← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

باللعان الأول فلا يجعل مكذبًا نفسه، ولا يكون كأنه لم يلاعن أصلًا، ويفارق هذا إذا كانت الولادة بعد البينونة بالطلاق أو غيره فنفاه باللعان بعد الولادة، ثم جاءت بولد آخر لأقل من ستة أشهر، وقال: لا ألاعن لنفي الولد الثاني يلزمه الحد لأن لعانه لم يعمل إلا عملًا واحدًا، وإذا أبطله بالامتناع من نفي الثاني باللعان جعل كأنه لم يلاعن ويلزمه الحد، وهذا حسن لم يذكره غيره. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ فَأَقَرَّ بِأحدهما وَنَفي الآخَرَ فَهُمَا ابْنَاهُ". الفصل: المسألة مفروضة فيه إذا ولدتهما معًا في وقت واحدٍ، أو أحدهما بعد الآخر وبينهما أقل من ستة أشهر فهما حمل واحد، فإن أقر الزوج بأحدهما ونفي الآخر لحقه معًا؛ لأن الكل حمل واحد، فإذا ألحق بعضه لحق كله، وإن نفاهما معًا باللعان ثبت نسبهما من أمهما وزال نسبهما منه فيرثان أمهما ولا يرثانه. وأما التوارث فيما بينهما إذا مات أحدهما، قد ذكرنا فيما تقدم وقيل: في هذا وفي الولدين من زنا في بطن واحد إذا مات أحدهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن أخاه يرثه بقرابة الأم في المسألتين جميعًا. والثاني: يرثه بقرابة الأب والأم، وهو اختيار الداركي لأنهما مخلوقان من ماء رجل واحد، ولا يكون الحمل الواحد إلا من رجل واحد، فإن قيل: لما كانت القرابة منقطعة بينهما وبين الواطئ فكذلك القرابة منقطعة بينهما من جهة الواطئ، قلنا: الشريعة [ق ٨ أ] قطعت القرابة من الواطئ تغليظًا عليه لما ارتكب من المعصية، وهذا كما يقول الأب القائل لا يرث ابنه ويرث أخوه بقرابة الأب والأم؛ لأن المانع يخص الأب دون الأخوين كذلك ههنا. والوجه الثالث: أنه يفرق بين ولدي الملاعنة وبين ولدي الزنى، فيرث الأخ من ولدي الملاعنة بقرابة الأب والأم جميعًا، ومن ولدي الزنى بقرابة الأم دون قرابة الأب، لأن ولدي الزنا لا يجوز أن يكون لهما أب، فإنه لو أكذب نفسه وأقرَّ به حلفناه، وهكذا حكاه القاضي الطبري عن ابن أبي هريرة وصاحب الإفصاح، والصحيح الأول وهو المشهور من مذهب الشافعي؛ لأنه لا أب لهما وإذا لم يكن لهما أب لم يجز أن يكون أخًا من الأب، لأن الإخوة فرع الأبوة فإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع. وأما قوله: إنه لا يتعدى الأب تغليظًا عليه لا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يرثه الابنان بالبنوة ولا يرثهما بالأبوة تغليظًا عليه، فلما كان الإرث منقطعًا من الجهتين

стр. 5427

دل على ما قلناه، فإن قيل: الأب لما لم يكن متعينًا لم تثبت الأبوة والأخ. من جهة الأب، قد يتعين، فوجب أن تثبت الإخوة ألا ترى أن الأم لما تعينت ثبتت الأمومة، قلنا: الأب لما لم يتعين لم يثبت أب، وإذا لم يكن أب لم يجز أن يكون أخ من أب، ولأن هذا يقتضي أن الصادق لو أخبر أنه مخلوق من ماء الزاني لم تثبت الأبوة وترثه الأم، فإن ارتكب هذا القائل هذا خالف قول النبي ﷺ : "وللعاهر الحجر". فرع: إذ لاعن من زوجته الابنة حرمت عليه، ولو اشتراها بعد ذلك لم يحل له وجهًا واحدًا، ولو اشترى للمطلقة الثلاث حلت له في أحد الوجهين، والفرق أن تحريم الطلاق [ق ٩ ب] لا يتأبد لأنها تحل بعد زوج آخرٍ وإصابته؛ بخلاف تحريم الملاعنة فإنه يتأبد، ولأن تحريم الطلاق يختص بالنكاح فحلت بملك اليمين، وتحريم اللعان لا يختص بالنكاح، لأنه يصح في النكاح الفاسد، وفي البائنة فافترقا. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ مَاتَ أحدهما ثُمَّ الْتَعَنَ نُفِيَ عَنْهُ الحَيُّ والميِّتُ". الفصل: إذا ولدت امرأته ولدين ولم يعترف لواحد منهما بل نفاهما فمات أحدهما لاعن عن الحي والميت جميعًا، فإذا لاعن عليهما انتفيا عنه. واعلم أنه لم يذكر الشافعي لفظ اللعان ههنا، ومراده إن سمي في اللعان الحي والميت جميعًا ولا ينفي عن أحدهما بتسمية الثاني، وإن كانا في بطن واحدٍ لأنهما لا ينفيان إلا معًا ولا يثبتان إلا معًا. وقال أبو حنيفة: يلحقه نسب الحي ويلاعن للقذف، وبنى ذلك على أصله أنه لا يجوز نفي الميت باللعان، وإذا لم ينف الميت لم ينف الحي لأنهما حمل واحد فلا يصح نفي بعضه، واحتج على أن الميت لا يصح نفيه بأنه انقطع نسبه بموته فلا حاجة إلى نفيه باللعان، كما لو ماتت لا يلاعنها بعد الموت لقطع النكاح، وهذا غلطٍ؛ لأن هذا الميت ينسب إليه يقال: هذا ابن فلان فيلزمه تكفينه وتجهيزه فكان له قطع نسبه وإسقاط مؤنته عن نفسه. وأما ما ذكره لا يصح لأنه بيَّنا أنه لم ينقطع نفيه بموته، ولو مات الولدان معًا أو كان مال ولدٌ واحدٌ فمات. قال أصحابنا بالعراق: يلاعن أيضًا للنفي على ما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا: لا يلاعن ههنا للنفي ولكن يلاعن لدرء الحد؛ لأنه لا ضرورة إلى اللعان في مثل هذا

