← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

بالآخر؛ لأنه تبين ذلك اجتهادًا, ولأنه يحتمل أن يكون مصيبًا في الأول مخطئًا في الثاني. ويحتمل أن يكون مخطئًا في الأول مصيبًا في الثاني, والحكم الأول قد نفذ على السلامة ظاهرًا, فلا ينقض بأمرٍ محتمل, ولأنه لو نقض الاجتهاد بمثله أدى إلى أنه لا يثبت حكم أصلًا, لأنه يجوز أن يتغير اجتهاده بعد ذلك إلى الحكم الأول ثم يتغير عنه, وفي نقض ذلك مشقة عظيمة للتكرار. وإن تغير اجتهاده قبل الحكم لم يحكم بالأول بل يحكم بالثاني؛ لأنه يعتقده خطأ, ولو حكم به لكان حكمًا بما يعتقد أنه خطأ, وهذا لا يجوز, ويفارق هذا إذا كان قد حكم؛ لأن هناك بعد الحكم على السلامة في الظاهر فلا ينقض بأمرٍ محتملٍ, وهنا لم ينفذ الحكم, وهذا كما لو فسق الشهود قبل الحكم, ولو فسقوا بعد الحكم لم ينقض الحكم. [١٥٦/ أ] وحكي عن أبي حنيفة ومالك- رحمهما الله تعالى- أنهما قالا: إن خالف معنى نص الكتاب أو السنة أو القياس الجلي أو الخفي لم ينقض حكمه, وإن خالف إجماعًا نقض حكمه. وهذا قول مستبعد ولكنه محكي عنهما وناقصًا في ذلك؛ لان مالكًا قال: إن حكم بالشفعة للجار نقض حكمه, وقال أبو حنيفة: وإن حكم بجواز بيع لحم متروك التسمية عمدًا عند الذبيحة نقض حكمه. وكذلك إن حكم في القسامة بيمين المدعي ينقض حكمه. وقال محمد بن الحسن: لو حكم بالشاهد واليمين ينقض حكمه. وهذه الأحكام لا تخالف الإجماع, والذي عنهما خطأ ظاهر؛ لأنه إذا نقض الحكم بمخالفة الإجماع فنقضه بمخالفة نص الكتاب والسنة أولى. وقال القفال: عدّ أبو حنيفة مسائل وذكر أنه ينقض الحكم فيها, حكم من قال أكثر اللعان يقوم مقام الكل, وأن زوج الأمة لا يلاعن لنفي الولد, وأن لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف. وأن من تزوج بأمةٍ ووطئها مع العلم بتحريمها لا يحد, فإن النكاح بغير ولي جائز, والحكم بشهادة الفاسق, والحكم بجواز بيع أم الولد, والحكم بأن لا تقبل شهادة القاذف بعد التوبة؛ لأن الخطأ ظهر في هذه المسائل بدليلٍ قاطع. ونص الشافعي على نقض الحكم في مسألة واحدة, وهي أن المرأة إذا فقدت زوجها تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرًا, ثم تزوجت وقضى القاضي بصحته نقض حكمه. ومن أصحابنا من قال: لا ينقض حكمه في شيء من هذه المسائل؛ لان الخطأ ظهر منها بقياس الشبه, وهذا هو الصحيح. [١٥٦/ ب] والنص في مسألة المفقود غريب, ولعله ذكره تغليظًا للقول فيه لا اعتقادًا. مسألة: ٌَقَالَ: "وَلَيْسَ عَلَى اَلْقَاضِي أَنْ يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلِهِ".

стр. 5392

الفصل علم أنه لا يجوز للحاكم أن يتعقب حكم من قبله من الحكام, ويتفحص عنه؛ لأن الظاهر من فعله الصحة والسلامة لما ثبتت ثقتهم وأمانتهم, فلا يجوز تتبع ذلك, ولأنه لا يحتاج إليه حتى يتظلم منه ويطالب بالنظر فيه, فلا يجوز أن يشتغل بما لا حاجة إليه, ولأنه يشتغل بماضٍ لم يلزمه عن مستقبلٍ يجب عليه, ولأنه تتبع غير متوجه عليه مثله. وقال في "الحاوي": لا يجب عليه هذا من غير متظلم, وهل يجوز إن لم يجب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا وهو قول جمهور البصريين. والثاني: ذكره أبو حامدٍ, يجوز لما فيه من فضل الاحتياط. فإن ثبتت فيها نظر, فإن وجد خللًا فإن كان يتعلق بحق الله تعالى كالطلاق والعتاق, ووجب نقضه وجب عليه نقضه؛ لأن النظر في حقوق الله تعالى من غير مطالبة أحدٍ, وإن كان يتعلق بحق الآدمي لا ينقصَه إلا بمطالبة؛ لان الحاكم لا يستوفي لمن لا ولاية له عليه بغير مطالبةٍ. ولو تظلم متظلم وادعى على القاضي وسأل إحضاره لم يحضره بمجرد قوله حتى يسأله ما بينك وبينه؛ لأنه ربما يقصد ابتذاله من غير أن يكون له حق, وإن قال بيني وبينه من قرضٍ أو بيع أو غير ذلك أحضره وحكم بينهما؛ لأن القاضي والعامي في هذه الحقوق سواء. وإن قال: ارتشى مني على الحكم وقال: لا أحدكم لك إلا أن تعطيني مالًا, فأخذ مني مالًا وحكم لي وجعل المال [١٥٧/ أ] معلومًا. فهو بمنزلة قوله: غصبني على مالٍ؛ لأن الارتشاء حرام كالغضب, فيحضره ويحكم بينهما باليمين والبينة. إن قال: قضى عليَّ بشهادة فاسقين أو عبدين, ففيه وجهان: أحدهما: لا يحضره إلا بعد أن يقيم البينة على ما يقول ثم يحضره؛ لأن الظاهر من حكمه نفوذه على الصحة فلم يجز أن يعدل فيها عن الظاهر إلا ببينةٍ, ولان القضاء يكون ظاهرًا فلا يتعذر إقامة البينة به ويفارق الارتشاء وغيره؛ لأن ذلك يكون باطنًا فيتعذر إقامة البينة. والثاني: يحضره من غير مطالبة الخصم بالبينة؛ لأنه ربما يتعذر إقامة البينة على ذلك, وربما إذا أحضره أقرّ به فيلزمه إقراره, وهذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: فيه وجه ثالث أنه إن اقترن بدعواه أمارة تدل على صحتها من كتاب تضمنه أو محضرٍ ظاهر احضره, وإن جردت الدعوى عن أمارة لم يحضره, فإذا قلنا لا يحتاج إلى بينة فاحضره, أو قلنا: لا بد من بينة فأقامها وأحضره, سأله عما

стр. 5393

يدعيه عليه, فإن أقرّ أنه قضى بشهادة فاسقين أو عبدين ألزمه الحق؛ لأنه أقرّ أنه قضى عليه بغير حق, وإن أنكر ذلك فالقول قوله, وهل يحنث؟ قال الإصطخري وابن أبي أحمد: لا يحلف؛ لأن الحاكم لا يكون إلا أمينًا عفيفًا من أهل الاجتهاد, فالظاهر من فعله الصحة والصواب, ولأنه يؤدي إلى الامتهان, والسائل وأعداء القاضي كثير, ولا يؤمن أن يتقلدا القضاء خوفًا من هذه. وقال أصحابنا: يحلف وهو الصحيح؛ لان أكثر ما فيه أنه أمين, والأمين إذا ادعى عليه خيانة فالقول قوله مع اليمين كالمودع. فرع قال ابن أبي أحمد: إذا ادعى على الحاكم المعزول [١٥٧/ ب] أنه قتل ابنه ظلمًا يحضر ويُسأل, فإن اعترف به ثبت عليه ما ادعاه, وإن أنكره كان على المدعي البينة, فإن أقامها على إقراره أنه قتله ظلمَا قُبلت, إن لم يكن له بينة لم يحلف. وإن قال: قتلت ابنك لفلانٍ بالحكم لقصاص وجب عليه ببينةٍ قامت عليه بالقتل, أو إقرار كان من ابنك, فقال المدعي: ما أقرَّ ابني ولا قامت عليه ببينة بالقتل, فالقول قول المعزول في ذلك, وهو مصدق ولا يمين عليه, ولا يسمع من المدعي بينة إلا أن يقيم بينة على إقراره على ما ذكرنا. وكذلك لو حضر الذي ذكر المعزول أنه حكم له بالقصاص, فقال: ما حكمت لي بشيء, ولا وجب لي على ابنه قصاص, ولا ترافعنا إليك في الخصومة. وكذلك القاضي إذا حكم بشهادة شاهدين بطلاقٍ أو قتلٍ أو عتاقٍ, فادعى المحكوم عليه على الشاهد أنه شهد عليه في ذلك بزورٍ, فإن أقرّ الشاهد أخذ بإقراره وإن أنكر لم يكن عليه يمين. وقال صاحب "الإفصاح": ويتهيأ أن يقال: لا تسمع هذه الدعوى؛ لأن الظاهر من حاله السلامة, فدعواه عليه طعن فيه, ولهذا لا يحلفه على دعواه هذه, فإذا لم يحلفه لم تسمع الدعوى, ويجيء فيه الوجه الآخر الذي ذكرنا أنه يحلف. فرع آخر قال: ولو قال المدعي: أخرج عقارًا أو عينًا من يدي ودفعها إلى فلانٍ بغير حق, فقال المعزول: فعلت هذا بحق وجب عليك ببينةٍ أو إقرارٍ, كان القول قول المعزول بلا يمين. وأما الذي في يده فإن صدق القاضي أنه حكم له بذلك لم يقبل قوله ولا قول المعزول له إلا أن يقيم البينة أن المعزول كان حكم له بذلك وهو قاضٍ؛ لأن قول المعزول بعد عزله: كنت حكمت لفلان بكذا لا يقبل إلا أن يأتي المحكوم له ببينةٍ, [١٥٨/ أ] فإن لم يكن له بينة انتزع من يده ولو كان الذي يدعيه الطالب مستهلكًا فحكمه حكم العين على ما قدمناه. وحكي الخصاف عن أبي حنيفة أن القول قول (المدعى)

стр. 5394

عليه, وهذا غلط؛ لأنه مُقر بأنه أخذ منه عينًا وأتلفها وذلك يوجب الضمان, ودعواه الحكم بها لا يقبل, كما لا يقبل في العين الناقصة. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا تَحَاكَمَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ لاَ يَعْرِفُ لِسَانَهُ لَمْ تُقْبَلِ التَّرْجَمَةُ عَنْهُ إِلاَّ بِعَدْلَيْنِ". اعلم أنه لا بد عندنا من ترجمانين عدلين سواء ترجما الدعوى أو الإقرار أو الإنكار أو الشهادة, ثم لا يحتاج في كل شاهدٍ إلى ترجمانين, إذ ليس هذا شهادة الفرع, وينبغي أن يعرفا ذلك اللسان لا يشكان فيه, لأن شكا لم يقبل ذلك عنهما, نص عليه في "الأم" وقال: يقبل فيه ما يقبل في الشهادة, ويرد فيه ما يرد في الشهادة. قال أصحابنا: ولا يقبل لظاهر هذا الكلام إلا أن يشهد بلفظ الشهادة, ولا تقبل الترجمة من الصبي والعبد والمرأة, وهذا لأن الترجمة قول من غير جهة المحكوم عليه يتعلق به حكم الحاكم, فوجب أن يعتبر فيه الأوصاف التي ذكرناها كالشهادة. وقال بعض أصحابنا: إن كان هذا في المال قُبل فيه شاهدان, وشاهد وامرأتان كما يقبل في الإقرار بالمال, وإن كان فيهما لا يقبل إلا رجلان لم يقبل في الترجمة إلا رجلان, وإن كان في الزنا يحتمل قولين؛ أحدهما: لا يقبل أقل من أربعةٍ. والثاني: يقبل شاهدان, وأصلهما الشهادة على الإقرار بالزنا هل يعتبر أربعة أم يكفي اثنان؟ فيه قولان, وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة, يكفي ترجمان واحد كما في الخبر لا يعتبر العدد, وهذا لا يصح لما ذكرنا. وقال في "الحاوي": [١٥٨/ أ] ومن أصحابنا من قال: لا يفتقر إلى لفظ الشهادة, وهذا غلط؛ لأنه لما افتقر إلى العدد والشهادة وجب أن يفتقر إلى لفظها. وقال في "الحاوي": لو كانا أعجمين فهل للمترجمين عن أحدهما أن يترجما عن الآخر؟ فيه وجهان مخرجان من الوجهين في الشهادة إذا تحملا عن احد شاهدي الأصل هل يتحملان عن الشاهد الآخر أم لا؟. فرع ترجمة ما قال القاضي للخصم الأعجمي خبر محض يجوز من الواحد وإن كان عبدًا؛ لان الشهادة لا تكون إلا عند الحكام الملزمين. فرع آخر لا يجوز أن يكون بين العجمي وبين المترجمين واسطة لفرق الشافعي بعرفان لسانه. فرع آخر قال القفال: إذا كان القاضي أصم لا بد من المستمع ويعتبر العدد في السمع, وفيه وجه آخر لا يحتاج إلى العدد؛ لأن الخصم حاضر يسمع وهذا ليس بشيء, ولا يتصور أن يكون الحاكم أعجميًا؛ لان من لم يعرف العربية لا يصلح للقضاء, وإن كان القاضي

стр. 5395

يسمع والخصم أصم كفي واحد يسمعه ما يقول القاضي ويقول خصمه. فرع آخر قال أصحابنا: تقبل شهادة الأعمى في الترجمة؛ لأنه لا يحتاج فيها إلى البصر. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا شَهِدَ الشُهُودُ عنْدَ القاضي كَتَبَ حِلْيَةَ كْلَّ رَجُلٍ وَرَفَعَ فٍي نَسَبِهٍ". الفصل الحلية عي ذكر أوصاف الرجل في نفسه, والرفع في النسب أن يكتب اسم أبيه وجده أو أجداده إن كان نسبه معروفًا, أو ولايته إن كان مولى. وجملته أن الشهود إذا حضروا عند القاضي إن كانوا من العلماء المعروفين بالعدالة يصغى إلى شهادتهم, ولا يحتاج فيهم إلى السؤال عن عدالتهم, وإن كانوا غير هؤلاء يستحب للقاضي أن يعظ الشهود, فيقول: روي عن النبي- صل الله عليه وسلم- أنه قال: [١٥٩/ أ] "شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار". فإن أقاموا على أمرٍ يكتب أسمائهم وكناهم ورفع أنسابهم بما يتميزون به عن غيرهم, ويثبت حُلاهم وأوصافهم وألوانهم وأبدانهم لئلا تشبه الأسماء والأنساب, فيكتب أقرع, أو أسمر, أو أبيض, أو أشهل أقنى ألأنف, أو أفطس رقيق الشفتين أو غليظهما, طويل أو قصير أو ربعة, أقط أو ملتحي, دقيق الساقين أو غليظهما, ويكتب صنائعهم وموضع مساكنهم ومعايشهم وصلواتهم, ليسأل عنهم جيرانهم وأهل سوقهم وأهل مساجدهم, والغرض بذلك أن يتميزوا, فلا يقع اسم على اسم, فإن الرجل ربما يعرف بكنيته دون اسمه, وباسمه دون كنيته, وتسهيل النظر في حاله والمسألة عنه, وقال ابن شبرمة: شيئان عمل أحدٌ بهما قبلي ولا يتركهما بعدي؛ أخذ تحلية الشهود, والسؤال عنهم سرًا. مسألة قال: "وّأُحِبُّ إِنْ يَكُنْ لَهُمْ سِدَةُ عُقُولٍ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ ثُمَّ يَسْأَلَ كُلَّ وّاحدٍ مِنْهُمْ عّلّى حِدَة". الفصل إذا شهد شاهدان بحقٍ ينظر, فإن عرف الحاكم فسقهما في الباطن والظاهر, أو في الباطن لم يحكم بشهادتهما, وغن عرف عدالتهما في الظاهر والباطن إن كان سأل عنهما قبل ذلك حكم بشهادتهما, وإن لم يعرف فسقهما ولا عدالتهما لا يجوز أن يحكم بظاهر الحال حتى يسأل عن العدالة في الباطن, سواء شهدا بمالٍ, أو حدِّ, أو قصاصٍ, أو نكاح أو غير ذلك. وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد. وقال أبو حنيفة: إذا شهدا بحدٍّ أو قصاصٍ فلا بد من معرفة العدالة في الباطن كما

