← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

إن قصد (بالاجتهاد) العلم صح اجتهاده وإن لم يكن عدلاً، وإن قصد به الحكم والفتيا كانت العدالة شرطاً في نفوذ حكمه وقبول فتياه وإن لم يكن شرطاً في صحة اجتهاده. وأما المجتهد في حكم خاص فحكمه في صحة اجتهاده معتبر بما يجتهد فيه، فإن كان اجتهاده في القبلة كان الشرط في صحة اجتهاده صحة البصر ومعرفة دلائل القبلة، وإن كان اجتهاده في العدالة والجرح كان صحة اجتهاده معتبر بأسباب الجرح والتعديل، وما يراعى من غلبة أحدهما على الآخر في الصغائر وتغليب الحكم في الكبائر وإن كان اجتهاده في المثل من جزاء الصيد كان صحة اجتهاده معتبراً بمعرفة الأشياء في غير ذي المثل، وعلى هذا. [١٢٨/ أ] فإذا تقرر ما ذكرنا من شروط الاجتهاد المعتبر في المجتهد، تعلق به فصلان؛ أحدهما: جواز اجتهاد الأنبياء. والثاني: جواز الاجتهاد في زمان الأنبياء. فأما الأول فقد اختلفوا فيه؛ فقيل: لا يجوز للأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- أن يجتهدوا، ولا لنبينا ﷺ أن يجتهد لقدرتهم على النص بنزول الوحي، ولهذا توقف في إحرامه حتى نزل الوحي، والوحي ينقسم إلى ما هو قرآن يتلى، وإلى ما لا يتلى، ولهذا قال تعالى: ﴿ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. وظاهر مذهب الشافعي وبه قال الجمهور: يجوز للكل ذلك؛ لأنه لو كان لا يجوز لما أخطأ داود وأصاب سليمان ﵉، وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ولأن النبي ﷺ اجتهد في أسارى بدر على ما ذكرنا، وقال لعمر ﵁: "أرأيت لو تمضمضت" حين سأله عن قبلة الصائم هل يفطر أم لا. وروي أنه ﷺ قال " من اغتسل من الجنابة خلق الله تعال من كل قطرة تقطر منه ملكاً يتسغفر له إلى يوم القيامي" فقال رجل: يا رسول الله، أنقضي أو طارنا ونؤجر عليها؟ فقال ﷺ "ثكلتك أمك، حسبتك من فقهاء المدينة، أرأيت لو وضعتها في حرام، أفتحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال" أي تتوقعون المثوبة بالحلال وهذا قياس. وأما توقفه في اللعان وغيره فليعلم هل ينزل عليه نص فلا يجتهد. فإذا ثبت هذا فقد اختلف أصحابنا في وجوبه وجوازه [١٢٨/ب] على وجهين: أحداهما: يجوز ولا يجب؛ لأن للأحكام أصلاً هو الكتاب. والثاني: أنه واجب عليه؛ لأن أحكام الكتاب مأخوذة من سنته إذا خلا منها. وقال صاحب "الحاوي" "الأصح عندي أنه يجب عليه الاجتهاد في حقوق الآدميين، ويجوز له الاجتهاد في حقوق الله تعالى؛ لأنهم لا يصلون إلى حقوقهم إلا باجتهاده، فلزمه وإن أراد الله تعالى منه الاجتهاد في حقوقه أمره". ثم إذا اجتهد هل يستنتج الاجتهاد برأيه أو يرجع فيه إلى دلائل الكتاب؟ وجهان: أحدهما: أنه يرجع في اجتهاده إلى الكتاب؛ لأنه أعلم بمعاني ما خفي منه من

стр. 5357

جميع أمته، فكان اجتهاده بياناً وإيضاحاً. والثاني: وهو الأظهر أنه يجوز أن يجتهد برأيه ولا يرجع إلى أصل من الكتاب؛ لأن سنته أصل في الشرع مثل الكتاب، وقد ندب الله تعالى إليها بقوله ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] الآية، وقال ﷺ "إنما أجتهد رأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء". واختلفت أصحابنا في عصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- من الخطأ في اجتهادهم علو وجهين: أحدهما: أنهم معصومون في اجتهادهم من الخطأ لتسكن النفوس إلى التزام أوامرهم بانتفاء الخطأ عن اجتهادهم. وهذا مقتضى الوجه الذي يقال فيه إنهم لا يجتهدون إلا عن دليل من نص. والثاني: أنهم غير معصومين من الخطأ لوجوده منهم، لكن لا يقرهم الله تعالى عليه ليزول الارتياب به، وإن جاز أن يكون غيرهم من العلماء مقراً عليه؛ لأن داود- ﵇ قد أخطأ في اجتهاده، فاستدركه الله تعالى بإصابة سليمان- ﵇ واجتهد [١٢٩/ أ] النبي ﷺ في أساري بدر بعد مشاورة أبي بكر وعمر- ﵄ وأخذ منهم الفداء، فأنكره الله تعالى، وهذا يقتضي الوجه الذي يقال فيه إنهم يجوز أن يجتهدوا بالرأي من غير استدلال بنص. وقال ابن أبي هريرة: نبينا ﷺ معصوم الاجتهاد من الخطأ دون غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنه لا نبي بعده يستدرك خطأه لإنختام النبوة به، وغيره من الأنبياء قد بعث بعده من يستدرك خطأه. وهذا لا وجه له؛ لأن جميع الأنبياء- ﵈ غير مقرين على الخطأ في وقت التنفيذ، ولا يهملون فيه على التراخي حتى يستدركه نبي بعد نبي، فاستوي فيه جميع الأنبياء. فأما أمور الدنيا فيجوز فيه على الأنبياء الخطأ والسهو؛ لأنه روي أن النبي ﷺ سمع ضجة بالمدينة، فقال: "ما هذا؟ " فقيل: إنهم يلقحون النخل، فقال: " لأي نفع ذلك، إنهم إن تركوه لم يضرهم" فبلغهم ذلك فتركوه، ففسد حمل النخل، فقال ﷺ : "ما كان من أمر دينكم قردوه إلى، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به". وأما جواز اجتهاد غير الأنبياء في زمان الأنبياء، كاجتهاد الصحابة في زمان الرسول ﷺ فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون المجتهد غائباً عن مدينة الرسول ﷺ لا يقدر على سؤاله في وقته فله حالتان: إحداهما: أن يكون له ولاية منه، كعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل- ﵄ حين بعثهما إلى اليمن، فيجوز اجتهادهما؛ لأن معاذاً قال: أجتهد رأيي، فاستصوبه وحمده، وسواء اجتهد في حق نفسه أو في حق غيره، ولا يلزمه إذا

стр. 5358

قدم على الرسول ﷺ أن يسأله [١٢٩/ب] فيما اجتهد فيه وإن كان سؤاله مستحباً، ويكون ما اجتهد فيه أثراً متبوعاً ما لم يرد عن الرسول ﷺ خلافه، كما اتبع معاذ في قوله: "أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فصدقته في مخلاف عشيرته" والمخلاف القربة. وإنما اختص المولى بذلك؛ لأن في الولاية إذناً بالاجتهاد فيما تضمنها. والثانية: أن لا يكون للمجتهد ولاية فله حالتان: إحديهما: أن يظفر بأصل من كتاب أو سنة فيجوز اجتهاده في الرجوع إلى الاستدلال بالظاهر منها، ولا يلزمه إذا قدم على الرسول ﷺ أن يسأله عما اجتهد فيه؛ لأنه قد اجتهد بأصل لازم. والثانية: أن يقدم أصلاً من كتاب أو سنة فلا يجوز أن يجتهد في حق غيره لعدم ولايته. أما اجتهاده في حق نفسه، فإن كان فيما يخاف فواته جاز اجتهاده فيه، وعليه إذا قدم على الرسول ﷺ أن يسأله عنه، وليس له أن يهاجر إليه من أجل السؤال، وإن كان مما يخاف فواته ففي جواز اجتهاده وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا يصح منه أن يشرع، وعليه أن يسأل ليعمل بما كلف. والثاني: يجوز أن يجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد، ويعمل باجتهاده لقوله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة السهلة البيضاء". فعلى هذا في جواز تقليده في اجتهاد وجهان: أحدهما: لا يجوز لغيرة ممن ليس من اهل الاجتهاد أن يقلده فيه لوجود ما هو أقوى منه، فعلى هذا لا يلزم المجتهد إذا قدم علىلرسول ﷺ أن يسأله عما اجتهد فيه [ولا يجوز أن يعمل به في المستقبل حتى يسأل إن حضر. والثاني: يجوز لغيره أن يقلده كما يجوز أن يقلد العالم وإن وجد من هو أعلم منه، فعلى هذا يلزم المجتهد إذا قدم على الرسول أن يسأله عما اجتهد فيه لئلا يصير مشرعاً بغير أصل]. والقسم الثاني: أن يكون المجتهد حاضراً في مدينة الرسول ﷺ وغائباً عن مجلسه، [١٣٠/أ] فإن رجع في اجتهاده إلى أصل من كتاب أو سنة صح وجاز أن يعمل به ويفتي؛ لأن العجلاني سأل بعض الصحابة بالمدينة عن قذف امرأته بمن سماه، فقال له: حد في جنبك إن لم تأت بأربعة شهداء، ثم سأل رسول الله ﷺ فأخبره بما قيل له، فتوقف حتى نزلت عليه آية اللعان، ولم ينكر على العجلاني سؤال غيره، ولا أنكر على من أجابه مع حضوره. وإن لم يرجع المجتهد إلى أصل من كتاب ولا سنة، فقد جوز بعض أصحابنا

стр. 5359

اجتهاده وقال بعضهم: لا يجوز اجتهاده. وقال صاحب "الحاوي": "الذي عندي أنه يصح اجتهاده في المعاملات دون العبادات؛ لأن العبادات تكليف يتوقف على الأوامر بها، والمعاملات تخفيف تعتبر النواهي عنها" والثالث: أن يكون المجتهد حاضراً في مجلس الرسول ﷺ فاجتهاده معتبر بأمر الرسول ﷺ ، فإن أمر الرسول ﷺ بالاجتهاد صح اجتهاده، كما حكم النبي ﷺ سعد بن معاذ- ﵁ في بني قريظة، فحكم بقتل من جرت عليه المواشي واسترقاق من لم تجر عليه، فقال ﷺ : "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة". وإن لم يأمره بالاجتهاد لم يصح اجتهاده إلا أن يعلم فيقره عليه، فيصير بإقراره عليه صحيحياً كما قال أبو بكر الصديق- ﵁ بحضرة الرسول ﷺ في سلب القاتل وقد أخذه غير قاتله: "لاها الله إذا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه"، فأقره على هذا القول فصح اجتهاده حين أقره عليه. وأما الفصل الثاني في وجود الاجتهاد: فهو ما لم يرد في الكتاب والسنة بيان حكمه، فقد قيل: إن الذي تضمنه كتاب الله تعالى من الأحكام [١٣٠/ب] يشتمل على نحو خمسمائة آية، والذي تضمنه السنة منها نحو خمسمائة حديث، ونوازل الأحكام أكثر من أن تحصى ولا تقف على هذا العدد، ولا يجوز أن تكون الأمة مضاعفة لا ترجع إلى أصل من كتاب ولا سنة توصلهم إلى العلم بأحكام النوازل، وقد قال الله تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وروى المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه". فدلت الآية في إكمال الدين، ودل الخبر في استيفاء الأوامر والنواهي على أن الأحكام المسكوت عنها أصلاً في الكتاب والسنة يتوصل بها إلى معرفة ما أغفل بيانه فيها، وهو الاجتهاد فيما تضمنها من الأمارات الدالة، واستخراج ما تضمنها من المعاني المستنبطة، ليكون الدين قد كمل والأحكام قد وضحت، فإن النصوص على الحوادث معدول عن استيعابه لأمرين: أحدهما: أنه شاق في الإحاطة بجمعية. والثاني: ليتفاضل العلماء في استنباطه. فصح لهذين المعنيين أن يكون الاجتهاد في الشرع أصلاً يستخرج به حكم ما لم يرد فيه نص ولا انعقد عليه إجماع. واعلم أنه مضى الاجتهاد في أعصار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولابد من إيضاح اجتهاد العلماء فيما بعدهم، وهو ينقسم ثمانية أقسام: أحدها: ما كان حكم الاجتهاد مستخرجاً من معنى النص كاستخراج علة الربا من البر، فهذا صحيح غير مدفوع عند جميع القائلين بالقياس.

стр. 5360

والثاني: ما كان مستخرجاً من شبه النص، كالعبد في ثبوت تملكه لتردد شبهه بالحر في أنه يملك؛ لأنه مكلف. وشبه بالبهيمة في أنه لا يملك لأنه مملوك، وهذا صحيح [١٣١/ أ] وليس بمدفوع عنه عند من قال بالقياس ومن لم يقل، غير أن من لم يقل بالقياس جعله داخلاً في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقاً بأحد الشبهين. والثالث: ما كان مستخرجاً من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم الأب والزوج والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يوصل إليه بالترجيح. والرابع: ما كان مستخرجاً من إجمال النص، كقوله تعالى في متعة الطلاق: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٧]،فصح الاجتهاد في قدر المتعة باعتبار حال الزوجين. والخامس: ما كان مستخرجاً من أحوال النص، كقوله تعالى في المتمتع: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فاحتمل صيام الثلاثة قبل عرفة وبعدها، واحتمل صيام السبعة إذا رجع في طريقه وإذا رجع في بلده، فصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين على الأخرى. والسادس: ما كان مستخرجاً من دلائل النص، كقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدين بأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى، أن لكل مسكين مدين. واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بأقل ما جاءت به السنة في كفارة الواطء أن لكل مسكين مداً. والسابع: ما كان مستخرجاً من أمارات النص كاستخراج دلائل القبلة، فيمن خفيت عليه من قوله تعالى: ﴿وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]، فصح الاجتهاد في القبلة بالأمارات الدالة عليها من مطالع النجوم. والثامن: ما كان مستخرجاً من غير نص ولا أصل، فقد اختلفت أصحابنا في صحة الاجتهاد عليه بغلبة الظن على وجهين: أحدهما: لا يصح حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع [١٣١/ ب] إلى غير أصل، وهذا ظاهر مذهب الشافعي ﵁، ولذلك أنكر القول بالاستحسان، لأنه تغليب ظن بغير أصل. والثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل فجاز أن يستغنى عن أصل. وقد اجتهد العلماء في التعزيز على ما دون الحدود بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في حال، وبثلاثين في حال، وليس لهم في هذه المقادير أصل مشروع. والفرق بين الاجتهاد بغلبة الظن وبين الاستحسان؛ أن الاستحسان يترك له القياس،