стр. 5428

الموضع، ثم قال في المختصر: ولو نفي ولدها باللعان، ثم ولدت آخر بعده بيوم فأقر به لزماه جميعًا [ق ١٠ أ] وقد شرحنا حكمه فيما قبل، ثم قال: وقال بعض الناس -يعني أبا حنيفة- لو مات أحدهما قبل اللعان لاعن ولزمه الولدان وهما عندنا وعنده حمل واحد فكيف يلاعن ويلزمه الولدان؟ قال من قبل: إنه قد ورث الميت منهما، قيل له: ومن زعم أنه يرثه بل إذا لاعن نفي عنه الولدان ولا ميراث له من الميت، وقد ذكرنا هذا أيضًا. مسألة: قَالَ: "وَقَالَ أَيْضًا: "لَوْ نَفَاهُ بِاللَّعَانِ وَمَاتَ الْوَلَدُ فَادَّعَاهُ الأَبُ ضُرِبَ الحَدَّ وَلَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ وَلَمْ يَرِثَهُ الأَبُ". الفصل: هذه حكاية مذهب أبي حنيفة أنه قال: إذا ولدت ولدًا ونفاه باللعان ومات الولد ثم أكذب نفسه وأقرَّ به لا يقبل إقراره ولا يلحق نسبه ولا يرثه، إلا أن يكون خلف ولدًا فحينئذٍ يقبل ويرث، وعندنا إذا أكذب نفسه وأقرَّ به يلحقه سواءً خلف ولدًا أو لم يخلف ترك له مالًا أو لم يترك، ذكرًا أو أنثى والدليل على صحة هذا أن هذا ولد نفاه باللعان، فكان له استلحاقه كما لو كان حيًا أو كان له ولد، ويؤكده أن الأنساب لا تموت بموت الأشخاص وللميت نسب كما للحي نسب، ولا يصح مايقول أصحاب أبي حنيفة: إن الحي يحتاج إلى النسب والميت لا يحتاج إليه إذ ليست الأنساب إلى الحاجة وإنما الأنساب بالوجود. واحتج الشافعي فقال: لا فرق بين أن يترك ولدًا أو لم يتركه؛ لأن هذا الولد المنفي إذا مات فنفي السبب ثم أقرَّ به لم يعد إلى النسب؛ لأنه فارق الحياة بحال فلا ينتقل عنها فلذلك ابن المنفي في معنى المنفي وهذا إلزام عليه. ثم قال: وهو لا يكون ابنًا بنفسه فكيف يكون ابنه بالولد المنفي الذي قد انقطع نسب الحي منه والذي ينقطع به نسب الحي [ق ١٠ ب] ينقطع به نسب الميت، لأن حكمهما واحد وأراد بهذا الكلام أن إلحاقه به موجب كونه حاقدًا لهذا الرجل ولا يكون حاقدًا إلا بثبوت نسب الواسطة قد مات ونسبه منقطع عندك ولو لم يكن هذا الحاقد موجودًا لم يعد عندك نسب ذلك الميت، فكيف يعود نسب إلحاقه وكيف يجوز أن يصير الأصل تبعًا للفرع؟ ثم نقول لأبي حنيفة أيضًا: إن كانت العلة عندك أنه يتهم باختلاف الميراث فهو محال إذ لا يتهم أحدًا بأنه يلتزم الحد والعار ليرث ولأنه التهمة موجودة إذا خلف ولدًا وثبت النسب بإقراره ولأنه إذا مات معسرًا فالتهمة غير موجودة وعندكم لا يلحقه نسبه ولأنه يتهم باستلحاق الحي الموسر عند إعساره للاحتياج إلى النفقة ويلحقه مع ذلك.

стр. 5429

وقال مالك: إن بدأت غنيًا ذا مال يلحق به، وإن كان معسرًا لا يلحق لأن موت الغني باقي العلق وموت الفقير ينقطع العلق، حكاه صاحب الحاوي عنه وهذا غلط لأنه يلحق به نسب الحي فلذلك نسب الميت كما لو كان غنيًا. ثم قال للشافعي: "وَلَوْ قُتِلَ وَاقْتُسِمَتْ دِيَتُهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لَحِقَهُ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ دِيتِهِ وَمَالِهِ". الفصل: وشرحه قد ذكرناه. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لامْرَأَتِهِ: "يَا زَانِيَةُ: فَقَالَتْ: زَنَيْتُ بِكَ أَوْ بِكَ زَنَيْتُ". فالزوج قاذف وعليه الحد إلا أن يقيم البينة أو يلتعن والزوجة ليست بقاذفة؛ لأن قولها: "بك زنيت" يحتمل القذف وغير القذف، وذلك أنه يحتمل ثلاثة أشياء؛ قذف صريح وهو أن يقول: قد زنيت بي قبل الزوجية أو زنيت بك وأنت غير زانٍ لأنك وجدتني على فراشك فعرفتك أجنبيًا أو ظننتني زوجتم ويحتمل: ما زنيت أنا ولا أنت لقوله: سرقت فيقول: معك سرقت [ق ١١ أ] أي لم أسرق كما لم تسرق، فإذا احتمل كل هذا سألناها عن مرادها، فإن أقرب بالقسم الأول فقد اعترفت بالزنى وقذفته فعليها الحدان معًا ويسقط حدّ الزنى وسقط حدّ القذف لأنها قد صدقته، وإن فسرت بالقسم الثالث وأنه ما زنى واحد منا فما اعترفت بالزنا، فإن صدقها فلا حدّ عليها والزوج قاذف، وإن كذبها وقال: بل أردت قذفي والإقرار على نفسك بالزنى فالقول قولها مع يمينها، لأنها في جواب هذا الخطاب لا يبعد أن يريد هذا المراد، وصورة يمينها أنها تحلف أنها ما أرادت الإقرار بالزنى ولا تحلف ما زنت ويكون يمينها في حق الزوج لما يتعلق به من سقوط حدّ القذف عنه لا في حق الله تعالى؛ لأن منكر الزنى لا يحلف، وفي القذف يحلف بالله تعالى أنها ما أرادت قذفه ولا يحلف أنها قذفته، وهل يلزمها في الأمرين يمينًا واحدة أو يمينين؟ قال صاحب "الحاوي": يحتمل وجهين: أحدهما: "يمينًا واحدًا يتعلق الحق فيها بشخص واحد. والثاني: يمينين؛ لأن لكل واحد منهما حكمًا يخالف حكم الآخر، فإن حلفت على الأمرين سقط عنها حدّ الزنى، وحدّ القذف، ووجب عليه حدّ القذف لها إن تلاعنا، وإن