стр. 5396

قلنا, وإن شهدا بمالٍ أو نكاحٍ اقتصر على الظاهر, ولا يحتاج إلى السؤال إلا أن يطعن الخصم ويقول: هما فاسقان, فحينئذ يلزمه السؤال, واحتج بأن أعرابيًا جاء إلى النبي- صل الله عليه وسلم-[١٦٠/ ب] فشهد برؤية هلال رمضان, فقال له: "أتشهد أن لا إله غلا الله؟ ". قال: نعم. فقال: "أتشهد أني رسول الله؟ " فقال: نعم. فصام وأمر الناس بالصيام. ودليلنا أن ما وجب البحث عنه في شهود القصاص يجب في شهود الأموال, كالإسلام, والعدالة إذا طعن الخصم فيها. وأما الخبر الذي ذكره فنقول: صار إلى الإسلام وترك دين الكفر في زمان رسول الله- صل الله عليه وسلم- فقد أنثى الله تعالى عليه ووصفه بالعدالة فلم يحتج إلى البحث عن حاله. وقال مالك في روايةٍ: إن كان لهم سيما جميل وسمت حسنٍ حكم بشهادتهم من غير بحثٍ عن عدالتهم, وغن لم يكونوا كذلك يجب البحث. فإذا تقرر هذا فلا يخلو حال الشهود من احد أمرين؛ إما أن يكونوا وافري العقول بحسن حالهم بحيث لا تسبق التهمة إليهم, أو كانوا من جملة الأغنياء والعوام الجهال بحيث تسبق التهمة إليهم، فإن كانوا وافري العقول وحسنت حالهم لم يتعرض لهم؛ لأن الاحتياط لا يفيد مع أمثالهم؛ وإن كانوا بخلاف ذلك يحتاج أن يفعل الحاكم معهم أمرين: أحدهما: أن يفرقهم ويسأل كل واحدٍ على الانفراد عن الشهادة وكيف تحملها, وفي أي وقتٍ كان, وفي أي موضعٍ, ومن حضره, وهل جرى ثم كلامٌ ونحو ذلك, فإن اختلف كلامهم ردهم, وإن اتفق كلامهم ورأى أن يعظهم وعظهم وخَوّفَهم, وحذّرهم من الكذب وشهادة الزور, وغن كان تم حال حسنة ولم يكن سدة العقل, يستحب أن يفعل هذا أيضًا ليستدل على عورةٍ إن كانت في شهادته. وإذا سال واحدًا لم يدعه يرجع إلى أصحابه؛ لأنه ربما يخبرهم بما قال فيقولون مثل قوله. والدليل على هذه الجملة ما روي أن أربعة [١٦٠/ أ] من حواشي نبي الله داود- ﵇ هموا بإصابة امرأة, فامتنعت عليهم فشهدوا عليها عند داود- ﵇ بالزنا, وروي أنهم نسبوها إلى الكلب وقالوا: إن كلبًا أتاهم, فهم داود- ﵇ برجمها, فبلغ ذلك سليمان- ﵇ وهو يلعب مع الصبيان, فاستدعى بأربعةٍ من الصبيان فشهدوا بمثل ذلك, ففرقهم وسألهم, فاختلفوا فرد شهادتهم, فبلغ ذلك داود ﵇ ففرق الشهود وسألهم فاختلفوا فرد شهادتهم. وروى انه سأل كل واحدٍ عن لون الكلب وصفته فاختلف كلامهم في لونه فردهم, وهذا قول على أن في شريعة داود- ﵇ كان الزنا بالكلب موجبًا للحد. وروى أن سبعة نفرٍ خرجوا في سفرٍ ففقد واحد منهم, فجاءت امرأته إلى على ﵁ تدعى عليهم بقتله، ففرقهم وأقام كل واحد منهم إلى ساريةٍ ووكل به رجلًا, واستدعى احدهم وسأله فأنكر, فقال علي ﵁: الله اكبر, فظنوا حين سمعوا تكبيره انه كبر على إقرار الأول, ثم استدعى واحدًا بعد واحدٍ فأقروا, فقال الأول: أنا ما أقررت علي ﵁: قد شهد عليك أصحابك وأنا قاتلك,

стр. 5397

فاعترف فقتلهم جميعًا. وروي أن أول من فرق الشهود دانيال النبي ﵇, شهد عنده شهود على امرأةٍ بالزنا ففرقهم, فقال واحدٌ: زنت برجل شابٍ تحت شجرة كمثرى. وقال الآخر: تحت شجرة تفاح, فعلم أنهم كذبوا, [١٦٠/ ب] فدعا الله تعالى عليهم, فنزلت نار من السماء فأحرقتهم. والدليل على الوعظ ما روي أن رجلين شهدا عند علي- ﵁ فوعظهما على- ﵁ واجتمع الناس فذهبا في الزحام, فقال علي ﵁: لو صدقا لثبتا, ولم يقطع يد الرجل. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة, فجاءه رجل ادعى على رجلٍ حقًا فأنكر, فأحضر المدعي شاهدين فشهدا له بما ادعاه, فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السماء والأرض ما كذبن في الإنكار, ولقد كذبا عليَّ في الشهادة, ولو سألت عنهما لم يختلف فيهما اثنان, وكان محارب بن دثار متكئًا فاستوى جالسًا, وقال: قال رسول الله- صل الله عليه وسلم-: "إن الطير لتخفق بأجنحتهما وترمي بما في حواصلها من هول ذلك اليوم, وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوّأ مقعده من النار" فإن صدقتما فاثبتا, وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا, فغطيا رؤوسهما وانصرفا. وروي عن محمد بن الفرات أنه قال: شهدت محارب بن دثارٍ وأتاه رجلان يختصمان, فجاء أحدهما بشيخ مخضوب له ضفيرتان, بين عينيه أثر السجود, فشهد له, فقال المشهود عليه: والله لقد شهد عليَّ بالباطل ولئن سألت عنه لرجع, فقال محارب للشيخ: قد سمعت, فإن كنت شهدت بباطلٍ فارجع, فإن رسول الله -صل الله عليه وسلم- قال: "إن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى توجب له النار, وأن الطير تجيء يوم القيامة رافعة مناقيرها تحت العرش تضرب بأجنحتها [١٦١/ أ] تضع ما في بطونها من هول ذلك اليوم" فاتق الله, فإن كنت شهدت بباطلٍ فارجع, فقال الشيخ: لقد رجعت, ومضى. والدليل على أنه لا يفعل ذلك عند الضبط والمعرفة ما حكي أن رجلًا شهد عند أبي عمرو القاضي في بيع بستان, فقال أبو عمرو: كم في ذلك البستان, فقال: هو كما قلت, فقال: كم في دارك من جذع؟ قال: فأمسك عنه وعلم أنه ضابط. وحكي أن رجلًا شهد عند علي بن عيسى بشهادةٍ, فقال علي بن عيسى: في أي موضع شهدت عليه بذلك؟ فقال له: في فضاء وسعني ووسع الشهود والمشهود عليه. وحكي أن أم أبي عمرو بن العلاء شهدت عند سوار بن عبد الله مع امرأة أخرى, فجعلت أم أبي عمرو تلقنها وتذكرها, فزجرها سوار, فقالت: ألم تسمع قول الله تعالى: [أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ﴿[البقرة: ٢٨٢] , فخجل سوار. والمغربي وطائفة من أهل الظاهر قالوا: يجب على المشهود له إقامة البينة بعدالة الشهود, ولا يلزم الحاكم ذلك إلا أن يتطوع, وهذا فاسد؛ لأن التعديل والجرح

стр. 5398

مستحق على الحاكم, فوجب أن يكون الكشف عنهما مستحقًا عليه. فرع لو اعترف المشهود عليه بعد التهمة, فهل يجب الحكم عليه بشهادتهم؟ فيه وجهان: أحدهما: يحكم عليه؛ لأن البحث عن عدالته معتبر في حقه وهو قد اعترف. والثاني: لا يحكم عليه؛ لأن في الحكم بشهادتهم حكمًا بعد التهم فلا يجوز أن يحكم بها بتزكية الخصم. ولأن اعتبار التعديل في الشاهد [١٦١/ ب] حق الله تعالى فلا يترك بقول الخصم, كما لو رضي الخصم أن يحكم عليه بشهادة الفاسق لا يجوز له أن يحكم به. مسألة: قال: "وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ جَامِعِينَ لِلْعَفَافِ". الفصل أراد بأصحاب المسائل المزكين, وشرط الشافعي ﵁ فيهم ثلاث شرائط: العفة والأمانة لئلا يرتشوا. والثاني: وفو العقل لئلا يخدعوا ولا يميلوا للعدو مع عدوه بتحرجه ويخفي جميله ويظهر قبحه, ولا صديقًا له فيظهر جميله ويخفي قبحه, وقلما يخلو المسلم عن قبيح وحسن. والثالث: البراءة من الشحناء والبغضاء والعداوة بينهم بالعصبية, لئلا يجرح من لا يوافقه في مذهبه, ويعدل من يوافقه, ويسأل من يعدله بالموافقة ويجرحه بالمخالفة. وأما قول المزني: وَأنْ يَكُونُوا جَامِعينَ للأَمَانَةِ فِي أَدْيَانِهِمْ لاَ يَتَعَطَّلُونَ بأَنْ يَسْأَلُوا الرَّجُلَ عَنْ عَدوِّهِ فَيُخْفِي حَسَنًا وَيَقُولَ قَبِيحًا شرحه الشافعي ﵁ في "الأم" فقال: وأن يكونوا جامعين للأمانة في أديانهم, وأن يكونوا أهل عقول لا يتغفلون بأن يسألوا الرجل عن عدوه فيخفي حسنه ويقول قبيحًا, فيكون ذلك جرحًا عنده. فأفسده المزني بالاختصار فقال: جامعين الأمانة في أديانهم لا يتعطلون بأن يسألوا, وهذا لا يشبه بعضه بعضًا, والصحيح ما قال في "الأم". ثم قال: ويحرص أن لا يعرف له صاحب مسألة, يعني المزني, لا ينبغي أن يكون معروفًا فيحتال إليه بالرشوة والإخداع. قال: وإذا كتب لهم كتاب السؤال يكتب صفات الشهود [١٦٢/ أ] على ما وصفنا ويكتب اسم من شهدوا عليه واسم من شهدوا له, ومبلغ ما شهدوا به, وهذا ينسخ من المحضر الذي عقده بدعوى المدعي على المدعى عليه, وأقل ما يكتب أربعة أشياء: ذكر الشهود بأسمائهم وأنسابهم وصفاتهم ومساكنهم وأسواقهم على ما ذكرنا. والثاني: ذكر المشهود له باسمه ونسبه لئلا يكون والدًا ونحوه. والثالث: ذكر من شهدوا عليه لئلا يكون عدوًا يشهد على عدوه.

стр. 5399

والرابع: مبلغ الحق؛ لأن الإنسان طابت نفسه بتعديل اليسير, ولم تطلب نفسه بتعديل الكثير, فيكون ذكره للمزكي أولى. ويأمرهم أن يسألوا عنه في جيرانه وسوقه وموضع مصلاه, وهو بالخيار أن يطلق فيقول: سلوا من شئتم, وبين أن يعين فيقول: سلوا فلانًا وفلانًا. ومن أصحابنا من قال: يعتبر في أصحاب مسائله سبعة أوصاف: أحدهما: أن يكونوا جامعين في الطعمة والأنفس والعفاف في الطعمة, أن لا يأكلوا الحرام والشبهة, فيدعوهم إلى قبول الرشوة, والعفاف في الأنفس أن لا يقدموا على ارتكاب محظور. والثاني: أن يكونوا وافري العقول ليصلوا إلى غوامض الأمور بلطف, ولا ينفذ عليهم خداع ولا صلة. والثالث: أن يكونوا براء من الشحناء. والرابع: أن لا يكونوا من أهل الأهواء والعصيبة في نسبٍ أو مذهب فيميل مع موافقة في تحسين قبيحه ويميل على مخالفة في تقبيح حسنه. والخامس: أن يكون بعيدًا من مماطلة الناس وهي اللجاج؛ لأن اللجوج ينصر هواه ويرتكب ما يهواه, ولا يرجع عن الخطأ وإن ظهر له الصواب, فلم يوثق بلجاجه أن يعدل مجروحًا وأن يحرج معدلًا. والسادس: أن يكون جامعًا للأمانة ليورد بأمانته ما عرف ويتأول فيه ما يصرفه [١٦٢/ ب] عن أقوى الأمرين إلى أضعفها وعن أظهر الحالين إلى أخفاهما. والسابع: أن لا يسترسل فيسأل عدوًا منابذًا أو صديقًا مواصلًا؛ لأن العدو يظهر القبيح ويخفي الحسن, والصديق يظهر الحسن ويخفي القبيح. قال: ويؤمر بأن لا يعرفوا عند أربعة أصنافٍ المشهود له حتى لا يحتال في تعديل شهوده وعند المشهود عليه حتى لا يجري في جرح شهوده, وعند الشهود حتى لا يحتالوا في تعديل أنفسهم, وعند المزكين عن المشهود حتى لا يحتال لهم الأعداء في الجرح والأصدقاء في التعديل. ذكره في "الحاوي". ولو سأل عن صديقه المعافي فعدله فلا بأس؛ لان شهادته له مقبولة وقد بينا أن لا يفعل ذلك. فرع الحاكم مخير بين أمرين؛ أحدهما: وهو الأحوط, أن يكتب بذلك أربع رقاع يرفع منها أخرتين إلى مزكيين ليسألا عن الشاهد الآخر يزكيه كل واحد من الشاهدين مزكيين ويصير المزكون أربعة.