стр. 5361

والاجتهاد بغلبة الظن مستعمل مع عدم القياس. وأما الفصل الثالث فيما يجب بالاجتهاد: فالذي يجب على المجتهد أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند الله تعالى، وإصابة العين التي يجتهد فيها، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي، ويشبه أن يكون من مذهب المزني أن عليه أن يقصد باجتهاده طلب الحق عند نفسه؛ لأن ما عند الله لا يعلم إلا بالنصوص، وعلى كلا المذهبين عليه أن يتوصل باجتهاده إلى طلب الحق وإصابة العين، فيجتمع فيه بين هذين الشرطين. وقال بعض أهل العراق من الفقهاء والمتكلمين: إن الذي على المجتهد هو الاجتهاد ليعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، فيجعلون عليه الاجتهاد ولا يجعلون عليه طلب الحق بالاجتهاد، ويقال: إنه مذهب أبي يوسف. وأما أبو حنيفة ﵀ فقيل: مذهبه فيه مختلف، فيجعل عليه في بعض الأحكام طلب الحق بالاجتهاد كقولنا، ويجعل عليه في بعض الأحكام الاجتهاد ليعمل بما يؤدي إليه اجتهاده كقول أبي يوسف. وقد اختلطت مذاهب الناس في هذا حتى التبست واشتبهت. واستدل من أوجب عليه الاجتهاد دون طلب الحق بالاجتهاد [١٣٢/ أ] وهو مذهب من جعل عليه الاجتهاد بغير أصل، بأن ما أخفاه الله تعالى لا طريق لنا إلى إظهاره، وفي التزامه تكليف ما خرج عن القدرة كاختراع الأجسام وقلب الأعيان، وهذا غلط؛ لأن الاجتهاد واستدلال الحكم هو الحق المطلوب به، فلم يجز أن يختص الوجوب بالاستدلال دون الحكم المطلوب؛ لأن الاستدلال مقصود بمدلول عليه، وقد نصب الله تعالى على ما أخفاه أمارات توصل إليه فلم يخرج عن الاستطاعة. وأما الفصل الرابع في حكم الاجتهاد: فلا يخلو حال الحكم المجتهد فيه من أن يتفق عليه أقاويل المجتهدين أو تختلف. فإن اتفق صار إجماعاً تعين فيه الحق وسقط فيه الاجتهاد من بعده، كسقوط الاجتهاد مع نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع حجة ناطقة بعد الكتاب والسنة. وإن اختلفت أقاويل المجتهدين فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الاختلاف في أصول التوحيد وصفات الذات، فالحق فيها في واحد، وهو الذي كلف العباد طلبه وما عداه باطل، فمن أصابه فقد أصاب عند الله وأصاب الحق، ومن أخطأه فقد أخطأ عند الله وأخطأ في الحق. وقال عبيد الله العنبري: كل مجتهد مصيب في الأصول، وهذا خطأ فأحسن؛ لأن أصول التوحيد وصفات الذات لا تختلف فلا يجوز الاختلاف فيها، وأحكام الشرع قد تختلف بحسب المصالح في الأعيان والأزمان، فجاز أن يكون الاختلاف مسوغاً فيها. والضرب الثاني: الاختلاف في الأحكام الشرعية كاختلاف الصحابة- ﵃ في أحكام الصلاة، والزكاة، والصيام، ومقاسمة الإخوة للجد، فذهب الأكثرون إلى أن الحق في جميعها، وأ، كل مجتهد مصيب فيها عند الله تعالى، ومصيب في الحكم؛ [١٣٢/ب] لأن جواز اختلاف الجميع دليل على صحة الجميع، وهو قول أبي

стр. 5362

الحسن الأشعري والمعتزلة، وقالوا: ليس في الحادثة أشبه مطلوب. وقال أصحاب الأشعري بخراسان: لا يصح هذا المذهب عنه، والمشهور عند أهل العراق ما ذكرناه، ولأنه من أدى اجتهاده إلى حكم يلزمه العمل به ولا يحل له مخالفته، فدل على أنه الحق، ولو كان الحق واحداً لكان إليه طريق، وكان من عدل عنه مفرطاً مذموماً كمسائل الأصول. وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء إلى أن الحق في أحدها، وإن لم يتعين لنا فهو عند الله تعالى متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالاً وحراماً؛ لأن ما حل لشخص في حال لم يكن حراماً عليه في تلك الحالة فينافيه ويناقضه، ولأن الصحابة ومن بعدهم تناظروا، واحتج كل واحد على قوله وخطأ بعضهم بعضاً، ولهذا قال علي، وعثمان، وعبد الرحمن- ﵃ إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وهذا يقتضي أن كل واحد منهم يطلب إصابة الأشبه، ولأنهم فد اختلفوا في اجتهادهم في القبلة إلى أربع جهات لا يدل على أن القبلة في الجهات الأربع، وإن جاز لكل واحد منهم أن يصلي إلى الجهة التي يؤدي اجتهاده إليها كذلك هنا. وأما قولهم أنه لو كان كذلك لكان مفرطاً مذموماً. قلنا: يجوز أن يعذر في الخطأ لعموم طريقه، لقوله ﷺ : "وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر". وقال بعض المتكلمين: ليس عند الله تعالى شيء مطلوب، ولا يجب على المجتهد أ، ينظر في دليل ولا شيء يتوصل به إلى مطلوب، وإنما يعمل على غالب ظنه وما يقوي في نفسه، كما يعمل في المعاملات بغالب ظنه وبما يقوي في نفسه، وهذا خطأ فاحش؛ [١٣٣/أ] لقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فأخبر أنه خص سليمان ﵇ بالفهم، وعلى قولهم يكون داود وسليمان سواء. فإذا تقرر هذا فاعلم أن الفقهاء اختلفوا هل كل مجتهد فيها مصيب أم لا؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد وإن لم يتعين، وأن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد، فمن أصاب الحق فقد أصاب عند الله تعالى في الحكم، ومن أخطأ الحق فقد أخطأ عند الله تعالى وأخطأ في الحكم، وبه قال مالك وجماعة. وقال أبو يوسف وطائفة: كل مجتهد مصيب، وأن الحق في واحد، فمن أصابه فقد أصاب ما عند الله تعالى وأصاب الحكم، ومن أخطأ فقد أخطأ ما عند الله تعالى وأصاب في الحكم. وقال بعض أصحابنا المتأخرين: مذهب الشافعي- ﵁ هذا وغلطوا فيه، وإنما تعلقوا بقول الشافعي في مواضع: "أدى ما كلف"، فظنوا أنه أراد بذلك أنه أصاب ولم يرد هذا، بل أراد أنه في معنى من أدى ما كلف في أنه لا يأثم. وقال القاضي الطبري: نص في القديم والجديد على ما ذكر أولاً، ولا أعلم أحداً من أصحابه اختلف على مذهبه في ذلك، وإنما نسب إليه قوم من المتأخرين ممن لا معرفة لهم بمذهبه، وتشبثوا بألفاظ ليس فيها دليل عند من فهم من مذهبه، وإذا أردت

стр. 5363

أن تعرف ذلك فكل موضع رأيت فيه قوله: "أدى ما كلف" ونحو ذلك. فاقرأ الباب من أوله واقرأ ما قبله وبعده فإنك تجد للشافعي- ﵁ نصاً [١٣٣/ب] أن الحق في واحد وما عداه خطأ. وقال أبو إسحاق: يشبه أن تكون المسألة على قولين؛ لأن الشافعي ذكر قولين فيمن أخطأ القبلة بيقين هل تلزمه الإعادة أم لا؟ والأصح أن عليه الإعادة، ومن يقول كل مجتهد مصيب يقول: لا إعادة عليه، وكذلك قال: إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان عنياً، هل تلزمه الإعادة؟ فيه قولان. وهذه الطريقة اختيار أبي حامد، وهو الذي حكاه عن أبي إسحاق، والصحيح عن أبي إسحاق ما ذكرنا. واختلف القول عن أبي حنيفة رحمة الله، فقيل: إنه ذكر في بعض المسائل كقولنا، وفي بعضها كقول أبي يوسف. والدليل على صحة قولنا إن الحق لما كان في واحد لم يكن المصيب إلا واحداً ولو كان كل مجتهد مصيباً، وقد نسب الله تعالى نبيه داود ﵇ إلى الخطأ، وسليمان ﵇ إلى الإصابة يقول تعالى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] الآية، وأيضاً روي أن النبي ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" فنسبه إلى الخطأ وإن جعل له أجراً. فإن قيل: لو اختلفا في الإصابة لما شرك بينهما في الأجر. قلنا: ولو اتفقا في الإصابة لما فاضل بينهما في الأجر. فإن قيل: لما استجازوا أن يولوا من خالفهم في الاجتهاد دل على أن كل مجتهد مصيب. قيل: قد أ، كر علي- ﵁ على شريح القاضي حين خالفه في ابني عم أحدهما أخ لأم، وقال: "علي بالبعد الأبطر، وعزله عن القضاء"، على أ، نفوذ الاجتهاد عين الحكم، وقد يجوز أن يتفقا عليه [١٣٤/ أ] وقت الحكم. فإذا صح أن الواحد هو المصيب منهم، وإن كان غير متعين بالمصيب مأجور على الاجتهاد وعلى الصواب، والمخطئ غير مأجور على الخطأ، ولكن مذهب الشافعي أنه مأجور على الاجتهاد وإن أخطأ فيه لقصده الصواب وإن لم يظفر به، وإنما لا يؤجر على الخطأ: لأن الأجر للترغيب في الصواب ولا ترغيب في الخطأ. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يؤجر على قصده وإن كان الفعل خطأ، كما لو اشترى رقبة فأعتقها تقرباً إلى الله ، ثم وجدها حر الأصل فقد تلف ثمنها وهو مأجور، وإن لم يصح شراءه وعتقه لم يقع لما أتى به من القصد إلى فك رقبة والتقرب به إلى الله تعالى، وقد نص الشافعي على هذا. وأيضا فلا بد للمجتهد أ، يعدل باجتهاده عن طرق فاسدة يتضح له فسادها إلى طريق مشتبه يظن فيه الحق بعدوله عن تلك الطريق الفاسدة اجتهاده صحيح فأثيب على ذلك. قال أبو إسحاق وفيه وجه آخر أنه يؤجر على نيته وعلى نفس اجتهاده، ولا يؤجر على الحكم لخطئه فيه.

стр. 5364

فأما اجتهاده: فما بلغ منه فهو صواب وما بقى عليه من اجتهاده إلى بلوغ معرفة الحق فهو معذور في تخلفه عنه؛ لأن فهمه بلغ بعض طريقه ولم يبلغ به أقصى ما طلبه فهو فيما أتى به مأجور ومصيب فيه، ومنزلته منزلة الحاج الذي أمر بقطع المساقة ليبلغ به إلى بيت الله الحرام، فسلك بعض الطريق ثم ضعف عن باقية أ, تلفت راحلته، يؤجر [١٣٤/ب] على القدر الذي قصده. وعبر القفال عن هذا فقال: لا يستحق الأجر في قصده الخطأ الموضوع عنه، وإنما يستحق الأجر على إنشاء قصد الثواب. مثاله: أن يقوم ليخرج إلى مكة فأخطأ في نصف الطريق وعدل إلى طريق آخر، فثوابه من ابتداء قصده إلى موضع عدوله إلى الخطأ. قال: وهذا معنى قول الشافعي: "لا يؤجر على الخطأ إنما يؤجر على قصد الثواب". وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "نية المؤمن خير من عمله"، ولهذا ثلاث تأويلات: أحدها: أن نيته في الاجتهاد خير من خطئه في الاجتهاد. والثاني: يعني أن نيته خير من خيرات عمله. والثالث: أن النية أوسع من العمل؛ لأنها تسبق الأقوال والأفعال فيعجل الثواب عليها. وقال القاضي الطبري: ما قاله أبو إسحاق أولا أصح؛ لأن ذلك الاجتهاد خلاف الاجتهاد الذي يصيب به الحق فلا يؤجر عليه ولا على بعض أجزائه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: ثواب المخطئ على ماذا؟ فيه قولان. أحدهما: على الاجتهاد كرجلين سلكا الجامع من طريقين فأفضل أحدهما الطريق أثيب عليه وإن لم يصل إلى الجامع. والثاني: على القصد كرجلين رميا إلى كافر فأصابه أحدهما دون الآخر، يثاب المخطئ على القصد، وإطلاق القولين خطأ على المصيب. وقال الأصم وابن عليه: هو مأثوم على الاجتهاد لخطئه فيه. [١٣٥/أ] وقالت طائفة من أهل العراق: هو غير مأجور عليه ولا مأثوم فيه. وهذا خطأ للخبر الذي ذكرنا. وقال الإمام أبو القاسم الصميري: كل مجتهد مصيب في أنه أدى ما كلف من الاجتهاد وإن أخطأ الحكم الذي أراده الله تعالى إلا واحداً، وهذا لا يصح؛ لأنه كلف الاجتهاد المؤدي إلى الصواب، ولم يكلف الاجتهاد المؤدي إلى الخطأ. وأما الاستنباط وهو المقدمة الثانية من مقدمتي القياس، فهو من نتائج الاجتهاد، فكان فرعاً وأصلاً للقياس؛ لأن الوصول إلى استنباط المعاني بعد الاجتهاد في الدلائل، وصحة القياس يكون بعد استنباط المعاني، ولذلك صار الاستنباط فرعاً للاجتهاد وأصلاً للقياس. والاستنباط يختص باستخراج المعاني من ألفاظ النصوص

стр. 5365

مأخوذ من استنباط الماء إذا استخرج من حفرته. وقد جعل الله تعالى الأحكام أعلاماً من أسماء ومعاني: فأما الأسماء فهي ألفاظ ظاهرة تعرف بالبديهة. والمعاني: علل باطنة تعرف بالاستنباط، ويكون الحكم بالاسم مقصوراً عليه وبالمعنى متعدياً عنه، فصار معنى الاسم أخص بالحكم من الاسم لعموم المعنى بالتعدي وخصوص الاسم بالوقوف، ولئن كانت المعاني تابعة للأسماء؛ لأنها مستودعة فيها فالأسماء تابعة لمعانيها لتعديها إلى غيرها. فإن تورعنا في تعليق الأحكام كان ما يدل عليه في إثبات القياس كافياً، وإذا كان كذلك وجب أن يستنبط [١٣٥/ب] معاني الأحكام بالاجتهاد، ليعلم بالقياس حكم ما يرد فيه نص من معاني ما ورد فيه النص، فما وجد فيه معنى النص شاركه في حكمه قياساً، وما عدم فيه معنى النص خالفه في حكمه عكساً، فيكون القياس موجباً لحكم الإثبات في الطرد، وحكم النفي في العكس. ومن أصحابنا من جعله موجباً لحكم الطرد في الإثبات ولم يجعله موجباً لحكم العكس في النفي، وهو قول من اعتبر في صحة العلة الطرد دون العكس، وزاد قول من اعتبر صحتها بالطرد والعكس. والفرق بين المعاني والعلل أن المعنى ما وجب به الحكم في الأصل حتى تعدى إلى الفرع، والعلة اجتذاب حكم الأصل إلى الفرع، فصار المعنى ما ثبت به حكم الأصل، والعلة ما ثبت به حكم الفرع. ثم هما بعد هذا الفرق يجتمعان من وجهين ويفترقان من وجهين: فأما الاجتماع: أن حكم الأصل موجود في المعنى والعلة. والثاني: أن المعنى والعلة موجودان في الفرع والأصل. وأما الافتراق: فالعلة مستنبطة من المعنى وليس المعنى مستنبطاً من العلة لتقدم المعنى وحدوث العلة. والثاني: أن العلة قد تشتمل على معاني، والمعنى لا يشتمل على علل؛ لأن الطعم والجنس معنيان وهما علة الربا. وعبر بعض الفقهاء عن المعنى بالعلة، وعن العلة بالمعنى، ولم يذكر فرقاً بينهما، إما اتساعاً وإما استرسالاً، والتحقيق فيهما ما ذكرناه من الفرق. فإذا تقررت هذه الجملة وجب على المجتهد في استنباطه المعاني والعلل أربعة شروط يعتبر بها صحتها ثم تختص العلل دون المعاني بشرطين مختلفين فيهما. فأما [١٣٦/أ] أحد الأربعة: فأن يكون المعنى مؤثراً في الحكم، فإن لم يؤثر فيه لم يجز أن يكون معنى للحكم ولا علة له، فإن النبي ﷺ لم يرجم ماعزاً لاسمه ولا لهيئة جسمه ولكن للزنا، فصار الزنا علة الرجم، وكما أثبت الرسول ﷺ الربا في البر، لا أنه مزروع، ولكن لأنه كطعوم فكان الطعم علة الربا دون الزرع. والثاني: أن يسلم المعنى والعلة على الأصول ولا يرد فيهما نص ولا إجماع؛ لأن القياس فرع لهما يستعمل عند عدمهما فلم يجز أن يكون دافعاً لهما، فإذا رده أحدهما بطل.

