Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
وإذا وردا مقيدين من جنس واحد بشرطين مختلفين، وأطلق ثالث من جنسهما وجب حمل المطلق على إطلاقه ولم يجز حمله على أحد المقيدين؛ لأنه ليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر، وحمل كل من المقيدين على تقييد نظيره فينظر في صفتي التقييد فيهما. فإن تنافى الجمع بينهما لم يحمل أحدهما على الآخر، واختص كل واحد منهما بالصفة التي قيد بها، وذلك مثل تقييد صوم الظهار بالتتابع، وتقييد صوم التمتع بالتفرقة، ولا يمكن الجمع بين التتابع والتفرق فيختص كل واحد منهما بصفته، فإن أمكن اجتماع الصفتين ولم يتنافيا ففي حمل كل واحد منهما على تقييد نظيره وجهان: أحدهما: لا يحمل إلا على ما قيد به إذا قلنا المطلق لا يحمل على المقيد إلا بدليل.
والثاني: يحمل على تقييده وتقييد نظيره، فيصير كل واحد منهما مقيدًا بالصفتين إذا قلنا بجواز حمل المطلق على المقيد.
فعلى هذا يجوز أن يحمل ما أطلق من جنسهما على تقييدهما معًا، ويصير كل واحد من النصوص الثلاثة المتجانسة مقيدًا بشرطين.
والقسم الرابع: الإثبات والنفي، فينقسم ثلاثة أقسام؛ إثبات تجرد عن نفي، ونفي تجرد عن إثبات، وما اجتمع فيه نفي وإثبات. فأما الأول فضربان:
أحدهما: أن يقترن بحرف التحقيق فيكون إثباته نفيًا لما عداه، كقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". وقوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق". وسواء كان هذا الإثبات جوابًا أو ابتداء. ولكن اختلف أصحابنا في النفي به هل هو بلفظ النقط أو بدليله على وجهين:
أحدهما: أن الذي أوجب النفي بعد الإثبات هو دليل اللفظ دون اللفظ، فيكون دليل الخطاب هو الموجب للنفي؛ لأنها لفظة [١٠١/أ] لجنس فجرى مجرى التأكيد.
والثاني: أنها أوجبت النفي والإثبات بنفس اللفظ؛ لأن لفظةُ إنما موضوعة في اللغة لإثبات ما اتصل ونفي ما انفصل عنها.
والثاني: أن يتجرد الإثبات عن حرف التحقيق، كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" وكقوله: "القطع في ربع دينار" فلمخرجه حالتان:
إحداهما: أن يكون جوابًا لسائل عن الزكاة في مسائمة الغنم فقال: "في سائمة الغنم زكاة"، ولسائل عن القطع في ربع دينار، فقال: "القطع في ربع دينار"، فلا يكون هذا الإثبات نفيًا لما عداه.
والثانية: أن يبدأ به الرسول ﷺ فيقول مبتدئًا: في سائمة الغنم زكاة، فيكون هذا الإثبات نفيًا لما عداه فلا يجب في غيرها، وهذا لأنه لا بد لتخصيص هذا بالذكر من موجبٍ، فلما خرج عن الجواب ثبت وردوه للبيان، وهذا هو الظاهر من مذهب
стр. 5322
الشافعي ﵁ وقول جمهور أصحابه. وذهب ابن سريج وأبو حامد إلى أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل لما تضمنه من الاحتمال، وهذا فاسد لما ذكرنا من التعليل.
وإذا انتفى حكم الإثبات عما عداه على ما بيناه فقد اختلف أصحابنا في موجب نفيه عنه على وجهين؛ أحدهما: أنه أوجب لسان العرب لغة. والثاني: أنه أوجب دليل الخطاب شرعًا.
وأما القسم الثاني في النفي إذا تجرد عن إثبات فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون جوابًا لسؤال فلا يكون النفي موجبًا لإثبات ما عداه، كقوله ﷺ :
"لا تحرم الرضعة أو الرضعتان" لا يدل على التحريم بالثالثة.
والضرب الثاني: أن يبتدئ الرسول ﷺ فيقول: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" فدل على قبولها بالطهور، ويكون نفي الحكم عن تلك الصفة موجبًا لإثباته عند عدمها، وهو الظاهر من مذهب الشافعي ﵁.
ويحتمل قول من جعل ما عدا الإثبات موقوفًا، وإذا كان حكم النفي مطلقًا يحتمل نفي الجواز ونفي الكمال لعمومه، كقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور"، فكان هذا النفي مانعًا [١٠١/ب] من أجزائها.
فإن قام دليل على نفي الكمال حمل عليه، كقوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". ويجيء على مذهب من قال بوقف المحتمل بجعل هذا موقوفًا لأنه محتمل.
وأما القسم الثالث: الجامع للإثبات والنفي يشتمل على ثلاثة أنواع؛ الاستثناء، والشرط، والغاية.
فأما الاستثناء فالمعتبر في ثبوت حكمه ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يرجع إلى أصل يبقى منه بعد الاستثناء بعضه وإن قل، فإن رفع جميعه لم يصح؛ لأنه يصير نسخًا، ويثبت حكم الأصل ويبطل الاستثناء.
والثاني: أن يكون الاستثناء من جنس الأصل ليصح به خروج بعضه، فإن عاد إلى غير جنسه صح عند الشافعي في المعنى دون اللفظ، وأبطله قوم في اللفظ والمعنى، وأجازه قوم في اللفظ والمعنى. مثاله أن يقول: لفلان عليَّ ألف درهم إلا دينار، فلا يجعل لفظ الدينار مستثنى من لفظ الدراهم؛ لأنه لا يجانسها، وإنما تجعل قيمته مستثناة من الدراهم؛ لأنه لا ينافيها فصار الاستثناء في المعنى دون اللفظ.
والثالث: أن يعلق على الاستثناء ضد حكم الأصل، فإن كان الأصل إثباتًا صار الاستثناء نفيًا، وإن كان الأصل نفيًا صار الاستئناء إثباتًا. فإن عاد الاستثناء إلى جمل مذكورة تقدمته يمكن أن يعود إلى جميعها، ويمكن أن يعود إلى بعضها، فعند الشافعي
стр. 5323
تعود إلى جميعها ما لم يخصه دليل، كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤]، فكان راجعًا إلى كل ما تقدم من القتل والصلب والنفي.
وقال أبو حنيفة ﵀: يرجع إلى أقرب مذكور إلا أن يقم دليل، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فرجع إلى الدية دون الكفارة.
وكذلك ما اختلفا [١٠٢/أ] في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٥٤]، فعند أبي حنيفة ترجع التوبة إلى الفسق وحده؛ لأنه أقرب مذكور، وعندنا ترجع إليه وإلى قبول الشهادة اعتبارًا بالعموم، ولا يرجع عندهما إلى الجلد لاختلافهما في التعليل، فعند أبي حنيفة لبعده عن أقرب مذكور، وعند الشافعي لخروجه بدليل، وهو أن حد القذف حق الآدمي فلا يسقط بالتوبة. وكذلك لم يجعل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] عائدًا إلى الكفارة، لأنها من حقوق الله تعالى التي لا تسقط بالعفو، ويكون عائدًا إلى الدية لسقوطها بالعموم.
وأما النوع الثاني وهو الشرط: فالشرط في اللغة هو العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، أي علاماتها، ولهذا يُسمى بالشرطي لتمييزه بعلامته. والشرط في الشرع هو الشيء الذي علق به الحكم لكونه علامة له. فإذا علق الحكم بشرط ثبت الحكم بوجوده وانتفى بعدمه، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية، فيتعلق به إثبات ونفي، فيجري مجرى الاستثناء من وجه وإن خالفه من وجه. فوجه اجتماعهما أنه قد يثبت حكمًا وينفي حكمًا. ووجه افتراقهما أن الشرط يثبت الحكم في حال وجوده وينفيه في حال عدمه، والاستثناء يجمع بين النفي والإثبات في حالة واحدة، وربما قيد الحكم فيقوم الدليل على ثبوت الحكم مع وجوده وعدمه فلا يتعلق بالشرط إثبات ولا نفي، ويصرفه الدليل عما وضع له من الحقيقة إلى ما قصد من المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، وحكمها في العدة مع وجود الريبة وعدم الريبة سواء، فإن تجرد الشرط عن دليل حمل على موجبه في النفي والإثبات، وإن علق الشرط بجملة مذكورة عاد إلى جميعها ما لم يخصه دليل كالاستثناء. وجعلها أبو حنيفة [١٠٢/ب] عائدًا إلى أقرب مذكور. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا يعود إلى جميع ما تقدم، ولا يعود إلى أقرب مذكور من تحرير الرقبة.
وأما الثالث: الغاية فهي على ثبوت الحكم قبلها وانتفائه بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فكان الفجر حدًا لإباحة الأكل قبله وتحريمه بعده، فتعلق بالغاية إثبات ونفي كالاستثناء
стр. 5324
والشرط، غير أن الشرط موجب لثبوت الحكم بعده ولانتفائه قبله، والغاية موجبة لثبوت الحكم قبلها، ولا ينافيه بعدها. فإن اقترن بالغاية شرط تعلق الإثبات بها والنفي بأحدهما، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وهذا غاية، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهذا شرط [فتعلق حكم الإثبات بوجود الشرط بعد الغاية]، فلا يستباح وطئها إلا بالغسل بعد انقطاع الدم، وتنتفي الاستباحة بعدمها أو عدم أحدهما من غاية أو شرطٍ.
وأما القسم الخامس: وهو المحكم والمتشابه، فأصله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وفي المحكم والمتشابه للعلماء ثمانية أقوال: أحدها: وهو قوله ابن عباس وابن مسعود ﵃ المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ.
والثاني: المحكم الفرائض والوعد، والمتشابه القصص والأمثال.
والثالث: المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه.
والرابع: المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه، والمتشابه ما لم يكن لهم إلى علمه سبيل، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها.
والخامس: المحكم ما أحكم الله تعالى بيان حلاله وحرامه، فلم تشتبه معانيه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه.
[١٠٣/أ] والسادس: المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهًا.
والسابع: المحكم ما قال بنفسه ولم يحتج إلى الاستدلال، والمتشابه ما لم يقم بنفسه واحتاج إلى الاستدلال.
والثامن: المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلاة، واختصاص الصيام بشهر رمضان.
وفي قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود؛ لأنها أكثر المقصود.
والثاني: أراد فواتح السور التي يستخرج منها القرآن.
والثالث: أراد معقول المعاني؛ لأنه يتفرع عنه ما يشاركه في معناه، فيصير الأصل كفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك يسمى أم الكتاب.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فأراد به الأجل الذي أرادت اليهود أن يعرفوا من الحروف المقطعة في القرآن من انقضاء مدة النبي ﷺ بحساب الجمل.
والثاني: أنه معرفة غرائب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾:
стр. 5325
أي الشرك. وقيل: اللبس. وقيل: إفساد ذات البين. ﴿وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ﴾ أي التفسير، وقيل: إنه العاقبة المنتظرة. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ قيل: تأويل جميع المتشابه؛ لأن فيه ما يعلمه الناس وفيه ما لا يعلمه إلا الله . وقيل: تأويله القيامة لما فيه من الوعد والوعيد [١٠٣/ب] كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ويعني يوم القيامة، وقيل: [إن تأويله وقت حلوله]. قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعني الثابتين فيه والعاملين به. وقيل: يعني المستنبطين له والعالمين به، وفيهم وجهان:
أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره أن الذي يعلم تأويله هو الله تعالى والراسخون في العلم أيضًا يعلمونه. وقال مجاهد: قال ابن عباس ﵄: أنا ممن يعلم تأويله.
والثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: وما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وهذا يحتمل وجهين، أحدهما: أن علم ذلك عند ربنا.
والثاني: ما فصله الله تعالى من المحكم والمتشابه منزل من عند ربنا، وإنما جعل الله تعالى كتابه محكمًا ومتشابهًا استدعاءً للنظر من غير اتكال على الخبر ليتبين التفاضل ويستجزل الثواب.
وروى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "القرآن على ثلاثة أجزاء؛ حلال فاتبعه، وحرام فاجتنبه، ومتشابه يشكل عليك فكله إلى عالمه".
فإذا وضح ذلك فما تضمنه كتاب الله تعالى من الأحكام والأعلام ينقسم أربعة أقسام؛ أحدها: محكم في جميع أحواله، ومتشابه في أحواله، ومتشابه في حالٍ ومحكم في حالٍ، ومحكم من وجه ومتشابه من وجه. فأما الأول فضربان: مفهوم ومعقول، والفرق بينهما أن المفهوم [١٠٤/ أ] ما لم يحتج إلى فكر، والمعقول ما احتاج إلى فكر.
والمفهوم ضربان: أحدهما: ما فهم بصريح لفظه كقوله تعالى في تحريم المناكح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
والثاني: ما فهم بمخرج خطابه مثل قوله تعالى في تحريم الخمر والقمار: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فدل وضع الخطاب على تحريمه.
وأما المعقول فضربان: أحدهما: ما علم بالتنبيه، كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، فنبه بثلث الأم أن الباقي للأب.
стр. 5326
والثاني: ما علم بالاستدلال، مثل تقدير أقل الحمل بستة أشهر بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥]، دل بقوله حولين على أن الباقي من ثلاثين شهرًا هو أقل الحمل.
فهذه الضروب الأربعة ونظائرها محكمة غير متشابهة.
وأما المتشابه في الأحوال فضربان: أحدهما: ما تولجت فيه إشارة يحتمل الاستدلال بها كقوله تعالى في الكلالة: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢] الآية، فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن الكلالة فقال: "تكفيك آية الصيف"، يعني قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، الآية، وإنما سماها آية الصيف؛ لأنها نزلت في الصيف، فلم يزده في البيان على الرد إلى الإشارة.
والثاني: ما تجرد عن الإشارة كالحروف المفردة في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿الم﴾ و ﴿كّهيعص﴾، فكانت على احتمال مشتبه غير أن المراد في الضرب الأول خفي، وفي هذا الضرب مبهم، وكلاهما من المتشابه.
وأما المتشابه في حال والمحكم في حال فضربان؛ أحدهما: العموم إذا خص.
والثاني: المجمل إذا فسر، هما قبل البيان من المتشابه وبعد البيان من المحكم.
[١٠٤/ب] وأما المحكم من وجه والمتشابه من وجه فضربان: أحدهما: أن يكون المتشابه في الموجب والمحكم في الواجب، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فالحق هو السبب الموجب وهو من المتشابه، وإباحة القتل هو الواجب وهو من المحكم.
والضرب الثاني: أن يكون المحكم في الموجب والمتشابه في الواجب، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالسبب الموجب هو استحصاد الزرع وهو من المحكم، والحق المؤدى هو الواجب وهو من المتشابه.