стр. 5400

والثاني: أن يقتصر على رقعتين فيهما ذكر الشاهدين, فيدفع إحداهما إلى أحد المزكين فتصير التزكية فيهما مسموعة من مزكيين. فرع آخر اعلم أنه قد يسمى أصحاب المسائل المزكين, وإذا توجه بها أصحاب المسائل المزكون كان أول ما سألوا عمن شهدوا له, فإن ذكروا أن بينهم وبينه ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه, وإن ذكروا جواز شهادتهم له سألوا عمن شهدوا عليه, فإن ذكروا ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه, وإن ذكروا جواز شهادتهم له ذكروا القدر الذي شهدوا به. ثم على أصحاب المسائل أن يشهدوا عند الحاكم [١٦٣/ أ] بما عرفوه من هذه الأحوال الأربع إن اجتمعت أو افترقت, فإن لكل واحدة منهن حكمًا في غير هذه القضية وأن اعتبار جميعها في هذه القضية. مسألة: قَالَ: "وَلَا يَقْبَلُ المسألة عَنْهُ وَلاَ تجريحهَ إِلاً مِنَ اثْنَيْنِ". اختلف أصحابنا في تأويل هذا,, فقال أبو إسحاق: أراد به المزكين دون أصحاب المسائل؛ لان الاعتماد على المزكين دون أصحاب المسائل, فيجوز أن يكون صاحب المسألة واحدًا فيبعثه ليسأل, فإن عاد وأخبر بالجرح توقف الحاكم ولا يستدعي الجارح؛ لأن في ذلك فضيحة الشاهدين, والقصد معرفة عدالتهم لا فضيحتهم ولكن يقول للخصم زد في شهودك, وإن عاد وعدل لم يعتمد على قوله ويستدعي المزكي ويسأله عن ذلك حتى يخبره مشافهةً ولا يقبل ذلك إلا من مزكي على ما قاله الشافعي ﵁. وقال الإصطخري: المراد بذلك أصحاب المسائل, فيحتاج أن يكونوا اثنين كالمزكين, فإذا أخبرا بالجرح والتعديل عمل على ذلك ولا يحتاج إلى حضور المزكين, وإن كان كالشهادة على الشهود؛ لأنه موضع حاجة لأنه لا يلزم المزكي أن يحضر عند الحاكم لتزكية وليس للحاكم إجباره على ذلك, فصار ذلك كالمرض والغيبة في سائر الشهادات وهذا هو المنصوص, وذلك خلاف نص الشافعي؛ لأنه قال: ويمضي من كل واحدٍ منهما ما رفعه إلى الآخر, وهذا إنما يكون في أصحاب المسائل دون المزكين, ولان العدد لا يسقط في الشهادة على الشهادة فكذلك هنا؛ لأن ذلك شهادة على المزكي, وبهذا قال أحمد. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز أن يكون المزكي [١٦٣/ أ] واحدًا؛ لأن التزكية ليس من شرطها لفظ الشهادة, فلم يفتقر إلى العدد كرواية الأخبار, وهذا لا يصح كما ذكرنا؛ لأنه وافقنا أنه لو جرح الشاهد بواحدٍ وعدل باثنين فالتعديل أولى, فدل أن قول

стр. 5401

الواحد لا يثبت به شيء، إذ لو ثبت عند خلوه عن معارض لثبت وإن عارضه ضده، كما لو جرحه اثنان وعدله عشرة كان الجروح أولى بالإجماع. وأما قوله: إنه لا يعتبر فيها لفظ الشهادة لا تسلم؛ لأنه لا يقبل الجرح والتعديل إلا بلفظ الشهادة. ثم إذا بعت اثنين للمسألة يخفي عن كل واحد منهما ما دفعه إلى صاحبه، ويوصي كل واحد منهما بإخفائه لئلا يتواطئا على شيء واحدٍ بالرشوة، ثم ينظر فإن اتفقا على الجرج أو التعديل عمل عليه. وإن اختلفا فجاء أحدهما بالتعديل والآخر بالجرح، قال الشافعي: "أعادهما مع غيرهما"، قال أصحابنا: أما إعادتهما فلأن أحدهما لا محالة مقصر في النظر؛ لأنا لا نعلم أن الرجل الواحد لا يكون عدلاً فاسقاً. وأما ضم غيرهما إليهما فلأنهما ربما يختلفان في المرة الثانية كما اختلفا في المرة الأولي، فلا يمكن تنفيذ الحكم مع اختلافهما، فإذا ضم إليهما غيرهما يرجى تزكية المزكيين فيردهما. ثم ينظر فإن عاد الآخران بالتعديل فقد ثبت التعديل بثلاثة أنفس فعمل عليه. وإن عاد أحدهما بالتعديل والأخر بالجرح فقد ثبت واحد منهما باثنين، فيكون الجرح أولى من التعديل، وإن عاد أحدهما بالتعديل والآخر توقف فيه، فإن التعديل قد ثبت. وإن عاد أحدهما بالجرح وتوقف الآخر" فإن [١٦٤/ أ] الجرح قد ثبت، ولو عدل رجل بشاهدين وجرحه آخران، قال الشافعي: "الجرح أولى"، لأن التعديل على الظاهر والجرح على الباطن لزيادة العلم مع الجارح. فرع لا يجوز أن يقبل تعديل الولد للوالد. وقال أبو جنيفة: يقبل، ودليلنا أنه إثبات حكم على خصم بقول غيره فلا يجوز من الوالد. فرع آخر لا يقبل التعديل من المرأة خلافا لأبي حنيفة حنيفة، لأن شهادتها لا تقبل فيما لا يقصد فيه المال ويطلع عليه الرجال. فرع آخر إذا ثبت أنها شهادة محضة اختلف أصحابنا في أن القاضي يحكم في تعديلهم وجرحهم بأصحاب مسائلة وبمن عدلهم وجرحهم من جيرانهم وأهل الخبرة بهم على وجهين: أحدهما: أن أصحاب مسائلة هم الشهود عنده بالتعديل والجرح وهم المتحملون عن الجيران وأخل الخبرة ما ذكره من التعديل والجرح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي ﵁ وقول الأكثرين من أصحابة، فعلى هذا يجوز أن يكون ما يسمعه أصحاب المسائل من الجيران بلفظ الخير؛ لأن الشهادة مختصة بالحكام، ولا يعتبر فيهم العدد ويعتبر أن يقع في نفوس أصحاب المسائل صدق المخبر فيما ذكره من تعديل وجرح،

стр. 5402

فربما وقع في نفسه صدق الواحد وربما ارتاب باثنين فيلزمه أن يستزيد، ويجوز لأصحاب المسائل أن يسألوا الجارح من أين علم تعديله وجرحه، ولا يجوز للحاكم أن يسأل أصحاب المسائل من أين علمتم الجرح والتعديل، وهذا اختيار الإصطخري. [١٦٤/ ب]. والثاني: وهو قول أبي إسحاق أن يشهد بالجرح والتعديل هم من عرفهم من الجيران وأهل الخبرة، ويكون أصحاب مسائلة فيها، لأن الشهادة سميت بذلك مسموعة من أهل المعرفة الباطنة وهو الجيران دون أصحاب المسائل، ولأن شهادة أصحاب المسائل كالشهادة على الشهادة، وهي لا تسمع مع القدرة على شهود الأصل. فعلى هذا كان ما يذكره أصحاب المسائل خبراً يجوز أن يقتصر فيه على قول الواحد بلفظ الخبر دون الشهادة، ويذكر الحاكم بالجرح والتعديل، ثم يسمع بالتعديل والجرح من الجيران وأهل الخبرة على شرط الشهادة. فرع آخر إذا شهد شاهدان من أصحاب مسائلة ومن الجيران على ما قدمناه من الوجهين بتعديل أحد شاهدي الأصل، جاز أن يشهد بتعديل الشاهد الآخر قولاً واحداً وإن كان في الشهادة على الشهادة قولان. والفرق أن في الشهادة على الشهادة هما فرع الأصل في التزكية فهما شاهدان على الأصل. فرع آخر لو شهد اثنان بجرحه في سنة أو في بلد، ثم شهد اثنان بتعديله في سنة بعدها، أو في بلد آخر انتقل إليه حكم تعديله لأنه قد يتوب وينتقل عن الفسق إلى العدالة، والتوبة ترفع المعصية ولا يقدم التعديل على الجرح إلا في هذه المسألة. فرع آخر لو بعث بذلك إلى المزكي فعدلهم ى يقبل التعديل بالكتاب حتى يحضر المزكي فيشير إليه أن الذين عدلتهم هؤلاء، لأنه ربما يلبس عليه بالكتاب، والتزكية [١٦٥/ أ] نوع شهادة فلا تقبل بالكتاب، ذكره أصحابنا ﵏. مسألة: قال: "ولا أقبل الجرح إلا بالمعاينة أو السماع". أراد به صاحب المسألة إذا أخبر بالجرح لا يقبل إلا أن يضيف إلى نفسه رؤية ما يجرح، أو يستفيض ذلك في الناس، ويخبره كل من سأله بفسقه، وهذا لأنه لا يصير عالما بذلك إلا بالشهادة أو بالسماع أو بالمشاهدة يحصل العلم، وكذلك بالسماع المتواتر، فإن لم يكن متواترا ولكنه شاع في الناس، يجوز أن يؤدي الشهادة مطلقا كما يشهد بالموت والنسب بالاستفاضة، وإن كان خبر الواحد والعشرة لا يصير عالماً به،

стр. 5403

ولكنه يشهد بما يسمع ويكون شاهد الفرع، والذي يشهد عنه شاهد الأصل فيكون حكمه حكم شاهد الفرع، هكذا ذكره أبو حامد، وقد قيل: يعتبر بهذا الكلام الرد على أبي حنيفة حيث قال: يقبل الجرح مطلقا كما يقبل التعديل مطلقا، ونحن لا نقبله إلا مفسرا، بل يقول عاينته يفعل كذا، أو سمعته يقول كذا، وما ذكرناه أولاً أظهر. مسألة: قال: "ولا نقبله إلا من فقيه دين عاقل إلا بأن يفقه على ما يجرحه به". قد ذكرنا أنه لا يقبل الجرح إلا بعد بيان سببه خلافاً لأبي حنيفة ﵀، وهذا لأن الناس يتباينون في الأهواء، فيشهد بعضهم على بعض بالكفر أو الفسق بالتأويل، وهو بالجرح عندهم أولى. وقد قال مالك رحمه الله تعالى: يفسق الرجل بشرب النبيذ المطبوخ وإن اعتقد إباحته، ومن الناس من يقول: [١٦٥/ ب] يفسق بالوطء في نكاح المتعة ونحو ذلك، وقد يعدون ما ليس بجرح جرحاً، ولا فرق بين أن يكون الجارح فقيهاً أو غير فقيه. وقال الشافعي ﵁: لقد حضرت رجلاً مستهلاً بجرحه فقال له السائل: بأي شئ تجرحه فقال: ما يخفي على من تكون الشهادة به مجروحة، فقال الذي يسأله: لا أقبل هذا منك إلا أن تبين، فقال: رأيته يبول قائماً، فقال: وما في ذلك؟ فقال: ينتضج على ساقيه ورجليه وثيابه ثم يصلي قبل أن ينقيه، فقال: أفرأيته فعل ذلك فصلى قبل أن ينقيه وقد انتضج عليه؟ فقال: لا، ولكن أراه سيفعل. وهذا الضرب كثير في الناس والجرح خفي فلا يقبل لحفائه لما وصفت من الاختلاف إلا بتصريح الجرح، ومذهب الفقهاء أن لا يكفر أحد من أهل القبلة. قال الشافعي ﵁: "إلا واحداً وهو من نفي علم الله تعالى الأشياء قبل كونها فهو كافر"، وقد ذهب جماعة إلى تكفير أهل الأهواء كلهم. وحكي أن رجلاً جرح وقال: إنه طين سطحه بطين استخراجه من حوض البستان، ومثل هذا لا يكون جرحاً إلا بالإجماع، فلهذا يجب الاستفسار. فإن قيل: كما أن الجرح يختلف فكذلك العدالة، ولو عدلوا لا يلزم بيان سبب العدالة. قلنا: هل يشترط ذكر سبب التعديل؟ فيه وجهان: فلا نسلم، وإن سلمنا فلأن أسباب العدالة تكثر ولا يمكن ضبطها بخلاف أسباب الجرح فافترقا. فإن قيل: في كشف سبب الجرح هتك ستر الشاهد ويصير الجارح به قاذفاً. [١٦٦/ أ] قلنا: وإذ هو فاسق هتك ستره أيضاً، وربما هذا العار عند بيان السبب، وذكر ما لا يوجب الفسق، وأما القذف فيمكنه أن لا يصرح به، وإذا أتى به بلفظ الشهادة لا يكون قاذفاً.

стр. 5404

فرع لو سأل الحاكم الشاهدين عن سبب الجرح فذكر له وكان زنا لم يكن قاذفاًً، سواء كان بلفظ الشهادة أو بغير لفظ الشهادة، لأنه لا يقصد إدخال المعرة عليه بالقذف، بل قصد إثبات صفته عند الحاكم ليتبين الحاكم حكمه عليه، هكذا ذكره أبو حامد. وقال في "الحاوي": لا يصير أصحاب المسائل إذا شهدوا بها قذفه وإن لم تكمل شهادتهم، لأن أصحاب المسائل ندبوا للإخبار فأسمعوه ولم يندب الجيران إليه. ولا يفرق بين أن يذكر أصحاب المسائل هذا الجرح بلفظ الشهادة أو بلفظ الخبر، ولكن الحاكم يحكم به إن كان بلفظ الشهادة ولا يحكم به إن كان بلفظ الخبر. فرع آخر قال في "الحاوي": اعلم أن الفسق يكون من ثلاثة أوجه: بالأفعال كالزنا والغضب، وبالأقوال كالقذف والكذب، وبالاعتقاد كاستحلال المحظور والتدين بالبدع. والأفعال تعلم بالمعاينة، والأقوال تعلم بالسماع وكذلك الاعتقاد، فلا يقبل من الجارح إذا شهد بأفعال الجرح إلا إذا شاهدها، ولا يقبل منه إذا شهد بأقوال الجرح إذا سمعه ولا يقبل إذا قال: بلغني، أو قيل لي، ولا يقبل شهادة الأعمى بالجرح في الأقوال والأفعال، فأما إذا شهد عن الإخبار بها، فإن كانت أخبار آحاد لم يكون للمخبر أن يشهد بها، وإن كانت من أخبار الاستفاضة أو التواتر التي لا يعترضها ارتياب جاز أن يشهد بها كما [١٦٦/ ب] بالأنساب وتقبل به شهادة الأعمى. فإن كان الشاهد عند الحاكم بهذا الجرح هم الجيران إن كانت هذه الشروط معتبرة في شهادتهم أن يعلمه إما يعلمه إما بالمعاينة للأفعال أو بالسماع للأقوال، أو بالخبر المستفيض للأفعال والأقوال، وأن الشاهد بها أصحاب مسائل يحملوها عند علمها من هذه الوجوه الثلاثة جاز لهم أن يشهدوا بها عنهم، لأن أصحاب مسائله ندبوا للبحث عنها، ولو تحملوهاٍ من هذه الوجوه لعلموا الشهادة بها، ولما احتاجوا إلى المسألة عنها. مسألة: قال: "ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول: عدل على ولي". الفصل اختلف أصحابنا في هذا، فقال بعضهم: هذا يدل على أن الحاكم لا يسأل عن أسباب التعديل، ويسأل عن أسباب الجرح، لأن الشهادة بالتعديل أن يجدوه سليماً من الهفوات، ولا يحتاج في هذا إلى شرح السبب، وعلى هذا السؤال عن سبب العدالة استظهار لا واجب، وهذا الذي عليه القضاة في زماننا هذا. وعلى هذا قال الإصطخري: قول "قول عدل علي ولي" استحباب للتأكيد، لأن الشهادة بالتعديل تقتضي

стр. 5405

الحكم بها عليه وله، فيكفي أن يقول عدل. وبه قال أبو حنيفة، ومالك وأحمد ﵏، وهو اختيار صاحب: الإفصاح" والقفال. وقد قال في "حرملة": إذا قال هو عدل مرضي كفي في التعديل، وهذا لأن المقصود إثبات عدالته عند الحاكم، وذلك يثبت بهذا ولا يحتاج إلى زيادة. وقال أبو إسحاق وجماعة: هو على الوجوب، وهو ظاهر كلام الشافعي هنا، ونص عليه في "الأم" أيضاً، واختلفوا في العلة، فقال أبو إسحاق: إنما شرط هذا لأنه قد يكون [١٦٧/ أ] عدلاً في شيء دون شيء، وفي القليل دون الكثير، فإذا قال ذلك عم ولو يخص. وإذا قال عدل ولم يزد لم يثبت العدالة المطلقة، كما إذا قيل: فلان صادق، ولا يثبت بهذا القدر صدقة على الإطلاق. وقال غيره: العلة أنه قد يكون الشاهد بالتعديل من لا تقبل شهادته عليه، لأنه من أعدائه، فإذا قال عدل على ولي زال هذا الاحتمال، فقوله عدل علي نفي للعداوة، وإذا قال عدل لي نفي للقرابة وهذا أبلغ الألفاظ في التعديل وعلى هذا لا يلزم أن يقول هذا إذا علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة. وعلى تعليل أبي إسحاق يلزم ذلك وإن علم أنه لا نسب بينهما ولا عداوة. فرع الشهادة بأنه عدل رضا جرت العادة بالجمع بينهما في صحة التعديل، وقال جمهور أصحابنا: قوله"رضا" محمول على التأكيد، لأن العدل رضا. وقال بعض أصحابنا البصريين: هذا شرط في صحة التعديل، لأن التعديل سلامة والرضا كمال. فرع آخر استزاد بعض القضاة في التعديل أن يقول إنه مأمون في الرضا والغضب، وهذا تأكيد لا يكون شرطاً، لأنه من أحكام العدالة فلا يلزم ذكرها كالصدق والأمانة. فرع آخر قال بعض أصحابنا: سؤاله عن أسباب العدالة واجب لجواز الاحتمال في التعديل كجوازه في التفسيق، فعلى هذا يكون الشاهد مؤد بالأسباب، والقاضي هو الحاكم بالعدالة، وتكون استزادته من الشهود أن يشهدوا أنه عدل، ولي استخبار عن حكم العدالة وليس بشرط في قبول الشهادة على سببها، وهل يكون هذا الاستخبار لازماً في حق الحاكم وأنه لم يكن في حق الشاهد؟ فيه وجهان: [١٦٧/ ب] أحدهما: يكون لازماً في حقه ليكون حكمه بالتعديل على أحوط الأمور. والثاني: أنه ليس بلازم في حق الشاهد، لأن الشهادة بأسباب التعديل تغني عما سواه. فرع آخر إذا قلنا يشترط ذلك بسبب التعديل جاز أن يكون الشاهد بالتعديل من غير أهل الاجتهاد. وإن قلنا لا يشترط وجب أن يكون الشاهد بالتعديل من أهل الاجتهاد.