стр. 5366

والثالث: أن لا يعارضهما من المعاني والعلل ما هو أقوى منهما، فإن الأقوى أحق بالحكم من القياس، وما أدى إلى إبطال الأقوى فهو الباطل بالأقوى. والرابع: أن يطرد المعنى والعلة فيوجد الحكم بوجودهما فيسلما من نقص أو كسر. فإن عارضهما نقص أو كسر فعدم الحكم مع وجودهما فسد المعنى وبطلت العلة؛ لأن فساد العلة يدفعها وفساد المعنى لا يدفعه؛ لأن المعنى لازم والعلة طارئة؛ لأن الكيل إذا بطل أ، يكون علة الربا في البر لم يبطل أن يكون الكيل باقياً في البر، فيصير التعليل باطلاً والمعنى باقياً. ولا يجوز تخصيص المعاني والعلل المستنبطة لتسلم من النقص المعترض أو يكون دخول النقص عليهما بارتفاع الحكم مع وجودهما دليلاً على فسادهما. فأما العلل المنصوص عليها فقد اختلف أصحابنا في جواز تخصيصها على وجهين: أحدهما: لا يجوز تخصيصها اعتباراً بالعلل المستنبطة. والثاني: يجوز تخصيصها؛ لأنها لفظ منطوق به، فجرت مجرى تخصيص العموم كما علل رسول الله ﷺ المنع من بيع الرطب بالتمر بأنه ينقص [١٣٦/ب] إذا يبس. وحكي عن أبي حنيفة أنه جوز تخصيص العلل المستنبطة من النصوص عليها، ولم يفسدها بمعارضة النقض لخروجها منها بالتخصيص، بدليل أنه لما جاز تخصيص العموم كان تخصيص العلل أولى؛ لأنها قد تستنبط من عموم مخصوص هي له فرع وهو لها أصل، وهذا لا يصح من وجهين: أحدهما: أنه لما كان سلامة الطرد معتبراًُ في العلل العقلية وجب أن يكون معتبراً في العلل الشرعية؛ لأن أحكام الشرع لا تخرج عن قضية العقل. والثاني: أن تكون العلة إذا عارضها نقص لم يكن التعليل بالمنتقض أولى بالتعليل من الناقص، فتعارضا بهذه المقابلة فوجب العدول عنها إلى ما لا تعارض فيه. وأما الشرطان المختلف فيهما في تصحيح العلل: أحدهما: عكس العلة هل يكون معتبراً في صحتها؟ وجهان: أحدهما: قال ابن أبي هريرة وجماعة: لا يعتبر، فإنه إذا ثبت الحكم بوجودها صحت وإن لم يرتفع بعجمها؛ لأن المقصود بها ثبات الحكم دون نفيه، وكما يصح المعنى إذا اطرد ولم ينعكس. والثاني: أن صحة العكس معتبر فيها؛ لأن علل الشرع معتبرة بعلل العقل في الطرد والعكس، ولأن عدم التأثير في ارتفاعها يدل على عدم التأثير في وجودها، والفرق بين المعنى والعلة في اعتبار العكس ما قدمناه من الفرق. والثاني: وقوف العلة على حكم النص وعدم تأثيرها فيما عداه كوقوف علة الربا في الذهب والفضة عليها تعليلاً بأنها أثمان. واختلف أصحابنا في أنها هل تكون علة لثبوت الربا، فقال أبو بكر القفال: أشار إليه في أصوله ولا تكون علة؛ لأن العلة ما جذب حكم الأصل إلى فروعه، ويجعل

стр. 5367

ثبوت الربا في الذهب والفضة بالاسم دون المعنى. وقال جمهور أصحابنا: [١٣٧/أ] إنها علة وإن لم تتعد عن حكم الأصل؛ لأن وقوفها يوجب نفي حكم الأصل عن غيره، كما أوجب تعديها ثبوت حكم الأصل في غيره، فصار وقوفها مؤثراً في النفي كما كان تعديها مؤثراً في الإثبات، فاستفيد بوقوفها وتعديها حكم غير الأصل، فعلى هذا يكون ثبوت الربا في الذهب والفضة بالمعنى دون الاسم، فصارت صحة المعاني معتبرة بأربعة شروط، وفي صحة العلل وجهان: أحدهما: تعتبر صحتها بأربعة شروط لما قدمناه من فرق ما بين المعاني والعلل. فإذا تقرر هذا وجب على المستنبط أن يعتبر بها حكم الأصل في الكشف عن معانيه، فإن لم يجد فيها ما يؤثر في الحكم، كأعداد الركعات ونصب الزكوات، علم أن معانيه غير معقولة، وأن الحكم فيها مقصوراً على الاسم ومعتبر بالاسم، وإن كان في معاني الأصل ما يكون مؤثراً في الحكم سير جميع معانيه ولم يقتصر على المعنى الأول؛ لجواز أن يكون بعده ما هو أقوى منه، ليكون حكم الأصل معتبراً بأقوى معانيه. ثم لا يخلو معاني الأصل من أن يكون الحكم متعلقاً بجميعها أو ببعضها، فإن تعلق بجميع معاني الأصل كالربا في الذهب والفضة فهي العلة الواقفة، وهل يكون ثبوت الحكم في الأصل بالمعنى أو الاسم، فعلى ما ذكرناه من الوجهين، وإن تعلق الحكم ببعض معانيه فهو على ضربين؛ أحدهما: أن يصح تعلق الحكم بأحد معانيه. والثاني: أن لا يصح. فإن صح تعليقه بأحدها فهو على ضربين: أحدهما: أن تتفق أحكامها في الفروع، فيوجب كل واحد منهما بوجوب غيره، فيكون المستنبط مخيراً في تعليق الحكم بأيها شاء، كما يجوز أ، يثبت حكم الأصل بأي دلائله شاء. [١٣٧/ب] والثاني: أن تختلف أحكام المعاني في الفروع، فيوجب كل واحد غير ما يوجب الآخر، كتعليل الربا في البر بأنه مقتات وبأنه مأكول، وبأنه مكيل، ولكل واحد من هذه المعاني فروع تجتذبها ليست في غيره، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون أحدهما داخلاً في الآخر، فيكون الحكم معتبراً بالمعنى للأعم دون الأخص في تعليل الربا في البر بأنه مقتات، وتعليله بأنه ماكول والقوت يدخل في المأكول، فكان تعليله بالأكل منه بالقوت لعموم الأكل وخصوص القوت. والثاني: أن لا يدخل أحدهما في الآخر، كالتعليل بالأكل والتعليل بالكيل، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون أحد المعنيين أكثر فروعاً من الآخر، فيكون أكثرها قروعاً أولى وتعليل الحكم به أحق لكثرة بيانه بكثرة فروعة. والثاني: أن تتقارب فروعهما، فهو على ضربين: أحدهما: أن تكون شواهد أكثر الأصول مع أحدهما، وشواهد أقلها مع الآخر فيكون أكثرها شواهد أولى، وتعليل الحكم به أحق لقوته بكثرة شواهده.

стр. 5368

والثاني: (أن) تتساوى شواهد الأصول لكل واحد منهما ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فيتعلق حكم الأصل بكل واحد من المعنيين، ويكون اجتماعهما معاً علة في فروع الأصل، لقوة العلة باجتماعهما واستيعابهما لفروعهما. وأما إذا لم يصح تعليق حكم الأصل بأحد معانيه لدخول الكثير عليه، وجب أن يضم إليه معنى آخر منمعاني الأصل، فيجمع فيه بين معنيين، فإن سلما بالاجتماع من كسر يدخل عليهما صارا جميعاً معنى الحكم في الأصل، وعلة الحكم في الفرع، وإن لم يسلم المعنيان من كسر ضممت إليهما معنى ثالثاً، فإن سلمت صار جميعها معنى الحكم في الأصل وعلة الحكم في الفرع، وإن لم تسلم المعاني الثلاثة [١٣٨/ أ] من كسر ضممت إليها رابعاً وخامساً، كذلك أبداً حتى يجمع بين معاني الأصل، فيتبين باجتماع معانيها وقد قل حكمه وعدم تعديه. ومنع أبو حنيفة تعليق الحكم بما لم يتعد معانيه وأبطل به العلة الواقفة. وخص بعض أصحابنا معاني العلة، ومنع من تعليق الحكم بأكثر من أربعة أصناف. ولو تعارض التعليل بمعنيين أحدهما منصوص عليه والآخر مستنبط، كان معنى النص أولى من معنى الاستنباط، كما يكون الحكم بالنص أولى من الحكم بالاجتهاد، وذلك مثل تعليل مال الفيء بقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وتعليل تحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١] الآية. وكما علل النبي ﷺ بيع التمر بالرطب بقوله: "أينقص الرطب إذا يبس .... " الخبر، فهذا التعليل كله عن نص الشافعي ﵁ لا يجوز أن يدفع بعل مستنبطة. إذا ثبت ما ذكرنا من مقدمتي القياس، فالقياس موضوع لطلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها، ليلحق كل فرع بأصله حتى يشركه في حكمه لاشتراكهما في المعنى والجمع بينهما بالعلة، فصار القياس إلحاق الفرع بالأصل بالعلة الجامعة بينهما في الحكم. واسم القياس مأخوذ في اللغة من المماثلة، يقال: هذا قياس هذا أي مثله؛ لأن القياس هو الجمع بين المتماثلين في الحكم. وقيل: إنه مأخوذ من الإصابة، يقال: قسست الشيء إذا أصبته؛ لأن القياس يصيب به الحكم. والقياس: أصل من أصول الشرع وحجة [١٣٨/ب] يستخرج بها أحكام الفروع المسكوت عنها، يجب العمل به عند عدم النصوص في الإجماع، واختلفوا في طريق إثباته، فقال الأكثرون: هو دليل بالشرع. وقال بعضهم: هو دليل بالعقل وهو ضعيف. وقال النظام، وداود، والقاساني، والمغربي، والنهرواني، والشيعة: لا يجوز أن يعمل به في الشرع، ولا القول به، ولا يستدل به على حكم في فرع، والأحكام متعلقة بالأسماء دون المعاني. وعندنا يتعلق الحكم بمعانيها إذا عقلت، وبالأسماء إذا جهلت ويكون اختلافهما

стр. 5369

على ما ورد الشرع بها. واختلفوا في طريق نفيه، فقال بعضهم: منفي بالعقل وحده. وقال بعضهم: منفي بالشرع وحده. وحكي عن داود أنه قال: لم يرد الشرع به، ولو ورد به لجاز أن يكون دليلاً فيه. وقيل: إنه قال: العقل لا يوجبه والشرع لم يوجبه، وهذا كله غلط، وهذا الخلاف خلاف حادث بعد أن تقدم الإجماع بإثباته من الصحابة والتابعين قولاً وعملاً. أما العمل: فإنهم اختلفوا في مسائل، مثل قوله: أنتعلي حرام، ومقاسمة الجد الإخوة، وذهب كل واحد منهم مذهباً، ولا يجوز أن يكونوا قالوا ذلك توقيقاً؛ لأن أحداً منهم ما أظهر فيه توقيفاً، فثبت أنهم قالوه اجتهاداً وقياساً. وأما القول: قال أبو بكر الصديق ﵁ في الكلالة: أقول فيها برأيي. وعن عمر- ﵁ مثل ذلك. وقال ابن مسعود ﵁ في مسألة المفوضة أقول برأيي، فإن أصبت فمن الله تعالى، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان [١٣٩/أ] والله ورسوله منه بريئان، وغير هذا من الألفاظ في مسائل كثيرة، ما تدل على الاجتهاد والقياس، فدل ذلك على صحة ما قلناه. وأيضا قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وفي الاعتبار وجهان: أحدهما: أنه مأخوذ من العبور، وهو أن يجاوز المذكور إلى غير المذكور، وهذا هو القياس. والثاني: مأخوذ من العبرة، وهو اعتبار الشيء بمثله، ومنه عبرة الخراج، أن يقاس خراج عام بخراج عام غيره في المماثلة. وفي كلا الوجهين دليل على القياس؛ لأنه أمر أن يستدل بالشيء على نظيره، وبالشاهد على الغائب. وأيضا قال تعالى: ﴿وضَرَبَ لَنَا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] الآية، فجعل خلق الأحياء دليلاً على خلق الموتى، وهذا دليل مستمر في قضايا العقول، ولولا القياس لما صار دليلاً. وأيضاً قال الله تعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وأولوا الأمر هم العلماء، والاستنباط هو القياس، فصارت هذه الآية كالنص في إثباته. وروي في خبر معاذ- ﵁ أنه قال: "أجتهد رأيي" وهذا دليل على جواز الاجتهاد عند عدم النص، وأن ليس كل الأحكام مأخوذة عن نص، فصار القياس أصلاً بالنص. وروي أنه صلى الله ﵇ قال في خبر عمر ﵁: "أرأيت لو تمضمضت" وهذا قياس. وأيضاً لما استقر في العقل أن يستدل بالشاهد على الغائب، ويجمع بين المتماثلين في الشبه، ويسوي بين المتفقين [١٣٩/ب] في المعنى، وجب أن يكون في قضايا السمع استدلال بالشاهد على الغائب، والجمع بين المتماثلين في الشبه والمتفقين في المعنى استدلالاً بالعقل والسمع. أما العقل فشواهده واضحة.