وأما القسم السادس: فهو الناسخ والمنسوخ؛ والنسخ: هو رفع ما ثبت حكمه بالشرع دون العقل؛ لأن واجبات العقول لا يجوز نسخها بشرع ولا عقل. والنسخ مختص بالأحكام المشتملة على الأوامر والنواهي دون الأخبار؛ لأن نسخ الخبر مفضي إلى دخول الكذب في ناسخه ومنسوخه، ونسخ الحكم إنما هو العلم بانقضاء مدته، وهو مأخوذ في اللغة من نسخ المطر الأثر إذا أزاله، فسمي في الشرع نسخًا لزوال الحكم به، كما سمي به نسخ الأحكام الشرعية؛ لأنها معتبرة بالمصالح.
وقد تختلف المصالح باختلاف الأزمان، فيكون المنسوخ مصلحة في الزمان الأول دون الثاني، ويكون الناسخ مصلحته في الزمان الثاني دون الأول، فيكون كل واحد منهما مصلحة في زمانه وحسنًا في وقته وإن تضادا، ولا يكون بداء ورجوعًا فيستقبح كما زعم قوم من اليهود؛ لأن البداء هو الرجوع فيما تقدم من أمر ونهي، والنسخ هو أمر بالشيء في وقت ونهي عنه في وقت فافترقا.
стр. 5327
ثم اعلم أن النسخ جائز في الكتاب والسنة؛ لأن كل واحد منهما أصل لأحكام الشرع، فإذا جاز [١٠٥/أ] في الكتاب الذي هو أصل السنة كان في السنة أجوز.
ثم الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة يشتمل على تفصيل بيانه على سبعة أقسام؛
أحدها: ما يقع فيه النسخ.
والثاني: ما يقع به النسخ.
والثالث: في أحكام النسخ.
والرابع: في أحوال النسخ.
والخامس: في زمان النسخ.
والسادس: في دلائل النسخ.
والسابع: في الفرق بين التخصيص والنسخ.
فأما الأول: فقد ذكرنا أنه في الأوامر والنواهي الشرعية، وهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن تكون مطلقة فيجوز نسخها وإن وردت بلفظ الخبر، ووهم بعض أصحابنا وقال: لا يجوز إذا وردت بلفظ الخبر اعتبارًا بالأخبار، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: اختصاص الأخبار بالأعلام، واختصاص النواهي بالإلزام.
والثاني: اختصاص الأخبار بالماضي والأوامر بالمستقبل، ولما تعلق بما ورد من الأوامر بلفظ الأخبار أحكام الأوامر دون الأخبار من هذين الوجهين، كذلك في حكم النسخ.
والضرب الثاني: أن يرد الأمر مؤكدًا بالتأييد، ففي جواز نسخه وجهان: أحدهما: لا يجوز نسخه؛ لأن صريح التأييد مانع من احتمال النسخ.
والثاني: وهو الأشبه أنه يجوز؛ لأن المطلق يقتضي التأبيد كالمؤكد؛ لأنه لما جاز انقطاع المؤبد بالاستثناء، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] الآية، جاز انقطاعه بالنسخ كالمطلق.
والضرب الثالث: أن يكون الأمر مقدرًا بمدة فيكون انقضاء المدة موجبًا لانقطاع الأمر، فيصير نسخًا بغير نسخ، فإن أريد نسخه قبل انقضاء مدته ففي جوازه وجهان كالمؤبد.
وأما القسم الثاني: فالنسخ يكون بمثل المنسوخ، فنسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وفي المراد بنسخها وجهان؛ [١٠٥/ ب] أحدهما: تبديلها.
والثاني: نقضها. وقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ أي ننزلها فلا ننسخها وجهان أحدهما: أي نتركها فلا ننسخها.
والثاني: أراد نؤخرها، ومنه بيع النساء، أي نؤخر إنزالها.
وفي قوله: ﴿نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وجهان: أحدهما: أراد بخير منها في
стр. 5328
المنفعة، إما بالتخفيف وإما بكثرة الثواب.
والثاني: أنه على التقديم والتأخير، ومعناه نأت منها بخير.
وإذا كان كذلك لم يجز نسخ القرآن بالسنة صرح به الشافعي، ووافقه أصحابه. واختلفوا هل منع منه العقل أو الشرع على وجهين: أحدهما: منع منه العقل؛ لأنه يمنع من اعتراض المأمور على الآخر.
والثاني: منع منه الشرع دون العقل؛ لأن التفويض إلى المأمور لا يمنع من مشاركة الأمر.
وجوز أبو حنيفة نسخ القرآن بالسنة المستفيضة كما نسخت آية الوصايا، وهي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية، بقوله ﷺ : "لا وصية لوارث". ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كلامي لا ينسخ كلام الله تعالى وكلام الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا"، رواه الدارقطني ﵀. والذي نسخ آية الوصايا هو آية المواريث وكانت السنة بيانًا. وأما نسخ السنة بالقرآن فظاهر مذهبنا الذي نص عليه في القديم والجديد أنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة.
وقال ابن سريج: يجوز بخلاف ذلك؛ لأن القرآن أوكد من السنة، وخرجه قولاً ثانيًا للشافعي ﵁ من كلام تأوله في الرسالة، واستشهاده بأن الآمر أنفذ حكمًا من المأمور.
[١٠٦/أ] ثم اختلف أصحابنا في طريق الجواز والمنع في الشرع مع جوازه في العقل على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يوجد سنة إلا ولها في كتاب الله تعالى أصل كانت السنة بيانًا لمجمله، فإذا ورد الكتاب بنسخها كان نسخًا لما في الكتاب من أصلها، فصار هذا نسخ الكتاب بالكتاب.
والثاني: أن الله تعالى يوحي إلى رسول الله ﷺ بما يحفيه عن أمته، فإذا أراد نسخ ما سنة للرسول ﷺ أعلمه به حتى يظهر نسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه تأكيداً لنسح رسول الله ﷺ ، فصار ذلك نسخ السنة بالسنة.
والثالث: نسخ الكتاب بالسنة يكون أمراً من الله تعالي لرسول الله ﷺ بالنسخ، فيكون الله تعالى هو الآمر به والرسول ﷺ هو الناسخ، فصار ذلك نسخ السُنة بالكتاب والسُنة والله أعلم.
وأما القسم الثالث في أحكام النسخ فهو على خمسة أضرب. أحدها: ما نسخ
стр. 5329
حكمه وبقيت تلاوته، والناسخ باقي الحكم والتلاوة، كنسخ العدة حولاً بأربعة أشهر وعشر، ونسخ آية الوصايا بآية المواريث.
والثاني: ما نسخ حكمه وتلاوته والناسخ باقي الحكم والتلاوة كنسخ صيام أيام البيض بصيام شهر رمضان، ونسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، كما قال ابن عباس ﵄: "أول ما نسخ باب الصيام الأول واستقبال بيت المقدس".
والثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته ونسخت تلاوة الناسخ وبقي حكمه، كقوله تعالى في حد الزنا: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] الآية، نسخه قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم، قال عمر ﵁: [١٠٦/ب] كنا نقرأها على عهد رسول الله ﷺ ، ولولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله لأثبتها فيه.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون المنسوخ ناسخًا؟ قلنا: فيه جوابان:
أحدهما: أن النسخ إنما كان بالحكم دون التلاوة والحكم باقٍ وإن نسخت التلاوة.
والثاني: يجوز أن يكون النسخ به قبل نسخ التلاوة.
والضرب الرابع: ما نسخ حكمه وتلاوته ونسخت تلاوة الناسخ وبقي حكمه، وهو ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان فيما أنزل الله تعالى من القرآن: عشر رضعات محرمات فنسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ في القرآن. تعني في العمل بهن دون التلاوة، فكان المنسوخ مرفوع الحكم والتلاوة، والناسخ مرفوع التلاوة باقي الحكم.
والضرب الخامس: ما نسخ حكمه وتلاوته وهو لا يعلم الذي نسخه، كما روي أنه كان في القرآن: لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له ثانٍ لابتغى إليه ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. وروى أنس ﵁ أنهم كانوا يقرأون: بلغوا إخواننا عنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه. ومثل هذا قد يكون رفعًا له في المعنى ولا يكون نسخًا له في الحكم، روي أن رجلاً قام من الليل ليقرأ سورة فلم يقدر عليها، وقام آخر ليقرأها فلم يقدر عليها، فسئل رسول الله ﷺ عنها، فقال: "رفعت البارحة".
وأما القسم الرابع: من أحوال النسخ، فهو على خمسة أضرب:
أحدها: ما نسخ إلى مثله في الخفة والغلظ، كنسخ استقبال بيت المقدس [١٠٧/ أ] باستقبال الكعبة.
стр. 5330
والثاني: ما نسخ إلى ما هو أغلظ منه كنسخ صيام أيام البيض بصيام شهر رمضان، والحبس في الزنا بالرجم.
والثالث: النسخ إلى ما هو أخف منه، كنسخ العدة حولاً بأربعة أشهر وعشر، ونسخ مصابرة الواحد بعشرة في الجهاد بمصابرته لاثنين.
والرابع: ما نسخ إلى غير بدل كنسخ قيام الليل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمْ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ١، ٢]، بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية، فنسخ فرضه بغير بدل.
والخامس: ما نسخ فيه للتخيير بين شيئين بإسقاط أحدهما وانحتام الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية.
وأما القسم الخامس في زمان النسخ فهو على ثلاثة أضرب؛ أحدها: يجوز فيه النسخ.
والثاني: لا يجوز فيه النسخ.
والثالث: فيه خلاف.
فأما الذي يجوز فيه النسخ فهو بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به، فيجوز سواء عمل به كل الناس كاستقبال بيت المقدس، أو عمل به بعضهم كفرض الصدقة في مناجاة الرسول ﷺ نسخت بعد أن عمل بها علي بن أبي طالب ﵁ وحده. وأما الذي لا يجوز النسخ فيه فهو قبل اعتقاد المنسوخ والعمل به، فلا يجوز أن يرد النسخ لأن من شرط النسخ أن يكون بعد استقرار الفرض ليخرج عن البداء إلى الإعلام بالمدة.
فإن قيل: فقد روي في ليلة المعراج، أن الله تعالى فرض على أمته خمسين صلاة، فلم يزل ﷺ يراجع ربه فيها ويستغفر له حتى استقر الفرض على خمسٍ. قلنا: كان هذا على وجه التقرير دون النسخ؛ لأن الفرض يستقر بنفوذ الأمر، ولم يكن من الله تعالى فيه أمر إلا عند استقرار الخمس.
وأما المختلف فيه [١٠٧/ب] فورود النسخ بعد اعتقاد المنسوخ وقبل العمل به، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز كما لا يجوز قبل الاعتقاد لما ذكرنا من العلة، ليخرج من البداء إلى النسخ.
والثاني: يجوز كما يجوز بعد العمل؛ لأن الاعتقاد من أعمال القلب دون العمل اختيارًا لطاعتهم، كما أمر الله تعالى إبراهيم ﵊ بذبح ابنه ثم نهاه قبل ذبحه فقال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية، فاختبر بذلك طاعته ونهاه بعد الاعتقاد وقبل الفعل.
стр. 5331
والثالث: لا يجوز إلا أن يمضي بعد الاعتقاد وزمان العمل به، وإن لم يعمل به لاختصاص النسخ بتقدير مدة التكليف وذلك موجود بمضي زمانه، فإذا استقر النسخ بما بيناه لم يلزم فرضه قبل ظهوره من الرسول ﷺ ، وإن كان فرضه لازمًا للرسول ﷺ ، فإذا أظهره سقط عنه فرض الإبلاغ ولزم فرضه في الحال لكل من عمل به من الحاضرين. فأما فرضه على الغائبين عنه ففيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لأن الله تعالى عمهم بفرضه ولم يخص به حاضرًا من غائب. والثاني: وهو الأشبه أنه لا يجب إلا بعد العلم، كما يلزم الحاضرين فرضه بعد إبلاغ الرسول ﷺ وإن تقدم فرضه على الرسول ﷺ ، وكذلك استدامة أهل قباء في صلاتهم إلى بيت المقدس وتحولوا إلى الكعبة وبنوا. وقال ابن عمر ﵄: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا ابن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها لقول رافع، ولم يتراجعوا فيما تقدم.
وأما القسم السادس في دلائل النسخ: [١٠٨/أ] وهو أن يرد في الشيء الواحد كلمات مختلفات، فهما ضربان:
أحدهما: أن يمكن استعمالها ولا يتنافى اجتماعهما وهو ضربان: أحدهما: أن يكون أعم من الآخر لعموم أحدهما وخصوص الآخر، فيقضي بالأخص على الأعم فيستثنى منه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى فيمن أباح نكاحهن: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فقضى بعده بتلك، فصار كقوله تعالى: ولا تنكحوا إلا الكتابيات حتى يؤمن، وكان عمومًا مخصصًا ولم يكن ناسخًا ولا منسوخًا. والثاني: تتساوى الآيتان في جواز تخصيص كل واحد منهما بالآخر، كقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فجاز أن يكون تحريم الجمع بين الأختين إلا بملك اليمين، وجاز أن يكون أباحه ملك اليمين إلا الجمع بين الأختين، فوجب الرجوع إلى دليل يوجب تخصيص إحديهما بالأخرى، ولذلك قال عثمان ﵁: أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى، فهذا فيما أمكن استعمال الحكمين المختلفين فيه، وأنه يحمل على التخصيص دون النسخ إلا أن يقوم دليل على النسخ فيعدل بالدليل على استعمال التخصيص النسخ كآية الوصايا وآية المواريث، فقد كان يمكن استعمالها من غير نسخ، ولكن روي عن الصحابة ﵃ أنهم قالوا: نسخت آية المواريث آية الوصايا، فعدل عن استعمال التخصيص إلى النسخ.
والضرب الثاني: أن يتنافى الحكمان، ولا يمكن استعمالهما فيعلم مع التنافي أن أحدهما ناسخ للآخر فيرجع إلى دلائل النسخ، فيستدل بها على الناسخ والمنسوخ، وهي خمسة دلائل مرتبة بتقدم بعضها على بعض:
فأولها: أن يتقدم أحدهما ويتأخر الآخر، فيعلم أن المتأخر ناسخ للمتقدم. فإن قيل: [١٠٨/ب] قوله تعالى في العدة: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾.
стр. 5332
[البقرة: ٢٣٤] ناسخ (لقوله) تعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وهو متقدم عليه. قيل: هو متقدم عليه في التلاوة، ومتأخر عنه في التنزيل، وقد عدل بترتيب التلاوة عن ترتيب التنزيل بحسب ما أمر الله تعالى بت للمصلحة التي استأثر بعلمها، فقد قيل: إن آخر آيةٍ نزلت قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وهى متقدمة في سورة البقرة، وأول ما نزل من القرآن سورة اقرأ، وهى متأخرة في المفصل والنسخ، إنما تختص بالمتأخر في التنزيل دون التلاوة.