стр. 5406

فرع آخر إذا قال المزكي لا أعلم إلا خيراً لا يكفي، وقال الطحاوي: عن علي بن معبد، عن أبي يوسف أنه قال: تقبل شهادته، ولم يذكر خلافاً، وهذا لا يصح، لأنه لم يصرح بالعدالة فلا يكون تعديلاً كما لو قال: أعلم فيه خيراً. فإن قيل: إذا كان من أهل الخبرة ولم يعلم إلا خيراً فهو عدل. قلنا: يجوز أن لا يعلم عدالته ولا فسقه لاشتباه حاله عليه فلا يدل على حقيقة العدالة. مسألة: قال: "ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته به، فإن كانت باطنة متقادمة وإلا لم يقبل ذلك منه". وجملة هذا أنه لا يقبل التعديل إلا ممن له خبرة باطنة ومعرفة متقادمة بالشاهد، وهذا لأن الرجل لا يكاد يعرف الرجل إلا بمعاشرة متقادمة ومصاحبة، ولا يداوم الإنسان الفسق بل يفعله في بعض الأوقات دون بعض، فإذا لم يتقادم عهده ومعرفته به لم يقف عليه. وقد روي حرشة بن الحر أن رجلاً شهد عند عمر ﵁ بشهادة، فقال له: أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك ائتني بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه، قال: بأي شئ تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، فقال: هو جارك الأدنى الذي تعرفه ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ [١٦٨/ أ] قال: لا. قال: فعاملك بالدينار والدرهم اللذين يهما يستدل على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك. وقال مجاهد: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فقال: "من يعرف هذا؟ " فقال رجل: أنا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه، فقال: "ليست تلك بمعرفة". وقيل: الشهادة بالتعديل تخالف الشهادة بالجرح من وجهين، ووجه ثالث مختلف فيه: أحدهما: أن الشهادة بالتعديل لا تقبل إلا ممن كان قديم المعرفة بخلاف الجرح. والثاني: لا تقبل إلا من أهل المعرفة الباطنة والجرح يقبل من أهل المعرفة الظاهرة والباطنة. والثالث: هل يشترط ذكر سبب التعديل فيه وجهان، ولا يحكم بالجرح إلا بعد سببه. مسألة: قال: "ويسأل عمن جهل عدالته سراً، فإذا عدل سأل عن تعديله علانية ليعلم أن المعدل سراً هو هذا مخافة أن لا يوافق اسم أو نسب نسباً".

стр. 5407

قال أصحابنا: فإن لم يكن إشكال وعلم أن المزكي لا يرتاب به ولا يحتاج على إظهار التعديل، وقيل: هل يحتاج إلى الإشارة إذا عدل؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: تلزم الإشارة إليه عند القاضي، فيقول: هذا هو الذي شهدنا عندك بتعديله ليزول الاشتباه ويحصل الاحتياط. والثاني: قال ابن أبي هريرة: لا يجب ذلك لكنه يستحب بكل حال. والثالث: إذا كان مشهوراً في الناس بما يتميز به عن غيره لا يحتاج إلى الإشارة وجوباً لكنه يستحب، وتجب الإشارة في المجهول غير المشهور وهذا أصح. فرع إذا ثبتت عدالته عنده يعرف المشهود عليه أنه لزمه الحكم [١٦٨/ ب] فيما شهدوا به عليه، وعرفه ما عمل في أمر الشهود، فإن زعم أنه يمكنه جرحهم نظر في ذلك وتوقف في إنقاذ الحكم إن كان ما يزعم قريباً، ولا يستعجل في إنقاذ الحكم. روى أنس-﵁ أن النبي ﷺ قال: "التأني من الله والعجلة من الشيطان". وروي ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا تأنيت - وروي إذا تثبت- أصبت أو كدت تصيب، وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ". فرع آخر لو جرح الشهود في السر لم يسأل عنهم في العلانية لئلا يؤدي إلى هتك الستر، وإثبات العداوة بينهم وبين من جرحهم، وإذا عدل أعلن التعديل ليرغب الناس في حسن الذكر، وربما كان عند بعض الناس من جرحه ما يخفي على غيره، ولو ابتدأ أصحاب المسائل بالشهادة فيمن بحثوا عنه ولا يعلم الحاكم بما يشهدون به من جرح ولا تعديل فينبغي أن يمنعهم على الجهر حذراً أن يشهدوا بالجرح المأمور بالستر، وإن علم أنهم لا يشهدون بالعدالة جاز أن يدعوهم إلى الشهادة سراً وجهراً. فرع آخر لو عدل الشهود اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أن الحكم بعدالته قد استقر على التأييد ما لم يطرأ جرح من بعد بناءً على أصل العدالة. والثاني: قال أبو إسحاق: يعيد البحث عن عدالته في كل مدة لجوا أن يتغير فيها حاله، ولا يلزمه البحث في كل شهادة، لأنه شاق وخارج عن العرف ولم يحد المدة بحد. وحكي عن بعض الناس أنه قال: يسأل عنه كل ستة أشهر، وهذا ليس بمذهبنا، ونسه صاحب "الحاوي" إلى بعض أصحابنا والمذهب أنه تتوقف المدة على اجتهاده وما يراه. [١٦٩/ أ].

стр. 5408

فرع آخر إذا أعاد البحث مراراً واستقرت عدالته، فإن تجددت منه استرابة أعاد البحث والكشف وإن لم يتجرح ذلك لا يعيد البحث. فرع آخر قال الشافعي- ﵁: وإذا نزلت قافلة الحاج أو الغزاة أو غيرهما في بلد يحضر رجلان من أهل القافلة من يعرفه الحاكم لم يحكم بشهادتهما وإن رأي عليهما سيما الخير وأثر الصلاح والعدالة. وقال مالك رحمه الله تعالى: إذا رأي فيهما سيما الخير حكم بشهادتهما، لأنه لا يمكن معرفة عدالتهما ولا يمكن التوقف عن الشهادة، فإن فيه تضييعاً للحق، فكان المرجع إلى السيما الجميل وهذا غلط، لأن عدالتهما مجهولة فلا يجوز الحكم بشهادتهما كشاهدي الحضر، وظاهر مذهبهم تسليم هذا الأصل. وأما ما ذكره فلا يصح، لأنه ربما يؤدي إلى إثبات ما لا يستحق وذلك لا يجوز. فرع آخر لا يقبل من الفاسق التعديل سراً كان أو علانية، وقال أبو حنيفة: إذا قام [.......] من الناس في الحكم وغيره، فقال القاضي: إن هذا الشاهد عدل ولم ينكر أحد ذلك فقد ثبت عدالته، فجعل سكوتهم كإخبارهم بالعدالة وهذا لا يصح، لأن سكوتهم يحتمل معاني فلا يجوز أن يقطع بواحد منها. فرع آخر لا يجوز للحاكم أن يتخذ شهوداً راتبين فيقبل شهادتهم، ور يقبل شهادة غيرهم لأن في ذلك إضراراً بالناس وتضييقاً عليهم، ولأن شرط قبول الشهادة العدالة، فكل من كان بهذه الصفة وجب قبول شهادته، وقد قال تعالى: [وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ] [الطلاق:٢]، ولم يخص، وربما ثبتت الحقوق في مواضع لا يكون هناك شهود راتبون ويقال: إن أول من اتخذ ذلك إسماعيل بن إسحاق [١٦٩/ ب] وتابعه سائر القضاة في بعض البلاد في هذا، ليكون الشهود أعياناً معدودين فلا يستشهد الخصوم بمجهول العدالة، ولا يطمع في الشهادة غير مستحق لها، وعندنا يكره ذلك، ولم يفعله الصدر الأول. فإذا تقرر هذا فيجب على الحاكم أن يسمع شهادة كل من يشهد عنده، فإن عرف فسقه رد شهادته، لأنه يجوز أن يحكم بالجرح والتعديل بعلمه. مسألة: قال: "ولا ينبغي أن يتخذ كاتباً حتى يجمع أن يكون عدلاً عاقلاً". الفصل اعلم أنه لا يستغنى قضاة الأمصار والولاة على الأعمال عن كاتب ينوب عنهم في

стр. 5409

ضبط الأمور، فيجوز لهم أن يتخذوا كاتباً، وقيل: يستحب لهم ذلك. وهذا لأن على بن أبي طالب ﵁ كان كاتب رسول الله ﷺ ، وهو الذي كتب القضية يوم الحديبية. وكان زيد بن ثابت- ﵁ كاتبه، فقال له النبي ﷺ : "تعرف السريانية؟ " فقال: لا، فقال: "إنهم يكتبون إلي ولا أحب أن يقرأ كتبي كل أحد، فتعلم السريانية" قال زيد: فتعلمها في نصف شهر. وروى ابن عباس ﵄ أنه كان لرسول الله ﷺ كاتب يقال له: السجل. ولأنا لو كلفناه كتب السجلات والمحاضر بيده وينظر بين الناس أدى إلى المشقة والحرج، ويتعذر عليه الجمع بين الأمرين، فكان له أن يتخذ كاتباً يستعين به. ثم ذكر الشافعي أن يشترط فيه أربعة أوصاف، العدالة، والعقل، والعفة، والنزاهة من الطمع، وهذا لأن الكتابة موضع أمانة فلا توضع في غير العدل، ويستحب أن يكون فقيهاً ليعرف مواقع الألفاظ، ويفرق بين الواجب والجائز، وتعتبر النزاهة لئلا يستمال بالطمع. [١٧٠/ أ] وقوله: "عاقلاً": أردا سديد العقل، لأن وجود العقل شرط العدالة. قال أصحابنا: ويستحب أن يكون جيد الخط ويفصل بين الحروف ويميزها ويضبط ما يحتاج أن يكون مضبوطاً فلا يكتب سبعة مثل تسعة، ذكره صاحب "الإفصاح" وقيل: ينبغي أن يكون أدبياً فلا يأتي بلفظ يلبس أو يوهم تضاعيف حروفه وأطراف سطوره كتبه شيء يتغير به الحكم، فلا ينبغي أن يفاوت الحروف في تباعدها وتدانيها، وأن يقارب السطور في كتابته وهذه كلها مستحبة، والمعتبر فيه أن يكون ممن يحسن الكتابة. فرع لا يجوز أن يكون عبداً، لأن الحرية شرط في كمال العدالة. وقال في "الأم": ما ينبغي عندي للقاضي ولا لوال من ولاة المسلمين أن يتخذ كاتباً ذمياً، وينبغي أن يعز المسلمين بأن لا يكون لهم حاجة إلى غير أهل الإسلام، والقاضي أول الخلق عذراً بهذا. قال أصحابنا: لا يجوز أن يكون ذمياً، لأنه جرح نفسه في الدين عند قبول قوله فيه. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآية، وقال أيضاً عز اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، وقال أيضاً : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وروى أبو سعيد الخدري- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما بعث من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تدعوه إلى الخير وتحضه عليه، وبطانة تدعوه إلى الشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله". وهذا صحيح وقد جاء به

стр. 5410

القرآن العظيم وهو الآية التي ذكرناها. وروي أن النبي ﷺ [١٧٠/ ب] قال: "لا تستضيئوا بنار المشركين" أي لا ترجعوا إلى أمانهم ولا تعولوا على مشاورتهم. وروي أن أبا موسى الأشعري قدم على عمر- ﵄ ومعه كاتب نصراني فأعجب عمر بخطة وحسابه واستحسنه، فقال له عمر: أحضر كاتبك ليقرأه، فقال: إنه نصراني لا يدخل المسجد، فزبره عمر وقال: لا تأتمنوهم وقد خوفهم الله تعالى، ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله تعالى ولا تعزوهم وقد أذلهم الله تعالى. وروي: ولا تكرموهم إذ أهانهم الله تعالى، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله تعالى، ولا تأمنوهم إذ خوفهم الله تعالى، وأمر بعزله. وروي أنه قال عمر- ﵁: اتخذته كاتباً؟ فقال: له دينه ولي كتابته، فقال عمر ﵁ ما ذكرنا. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان، أحدهما: مات ذكرنا. والثاني: أنه يجوز أن يكون كافراً وفاسقاً، لأن ما يكتبه لا بد أن يقف عليه القاضي ثم يمضيه فيؤمن خيانته. فرع آخر إذا اتخذ القاضي كاتباً فهو بالخيار، إن شاء أجلسه عنده وإن شاء أجلسه بالبعد منه. فإن أجلسه عنده فإذا مضى شئ يحتاج إلى إثبات أمره يكتبه وينظر في ذلك حتى لا يحرف ولا يغير، وإن أجلسه ناحية، فإذا أقر عنده رجل بحق وينكره أنفذ المقر إليه حتى يثبته. قال الشافعي ﵁: ويستحب أن يكتب الحاكم اسم المقر عنده احتياطياً لئلا يرجع عن الإقرار إلى أن يبلغ [١٧١/ أ] فربما يختلط ولا يعرف عينه. وينبغي أن يقرأ القاضي بعد كتابته ويعلم فيه بخطه، ويشهد به على نفسه ليكون حجة للمتحاكمين وقيل: إنه يتخير بين أن يلقيه عليه حتى يكتبه في لفظه، أو يكتبه الكاتب بألفاظه والقاضي ينظر إليه أو يقرأه بعد الكتابة. فرع آخر لو رد القاضي المتخاصمين عند الاشتباه إلى وساطة متوسط بينهما لم يلومهما الرجوع إليه، وإن سألاه ردهما إليه لزمه الكف عن النظر بينهما ولا يلزمه ردهما إلى وسيط معين، لأن ردهما إليه تقييد له إلى النظر بينهما، ولا يلزمه أن يقلد لهما ناظراً، فإن فعل كان تبرعاً منه وحملهما الوسيط على التراضي دون الإلزام، إلا أن يرد القاضي إليه الإلزام فيصير حاكماً وملزماً.