стр. 5430

نكلت في الأمرين أحلف الزوج عليها أنها أرادت الإقرار بالزنى وأرادت قذفه بالزنى، وهل يحلف يمينًا أو يمينين على ما ذكرنا من الوجهين. فإذا حلف سقط عنه حدّ قذفها ووجب عليها حدّ قذفه ولم تحدّ للزنا؛ لأنها لا تحدّ في الزنى بيمين غيرها، وإنما كانت يمين الزوج في حقّ نفسه لا في حق الله تعالى. فإن قيل: أليس توجبون حدّ الزنى عليها بلعانة ولعانة يمين عندكم. قيل: اللعان جعل حجة للزوج قائمًا مقام البينة لإثبات الزنى عليها لحاجته إلى ذلك ولهذا يرد تعدد الشهادة فثبت الزنى، وههنا يمينه لأجل ما ادعاه [ق ١١ ب] من سقوط حدّ القذف عنه ووجوب حدّ القذف عليها لإثبات الزنى؛ لأنه لو ادعى زناها لم يحلف بحالٍ فافترقا. واعلم أنه لا تسمع الدعوى في الزنى على أحدٍ إلا في مسألة واحدة، وهي أن يقذف رجلًا فيطالب المقذوف بحدّه فيقول القاذف للحاكم: أحلفه أنه لم يزن فإن حلف برئ من الزنى، وإن لم يحلف ردت اليمين على القاذف، فإن حلف سقط عنه حدّ القذف ولم يجب على الناكل حدّ الزنى، وكذلك لو قالت أردت أنه لم يكن وطئ إلا منك، فإن كان ذلك زنا منك فأنت أعلم فالقول لها مع يمينها وهذا احتمال رابع. فرع: لو قالت هذا ابتداءً لزوجها زنيت بك فهذا اعتراف بالزنى وقذف له، فلا يقبل التأويل ههنا منها، لأنها لم تخرج هذا الكلام على وجه المقابلة لكلامه بخلاف المسألة قبلها. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَتْ قَالَتْ لَهُ: بَلْ أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لأَنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهِ قَذَفًا". الفصل: إذا قال لها: يا زانية فقالت في الجواب: بل أنت أزنى مني يكون كناية في الجواب، ويحتمل الاحتمالات الأربعة وهي أنك زنيت بي قبل النكاح وكنت أزنى مني لاختصاصك بالفعل. والثاني: أني ما زنيت ولا أنت إذا لم يطأني أحد غيرك، فإن كنت به زانية فأنت أزنى مني فإنك أنت الواطئ والداعي إليه والحامل عليَّ. والثالث: أني ما زنيت فإني وجدتك على فراشي فظننت أنك زوجي وأنت عرفت أني أجنبية.

стр. 5431

والرابع: أني ما زنيت ولا أنت وأنه لم يطأني سواك. فإن قالت: أردت القسم الأول فقد أقرت بالزنى وقذفته، وقد سبق حكمه، وإن قالت: أردت القسم الثاني فالقول قولها على ما ذكرنا، وإن قالت: أردت القسم الثالث فقد قذفته [ق ١٢ أ] وما أقرت بالزنى ولكنها أقرت بوطء حرام فسقط حدّ قذفها ويجب له حدّ القذف عليها، والقسم الرابع راجع إلى القسم الثاني، وقيل: يحتمل ههنا القسم الرابع وليس كذلك على ما ذكرنا من البينتين. فرع: لو قالت في الابتداء هذا القول هل يكون كناية كالجواب أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون كناية كالجواب؛ لأن أزنى صفة محتملة فاستوت في الابتداء والجواب. والثاني: قاله الداركي أنه قذف صريح عند الابتداء؛ لأنه يكون في الجواب إذًا فجعل كناية وفي الابتداء يكون جرحًا فكان صريحًا كقولها: زنيت بك في الجواب كناية، وفي الابتداء صريح. وقال مالك: هذا اللفظ صريح فيها يوجب الحد بكل حالٍ، وهو بناء على أصله في أن معاريض القذف له صريح يوجب الحد. مسألة: قَالَ: "وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ أَزْنَا مِنْ فُلَانَةَ أَوْ أَزْنَا مِنْ النَّاسِ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَذْفًا إِلَّا أَنْ يُريدَ بِهِ قَذْفًا". إذا قال لها: أنت أزنا من فلانة لم يكن قذفًا بظاهره؛ لأنَّا لا نعلم أن فلانة زانية ولم يذكر هو أن فلانة زانية، فإن قيل: هذا اللفظ يوجب كونها زانية لأن أفعل يقتضي الاشتراك، ألا ترى أنه إذا قيل فلان أكرم من فلان يقتضي الكرم لهما، قلنا: قد ترد كلمة أفعل مقتضيًا للاشتراك، وقد يرد سلب الاشتراك، ألا ترى قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّ﴾ [الفرقان: ٢٤]، ولا خير لأهل النار ولم يتضمن الاشتراك، وإذا ثبت هذا قيل له: ما أردت؟ فإن قال: ما أردت القذف لأن فلانة ليست بزانية وإنما أردت بذلك النفي، فإن صدقته فلا كلام وإن كذبته فالقول قوله مع يمينه، ولو قال: أردت أن فلانة زانية وأنت أزنى منها، أو قال في الابتداء هكذا كان قذفًا صريحًا. وحكي عن المزني أنه لا يكون صريحًا ههنا أيضًا [ق ١٢ ب] وهذا غلط ظاهر لما ذكرنا. وقال صاحب "الحاوي": هكذا ذكر أصحابنا والصحيح عندي أنه إذا قال: أنت

стр. 5432

أزنى من (فلانة) يكون قذفاً صريحاً لزوجته وكنايه في قذف فلانة، لأنه صريح فيها بلفظ الزني، وأدخل ألف المبالغة زيادة في تأكيد القذف كما دخلت الألف في أكبر مبالغه للتعظيم، فالمبالغة إن لم ترد في هذا القذف شراً لم ترد خيراً. وأما في فلانة يحتمل الاشتراك ويحتمل السلب كقول القائل: زيد أعلم من عمر ويكون تشريكاً بينهما في العلم وتفصيل زيد على عمرو والسلب ما ذكرنا في أهل النار فيرجع فيه إلى إرادته. وأما إذا قال: أنت أزنى الناس لا يكون قاذفاً صريحاً للمعنى الذي ذكرنا، ولأنًا نتحقق كذبه فإن الناس كلهم ليسوا زناة ولا تكون هي أزني من جميعهم، وقال صاحب " الحاوي ": الصحيح عندي أنه يكون قذفاً صريحاً، لأن لفظ المبالغة في الصفة إذا أضيف إلى جماعة فيهم مشارك فيها ومخالف حملت علي المشاركة في إثبات الصفة ولا تحمل علي المخالفة في نفيها، كما لو قال: زيد أعلم أهل البصرة ومعلوم علماء وغير علماء كان محمولاً علي إثبات علمه في التشريك بينه وبين علمائها، ولا يحمل على نفيه في التشريك بينه وبين جهالها فيحمل ههنا أيضاً على مبالغة إضافته إلي الزيادة، وإن كان في الناس زناة وغير زناة وليس في القذف أبلغ من هذا، لأنه جعله أزنى من كل زانٍ وأيضاً لو قلنا لا يكون صريحاً لما ذكر من التعليل من تيقن كذبه لخرج بهذا التعليل من كنايه القذف أيضاً فلا يصير قذفاً، وإن أراده، لأن القذف ما احتمل الصدق والكذب. فأما ما قطع فيه بالصدق، أو قطع فيه بالكذب لا يكون قذفاً كما لو قال لبنت شهر: زنيت لا يكون قذفاً وكذلك لو قذف من ثبت زناها لم يكن قذفاً بصحته. وحكي عن المزني أنه قال: لا يكون كناية أيضاً لهذه العلة، ولكنه لم يوجد هذا في مختصره ولا في جامعه [ق ١٣ أ] ولو قال: أردت أنها أزنا من زناة الناس فقد قذفها صريحاً وعليه الحد لها، ولا يكون قاذفاً لزناة الناس لأنهم غير متعينين. وكذلك لو قال في الناس زناة وأنت أزنى منهم. قال أصحابنا: ولو قال الناس كلهم زناة وأنت أزنى منهم لا يكون قذفاً، لاَنَّا نعلم كذبه فإن الناس كلهم ليسوا زناة، وكذلك لو قالوا لامرأة: أنت زانيه، ثم قال لامرأته: وأنت أزنا منها كان قاذفاً لهما، ولو قال لامرأته: وأنت أيضاً فيه وجهان: أحدهما: يكون قاذفاً. والثاني: يكون كنايه كما لو قال: أنت كهي أو شريكتها. وكذلك لو قال: أنت أزنى من أهل طبرستان لا يكون قذفاً لما ذكرنا أن أهل طبرستان كلهم ليسوا بزناه إلا أن يقول: أردت أنك من زناه أهل طبرستان فيكون قذفاً، لأنه لو صرح هكذا كان قذفاً أيضاً.