فإن أشكل المتقدم والمتأخر، وجاز أن يكون كل واحدٍ منهما متقدماً أو متأخراً عدل إلى الدليل، وهو بيان الرسول ﷺ ، فإن ثبت عنه بيان الناسخ من المنسوخ عمل عليه، وكانت السنة مبينة ولم تكن ناسخةً. وإن عدم بيان الرسول ﷺ عدل إلى الدليل أثالث وهو الإجماع، فإن انعقد الإجماع على تعيين الناسخ والمنسوخ عمل عليه، وكان الإجماع مبيناً ولم يكن ناسخاً. وإن عدم الإجماع عدل إلى الدليل الرابع وهو الاستعمال، فإذا كان أحدهما مستعملا والآخر متروكاً كان المستعمل ناسخاً والمتروك منسوخاً. فإن لم يوجد في الاستعمال بيان إما لاشتباهه أو لاشتراكه عدل إلى الدليل.
الخامس: وهو الترجيح بشواهد الأصول والأدلة وكانت غاية العمل بت. وقال بعض أهل العلم: كل آية منسوخةٍ ففي ضمن تلاوتها ما يدل على أن حكمها غير ثابت على الإطلاق، كقوله تعالى في سورة النساء في حد الزنا: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥]، أن حكمها لا يدوم، فنسختها آية النور في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ [النور: ٢] الآية، [١٠٩/ أ] ولهذا قال النبي ﷺ : "خذوا عنى، خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا" الخبر. وهذا الذي ادّعاه هذا القائل يبعد أن يوجد في كل آيةٍ منسوخة، لكنه معتقد لمذهب أبى حنيفة في أن الزيادة على النص تكون نسخاً، فيجعل ذلك من شواهد المنسوخ، وليست الزيادة على النص عندنا نسخاً.
وأما القسم السابع في الفرق بين التخصيص والنسخ: والفرق بينهما من خمسة أوجه: أحدها: أن تخصيص العموم يجوز أن يكون مقترنا بت ومتقدما عليه ومتأخرا عنه، ولا يجوز أن يكون الناسخ متقدماً على المنسوخ ولا مقرتنا بت، بل يجب أن يتأخر عنه.
والثاني: التخصيص بيان ما أريد بالعموم، والنسخ بيان ما لم يرد بالمنسوخ.
والثالث: تخصيص العموم يجوز أن يكون بغير جنسه بخلاف النسخ.
والرابع: يجوز التخصيص في الأحكام والأخبار، والنسخ يختص بالأحكام.
والخامس: التخصيص على الفور، والنسخ على التراخي. فهذا كله بيان الأقسام السبعة من أحكام الأصل وهو الكتاب.
وأما الأصل الثاني وهو أصل الشرعة؛ السنة: وهذا لأن الله تعالى ختم برسوله صلى الله عليه وسلم
стр. 5333
النبوة وكمل (به) الشريعة، وجعل الله بيان ما أخفاه من مجمل ومتشابهٍ، وإظهار ما يشرعه من أحكام ومصالح، فقال تعالى: ﴿وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ولما جعله الله تعالى بهذه المنزلة أوجب على الناس طاعته في قبول ما يشرعه لهم وامتثال ما يأمرهم بت وينهاهم عنه، فقال تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. الآية، فأوجب عليه لأمته أمرين؛ البيان والبلاغ، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية، وأوجب للرسول على أمته ﷺ أمرين؛ طاعته في قبول قوله، [١٠٩/ ب] وأن يبلغوا عنه ما أخبرهم بت، كما قال ﷺ : "ليبلغ منكم الشاهد الغائب". وقال ﷺ : "بلغوا عنى ولا تكذبوا علىًّ، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه".
ولما كان الرسول ﷺ لا يقدر أن يبلغ جميع الناس للعجز عنه، اقتصر على إبلاغ من حضر لينقله الحاضر إلى الغائب. ولما لم يبق فيهم إلى الأبد، وكل من يأتي في عصرٍ بعد عصرٍ يأخذون عمن تقدمهم من عصرٍ لينقل عنه كل سلفٍ إلى خلفهِ، فيستديم على الأبد نقل سنته، ويعلم جميع من يأتي بشرائعه، فصار نقل الأخبار عنه أصلاً من أصول الشرعة.
ثم الأخبار على ثلاثة أضرب؛ أخبار استفاضة، وتواتر، وآحادٍ.
فأما الاستفاضة: أن تبدو منتشرة من البر والفاجر، ويتحقق العالم والجاهل، فلا يختلف فيها مخبر، ولا يتشكك فيها سامع، ويكون انتشارها في ابتدائها كانتشارها في آخرها، وهذا أقوى الأخبار حالاً وأثبتها حكماً. وأما التواتر فما ابتدأ بت الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم ويبلغوا قدراً ينتفي عن مثلهم التواطؤ والغلط، ولا يعترض في خبرهم تشكك ولا ارتياب، فيكون في أوله من أخبار الآحاد، وفي آخره من أخبار التواتر، فيصير مخالفاً لخبر الاستفاضة في أوله وموافقاً له في آخره، ويكون الفرق بين خبر الاستفاضة وخبر التواتر من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: ما ذكرنا من اختلافهما في الابتداء واتفاقهما في الانتهاء.
والثاني: أن أخبار الاستفاضة لا يراعى فيها عدالة المخبر وفي التواتر يراعى.
والثالث: أن أخبار الاستفاضة [١١٠/ أ] ينتشر من غير قصدٍ لروايتها، وأخبار التواتر ما ننشر عن قصد لروايتها.
ثم يستوي الخبران في انتفاء التشكك عنهما ووقوع العلم يهما، وليس العدد فيها محصوراً ليكون أنفي للارتياب وأمنع من التصنع، وإنما الشرط فيهما أن ينتفي عن المخبرين يهما جواز التواطؤ على الكذب، ويمتنع اتفاقهم في السهو والغلط حتى يزول الشك ويحصل اليقين، ثم ينتهي إلى عصرٍ بعد عصرٍ على مثل هذه الحال، فالمستفيض من أخبار السنة مثل عدد الركعات، والمتواتر فيها مثل نصب الزكوات. فإن قيل: فقد استفاض في النصارى قتل عيسى- ﵇ وقد أخبر الله تعالى بكذبهم. قيل:
стр. 5334
إنما استفاض عن أربعة نفر، ثم استفاض عنهم الخبر فصار أصله من أخبار الآحاد وانتشاره من أخبار الاستفاضة.
وأما أخبار الآحاد فهو: ما أخبر بت الواحد والعدد القليل الذي يجوز على مثلهم التواطؤ على الكذب، أو الاتفاق في السهو والغلط، وهى على ثلاثة أضربٍ؛ أخبار المعاملات، وأخبار الشهادات، وأخبار السنن والديانات.
فأما أخبار المعاملات فلا يراعى فيها عدالة المخبر، وإنما يراعى فيها سكون النفس إلى خبره، فيقبل من كل برٍ وفاجرٍ، ومسلم وكافرٍ، وصغير وبالغٍ. فإذا قال واحد منهم: هذه هدية فلانٍ إليك جاز القبول ويتصرف فيها بقوله، ولذلك لو قال: قد أذن لق فلان في دخول داره، وإنما لا تعتبر فيه العدالة؛ لأن العرف جاز باستتابة أهل البذلة فيه، ومن خرج عن حد الصيانة وذلك منافٍ لشروط العدالة. وأما أخبار الشهادات فيعتبر فيها شرطان ورود الشرعة يهما وانعق الإجماع عليهما:
أحدهما: العدالة؛ لأن المنتدب لها أهل الصيانة، فتعتبر العدالة ليكونوا من أهل الصدق والصيانة [١١٠/ ب].
والثاني: العدد على موارد الشرعة بت من الاختلاف، فصارت الشهادة من هذين الوجهين أغلظ من أخبار المعاملات وإن كانا جميعا من أخبار الآحاد. وأما أخبار السنن في العبادات، فمختلف في قبول أخبار الآحاد فيها. فقال الأصم وابن عليّة: لا يقبل ويعدل إلى غيرها من أدلة الشرعة؛ لأنها لا توجب العلم فلا توجب العمل. وذهب الجمهور إلى قبولها ووجوب العمل بتا، لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية، فلو لم تلزم الحجة بالآحاد النافرة لأمر فيه بالتواتر والاستفاضة، ولأن النبي ﷺ بعث معاذ- ﵁ إلى اليمين، فنقل السنن وعلمهم العبادات ونصب الزكوات وقبلوا. وقال بعض أصحاب الحديث: لا يجوز قبول خبر ممن لا يوافقه على مذهبه وهذا غلط، ويؤدى إلى إطراح أكثر السنن، ولأنه لما سقط عن رسول الله ﷺ فرض البلاغ بذكره للآحاد لزم فيها قبول أخبار الآحاد، ولأنه يجوز العمل على قول مفتى واحد وهما في أحكام الدين سواء. وذهب بعض أهل العراق إلى أنها لا تقبل إلا عن اثنين حتى تتصل بالرسول ﷺ كأقل الشهادات.
وذهب آخرون إلى أنها لا تقبل إلا من أربعة عن أربعة كأكثر الشهادات. وعندنا وعند الجمهور خبر الواحد والجماعة في وجوب العمل بتا واحد، وقد عمل أبو بكر- ﵁ في ميراث الجدة على خبر الواحد، وأخذ الجزية من المحبوس. وعمل عمر- ﵁ على خبر الواحد في دية الجنين، لأن ما يجوز على [١١١/ أ] الواحد يجوز على الاثنين والأربعة وليس اعتبار أخبار السنن بالشهادة أولى من اعتبارها بأخبار المعاملات؛ لأنها واسطة بينهما فاعتبر فيها العدالة كالشهادة، وقبل خبر الواحد كالمعاملة.
стр. 5335
ثم اعلم أنه يجب العمل بما تضمنها ما لم يمنع منه العقل. وقال أبو حنيفة: لا يعمل بتا إذا خالفت الأصول ولهذا رد المصرات وخبر ... وقال مالك: لا يعمل بتا إذا خالفت عمل أهل المدينة، ولذلك لم يعمل على خبر خيار المجلس وهو الراوي له، وهذا غلط؛ لأن الخبر أًل فلم يجز أن يدفع بأصلٍ وهو حجة على أهل المدينة فلم يدفع بعلمهم.
وإذا وجب العمل فهو غير موجب للعلم الباطن بخلاف المستفيض والمتواتر، وهل يوجب العلم الظاهر؟ فيه وجهان: أحدهما: ليوجب؛ لأن ظاهر العلم من نتائج باطنه فلم يفترقا. والثاني: يوجب؛ لأن سكون النفس إليه موجب له ولولاه لكان ظناً ثم الكلام في السنن يشتمل على فصلين؛ أحدهما: في أحوال الرواة الناقلين لها.
والثاني: في أحكام المتون المعوّل عليها.
فأما الأول ففيه خمسة فصول؛ أحدها: في صفات الراوي.
والثاني: في شروط التحمل. والثالث: في صيغة الأداء.
والرابع: في أحوال الإسناد.
والخامس: في نقل السماع.
فأما الأول: فيعتبر فيه أربعة شروطٍ: أحدها: البلوغ، فإنه لا حكم لقول الصغير في حق نفسه فكيف في حق غيره.
والثاني: العقل، ولا يقتصر على الذي يتعلق بت التكليف حتى ينضم إليه التيقظ والتحفظ، فيفرق بين الصحيح والباطل ليصح تمييزه.
والثالث: [١١١/ ب] العدالة في الدين؛ لأن الفاسق مردود القول فيه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
ولا يرد خبر أهل الأهواء والبدع ما لم يكفروا غيرهم، ويظهروا عنادهم، وقد اتهم بذلك كثير من التابعين فما ردت بت أخبارهم، وشدد بعض أصحاب الحديث فقأ: لا يقبل خبرهم، وقد ذكرنا ذلك من قبل.
والرابع: أن يكون مأمون الزلل، شديد اليقظة، بعيدا من السهو والغفلة حتى لا يشتبه عليه الكذب بالصدق، ويكون على ثقة من نفسه ويكون الناس على ثقةٍ به.
وحكي عن مالك- رحمة الله- أنه قال: لقد سمعت من سبعين شيخاً أتقرب إلى الله تعالى بأدعيتهم لا أروى عن أحدهم. وإنما قال هذا لأنهم كانوا أهل سلامةٍ لا تؤمن غفلتهم وإن قويت ديانتهم.
ولأفرق بين الجاهل والعالم إذا كان ضابطا؛ لأن الصدر الأول قبلوا روايات الأعراب وأهل البوادي، وقال رسول الله ﷺ : "رب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه".
стр. 5336
ويقبل خبر الأعمى وإن لم تقبل شهادته، وكذلك يقبل هبر العبد والمرأة؛ لأن فتواهما مقبولة لاختصاصه بالدين.
وقال أبو حنيفة: لا تقبل أخبار النساء في الدين إلا أخبار عائشة وأم سلمه ﵄.
هكذا ذكر صاحب"الحاوي" عنه ولا يصح، قلنا: لو كان نقص الأنوثة مانعاً لعَّم، ولأنه يقبل المرأة في الفتوى وهو أغلظ.
وأما شروط التحمل فللمستمع أربعة أحوال؛ أحدها: أن يسمعه من لفظ المحدث
والثاني: أن يقرأه عليه.
والثالث: أن يجيزه المحدث.
والرابع: أن يكاتبه المحدث. فأما الأول فيصح تحمله عنه سواء كان عن قصدٍ واسترعاء، أو كان باتفاق ومذاكرة بخلاف الشهادة، ويجوز أن يكون المحدث أعمى أو أصم، ولا يصح السماع إن كان المتحمل أصم ويصح إن كان أعمى.
وأما [١١٢/ أ] قراءة المستمع على المحدث فيصح تحمله كما لأوقره المحدث، وكذلك لو قرأه غير المستمع على المحدث كان كما لو قرأه المستمع، ومن شرط صحة السماع في هذا شيئان: أحدهما: أن يكون المحدث سميعاً، فإن كان أصم لم يصح.
والثاني: أن يغترف المحدث بصحة ما قرأه عليه، ولا يصح التحمل إن لم يغترف بت، ويجوز أن يكون القارئ أصم.
وأما الإجازة فلا يصح التحمل بالإجازة عند الشافعي- ﵁ وجماعة، وأجازة بعض أصحاب الحديث في الأحوال. وقال بعضهم: يعتبر في صحة الإجازة أن يسلم الكتاب، وليصح إن لم يسلم الكتاب. وقيل: لو صحت الإجازة بطلت الرحلة، وقد يتدل في الإجازة الفاسد بالصحيح والمجهول بالمعروف.
فأما المكاتبة: فلا يصح فيها التحمل.
فإن قيل: فقد كتب رسول الله ﷺ إلى عماله في السنن والأحكام كتبا عملوا عليها وأخذ الناس بتا، منها كتابه لعمرو بن حزم في الديات، والصحيفة التي أخذها أبو بكر- ﵁ من فراب سيفه في نُصب الزكوات. قلنا: قد كانت ترد مع رسل يعوّل على خبرهم بتا.