стр. 5411

فرع آخر يجوز للكاتب أن يتخذ كاتباً كما يجوز للقاسم أن يتخذ قاسماً. مسألة: قال: "والقاسم في صفة الكاتب". يشترط في القاسم زيادة، وهو أن يكون عارفاً بالحساب، لأن مدار القسمة على الحساب، وينبغي أن يكون عارفاً بالقيم لئلا يحتاج في التقويم إلى غيره، فإنه لم يعرف القيم يجوز ويرجع إلى أقوال مقومين يقومون. مسألة: قال: "ويتولى القاضي ضم الشهادات ورفعها لا يغيب ذلك عنه". الفصل قال أصحابنا: نذكر في هذا الفصل كيف يجتمع عنده الشهادات التي يحتاج إلى ضمها ورفعها، ثم يبين كيفية الضم والرفع، [١٧١/ ب] فإذا تقدم خصمان إلى القاضي، وادعى أحدهما على الآخر، فإن القاضي يسأل المدعى عليه عما ادعاه عليه، فإن اعترف به وسأله المدعي أن يكتب بذلك محضراً كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حضر مجلس القاضي فلان ابن فلان الفلاني، وفلان ابن فلان كما يعرفه القاضي، وإن كان لا يعرفه القاضي كتب: رجل ذكر أنه فلان ابن فلان، ويجليه بالأوصاف التي ذكرنا، وأحضر معه رجلاً ذكر أنه فلان ابن فلان ويجليه، وادعى عليه بكذا وكذا، فسأله القاضي عما ادعاه عليه فأقر بجميعه، وذلك في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، وأشهد فيه من حضر القاضي من الشهود، ويلزم القاضي ذلك إذا سأل المدعي، لأنه ربما ينسى القاضي أو يعزل. ومن أصحابنا من قال: الإشهاد يجب بأنه أقر بكذا وكذا، لأنه إن كان مذهبه أنه لا يجوز له الحكم بعلة وربما يجحد بعده فلا يمكنه الحكم بعلة عليه. وإن كان مذهبه جواز الحكم بعلة ربما ينسى أو يعزل فلا يمكنه الحكم به ولا يقبل قوله بعد عزله، وهل يلزمه أن يكتب له محضراً؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه، لأنه وثيقة له كالإشهاد. والثاني: لا يلزمه، لأن الشهادة يكفيه فلا حاجة إلى محضر. وقال بعض أصحابنا: إن كان في دين يستوفي عاجلاً لا يلزمه الكتبة، وإن كان في دين مؤجل أو في ملك متأبد فهل يلزمه؟ وجهان. وإن أنكر ما ادعاه عليه فسأل القاضي فلان ابن فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان ابن فلان المدعي بينة [١٧٢/ أ] إن كانت له فأحضر فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان فشهدا عليه بجميع ما ادعى عليه، وإن لم يكن بينة لا يحلف القاضي المدعي عليه إلا بسؤال المدعي، فإذا سأل إحلافه كتب: فسأل فلان ابن فلان المدعي إحلافه فحلفه القاضي فلان ابن فلان بالله الذي لا إله إلا هو فحلف، ويكون هذا المحضر حجة للمدعي عليه فيكتب له بسؤال لئلا يدعي عليه الحق

стр. 5412

في مجلسٍ آخر، ويلزمه الإشهاد عليه، وهل يلزمه كتب المحضر؟ فيه وجهان. وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على المدعي وكتب: فنكل المدعى عليه عن اليمين ورد اليمين على المدعى عليه فلان ابن فلان، فحلفه القاضي فلان ابن فلان بالله الذي لا إله إلا هو أنه يستحق عليه ما ادعاه وهو كذا وكذا، وذلك في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا. وإن سأله أن يحكم له بذلك ويشهد على نفسه يلزمه ذلك فإنه حجة. وإن سأله أن يكتب بالإشهاد على نفسه محضرًا هل يلزمه؟ فالحكم على ما ذكرنا إذا ثبت بالإقرار، وهذا إذا كان عنده قرطاس من بيت المال، أو أحضر المحكوم له قرطاسًا، فإن لم يكن لا يلزمه أن يكتب وجهًا واحدًا. وقال في "الحاوي": إذا ثبت الحق بالبينة فهل يلزمه الإشهاد على نفسه صاحب الحق؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأن له بالحق بينة فلم يلزم القاضي أن يجدد له بينةً، ويكون في ذلك مخيرًا. الثاني: يلزمه كما في الإقرار؛ لأن الشهادة على نفسه مع البينة الموجودة تعديل بينته وثبوت حقه، وهذه ثلاثة أحكام لا تثبت إلا بإشهاده على نفسه. وإن سأله أن يسجل له هل يلزمه ذلك؟ فيه وجهان؛ أحدهما لا يلزمه في المحضر. واعلم أن المحضر حكاية الحال وما جرى بينهما من الدعوى والإقرار، [١٧٢/ ب] والإنكار، والبينة، واليمين، والنكول، ورد اليمين، والسجل تنفيذ ما ثبت عنده وإمضاء ما حكم به، فهذا فرق بين المحضر والسجل، فإن ذكر في المحضر تنفيذ الحكم جرى مجرى السجل في المعنى وإن خالف لفظه في الابتداء واستغنى به عن السجل، وإن ذكر له في السجل حكاية الحال جرى مجرى المحضر في المعنى وإن خالف لفظه في الابتداء واستغنى به عن المحضر، وإن كان الأولى أن لا يعدل بواحدٍ منهما عن موضوعه؛ لأن المقصود بالمحضر أن يتذكر أحكام ما جرى بين المتنازعين ليحكم به بموجب الشرع، والمقصود بالسجل أن يكون حجة لما نفذ به الحكم، وقد ذكرنا صفة المحضر. وقال في "الحاوي": صفة المحضر أن يكتب: حضر القاضي فلان ابن فلان وهو يومئذ قاضي عبد الله الإمام فلان على بلد كذا في مجلس حكمه وقضائه في موضع كذا. وقد ذكر أبو حامد أنه كان على إقرارٍ لم يذكر مجلس حكمه؛ لأنه ليس في الإقرار حكم بخلاف سماع البينة، وليس لهذا الفرق بينهما وجهٌ؛ لأن الدعوى لا يسمعها القاضي إلا في مجلس حكمه؛ لأنه يتعلق بالإقرار إلزام والإلزام حكم. ثم يذكر اسم المدعي واسم المدعى عليه وما جرى بينهما على ما ذكرنا، وفي السجل يبدأ

стр. 5413

بالشهادة كما يبدأ في المحضر بالحضور، فيكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أشهد عليه القاضي فلان ابن فلان، فإن كان خليفة القاضي كتب خليفة القاضي فلان ابن فلان، وإن كان من جهة الإمام كتب في مدينة كذا وهو يومئذ قاضي عبد الله فلان أمير المؤمنين عليها وعلى نواحيها، ويذكر ما في يده من الأعمال، وأرضه وقال: في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا أنه قد ثبت عنده [٧٣/ أ] بإقرارٍ أو شهادة فلان ابن فلان، وفلان ابن فلانٍ وثبتت عدالتهما عنده فسأل فلان ابن فلان أن يحكم له فحكم له به وأنفذه وأمضاه، وأشهد على نفسه بذلك من حضره من الشهود. وإن كان الحاكم لا يعرف من يحكم عليه به فإنه يحكم على يمينه وكتب السجل على ما ذكرنا من اسمه ونسبه وحليته، ويكون الاعتماد على حكمه. وقال ابن جرير الطبري: إذا لم يعرف اسمه ونسبه لا يكتب ذلك، وهكذا في المحضر لا يقول: ذكر أنه فلان ابن فلان؛ لأنه ربما يزور في ذلك وهذا غلط؛ لأن الاعتماد على الحلية، ولا يمكن أن يزور في الحلية ويغيرها. ثم إذا قلنا يلزمه كتب السجل له، أو قلنا لا يلزمه فكتب له ينبغي أن يكتب نسختين ويدفع إليه إحداهما تكون حجةً في يده وتكون الأخرى عند القاضي، ولا يختم النسخة التي يتركها عند نفسه ويكتب على ظهرها: خصومه فلان ابن فلان ويدعها في القمطر، والقمطر في اللغة دفتر الحساب وغيره يُصَيَّرُ ويجمع في مكانٍ واحدٍ ويعين ويشد، يقال: قمطرت الحساب قمطرةً إذا عينته وشددته، وتسمي العامة السفط الذي يجمع فيه المحاضر والسجلات قمطر، فإذا جمعها فيه ختمها بنفسه، أو قال لأمينه حتى يختمه وهو ينظر إليه، ولا يدعه يدخل يده فيه لئلا يطرح فيه شيئًا، فإذا ختمه أخذه منه ونظر فيه لئلا يختم بغير ختمه، ثم يأمر حتى يحمل إلى موضعه، فإذا كان اليوم الثاني دعا بالقمطر وأبصر الختم ثم فكه بنفسه، أو أمر أمينه به، ولا يزال يفعل ذلك حتى يتم الأسبوع، فإذا كان العمل كثيرًا أو قد استجمعت كتب كثيرة شدها [١٧٣/ ب] وعزلها وكتب عليها: كتبت أسبوع كذا، أو خصومة أسبوع كذا في شهر كذا من سنة كذا، فإذا مضت السنة جمعها كلها في موضع واحدٍ وشدها وكتب عليها: كتبت سنة كذا، أو خصومة سنة كذا، لتكون كتب كل سنةٍ وكل شهرٍ مفردة، فإذا احتاج إليه سهل طلبه والوصول إليه، فلا يذهب وقته ولا يتقاعد عن الاجتهاد في الأحكام. وقال بعض أصحابنا: إذا كان السجل في الإقرار فلا يكتب فأقر به في مجلس حكمي؛ لأن الإقرار يصح من غير مجلس الحكم، وإذا كان بالبينة يكتب: وذلك في مجلس حكمه وقضائه؛ لأن البينة لا تُسمع إلا في مجلس الحكم، ويكتب الحاكم في محضر الإقرار علامته على رأسه الحمد لله رب العالمين ونحو ذلك، ويكتب في آخر المحضر عند سماع الشهادة: شهدا عندي بذلك، وفي أعلى المحضر علامته على ما ذكرنا.

стр. 5414

وفي محضر التحليف يكتب: وذلك في مجلس الحكم؛ لأن الاستحلاف لا يكون إلا في مجلس الحكم، وكذلك في الحكم بالنكول ورد اليمين، وفي السجل بالحكم بالحق لا يحتاج أن يذكر محضرًا من المدعى عليه؛ لأن القضاء على الغائب جائز، فإذا أراد أن يذكره احتياطيًا قال بعد أن حضره فأساغ له الدعوى عليه. وقال في "الحاوي" في هذا الفصل: اعلم أن القضاء هو الفصل لانقضاء التنازع، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآية، والذي يجب على القاضي في نظره ثلاثة أمورٍ: أحدها: فصل التنازع بين الخصوم. والثاني: التوثقة فيما ثبت عنده من الحقوق. والثالث: حفظ ما حصل عنده من الحجج والوثائق. أما الأول فله حالتان: إحداهما: أن يكون الحكم فيه واضحًا فيعجل فصله في الوقت المألوف من زمان نظره، ولا يلزمه في الليل وأوقات [١٧٤/ أ] الاستراحة، ولا يجوز له مع المكنة أن يؤخره، فإن أخره أثم إلا أن يحلله الخصوم، فإن اتفق الخصمان على تأخيره لم يكن له تعجيله، وإن دعا أحدهما إلى التعجيل عجل. والثانية: أن يكون الحكم فيه مشتبهًا فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الاشتباه لاختلاط الدعوى فينبغي أن يأخذها بكشف المشتبه ولا يعجل في الفصل والأمر في كشفه موقوف عليهما، فإذا كشفاه فصل. والثاني: أن يكون الاشتباك لإشكال الحكم على القاضي لاحتماله عنده، فينبغي أن يقف الحكم على اجتهاده فيه ومشاورته الفقهاء في وجه صوابه، ولا يعجل بفصله مع الاشتباه، وإذا بان اجتهاده لا يؤخره. وأما الثاني: وهو التوثقة فلا يخلو ثبوت الحق عنده من أحد ثلاثة أضربٍ: أحدها: أن يثبت بإقرار المدعى عليه، فإذا سأله أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده يلزمه. والثاني: أن يثبت باليمين مع النكول فيلزمه الإشهاد أيضًا، وإن سأل كتب المحضر فقد ذكرناه. والثالث: أن يثبت بالبينة، فإن سأل الإشهاد فقد ذكرنا وجهين. وأما الثالث: فقد ذكرنا كيف يحفظ المحاضر والسجلات. مسألة: قَالَ: "وَلَا يَقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مِمَّا وَجَدَ فِي دِيوَانِهِ إِلَّا مَا حَفِظَهُ". الفصل جملة هذا: أنه إذا تقدم اثنان إلى الحاكم وادعى أحدهما على الآخر حقًا فأنكر فادعى المدعي أن له حجة في ديوان القاضي، فالقاضي يخرج ذلك، فإن لم يذكره ولا شهد عنده به شهود ولكنه وجد عليه خطه وختمه لا يجوز له أن يحكم به، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد، وأحمد في رواية. وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يجوز له أن يحكم به وهو رواية أخرى عن أحمد،

стр. 5415

وهذا لا يصح؛ لأن الحكم أقوى من الشهادة؛ [١٧٤/ ب] لأن الشاهد يخبر والحاكم يلزم، ثم لا يجوز للشاهد أن يشهد لوجود خطة إذا لم يكن ذاكرًا له فالحاكم أولى. قالوا: إذا كان في قمطرة وتحت ختمه لا يحتمل إلا أن يكون صحيحًا، قلنا: يجوز أن يزور على خطه وختمه، والخط يشبه الخط. وذكر القفال عن أبي يوسف: أن له أن يشهد على الخط أيضًا وفيه نظر. فإن قيل: أليس قلتم إذا وجد بخط أبيه دينًا على رجل في دفتر حسابه له أن يدعيه ويحلف عليه فما الفرق؟ قلنا: قال أصحابنا: يراعى الاحتياط في الحكم والشهادة، فلا يحكم فيهما إلا بالعلم، وفي المعاملة يكفي عليه الظن، ولهذا يقبل خبر الواحد فيها وهذا ضعيف؛ لأن الحاكم يحكم بشهادة شاهدين ويمين المدعي عند الرد، وإن كان قبلنا ذلك. والأولى أن يقال: إذا أمكنه الرجوع فيما حكم به إلى ذكر نفسه؛ لأنه فعل نفسه فروعي فيه ذلك، وأما ما كتبه أبوه فلا يمكن الرجوع فيه إلى اليقين، فيكفي فيه غلبة الظن، وكذلك إذا وجد الإنسان بخط نفسه حقًا على الرجل فلا يطالب به ولا يحلف عليه إلا أن ينفيه. مسألة: قَال: "وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ شُهُودٌ أَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمٍ فَلَا يُبْطِلُهُ وَلَا يُحقُّهُ إِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ". اعلم أنه إذا ادعى رجل على رجلٍ حقًا عند الحاكم وادعى أنه أقر به عنده نظر، فإن كان له بينة تشهد أنه أقر له عنده حكم به عليه وإن لم يذكره؛ لأن البينة لو شهدت بإقراره مطلقًا في غير مجلس الحكم حكم بها فههنا أولى أن يحكم بها، وإن لم يكن له بينة فذكر الحاكم أنه أقر له به عنده فهل يحكم بعلمه؟ قولان على ما سنذكره، وإن ذكر المدعي أنه حكم له بالحق عليه حاكم غيره، فإن أقام بينةً [٧٥/ أ] على ذلك ألزمه الحاكم الحق وأنفذ الحكم، وإن لم يكن له بينة وادعى على الحاكم والحاكم لا يعلم ذلك هل يحكم بعلمه؟ فعلى ما ذكرنا من القولين، وإن ادعى أنك أيها الحاكم حكمت لي عليه بهذا الحق نظر، فإن تذكره ألزمه إياه وإلا يكون هذا حكمًا بالعلم، وإنما هو إمضاء ما حكم به، وإن لم يذكره القاضي فشهد عنده شاهدان على حكمه لم تقبل الشهادة على فعل نفسه، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف. وقال ابن أبي ليلى، ومحمد، وأحمد؛ يقبل؛ لأنهما لو شهدا عنده أن غيره حكم به يقبل، فكذلك إذا شهدا عنده بحكمه وجب أن يحكم لأنهما شهدا بحكم حاكم وهذا لا يصح؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى الاحتياط والعلم في نفسه فلا يرجع إلى الظن، كالشاهد إذا نسي شهادته فشهد عنده شاهدان أنه شهد بذلك لم يكن له أن يشهد، ويخالف حكم غيره؛ لأنه لا يمكنه أن يرجع إلى العلم واليقين فيه، ولهذا نقول: من شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا يبني على الأقل؛ لأنه اليقين، ولا يعمل على قول المأمومين. فإن قيل: أليس النبي ﷺ قبل قول أبي بكر وعمر ﵄ في خبر ذي اليدين حين سلم