стр. 5433

قال القفال: لو قال: أنت أزنى من فلان ثم ثبت زنا فلان باعترافه أو ببينه لم يُحد، لأنه يقول: ما قذفته ولا عرفت زناه، وقيل: فيه وجهان هل يلزم الحد أم لا؟ فإن اعترف أنه كان عالماً بزني فلان لزمه الحد لهذا الذي خاطبه بقوله: أنت أزنى من فلان، ولا يلزم لفلان بهذا الاعتراف الذي حصل إلا أن البينة قامت على زناه ويعزر لفلان للآمدي. مسألة: قَالَ:" وَلَو قَالَ لَهَا: يَا زَانٍ هَذَا قَذُفاً وهَذَا تَرْخِيمٌ كَمَا تَقُولُ لِمالِكٍ يَا مَالِ، ولِحَارِثَ يَا حَارِ ". إذا قال الرجل للمرأة: يا زان كان قذفاً في المشهور من المذهب. وقال الداركي: سمعت أبا محمد الفارسي يقول: قال الشافعي في كتاب الدعوى والبينات لا يكون قذفاً. قال الداركي: وطلبت ذلك فيه فلم أجده وهذا ليس بمشهور، وإنما قلنا كذلك لأن كل كلام فهم معناه لزم القائل حكمه، وإن كان لحناً. كما لو قال: زنيت بفتح التاء أو قال له: زنيت بكسر التاء كان قذفاً بالإجماع، ولأن قوله: [ق ١٣ ب] يا زان خطاب لها وإشارة إليها ويلحقها المعرة بذلك في هذا القول. وحدّ القذف لدفع المعرة فلا يضر ترك هاء التأنيث، ولأنه يحتمل أن يريد به يا شخص زان فكان قذفاً، لأنه لو صرح هكذا كان قذفاً بالإجماع، ولأن هذا اللفظ صحيح في اللغة وتسقط الهاء للترخيم كما قال الشافعي، وقال محمد، وابن داود لا يكون هذا قذفاً ولا يجوز أن يكون ترخيماً، لأن الترخيم في الأسماء الأعلام ولا يدخل الترخيم في الأسماء المشتقة، ولأن هاء التأنيث إذا رخمت يجب أن يبقى الحرف الذي قبله على جهته. فأما الترخيم الهاء والحرف الذي قبله لا يجوز وهذا غلط، لان الترخيم ورد في اسم الفاعل فإنهم يقولون للصاحب: يا صاح وللمالك يا مال وللحارث يا حا وهذه أسماء مشتقه، وقد وردت مرخمة. وأما حذف الحرف الذي قبل هاء التأنيث يجوز إذا كان حرف عله. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي هريرة: " يا أبا هر " وقد تحذف العرب أكثر من حرف ترخيماً كما قالوا في عثمان: يا عثم، ولمروان يا مرو, ولمنصور يا منص، فبطل ما قالوه. وحكي حرملة هذه المسألة بالياء فقال: لو قال: يا زاني كان قذفاً. مسألة: قَالَ: " ولَو قَالَتْ لَهُ: يَا زَانِيَهُ أَكْمَلَتِ القَذْفَ وزَادَتْ حَرْفاً أَو حَرْفَيْنِ ". إذا قالت لزوجها أو لأجنبي: يا زانية، أو قال أجنبي لأجنبي: يا زانيه كان صريحاً في القذف، وبه قال محمد وأحمد، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يكون قذفاً لأنها

стр. 5434

وصفته بصفه النساء في الزنى، والزنى من الزني التمكين وهذا الوصف من الرجال مستحيل فلا يكون قذفاً. وهذا غلط لأن العلامة الفاصلة بين الذكور والإناث سقط اعتبارياً [ق ١٤ أ] عند الإشارة إلي العين كما لو قال لأمته: أنت حر ولعبده أنت حرة. وأما ما ذكره لا يصح لأنه لوقال لها: يا زان جعل قاذفاً بالإجماع وقد وصفها علي زعمك بصفه الرجال في الزنى، والزنى في الرجال الإيلاج وذلك في النساء مستحيل. فإن قلتم: مرادنا زانية ولكنه أسقط الهاء لمعني من المعاني قلنا: وكذلك مرادها يا زان ولكنها ألحقت الهاء لمعني المبالغة كما يقال: فلانة راويه الأخبار إذا كان كثير الرواية لها، وفلان نسابة وعلامة، وقال الله تعالى: ﴿بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ [القِيَامَة: ١٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (١)﴾ [الهُمَزة: ١]. ثم قال لها المزني قال الشافعي: " قال بعض الناس - يعني أبا حنيفة - إذا قال لها: يا زان لا عن أوحُدَّ " لان الله تعالي قال: ﴿وقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ﴾ [يُوسُف: ٣٠] ولو قالت له: يا زانية لم يُحدّ، قال الشافعي: "وهذا جهل بلسان العرب إذا تقدم فعل الجماعة من النساء كان الفعل مذكراً مثل قال نسوه وخرج النسوة وإذا كانت واحدة فالفعل مؤنث مثل قالت: وخرجت وجلست " ومراد الشافعي أبطل تعليل أبي حنيفة حيث علل فقال: إذا قال لها: يا زان كان قذفاً، لأن الله تعالي قال: وقالت نسوه وإنما التعليل ما ذكر الشافعي أنه ترخيم، والترخيم عاده مشهورة في كلامهم. فأما إطلاق الزاني والسارق للمؤنث لا علي طريق الترخيم لا يجوز في كلام العرب بحالٍ، فإن قال قائل، قال الشافعي إذا قالت له: يا زانية أكملت القذف وزادته حرفاً أو اثنين ونحن نعلم أن مقدار الزيادة لا يخفي علي الشافعي فلم أخرج كلامه مخرج للشك؟ قيل: الفاعل إذا كان من باب الناقص مثل الرامي. وقد قال الشافعي: المعروف في كلام العرب أنهم يقولون زنا بغير همز إذا أراد والفاحشة وزنا بالهمزة إذا أرادوا الترقي في الجبل، فكيف يجعل صريحاً في القذف وهو يحتمل معني الصعود؟ فإن قيل: إذا أرادوا منه الصعود قالوا: زنا علي الجبل، وإذا قالوا: زنا في الجبل لم يصلح ذلك اللفظ للصعود وظاهره الفاحشة. قلنا: ليس كذلك بل يستعمل هذا اللفظ مهموزاً مع كلمه في والمراد به الصعود. وقال ابن السكيت في كتابه حكاية عن امرأة من العرب ترقص ابنها وتقول: أشبه أبا أمك أو أشبه جمل ... ولا تكونن كهلوف وكل [ق ١٠ أ]. يصبح في مضجعه قد انجدل وأرق إلي الخيرات زنا في الجبل وقوله: " أشبه أبا أمك " يعني أباها الذي هو جد لأمه، أو أشبه جمل هو اسم نجيب من قومه ولعله أبوه، ومعناه أشبه هذا وهذا، ولا تكن كهلوف. والهلوف: الرجل الجافي