стр. 5370

وأما السمع فقد يستقر بالشاهد على الغائب في القبلة بقوله تعالى: ﴿وحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وفي الجمع بين المشتبهين في المماثلة وجزاء الصيد بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وفي التسوية بين المتفقين في المعنى لاعتبار الرق في حد العبد بالزنا بحد الأمة بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية. فإن قيل: أحكام العقل متفقة وأحكام السمع مختلفة فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر. قلنا: نحن نقيس على أحكام السمع ما وافقها كما نقيس على أحكام العقل ما وافقها، فصار كل واحد منهما أصلاً لفروعه في المماثلة. فإذا تقرر هذا فالقياس قياسان؛ قياس معنى وقياس شبه. والفرق أن قياس المعنى ما لم يكن لفرعه إلا أصل واحد أخذ حكمه من معناه. وقياس ما تجاذبته أصول فليحق بأقواها شبهاً به، فصار قياس المعنى أقوى من قياس الشبه على الوجهين. ثم قياس المعنى ينقسم قسمين؛ خفي وجلي. فأما الجلي فيكون معناه في الفرع زائداً على معنى الأصل. والخفي يكون معناه في الفرع مساوياً لمعنى الأصل. والقياس الجلي على ثلاثة أضرب: أحدها: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير [١٤٠/أ] استدلال، ولا يجوز أن يرد التعبد فيه بخلاف أصله، وذلك مصل قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فدل تحريم التأفيف ببديهة النص على تحريم الضرب والشتم لما فيه من إهانة الأبوين والأذى. ويجوز أن يحرم التأفيف ويبيح الضرب والشتم، فصار تحريم الضرب والشتم مأخوذاً من تحريم التأفيف قياساً، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] الآية. فلا يجوز أن يجازي على قليل الطاعة ولا يجازى على كثيرها، ويعاقب على قليل المعصية ولا يعاقب على كثيرها. وقال القفال الشاشي: حكم ذرة ونصف ذرة بمنزلة، وإنما قال هذا حتى لا يقول مهوس الكثير ذرات والاسم متناول لها، ومثله قوله: ﴿ومِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] الآية، فالأمين على القنطار هو على الدينار آمن والخائن في الدينار هو في القنطار أخون. ومثله قوله تعالى: ﴿وإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]. وقال بعض مشايخنا: لا يسمى هذا قياساً؛ لأن العرب وضعت هذه اللفظة للتنبيه على ما زاد عليه، فيكون النهي عن الضرب والشتم باللفظ دون المعنى، وسماه بعضهم مفهوم الخطاب، وقيل: هو فحوي الخطاب، قالوا: والقياس ما خفي حكم المسكوت عنه بالاستدلال من المنصوص عليه، فما خرج عن الخفاء لم يحتج إلى الاستدلال فليس بقياس. وقال نفاة القياس: مثل هذا لا يكون قياساً، [١٤٠/ب] بل هو نص. وقيل: إنه تنبيه وهذا غلط؛ لأن النص ما عرف حكمه من اسمه. والقياس ما عرف حكمه من اسم غيره وقد وجد هنا؛ لأن اسم التأفيف لا ينطلق على الضرب كما لا

стр. 5371

ينطلق الضرب على التأفيف، فصار تحريم الضرب مأخوذاً من معنى التأفيف لا من اسمه، فإن امتنعوا أن يسموه قياساً فقد سلموا معناه وخالفوا في اسمه، والمخالفة في الاسم ساقطة مع تسليم المعنى. وأيضاً فالمعاني تتنوع إلى جلي تسبق بديهته إلى الفهم من غير استدلال، وإلى خفي لا يفهم إلا بالفكر والاستدلال، كالأسماء تتنوع إلى واضح تعرفه الخاصة والعامة، وإلى غامض تعرفه الخاصة دون العامة، كنهية ﷺ أن يصلي الرجل وهو زناء، وقوله ﷺ "لا جلب، ولا جنب، ولا خلاط، ولا وراط". ونهى ﷺ عن الملاقيح والمضامين. ثم اختلاف الأسماء وفي الوضوح والغموض لا يمنع أن تكون كلها نصوصاً، وكذلك اختلاف المعاني في الجلاء والخفاء لا يمنع أن تكون كلها قياساً. واعلم أن هذا الوجه من القياس أقرب وجوه القياس إلى النصوص لدخول فرعها في النصوص، ولا خلاف بين أصحابنا في جواز تخصيص العموم به، وهل يجوز به النسخ أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو قول الأكثرين: لا يجوز؛ لأن القياس فرع للنص الذي هو أقوى، فلا يجوز أن يكون ناسخاً له. والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة يجوز؛ لأنه لما جاز [١٤١/أ] أن يرد التعبد في فرعه بخلاف أصله، صار الفرع كالنص فجاز به النسخ. فإن كان أصله نصاً في القرآن جاز أن ينسخ به القرآن دون السنة، وإن كان أصله نصاً في السنة جاز أن ينسخ به السنة دون القرآن. ومن هذا اختلف أصحابنا في قوله تعالى: ﴿إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، مع قوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية، أن نسخ مصابرة عشرين مائتين بمصابرة عشرين أربعين، علم بالقياس بظاهر الكلمة، فمنهم من قال: علم بالقياس؛ لأن الله تعالى لم ينص على حكم العشرين، وإنما قسناه على نسخ ظاهر الكلمة، ومنهم من قال: علم بظاهر الكلمة. والضرب الثاني: ما عرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال بالإجماع، ولكن يجوز أن يرد التعبد فيه بخلاف أصله، مثل نهي رسول الله ﷺ عن الأضحية بالعوراء، والعرجاء، فكانت العمياء قياساً على العوراء والقطعاء قياساً على العرجاء، لأن نقصها أكثر والنص للنقص وإن جاز أن يرد التعبد بإباحة العمياء والقطعاء مع تحريم النص وأباح ما عداه، فحرم التضحية بالعوراء والعرجاء وأباح التضحية بالعمياء والقطعاء، وأثبت بعضهم تحريم جميعه بالتنبيه دون النص، فهذا الضرب من القياس يجوز تخصيص العموم بمثله، ولا يجوز به النسخ بالاتفاق لجواز ورود التعبد في الفرع بخلاف أصله. ومن هذا الجنس قوله ﷺ [١٤١/ب] " لا يقضي القاضي وهو غضبان" وقد أجمعوا

стр. 5372

على أن منعه لأنه يزعجه ويغير طبعه، فكان النعاس الغالب، والجوع الشديد والشبع المثقل، والحزن المفرط قياساً عليه لوجود معناه فيه. ومثله قوله ﷺ في الفأرة إذا ماتت في السمن: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فأريقوه". وأجمعوا على أنه لنجاسة الفأرة. وقال ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه" فكان التغويط مثله. وقال ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات" فكان إذا بال الكلب فيه مثله. فإن قيل: لا نعلم كل هذا قياساً، وإنما علمناه إجماعاً. قلنا: المجمعون إنما قالوا ذلك من طريق القياس دون غيره، ولو كان هناك سبب جمعهم عليه لعرفناه ولنقل إلينا كما نقل إجماعهم. والضرب الثالث: ما عرف معناه من ظاهر النص باستدلال ظاهر يعرف بمبادئ النظر، وذلك مثل قوله وتعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ولم يكن المعنى إلا نقص الرق بالعبد قياس عليه بهذا المعنى، كقوله ﷺ : "من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه الباقي" فكانت الأمة قياساً. وكقوله تعالى في يوم الجمعة: "وذروا البيع" [الجمعة: ٩]، فعقد النكاح قياس على البيع، فهذا الضرب لا يجوز النسخ به ويجوز تخصيص العموم به عند أكثر أصحابنا. وقال بعضهم: لا يجوز تخصيص العموم به لخروجه عن الجلاء بالاستدلال، وهكذا غلط، لأنه قد صار بجلاء الاستدلال كالجلي بغير استدلال. وهذه الضروب الثلاثة [١٤٢/ أ] من القياس يجوز أن ينعقد بها الإجماع وينقض بها حكم من خالفها من الحكام. وأما القياس الخفي: فهو ما خفي معناه فلم يعرف إلا بالاستدلال، ويكو معناه في الفرع مساوياً لمعنى الأصل، وهو على ثلاثة أضرب: أحدهما: ما كان معناه لائحاً. والثاني: ما كان غامضاً. والثالث: ما كان مشتبهاً. فأما الأول: فيعرف باستدلال متفق عليه مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] الآية، فكان عمات الآباء والأمهات في التحريم قياساً على الخالات لاشتراكهن في الرحم. وكقوله تعالى في نفقة الولد في صغره: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فكانت نفقة الوالد عند عجزه في كبره قياساً على نفقة الولد لعجزة في صغره، والمعنى في هذا الضرب لائح لتردده بين الجلي والخفي، وهو من ضروب الخفي بمنزلة الأول من ضروب الجلي، ويجوز أن ينعقد الإجماع بمثله وينقض به حكم الحاكم إذا خالفه، وهل يجوز تخصيص العموم به؟ فيه وجهان. وأما الثاني: فهو ما كان معناه غامضاً للاستدلال المختلف فيه فتقابلت معانيه حتى غمضت، مثاله: تعليل الربا في البر المنصوص عليه، فيقابل فيه التعليل بالأكل ليقاس

стр. 5373

عليه كل مأكول، والتعليل بالقوت ليقاس عليه كل مقتات، والتعليل بالكيل ليقاس عليه كل مكيل. ومثل هذا الضرب لا ينقض به حكم الحاكم ولا يخص به العموم. وأما الثالث: وهو ما كان مستبهماً احتاج نصه ومعناه إلى استدلال كالذي قضي به الرسول ﷺ أن الخراج بالضمان يعرف بالاستدلال، أن الخراج هو المنفعة والضمان هو ضمان البيع، ثم عرف معنى المنفعة بالاستدلال، فتقابلت المعاني بالاختلاف فيها، فمن علل [١٤٢/ ب] لها بأنها آثار فلم يجعل المشتري إذا رد بالعيب مالكاً للأعيان من الثمار والنتاج، ومن علل لها بأنها ما خالفت أجناس أصولها، فجعله مالكاً للثمار دون النتاج، وعللها الشافعي بأنها إنما يجعله مالكاً لكل نماء من ثمار ونتاج، فمثل هذا الضرب ينعقد الإجماع في حكم أصله، ولا يتعقد في معناه ولا ينقض بقياسه حكم، ولا يخص به عموم وهو مما تقدمه وإن قاربه في حكمه. وأما قياس الشبه: فهو ما تجاذبته الأصول، فأخذ من كل أصل شبهاً، وأخذ كل أصل منه شبهاً، وهو نوعان: قياس تحقيق يكون الشبه في أحكامه. وقياس تقريب يكون الشبه في أوصافه، وقياس التحقيق مقابل لقياس المعنى الجلي وإن ضعف عنه. وقياس التقريب مقابل لقياس المعنى الخفي وإن ضعف عنه. وأما قياس التحقيق فثلاثة أضرب: أحدهما: أن يتردد حكم الفرع بين أصلين ينتقص برده إلى أحدهما ولا ينتقص برده إلى الآخر قرده إلى الأصل الذي لا ينتقص برده إليه وإن كان أقبل شبهاً دون الآخر. وإن كان أكثر شبهاً كالعبد هل يتردد بين الحر والبهيمة، فلما انتقص برده إلى الميراث حين لم يملك به وجب رده إلى البهيمة لسلامته من النقص، وإن كان شبهه بالأحرار أكثر. والثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين يسلم من النقص في رده إلى كل واحد منها وهو بأحد الأصلين أكثر شبهاً مثل أن يشبه أحدهما من وجه والآخر من وجهين أو أحدهما في وجهين والآخر من ثلاثة أوجه يرد إلى الأكثر مثاله: في الجناية على طرف العبد يتردد بتردده إلى الحر في تقدير الجناية على أطرافه وبتردده على البهيمة في وجوب ما نقص من قيمته وهو يشبه البهيمة في أنه مملوك وموروث ويشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مكلف يجب في قتله القود والكفارة فوجب رده إلى الحر [١٤٣/ أ] في تقدير أرش طرفة دون البهيمة لكثرة شبه بالحر. والثالث: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، ويوجد في الفرع بعض كل واحد من الصفتين ولا يكمل فيه إحدى الصفتين، لكن يوجد فيه الأكثر من إحدى الصفتين والأقل من الأخرى، فيجب رده إلى الأصل الذي فيه أكثر صفاته. مثاله: ثبوت الربا في السقمونيا لما تردد بين الخشب في الإباحة، لأنه ليس بغذاء وبين الطعام في التحريم، لأنه مأكول فكان رده إلى الغذاء في التحريم وإن لم يكن غذاء، وفي رده إلى الخشب في الإباحة وإن لم يكن غذاء، لأن الأكل أغلب بصفاته.

стр. 5374

وأما قياس التقريب فثلاثة أضرب: أحدهما: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، وقد جمع الفرع معنى الأصل فيترجح في الفرع اغلب الصفتين. مثاله في المعقول: أن يكون أحد الأصلين معلولا بالبياض والآخر معلولا بالسواد، ويكون الفرع جامعاً بين السواد والبياض فيعتبر حاله، فإن كان بياضه أكثر من سواده رد إلى الأصل المعلول بالبياض، ولم يكن للسواد فيه تأثير، وإن كان سواده أكثر من بياضه رد إلى الأصل المعلول بالسواد دون البياض، ولم يكن للبياض فيه تأثير. مثاله في الشرع: الشهادات أمر الله تعالى فيها بقبول العدل ورد الفاسق، وقد علم أن أحداً غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بمحض الطاعة حتى لا يشوبها بمعصية من الصغائر، فوجب اعتبار الأغلب من حاليه كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ٩]، [١٤٣/ ب] فإن كانت الطاعات أغلب عليه حكم بعدالته، ولا تأثير لما فيه من معصية، وإن كانت المعاصي أغلب عليه حكم بفسقه، ولا تأثير لما فيه من طاعة. وقال أبو حنيفة: هذا الضرب لا يكون قياساً، لأن ما استخرج علة فرعه من أصله، وهذا قد استخرج علة أصله من فرعه. ولأن القياس إنما يصح إذا كان معنى الأصل موجوداً بكماله في الفرع، فإذا وجد بعض أوصافه لا يصح إلحاقه به، وهذا لا يصح، لأن صفة العلة مستخرجة من الفرع وحكم العلة مستخرج من الأصل، والجمع بينهما موضوع بحكم العلة دون صفتها. ومثال هذا: ما نقول في الماء المطلق إذا خالطه مائع طاهر كماء الورد فلم يغيره نظر، فإن كان الماء أكثر حكم له بالتطهير وإن كان فيه ما ليس بمطهر، فإن كان ماء الورد أكثر حكم به غير مطهر، وإن كان فيه ما هو مطهر، ولأن الحادثة إذا أشبهت كل واحد من الأصلين في بعض الأوصاف فلا بد من تعرف حكمها، ولا نصفيها يحتاج أن يلحق بأصله، ولا يجوز إلحاقها بغير هذين الأصلين، لأنه لا يجوز إلحاقها بما لا يشبهها، ولا يمكن إلحاقها بهما لتضادهما فكان إلحاقها بأكثرها شبهاً أولى. وقال القاضي الطبري: هذا النوع من القياس ضعيف، لأنه مقيس على ما يلحق به من غير علة وذلك لا يجوز، ولا الوصف الذي أشبه الأصل فيه من أن تكون علة الأصل وليس بعلة، فإن علته فهو قياس العلة لا قياس الشبه، وإن لم تكن علته فلا يصح القياس عليه بغير علته. قال: ومعنى هذا [١٤٤/ أ] عندي إذا تردد فرع بين أصلين وقاس كل واحد من الخصمين على أصله فعله ظاهرها الصحة إلى الترجيح، فيغلب أحد الأوصاف بكثر الشبه، فيكون ذلك على سبيل الترجيح. والثاني: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين والصفتان معدومتان في الفرع، وصفة الفرع تقارب إحدى الصفتين وإن خالفتها. مثاله في المعقول: أن يكون أحد الأصلين معلولا بالبياض والأصل الآخر معلولا بالسواد، والفرع أخضر لا أسود ولا

