصور أن يتخلل الشهرين عند الفطر لأن زمان شهر رمضان يسبقه في قطع التتابع ويتخللها يوم النحر، ولا يتصور تخلل أيام التشريق أيضًا لأن يوم النحر يسبقها وانقطاع التتابع به لا بما بعده، وقال أحمد: لا ينقطع التتابع به لأن فطره مستحق كما في زمان الحيق، وهذا غلط لما ذكرنا، ويفارق الحيض لأنه لا يمكن الاحتراز منها، ولو ابتدأ بصوم شهرين من يوم الفطر لا يصح صومه فيه ويصح صيامه بقية الشهر وصوم ذي القعدة يجب له ولا فرق في شهر ذي القعدة بأن يكون ناقصًا أو كاملًا، وأما شوال فلم يصح جميعه لأنه لا يصح الصوم في يوم الفطر فإن كان شوال تامًا صام أو يوم من يوم ذي الحجة ويكفيه، وإن كان ناقصًا صام من أول ذي الحجة يومين ليكمل ثلاثين يومًا وإن ابتدأ بصيام التشريق فهو مبني على ما قال أصحابنا، وهو أن في أيام التشريق هل يجوز صوم المتمنع قولان؛ فقيل: خص المتمتع به لرخصة رسول الله ﷺ ، وقيل: على هذا القول يجوز أن يصوم فيها كل صوم له سبب، فإن قلنا بهذا كان ابتداء الصوم في الكفارة من أولها، وإن قلنا لا يصح صومها وهو المذهب الذي كان ابتداء الكفارة من الرابع عشر من ذي الحجة ويكون صوم المحرم معتبرًا بالهلال تامًا كان أو ناقصًا ويكمل تمام الثلاثين من شهر صفر وأما قول الشافعي: أو من الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها أراد هذه الأيام الخمسة ولم يرد به [١٦٢/ ب] يوم الشك، فإذا ختم به الشهرين ولم يتبين أنه كان من رمضان أجزأه.
فرع آخر
إذا قلنا: يشترط التتابع في صوم كفارة اليمين في قول: فمرض أو سافر في أثناء الصوم فأفطر فإن قلنا ينقطع التتابع به في صوم الشهرين فهاهنا أولى وإن قلنا: لا ينقطع التتابع به هناك، فهاهنا وجهان؛ وقيل: هذا الاختلاف لا يتصور في كفارة اليمين لأن في "الجديد": لا يشترط التتابع فيه وفي "القديم": يشترط التتابع والمرض في قوله القديم: لا يبطل التتابع فلا يتصور ذلك لا على قوله الجديد ولا على قوله القديم.
فرع آخر
إذا أفطر على أن الشمس غربت فأخطأ أو على أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع ينقطع التتابع لأنه مفرط فيه، وكان يمكنه التوقف حتى يتبين الحال. وذكر والدي وجهًا آخر: أنه لا ينقطع لأنه معذور.
فرع آخر
قال القفال: قال الشافعي: لو غير النية في غير أيام التشريق إلى صوم القطوع بطل التتابع قال: وهذا دليل على صحة أحد وجهي أصحابنا، فمن نوى بالخروج من الصوم
следующие страницы →