ويصح سماع غير البالغ إذا كان مميزا سمع ابن الزبير وكان ابن تسع سنين حين مات رسول الله ﷺ ، وسمع ابن عباس- ﵄ قبل بلوغه وقبل الناس روايتهما بعد البلوغ. وهكذا لو كان كافرا ثم أسلم، أو كان فاسقا ثم اعتدل؛ لأن شرط صحة التحمل صحة التمييز وحده.
стр. 5337
وأما صفة الأداء: فيعتبر في المحدث إذا روى بعد ما قدمناه من شروط التحمل شرطان؛ أحدهما: ذكر إسناده.
والثاني: التحري في لفظ متنه. ثم له حالتان:
إحداهما: أن يحدث من حفظه فيصح السماع منه [١١٢/ ب] إذا وثق بحفظه.
والثانية: أن يحدث من كتابه، فإن كان أعمى لا تصح روايته من كتابه لأن الكتب قد تشتبه عليه، وإن كان بصيراً صح أن يروى كتابه بشرطين؛ أحدهما: أن يكون واثقاً بكتابه.
والثاني: أن يكون ذاكراً لوقت سماعه. فإن أخل لم تصح روايته.
ومنع أبو حنيفة- ﵀ أن يروى من حفظه كما لا يجوز للشاهد أن يشهد من حفظه، ولا يصح هذا لقوله ﷺ : "قيدوا العلم بالكتاب". ولو لم يصح الرجوع إليه لكان الأمر بتقييده غير مفيدٍ. وروى أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﷺ النسيان، فقال له: "حرك يدك"، أي اكتب حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت. وقد كتب عثمان- ﵁ حين جمع القرآن عدة مصاحف ونفذها إلى الأمصار، فحفظ المسلمون منها القرآن.
والفرق بين الشهادة والخبر أن الشهادة يفترق فيها حال الشاهد والمشهود عليه فتغلظت بالحفظ كما تغلظن بالعدد، وفي الحديث يشترك المحدث والمستمع فتخففت بالكتاب. وقد صارت الرواية في عصرنا من الكتاب أثبت عن أصحاب الحديث من الحفظ لما يرجعون إليه من شواهد الأصول في صحة السماع.
ويجوز أن يقول المحدث في روايته: "حدثنا" و"أخبرنا" وهما عند الشافعي سواء في الحكم، ولكن الأولى في عرف أصحاب الحديث أن يسمع من لفظ المحدث أن يقول: "حدثنا" وإن قرأه على المحدث أن يقول: "أخبرنا" وإن سمع وحده قال: "حدثني" السماع وإن كانت في الحكم سواء. ويجوز أن يقبل في رواية المحدث فيما يعود نفعه إليه، ولا يجوز ذلك في الشهادة، وهذا لاشتراك الناس في السنن والديانات وافتراقهم في الشهادات. [١١٣/ أ] وإذا أسند الراوي حديثه من رجل، فأنكر ذلك الرجل الحديث أو نسيه لم يقدح في صحة الرواية، ولا يجوز للمحدث أن يرويه عن المستمع إن أنكره، ويجوز أن يرويه عنه إن نسيه، وقد روى ربيعة بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، ثم نسى سهيل الحديث فأخبره بت ربيعة، فصار سهيل يقول: أخبرني ربيعة عنى أنني حدثته عن أبى هريرة، أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.
стр. 5338
وإذا عمل الراوي بغير روايته لم يقدح في صحة الرواية؛ لأن أبا هريرة روى غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، وأفتى بغسله ثلاثا، فعملوا على روايته دون فتياه، لجواز أن يكون قد نسى الرواية فأفتى بغيرها؛ وروايته حجة وفتواه ليست بحجةٍ.
وأما تفسير الراوي للحديث الذي رواه، فإن كان من الصحابة الذين سمعوا لفظ الرسول ﷺ وشاهدوا مخرج كلامه حمل على تفسيره، كما فسر ابن عمر- ﵄ افتراق المتباعدين أنه بالأبدان دون الكلام، فحمل على تفسيره. وإن كان هذا المحدث من دون الصحابة لم يكن تفسيره حجةً؛ لأنه وغيره سواء.
وأما أحوال الإسناد: فصحته معتبرة بثلاثة شروط أن يكون الإسناد متصلاً بالرسول ﷺ ، فإن كان مرسلاً أو منقطعاً لم ينجز. والمرسل: أن يروى التابعي عنه ﷺ وهو لم يشاهده ولا يريه عن صحابي شاهده. والمنقطع أن يكون من الروايتين رجل لم يذكر، فالمنقطع لا يكون حجة، ووافقنا أبو حنيفة فيه. والمرسل عن أبى حنيفة حجة وربما جعله أقوى من المسند لثقة التابعي بصحته في إرساله. [١١٣/ أ] ولا يكون عند الشافعي- ﵁ حجة، ولا يجوز العمل بت إذا انفرد حتى يسمى راوية عن رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد يجوز أن يسمعه عن مثله من التابعين، ويجوز أن يسمعه عمن لا يوثق بصحته، وقد قال الشافعي: "ومرسل سعيد بن المصيب عندنا حسن"، وهذا لأنه ما أرسل حديثاً إلا وقد وجد مسنداً عن أكابر الصحابة ﵃.
وأما رواية الصحابة فلا مرسل فيها؛ لأنه إن قال: سمعت فلا شبه في صحته، وإن قال: قال رسول الله ﷺ فالظاهر أنه عن سماعه منه، وإن سمعه من غيره فليس يرويه إلا عند مثله؛ لأن صحابة رسول الله ﷺ ﵃ محكوم بعد التهم، وجميعهم مقبول الرواية عنه لقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم". وقال ابن عباس ﵄: ليس كل ما حدثتكم بت سمعته من رسول الله ﷺ ، ولكن سمعت وحدثني بت أصحابه. فأجرى عليه أهل العلم وأصحاب الحديث أحكام المسند.
والثاني: أن تكون الرواية عن مسمى مشهور سمى بت، حتى لا يقع التدليس في اسمه، فإن لم يسمه وقال: أخبرني الثقة، وأخبرني من لا أتهم، لم يكن حجة في صحة النقل؛ لأنه قد يثق بت ويكون مجروحاً عند غيره.
فإن قيل: ذكر الشافعي مثل هذا. قلنا: قد اشتهر من عناه بهذا، وأراد بمن يثق بت إبراهيم بن إسماعيل، فصار كالتسمية له وإن كان الأولى أن يصرح باسمه، لكنه ربما أشكل عليه في وقت الحديث اسم الرواة، وهو واحد في عدد ثقاتٍ، فيتخرج أن يسمى بت من لا يقطع بصحته، فعدل عنه إلا ما لأجرح فيه [١١٤/ أ] فقال: أخبرني الثقة، فلا وجه لمن أنكره عليه من أصحاب الحديث مع ظهور العذر فيه.
والثالث: أن يعرف عدالة كل واحد من الرواة حتى يتصل ذلك بالصحابة، وليست رواية العدل عن غيره دليل على عدالته؛ لأن العدل قد يروى عن عدلٍ وغير عدلٍ. وقال الشعبي في روايته: حدثني الحارث الأعور وكان والله كاذباً.
стр. 5339
فإن قيل: (أفيجوز) أن يروى عن غير عدلٍ. قيل: يجوز في المشاهير ولا يجوز في المناقير، ويجوز أن يروى المتقدم على المتأخر، فقد روى ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبى قالبة حديث القرعة، وسمع إبراهيم من الأعمش حديث قيام المأموم عن يمين الإمام.
وإذا كانت عدالة الرواة شرطاً في صحة الحديث، فحالهم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعلم عدالتهم فيحكم بصحة الحديث.
والثاني: أن يعلم جرحهم أو جرح أحدهم فلا يحكم بصحته. والثالث: أن يجهل أحوالهم، فعند أبى حنيفة يقبل ما لم يعلم الجرح، وعند الشافعي لا يقبل إلا أن يعلم التعديل فيكشف عن عدالتهم.
فإن شهد قوم بالتعديل وقوم بالجرح، فالجرح أولى ولا يقبل الجرح حتى يذكر ما بت صار مجروحاً. فإن وجدوه كذب في حديث يرد جميع أحاديثه المتقدمة، ووجب نقض ما عمل بت منها وإن لم ينقض بشهادة من حدث فسقه؛ لأن الحديث حجة لازمة لجميع الناس وفي جميع الإعصار، فكان حكمه أغلظ من الشهادة الخاصة، وفي تعديل الرواة وجهان:
أحدهما: أنه يجرى مجرى الخبر؛ لأنه حكم على غائب فلا يقبل في تعديله أقل من شاهدين. وفي جواز أن يكون المحدث أحدهما [١١٤/ ب] وجهان، كما لو عدل شهود الفرع شهود الأصل.
وأما الجرح فلا يقبل فيه أقل من شاهدين؛ لأنها شهادة على باطن مغيب. فأما الصحابة ﵃ فلا يعتبر فيهم إلا صحبتهم، فإذا صحت قبلت أحاديثهم إذا خرجوا عمن اشتهر النفاق؛ لأن الله تعالى اختار لرسوله ﷺ من رضي عنهم ووصفهم بالرحمة، فقال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]. فأما من عرف من الرواة بالتدليس فصفتان: أحدهما: من عرف بتدليس متون الأحاديث، فهذا مجروح العدالة مطروح الأحاديث وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه.
والثاني: من عرف منه تدليس الرواة مع صدقة في المتون. فقد حكي أن شريكاً وهشيماً والأعمش كانوا مدلسين. وقيل: إن التدليس في أهل الكوفة أشهر منه في أهل البصرة، واتهم سفيان بن عيينة بالتدليس في حديثٍ رواه عن عمرو بن دينارٍ وكان بينه وبين عمرو بن دينار في ذلك الحديث ثلاثة رجالٍ، فقيل له بعد الرواية عنه من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني على بن ألمديني، عن أبى عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار فاعله بعض أصحاب الحديث من أجل هذا، ونسب إلى التدليس وإن كان ثقة عدلاً.
ثم لا يخلو حال التدليس في أسماء الرواة من إحدى حالتين:
стр. 5340
إحداهما: أن يكون في إبدال الأسماء بغيرها فيعدل عن اسم زيد بن خالد فيشمسه بعمرو بن بكر لنزول من عدل عن اسمه وارتفاع من عدل إلى اسمه، فهذا كذب يرد حديثه بت.
والثانية: أن يكون التدليس في إطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الحديث إلى من هو أبعد، كأذى حكي عن سفيان بن عيينة [في حديثه عن عمرو بن دينار] وبينهما في بعض [١١٥/ أ] الأحاديث رجال، وإن سمع منه أكثرها فلا يكون هذا التدليس مجروحاً، ولكن لا يقبل حديثه إذا روى عن فلانٍ، حتى يقول: "حدثني" أو "أخبرني"، فإذا قال ذلك زال احتمال التدليس فيقبل حديثه.
وشدد بعض أصحاب الحديث حال التدليس، فيقبل حديثه حتى يقول: "سمعت"، ولا يقبله إذا قال: "حدثني" أو "أخبرني" كما يقبل من مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وأما القسم الخامس في نقل السماع فللراوي في نقل سماعه أربعة أحوالٍ: أحدها: أن يروى ما سمعه بألفاظه وعلى صفته.
والثاني: أن يروى معناه بغير لفظه.
والثالث: ينقصم. والرابع: أن يزيد عليه.
فأما الحالة الأولى فلا يخلو مصدره من رسول الله ﷺ أن يكون ابتداءً أو جواباً.
فإن كان ابتداءً وحكاه فقد أدى الأمانة فيه كقوله ﷺ :"مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وإن كان جواباً عن سؤال فهو على ثلاثة أضرب:
أحدهما: أن يكون الجواب مغنياً عن ذكر السؤال كما سئل الله ﷺ عن التوضؤ بماء البحر، فقال:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فالروي فيه مخير بين ذكر السؤال وتركه".
والثاني: يفتقر الجواب إلى ذكر السؤال كما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال:"أينقص الرطب إذا يبس؟ " فقيل: نعم، فقال:"فلا يجوز أن يقتصر على رواية الجواب حتى يذكر السؤال؛ لأن قوله:"فلا إذاً" لا يفهم إلا بذكر السؤال.
والثالث: أن يكون إطلاق الجواب يحتمل أمرين، فإذا نقل السؤال بقى أحد الاحتمالين، كما سئل رسول الله ﷺ [١١٥/ ب] ﷺ عن الناقة تذبح فيوجد في جوفها جنين ميت أيؤكل؟ فقال:"ذكىته ذكاه أمه". فلو قاله ابتداءً لا حتما أن تكون ذكرته مثل ذكوة أمه، ويحتمل أن يستباح بزكاة أمه، فإذا ذكر السؤال صار الجواب محمولا على أنه بسباح في هذا من هو أصل الخبر كالصحابي ومن تفرغ عليه من التابعين ومن دونهم.
والحالة الثانية: أن يروى معنى الحديث بغير لفظة، فهو ثلاثة أضرب:
стр. 5341
أحدها: أن يكون في الأوامر والنواهي كقوله ﷺ :"لا تبيعوا الذهب بالذهب"، فيروى: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا سواء بسواء. وبقوله ﷺ :"اقتلوا الأسودين في الصلاة"، فهذا جائز؛ لأن افعل أمر ولا تفعل نهى، وكان الراوي فيهما مخيراً، وسترى في هذا التخيير من كان أصل الخبر من الصحابة، ومن صار فارغاً فيه كالتابعين ومن بعدهم.
والثانية: أن يكون في نقل كلامٍ قاله بألفاظ ويكون الكلام يحتمل الألفاظ أو خفي المعنى، كقوله ﷺ :"لا طلاق في الإغلاق". فينبغي أن ينقله بلفظه ولا يعبر عنه بغيره [ليكون مات ضمنه من الاحتمال والخفاء] فإنه لم يذكره محملاً ولا خفياً إلا لمصلحة وليكل استنباطه إلى العلماء.
والثالث: أن يكون المعنى جلياً غير محتمل، كقوله ﷺ :"الخير كثير وقليل فاعله"، فلا يجوز لمن سمع كلامه من التابعين ومن بعدهم أن يورد المعنى بغير لفظه حتى ينقل اللفظ على صفيته، ويورد المعنى [١١٦/ أ] بألفاظه.
وهل يجوز لمن شاهده ﷺ من الصحابة وعرف مخرج كلامه، أن يورد المعنى بغير لفظة؟ وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يجوز كغيره من التابعين.
والثاني: يجوز له؛ لأنه أعرف بفحواه من غيره.
وقال صاحب"الحاوي": والذي أراه أنه كان يحفظ اللفظ لم ينجز أن يرويه بغير لفظه؛ لأن في كلام الرسول ﷺ من الفصاحة ما لا يوجد في كلام غيره، وإن لم يحفظ اللفظ جاز أن يورد معناه بغير لفظه؛ لأن الراوي قد يحمل أمرين؛ اللفظ والمعنى، فإن قدر عليهما لزم أداءهما وإن عجز عن اللفظ وقدر على المعنى لزم أداؤه لئلا يكون مقصراً في نقل ما تحمل، فربما تعلق بالمعنى من الأحكام ما ليجوز أن يكتمه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية.