стр. 5375

أبيض، فيرد إلى أقرب الأصلين شبها بصفته، والخضرة أقرب إلى السواد فيلحق به. ومثاله في الشرع: قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة:٩٥]. وليس المثل من النعم مشبهاً للصيد في جميع أوصافه، ولا منافياً له في جميع أوصافه، فاعتبر في الجزاء أقرب الشبه بالصيد. وقال أبو حنيفة: مثل هذا لا يكون قياساً، لأن القياس ما وجدت أوصاف أصله في فرعه، وأوصاف الأصل في هذا غير موجودة في الفرع فصار قياساً بغير علة، ولهذا لا يصح، لأن الحادثة لا بد من حكم، والحكم لا بد له من دليل، فإذا لم يكن في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع دليل عليها لم يبق لها أصل غير القياس، فكان أقرب بها شبهاً بأصل القياس هو علة القياس له، وقد جعله بعض أصحابنا اجتهاداً محضاً ولم يجعله قياساً، وهذا الاجتهاد لا بد له من أصل يعتبر فيه شبه الأصل فصار قياساً. والثالث: أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، والفرع جامع لصفتي الأصلين وأحد الأصلين [١٤٤/ ب] من جنس الفرع دون الآخر. مثاله: أن يكون الفرع من الطهارة وأحد الأصلين من الصلاة والثاني من الطهارة، فيكون رده إلى أصل الطهارة لمجانسته أولى من رده إلى أصل الصلاة. واعلم أن هنا أصلاً رابعاً اختلف أصحابنا في جواز وجوده، وهو أن يتردد الفرع بين أصلين فيه شبه كل واحد من الأصلين، ولا يترجح أحدهما على الآخر بشيء، فمنع كثير من أصحابنا في وجوده، وأحال تكافئ الأدلة، لأنه لا يجوز أن يتعبد الله تعالى عبادة بما لم يجعل لهم طريقاً يوصلهم إلى عمله، ولكن ربما خفي على المستدل لقصوره في الاجتهاد، فإن أعوزه الترجيح بين الأصلين عدل إلى التماس حكمه من غير القياس. وذهب الأكثرون إلى جواز وجوده، لأنه لما جاز أن يكون من الأدلة غامضة لما علمه فيها من المصلحة جاز أن يكون فيها متكافئة لما يراه من المصلحة، وليس يخلو أن يكون لها حكم مع التكافيء. فعلى هذا اختلفوا في حكم ما تكافأت فيه الأدلة، وتردد بين أصلين حاظرا ومبيح على وجهين: أحدهما: المجتهد بالخيار في رده إلى أي الأصلين شاء، لأن الله تعالى لو لم يرد كل واحد مهما لنصب على مراده منهما دليلاً. والثاني: يرده إلى أغلظ الأصلين حكماً، وهو الحظر دون الإباحة احتياطاً، لأن أصل التكليف موضوع على التغليظ. فصارت أقسام القياس على ما شرحناه اثني عشر فسماً، ستة منها مخنصة بقياس المعنى، منها ثلاثة أقسام في الجلي وثلاثة في الخفي، وستة أقسام مختصة بقياس الشبه، منها ثلاثة في قياس التحقيق، [١٤٥/ أ] وثلاثة في قياس التقريب. فإذا تقرر هذا فالذي ثبت بالقياس في الشرع هو الأحكام المستنبطة من النصوص. فأما الأسماء والحدود والمقادير، هل يجوز استخراجها بالقياس؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز إذا تعلق بالأسماء أحكام كتسمية النبيذ خمراً لوجود معنى الخمر

стр. 5376

فيه، ويجوز أن يثبت حد الخمر ثمانين قياساً على حد القذف، كما قال على ﵁: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وحد المفتري ثمانون ويجوز أن تثبت المقادير قياساً كما قدرنا أقل الحيض وأكثره وأقل السفر وأكثره، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، لأن جميعها أحكام. والثاني: لا يجوز، لأن الأسماء مأخوذة من اللغة دون الشرع، ومعاني الحدود غير معقولة، والمقادير مشروعة. وإنما صير إلى هذه الأمور المقدرة إلى القول والثاني النظر، الفكر بالقلب والعقل والجدل، وهو الاحتجاج باللسان، وفي الفرق بين الدليل والحجة وجهان؟ أحدهما: الدليل ما دلك على مطلوبك والحجة ما منعت منت ذلك. والثاني: الدليل ما دلك على صوابك والحجة ما دفعت قول مخالفك. وفي الفرق بين النص والظاهر وجهان: أحدهما: النص ما كان لفظ دليله، والظاهر ما سبق مراده إلى لفظ سامعيه. والثاني: النص ما لم يتوجه إليه احتمال، والظاهر ما سبق إليه احتمال. وفي الفرق بين الفحوى ولحن القول وجهان: أحدهما: الفحوى ما نبه عليه اللفظ، ولحن القول ما لاح في أثناء اللفظ. والثاني: الفحوى ما دل على ما هو أقوى منه، ولحن القول ما دل على مثله، والله أعلم بالصواب [١٤٥/ ب]. مسألة: قال: "وإن لم يكن في عقله ما إذا عقل القياس عقله، وإذا سمع الاختلاف ميزة، فلا ينبغي له أن يقضي ولا لأحد أن يستقضيه". جملة هذا أن الشافعي ﵁ ذكر الشرائط المعتبرة فيمن يلي القضاء، وهي ثلاث شرائط، إحداهما: أن يكون من أهل الاجتهاد. والثانية: أن يكون عدلاً. والثالثة: أن يكون كاملاً. فأما كونه من أهل الاجتهاد فهو أن يكون عالماً بكتاب الله تعالى، ولا نقول يجب عليه أن يحفظ القرآن، بل يجب أن يعرف الأحكام فيعرف العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، ويعرف السنن التي تتعلق بالأحكام، ويعرف الإجماع والاختلاف على ذكرنا بالشرح فيمن يستشيره القاضي، ولا يجوز أن يكون القاضي عامياً، وبه قال أحمد. واختلف أصحاب أبو حنيفة، فقال بعضهم وهو الأظهر: يجوز أن يكون القاضي عامياً يحكم بالتقليد، لأن الغرض فيه فصل الخصومات ورد المظالم، ويمكن ذلك بالتقليد كما تقلده المقوم ويحكم بالقيمة. وقال بعضهم: مذهبه نحو مذهبنا. والدليل على صحة ما ذكرنا أن الحكم أكد من الفتيات، فإذا لم يجز أن يفتي بالتقليد فلأنه لا

стр. 5377

يجوز الحكم أولى، وهذا لأن الحرية شرط في القضاء وإن لم تكن شرطاً في الفتيا. فإن قيل: أليس يجوز أن يخبر بكل ما سمع؟ قيل: هذا خطأ، لأنه لا يجوز أن يكون مفتياً بكل ما سمعه، وإنما يجوز أن يخبر عن رجل بعينه من أهل الاجتهاد، فيكون مقولاً بخبره لا بفتواه، ويخاف قول المقوم لأن ذلك لا يمكن الحاكم أن يعرف القيمة بنفسه بخلاف الحكم. فإن قيل: هذا الذي ذكرتم من الشرائط يمنع القضاء والاستشارة، لأنه لا تكاد توجد [١٤٦/ أ] هذه الأوصاف. قيل: قيد بينا أنه يعتبر معرفة حمل هذه العلوم دون التبحر في كلها، ويعرف من لسان العرب ما يفهم به عن الله تعالى، وعن رسوله ﷺ ، ويعرف في القياس ما يميز به بين القياس الصحيح وبين الفاسد، وبين الجلي والخفي، وقياس العلة وقياس الشبه، وهذا كله يجمعه فقهاءنا في هذا الزمان، وفيما قبله ولله الحمد. ولهذا قال الشافعي ﵁: "وعمل الناس بخلافه فإنهم لا يولون إلا فقيهاً في الجملة"، إلا أن الناس اليوم تسمحوا بالعلم بالقضاء وجعلوه في العامة الذين لا يعرفون من ذلك شيئاً، وإنما أحسن أحوالهم أن يقلدوا من يعتقد مذهب السلف الذين ينتمون إليه ويعتقدون مذهبه، وإذا اختلف الفتاوى عليهم لم يقدروا على التمييز عنها، فدافعوا بالخصوم حتى يصطلحوا أو يقضوا بينهم بما وافق. هداهم الله وهو المستعان، ومن كان هكذا فهو القاضي الذي توعده رسول الله ﷺ بالنار، فقال في الحديث الصحيح: "القضاة ثلاثة ... " الخبر، فجعل الجاهل بمنزلة العالم إذا جار وجعلهما جميعاً من أهل النار، فمن عرف هذا الحديث ثم ولى القضاء مع الجهل فما له حظ في الدين. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" فدل على أن طريق الحكم هو الاجتهاد دون التقليد. وأما العدالة: فما يعتبر في الشاهد يعتبر فيه. وقال الأصم: يجوز أن يكون الفاسق أميراً، لقوله ﷺ : "سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فصلوها لوقتها، ثم صلوا معهم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة". ودليلنا قول الله تعالى: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، ولأنه شرط في الشهادة [١٤٦/ ب] ففي القضاء أولى، لأنه أقوى منها. وأما الخبر الذي ذكرنا قلنا: أراد يؤخرون الصلاة عن أول أوقاتها، أو نقول: سماهم أمراء على طريق المجاز. وأما الكمال: فيحتاج أن يكون كاملاً في الخلق، فأن لا يكون أعمى ولا أخرس ولا أصم، لأن فقد هذه الحواس يمنع الحكم بين الخصوم بنفسه ولا يفرق الأعمى بين الطالب والمطلوب. وقال مالك: يجوز قضاء الأعمى كما تجوز شهادته. وقيل: فيه وجه آخر يجوز كما جاز أن يكون نبياً وهو شعيب ويعقوب صلى الله عليهما. وقال ابن سريج: يجوز قضاء الأخرس كما تجوز شهادته إذا كان مفهوم الإشارة.

стр. 5378

وأما الأحكام: فهي أن يكون بالغاً، عاقلاً، حراً ذكراً. وقال ابن جرير: يجوز قضاء المرأة كالرجل. وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية إلا في الحدود قياساً على شهادته تقبل في الأموال دون الحدود. ودليلنا ما روى أبو بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة". وروى: "ولوا أمرهم امرأة" وروى أنه قال: "لن يفلح قوم تملكهم امرأة". وروت عائشة-﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا تكون المرأة حكماً تقضي بين العامة"، ولأن من لا يصح قضاءه في الحدود لا يصح في الأموال كالصبي. فإن قيل: أليس قال عمر رصي الله عنه: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لما تخالجني في تقليده شك. قيل: كان سالم مولى عتاقة ولم يكن رقيقاً. فرع لا يجوز تقليد الخنثى، فإن زال إشكاله وبان رجلاً يجوز أن يكون قاضياً، ولو ولى في حال الجهل بحاله فحكم ثن بان رجلاً، المذهب أنه لا ينفذ حكمه، وقيل فيه وجهان. فرع آخر لو قلدت امرأة القضاء [١٤٧/ أ] على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فحكمت، هل للشفعوي نقض حكمها؟ قال الإمام جدي ﵀: فيه وجهان: أحدهما: ينقض وهو اختيار الأصطخري. والثاني: لا ينقص لأنه مجتهد فيه. فرع آخر لو رد إلى المرأة قاض لم يجز، لأنه لا يجوز أن تكون مولية وإن ولا ها اختيار قاض جاز، لأن الاختيار اجتهاد كالفتيا. فرع آخر لا يجوز قضاء الكافر للكافر، وقال أبو حنيفة: يجوز كالشهادة. واعلم أن العادة جارية من الأئمة بتقليد زعامة ورياسة لا تقليد حكم وقضاء. فرع آخر لا يكتفي فيه العقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، ويعتبر أن يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيداً من السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى وضوح ما أشكل وفصل ما أعضل.

стр. 5379

فرع آخر قال أصحابنا: ويستحب مع ذكرنا من الشرائط أن يكون حليماً، مثبتاً، ذا فطنة وتيقظ، لا يؤتي من غفلة، ولا يخدع بغرة، عالماً بلغات أهل قضائه، جامعاً للعفاف نزيهاً، بعيداً من الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، وكلامه لين إذا قرب، وهيبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد، وعليه السكينة والوقار. وقد حكي عن علي-﵁ أنه ولى أبا الأسود الدؤلي القضاء ساعة من نهار ثم عزله، فقال: لم عزلتني، فو الله ما خنت، فقال بلغني أن كلامك يعلو كلام الخصمين إذا تحاكما إليك. فرع آخر لو كان يطرأ عليه في الأحيان جنون نظر، فإن امتد به حتى يتأخر عن أوقات النظر لم يصح تقليده، وإن قصر زمانه وكان كالساعة نظر، فإن أثر في زمان إفاقته كفتور حسه، ودهشة عقله لم يصح تقليده، وإن أفاق من ساعته وعاد إلى استقامته هل يجوز تقليده؟ [١٤٧/ ب] فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه يخرج في زمان ذلك عن حكم التكليف، وتبطل به فروض العبادات. والثاني: يجوز ويجري مجرى فترات النوم وأوقات الاستراحة. فرع آخر لو أغمى عليه لم يؤثر في ولايته، لأنه مرض لا تمنع منه النبوة، وفيه وجه بعيد أنه يعزل به وليس بشئ. فرع آخر لو طرأ عليه الجنون بعد التقليد ولا يته ولا يعود بالإفاقة. وفيه وجه بعيد لا يبطل، لأنه أقوى من الوكالة وليس بشيء. فرع آخر لو كان فاسقاً بشيء يختص بالاعتقاد وله فيه شبهة يتأول بها خلاف الحق، هل يجوز تقليده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه لما استوي حكم الكفر بتأويل وغير تأويل، كذلك الفسق. والثاني: يجوز، لأنه لما كان تأويل الشبهة في الفروع لا يمنع التقليد فكذلك في الأصول. فرع آخر لو طرأ عليه فسق التعاطي بارتكاب المحظورات بطلت ولا يته كما تبطل شهادته، وهذا لأن القضاء أحوج إلى العدالة والأمانة لكونه أعظم منزلة وأجل محلاً. وحكي عن أبي حنيفة-﵀ أنه قال: لا تبطل ولايته ولكن يستحق العزل. وقيل: لا يصح هذا عن أبي حنيفة، ذكره أهل العراق. وقيل: إنه وجه لبعض أصحابنا وليس

стр. 5380

بشيء. وقيل: الصحيح من مذهب الشافعي- ﵁ أن الإمامة العظمى تبطل بالفسق وهو إجماع. وقال الأصم وبعض أصحاب الحديث: لا ينعزل به ولا يعتد بخلافهم. وقيل: فيه وجه لبعض أصحابنا لا ينعزل ولكنه يجبر أن يعزل نفسه، أو تجتمع طائفة تنعقد بهم الإمامة فيقتلونه ويقلدون آخر للضرورة. فرع آخر لو طرأ عليه فسق الاعتقاد هل تبطل ولايته؟ فيه وجهان بناء على صحة التقليد. قال صاحب "الحاوي": الصحيح أنه لا ينعقد [١٤٨/ أ] تقليده، لأنه لا يقلد إلا بتعديل كامل، ولا ينعزل إلا بجرح كامل. فرع آخر لو كان في عينيه عشاء يبصر نهاراً ليلاً جاز تقليده القضاء، ولو كان في بصره ضعف فإن كان يرى الأشباح ولا يعرف الصور لم يجز تقليده، وإن كان يعرف الصور إذا قربت ولا يعرفها إذا بعدت جاز تقليده. فرع آخر لو طرأ عليه العمى بطلت ولايته خلافاً لمالك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز له أن يقضي بالشهادة التي سمعها في سلامة البصر. فرع آخر لو طرأ عليه صمم بطلت ولايته، والصمم المانع أن لا يفهم الأصوات وإن علت، فأما ثقيل السمع الذي يفهم عالي الأصوات دون خافتها يصح تقليده، ولكن تقليد السميع أولى منه. فرع آخر إذا كان بلسانه تمتمة أو فأفأة أو عقدة صح تقليده، لأنه نقص لا يمنع فهم الكلام وإن غمض، وكان في لسان موسى- ﵊ عقدة ولم تمنع رسالته. فرع آخر لا يعتبر صحة أعضائه، ويجوز قضاؤه وإن كان مقعداً، ولكن السلامة لذوي الولايات أهيب. فرع آخر لو كان لا يقول بخبر الواحد لا يجوز تقليده، لأن أكثر أحكام الشرع مأخوذة من