стр. 5435

العظيم. والوكل: ومعناه: لا تكونن رجُلاً ثقيل الجسم مسترخياً يصبح في مضجعه قد انجدل، يعني وقع علي الأرض، لأن الأرض الجدالة. وأرق إلي الخيرات معناه اصعد إليها، زنا في الجبل: أي كصعودك في الجبل والراعي والزاني فللعرب فيه لغتان، منهم من يثبت الياء ومنهم من يحذفها. وكذلك [ق ١٤ ب] وردت القراءتان في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القَمَر: ٦] ويوم يدعو الراعي، وكذلك يوم ينادي المنادي، ويوم ينادي الناد، وكذلك جابوا الصخر بالواد، وبالوادي، فمن كانت لغته الزاني إثبات الياء يقول في قوله: يا زان قد أسقط حرفين الياء والهاء، ومن كانت لغته إسقاط الياء يقول: قد أسقط علامة التأنيث وحدها، وإن كان التوصيل إلي علامة التأنيث ولا يتصور إلا بإثبات الياء. مسألة: قَالَ: وقَائِلٌ هَذَا القَوْلَ - يَعْنِي أَبَا حَنيِفَةَ يَقُولُ: لو قَالَ الرَّجُلُ زَنَاَت فِي الجَبَلِ حُدَّ لَهُ، وإِنْ كَانَ مَعْرُوفاً عِنّدَ العَرَبِ أَنَّهُ صَعِدَتْ فِي الجَبَلِ ". إذا قال لها: زنات في الجبل لا يكون صريحاً في القذف، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: يكون صريحاً في القذف، وروي ذلك عن أحمد، واحتج بأن قوله: زنات يستعمله الناس في الزنى كما يستعملون زنيت فكان قذفاً. وهذا غلط لأن قوله: زنات في الجبل الترقي والصعود، يقال: زنى، يزنو, زنى وزنوا إذا صعد. وقيل: إذا كان الهمز حقيقة للصعود، وإنما يحمل علي الفاحشة إذا حمل علي الخطأ، وكأنه ظن أن الزني إذا دخله المد دخله الهمز، أو يقول ذلك عامي لا يعرف الفرق بينهما فلحق فيه. فإذا تقرر هذا ينظر، فإن صدقه المخاطب أو أراد الصعود فلا كلام وإن قال: أردت القذف فالقول قوله مع يمينه، فيحلف أنه ما أراد إلا الترقي في الجبل ولا حدّ عليه، وإن لم يحلف حلف المقذوف وحُدَّ له. فرع: لو قال: زنات ولم يقل في الجبل أو قال له: يا زاني بالهمز، قال الداركي: حكي أبو أحمد عن الجرجاني عن المزني أنه قال في " الجامع الكبير" كان قذفاً لأنه يستعمل في الصعود عند ذكر الجبل ولا يستعمل فيه عند الإطلاق. قال الداركي: وطلبته هناك فلم أجده، وقال أبو الطيب ابن سلمه: إن كان عارفاً باللغة كان قذفاً. قال القاضي الطبري: هذا لا يصح فإن لم يثبت ما حكاه الجرجاني

стр. 5436

فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يكون قذفاً إلا أن يريد قذفاً لأن قوله: زنات بالهمزة، أو قوله: يا زاني بالهمزة ظاهره الصعود علي ما ذكرنا. وقال القفال: فيه ثلاثة أوجه الأصح أن لا يكون قذفاً. مسألة: قَالَ: "ولَو قَالَ لامْرَأَتِهِ [ق ١٥ ب] زَنَيْتِ وأَنْتِ صَغِيرَةُ، أَو قَالَ: وأَنْتِ نَصْرَانِيَّهُ أَو أَمَهُ ". الفصل: في هذا الفصل مسائل: إحداها: أن يقول لها: زنيت وأنت صغيرة فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون صغيرة في المهد لا يمكن أن يجامع مثلها فلا يكون قاذفاً، لأنَّا نعلم كذبه، والقاذف هو الذي يكون متردداً بين الصدق والكذب، فعلي هذا لا يجب الحدّ ويعزر للفحش والجفا، ولا يسقط هذا التعزير باللعان لأنه غير واجب بالقذف، وإن كانت صغيرة يمكن أن يجامع مثلها فهذا قذف، لأنه متردد بين الصدق والكذب ولا حدّ عليه، لأنه لو أقام عليها البينة به لم يجب عليها الحدّ فكذلك لا يجب علي قاذفها حدّ ولكنه يعزر، ويسقط هذا التعزير باللعان لأنه إذا جاز درأ الحدّ باللعان فما دون الحدَ أولي أن يدرأ باللعان، والتي تجامع مثلها ابنة سبع وثمان ويقف هذا التعزير علي مطالبتها إذا بلغت. والثانية: إذا قال لها ومسلمة: زنيت وأنت نصرانيه فلا يخلو إما أن يثبت كانت نصرانيه ببينة أو إقرار منها، أولا يثبت ذلك، فإن ثبت أنه كانت نصرانيه لم يجب الحدّ لأنها ناقصة الكفر، وإنما يجب الحدّ به الكامل به الكامل دون الناقص ويعزر، وله أن يلاعن لإسقاط هذا التعزير لأنه واجب بالقذف، وإن لم يثبت أنها كانت نصرانيه فيه قولان: أحداهما: القول قول الزوج ولا حدّ عليه، لأن ظهره حمى وما قاله ممكن ' فإن الدار تشتمل علي الكفار والمسلمين. والثاني: القول قولها لأن الغلبة للإسلام في دار الإسلام فيجب أن يكون الحكم له. وقال أبو حامد: إذا أقرت أنها كانت نصرانيه وقال الزوج: لم ترد قذفي في الحال [ق ١٦ أ] كوني نصرانية فالقول قولها ثم يكون قوله: وأنت نصرانية خطاباً لها بالكفر في الحال، لأن ظاهر قوله: زنيت أي في الحال، وهذا بعيد لأن قوله: " وأنت نصرانية " متعلق بقوله: "زنيت" والواو تلغو, ألا تري أنه لو قال لها، أنت طالق إن دخلت الدار وأنت مسلمه، فإن الطلاق يتعلق بدخول الدار في حال الإسلام، ولا يكون قوله: " وأنت مسلم " خطاب، فإذا كان هذا ظاهر قوله لم يقبل قوله في خلافه. قال: ومسألة القولين إذا