والحالة الثالثة: أن ينقص من ألفاظه، وهذا على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يصير الباقي منه مبتزا لا يعلم معناه فليصح ذلك منه، وعليه أن يستوفيه لتتم فائدة الخبر.
والثاني: أن يكون الباقي مفهوماً ولكن يكون ذكر المتروك يوجب اختلاف الحكم في المذكور، مثل قوله ﷺ لأبى بردة بن تيار وقد ضحى قبل الصلاة قال:"أعد أضحيتك"، فقال: ليس عندي إلا جزعة من المعز، فقال:"تجزيك ولا تجزئ أحداً بعدك". فلو روى الناقل:"تجزيك" لفهم أنها تجزي جميع الناس، فلما قال:"ولتجزي أحداً بعدك"، دل على اختصاصه بهذا الحكم فلا يجوز تركه وإن كان ما (رواه) مفهوماً.
стр. 5342
والثالث: أن يكون الباقي مفهومًا مستقل الحكم، كقوله ﷺ : "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فيجوز أن يقتصر [في الرواية على أحدهما] فيروي: "هو الطهور ماؤه" أو يروي "الحل ميتته" لأنهما كلمات فلم يلزم الجميع [١١٦/ ب] بينهما في الرواية إلا أن يتعين عليه فرصة الإبلاغ عند الحاجة إليه فيلزمه أداء ما تحمل كالشاهد.
والحالة الرابعة: أن يزيد في الخبر، وهو على ثلاثة أضربٍ: أحدهما: أن تكون الزيادة شرحًا للحال كما نهى ﷺ عن تقلي الركبان، وأن يبيع حاضر لبادٍ، فيزيد فيه ذكر السبب الذي دعاه إلى هذا القول فيصح هذا من الصحابي؛ لأنه قد شاهد الحال دون التابعي.
والثاني: أن تكون الزيادة تفسيرًا لمعنى الكلام كنهيه ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، فيجوز للراوي من صحابي وتابعي أن يفسر معناها في روايته، فتصير الزيادة تفسيرًا فيجوز، ولكن إن فسرها الصحابي لزم قبول تفسيره بغير دليلٍ، وإن فسرها التابعي لم يلزم قبوله إلا بدليل.
والثالث: أن تخرج الزيادة عن شرح السبب وتفسير المعنى فما هي إلا كذب صريح، وقد نزه الله تعالى عن صحابة رسوله ﷺ ، وقد قال ﷺ : "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وأما الأصل الثاني من أحكام المتون المنقولة والسنن المروية، فجمع ما ذكرنا أن كتاب الله تعالى يشتمل عليه من الأقسام الستة وهي العموم والخصوص، والمفسر والمجمل، والمطلق والمقيد، والإثبات والنفي، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ فمثلها موجود في السنة وأحكامها على ما ذكرناه في الكتاب.
ثم تختص السنة بأصول تشتمل عليها ثلاثة أقسام؛: ما يؤخذ من السنة والثاني ما يجب بيانه بالسنة والثالث ما يلزم العمل به من السنة فأما الأول عن الرسول ﷺ من ثلاثة أوجهٍ أحدها: [١١٧/ أ] من قوله. والثاني: من فعله. والثالث: من إقراره.
فأما أقواله فهو مطاع فيها، قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] الآية. وهي على أربعة أضربٍ؛ أمر، ونهي، وخبر، واستخبار فيطاع في أوامره ويتبع في نواهيه ويصرف في خبره ويجاب عن استخباره. ثم ينقسم قسمين؛ أحدهما: ما ابتدأه.
والثاني: ما كان جوابًا عن سؤال.
فأما المبتدأ من قوله فيشتمل على خمسة أقسامٍ؛ عبادات، ومعاملات، وترغيب، وترهيب وتأديب.
فأما العبادات: فتردد بين وجوب وندبٍ. وأما المعاملات: فتردد بين إباحةٍ وحظرٍ. وأما الترغيب بالثواب فداعٍ إلى الطاعة.
стр. 5343
وأما الترهيب بالعقاب فزاجر عن المعصية. وأما التأديب: فباعث على الجملة والألفة. وبهذا تتم مصالح الدين والدنيا.
وأما ما كان جوابًا عن سؤالٍ فينقسم ثلاثة أقسامٍ:
أحدها: ما قابل السؤال فلم يزد عليه ولم ينقص منه، كما سئل رسول الله ﷺ عن الاستطاعة في الحج، فقال: "زاد وراحلة"، وهذا حد الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال.
والثاني: أن يكون الجواب أزيد من السؤال، كما سُئل رسول الله ﷺ عن ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، فتكون الزيادة على السؤال بيان شرع مبتدأ.
والثالث: أن يكون الجواب أنقص [من السؤال] فله أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون نقصان الجواب لخطأ السائل، كما سُئل رسول الله ﷺ عما يلبس المحرم، فقال: "لا يلبس قميصًا ولا عمامة".
والثاني: أن يكون في كتاب الله تعالى بيان كيفية السؤال، كما سأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن الكلالة فقال: [١١٧/ ب] "يكفيك آية الصيف".
والثالث: أن يكون في بعض الجواب تنبيه على بقية الجواب، كما سُئل عمر عن قبلة الصائم، فقال: أرأيت لو تمضمضت.
والرابع: أن يكون لتوقفٍ عنه، فإن لم يكن له تعلق بالديانات لم يلزمه إتمام الجواب، وإن كان له تعلق بالديانات لزم إتمام الجواب لما فيه من إظهار دين الله تعالى، وليس يتوقف إلا ليتوقع أمر الله تعالى وبيانه، كما سأله ﷺ أشيد بن حضير عن الحيض، فتوقف حتى نزل فيه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية.
وأما أفعال الرسول ﷺ فضربان: أحدهما: ما يتعلق بالديانات كأكله ومشربه وملبسه فيدل على الإباحة، لأن أفعاله ﷺ تتردد بين الحسن والجائز، ولا يفعل ما يقبح في العقل أو يكره في الشرع، فيكون التآسي به أبرك من المخالفة له، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، إلا أن يقوم دليل على اختصاصه بالإباحة، كما في الناكح فلا يجوز إتباعه فيه.
والثاني: ما اختص بالديانات فله ثلاثة أحوالٍ:
أحدها: أن يأمر بإتباعه فيها، كما قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلى". وقال ﷺ في الحج: "خذوا عني مناسككم". فيكون إتباعه فيها فرضًا لاقتران أمره بفعله.
والثانية: أن ينهى عن إتباعه فيها، كما نهى ﷺ عن الوصال وانتهى الناس، ثم إنه ﷺ واصل فواصلوا، فقال ﷺ : "إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى".
فلا يجب علينا إتباعه فيه لنهيه، وهذا كله على ثلاثة أضرب: أحدها: ما كان له مباحًا وعلينا محظورًا كالمناكح.
стр. 5344
والثاني: ما كان له مستحبًا ولنا مكروهًا كالوصال.
والثالث: [١١٨/ أ] ما كان عليه فرضًا وعلينا ندبًا، كالسواك والوتر والأضحية وغيرها كما في الخبر.
والحالة الثالثة: أن تتجرد أفعاله عن أن يأمر بها أو ينهى عنها، فإتباعه فيها ندب، وهل يكون فرضًا أو مستحبًا؟ فيه وجهان: قال الأكثرون: يستحب إلا أن يقترن بها أمر؛ لأنه قد كان يستيسر بكثير من أفعاله، فلو كان إتباعه فيها فرضًا لأظهرها كما أظهر أقواله ليكون البلاغ بها عامًا.
والثاني: إتباعه فيها فرض ما لم ينه عنه. وروي أن رجلًا أرسل إلى أم سلمة يسألها عن قبلة الصائم، فقالت: إن رسول الله ﷺ قد قبل وهو صائم. فقال الرجل: لسنا كرسول الله ﷺ ، إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعاد زوجته لتسأل، فذكرت أم سلمة ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده" فدل على وجوب إتباعه في أفعاله. وأما إقرار رسول الله ﷺ على ما أقرهم عليه من بياعاتٍ ومعاملاتٍ، ومأكولٍ ومشروبٍ، وأبنية ومقاعد في الأسواق، فجميعها في الشرع مباح؛ لأنه لا يستجيز أن يقر الناس على منكرٍ محظورٍ، كما وصفه الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، فدل أن ما أقر عليه خارج عن المنكر وداخل في المعروف. واختلف العلماء في حكم الاستباحة لذلك بعد الإقرار عليه على وجهين: أحدهما: أنها مستباحة بالعرف المتقدم دون الشرع.
والثاني: أنها مستباحة بالشرع حتى أقروا.
وهذا الوجهان من الاختلاف في أصول الأشياء قبل مجيء الشرع، هل كانت على الإباحة حتى حظرها الشرع، أو كانت على الحظر حتى أباحها الشرع.
وأما القاسم الثاني فيما يجب بيانه بالسنة [١١٨/ ب] فعلى أربعة أضربٍ:
أحدها: ما لزمه بيانه في حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وهو بيان ما أجمله الله تعالى في كتابه العزيز من الصلاة والزكاة، فالرسول ﷺ مأخوذ ببيانه في حق الله تعالى ليقام بحقه فيها، ومأخوذ بيانه في حقوق العباد ليعلموا ما كلفوا منها.
والثاني: ما لزم الرسول ﷺ بيانه في حقوق الله تعالى دون عباده، وهو تخصيص العموم يلزم بيانه في حق الله تعالى لاستثنائه له، ولا يلزم في حقوق العباد؛ لأنهم على العموم ما لم ينقلوا عنه.
والثالث: ما لزمه بيانه في حقوق العباد دون حقوق الله تعالى، وهو ما يستحق الثواب بفعله ولا يجب العقاب بتركه، كنوافل العبادات وأفعال القلوب.
والرابع: ما اختلف فيه وهو ما استأنف الرسول ﷺ بيانه من الأحكام التي ليست في كتاب الله تعالى، كالحكم بالشفعة للجار، والقضاء بالدية على العاقلة، وإعطاء السلب للقاتل، وأن لا ميراث لقاتل ونحو ذلك، فيلزم الرسول ﷺ بيانه في حقوق
стр. 5345
العباد، لأنه لا طريق لهم إلى العمل إلا منه، وفي لزوم بيانها في حقوق الله تعالى وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في أنه هل يجوز للرسول ﷺ أن يحكم فيها باجتهاده؟ وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن الاجتهاد فضيلة، فكان النبي ﷺ بها أحق، والدليل عليه أيضًا قصة داود وسليمان -صلّى الله عليهما- في حكم الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، فعلى هذا يكون هذا البيان لازمًا في حقوق الله تعالى.
[١١٩/ أ] والثاني: ليس له الاجتهاد؛ لأنه لا يسوغ الاجتهاد مع وجود النص وأوامر الله تعالى نصٌ، وعلى هذا لا يكون هذا البيان لازمًا في حقوق الله تعالى. وقال صاحب "الحاوي": "الأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين في اجتهاده أن يكون اجتهاده معتبرًا بالحكم، فإن كان مما يشارك فيه أمته، كنهيه عن الكلام في الصلاة، وكنهيه ﷺ عن الجمع بين المرأة وعمتها لم يكن له أن يجتهد فيه حتى يأخذه عن أمر الله تعالى ووحيه، كما قال ﷺ لابن مسعود ﵁: "إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وأن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة". وإن كان مما لا يشارك فيه أمته، كقوله ﷺ : "لا ميراث لقاتل" وكحده ﷺ لشارب الخمر، جاز أن يحكم فيه برأيه واجتهاده، وإنما كان كذلك لأن الأحكام هي إلزام من أمر المأمور فما دخل فيه أن يكون مأمورًا به، وما لم يدخل فيه جاز أن يكون آمرًا به؛ لأن المأمور غير الآمر".
وأما القسم الثالث فيما يلزم به من السنة فنقول: السنة إذا جاءت بحكمٍ فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن تنفرد السنة بذلك الحكم، أو يقترن بها فيه أصل آخر.
فإن انفردت بذلك الحكم وجب العمل بها في التزام ذلك الحكم؛ لأنها أصل في أحكام الشرع سواء وافقها القياس أو لا. وقال أبو حنيفة: إن خالفت القياس الذي لا يحتمل كان العمل على القياس أولى من الأخذ بالسنة وهذا لا يصح؛ لأن القياس فرع السنة ولا يجوز [١١٩/ ب] أن يكون رافعًا للسنة. وإن اقترن بالسنة في ذلك الحكم أصل آخر فهو على ثلاثة أضربٍ، كتاب الله تعالى، والسنة، والإجماع.
فأما الأول: فلا يخلو الكتاب من أن يكون موافقًا لحكم السنة أو منافيًا له. فإن كان موافقًا له صار ذلك الحكم ثابتا بأصلين الكتاب والسنة. ونظر فيهما فإن تقدمت السنة به على الكتاب كان وجوبه بالسنة والكتاب مؤكدًا، وإن تقدم الكتاب به على السنة كان وجوبه بالكتاب والسنة.
وإن كان الكتاب منافيًا للسنة في ذلك الحكم فأثبته أحدهما ونفاه الآخر فهو على ثلاثة أضربٍ: أحدها: أن يتقدم الكتاب فيكون العمل على الكتاب دون السنة؛ لأن الكتاب لا ينسخ بالسنة.
والثاني: أن تتقدم السنة على الكتاب، فيكون العمل عند الشافعي بالسنة دون
стр. 5346
الكتاب؛ لأن عنده السنة لا تنسخ بالكتاب، وعلى قول ابن سريج يكون العمل على الكتاب دون السنة، وتكون السنة منسوخة بالكتاب.
والثالث: وإن وردا موردًا واحدًا ولا يتقدم أحدهما على الآخر، فلأصحابنا فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: يؤخذ فيه بكتاب الله تعالى؛ لأنه أصل السنة، وقد قال ﷺ : "ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاعملوا به، وإن خالفه فاتركوه".
والثاني: يؤخذ بحكم السنة لاختصاصها بالبيان، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
والثالث: يجب التوقف عنهما حتى يقوم الدليل على ثبوت أحدهما.
وقال صاحب "الحاوي": [١٢٠/ أ] "والصحيح عندي أن ينظر في حكم السنة، فإن كان تخصيصًا حمل على السنة؛ لأن عموم الكتاب مخصوص بالسنة، وإن كان نسخًا عمل على الكتاب دون السنة؛ لأن الكتاب لا ينسخ بالسنة".