стр. 5381

أخبار الآحاد، وكذلك لا يجوز تقليد من لا يقول بحجة الإجماع. فرع آخر لو كان من نفاه القياس فهم ضربان، أحدهما: من نفي القياس وعمل بظاهر النصوص، وعدل عما لا نص فيه إلا أقاويل سلفهم، وجعلوا ذلك كالنص في العمل بها من غير دليل لا يجوز تقليده لتقليدهم في الأحكام، وتركهم أصلاً من أصول الشرع وهو القياس، وإن كان ممن يعدل عند عدم النصوص إلى فحوى الكلام، ودليل الخطاب، وسلك طريق الاجتهاد، ويعدل عن تعليل النصوص لمعانيها كأهل الظاهر، ففي جواز تقليده وجهان: أحدهما: لا يجوز [١٤٨/ ب] لما ذكرنا. والثاني: يجوز، لأنهم يعتبرون واضح المعاني وإن عدلوا عن خفي القياس. فرع آخر هل يشترط في القاضي أن يكون عارفاً بالحساب؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان، والمذهب أنه لا يشترط. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو عرف رجل مذهب إمام جدا ولم يبلغ مبلغ المجتهدين، هل له أن يفتي على مذهبه؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار القفال يجوز. والثاني: لا يجوز. وأصل الوجهين أن تقليد ذلك المستفتي هل هو لذلك المفتي أم لذلك الميت وهو صاحب المذهب؟ فيه وجهان، فإذا قلنا للميت فله أن يفتي، وإن قلنا للمفتي فليس له ذلك. فرع آخر هل يجوز تقليد الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان، والصحيح أنه يجوز، لأن النبي ﷺ كان أمياً، ووجه الأول أنه يحتاج أن يكتب أو يقف على ما يكتبه الكاتب، ويفارق الحالة الشريفة من النبي ﷺ ، لأن ذلك كان من معجزاته، وكان أصحابه عدولاً يأمن خيانتهم. فرع آخر قال في "الحاوي": يعتبر في جواز ولايته ونفاذ حكمه سبعة شروط، أحدهما: أن يكون كاملاً في نفسه، وكمال نفسه ضربان، كمال حكم، وكمال خلقة. فأما كمال الحكم بالبلوغ والعقل، لأن التكليف يتعلق بهما. وأما كمال الخلقة فتعتبر سلامته فيها

стр. 5382

في ثلاثة أوصافٍ؛ صحة بصره, وصحة سمعه, وسلامة لسانه. فجملة الأوصاف المعتبرة في كمال نفسه؛ البلوغ, والعقل, والسمع, والبصر, والنطق. والشرط الثاني: الذكورة. والثالث: الحرية. والرابع: الإسلام. والخامس: العدالة, وهو أن يكون صادق اللهجة, ظاهر الأمانة, عفيفًا عن المحارم, متوقيًا للمآثم, بعيدًا [١٤٩/ أ] من الريب, مأمونًا في الرضا والغضب, مستعملًا لمرؤة مثله في دينه ودنياه. والسادس: أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية, وعلمه بها يشتمل على أمرين؛ أن يكون عالمًا بما قدمناه من أصولها. والثاني: أن يكون عالمًا بفروعها فيما انعقد عليه إجماع أو حصل فيه اختلاف, فيتبع الإجماع ويجتهد في الاختلاف, ليصير بذلك من أهل الاجتهاد في الدين. والسابع: أن يكون عالمًا بما قدمناه من أصول الشرع الأربعة, فإن كان ممن يعدل في بعضها ويعتقد إبطال شيء منها, فقد ذكرنا الحكم إذا كان لا يقول بخبر الواحد أو الإجماع أو القياس حيث الحكم. فرع آخر يشترط في الإمام ما يشترط في القاضي, وزيادة وهي أن يكون قريشيًا, ويعرف تدبير الحروب ووجوه المغانم, ومصرف الصدقات, ولا يجوز أن يكون أعور بخلاف القاضي. مسألة: قَالَ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَحْسِنَ بِغَيْرِ قِيَاسٍ, وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أنْ يُشْرعَ فِي الدِّينِ. اعلم أنه لا يجوز الحكم بالاستحسان, والاستحسان هو القول بالشيء من غير حجةٍ ودليل, ولكن بغالب الظن والحسن في العقل. وحكي الشافعي- ﵁ عن أبي حنيفة- ﵀ أنه أجاز الحكم به, وهذا غلط ظاهر؛ لأن الله تعالى قال: [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴿[النساء: ٥٩] الآية, فجعل الأحسن ما كان مأخوذًا من أوامر الله تعالى ورسوله- صل الله عليه وسلم-, فإن في الظن والاستحسان اتباع الهوى, وقد قال تعالى:﴾ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴿[ص: ٢٦] الآية. وأيضًا فإنه لو كان الاستحسان بالعقل مغنيًا عن أحكام الشرع, وعن أصول الشرع, لاستغنى بعقله عن الأمر والنهي واجمعنا على خلافه. [١٤٩/ ب] وأيضًا قال الشافعي- ﵁: لو جاز ذلك لجاز أن يشرع في الدين ومعناه:

стр. 5383

أن يبعث من جهة نفسه شرعًا غير شرع محمد- صل الله عليه وسلم- ولأن القياس حجة شرعية فلا يجوز تركه بالاستحسان؛ لأنه يجوز تخصيص العموم به دون الاستحسان فلا يترك به. واعلم أن أصحاب أبي حنيفة- ﵀ اختلفوا في بيان مذهبه, فقال بعضهم هو العمل بأقوى القياسين, وهذا فيما نوافقه عليه؛ لأنه الأحسن والاستحسان الذي أوجبه أصول الأصول واقترن بها استحسان العقول حجة يتفق عليها يلزم العمل بها. وقال بعضهم: هو القول بتخصيص العلة كما خصَّ خروج الجص والنورة من علة الربا في البر وإن كان مكيلًا, وهذا أصل نخالفه فيه. وقال بعضهم: هو أن يترك أقوى القياسين بأضعفهما إذا كان حسنًا. وقال في شهود الزوايا: القياس أن لا يحد ولكن آخذه استحسانًا, وهذا نخالفه فيه؛ لان أقوى القياسين عندنا أحسن من أضعفهما, ولان في مسألة شهود الزوايا لا قياس أصلًا ولا خبرًا, وأنكر أصحابه ما حكى الشافعي عنه. فإن قال قائل: قال الشافعي بالاستحسان في مسائل, فإنه قال في المتعة: استحسن بقدر ثلاثين درهمًا, وقال في الأذان: وحسن أن يضع إصبعه في أذنه وقال: "وإرسال ابن المسيب عندنا حسن" قلنا: هذا كله استحسان بدليلٍ, وإنما أنكر الشافعي الاستحسان من غير دليلٍ. فأما تقدير المتعة بثلاثين درهمًا فقد رواه عن عبد الله بن عمر- ﵄ فاستحسنه للأثر فيه, واستحسن التحليف على المصحف تغليظًا لليمين كما غلظت في الموضع الشريف والوقت الشريف, واستحسن في مدة المتعة بثلاثة أيامٍ؛ لأنها مدة مضروبة في خيار الشرط, [١٥٠/ أ] وفي مقام المسافر, وفي أكثر مدة المسح مع قوله: [تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ﴿بعد أن توعدهم بعذاب قريب, فدل أن الثلاث في حد القريب. واستحسن إرسال ابن المسيب؛ لأنه لا يرسل إلا عن صحابي, فصح ما ذكرنا والله أعلم. واعلم أن الاستحسان بغير دليلٍ ما قاله أبو حنيفة: لو نذر أن يتصدق بماله يلزم أن يتصدق بالمال الذي تجب الزكاة في عينه دون سائر الأموال استحسانًا. وقال: استمساح الخف يجوز استحسانًا. مسألة: قَالَ: "وَالْقِيَاسُ قِيَاسَانِ". الفصل جملة هذا أن القياس, عندنا حجة شرعية يجب العمل بها والمصير إليها. واختلف أصحابنا في ترتيب أنواع القياس, فمنهم من قال: القياس على ثلاثة أضرب؛ جلي,

стр. 5384

وواضح, وخفي. ومنهم من قال على أربعة أضرب, والرابع قياس علة الشبة. والجلي على أضربٍ منها: التنبيه. والثاني: ما ثبت معناه في الأصل بالإجماع مثل قياس العمياء على العوراء في الأضحية. والثالث: ما ثبت معناه في الأصل بالنص, مثل قوله تعالى:﴾ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً ﴿إلى قوله: [وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴿[النساء: ٢٠,٢١] , فجعل العلة فيه الإفضاء, فإذا كان المهر أقل من القنطار أو أكثر لا يجوز لها أخذه إذا وجد الإفضاء. ومن جملة هذا قياس سائر الزناة على ماعز بن مالك, وسائر المفرطين بالجماع على الأعرابي المجامع, وسائر المستحاضات على فاطمة بنت أبي حبيش, وتخيير المعتقات على بريرة, وقياس الأمة على العبد إذا أعتق شركًا منها [١٥٠/ ب] وغير ذلك, فإن المعاني التي حكم النبي- صل الله عليه وسلم- فيهم لها بمنزلة المنصوص عليه, وذكر تلك المعاني يدل على أنها العلة. والرابع: ما ثبت معناه بالتأثير, فيدل ذلك على تعلقه به, وهو مثل علة تحريم الخمر؛ فلأن العصير حلال إذا وجدت الشدة المطربة حُرم, فإذا زالت الشدة حل, فلو قدرنا عود الشدة قدرنا عود التحريم, فيدل ذلك على أن التحريم تابع للشدة المطربة. ومن أصحابنا من قال: هذه العلة ثابتة بالنص بقوله تعالى: [إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴿[المائدة: ٩١] الآية, فاخبر عن النهي لما فيه من الصد عن الصلاة, وعن الذكر, وهذا يتعلق بما من الشدة المطربة. والصحيح أن يقال: هذه العلة ثابتة بالنص والتأثير معًا ولا يمنع مثل ذلك, ومن جملة ذلك قياس العبد على الأمة في تضعيف الحد للرق, وهذا المعنى قد ثبت بالتأثير؛ لأنا وجدنا الأمة إذا زنت كان حدها ناقصًا, وإذا عتقت ثم زنت كان حدها كاملًا, ولو كانت كتابية فلحقت بدار الحرب بعد الحرية ثم استرقت كان حدها ناقصًا, فثبت أن نقصان الحد يتعلق بالرق, وقد وجد هذا المعنى في العبد وكان حده ناقصًا. فهذا الذي ذكرنا كله أقسام القياس الجلي, وبعضها أجلي من بعض, وهو مراد الشافعي- رضي الله- عنه بقوله: "أن يكون في معنى الأصل, وإذا حكم الحاكم بخلاف هذا وجب أن ينقض ويخص بكلها العموم". وعلى قول ابن أبي هريرة تفسخ كلها. وأما القياس الواضح: فهو القياس في الأحكام [١٥١/ أ] بالعلل المستنبطة, مثل علة الربا وغيره؛ لان يحتمل الصحة في هذا القياس ويحتمل غيره, فلا ينتقض به الحكم؛ لأنه لا يجوز نقض الحكم بالمحتمل. وذكر ابن أبي أحمد: أن قياس الأرز على الحنطة في الربا من النوع الأول, فينقض به الحكم. وقال القاضي الطبري: هذا أيضًا ما ثبت معناه بالتأثير, ولكنه أخفي مما تقدم, وذلك أنَّا نقول: إن العلة في الأربعة المنصوصة الطعم, وقيل: الكيل, وقيل:

стр. 5385

القوت, ونحن نقول: وجدنا أنه إذا بذر الحنطة فصار حشيشًا لا ربا فيه, فإذا انعقد حبًا جرى الربا فيه, فإذا أُحرق وصار رمادًا لا ربا فيه, فالتأثير للطعم, فكان هو العلة. وقد روى أن النبي- صل الله عليه وسلم- "نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثلٍ" فذكر الطعام فيه يدل على تعلقه به؛ لأن ذكر الصفة في الحكم تعليلًا له به في مقتضى اللغة. ومن أصحابنا من قال: هذا أيضًا من جملة الجلي, ولكن ما تقدم أجلي من هذا. وقيل: النوع الأول هو القياس الواضح, ذكره أبو إسحاق, والعبارة صحيحة لما ذكرناه. وأما القياس الخفي: فهو قياس علة الشبه, وقد ذكرنا شرحه وقيل: صورته أن تتردد الحادثة بين أصلين, وكان الحكم ثابتًا في احد الأصلين بعلةٍ ذات خمسة أوصاف, وفي الأصل الآخر بعلة ذات خمسة أوصافٍ, والحادثة تشبه احد الأصلين بأربعة أوصافٍ وتشبه الأخرى بثلاثة أوصافٍ, فإلحاقها بأكثرهما شبهًا أولى, فهذه طريقة القائل الأول أن القياس على ثلاثة أضربٍ. فأما من قال القياس على أضرب فإنه يقول: الجلي هو الأول من الأقسام [١٥١/ ب] التي ذكرناها وهو التنبيه. والواضح باقي الأقسام من القياس الجلي. والخفي هو القياس في الأحكام. والرابع قياس علة الشبه, وهذه الطريقة أصح؛ لأن الأول هو الجلي في الحقيقة يقع لكل أحدٍ معناه, والواضح يجوز أن يرد الشرع بخلاف معناه, ولا خلاف في نقص الحكم بهما على ما ذكرنا, وإنما الخلاف في التسمية. وقال بعض أصحابنا بخراسان: القياس قياسان. أحدهما: جلي ويسمى قياسًا في معنى الأصل, وهو أن يكون للفرع والأصل واحد يشبهه, ولا عذر في ترك إلحاقه به. والثاني: قياس خفي, وهو أن يتردد الفرع بين أصلين, فيشبه هذا من وجه وهذا من وجهٍ, فإن أشبه أحدهما بمعنى يخل الحكم فيجوز أن يكون علة لذلك الحكم, غير أنه يشبه أصلًا في وصفٍ وأصلًا في وصفين, فأكثر فإلحاقه بأكثرها شبهًا به أولى, مثل الأخ تردد بين أن يكون كالأب وبين أن يكون كابن العم, وهو يشبه الأب من وجهٍ, وهو أنه محرم بالقرابة, ويشبه ابن العم لوجوهٍ كثيرة من قبول الشهادة, وسقوط النفقة عند اختلاف الدين بالاتفاق, وجريان القصاص من الطرفين بينهما, وجريان حد القذف, وحل حليلة أحدهما لصاحبه بإلحاقه بابن العم حتى لا يعتق عليه إذا ملكه أولى. واعلم أن كثرة الشبه القوي أحد جانبي القياس إذا لم يكن إثبات الحكم بكل واحدٍ من الأوصاف, فأما إذا لم يقم الحكم إلا بجموع أوصافٍ حتى يرد بها إلى أصلٍ ويرد إلى أصلٍ آخر بوصف واحدٍ, فإن كان ذلك الوصف من جملة هذه الأوصاف فتعلق الحكم بالوصف [١٥٢/ أ] الواحد أولى, وإن وصفًا آخر سوى الأوصاف المجموعة فيما سواه, مثل علة الطعم في الربا أولى من علة القوت؛ لأنه ما من قوتٍ إلا وهو طعام, وكان من علل به علل بالطعام وزيادة وعلة الطعم والكيل يستويان فتقدم

стр. 5386

أحدهما على الآخر بالترجيح, وليس أحدهما داخلًا في جملة الآخر. وكذلك إذا كان الأصل المردود إليه واحدًا غير أن القياسين ترد الفرع إليه بوصف الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه, فالوصف الواحد الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه, فالوصف الواحد الآخر يرد إليه بذلك الوصف وبغيره من الأوصاف التي يضمها إليه, فالوصف الواحد أولى. وقول الشافعي: "فَمَوْضِعُ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ أَشْبَهَهُ أحدهما فِي خَصْلَتَيْنِ والآخرُ في خَصْلَةٍ أَلْحَقَهُ بِالَّذي أّشبَهَهَ فِي خَصْلَتَيْنِ" أو إذا كان كل خصلة علة مستقلة بنفسها مستغنية عن صاحبتها, كما ذكرنا في قياس الأخ على ابن العم في مسألة العتق عليه بالملك. وقال في" الحاوي": قول الشافعي: القياس قياسان ظاهره أنه أراد بالقياس الأول المعنى وبالثاني قياس الشبه, وقيل: أراد بالأول ما لا يجوز خلافه وهو بالقياس الجلي من قياس المعنى وقياس التحقيق من قياس الشبه؛ لان خلافهما لا يجوز, وأراد بالقياس الثاني ما لا يجوز فيه الاختلاف, وهو القياس الخفي من قياس المعنى, أو قياس التقريب من قياس الشبه. مسألة: قَالَ: قَالَ اللهُ فِي دَاوُد وَسُلَيْمَانَ- عَليهما الصلاة والسلام: [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴿[الأنبياء: ٧٩] قَالَ الْحَسَنُ: لَوْلاَ هَذِهِ الآيَةُ لَرَأَيْتَ أَنَّ الحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا. الفصل قصد الشافعي بهذا بيان مذهبه بيان في ثلاثة أحكامٍ: أحدهما: أن عليه أن يتوصل بالاجتهاد إلى طلب العين وإصابة الحق في الحادثة. والثاني: أن الحق في أحد أقاويل المجتهدين في الجملة معذور, سواء أصاب [١٥٢/ ب] أو أخطأ على ما ذكرنا, وأنه مأجور وإن أخطأ ولكن أجره أقل, وقد تقدم ما قيل فلا إعادة. فإن قيل: كيف استجاز أن يحكمك في حادثةٍ بقولين مختلفين وثلاثة أقوال وأكثر, وهو يرى ما قلتم, وحكمه بالقولين خطأ من أربعة أوجهٍ: أحدهما: أنه خالف بذلك أصول مذهبه في الاجتهاد؛ لان العمل يمنع من وجوب طلب العين, ويجعل الحق في جميع الأقاويل؛ ويجعل كل مجتهد مصيبًا وكفي بهذا التناقض فسادًا. والثاني: ابتدع بهذا طريقة حَرَّف إجماع من تقدم من الصحابة وغيرهم إلى زمانه, فإنهم كانوا يذكرون جوابًا يستقر لهم أو يتوقفون, ولم يجب أحد منهم بقولين؛ لأن الجواب ما أبان, وليس في القولين بيان.