стр. 5416

في صلاته من ركعتين؟ قلنا: عمل على يقينه ولكنه تذكر عند قولهما. فإذا تقرر هذا قال الشافعي ﵁: إلا أن الحاكم إذا لم يتذكر لا يجوز له أن يبطله، ولا يجوز له أن يحقه، ولكنه يتوقف عنه حتى لو رفع إلى حاكم آخر يمضيه وجوبًا. فإن علم حاكم آخر أنه أنكره فلا ينبغي له أن يقبله، وأراد به أن الحاكم إذا لم يعلم وأنكر أن يكون حكم به ثم رفع إلى غيره لا يجوز له أن أن يمضيه؛ لأنه بالإنكار قد كذب الشاهدين اللذين يشهدان [١٧٥/ ب] بحكمه. ومن أصحابنا من قال: إذا شهد عند الثاني شاهدان أن الأول توقف على الحكم لم يجز للثاني أن يحكم به؛ لأنه يمضي حكمه على حكم الأول، فهو فرع له، فإذا ثبت أن الأصل توقف فيه لم يجز للفرع أن ينفذ، كما لو شهد شهود الفرع عند الحاكم ثم قامت البينة أن شاهدي الأصل توقفا عن الشهادة لا يحكم بشهادة شهود الفرع، فأما إذا توقف نفذه الثاني، ولهذا قال الشافعي ﵁: الأول لا يبطله ولا يحقه حتى يجوز له من بعده تنفيذه، وهكذا ذكر القفال ﵀ من غير شبهةٍ، وقيل: فيه وجهان. وقال أبو بكر الأزدي: لا يحكم به الثاني؛ لأن توقفه أورث تهمةً وشبهةً، وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا من النص. وقال بعض أصحابنا: وهكذا رواية الإخبار لا تجوز عندنا بأن يرى سماعه في كتابٍ من كتب الحديث ما لم يحفظه على وجهه من يوم سمعه إلى يوم رواه. وإن كان نسي فالآن يتذكر بالحديث على وجهٍ فيروى. ومعنى قولنا: "يحفظ على الوجه" أي الألفاظ التي يختلف الحكم باختلافها، فأما إذا روى له إنك رويت لنا كذا عن فلانٍ، فإن له أن يروي ذلك، كما كان سهيل بن أبي صالح يقول: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عني عن أبي هريرة؛ لأنه كان يروي لربيعه حديثًا ثم نسيه، فرواه له ربيعة عن نفسه. وفي الحقيقة لا فرق بين المسألتين لأن وزان هذا أن يقول الحاكم: قد شهد فلان عندي أني حكمت بكذا فلا يضر أن يقبل ويكتب السجل هكذا، وإنما لا يجوز أن يسمع مثل هذه الشهادة، ثم يقول: حكمت على فلان بكذا، أو يمضي الحكم الأول فيأخذ به الحق. وقال بعض أصحابنا في [١٧٦/ أ] الأخبار: إن غاب عنه كتاب الحديث لا يجوز له أن يروي بحفظه لاحتمال أنه زيد فيه، وإن لم يغب عنه ذلك جاز أن يوريه بخطه وإن كان لا يتذكر بخلاف الشهادة؛ لأنه يشترط في الشهادة ويشدد فيها ما لا يشترط في الرواية ولا يشدد، ألا ترى أنه يقول: حدثنا فلان عن فلانٍ، ولو قال: حدثني فلان عن فلانٍ أنه يشهد لم يقبل.

стр. 5417

[ق ٢ أ] باب ما يكون قذفًا وما لا يكون قذفًا مسألة: قَالَ: "وَلَوْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا فَقَالَ: لَيْسَ بِابْنِي فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ". الفصل: إذا أظهرت امرأة الرجل ولدًا فقالت: هذا ولدته وهو منك فقال: هذا الولد ليس مني أو ليس بابني لم يكن قاذفًا بهذا القول ولا نافيًا نسب الولد، لأنه يحتمل القذف وغيره فلم يكن صريحًا فيه، فرجع إليه فيه وقلنا له: ما أردت بذلك فإن قال: أردت به القذف فهو كما قال ابتداءً هذا لولد من زنا وليس مني وقد مضى حكمه، وإن قال: أردت أن لا يشبهني خُلقًا وخَلقًا نُظر، فإن صدقته المرأة لم يلزمه شيء، وإن كذبته وقالت: أردت القذف فالقول قول الزوج مع يمينه، فإن حلف سقطت دعواها، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين عليها، فإن حلفت حكم بأنه قاذف ولزمه الجد إلا أن يقيم البينة على أنها زنت أو يلاعن، وإن قال: أردت أن الولد من زوج آخر، فإن لم يعرف لها زوج قبله والولد لاحق به إلا أن ينفيه باللعان؛ لأنه اعترف بأن الولد منها فلحقه بالفراش، وإن عرف لها زوج قبله لا يخلو إما أن يعرف وقت الطلاق وقت انقضاء العدة وقت النكاح الثاني أو لا يعرف ذلك، فإن عرف ذلك فإن كان دون سنة أشهر من حين تزوج بها فالولد للأول، وإن كان لستة أشهر فصاعدًا فهو لاحق بالثاني إلا أن ينفيه باللعان، وإن لم يعرف ذلك وأشكل الأمر فلا يلحق به الولد، والقول قوله مع اليمين إلا أن يقيم البينة على أنها أتت به وهي زوجته لوقت يمكن أن يكون منه ويقبل فيه أربع نسوة [ق ٢ ب] أو شاهدان أو شاهدٌ وامرأتان، فإذا قامت على ذلك لحق به إلا أن ينفيه باللعان وفي صفة يمينه وجهان: أحدهما: يقول: والله ما هذا الولد مني. والثاني: يقول: والله لقد ولدته لزمان يستحيل أن يكون مني. والحلف على أنه من الزوج الأول بلا خلاف؛ لأن يمينه للنفي عنه لا للحوقه بغيره، فإن حلف كان منفيًا عنه باللعان، فإن نكل ردت على الزوجة ويمينها أن يحلف أن هذا الولد منه ما هو من غيره وجهًا واحدًا؛ لأنها في ذلك على يقين، فإذا حلفت لحق الزوج وله نفيه باللعان، وإن نكلت هل يوقف حتى يبلغ الولد فيحلف؟ وجهان بناءً على القولين في رد اليمين على

стр. 5418

الجارية المرهونة إذا ادعى الراهن أنه وطئها بإذن المرتهن وأنكره المرتهن ونكلا عن اليمين هل تحلف الجارية؟ قولان: فإذا قلنا: يوقف فبلغ، فإن حلف يلحق به إلا أن ينفيه باللعان، وإن لم يحلف كان منفيًا عنه بلا لعان، وإن عرف لها زوج وأتت به لوقت يمكن أن يكون من الأول ويمكن أن يكون من الثاني بأن تضعه لأربع سنين فما دونه من طلاق الأول ولستة أشهر فصاعدًا من عقد الثاني ولم تقر باقتضاء العدة يرى القافة فإن ألحقه بالأول انتفي عن الثاني بلا لعان. وإن ألحقوه بالثاني لحق به ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن لم يكن قافة وقف إلى زمان الانتساب وفيه قولان: أحدهما: إلى استكمال سبع سنين اعتبارًا لحالة التخيير بين الأبوين. والثاني: إلى البلوغ اعتبارًا بأن يكون لقوله حكم. فإن انتسب إلى الثاني لم ينتف عنه إلا باللعان، وإن قال: أردت أنها لم تلده وإنما التقطته أو استعادته فإن صدقته أو كذبته، كان الحكم على ما ذكرناه من أن القول قوله مع يمينه وعليها البينة أنها ولدته، فإن لم يكن بينة [ق ٣ أ] حلف ولم يلحق به الولد، وليس للولد بعد بلوغه تحديد الخصومة والاستلحاق. قال أصحابنا: وصورة يمينه أنها ما ولدته. وقيل: قياس المذهب أن يحلف أنه لا يعلم أنها ولدته لأنه يمين على نفي فعل الغير، وإن نكل عن اليمين حلفت أنها ولدته ولا يحتاج أن تحلف أنه منه، فإن حلفت ثبتت الولادة ولحق الولد به الفراش إلا أن ينفيه باللعان، فإن نكل عن اليمين هل يتوقف إلى أن يبلغ الولد؟ وجهان على ما ذكرنا، وكلامه ههنا يدل على أنه لا يتوقف وإن كان هناك قافة هل يرجع إليها في إلحاقه بها إذا لم يكن لها بينة على الولادة؟ وجهان: أحدهما: يرجع إليها فإن ألحقوه بها صار كالبينة على ولادتها فلحق به إلا أن ينفيه باللعان. والثاني: لا يرجع إلى القافة في ذلك؛ لأن الولد من جهة الأم يمكن أن يعلم قطعًا ويقينًا فلا يجوز استعمال الاستدلال، وعليه الظن فيه بخلاف الأب يلحق به بقول القافة، لأن إلحاق الولد بالأب أبدًا بالاستدلال ثم إذا كان إلحاقه بالزوج بكل حالٍ يلحق بالأم وحدها لاعترافها بولادته؟ ينبني على دعوى المرأة وفيها ثلاثة أوجه ذكرناها، ولا يتصور في مسألتنا إلا وجهان؛ لأن لها زوجًا والمنصوص في كتاب التقاط في المنبوذ أنه لا يلحق بها لأن من لحوقه بها إلحاق بزوجها. فإن قيل: أليس الأصول منهية على أنه لا يحلف شخص لحق شخص آخر، وإنما يحلف الرجل لحق نفسه ولهذا لم تستحلف الوكلاء والأوصياء والقوام، فلم أحلفتم الأم لإثبات نسب الولد، وهذه يمين شخص في حق شخص؟

стр. 5419

قلنا: حقيقة يمينها راجعة إلى ولادتها على فراشه، ثم إذا ثبت ولادتها على فراشه ترتب النسب على الولادة، ألا ترى أن النسب لا يثبت بشهادة النساء لكن إذا [ق ٣ ب] شهدت أربع نسوة على أنها ولدت على فراشه تثبت الولادة بشهادتين، ثم يترتب النسب على الولادة، فإن قيل: قد قلتم في "كتاب الطلاق" يقبل قول المرأة على زوجها في الحيض، وفي الولادة أيضًا على أحد الوجهين وقلتم ههنا لا يقبل قولها إلى بينةٍ قولًا واحدًا فما الفرق؟ قيل: الفرق أن ههنا تتعلق دعواها لحق ثالث وهو الولد وإلحاق نسبه فلم يقبل إذا اختلفا إلا ببينة، ولهذا قلنا: لا يقبل قولها في الحيض فيما يتعلق بحق ضرتها إذا قال: إن حضت فأنت طالق وضرتك، فقالت: قد حضت وكذبها يقع الطلاق عليها دون ضرتها، وهناك لا يتعلق بحق ثالث فافترقا. قال القفال: فإن قال قائل: قال الشافعي في امرأة أتت بولد بعد البينونة لأكثر من أربع سنين وادعت أن الزوج راجعها أو وطئها بشبهة فالولد منه، فالقول قوله أنه لم يراجعها ولم يطأها، فإن نكل لم تحلف المرأة ههنا فما الفرق؟ قلنا: من أصحابنا من جعل المسائل كلها على قولين هل ترد اليمين عليها أم لا؟ ومنهم من فصل بأنه في مسألة دعوى الاستعادة أو كون الولد من زوج قبله لنقصان المدة فراشًا قائمًا في الحال فيحلف على ثبوت النسب بعد وجود سببه، وفي دعواها وطئ شبهة الفراش مرتفع في الظاهر، وإنما تدعي سببًا حادثًا من رجعةٍ أو طئ شبهةً فلا يقبل قولها. قال القفال: وعندي مسألة دعوى نقصان المدة كمسألة دعواها المراجهة وهو ينكر أنها باتت به على فراشه. فأما مسألة دعوى الاستعادة فتحالفها لما ذكرناه، ولو قال: أنا عقيم، وهي عقيمة وليس الولد مني، قيل له: هذا ظن. وهكذا لو قال: هي عاقر [ق ٤ أ] لأنه يجوز أن تلد العاقر ويولد للعقيم، وهذا نبي الله تعالى زكريا ﷺ قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٨] وقد بلغني الكبر ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٨] فأجابه الله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] فجاءها الولد بعد اليأس فإذا صدقها على الولادة لا ينتفي عنه بهذا القول إلا أن ينسبه إلى وطئ رجل على فراشه مما يجوز أن يلاعن عليه فينتفي عنه بلعانه. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لَهَا: مَا هَذَا الحَمْلُ مِنِّي وَلَيْسَتْ بِزَانِيَةً وَلَمْ أُصِبْهَا" قِيلَ: "قَدْ تُخْطِئُ فَلَا يَكُونُ حَمْلًا فَيَكُونَ صَادِقًا وَهِيَ غَيْرُ زَانِيَةٍ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ". الفصل: إذا قال لها: هذا الحل ليس مني ولست بزانية ولم أصبك قلنا له: يجوز أن يكون

стр. 5420

ريحًا فسفس فلا يكون حملًا فتكون أنت صادقًا في قولك وتتربص حتى تستيقن أنه حمل، فإذا استيقنه الولادة قلنا له: يجوز أن يكون قد أخذت واستدخلتها فحملت منك فتكون صادقًا في قولك ما وطئتها ويكون الولد منك وإن لم يقل ذلك وأصر على نفيه. قال الشافعي ههنا: قلت له: إن قذفت لاعنت. وظاهر هذا يدل على أنه لا يصح اللعان حتى يتقدمه قذف، وقال بعد هذا: وإن قذفها لاعنها، وقال أيضًا: وإنما أوجب الله تعالى اللعان بالقذف فلا يجب بغيره. وهذا أيضًا يدل على أنه يلاعن إذا قدم القذف وإلا فلا يلاعن، وقال بعده: ولو قال: لم تزن هي ولكنها عصت لم تنفِ عنه إلا باللعان. فأجاز اللعان من غير قذف. وبيان المذهب فيه أنه مسائل: أحدها: إذا قال: ما هذا الحمل مني وليست هي بزانية فهذا لا يلاعن بهذا القدر من الكلام؛ لأن الولد يلحق به بالفراش، فإذا قال: [ق ٤ ب] ليس مني لم يقبل منه حتى ينسبه إلى وطئ غيره لا يلحق بوطئ نسب. والثانية: أن يقول له: ما هذا الولد مني هو ولد زنى من فلان بعينه، فهذا يلاعن قولًا واحدًا، ومثل هذا كانت قضية هلال بن أُمية. والثالثة: أن يقول: هو ولد زنى ولم يقل من فلان بعينه فله اللعان أيضًا، ومثل هذا كانت قضية العجلاني. والرابعة: أن يقول: ما هذا الولد مني وإنما هو من فلان وطئها بشبهة بأن وجدها على فراشه فظنها زوجته وهي ظنت أنه زوجها، لا يكون قاذفًا لهما ولا يجب الحد، فإن كان حملًا لا يلاعن لجواز أن يكون ريحًا على ما ذكرنا. فإن وضعته، قال أبو حامد، وجماعة: لا يلاعن قولًا واحدًا؛ لأنه وطئ شبهة يجوز لحوق الولد به إن ألحقته القافةَ به فينتفي عنه بغير لعان، وإذا أمكن نفي النسب بغير لعان لم يجز أن يلاعن لنفيه لولد الأمةَ لما جاز أن ينتفي بدعوى الاستبراء لم يلاعن، وهذا لا يصح لأنه يجوز أن ينكر فلان المرمى به الوطء فلا يلحقه الولد، ولو أقر بالوطئ يجوز أن لا تلحقه القافةَ به، والصحيح أن يقال: ينظر فإن أقرّ فلان بوطئها وصدقه على ما قال، فلا لعان، وتدعى له القافة، فإن ألحقوه بالمرمى بوطئها انتفي عن الزوج بلا لعان، وإن ألحقوه بالزوج اضطر إلى نفيه باللعان، وهل يجوز لعانه منه بغير قذف؟ قولان: أحدهما: وهو الأصح، وبه قال أبو إسحاق يصح، لأن هذا الوطء مفسدة لفراسه كالزنى فكان له اللعان، ولأنه إذا اعترف أنهما لم يزنيا لا يجوز أن يكذب عليهما في رميهما بالزنى، فعلى هذا يقول في لعانه: أشهد بالله، أني لمن الصادقين فيما رميتها به