وأما الضرب الثاني في مقابلة السنة بالسنة، فإن اتفقا وكان الفعل فيهما موافقًا للقول، تأكد الحكم باجتماعهما فيه ووجب العمل به، وإن تنافيا فيه وكان الفعل في السنة مخالفًا للقول، مثل أن يرد عن الرسول ﷺ قول فيعمل بخلافه، والأحكام قد توجد من فعله كما توجد من قوله، فهذا على ثلاثة أضربٍ:
أحدها: أن يمكن استعمالهما على ما لا يتنافيان، مثل نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر، ثم صلى بعد العصر. فحمل نهيه عن الصلاة التي لا سبب لها، ويحمل فعله على الصلاة التي لها سبب فيجب العمل بها، ويحمل كل واحدٍ منهما على ما يوجبه استعماله.
والثاني: أن يكون الرسول ﷺ مخصوصًا بذلك الفعل، كما بين اختصاصه بالوصال بعد نهيه عنه فيؤخذ بعموم نهيه ﷺ ، ويعدل عن عمومه في حقه بفعله.
والثالث: أن لا يمكن استعمالهما ولا يبين اختصاصه بأحدهما، فهذا يوجب أن يكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، والظاهر من مذهب الشافعي ﵁ أن القول لا ينسخ إلا بالقول، والفعل لا ينسخ إلا بالفعل. وقال بعض أصحابنا: يجوز نسخ كل واحد منهما بالآخر؛ لأن كل واحد منهما سنة يؤخذ بها.
وقد روي أن النبي ﷺ قال في السارق: "فإن عاد في الخامسة فاقتلوه"، ثم رفع [١٢٠/ ب] إلى النبي ﷺ في المرة الخامسة فلم يقتله، فدل على أن القتل منسوخ. وقال ﷺ : "الثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم"، ثم رجم ماعزًا ولم يجلده، فدل على أن الجلد منسوخ، فعلى مذهب من جوز نسخ القول بالفعل جعل فعله المتأخر ناسخًا لقوله المتقدم.
стр. 5347
وعلى الظاهر من مذهب الشافعي أن القول لا ينسخ بالفعل، لكن يستدل بفعله المخالف لقوله على أنه قد تقدم على فعله قول فنسخ القول الأول، ثم ورد فعله المخالف بعد قوله الناسخ، فاقتصر الناس على نقل الفعل دون القول لظهور النسخ فيه. فإن لم يعلم المتقدم من المتأخر عدل عنهما إلى عمل الصحابة بأحدهما، وكان عمله بأحدهما دليلًا على نسخ الآخر، وإن لم يكن في العمل بيان وجب التوقف عنهما حتى يقوم الدليل على ثبوت أحدهما.
وأما الضرب الثالث: في مقابلة السنة بالإجماع فهو على ثلاثة أضربٍ: أحدها: أن يكون الإجماع موافقًا للسنة في العمل بها، كما قال ﷺ : "لا ميراث لقاتل، ولا وصية لوارث"، فيكون الحكم ثابتًا بالسنة والإجماع دليل على صحة النقل، فيصير هذا الخبر في حكم المتواتر وإن لم يكن متواترًا.
والثاني: أن ينعقد الإجماع على خلاف السنة، فيدل ذلك على أنها منسوخة أو نقلها غير صحيح، فيكون ذلك موجبًا لترك السنة والعمل على الإجماع.
والثالث: أن يعمل فيها بعض الصحابة ويتركها بعضهم، فالعمل بالسنة واجبٌ [١٢١/ أ] وإن تركها بعضهم؛ لأن التارك لها محجوج بها.
ولو رويت سنة لمن غاب عن الرسول ﷺ فعمل بها ثم لقيه هل يلزمه سؤاله عنها؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه ليكون على يقين من وجوب العمل بها.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه لو لزمه السؤال إذا حضر للزمه الهجرة إذا غاب.
وقال صاحب "الحاوي": "الصحيح عندي أن وجوب السؤال مختلف باختلاف السنة، فإن كانت تغليظًا لم يلزمه السؤال، وإن كانت ترخيصًا لزمه السؤال؛ لأن التغليظ التزام والترخيص إسقاط".
وإذا ظفر الإنسان براوي حديث عن رسول الله ﷺ يتعلق بالسنن والأحكام، فإن كان من العامة المقلدين لم يلزمه سماعه؛ لأن فرضية السؤال عن نزول الحوادث به، وإن كان من الخاصة المجتهدين لزمه سماع الحديث ليكون أصلًا في اجتهاده، ونقل السنن من فروض الكفايات، فإذا نقلها من فيه كفاية سقط فرضها عن الباقين [وإذا قصر ناقلوها عن الكفاية] وإلا خرجوا أجمعين. والذي يدخل في فرض الكفاية من قبلت منه الرواية دون من لم تقبل، وعلى محتمل السنة أن يرويها إذا سئل عنها، ولا يلزمه روايتها إذا لم يُسئل، إلا أن يجد الناس على خلافها فيلزمه روايتها ليعملوا بها.
وأما الأصل الثالث من أصول الشرع وهو الإجماع: والإجماع أن يستفيض إثبات أهل العلم من دلائل الأحكام وطرق الاستنباط على قولٍ في حكم لم يختلف فيه أهل عصرهم، وتكون استفاضته عند أمثالهم من أهل العلم بعد عصرهم، فتعتبر الاستفاضة
стр. 5348
عن أهل العلم، وفي أهل العلم [١٢١/ ب] ولا يكون لقول من خرج عن أهل العلم تأثير من وفاقٍ أو اختلافٍ، فهذا حد الإجماع وهو حجة في الأحكام.
وأنكر قوم مكان الإجماع وإن كان دليلًا، وأنكر قوم أن يكون دليلًا وإن أمكن، وقد دللنا على بطلانه فيما تقدم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] فدل أمره بإتباعهم على إمكان اتفاقهم ووجوب إجماعهم، ثم نهى الله تعالى عن مخالفتهم بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، فصار محظورًا ثم أكده بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وروي أن النبي ﷺ قال: "الأمة المجتمعة حجة على من شذ عنها"، ثم أخبر أنهم لا يجتمعون إلى على حق، فقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية. ثم جعل أهل كل عصرٍ حجة على من بعدهم من الإعصار ليستديم الإبلاغ، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
ثم اختلف العلماء في أمة كل نبي هل يكون اجتماعهم حجة؟ فقال بعض المتكلمين: إجماع غير هذه الأمة لا يكون حجة، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأن اليهود والنصارى أجمعوا على قتل عيسى ﵇ وأخبر الله تعالى بكذبهم. وقال آخرون منهم: يكون حجة على من بعدهم من أمتهم؛ لوجوب العمل بشرائع الأنبياء في عصرٍ بعد عصرٍ ما لم يرد نسخًا. وأما إجماعهم على قتل عيسى ﵇ فإنما أجمعوا على نقل القتل المأخوذ عن آحاد [١٢٢/ أ] فتعترضهم الشبهة ويجوز عليهم الكذب، والإجماع في النقل حق وإن كان القتل باطلًا.
وعلى هذا تعلق بالإجماع أربعة أحكام إمكان وجوده، ولزوم حجته، واشتماله على الحق، ووجوده في كل عصر. ثم الكلام فيه يشتمل على أربعة فصولٍ:
أحدها: ما ينعقد عنه الإجماع.
والثاني: ما ينعقد به الإجماع.
والثالث: ما يستقر به الإجماع.
والرابع: في معارضة الاختلاف والإجماع.
فأما الأول فهو ينعقد عن دليلٍ أوجب اتفاقهم عليه؛ لأن ما لا يوجب له يتعذر الاتفاق فيه، والدليل الداعي إليه يكون من سبعة أوجهٍ:
أحدها: أن ينعقد عن تنبيه من كتاب الله تعالى، كإجماعهم على أن ابن الابن في الميراث كالابن.
والثاني: أن ينعقد عن استنباط من سنة النبي ﷺ ، كإجماعهم على توريث كل من الجدتين السدس.
стр. 5349
والثالث: أن ينعقد عن الاستفاضة والانتشار، كالإجماع على أعداد الركعات وترتيبها في الركوع والسجود.
والرابع: أن ينعقد عن العمل به، كالإجماع على نُصب الزكوات.
والخامس: أن ينعقد عن المناظرة والجدال، كإجماعهم على قتال ما نعى الزكاة.
والسادس: أن ينعقد عن توقيف، كإجماعهم أن الجمعة تسقط فرض الظهر.
والسابع: أن ينعقد عن استدلال وقياس، كإجماعهم على أن الجواميس في الزكاة كالبقر. فإن تجرد الإجماع عن دليل يدعو إليه ووجد الاتفاق عليه فهل يصح وينعقد؟ قال جماعة من أهل العلم: يجوز لقوله ﷺ : [١٢٢/ ب] "ما رأه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن". وهذا قول من جعل الإلهام دليلًا.
وقال الجمهور: لا يجوز أن ينعقد إلا بدليلٍ؛ لأن إثبات الشرع بغير دليل لا يجوز، ولأن اتفاق الكافة بغير سبب لا يوجد. وإذا انعقد الإجماع عن أحد أدلته، فهل يقطع بصحته؟ وجهان:
أحدهما: أنه يقطع بصحته لقيام الحجة به.
والثاني: أن الإجماع غير معصومٍ عن السهو والغلط اعتبارًا بأهله في انتفاء العصمة عن آحادهم، فكذلك عن جماعتهم، ولا يكون قيام الحجة موجبًا لعصمته، كما تقوم الحجة بخبر الواحد وإن كان غير معصومٍ.
وأما ما ينعقد به الإجماع فانعقاده معتبرٌ بأربعة شروطٍ:
أحدها: أن يعتبر فيه قول الخاصة من أهل العلم دون العامة، لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، فخص أهل العلم بهذه المنزلة، ولهذا قال ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء". وروي أن أبا طلحة الأنصاري ﵁ خالف الصحابة وقال: البرد لا يفطر الصائم؛ لأنه ليس بطعامٍ ولا شرابٍ. فردوا قوله ولم يعتدوا بخلافه؛ لأنه كان من عامة الصحابة دون علمائهم.
والثاني: يعتبر فيه قول علماء الأمصار كلهم. وقال مالك ﵀: الإجماع معتبر بأهل المدينة وهذا باطل؛ لأن الأحكام مستنبطة من الكتاب والسنة لا من الأمكنة، وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ولم يأمر برده إلى أهل المدينة.
والثالث: أن لا يظهر في أحدهم الخلاف فيه، فإن تظاهر أحدهم [١٢٣/ أ] بخلافٍ، فإن كان يدفع خلافه نصٌّ كان خلافه مرتفعًا والإجماع بغيره ينعقد، كما خالف ابن مسعود ﵁ الصحابة في الفاتحة والمعوذتين ولم يجعلهن من القرآن، فلا يعتد بخلافه لوجود النص، وقد انعقد الإجماع على أنهن من القرآن. وكما
стр. 5350
ذهب حذيفة بن اليمان إلى أن أول الصوم أسفار الصبح، فلم يعتد بخلافه وأجمعوا على أن أوله من طلوع الفجر.
وإن كان لا يدفع قول مخالفيه نصٌّ فيكون خلافه مانعًا من انعقاد الإجماع، سواء كان من أكابر أهل العصر أو من أغرهم سنًا، كما خالف ابن عباس ﵁ جميع الصحابة في العول، وقال:"من شاء باهلته عند الحجر الأسود"، فصار خلافه خلافًا والإجماع بخلافه مرتفعًا.
وقال أحمد: خلاف الواحد لا ينقص الإجماع، ويكون محجوجًا بمن عداه، وهذا غلط؛ لأن أبا بكر ﵁ خالف جميع الصحابة في قتال أهل الردة، ثم بان الحق معه، وقد قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء﴾ [البقرة: ٢٦٩].
والرابع: أن ينتشر في جميع أهل العصر فيكونوا فيه بين معترفٍ به أو راض له، فإن انتشر فيهم فأمسكوا عنه من غير أن يظهر منهم اعترافٌ أو رضي فهو ضربان:
أحدهما: أن يكون في عصر الصحابة.
والثاني: أن يكونوا في غيره من الأعصار.
فإن كان ذلك في غير عصر الصحابة فلا يكون انتشار قول الواحد منهم مع إمساك غيره إجماعًا ولا حجة؛ لأنهم قد يعرضون عما لا يتعين فرضه عليهم. وإن كان في عصر الصحابة الذي قد خصَّه الله تعالى بفضل أهله، وقال ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم" فإذا قال الواحد منهم قولًا أو حكم به فأمسك الباقي فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مما يخاف [١٢٣/ ب] فوت استدراكه، كإراقة دمٍ أو استباحة فرج فيكون إجماعًا؛ لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه، إذ لا يصح منهم أن لا يتفقوا على إقرار منكرٍ، وإن كان مما لا يفوت استدراكه كان حجة؛ لأن الحق لا يخرج عن عصرهم، وفي كونه إجماعًا يمنع من الاجتهاد وجهان لأصحابنا:
أحدهما: يكون إجماعًا لا يسوغ معه الاجتهاد؛ لأن عدم الخلاف مع الانتشار يمنع من إثبات الخلاف.
والثاني: لا يكون إجماعًا والاجتهاد معه جائز؛ لأن من نسب إلى ساكتٍ قولًا أو اعتقادًا فقد افترى عليه.
وإن لم ينتشر في كلهم ولا يرد فيه خلافٌ من أحدهم لا يكون إجماعًا، وهل يكون حجةً يعتبر بما يوافقه من قياس أو يخالف؟ فله أربعة أحوالٍ:
أحدها: أن يكون القياس موافقًا لقوله فيكون قوله حجة بالقياس.
والثانية: أن يكون قوله مخالفًا للقياس الجلي، فالعمل بالقياس الجلي أولى.
والثالثة: أن يكون مع قول الصحابي قياس جلي، ويخالف قياسٌ خفيٌّ فقوله مع القياس الجلي أولى.
والرابعة: أن يكون مع قوله قياسٌ خفي ويخالفه قياس جلي.
قال في "القديم": قوله مع القياس الخفي أولى وألزم من القياس الجلي؛ لأن
стр. 5351
الصحابة أهدى إلى الحق، ثم رجع وقال في "الجديد": القياس الجلي أولى بالعمل من قوله مع القياس الخفي؛ لأنهم كانوا يحاجون بالقياس حتى قال ابن عباس ﵁: ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا. فإذا لزمهم العمل بالقياس كان لغيرهم ألزم.
وأما ما يستقر به الإجماع فيعتبر بأربعة شروطٍ.
أحدها: العمل باتفاقهم عليه، سواء اقترن بقولهم عمل أو لا. وقال بعض الناس: لابد أن يقترن به عمل؛ لأن العمل تحقيق [١٢٤/ أ] للقول، وهذا لا وجه له؛ لأن حجج الأقوال أكثر من حجج الأفعال، وإن انفراد كل واحدٍ منهما كان حجة فلا يلزم اجتماعهما إذا لم يختلفا.
فإن تجرد الإجماع في القول عن عمل يوافقه أو يخالفه كان القول إجماعًا، وإن تجرد الإجماع في العمل عن قول يوافقه أو يخالفه كان إجماعًا. ولو أجمعوا على القول واختلفوا في العمل بطل الإجماع إن لم يكن لاختلافهم في العمل تأويل. وإن أجمعوا على العمل واختلفوا في القول بطل الإجماع، ولم يكن لاختلافهم في القول تأويل لما يلزم من اتفاقهم في القول والعمل، فإن جهل الاتفاق والعمل يثبت بذلك إجماع ولا خلاف لترددهما بين اتفاقٍ يكون إجماعًا، وافتراقٍ يكون خلافًا.