стр. 5387

والثالث: التناقض, فالحلال ليس بحرامٍ, والحرام ليس بحلالٍ, وهو بالقولين حلل في أحدهما وحرمه في الآخر. والرابع: أنه إن كان ذلك لضعف اجتهاده أو لرأيه في تكافئ الأدلة فهو نقص, ولا يجوز أن يكون مع تكافؤ الأدلة أن يكون له فيها حكم, ولا يقول الأكثرون بتكافؤ الأدلة. قلنا: ما ذكره الشافعي وضع من القولين ينقسم عشرة أقسام: أحدهما: أن يقيد جوابه في موضع ويطلقه في موضع آخر, مثل قوله في أقل الحيض أنه يوم وليلة. وقال في موضع آخر: أقل الحيض يوم, وأراد به مع ليلته وهو معهود في كلام العرب. وجاء القرآن العظيم بحمل المطلق على ما قَيّدَ من جنسه كما في العدالة, قال الله تعالى: [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴿[البقرة: ٢٨٢] , ولم يذكر العدالة. وقال في موضع آخر: [وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴿[الطلاق: ٢] , وحمل ذلك المطلق على هذا المقيد, فلا اعتراض فيه عليه, وإن وهم بعض أصحابه فخرجه قولًا ثانيًا فلا يؤاخذ بوهمه الشافعي. والثاني: ما اختلفت فيه ألفاظه [١٥٣/ أ] ومعانيها متفقة, مثل قوله في المظاهر: وإذا منع من الجماع أحببت أن يمنع القبلة, وقال في "القديم": رأيت أن يمنع, فأراد الاستحباب, فإن حمله بعض أصحابنا على قولين كان لاختلافهم في تأويل لفظه؛ لان قوله: رأيت, يحتمل أن يُحمل على الاستحباب والإيجاب, ولا يمتنع وجود مثله في كتاب الله تعالى, فلم يتوجه به على الشافعي اعتراض. والثالث: ما اختلف فيه قوله لاختلاف حاله, كالصداق إذا ذكر في السر قدرًا وذكر في العلانية أكثر. قال في موضع: الصداق صداق السر, وقال في موضع: الصداق صداق العلانية, وليس ذلك لاختلاف القولين فيه, بل لاختلاف حال الصداق, فإن اقترن بصداق السر عقد فهو المستحق وصداق العلانية يهمل. وإن اقتران بصداق العلانية عقد فهو المستحق وكان صداق السر موعدًا, وقد أبان ذلك بما قرره من أصول مذهبه. والرابع: ما اختلف قوليه فيه لاختلاف القراءة ولاختلاف الرواية, فالقراءة كقوله تعالى: [أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ ﴿[المائدة: ٦] , فلمستم يوجب الوضوء على اللامس دون الملموس, ولامستم يوجب الوضوء على اللامس والملموس. واختلاف الرواية كالمروي في بيان المواقيت أنه- صل الله عليه وسلم - صل العشاء الآخرة في الوقت الثاني حين ذهب من الليل نصفه, وروى ثلثه. فمن أجل اختلاف القراءة واختلاف الرواية اختلف قوله. ومثل هذا لا يتوجه عليه إنكار فيه؛ لان اختلاف الدليل يوجب اختلاف المدلول. والخامس: ما اختلف فيه؛ لأنه عمل في أحد القولين على ظاهرٍ من كتاب الله تعالى, ثم بلغته سنة ثابتة نقله عن الظاهر إلى قولٍ آخر, كقوله تعالى: [فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ﴿[البقرة:١٩٦] , فاوجب صيامها في أيام التشريق؛ لأنها الظاهر [١٥٣/ ب] من

стр. 5388

أيام الحج, ثم روي عن النبي- صل الله عليه وسلم- أنه نهى عن صيامها, فعدل بها عما عمل به من ظاهر الكتاب, وأوجب صيامها بعد إحرامه وقبل عرفة إتباعًا للسنة, ولا إنكار عليه في العدول بدليلٍ. والسادس: ما اختلف قوليه فيه؛ لأنه أدى اجتهاده إلى أحدهما في حالٍ, ثم أدى اجتهاده إلى القول الآخر في حالٍ أخرى, ومثل هذا لا ينكر وقد فعله الصدر الأول, فإن عمر- ﵁ شرك في المسألة المشتركة بين الأخ من الأب والأم وبين الأخ من الأم في الثلث وأسقط الأخ من الأب والأم في حالٍ أخرى, وقال: هذه على ما قضينا, وهذه على ما قضينا, وحرَّم عليُّ- ﵁ بيع أم الولد ثم رجع إلى جوازه. وقد اختلفت روايات أبي حنفيّة ويسميها أصحابه روايات, وسمى أصحاب الشافعي أقاويل, وهي طريقة لم يبتدعها الشافعي, وهي أدل على الورع, وأبعثُ على الاجتهاد. والسابع: أن تبلغه سنة لم تثبت عنده وقد عمل بالقياس, فيجعل قوله من بعد موقوفًا على ثبوت السنة كما في الصيام عن الميت, والغسل عن غسل الميت, وقال: إن صح الحديث قلت به, وقال: كل قول قلته فثبت عن النبي- صل الله عليه وسلم- خلافه فانا أول راجع عنه, وهذا مما يجب أن يظهره, وأن يقف الحكم على السنة إن يثبت وعلى القياس إن لم يثبت. والثامن: أن يقصد بذكر القولين إبطال ما توسطهما, فيكون مذهبه منهما ما فرَّغ عليه وحكم به, مثل قوله في وضع الجوائح وقد قدرها مالك بوضع الثلث: ليس إلا واحد من قولين, إما أن يوضع كلها أو لا يوضع شيء, وهذا تحقيق يبطل ما خالف القولين. والتاسع: أن يذكر القولين إبطالًا لما عداهما, ويكون مذهبه موقوفًا [١٥٤/ أ] على ما يؤدي اجتهاده إليه من صحة أحدهما, وإن لم يكن فهمًا, ومثل هذا جاء به الشرع والعقل. أما الشرع: قال رسول الله- صل الله عليه وسلم- في ليلة القدر: "التمسوها في العشر الأواخر" فنفي أن تكون في غير شهر رمضان, وفي غير العشر الأواخر منه, وجعلها موقوفةً على الاجتهاد في العشر الأواخر. وأما العقل: فما فعله عمر ﵁ في أهل الشورى جعلها في ستة نفرٍ, فنفي بهم طلب الإمامة في غيرهم, ووقف الإمامة فيهم على من يؤدي اجتهادهم إليه منهم, وهذا عمل انعقد به إجماعهم. والعاشر: أن يذكر القولين ليدل على أن لكل واحدٍ منهما في الاجتهاد وجهًا, ولا يقطع بأحدهما لاحتمال الأدلة, ولا يعمل بهما لاختلاف الحكم, ويفرع كل واحدٍ منهما إن صح, وليس ينكر من العلماء التوقف عند الاشتباه, ولهذا توقف رسول الله- صل الله عليه وسلم-

стр. 5389

في أشياء حتى ينزل الوحي عليه. وقال- صل الله عليه وسلم-: "المؤمن وقاف والمنافق وثاب", ويكون مقصود الشافعي بذكر القولين أمرين: أحدهما: إبطال ما عداهما أن يكون له الاجتهاد وجه. والثاني: إثبات أن لكل واحٍد منهما في الاجتهاد وجهًا, وليس يجيب بهما إذا استفتى فيخير السائل بينهما, بل يجتهد رأيه في الجواب بأحدهما, ولا يعتقد صحتهما لجواز أن يكون كل واحدٍ منهما هو الأصح وإن لم يقطع في الحال بالأصح, وهذا إنما قاله في عدد من المسائل, قيل: إنها سبعة عشر مسألة, وفي هذا كله انفصال عن اعتراضهم. ثم ذكر الشافعي- ﵁ خبرًا وهو قوله- صل الله عليه وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجرٌ ... " الخبر بتمامه. وقد روى أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- عن فرج بن فضالة, عن محمد بن عبد الأعلى, عن أبيه, [١٥٤/ ب] عن عبد الله بن عمرو بن العاص, عن أبيه- ﵁ قال: أختصم إلى النبي -صل الله عليه وسلم- رجلان وأنا جالسٌ, فقال: "يا عمرو أقض بينهما" قلت: يا رسول الله, وأنت شاهد, قال: "نعم" قلت: على ماذا؟ قال: "على أنك إن أصبت أجر فلك حسناتٍ, وإن اجتهدت فأخطأت فلك حسنة واحدة", فاختلف أجر المصيب في الخبرين, فجعل للمصيب في الأول أجرين, وجعل له في الثاني عشرة, وفي هذا الاختلاف تأويلان: أحدهما: أنه جعل له أجرين إذا وصل إلى الصواب بأول اجتهاده, وجعل له عشرًا إذا وصل بتكرار الاجتهاد, وليكن أجره بحسب قلة اجتهاده وكثرته. والتأويل الثاني: أخبر بالعشرة لمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها, وأخبر في الخبر الآخر باجرين من غير مضاعفةٍ؛ لأن في الأصل أجر وفي المضاعفة عشر. مسألة: قَالَ: "مَنْ اجْتَهَدَ مِنَ الحُكَّامِ فَقَضَى بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ رَأَى أَنْ اجْتهَادِهِ خَطَأٌ". الفصل جملة هذا أن الحاكم إذا حكم في شيء باجتهاده ينظر, فإن كان ما لا يسوغ فيه الاجتهاد, بأن حكم بشيء يخالف نص الكتاب أو نص السنة أو الإجماع, أو القياس الذي لا يحتمل إلا معنى ينقض الحكم على نفسه سواء ترافع إليه الخصمان أو لم يترافعا, ولا ينقص عليه إلا بعد الترافع إليه, وهذا لقوله -صل الله عليه وسلم-:"ردوا الجهالات إلى السنن". وروى أن عمر- ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁: لا

стр. 5390

يمنعك قضاء قضيت اليوم ثم راجعت رأيك فهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق, فإن الحق لا يبطله شيء, وأن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل. وروى أن عمر- ﵁ كان يفاضل بين الأصابع حتى رُوي أن الخبر بخلافه [١٥٥/ أ] فرجع عن قوله الأول ونقض حكم نفسه. ونقض عمر بن عبد العزيز- ﵁ حكم نفسه حين قضى على مخلد بن خفافٍ برد العيب مع غلته وأخبر عروة عن عائشة- ﵂ أن النبي- صل الله عليه وسلم-: "قضى أن الخراج بالضمان" فأمر برد الغلة إلى مخلد بن خفاف. وروى أن شريحًا قضى في امرأة ماتت وخلفت زوجًا وابني عم أحدهما أخ لأمٍ, أن للأخ النصف والباقي لابن العم الذي هو أخ لأمٍ, وأجراهما مجرى الأخوين أحدهما لأبٍ, والآخر لأبٍ وأمٍ, فأخبر علي بن أبي طالب- ﵁ بذلك فقال: عليَّ بالعبد الأبطر- يعني الغليظ الشفة- فأتى به, فقال: بما قضت؟ فقال: بكتاب الله تعالى. قال: وأين قال الله تعالى: [وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿[الأنفال: ٧٥] , فقال: هل في كتاب الله أن للزوج النصف والباقي للأخ الذي هو ابن عمٍ؟ قال: لا ينقض عليه حكمه. فإن قيل: هذه المسألة مجتهد فيها ولا نص يخالفه, فلماذا نقضه؟ قلنا: إنما نقضه لأنه خالف فيه ظاهر النص, وهو قوله تعالى: [وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴿[النساء: ١٢] وقيل: إنه لم ينقض عليه حكمه, وإنما رده عليه قبل نفوذ حكمه به. فإن قيل: أليس قلتم إذا اتفق الخطأ في القبلة لا يلزمه إعادة الصلاة في أحد القولين فما الفرق؟ قيل: الفرق من ثلاثة أوجهٍ: أحدهما: أن فرض القبلة يسقط في حال العذر مع العلم بها في حال ولا يجوز ترك الحق إلى غيره في الحكم مع العلم بحاله. والثاني: الصلاة من حقوق الله تعالى, وهي مبنية على المسامحة, والقضاء يقع في حقوق الآدميين وهي مبنية على المشاحة والمضايقة. والثالث: في القبلة يتكرر الاشتباه [١٥٥/ ب] فيشق القضاء, وهنا إذا بان الخطأ بالنص لا يعود الاشتباه بعد ذلك. وإن كان الخطأ مما يسوغ فيه الاجتهاد لا ينقض الحكم فيه على نفسه ولا على غيره, ولكن في المستقبل ليس له أن ينقض بالقضاء الأول؛ لما روي عن عمر ﵁ إن كان لا يشرك بين الأخ للأب والأم ثم شرّك وقال ذلك, وهذا على ما قضينا. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه لما قيل له: هب أن أبانا كان حمارًا نقض القضاء, وهذا غلط. وروى أن عمر ﵁ قضى في الحد بسبعين قضية, وقيل: بمائة قضية مختلفة, يعني في مسائله, إذ لا يتصور لمسألة واحدة مائة قضية. وكان لا ينقض الأول