стр. 5437

صدقه (على) أنه أراد حاله النصرانية ولكنها لم تكن نصرانيه وهو علي ما ذكرنا، فإذا قلنا القول قوله مع يمينه فحلف وجب التعزير ويلاعن لإسقاطه، فإن نكل حلفت ووجب الحدّ ويلاعن لإسقاطه، وإن قلنا القول قولها فحلفت وجب لها الحدّ، وإن نكلت فحلف وجب عليه التعزير للقذف، وإن علم أنها لم تزل مسلمه مولودة علي الإسلام لزمه الحدّ قولاً واحداً، ولو قال لها: زنيت ولم يضفه إلي حال الكفر، ثم قال: أردت به أنها زنت وهي نصرانيه لم يقبل منه، وإن علم أنها كانت نصرانية، لأن الظاهر أنه قذفها في الحال وهي في الحال مسلمه، فإن قال: هي تعلم أني أردت به في حال النصرانية، فإن صدقته سقط عنه الحد، وإن كذبت حلفت أنها لا تعلم أنه أراد في حال النصرانية وحد إلا أن يلتعن. والثالثة: إذا قال لها: وهي حرة زنيت وأنت أمه فالحكم فيها كما ذكرنا إذا قال: وأنت نصرانية إلا أنه لو قال: زنيت وأنت أمه الآن، وقالت: أنا حرة فيه قولان، ولا يجئ هذا في النصرانية أن يقول: وأنت نصرانية الآن لأنها إذا قالت: بل أنا مسلمة الآن يكون إسلاماً وإبطالاً لقوله. وذكر أبو حامد ههنا أيضاً ما ذكر في المسألة السابقة [ق ١٦ ب] وقد بيَّنا بطلانه. والرابعة: إذا قال لها زنيت وأنت مستكرهه علي الزني فلا حدّ عليه، لأن هذا لوثبت لم يجب به الحدّ ويعزر للأذى إلا أن يلتعن. وقال بعض أصحابنا: فيه وجه آخر لا يعزر للأذى ههنا لانتفاء معرة الزني عنها وهي معذورة مأجورة إن كان الأمر علي ما قال والأول: أظهر، والثاني: أقيس. كذلك لو قال: زني بك فلان وأنت نائمة فهو كما لو قال: وأنت مستكرهه. والخامسة: إذا قال لها: زني بك صبي لا يجامع مثله فهذا يعلم كذبه وليس عليه حدّ ويعزر للفحش دون القذف، ولا يسقط هذا التعزير باللعان بلا خلاف. فإن قال قائل: أليس قال الشافعي عقيب هذه المسائل: ويعزر للأذى إلا أن يلتعن. قلنا: إطلاق لفظ الشافعي يرجع إلي مسألة النصرانية والأمة والمستكرهة وقوله: يعد للأذى أراد في القذف، لأن كل قذف أذي دون أذي الفحش، وفي بعض نسخ المزني ويعزر للأمة إلا أن يلتعن. وهذا علي ظاهره صحيح والمشهور الأول والمراد ما ذكرنا، ولو قال: زني بك صبي يجامع مثله فإنه قاذف وعليه الحد إلا أن يلاعن لأنه لوثبت لزمه الحد به. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا قال: زنيت وأنت أمه أو مشركة يلزمه الحدّ بخلاف ما لو قال: وأنت صغيرة أو مجنونة، لأنه أضاف الزني إلي حاله هي فيها مكلفه ونحن نعتبر أن تكون مكلفه يُحدّ قاذفها في تلك الحالة. فرع: لو ادعي أنها لما قذفها كان نائماً لا يُقبل إلا ببينه، ولو قال: كنت صبياً فيه قولان.

стр. 5438

فرع آخر: لو قال: وطئت بشبهه هل يعزر للأذى؟ فيه وجهان: أحدهما: يعزر لأنه يلحقها نوع من العار. والثاني: لا يعزر [ق ١٧ أ] لأنها كانت معذورة في ذلك. مسألة: قَالَ: " ولَو قَالَ: زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ حُدَّ ولَا لِعاَنَ ". الفصل: قد ذكرنا هذه المسألة وإنه إن كان هناك ولا يريد نفيه هل يلاعن أم لا؟ والآن نزيد ما تقدم بياناً فنقول: إذا ولدت بعد هذا القذف، فإن كان لأقل من ستة أشهر من وقت نكاحه فهو منتفي عنه بلا لعان، وإن ولدته بعد نكاحه لستة أشهرٍ فصاعداً فهولا حق به بحكم الفراش، وهل له أن يلتعن لنفيه بذلك القذف المتقدم الذي نسب فيه إلي ما قبل نكاحه أم لا؟ وجهان: قال إسحاق: لا يجوز أن يلتعن إلا أن يستأنف قذفاً مطلقاً، لأنه كان في القذف الأول في حكم الأجانب فمنعه من الالتعان فيه فصار كما لو قذفها ثم تزوجها لم يكن له أن يلتعن، فعلي هذا إن لم يجدد قذفاً مطلقاً حدّ للقذف الأول ولاعن بالقذف الثاني لنفي الولد ولم يسقط حدّ القذف الأول باللعان من القذف الثاني لاختلافهما في الحكم. وقال ابن أبي هريرة: يجوز أن يلتعن منه إذا ولدت ولم يجز أن يلتعن لو لم تلد، لأن الضرورة تدعو إلي الالتعان مع الولادة ولا تدعوه مع عدتها ولأن يصدق في إضافة القذف إلي ما قبل نكاحه إلي ما قبل نكاحه أولي من أن يستأنف قذفاً مطلقاً فيجوز في إرساله. فعلي هذا إذا التعن مقتصراً علي القذف الأول أجزأه وانتفي به الولد وسقط به الحد، ولو جدد بعد الأول قذفاً ثانياً نظر، فإن أضافه إلي زمان نكاحه فهو غير الأول فيلاعن من القذف الثاني وينفي به الولد ولا يسقط به حدّ القذف الأول لتمييزه عن نفي الولد فصار لوجوبه مع عدم الولد. واعلم أن الشافعي [ق ١٧ ب] قصد بقوله في أصل المسألة " ولا لعان " الرد علي أبي حنيفة حيث قال: " يلاعن لهذا القذف " واحتج عليه الشافعي فقال: لأني إنما أنظر إلي يوم تكلم به ويوم يوقعه - يعني هي زوجته يوم تكلم به ولكنها لم تكن زوجته يوم أوقع القذف نسبه وتاريخاً، ولم يذكر الشافعي لهذا الكلام أصلاً يتمسك به مع الخصم، ويمكن أن يجعل ما بعد البينونه أصلاً له حيث لا ولد، إذ لا خلاف أنها لو بانت بالطلاق ولا ولد