стр. 5421

من إصابة غيري لها على فراشي [ق ٥ أ] وأن هذا الولد من تلك الإصابة ما هو مني، فإذا أكمل لعانه انتفي عنه النسب ولم تلاعن المرأة بعده؛ لأن هذا اللعان لا يوجب الحد عليها؛ لأنه قد أثبت وطء شبهة لا يوجب الحد، ولعانها مقصور على إسقاط الحد، وهو اختيار مشايخ الخرسان. والثاني: وبه قال المزني وهو مخرج من كلام محتمل للشافعي أنه لا يجوز أن يلاعن منه حتى يتضمنه قذف يوجب الحد؛ لأن اللعان مقام خزي فلم يجز إلا أن يكون مثله، ولأن فحوى الكتاب ونص السنة جاءت بمثله، فعلى هذا في كيفية قذفه وجهان: أحدهما: تصريح الزنى حكام أبو حامد. والثاني: لمعارض الزنى كقوله: فجرت بوطئ غيري، أو وطئت وطئًا حرامًا لئلا يصرح بتكذيب نفسه، وهذا أشبه، فإن وقع الاقتصار منه على معاريض القذف بتلفظ في لعانه كقوله: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من وطء الفجور، أو من وطء الحرام، وأن هذا الولد ما هو مني ولا يلزمها أن تلاعن بعده سواء أضاف الفجور إليها أو إلى الوطئ، لأنه كتابه لا يوجب الحد، وإن قلنا: لابد من القذف الصريح، فإن قذفها لاعن ولا عنت. وقوله في الأول: لا أقذفها لا يمنع من قذفها، لأن الرجل قد يمتنع عن قذف شخص ولو قذفه كان صادقًا، وإن قذفه دونها لاعن ولم تلاعن بعده، وإن قذفها دونه لاعن ولاعنت بعده؛ لأن لعانه من قذفها موجب للحد عليها فلم يسقط إلا بلعانها، ولعانه من قذف الواطئ وحده موجب للحد عليها فلم يحتج فيه إلى اللعان. والخامسة: أن يقول: وطئك فلان بشبهة وكنت عالمة بأنه أجنبي، فههنا قذفها دونه فيجوز على مذهب الشافعي [ق ٥ ب] أن يلاعن لنفي النسب وسقوط الحد؛ لأن هذا الوطء مفسد لفراشه على ما ذكرنا. وقال أبو حامد: لا يلاعن لنفي النسب؛ لأن وطء شبهة وفي حق الرجل يوجب لحقوق الولد به إن ألحقته القافة فينتفي عنه بغي لعان، وقد أبطلنا هذا. والسادسة: أن يقول فلان: أكرهك على الوطء، أو وطئك وأنت نائمة ولست بزانية، وما هذا الولد مني، فههنا قذفه ولم يقذفها يجوز أن يلتعن بهذا القذف وينفي ولدها سواء سمي المكره أم لا. وحكي المزني في جامعة الكبير: إن سمي المكره لاعن، وإن لم يسمه لا يلاعن لأن الحد يجب عليه إذا سماه ولا يجب إذا لم يسمه. واللعان عندنا لا يجوز إلا في قذف يوجب الحد، قال الإمام صاحب "الحاوي" نظرت في جامعة الكبير فلم أره مصرحًا بذلك، وإن كان كلامه محتملًا، فإن صح عنه هذا فهو باطل لأمرين:

стр. 5422

أحدهما: أن تسمية المقذوف [ليست] من شروط اللعان ولا سقوط الحد بمانعٍ من لعانه من نفي النسب كما في المجنونين، إذا قال: زنا هذا المجنون بهذه المجنونة وما هذا ولدي. والثاني: أنه لما كان هذا الوطء في إفساد الفراش كغيره وجب أن يساويه في نفس النسب بلعانه. وقيل: فيه قولان أيضًا؛ لأنه تجرد عن قذف أحد الواطئين كما لو لم يقذف الواطئ وقذفها على ما ذكرنا وهذا لا يصح، وأراد الشافعي بالقذف حين قال: "إن قذفها لاعنها" أن لا يقتصر على قوله ليس مني حتى ينسبه إلى وطء لا يلحق به النسب؛ لأن المقصود أن يُبرأ يلحق الولد جهةً محتملةً. واعلم أن المزني نقل منها في أثناء المسائل. ولو نفي ولدها، وقال: لا ألاعنها ولا أقذفها لم يلاعنها ولزمه الولد. وقال أبو إسحاق [ق ٦ أ] قال في الأم بخلاف ما حكاه المزني قال فيه: "ولو نفي ولدها، وقال: ألاعنها ولا أقذفها لم يلاعن، وهذا هو الصحيح وذلك غلط من المزني في النقل وتعليله يدل عليه؛ لأنه قال بعده؛ وإذا قذفها لاعنها لأنه إذا لاعنها بغير قذف فإنما يدعي أنها لم تلده، فدل أن المسألة الأولى إذا أراد اللعان وامتنع من القذف كما ذكره في "الأم" ومن هذا قال بعض أصحابنا: إنه لابد من قذف يوجب الحد، وقد ذكرنا أن الصحيح خلاف هذا والمراد باعتبار الفرق ما ذكرنا. فرع: لو قال: رأيت رجلًا يطأها ثم قال: عنيت زوجها قُبل وحلف، فإن نكل حلفت بالله أنه أراد قذفها فيحد، وإن لم يقل شيئًا، وقال: ما نويت بقول آخِرًا فيه وجهان: أحدهما: لا شيء عليه. والثاني: أنه يحلف أنه أراد قذفها فيحد. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لاِبْنِ المُلَاعِنَة لَسْتَ بابْنِ فُلَانٍ أُحْلِفَ مَا أَرَادَ قَذْفَ أُمِّهِ" الفصل: إذا قذف زوجته ونفي الولد فقال لهذا الولد: لست بابن فلان لم يكن قاذفًا لابنه،

стр. 5423

لأنه لفظ يحتمل القذف وغيره، وهو أنه يريد أن ثلاثًا قذفناك فلست بابنه، فإذا لم يكن قاذفًا سألناه عن مراده، فإن قال: أردت أم أمه أتت به من زنى فقد قذف أمه، فإن كانت محصنة يلزم الحد، وإن كانت نصرانية أو أمة فعليه التعزير، وإن قال: ما أردت أن أمه زنت وإنما أردت أن أباه قد نفاه باللعان نظر، فإن صدقته أمه فيما فسره فلا شيء عليه، وإن كذبته وقالت: هل أردت قذفي؟ فالقول قول لأنه أعرف نيته، فإن حلف برئ من الحد ولكنه يعزر للأذى؛ لأنه ليس له أن يحدد عليه ذكر نفيه، وإن نكل رددنا اليمين عليه، فإن حلف ثبت أنه قذفها فإما أن يكون عليه الحد [ق ٦ ب] إن كانت محصنة أو التعزير إن لم تكن محصنة، ثم قال الشافعي: ولو قال ذلك بعد أن أقَرَّ به الذي نفاه وحُدَّ إن كانت امرأته حرة إن طلبت الحد والتعزير إن كانت نصرانية أو أمة، فجعل هذا قذفًا لأمه في الظاهر إذا كان الملاعن أكذب نفسه واستلحق نسبه. قال المزني: قد قال في الرجل يقول لابنه: لست بابني أنه ليس بقاذف لأمه حتى يسأل، لأنه قد يمكن أن يعزيه إلى حلال. واختلف أصحابنا فيه على طرق: إحداها: أنه ينقل الجواب من كل واحدةٍ من المسألتين إلى الأخرى فيخرج على قولين، واختار المزني لا يكون قذفًا فيهما للاحتمال. والثانية: أنه يحتمل النصان على ظاهرهما ففي الأجنبي يكون قذفًا لها بخلاف الأب، والفرق أن الأب لا يستغني عن تأديب ولده تارة بالكلام وتارة بالضرب، فربما يقول: هذه المقالة ومراده زجر وتأديب وتغليظ عليه، فلهذا جعلناه من جهته كناية. وأما الأجنبي فقد أغناه الله تعالى عن مخاطبة ولد الأجنبي بمثل هذه المقالة فجعلنا منه قذفًا صريحًا ظاهرًا، وهذا اختيار القفال وهو حسن. والثالثة: أنه لا فرق بينهما ويكون قذفًا منهما في الكلام، والذي قاله المزني في الأب إذا قال ذلك قبل استقرار نسبة حال وصفه، فإنه يحتمل أن يكون معناه أنها لم تلد ولكنها استعادته أو التقطته، وإن قال الأب ذلك بعد استقرار نسبه يكون قذفًا لها. ويحكى هذا عن أبي إسحاق. والرابعة: أنه لا فرق بينهما ويكون كناية معًا في الظاهر، يحكى أن هذا عن أبي إسحاق وهو ضعيف؛ لأن الشافعي فرق بينها وبين ذلك بعد الاستلحاق أو قبل الاستلحاق وفي كونه كناية لا فرق. فإذا تقرر هذا وجعلناه قذفًا لها في الظاهر [ق ٧ أ] من الأجنبي فقال: أردت أنك لم تكن ابن فلان حين قال بلعانه، وإن صرت ابنًا له بعد الإقرار يُقبل مع يمينه ولا يلزمه الحد لإمكان ما قال، فإن قيل: أليس لو قال: يا زانية ثم قال: أردت زنى العين لم يُقبل؟ قيل: لأنه قذف صريح في الظاهر والباطن فلم ينو، وههنا تعريض بقذف في الظاهر دون الباطن فجاز مع الاحتمال أن ينوي. وإن كان الابن ثابت النسب لم يجز عليه لعان يقال:

стр. 5424

أحس هذا كان قذفًا في الظاهر والباطن لأنه لا احتمال فيه، نص عليه الشافعي. وحكي المزني عنه في الأب أنه إذا قال لابنه: لست بابني لا يكون قذفًا فاختلف أصحابنا فيه على طرق: أحدها: فيها قولان: أحدهما: أنه صريح منهما بالقذف. والثاني: لا يكون صريحًا لأنه يحتمل أنه ليس ابنه للاختلاف في الأفعال والأخلاق، فعلى هذا ماذا حكمه؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون قذفًا في الظاهر دون الباطن اعتبارًا بالأغلب من حاليه، فعلى هذا يؤاخذ بالحد إلا أن يقول: لم أرد به القذف وحلف. والثاني: أنه كناية ينوي فيه ولا يحد إلا أن يريد به القذف بخلاف المستلحق، والفرق أن المستلحق لما اعتل نسبه باللعان صار الظاهر من نفيه قذف ابنه وغيره لم يعتل نسبه، فصار الظاهر من نفيه مخالفة أبيه في أفعاله وأخلاقه. والثانية: وهو اختيار ابن أبي هريرة يحمل المصاف على ظاهرهما والفرق ما ذكرنا. والثالثة: الذي قال لا يكون قذفًا إذا لم يكن عند ولادته قبل استقرار نسبه فلا يكون قذفًا منهما والذي قال: يكون قذفًا منهما والفرق أن النسب ضعيف قبل استقراره بخلاف ما بعد استقراره وهو اختيار أبي إسحاق. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا نَفَيْنَا عَنْهُ وَلَدَهَا بِاللِّعَانِ، ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَها بِوَلَدٍ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا يَلْزَمُهُ [ق ٧ ب] لَهُ نَسَبُ "وَلَدِ" المَبْتُوتَةِ فَهُوَ وَلَدُهُ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلَعَانٍ". إذا قذف زوجته ونفي النسب ثم أتته بولد بعد هذا النفي لا يخلو إما أن يكون لاعن على الولد أو على الحمل، فإن كان لعانه على الولد مثل أن يقذفها وهي حامل فلم يلاعن حتى وضعت ثم لاعنها ونفاه، أو قذفها بعد الوضع ونفاه ثم أتت بولدٍ بعد هذا الولد لا يخلو إما أن تأتي بالثاني لدون ستة أشهر من وضع الأول أو لستة أشهر، فإن كان لدون ستة أشهر فهو الأول حمل واحد؛ لأن الله تعالى أجرى العادة إذا كان بينهما دون ستة أشهر أن لا يكونا إلا من ماء رجلٍ واحدٍ ولا يجوز أن يكونا من ماء رجلين، فإن أراد نفي الثاني فعليه أن يلتعن حتى ينفيه؛ لأنه أفرد ففي الأول باللعان فلا يكون نفيًا للثاني احتياطًا للنسب، فإنَّا إذا عرضنا عليه اللعان ربما يمتنع فيلحقه الولدان جميعًا، ولهذا نقول: يلحق النسب بالإقرار وربما يستدل به على الإقرار من السكوت

стр. 5425

وغيره، ولكن لا ينفي إلا بالصريح. وإذا لاعن ثانيًا لنفي الولد الثاني هل يحتاج إلى ذكر الولد الأول في لعانه؟ قال بعض أصحابه بخراسان: فيه وجهان؛ الأشهر أنه يحتاج إليه والأقيس عندي أنه لا يحتاج إليه، وإن لم ينفه ولكنه سكت أو استلحق الثاني لحقه الأول معه؛ لأنه لا يجوز أن ينفي بعد الحمل دون بعض، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا من حين وضعت الأول فالثاني حمل ثانٍ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة إذا كان بينهما ستة أشهر أنهما حملان، فيصح أن ينفي أحدهما دون الآخر، ثم نظر فيه، فإن نفي الثاني باللعان فلا كلام، وإن سكت أو استلحق لم يلحقه الأول؛ لأنهما حملان فيصح نفي أحدهما دون الآخر، هذا كله إذا كان [ق ٨ أ] اللعان على الولد، فإن كان اللعان على الحمل فقد بانت وانتفي حملها منه، فإن وضعت ولدًا كان منفيًا عنه بذلك اللعان، فإن وضعت آخر لا يخلو إما أن تأتي به لدون ستة أشهر من حين وضعت الأول أو لستة أشهر، فإن أتت به لدون ستة أشهر فالحمل واحد والحمل منفي عنه بذلك اللعان، لأن اللعان على الحمل إشارة إلى جميع ما يشتمل عليه الرحم، فهو كما لو أشار في اللعان الواحد إلى الولدين معًا بعد الولادة فيجوز، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا من حين وضعت الأول، والثاني منفي عنه بغير لعانٍ لأنها تقطع أنها حملت به بعد البيتوتة وانقضاء العدة. فإن قيل: أليس إذا بانت زوجته بطلاقٍ أو لعانٍ أو غير ذلك فانقضت عدتها بغير الوضع، ثم أتت بولدٍ لدون أربع سنين من حين البيتوتة لحق به الولد إلا أن ينفيه باللعان، فلم قلتم أنه إذا انقضت عدتها ههنا بالوضع ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر لا يلحق؟ قلنا: الفرق أن هناك حكمنا بانقضاء عدتها طاهرًا ويجوز أن تكون قد حاضت على الحمل فألحقنا به الولد وههنا قطعنا ببراءة رحمها بوضع الحمل فلا يمكن أن يكون هذا الولد الثاني منه فلم يلحق به. وذكر بعض أصحابنا بخراسان ههنا أنه إذا لم يلاعن لنفي الثاني لحقه دون الأول لاحتمال أنها علقت به بعد وضع الأول وهو غلط ظاهر. فرع: لو أتت بولد فلاعنها ونفاه، ثم أتت بولد آخر لأقل من ستة أشهر فقال: لا أنفي ولا ألاعن كان إقرارًا أو تكذيبًا لنفسه في الأول فيلحق به الولدان جميعًا، ولو قال: أنفيه ولكني لا ألاعن والنفي باللعان الأول لم يكن إقرارًا منه، وقلنا: أنت في قولك أكتفي باللعان الأول مخطئ ولابد لك من استئناف اللعان [ق ٨ ب]. فرع آخر: قال القفال: إذا قال: لا ألاعن لنفي الولد الثاني لا يحد إلا أن يقر بالثاني صريحًا، فيكون قد كذب نفسه في الولد الأول فيحد؛ لأنه كان في لعانه معاضلة آخر من وقوع الفرقة، وكذا الحد فسكوته عن الولد الثاني لم يبطل أصل لعانه ولا جميع مقصوده