стр. 5391

بالآخر؛ لأنه تبين ذلك اجتهادًا, ولأنه يحتمل أن يكون مصيبًا في الأول مخطئًا في الثاني. ويحتمل أن يكون مخطئًا في الأول مصيبًا في الثاني, والحكم الأول قد نفذ على السلامة ظاهرًا, فلا ينقض بأمرٍ محتمل, ولأنه لو نقض الاجتهاد بمثله أدى إلى أنه لا يثبت حكم أصلًا, لأنه يجوز أن يتغير اجتهاده بعد ذلك إلى الحكم الأول ثم يتغير عنه, وفي نقض ذلك مشقة عظيمة للتكرار. وإن تغير اجتهاده قبل الحكم لم يحكم بالأول بل يحكم بالثاني؛ لأنه يعتقده خطأ, ولو حكم به لكان حكمًا بما يعتقد أنه خطأ, وهذا لا يجوز, ويفارق هذا إذا كان قد حكم؛ لأن هناك بعد الحكم على السلامة في الظاهر فلا ينقض بأمرٍ محتملٍ, وهنا لم ينفذ الحكم, وهذا كما لو فسق الشهود قبل الحكم, ولو فسقوا بعد الحكم لم ينقض الحكم. [١٥٦/ أ] وحكي عن أبي حنيفة ومالك- رحمهما الله تعالى- أنهما قالا: إن خالف معنى نص الكتاب أو السنة أو القياس الجلي أو الخفي لم ينقض حكمه, وإن خالف إجماعًا نقض حكمه. وهذا قول مستبعد ولكنه محكي عنهما وناقصًا في ذلك؛ لان مالكًا قال: إن حكم بالشفعة للجار نقض حكمه, وقال أبو حنيفة: وإن حكم بجواز بيع لحم متروك التسمية عمدًا عند الذبيحة نقض حكمه. وكذلك إن حكم في القسامة بيمين المدعي ينقض حكمه. وقال محمد بن الحسن: لو حكم بالشاهد واليمين ينقض حكمه. وهذه الأحكام لا تخالف الإجماع, والذي عنهما خطأ ظاهر؛ لأنه إذا نقض الحكم بمخالفة الإجماع فنقضه بمخالفة نص الكتاب والسنة أولى. وقال القفال: عدّ أبو حنيفة مسائل وذكر أنه ينقض الحكم فيها, حكم من قال أكثر اللعان يقوم مقام الكل, وأن زوج الأمة لا يلاعن لنفي الولد, وأن لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف. وأن من تزوج بأمةٍ ووطئها مع العلم بتحريمها لا يحد, فإن النكاح بغير ولي جائز, والحكم بشهادة الفاسق, والحكم بجواز بيع أم الولد, والحكم بأن لا تقبل شهادة القاذف بعد التوبة؛ لأن الخطأ ظهر في هذه المسائل بدليلٍ قاطع. ونص الشافعي على نقض الحكم في مسألة واحدة, وهي أن المرأة إذا فقدت زوجها تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرًا, ثم تزوجت وقضى القاضي بصحته نقض حكمه. ومن أصحابنا من قال: لا ينقض حكمه في شيء من هذه المسائل؛ لان الخطأ ظهر منها بقياس الشبه, وهذا هو الصحيح. [١٥٦/ ب] والنص في مسألة المفقود غريب, ولعله ذكره تغليظًا للقول فيه لا اعتقادًا. مسألة: ٌَقَالَ: "وَلَيْسَ عَلَى اَلْقَاضِي أَنْ يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلِهِ".

стр. 5392

الفصل علم أنه لا يجوز للحاكم أن يتعقب حكم من قبله من الحكام, ويتفحص عنه؛ لأن الظاهر من فعله الصحة والسلامة لما ثبتت ثقتهم وأمانتهم, فلا يجوز تتبع ذلك, ولأنه لا يحتاج إليه حتى يتظلم منه ويطالب بالنظر فيه, فلا يجوز أن يشتغل بما لا حاجة إليه, ولأنه يشتغل بماضٍ لم يلزمه عن مستقبلٍ يجب عليه, ولأنه تتبع غير متوجه عليه مثله. وقال في "الحاوي": لا يجب عليه هذا من غير متظلم, وهل يجوز إن لم يجب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا وهو قول جمهور البصريين. والثاني: ذكره أبو حامدٍ, يجوز لما فيه من فضل الاحتياط. فإن ثبتت فيها نظر, فإن وجد خللًا فإن كان يتعلق بحق الله تعالى كالطلاق والعتاق, ووجب نقضه وجب عليه نقضه؛ لأن النظر في حقوق الله تعالى من غير مطالبة أحدٍ, وإن كان يتعلق بحق الآدمي لا ينقصَه إلا بمطالبة؛ لان الحاكم لا يستوفي لمن لا ولاية له عليه بغير مطالبةٍ. ولو تظلم متظلم وادعى على القاضي وسأل إحضاره لم يحضره بمجرد قوله حتى يسأله ما بينك وبينه؛ لأنه ربما يقصد ابتذاله من غير أن يكون له حق, وإن قال بيني وبينه من قرضٍ أو بيع أو غير ذلك أحضره وحكم بينهما؛ لأن القاضي والعامي في هذه الحقوق سواء. وإن قال: ارتشى مني على الحكم وقال: لا أحدكم لك إلا أن تعطيني مالًا, فأخذ مني مالًا وحكم لي وجعل المال [١٥٧/ أ] معلومًا. فهو بمنزلة قوله: غصبني على مالٍ؛ لأن الارتشاء حرام كالغضب, فيحضره ويحكم بينهما باليمين والبينة. إن قال: قضى عليَّ بشهادة فاسقين أو عبدين, ففيه وجهان: أحدهما: لا يحضره إلا بعد أن يقيم البينة على ما يقول ثم يحضره؛ لأن الظاهر من حكمه نفوذه على الصحة فلم يجز أن يعدل فيها عن الظاهر إلا ببينةٍ, ولان القضاء يكون ظاهرًا فلا يتعذر إقامة البينة به ويفارق الارتشاء وغيره؛ لأن ذلك يكون باطنًا فيتعذر إقامة البينة. والثاني: يحضره من غير مطالبة الخصم بالبينة؛ لأنه ربما يتعذر إقامة البينة على ذلك, وربما إذا أحضره أقرّ به فيلزمه إقراره, وهذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: فيه وجه ثالث أنه إن اقترن بدعواه أمارة تدل على صحتها من كتاب تضمنه أو محضرٍ ظاهر احضره, وإن جردت الدعوى عن أمارة لم يحضره, فإذا قلنا لا يحتاج إلى بينة فاحضره, أو قلنا: لا بد من بينة فأقامها وأحضره, سأله عما

стр. 5393

يدعيه عليه, فإن أقرّ أنه قضى بشهادة فاسقين أو عبدين ألزمه الحق؛ لأنه أقرّ أنه قضى عليه بغير حق, وإن أنكر ذلك فالقول قوله, وهل يحنث؟ قال الإصطخري وابن أبي أحمد: لا يحلف؛ لأن الحاكم لا يكون إلا أمينًا عفيفًا من أهل الاجتهاد, فالظاهر من فعله الصحة والصواب, ولأنه يؤدي إلى الامتهان, والسائل وأعداء القاضي كثير, ولا يؤمن أن يتقلدا القضاء خوفًا من هذه. وقال أصحابنا: يحلف وهو الصحيح؛ لان أكثر ما فيه أنه أمين, والأمين إذا ادعى عليه خيانة فالقول قوله مع اليمين كالمودع. فرع قال ابن أبي أحمد: إذا ادعى على الحاكم المعزول [١٥٧/ ب] أنه قتل ابنه ظلمًا يحضر ويُسأل, فإن اعترف به ثبت عليه ما ادعاه, وإن أنكره كان على المدعي البينة, فإن أقامها على إقراره أنه قتله ظلمَا قُبلت, إن لم يكن له بينة لم يحلف. وإن قال: قتلت ابنك لفلانٍ بالحكم لقصاص وجب عليه ببينةٍ قامت عليه بالقتل, أو إقرار كان من ابنك, فقال المدعي: ما أقرَّ ابني ولا قامت عليه ببينة بالقتل, فالقول قول المعزول في ذلك, وهو مصدق ولا يمين عليه, ولا يسمع من المدعي بينة إلا أن يقيم بينة على إقراره على ما ذكرنا. وكذلك لو حضر الذي ذكر المعزول أنه حكم له بالقصاص, فقال: ما حكمت لي بشيء, ولا وجب لي على ابنه قصاص, ولا ترافعنا إليك في الخصومة. وكذلك القاضي إذا حكم بشهادة شاهدين بطلاقٍ أو قتلٍ أو عتاقٍ, فادعى المحكوم عليه على الشاهد أنه شهد عليه في ذلك بزورٍ, فإن أقرّ الشاهد أخذ بإقراره وإن أنكر لم يكن عليه يمين. وقال صاحب "الإفصاح": ويتهيأ أن يقال: لا تسمع هذه الدعوى؛ لأن الظاهر من حاله السلامة, فدعواه عليه طعن فيه, ولهذا لا يحلفه على دعواه هذه, فإذا لم يحلفه لم تسمع الدعوى, ويجيء فيه الوجه الآخر الذي ذكرنا أنه يحلف. فرع آخر قال: ولو قال المدعي: أخرج عقارًا أو عينًا من يدي ودفعها إلى فلانٍ بغير حق, فقال المعزول: فعلت هذا بحق وجب عليك ببينةٍ أو إقرارٍ, كان القول قول المعزول بلا يمين. وأما الذي في يده فإن صدق القاضي أنه حكم له بذلك لم يقبل قوله ولا قول المعزول له إلا أن يقيم البينة أن المعزول كان حكم له بذلك وهو قاضٍ؛ لأن قول المعزول بعد عزله: كنت حكمت لفلان بكذا لا يقبل إلا أن يأتي المحكوم له ببينةٍ, [١٥٨/ أ] فإن لم يكن له بينة انتزع من يده ولو كان الذي يدعيه الطالب مستهلكًا فحكمه حكم العين على ما قدمناه. وحكي الخصاف عن أبي حنيفة أن القول قول (المدعى)

стр. 5394

عليه, وهذا غلط؛ لأنه مُقر بأنه أخذ منه عينًا وأتلفها وذلك يوجب الضمان, ودعواه الحكم بها لا يقبل, كما لا يقبل في العين الناقصة. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا تَحَاكَمَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ لاَ يَعْرِفُ لِسَانَهُ لَمْ تُقْبَلِ التَّرْجَمَةُ عَنْهُ إِلاَّ بِعَدْلَيْنِ". اعلم أنه لا بد عندنا من ترجمانين عدلين سواء ترجما الدعوى أو الإقرار أو الإنكار أو الشهادة, ثم لا يحتاج في كل شاهدٍ إلى ترجمانين, إذ ليس هذا شهادة الفرع, وينبغي أن يعرفا ذلك اللسان لا يشكان فيه, لأن شكا لم يقبل ذلك عنهما, نص عليه في "الأم" وقال: يقبل فيه ما يقبل في الشهادة, ويرد فيه ما يرد في الشهادة. قال أصحابنا: ولا يقبل لظاهر هذا الكلام إلا أن يشهد بلفظ الشهادة, ولا تقبل الترجمة من الصبي والعبد والمرأة, وهذا لأن الترجمة قول من غير جهة المحكوم عليه يتعلق به حكم الحاكم, فوجب أن يعتبر فيه الأوصاف التي ذكرناها كالشهادة. وقال بعض أصحابنا: إن كان هذا في المال قُبل فيه شاهدان, وشاهد وامرأتان كما يقبل في الإقرار بالمال, وإن كان فيهما لا يقبل إلا رجلان لم يقبل في الترجمة إلا رجلان, وإن كان في الزنا يحتمل قولين؛ أحدهما: لا يقبل أقل من أربعةٍ. والثاني: يقبل شاهدان, وأصلهما الشهادة على الإقرار بالزنا هل يعتبر أربعة أم يكفي اثنان؟ فيه قولان, وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة, يكفي ترجمان واحد كما في الخبر لا يعتبر العدد, وهذا لا يصح لما ذكرنا. وقال في "الحاوي": [١٥٨/ أ] ومن أصحابنا من قال: لا يفتقر إلى لفظ الشهادة, وهذا غلط؛ لأنه لما افتقر إلى العدد والشهادة وجب أن يفتقر إلى لفظها. وقال في "الحاوي": لو كانا أعجمين فهل للمترجمين عن أحدهما أن يترجما عن الآخر؟ فيه وجهان مخرجان من الوجهين في الشهادة إذا تحملا عن احد شاهدي الأصل هل يتحملان عن الشاهد الآخر أم لا؟. فرع ترجمة ما قال القاضي للخصم الأعجمي خبر محض يجوز من الواحد وإن كان عبدًا؛ لان الشهادة لا تكون إلا عند الحكام الملزمين. فرع آخر لا يجوز أن يكون بين العجمي وبين المترجمين واسطة لفرق الشافعي بعرفان لسانه. فرع آخر قال القفال: إذا كان القاضي أصم لا بد من المستمع ويعتبر العدد في السمع, وفيه وجه آخر لا يحتاج إلى العدد؛ لأن الخصم حاضر يسمع وهذا ليس بشيء, ولا يتصور أن يكون الحاكم أعجميًا؛ لان من لم يعرف العربية لا يصلح للقضاء, وإن كان القاضي

стр. 5395

يسمع والخصم أصم كفي واحد يسمعه ما يقول القاضي ويقول خصمه. فرع آخر قال أصحابنا: تقبل شهادة الأعمى في الترجمة؛ لأنه لا يحتاج فيها إلى البصر. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا شَهِدَ الشُهُودُ عنْدَ القاضي كَتَبَ حِلْيَةَ كْلَّ رَجُلٍ وَرَفَعَ فٍي نَسَبِهٍ". الفصل الحلية عي ذكر أوصاف الرجل في نفسه, والرفع في النسب أن يكتب اسم أبيه وجده أو أجداده إن كان نسبه معروفًا, أو ولايته إن كان مولى. وجملته أن الشهود إذا حضروا عند القاضي إن كانوا من العلماء المعروفين بالعدالة يصغى إلى شهادتهم, ولا يحتاج فيهم إلى السؤال عن عدالتهم, وإن كانوا غير هؤلاء يستحب للقاضي أن يعظ الشهود, فيقول: روي عن النبي- صل الله عليه وسلم- أنه قال: [١٥٩/ أ] "شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار". فإن أقاموا على أمرٍ يكتب أسمائهم وكناهم ورفع أنسابهم بما يتميزون به عن غيرهم, ويثبت حُلاهم وأوصافهم وألوانهم وأبدانهم لئلا تشبه الأسماء والأنساب, فيكتب أقرع, أو أسمر, أو أبيض, أو أشهل أقنى ألأنف, أو أفطس رقيق الشفتين أو غليظهما, طويل أو قصير أو ربعة, أقط أو ملتحي, دقيق الساقين أو غليظهما, ويكتب صنائعهم وموضع مساكنهم ومعايشهم وصلواتهم, ليسأل عنهم جيرانهم وأهل سوقهم وأهل مساجدهم, والغرض بذلك أن يتميزوا, فلا يقع اسم على اسم, فإن الرجل ربما يعرف بكنيته دون اسمه, وباسمه دون كنيته, وتسهيل النظر في حاله والمسألة عنه, وقال ابن شبرمة: شيئان عمل أحدٌ بهما قبلي ولا يتركهما بعدي؛ أخذ تحلية الشهود, والسؤال عنهم سرًا. مسألة قال: "وّأُحِبُّ إِنْ يَكُنْ لَهُمْ سِدَةُ عُقُولٍ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ ثُمَّ يَسْأَلَ كُلَّ وّاحدٍ مِنْهُمْ عّلّى حِدَة". الفصل إذا شهد شاهدان بحقٍ ينظر, فإن عرف الحاكم فسقهما في الباطن والظاهر, أو في الباطن لم يحكم بشهادتهما, وغن عرف عدالتهما في الظاهر والباطن إن كان سأل عنهما قبل ذلك حكم بشهادتهما, وإن لم يعرف فسقهما ولا عدالتهما لا يجوز أن يحكم بظاهر الحال حتى يسأل عن العدالة في الباطن, سواء شهدا بمالٍ, أو حدِّ, أو قصاصٍ, أو نكاح أو غير ذلك. وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد. وقال أبو حنيفة: إذا شهدا بحدٍّ أو قصاصٍ فلا بد من معرفة العدالة في الباطن كما
следующие страницы →