стр. 5439

فقال لها: زنيت وأنت زوجتي حدٌ ولا لعان؛ لأنه يوم تكلم بالقذف في زمان غير النكاح؛ وإن أضاف الفعل إلى زمان النكاح؛ فكذلك في مسألتنا أضاف الفعل إلى زمان عدم النكاح وإن تكلم بالقذف في زمان النكاح. فرع: قال ابن الحداد: إذا قذفها؛ ثم أطلقها فتزوجت بزوج آخر فقذفها وجب عليهما الحد وكان لهما اللعان؛ فإن لاعنهما كل واحد منهما وامتنعت من اللعان وجب عليها حدَّاد؛ فإن كانت بكراً في النكاح الأول وثيباً في الثاني جلدت ثم رجمت؛ وإن كانت بكراً فيهما لم يتداخل الحدان لأنهما بمنزلة الجنسين؛ لأن اللعان بينة يختص بها الزوج دون غيره. ومن أصحابنا من قال: هذا خطأ ويتداخل الحدان لأنهما جنس واحد؛ كما لو ثبت بالبينة ولا يصح ما ذكره؛ لأن اللعان حجة في حق الزوج والزوجة وقد اجتمع الحدان في حقها فيتداخلا؛ وهذا هو المذهب الذي لا يحمل غيره. مسألة: قَالَ ابْن الحَدَّاد: لَوْ قَالَتْ: قَذَفَنِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي. وقال: بل بعد ما تزوجت بك. أو قالت: قذفني بعد ما بنت منك؛ وقال: لا بل من حال الزوجة فالقول قوله مع يمينه؛ لأن القول قوله [ق ١٨ أ] في أصل القذف فكذلك في وقته؛ ولو قالت: قذفني وأنا أجنبية؛ وقال: بل أنت زوجتي وأنكرت الزوجة فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم النكاح. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَذَفَهَا؛ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَلَاعَنَهَا فَطَلَبَتْهُ بِحَدَّ القَذْفِ قَبْلَ النّكَاحِ حُدَّ لَهَا" الفصل: تقدم على هذه المسألة ما يوضحها؛ وذلك أنه إذا قذف أجنبي أجنبية وجب عليه حدّ القذف؛ فإن أقام البينة على أنها زنت سقط عنه الحد وسقط إحصانها؛ فلو قذفها هو أو غيره بعد ذلك لا يلزم الحد ولكن يعزر على ما ذكرنا فيما تقدم وإن لم يقم عليه بينة فحد بقذفها ثم قذفها ثانياً؛ فإن كان بالزنى الأول لم يحد ويعزو للنسب؛ وإن قذفها بزنى آخر ذكرنا وجهين: أحدهما: يلزمه الحد لأنه لم يكذب في الزنى الثاني.

стр. 5440

والثاني: لا يلزمه الحد لأنه فثبت كذبه عليها في الجملة. وإن كان كرر عليها القذف قبل إقامة الحد؛ فإن كرر بزنى واحد لم يجب إلا حد واحد؛ وإن كرر بزنى آخر. قال في الجديد؛ والقديم: يلزمه حدّ واحد؛ وقال في موضع من القديم: ولو قيل عليه حدان كان مذهباً فقيل قولان: أحدهما: يجب حدان ولا يتداخل كالقصاص والصحيح خلافه لأنهما حدان من جنس واحد فيتدخلان كحدي الزنى. وأما مسألة الكتاب: إذا قذف بامرأة ثم تزوجها قبل أن يقام عليه الحد؛ ثم قذفها نظر فإن قذفها بالزنى الأول لم يجب عليه حد آخر وليس له إسقاطه إلا ببينة؛ وإن قذفها بزنى آخر فلها المطالبة بموجب كل واحد من القذفين؛ فإن طالبت بموجب القذف الأول؛ فإن أقام الزوج البينة سقط عنه حدّ القذف الأول والثاني؛ لأنه [ق ١٨ ب] بطل إحصانها بقيام البينة بالزنى؛ وإن لم تكن بينة حد؛ ثم إذا طالبته بالقذف الثاني؛ فإن كان له بينة أو لاعنها سقط موجبه وإن لم يكن له بينة ولاعنها يحدّ لها ثانياً نص عليه؛ وبه قال عامة أصحابنا. ويخالف هذا الأجنبية إذا حُدَّ لها؛ ثم قذفها بزنى آخر هل يحد ثانياً؟ وجهان؛ والفرق أن موجب القذفين ههنا مختلف؛ لأنه يتخلص من أحدهما باللعان بخلاف ذلك؛ وقال المزنى في جامعه الكبير: القياس أن لا يجب إلا حدّ واحد لأنهما قذفان بدل واحد فلم يجب إلا واحد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: ينبغي أن يكون الحدّ الأول بالقذفين ولا يطالب باللعان؛ لأن الموجب واحد وهو الحد: وإنما الحجة تختلف؛ وهذا حسن غريب ولكنه خلاف المذهب المنصوص. وإن طالبته بهما فأقام الإمام عليه الحدّ الأول؛ فإن أقام البينة حدت بالزنى وسقط عنه الحدان؛ لأن البينة تسقط حصانتها من حق كل واحد؛ وإن التعن سقط عنه ما وجب بقذفه حال الزوجية؛ وعليه الحد للقذف الذي كان قبل الزوجية؛ لأن اللعان حجة للزوج وحده؛ وقبل الزوجية كان أجنبياً فعليه الحد ولهذا لو لاعن الزوج؛ ثم رماها به ثانياً لم يُحدّ؛ وإن رماها به الأجنبي حُدَّ لأن اللعان لا يتعدى إلى الأجنبي. وإن لم تقم البينة ولم يلاعن هل يقام عليه حد واحد للأول والثاني أو يقام حدان؟ فيه طريقان: إحداهما: إذا امتنع من اللعان صار الحدان من جنس واحد فإنهما لا يسقطان إلا بالبينة فهل يلزم حد أو حدان؟ قولان. [ق ١٩ أ] والثانية: عليه حدان قولاً واحداً ولا يتداخلان لأنهما حدان مختلفان أحدهما يسقط باللعان دون الأخر؛ وهو اختيار القاضي الطبري. قال: ولأنه وإن امتنع من اللعان فمتى أراد أن يلتعن كان له وسقط الحد فهما