والثاني: أن يستديموا ما كانوا عليه من الإجماع ولا يحدث من أحدهم خلاف، فإن خالفهم واحد بعد إجماعهم بطل الإجماع وساغ الخلاف؛ لأنه لما جاز أن يحدث إجماع بعد الخلاف جاز أن يحدث خلافهم بعد الإجماع. وروي أن عليًّا ﵁ خالف في بيع أمهات الأولاد بعد إجماعه مع أبي بكر وعمر ﵄ على أن بيعهن لا يجوز، فبطل بخلافه الإجماع في تحريم بيعهن. وقد قيل: إن ﵁ رجع بعد هذا حين قال له عبيدة السلماني: يا أمير المؤمنين، إن رأيك مع الجماعة أحب إليَّ من رأيك وحدك. فإن كان هذا الرجوع صحيحًا كان تحريم بيعهن إجماعًا.
والثالث: أن ينقرض عصرهم حتى يؤمن حدوث الخلاف بينهم، فإن بقاء العصر ربما أحدث من بعضهم خلافًا كما خالف ابن عباس ﵄ في العول بعد موت عمر ﵁، فقيل له: ألا قلته في أيامه؟ فقال: هبته وكان امرءًا مهيبًا. ولا يعتبر في انقراض [١٢٤/ ب] العصر موت جميع أهله لأن هذا أمر يضيق ولا ينحصر، وقد تتداخل الأعصار ويندرج الناس من حالٍ بعد حالٍ، ويختلفون في الأعمار والآجال، وإنما المعتبر في انقراضه أمران:
أحدهما: أن يستولي على العصر الثاني غير أهل العصر الأول.
والثاني: أن ينقرض فيهم من بقي من أهل العصر الأول؛ وهذا لأن أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفي ﵄ عاشا إلى عصر التابعين وطاولوهم فجمعوا بين عصرين، فلم يدل ذلك على بقاء عصر الصحابة فيهم.
ثم إذا كان انقراض العصر شرطًا في استقرار الإجماع فهو معتبر في الأحكام التي لا
стр. 5352
يتعلق بها إتلاف وإهلاك واستهلاك، ولا يستقر إجماعهم فيها إلا بانقراضهم عليها.
فأما الأحكام التي يتعلق بها إتلاف واستهلاك لا يمكن استدراكه، فقد اختلف أصحابنا في انقراض العصر، هل يكون شرطاً والإجماع مستقر بالاتفاق عليه، وليس لأحدهم أن يستحدث فيه خلافاً؛ لأنهم في عظائهم الأمور، لا يجوز أن يتفقوا على الإجماع عليها إلا بعد وضوح الحق منها، كما أجمعوا مع أبي بكر- ﵁ على قتال مانعي الزكاة وفيه إراقة الدماء، فلم يكن لأحدهم بعد الإجماع وما سفك فيه من الدماء أن يخالف فيه؛ لأنه يجعل ما تقدم من إجماعهم منكراً، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على منكر.
والرابع: أن لا يلحق بالعصر الأول من ينازعهم من أهل العصر الثاني، فإن لحق بعض الصحابة بعض التابعين فخالفهم في إجماعهم فقيه وجهان:
أحدهما: لا يرتفع الإجماع؛ لأنهم بمشاهدة النبي ﷺ أحفظ لشريعته وقد أنكرت عائشة- ﵂ على أبي سلمة بن عبد الرحمن منازعته الصحابة، وقالت: أراك كالفروج إذا اجتمع مع الديكة صايحتها. [١٢٥/أ]
والثاني: أن خلافه يمنع الإجماع؛ وقد قال علي ﵁: اعرف الحق تعرف أهله.
فإذا استقر الإجماع بهذه الشروط الأربعة وجب أن يكون إجماع أهل العصر حجة على من بعد من أهل الأعصار المتأخرة ويكون حجة على الصحابة، وإجماع التابعين حجة تابعي التابعين ولا يكون حجة على التابعين، هكذا حكم الإجماع في كل عصر ثان.
وقال داود: الإجماع اللازم مختص بعصر الصحابة لاختصاصه بنزول الوحي فيهم، وهذا غلط؛ لأن وضوح الحق مستمر في كل عصر؛ لأنه لا يخلو عصر من قائم لله بحجته.
الفصل الرابع: في معارضة الإجماع والاختلاف: فينقسم أربعة أقسام:
أحدها: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد، مثل أن يتقدم إجماع الصحابة ثم يحدث من أحدهم خلاف، فهذا الخلاف مانع من انعقاد الإجماع.
والثاني: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصر واحد فيرتفع به الخلاف المتقدم كاختلاف الصحابة في قتال مانعي الزكاة، ثم وافقوا أبا بكر الصديق- ﵁ فيرتفع به الخلاف بالإجماع، وفي هذا الإجماع وجهان:
أحدهما: أنه أوكد من إجماع لم يتقدمه خلاف؛ لأنه يدل على ظهور الحق بعد التباسه.
والثاني: أنهما سواء؛ لأن الحق يقترن بكل واحد منهما.
والثالث: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصرين مختلفين، كإجماع
стр. 5353
الصحابة وخلاف التابعين لهم، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يخالفوهم مع اتفاق الأحوال في المجمع عليها، فهذا الخلاف الحادث مطرح والإجماع المتقدم منعقد؛ لأن حجة الإجماع قاهرة.
والثاني: أن يحدث في المجمع عليه [١٢٥/ب] صفة زائدة أو ناقصة فيحدث الخلاف فيها بحدوث ما اختلف من صفاتها، فيكون الإجماع في الصفات منعقداً، وحدوث الاختلاف في الصفات المختلفة سائغاً عند الشافعي ﵁ وجمهور العلماء.
وقال داود وبعض أهل الظاهر: يستصحب حكم الإجماع واختلاف الصفات الحادثة لا يبيح اختلاف الحكم فيها إلا بدليل قاطع، وجعلوا استصحاب الحال حجة في الأحكام، ومثال هذا أن ينعقد الإجماع على إبطال التيمم برؤية الماء قبل الصلاة، فإذا رأوه في الصلاة أبطلوا تيممه استصحاباً لبطلانه قبل الصلاة من غير أن يجمعوا بينهما بقياس، كما لو استيقن الطهر وشك في الحدث وجب أن يستصحب حكم اليقين ويلغي حكم الشك، وهذا فاسد.
ولكل حال تجددت حكم توقف على الدليل، يجوز أن يكون مساوياً، ويجوز أن يطون مخالفاً، ويكون الإجماع حجة في الحال التي ورد فيها، ولا يكون حجة في غيرها إلا أن يكون القياس موجباً لاستصحاب حكمه، فإن الإجماع لا الإجماع، وإنما كان كذلك لأنه لما ساغ الاجتهاد فيما عدا حالة الإجماع، ولم يسغ الاجتهاد في حالة الإجماع دل على افتراقهما فيه، ولم يلزم أن يساويه في حكمه، وأما حما الطهارة على اليقين فلأن الشرع لم ينصب عليها دليلاً وقد نصب على الأحكام دليلاً.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن استصحاب الحال إن لم يعارضه دليل يجوز أن يجعل دليلاً، وقوله مدفوع بما ذكرناه. ويتفرغ على هذا إذا اختلف أهل الاجتهاد في حكم فأثبته بعضهم ونفاه بعضهم. وقال داود وأهل الظاهر: لا دليل على النافي، ويجب الدليل على المثبت استصحاباً لحكم الأصل في التفي كما تجب البينة على المدعي دون المنكر. وعند الشافعي [١٢٦/ أ] والجمهور يجب الدليل على النافي كوجوبه على المثبت، وأنه لا يجوز له نفي الحكم إلا بدليل، كما لا يجوز له إثباته إلا بدليل؛ لأن الله تعالى نصب على الأحكام أدلة النفي والإثبات، والنافي للحكم مثبت لضده فلم يجز نفيه إلا بدليل. فأما وجوب البينة على المدعي دون المنكر، فلأن يمين المنكر كبينة المدعي، فصارا مجتمعين في البينة وإن اختلفا في صفتها.
والرابع: أن يحدث الإجماع بعد الخلاف في عصرين مختلفين، كاختلاف الصحابة في حكم على قولين فيجمع التابعون على أحدهما، فظاهر مذهب الشافعي- ﵁ والجمهور أن حكم الاختلاف ثابت، وأن ما يعقبه من الإجماع غير منعقد؛ لأن انقراض الصحابة على قولين في حكم إجماع منهم على تسويغ الاجتهاد في ذلك
стр. 5354
الحكم، وفي انعقاد الإجماع بعد إبطال ما أجمعوا من تسويغ الاجتهاد، فصار في إثبات إجماع التابعين إبطال لإجماع الصحابة فلم يجز.
وقال الحارث بن أسد المحاسبي وتابعه بعض أصحابه يزول حكم الاختلاف بما يعقبه من الإجماع كما يزول اختلاف الصحابة إذا تعقبه إجماعهم، وهذا فاسد؛ لأن إجماع الصحابة لا ينعقد إلا بانقراضهم، فوقع الفرق بين انقراضهم على وفاق أو خلاف.
وعلى هذا لو اختلفت الصحابة على قولين في حكم صار ذلك إجماعاً منهم على إبطال ما عدا القولين، ولم يجز لمن بعدهم من التابعين إحداث قول ثالث. مثاله: أن الصحابة انقرضوا على قولين في اني عم أحدها أخ من أم، أحدهما التسوية بينهما في الميراث، والثاني الأخ للأم منهما أولى بكل الميراث، فخالفهم من التابعين سعيد بن جبير فجعل ابن العم الذي ليس بأخ لأم أحق بالميراث، فخالفهم في القولين بإحداث قول ثالث.
وذهب بعض من ينتسب إلى العلم إلى تسويغ هذا؛ لأن الاختلاف [١٢٦/ب] موجب لتسويغ الاجتهاد، وهذا غلط؛ لأن في انقراض الصحابة على قولين إجماعاً منهم على إبطال ما خرج عن القولين، وأن الحق في أحدهما، فلم يجز للتابعي أن يبطل ما انعقد إجماعهم عليه، [فهذا حكم الإجماع وما يتعلق به ويتفرغ عليه وهو من دلائل السمع] ويجوز نقل الإجماع بأخبار الآحاد؛ لأنه ليس أوكد من سنن الرسول ﷺ .
فإن نقل الراوي أنهم أجمعوا على كذا فقطع بإجماعهم عليه قبلت منه، وأثبت الإجماع بقوله سواء كان الراوي من أهل الاجتهاد أو لم يكن. وإن قال الراوي لم أعرف بينهم اختلافاً فيه، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد ولا ممن أحاط علماً بالإجماع والاختلاف لم يثبت الإجماع بروايته.
واختلف أصحابنا في ثبوته بها إن كان من أهل الاجتهاد والتقدم في العلم بالإجماع والاختلاف، فأثبت بعضهم الإجماع وجعل نفي الاختلاف إثباتاً للإجماع. وقال بعضهم: لا يثبت الإجماع بهذا النفي ولكل من القولين وجه.
وأما الأصل الرابع من أصول الشرع وهو القياس فله مقدمتان؛ أحداهما: الاجتهاد، والثانية: الاستنباط.
فأما الاجتهاد فهو مأخوذ من جهد النفس وكدها في طلب المراد به، كما أخذ جهاد العدو من جهد النفس في قهر العدو. والاجتهاد هو طلب الصزاب بالأمارات، الدالة عليه.
وقال ابن أبي هريرة: إن الاجتهاد هو القياس، ونسبه إلى الشافعي ﵁ من
стр. 5355
كلام اشتبه عليه في كتاب "الرسالة". والذي قال الشافعي ﵁ في هذا الكتاب: أن معنى الاجتهاد معنى القياس، يريد به أن كل واحد منهما يتوصل به إلى حكم غير منصوص عليه.
والفرق بين الاجتهاد والقياس: أن الاجتهاد هو ما وصفناه من أنه طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه. [١٢٧/أ] والقياس: هو الجمع بين الفرع والأصل لاشتراكهما في علة الأصل، فافترقا، غير أن القياس يفتقر إلى الاجتهاد، وقد لا يفتقر الاجتهاد إلى القياس على ما سنوضحه، فلذلك جعلنا الاجتهاد مقدمة للقياس. والدليل على أن الاجتهاد له أصل يعتمد عليه في الأحكام، خبر معاذ ﵁ حيث قال: أجتهد رأيي، فدل على أن الاجتهاد عند عدم النص أصل في أحكام الشرع.
ثم الكلام في الاجتهاد يشتمل على أربعة فصول؛ أحداهما: فيمن يجوز له الاجتهاد.
والثاني: في وجوه الاجتهاد.
والثالث: فيما يجب بالاجتهاد.
والرابع: في حكم الاجتهاد. فأما الأول فضربان؛ مجتهد في عموم الأحكام، ومجتهد في خصوص الأحكام. فأما المجتهد في جميع الأحكام فالمعتبر في جواز اجتهاده أربعة شروط:
أحدها: إشرافه على نصوص الكتاب والسنة، فإن قصر في أحدهما لم يجز أن يجتهد.
والثاني: علمه بوجوه النصوص في العموم والخصوص، والمفسر والمجمل، والمقيد والمطلق على ما بيناه من قبل، فإن قصر فيها لم يجز أن يجتهد.
والثالث: الفطنة والذكاء ليصل به إلى معرفة المسكوت عنه أمارات المنطوق به فإن قلت: فيه الفطنة والذكاء لم يصح منه الاجتهاد.
والرابع: أن يكون عارفاً بلسان العرب وموضوع خطابهم ومعاني كلامهم؛ لأن الكتاب والسنة وهما أصل الشريعة وردا بلسان العرب.
وإذا كان كذلك كان معرفة لسان العرب فرضاً على كل مسلم من مجتهد وغير مجتهد، إلا أن غير المجتهد يلزمه من فرضه ما اختص بتكليفه من الشهادتين وما تضمن [١٢٧/ب] الصلاة من القراءة والأذكار، ولا يلزمه معرفة ما عدا ذلك إلا بحسب ما يندرج إليه في نوازله وأحكامه، وقد قال الشافعي: "على كل مسلم أ، يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده في أداء فرضه كما عليه أن يتعلم الصلاة والأذكار". وقال أبو حنيفة: لا يلزمه معرفة لسان العرب؛ لأنه يجوز له القراءة والأذكار بغير العربية.