стр. 5426

باللعان الأول فلا يجعل مكذبًا نفسه، ولا يكون كأنه لم يلاعن أصلًا، ويفارق هذا إذا كانت الولادة بعد البينونة بالطلاق أو غيره فنفاه باللعان بعد الولادة، ثم جاءت بولد آخر لأقل من ستة أشهر، وقال: لا ألاعن لنفي الولد الثاني يلزمه الحد لأن لعانه لم يعمل إلا عملًا واحدًا، وإذا أبطله بالامتناع من نفي الثاني باللعان جعل كأنه لم يلاعن ويلزمه الحد، وهذا حسن لم يذكره غيره. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ فَأَقَرَّ بِأحدهما وَنَفي الآخَرَ فَهُمَا ابْنَاهُ". الفصل: المسألة مفروضة فيه إذا ولدتهما معًا في وقت واحدٍ، أو أحدهما بعد الآخر وبينهما أقل من ستة أشهر فهما حمل واحد، فإن أقر الزوج بأحدهما ونفي الآخر لحقه معًا؛ لأن الكل حمل واحد، فإذا ألحق بعضه لحق كله، وإن نفاهما معًا باللعان ثبت نسبهما من أمهما وزال نسبهما منه فيرثان أمهما ولا يرثانه. وأما التوارث فيما بينهما إذا مات أحدهما، قد ذكرنا فيما تقدم وقيل: في هذا وفي الولدين من زنا في بطن واحد إذا مات أحدهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن أخاه يرثه بقرابة الأم في المسألتين جميعًا. والثاني: يرثه بقرابة الأب والأم، وهو اختيار الداركي لأنهما مخلوقان من ماء رجل واحد، ولا يكون الحمل الواحد إلا من رجل واحد، فإن قيل: لما كانت القرابة منقطعة بينهما وبين الواطئ فكذلك القرابة منقطعة بينهما من جهة الواطئ، قلنا: الشريعة [ق ٨ أ] قطعت القرابة من الواطئ تغليظًا عليه لما ارتكب من المعصية، وهذا كما يقول الأب القائل لا يرث ابنه ويرث أخوه بقرابة الأب والأم؛ لأن المانع يخص الأب دون الأخوين كذلك ههنا. والوجه الثالث: أنه يفرق بين ولدي الملاعنة وبين ولدي الزنى، فيرث الأخ من ولدي الملاعنة بقرابة الأب والأم جميعًا، ومن ولدي الزنى بقرابة الأم دون قرابة الأب، لأن ولدي الزنا لا يجوز أن يكون لهما أب، فإنه لو أكذب نفسه وأقرَّ به حلفناه، وهكذا حكاه القاضي الطبري عن ابن أبي هريرة وصاحب الإفصاح، والصحيح الأول وهو المشهور من مذهب الشافعي؛ لأنه لا أب لهما وإذا لم يكن لهما أب لم يجز أن يكون أخًا من الأب، لأن الإخوة فرع الأبوة فإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع. وأما قوله: إنه لا يتعدى الأب تغليظًا عليه لا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يرثه الابنان بالبنوة ولا يرثهما بالأبوة تغليظًا عليه، فلما كان الإرث منقطعًا من الجهتين

стр. 5427

دل على ما قلناه، فإن قيل: الأب لما لم يكن متعينًا لم تثبت الأبوة والأخ. من جهة الأب، قد يتعين، فوجب أن تثبت الإخوة ألا ترى أن الأم لما تعينت ثبتت الأمومة، قلنا: الأب لما لم يتعين لم يثبت أب، وإذا لم يكن أب لم يجز أن يكون أخ من أب، ولأن هذا يقتضي أن الصادق لو أخبر أنه مخلوق من ماء الزاني لم تثبت الأبوة وترثه الأم، فإن ارتكب هذا القائل هذا خالف قول النبي ﷺ : "وللعاهر الحجر". فرع: إذ لاعن من زوجته الابنة حرمت عليه، ولو اشتراها بعد ذلك لم يحل له وجهًا واحدًا، ولو اشترى للمطلقة الثلاث حلت له في أحد الوجهين، والفرق أن تحريم الطلاق [ق ٩ ب] لا يتأبد لأنها تحل بعد زوج آخرٍ وإصابته؛ بخلاف تحريم الملاعنة فإنه يتأبد، ولأن تحريم الطلاق يختص بالنكاح فحلت بملك اليمين، وتحريم اللعان لا يختص بالنكاح، لأنه يصح في النكاح الفاسد، وفي البائنة فافترقا. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ مَاتَ أحدهما ثُمَّ الْتَعَنَ نُفِيَ عَنْهُ الحَيُّ والميِّتُ". الفصل: إذا ولدت امرأته ولدين ولم يعترف لواحد منهما بل نفاهما فمات أحدهما لاعن عن الحي والميت جميعًا، فإذا لاعن عليهما انتفيا عنه. واعلم أنه لم يذكر الشافعي لفظ اللعان ههنا، ومراده إن سمي في اللعان الحي والميت جميعًا ولا ينفي عن أحدهما بتسمية الثاني، وإن كانا في بطن واحدٍ لأنهما لا ينفيان إلا معًا ولا يثبتان إلا معًا. وقال أبو حنيفة: يلحقه نسب الحي ويلاعن للقذف، وبنى ذلك على أصله أنه لا يجوز نفي الميت باللعان، وإذا لم ينف الميت لم ينف الحي لأنهما حمل واحد فلا يصح نفي بعضه، واحتج على أن الميت لا يصح نفيه بأنه انقطع نسبه بموته فلا حاجة إلى نفيه باللعان، كما لو ماتت لا يلاعنها بعد الموت لقطع النكاح، وهذا غلطٍ؛ لأن هذا الميت ينسب إليه يقال: هذا ابن فلان فيلزمه تكفينه وتجهيزه فكان له قطع نسبه وإسقاط مؤنته عن نفسه. وأما ما ذكره لا يصح لأنه بيَّنا أنه لم ينقطع نفيه بموته، ولو مات الولدان معًا أو كان مال ولدٌ واحدٌ فمات. قال أصحابنا بالعراق: يلاعن أيضًا للنفي على ما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا: لا يلاعن ههنا للنفي ولكن يلاعن لدرء الحد؛ لأنه لا ضرورة إلى اللعان في مثل هذا

стр. 5428

الموضع، ثم قال في المختصر: ولو نفي ولدها باللعان، ثم ولدت آخر بعده بيوم فأقر به لزماه جميعًا [ق ١٠ أ] وقد شرحنا حكمه فيما قبل، ثم قال: وقال بعض الناس -يعني أبا حنيفة- لو مات أحدهما قبل اللعان لاعن ولزمه الولدان وهما عندنا وعنده حمل واحد فكيف يلاعن ويلزمه الولدان؟ قال من قبل: إنه قد ورث الميت منهما، قيل له: ومن زعم أنه يرثه بل إذا لاعن نفي عنه الولدان ولا ميراث له من الميت، وقد ذكرنا هذا أيضًا. مسألة: قَالَ: "وَقَالَ أَيْضًا: "لَوْ نَفَاهُ بِاللَّعَانِ وَمَاتَ الْوَلَدُ فَادَّعَاهُ الأَبُ ضُرِبَ الحَدَّ وَلَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ وَلَمْ يَرِثَهُ الأَبُ". الفصل: هذه حكاية مذهب أبي حنيفة أنه قال: إذا ولدت ولدًا ونفاه باللعان ومات الولد ثم أكذب نفسه وأقرَّ به لا يقبل إقراره ولا يلحق نسبه ولا يرثه، إلا أن يكون خلف ولدًا فحينئذٍ يقبل ويرث، وعندنا إذا أكذب نفسه وأقرَّ به يلحقه سواءً خلف ولدًا أو لم يخلف ترك له مالًا أو لم يترك، ذكرًا أو أنثى والدليل على صحة هذا أن هذا ولد نفاه باللعان، فكان له استلحاقه كما لو كان حيًا أو كان له ولد، ويؤكده أن الأنساب لا تموت بموت الأشخاص وللميت نسب كما للحي نسب، ولا يصح مايقول أصحاب أبي حنيفة: إن الحي يحتاج إلى النسب والميت لا يحتاج إليه إذ ليست الأنساب إلى الحاجة وإنما الأنساب بالوجود. واحتج الشافعي فقال: لا فرق بين أن يترك ولدًا أو لم يتركه؛ لأن هذا الولد المنفي إذا مات فنفي السبب ثم أقرَّ به لم يعد إلى النسب؛ لأنه فارق الحياة بحال فلا ينتقل عنها فلذلك ابن المنفي في معنى المنفي وهذا إلزام عليه. ثم قال: وهو لا يكون ابنًا بنفسه فكيف يكون ابنه بالولد المنفي الذي قد انقطع نسب الحي منه والذي ينقطع به نسب الحي [ق ١٠ ب] ينقطع به نسب الميت، لأن حكمهما واحد وأراد بهذا الكلام أن إلحاقه به موجب كونه حاقدًا لهذا الرجل ولا يكون حاقدًا إلا بثبوت نسب الواسطة قد مات ونسبه منقطع عندك ولو لم يكن هذا الحاقد موجودًا لم يعد عندك نسب ذلك الميت، فكيف يعود نسب إلحاقه وكيف يجوز أن يصير الأصل تبعًا للفرع؟ ثم نقول لأبي حنيفة أيضًا: إن كانت العلة عندك أنه يتهم باختلاف الميراث فهو محال إذ لا يتهم أحدًا بأنه يلتزم الحد والعار ليرث ولأنه التهمة موجودة إذا خلف ولدًا وثبت النسب بإقراره ولأنه إذا مات معسرًا فالتهمة غير موجودة وعندكم لا يلحقه نسبه ولأنه يتهم باستلحاق الحي الموسر عند إعساره للاحتياج إلى النفقة ويلحقه مع ذلك.

стр. 5429

وقال مالك: إن بدأت غنيًا ذا مال يلحق به، وإن كان معسرًا لا يلحق لأن موت الغني باقي العلق وموت الفقير ينقطع العلق، حكاه صاحب الحاوي عنه وهذا غلط لأنه يلحق به نسب الحي فلذلك نسب الميت كما لو كان غنيًا. ثم قال للشافعي: "وَلَوْ قُتِلَ وَاقْتُسِمَتْ دِيَتُهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لَحِقَهُ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ دِيتِهِ وَمَالِهِ". الفصل: وشرحه قد ذكرناه. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لامْرَأَتِهِ: "يَا زَانِيَةُ: فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِكَ أَوْ بِكَ زَنَيْتُ". فالزوج قاذف وعليه الحد إلا أن يقيم البينة أو يلتعن والزوجة ليست بقاذفة؛ لأن قولها: "بك زنيت" يحتمل القذف وغير القذف، وذلك أنه يحتمل ثلاثة أشياء؛ قذف صريح وهو أن يقول: قد زنيت بي قبل الزوجية أو زنيت بك وأنت غير زانٍ لأنك وجدتني على فراشك فعرفتك أجنبيًا أو ظننتني زوجتم ويحتمل: ما زنيت أنا ولا أنت لقوله: سرقت فيقول: معك سرقت [ق ١١ أ] أي لم أسرق كما لم تسرق، فإذا احتمل كل هذا سألناها عن مرادها، فإن أقرب بالقسم الأول فقد اعترفت بالزنى وقذفته فعليها الحدان معًا ويسقط حدّ الزنى وسقط حدّ القذف لأنها قد صدقته، وإن فسرت بالقسم الثالث وأنه ما زنى واحد منا فما اعترفت بالزنا، فإن صدقها فلا حدّ عليها والزوج قاذف، وإن كذبها وقال: بل أردت قذفي والإقرار على نفسك بالزنى فالقول قولها مع يمينها، لأنها في جواب هذا الخطاب لا يبعد أن يريد هذا المراد، وصورة يمينها أنها تحلف أنها ما أرادت الإقرار بالزنى ولا تحلف ما زنت ويكون يمينها في حق الزوج لما يتعلق به من سقوط حدّ القذف عنه لا في حق الله تعالى؛ لأن منكر الزنى لا يحلف، وفي القذف يحلف بالله تعالى أنها ما أرادت قذفه ولا يحلف أنها قذفته، وهل يلزمها في الأمرين يمينًا واحدة أو يمينين؟ قال صاحب "الحاوي": يحتمل وجهين: أحدهما: "يمينًا واحدًا يتعلق الحق فيها بشخص واحد. والثاني: يمينين؛ لأن لكل واحد منهما حكمًا يخالف حكم الآخر، فإن حلفت على الأمرين سقط عنها حدّ الزنى، وحدّ القذف، ووجب عليه حدّ القذف لها إن تلاعنا، وإن

стр. 5430

نكلت في الأمرين أحلف الزوج عليها أنها أرادت الإقرار بالزنى وأرادت قذفه بالزنى، وهل يحلف يمينًا أو يمينين على ما ذكرنا من الوجهين. فإذا حلف سقط عنه حدّ قذفها ووجب عليها حدّ قذفه ولم تحدّ للزنا؛ لأنها لا تحدّ في الزنى بيمين غيرها، وإنما كانت يمين الزوج في حقّ نفسه لا في حق الله تعالى. فإن قيل: أليس توجبون حدّ الزنى عليها بلعانة ولعانة يمين عندكم. قيل: اللعان جعل حجة للزوج قائمًا مقام البينة لإثبات الزنى عليها لحاجته إلى ذلك ولهذا يرد تعدد الشهادة فثبت الزنى، وههنا يمينه لأجل ما ادعاه [ق ١١ ب] من سقوط حدّ القذف عنه ووجوب حدّ القذف عليها لإثبات الزنى؛ لأنه لو ادعى زناها لم يحلف بحالٍ فافترقا. واعلم أنه لا تسمع الدعوى في الزنى على أحدٍ إلا في مسألة واحدة، وهي أن يقذف رجلًا فيطالب المقذوف بحدّه فيقول القاذف للحاكم: أحلفه أنه لم يزن فإن حلف برئ من الزنى، وإن لم يحلف ردت اليمين على القاذف، فإن حلف سقط عنه حدّ القذف ولم يجب على الناكل حدّ الزنى، وكذلك لو قالت أردت أنه لم يكن وطئ إلا منك، فإن كان ذلك زنا منك فأنت أعلم فالقول لها مع يمينها وهذا احتمال رابع. فرع: لو قالت هذا ابتداءً لزوجها زنيت بك فهذا اعتراف بالزنى وقذف له، فلا يقبل التأويل ههنا منها، لأنها لم تخرج هذا الكلام على وجه المقابلة لكلامه بخلاف المسألة قبلها. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ قَالَتْ لَهُ: بَلْ أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لأَنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهِ قَذَفًا". الفصل: إذا قال لها: يا زانية فقالت في الجواب: بل أنت أزنى مني يكون كناية في الجواب، ويحتمل الاحتمالات الأربعة وهي أنك زنيت بي قبل النكاح وكنت أزنى مني لاختصاصك بالفعل. والثاني: أني ما زنيت ولا أنت إذا لم يطأني أحد غيرك، فإن كنت به زانية فأنت أزنى مني فإنك أنت الواطئ والداعي إليه والحامل عليَّ. والثالث: أني ما زنيت فإني وجدتك على فراشي فظننت أنك زوجي وأنت عرفت أني أجنبية.
следующие страницы →