وأما المجتهد فيلزمه مع حقوق الاجتهاد أن يكون عارفاً بلسان العرب، والذي يلزم في حقه أن يكون محيطاً بأكثره ليرجع فيما عزب عنه، إلى غيره، كما أن جميع السنة لا يحيط بها واحد من العلماء، وإنما يحيط بها جميع العلماء، فإذا كان المجتهد محيطا بأكثرها صح اجتهاده، وليرجع فيما عزب عنه إلى من علم به، ثم هذا المجتهد
стр. 5356
إن قصد (بالاجتهاد) العلم صح اجتهاده وإن لم يكن عدلاً، وإن قصد به الحكم والفتيا كانت العدالة شرطاً في نفوذ حكمه وقبول فتياه وإن لم يكن شرطاً في صحة اجتهاده.
وأما المجتهد في حكم خاص فحكمه في صحة اجتهاده معتبر بما يجتهد فيه، فإن كان اجتهاده في القبلة كان الشرط في صحة اجتهاده صحة البصر ومعرفة دلائل القبلة، وإن كان اجتهاده في العدالة والجرح كان صحة اجتهاده معتبر بأسباب الجرح والتعديل، وما يراعى من غلبة أحدهما على الآخر في الصغائر وتغليب الحكم في الكبائر وإن كان اجتهاده في المثل من جزاء الصيد كان صحة اجتهاده معتبراً بمعرفة الأشياء في غير ذي المثل، وعلى هذا. [١٢٨/ أ] فإذا تقرر ما ذكرنا من شروط الاجتهاد المعتبر في المجتهد، تعلق به فصلان؛ أحدهما: جواز اجتهاد الأنبياء. والثاني: جواز الاجتهاد في زمان الأنبياء. فأما الأول فقد اختلفوا فيه؛ فقيل: لا يجوز للأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- أن يجتهدوا، ولا لنبينا ﷺ أن يجتهد لقدرتهم على النص بنزول الوحي، ولهذا توقف في إحرامه حتى نزل الوحي، والوحي ينقسم إلى ما هو قرآن يتلى، وإلى ما لا يتلى، ولهذا قال تعالى: ﴿ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
وظاهر مذهب الشافعي وبه قال الجمهور: يجوز للكل ذلك؛ لأنه لو كان لا يجوز لما أخطأ داود وأصاب سليمان ﵉، وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ولأن النبي ﷺ اجتهد في أسارى بدر على ما ذكرنا، وقال لعمر ﵁: "أرأيت لو تمضمضت" حين سأله عن قبلة الصائم هل يفطر أم لا. وروي أنه ﷺ قال " من اغتسل من الجنابة خلق الله تعال من كل قطرة تقطر منه ملكاً يتسغفر له إلى يوم القيامي" فقال رجل: يا رسول الله، أنقضي أو طارنا ونؤجر عليها؟ فقال ﷺ "ثكلتك أمك، حسبتك من فقهاء المدينة، أرأيت لو وضعتها في حرام، أفتحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال" أي تتوقعون المثوبة بالحلال وهذا قياس. وأما توقفه في اللعان وغيره فليعلم هل ينزل عليه نص فلا يجتهد. فإذا ثبت هذا فقد اختلف أصحابنا في وجوبه وجوازه [١٢٨/ب] على وجهين:
أحداهما: يجوز ولا يجب؛ لأن للأحكام أصلاً هو الكتاب.
والثاني: أنه واجب عليه؛ لأن أحكام الكتاب مأخوذة من سنته إذا خلا منها.
وقال صاحب "الحاوي" "الأصح عندي أنه يجب عليه الاجتهاد في حقوق الآدميين، ويجوز له الاجتهاد في حقوق الله تعالى؛ لأنهم لا يصلون إلى حقوقهم إلا باجتهاده، فلزمه وإن أراد الله تعالى منه الاجتهاد في حقوقه أمره".
ثم إذا اجتهد هل يستنتج الاجتهاد برأيه أو يرجع فيه إلى دلائل الكتاب؟ وجهان:
أحدهما: أنه يرجع في اجتهاده إلى الكتاب؛ لأنه أعلم بمعاني ما خفي منه من
стр. 5357
جميع أمته، فكان اجتهاده بياناً وإيضاحاً.
والثاني: وهو الأظهر أنه يجوز أن يجتهد برأيه ولا يرجع إلى أصل من الكتاب؛ لأن سنته أصل في الشرع مثل الكتاب، وقد ندب الله تعالى إليها بقوله ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] الآية، وقال ﷺ "إنما أجتهد رأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء".
واختلفت أصحابنا في عصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- من الخطأ في اجتهادهم علو وجهين:
أحدهما: أنهم معصومون في اجتهادهم من الخطأ لتسكن النفوس إلى التزام أوامرهم بانتفاء الخطأ عن اجتهادهم. وهذا مقتضى الوجه الذي يقال فيه إنهم لا يجتهدون إلا عن دليل من نص.
والثاني: أنهم غير معصومين من الخطأ لوجوده منهم، لكن لا يقرهم الله تعالى عليه ليزول الارتياب به، وإن جاز أن يكون غيرهم من العلماء مقراً عليه؛ لأن داود- ﵇ قد أخطأ في اجتهاده، فاستدركه الله تعالى بإصابة سليمان- ﵇ واجتهد [١٢٩/ أ] النبي ﷺ في أساري بدر بعد مشاورة أبي بكر وعمر- ﵄ وأخذ منهم الفداء، فأنكره الله تعالى، وهذا يقتضي الوجه الذي يقال فيه إنهم يجوز أن يجتهدوا بالرأي من غير استدلال بنص.
وقال ابن أبي هريرة: نبينا ﷺ معصوم الاجتهاد من الخطأ دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنه لا نبي بعده يستدرك خطأه لإنختام النبوة به، وغيره من الأنبياء قد بعث بعده من يستدرك خطأه. وهذا لا وجه له؛ لأن جميع الأنبياء- ﵈ غير مقرين على الخطأ في وقت التنفيذ، ولا يهملون فيه على التراخي حتى يستدركه نبي بعد نبي، فاستوي فيه جميع الأنبياء.
فأما أمور الدنيا فيجوز فيه على الأنبياء الخطأ والسهو؛ لأنه روي أن النبي ﷺ سمع ضجة بالمدينة، فقال: "ما هذا؟ " فقيل: إنهم يلقحون النخل، فقال: " لأي نفع ذلك، إنهم إن تركوه لم يضرهم" فبلغهم ذلك فتركوه، ففسد حمل النخل، فقال ﷺ : "ما كان من أمر دينكم قردوه إلى، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به".
وأما جواز اجتهاد غير الأنبياء في زمان الأنبياء، كاجتهاد الصحابة في زمان الرسول ﷺ فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون المجتهد غائباً عن مدينة الرسول ﷺ لا يقدر على سؤاله في وقته فله حالتان: إحداهما: أن يكون له ولاية منه، كعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل- ﵄ حين بعثهما إلى اليمن، فيجوز اجتهادهما؛ لأن معاذاً قال: أجتهد رأيي، فاستصوبه وحمده، وسواء اجتهد في حق نفسه أو في حق غيره، ولا يلزمه إذا
стр. 5358
قدم على الرسول ﷺ أن يسأله [١٢٩/ب] فيما اجتهد فيه وإن كان سؤاله مستحباً، ويكون ما اجتهد فيه أثراً متبوعاً ما لم يرد عن الرسول ﷺ خلافه، كما اتبع معاذ في قوله: "أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فصدقته في مخلاف عشيرته" والمخلاف القربة. وإنما اختص المولى بذلك؛ لأن في الولاية إذناً بالاجتهاد فيما تضمنها.
والثانية: أن لا يكون للمجتهد ولاية فله حالتان:
إحديهما: أن يظفر بأصل من كتاب أو سنة فيجوز اجتهاده في الرجوع إلى الاستدلال بالظاهر منها، ولا يلزمه إذا قدم على الرسول ﷺ أن يسأله عما اجتهد فيه؛ لأنه قد اجتهد بأصل لازم.
والثانية: أن يقدم أصلاً من كتاب أو سنة فلا يجوز أن يجتهد في حق غيره لعدم ولايته.
أما اجتهاده في حق نفسه، فإن كان فيما يخاف فواته جاز اجتهاده فيه، وعليه إذا قدم على الرسول ﷺ أن يسأله عنه، وليس له أن يهاجر إليه من أجل السؤال، وإن كان مما يخاف فواته ففي جواز اجتهاده وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا يصح منه أن يشرع، وعليه أن يسأل ليعمل بما كلف.
والثاني: يجوز أن يجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد، ويعمل باجتهاده لقوله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة البيضاء".
فعلى هذا في جواز تقليده في اجتهاد وجهان:
أحدهما: لا يجوز لغيرة ممن ليس من اهل الاجتهاد أن يقلده فيه لوجود ما هو أقوى منه، فعلى هذا لا يلزم المجتهد إذا قدم علىلرسول ﷺ أن يسأله عما اجتهد فيه [ولا يجوز أن يعمل به في المستقبل حتى يسأل إن حضر. والثاني: يجوز لغيره أن يقلده كما يجوز أن يقلد العالم وإن وجد من هو أعلم منه، فعلى هذا يلزم المجتهد إذا قدم على الرسول أن يسأله عما اجتهد فيه لئلا يصير مشرعاً بغير أصل].
والقسم الثاني: أن يكون المجتهد حاضراً في مدينة الرسول ﷺ وغائباً عن مجلسه، [١٣٠/أ] فإن رجع في اجتهاده إلى أصل من كتاب أو سنة صح وجاز أن يعمل به ويفتي؛ لأن العجلاني سأل بعض الصحابة بالمدينة عن قذف امرأته بمن سماه، فقال له: حد في جنبك إن لم تأت بأربعة شهداء، ثم سأل رسول الله ﷺ فأخبره بما قيل له، فتوقف حتى نزلت عليه آية اللعان، ولم ينكر على العجلاني سؤال غيره، ولا أنكر على من أجابه مع حضوره.
وإن لم يرجع المجتهد إلى أصل من كتاب ولا سنة، فقد جوز بعض أصحابنا
стр. 5359
اجتهاده وقال بعضهم: لا يجوز اجتهاده.
وقال صاحب "الحاوي": "الذي عندي أنه يصح اجتهاده في المعاملات دون العبادات؛ لأن العبادات تكليف يتوقف على الأوامر بها، والمعاملات تخفيف تعتبر النواهي عنها"
والثالث: أن يكون المجتهد حاضراً في مجلس الرسول ﷺ فاجتهاده معتبر بأمر الرسول ﷺ ، فإن أمر الرسول ﷺ بالاجتهاد صح اجتهاده، كما حكم النبي ﷺ سعد بن معاذ- ﵁ في بني قريظة، فحكم بقتل من جرت عليه المواشي واسترقاق من لم تجر عليه، فقال ﷺ : "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة". وإن لم يأمره بالاجتهاد لم يصح اجتهاده إلا أن يعلم فيقره عليه، فيصير بإقراره عليه صحيحياً كما قال أبو بكر الصديق- ﵁ بحضرة الرسول ﷺ في سلب القاتل وقد أخذه غير قاتله: "لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه"، فأقره على هذا القول فصح اجتهاده حين أقره عليه. وأما الفصل الثاني في وجود الاجتهاد: فهو ما لم يرد في الكتاب والسنة بيان حكمه، فقد قيل: إن الذي تضمنه كتاب الله تعالى من الأحكام [١٣٠/ب] يشتمل على نحو خمسمائة آية، والذي تضمنه السنة منها نحو خمسمائة حديث، ونوازل الأحكام أكثر من أن تحصى ولا تقف على هذا العدد، ولا يجوز أن تكون الأمة مضاعفة لا ترجع إلى أصل من كتاب ولا سنة توصلهم إلى العلم بأحكام النوازل، وقد قال الله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وروى المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه".
فدلت الآية في إكمال الدين، ودل الخبر في استيفاء الأوامر والنواهي على أن الأحكام المسكوت عنها أصلاً في الكتاب والسنة يتوصل بها إلى معرفة ما أغفل بيانه فيها، وهو الاجتهاد فيما تضمنها من الأمارات الدالة، واستخراج ما تضمنها من المعاني المستنبطة، ليكون الدين قد كمل والأحكام قد وضحت، فإن النصوص على الحوادث معدول عن استيعابه لأمرين: أحدهما: أنه شاق في الإحاطة بجمعية.
والثاني: ليتفاضل العلماء في استنباطه.
فصح لهذين المعنيين أن يكون الاجتهاد في الشرع أصلاً يستخرج به حكم ما لم يرد فيه نص ولا انعقد عليه إجماع.
واعلم أنه مضى الاجتهاد في أعصار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولابد من إيضاح اجتهاد العلماء فيما بعدهم، وهو ينقسم ثمانية أقسام:
أحدها: ما كان حكم الاجتهاد مستخرجاً من معنى النص كاستخراج علة الربا من البر، فهذا صحيح غير مدفوع عند جميع القائلين بالقياس.
стр. 5360
والثاني: ما كان مستخرجاً من شبه النص، كالعبد في ثبوت تملكه لتردد شبهه بالحر في أنه يملك؛ لأنه مكلف. وشبه بالبهيمة في أنه لا يملك لأنه مملوك، وهذا صحيح [١٣١/ أ] وليس بمدفوع عنه عند من قال بالقياس ومن لم يقل، غير أن من لم يقل بالقياس جعله داخلاً في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقاً بأحد الشبهين.
والثالث: ما كان مستخرجاً من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم الأب والزوج والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يوصل إليه بالترجيح.
والرابع: ما كان مستخرجاً من إجمال النص، كقوله تعالى في متعة الطلاق: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٧]،فصح الاجتهاد في قدر المتعة باعتبار حال الزوجين.
والخامس: ما كان مستخرجاً من أحوال النص، كقوله تعالى في المتمتع: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فاحتمل صيام الثلاثة قبل عرفة وبعدها، واحتمل صيام السبعة إذا رجع في طريقه وإذا رجع في بلده، فصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين على الأخرى.
والسادس: ما كان مستخرجاً من دلائل النص، كقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدين بأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى، أن لكل مسكين مدين. واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بأقل ما جاءت به السنة في كفارة الواطء أن لكل مسكين مداً.
والسابع: ما كان مستخرجاً من أمارات النص كاستخراج دلائل القبلة، فيمن خفيت عليه من قوله تعالى: ﴿وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]، فصح الاجتهاد في القبلة بالأمارات الدالة عليها من مطالع النجوم.
والثامن: ما كان مستخرجاً من غير نص ولا أصل، فقد اختلفت أصحابنا في صحة الاجتهاد عليه بغلبة الظن على وجهين:
أحدهما: لا يصح حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع [١٣١/ ب] إلى غير أصل، وهذا ظاهر مذهب الشافعي ﵁، ولذلك أنكر القول بالاستحسان، لأنه تغليب ظن بغير أصل.
والثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل فجاز أن يستغنى عن أصل.
وقد اجتهد العلماء في التعزيز على ما دون الحدود بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في حال، وبثلاثين في حال، وليس لهم في هذه المقادير أصل مشروع.
والفرق بين الاجتهاد بغلبة الظن وبين الاستحسان؛ أن الاستحسان يترك له القياس،
следующие страницы →