стр. 5441

مختلفان، ولأنه بمنزلة أن يزنى وهو بكر؛ ثم يزنى وهو محصن لا يتداخل الحدان لأنهما مختلفان كذلك ههنا. وكذلك الحكم لو قذفها وهى زوجته ثم أبانها؛ ثم قذفها وهى أجنبية لأنهما قذفان أحدهما حال الزوجية والآخر حال كونها أجنبية؛ وكذلك لو قذف زوجته ولاعن ثم قذفها بزنى آخر نسبه إلى ما قبل لعانة وقبل زوجتيه يحد؛ ولا يسقط ذلك الحد بما يجدد من لعانة وإن نسبه إلى ما بعد نكاحها قبل لعانة فيها وجهان. ولو رماها بزنيئين في حال الزوجية هل يجب حدّ واحد؛ أو حدان؟ قد ذكرنا؛ ويكفيه لعان واحد على القولين جميعاً؛ لأنه يمين والحقان لواحد؛ وينظر فإن كان قذفها برجلين ذكرهما في لعانة؛ وإن أطلق يحتاج أن يقول: أشهد بالله أنى لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنيئين؛ ويخالف هذا إذا قذف زوجتين لا يكفيه لعان واحد؛ لأن اليمين وجبت لكل واحدة منهما فلا تتداخل. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ لَهُ [بَلْ] أَنْتَ زَانٍ لَاعَنَهَا وحُدَّتْ لَهُ". إذا قال لها: يا زانية فقالت: بل أنت زانٍ؛ فقد قذف كل واحد منهما صاحبه بصريح القذف؛ لأن الزوج صرح بقذفها بقوله: يا زانية والمرأة صرحت بقولها بل أنت زانٍ؛ لأن هذه اللفظة موضوعة لنفي ما خاطبها به واستئناف خطابه بمثله؛ فإن قالت: لم أرد به القذف [ق ١٩ ب] وإنما أردت به المقابلة لم يقبل منها ويفارق هذا إذا قالت: بل أنت أزنى منى؛ لأن هذا يحتمل نفي الزنى على ما ذكرنا؛ فإذا ثبت هذا فللزوج الخروج من القذف بالبينة أو اللعان وليس لها الخروج من القذف إلا بالبينة؛ فإذا أقام البينة وجب عليها حد الزنى ولا تلاعن لإسقاطه: وإن لاعن وجب عليها الحد أيضاً ولكن يلاعن لإسقاطه. ثم إن أقام البينة على الزوج بالزنى ولا يلزمها حدّ بالقذف؛ وبعد ما لزمه الحد ببينتهما ليس له إسقاطه باللعان أصلاً؛ وحكي الشافعي مذهب أبى حنيفة أنه قال: لا حدّ ولا لعان في هذه المسألة؛ وعنده أن المرأة يجب عليها حدّ القذف بقذفه؛ ولكن لا يجب على الزوج بعد القذف بقذفها وموجب قذفه إياها باللعان فقط؛ ثم اللعان ههنا لا يثبت لا في حق الزوج ولا في حق الزوجة عنده؛ لأن المرأة تعرض أن الحد فلا يصح منها اللعان؛ وإذا لم يصح لعانها لا يصح لعانة؛ في تأويل حكاية الشافعي عن أبى حنيفة أنه لا حد ولا لعان على أنه أراد لا حد في حق الزوج دون الزوجة على ما قررنا من مذهبه. ومعنى قوله: "أستقبح أن ألاعن بينهما ثم أحدهما " أي يقبح أن يسبق في حقه منها دون حقها منه؛ فإذا استوفي منها الحد أولاً فلا يلاعن بكونها خارجة من أهل اللعان بحدها؛ ويتعزر.

стр. 5442

لعانه بتعذر لعانها، وإن لاعنها أولاً يجب إقامة الحد عليها ولا يحد الرجل وهذا قبيح. قال الشافعي: ترك حكم الله أقبح، وهذا لأنهما قاذفان لو انفرد كل واحد منهما بقذفه يتعلق به حكم القذف، فإذا اجتمع قذفهما لم يسقط أحدهما حكم الآخر كالأجنبيين القاذفين، ويؤكده أن القذف لا يصير قصاصًا بالقذف (ق ٢٠ أ) فكيف يجوز تعطيل الحكمين، ولأنه قال في "القسامة": يحلفون ويغرمون الدية. وهذا أقبح من هذا. مسألة: قال: "ولو قذفها وأجنبية بكلمة واحدة لاعن وحد للأجنبية". إذا قذف زوجته وأجنبية بكلمة واحدة فقال: زنيتما وأنتما زانيتان وجب الحد عليه، فإن أقام البينة أقمنا الحد على كل واحدة منهما، وإن لاعن سقط حد الزوجة وعليها الحد إلا أن تلتعن، وعليه حد الأجنبية، ويفارق هذا إذا قذفها برجل بعينه ولاعن وسماه في اللعان سقط حدهما؛ لأنه قذف بفعل واحد، فإذا ثبت صدقه في جانب امرأة ثبت في جانب المرمى به، وههنا قذف بتحصين بفعلين، فإذا سقط باللعان حق أحدهما لم يسقط حق الآخر، وإن امتنع من اللعان فقد اجتمع الحدان فهل يتداخل؟ فيه طريقان: أحدهما: فيه قولان كما لو قذف أجنبيين بكلمة واحدة. والثانية: قول واحد لا يتداخلان لأنهما مختلفان من جهة أنه يسقط أحدهما باللعان دون الآخر، وقد تقدم نظير هذا. مسألة: قال: ولو قذف أربع نسوة له بكلمة واحدة لاعن عن كل واحدة منهن". إذا قذف أربع نسوة له أو أربع أجنبيات بكلمة واحدة هل يلزمه حد واحد لهن أو يلزمه حد كامل لكل واحدة منهن؟ فيه قولان: قال في "القديم": يجب حد واحد لهن، وبه قال أبو حنيفة في الأجنبيات لأنه حدود من جنس واحد فيتداخل كحدود الزنى. وقال في الجديد: يلزمه حدود وهو الأصح واختاره المزني لأنها حقوق مقصودة للآدميين فلم تتداخل كالقصاص، وهذا لأن حقوقهم مبنية على التشديد والاستقصاء، ولو قذفهن بكلمات (ق ٢٠ ب) يلزم لكل واحدة حد كامل بلا إشكال. فإذا تقرر هذا فإن كن أجنبيات، فإن أقام البينة، عليهن سقط عنه حكم القذف ووجب الحد عليهن، وإن لم يقم البينة عليهن فحكم الحد على ما ذكرنا، وإن كن زوجات، فإن أقام البينة عليهن سقط حكم قذفهن، وإن أراد اللعان كان عليه أن يلاعن لكل واحدة منهن لعانًا منفردًا؛ لأنه يمين والأيمان لا تتداخل في حق الجماعة، ألا ترى

стр. 5443

أنه إذا ادعى رجلان على رجل مالاً لهما يحلف لكل واحد منهما يمينًا منفردة. وقال الاصطخري في "أدب القاضي" حكم إسماعيل بن إسحاق القاضي على رجل ادعى عليه رجلان مالاً بيمين واحدة فأجمع علماء عصره على أنه أخطأ في ذلك وخالف الإجماع. قال الداركي: فسألت أبا إسحاق عن ذلك فقال: إن كانا ادعيا من جهة واحدة مثل إن تداعيا دارًا ورثاها عن أبيهما، أو مال شركة بينهما حلف لهما يمينًا واحدة، وإن كان الحق من جهتين لكل واحدة على الانفراد؛ لأنه إذا جمع بينهما في اليمين وكان لأحدهما حق لم يحنث، والمقصود باليمين مأثم الحنث إن كذب. وهذا الذي قاله أبو إسحاق صحيح، وحقوق الزوجات ههنا من جهات مختلفة لأنه لا يشتركن في زنى واحد، ولو ادعى رجل على رجلين ملكين مختلفين جاز أن يحلفه يمينًا واحدة لأن الحق لواحد. وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يكفي لعان واحد لهن فيجمعهن فيه. ووجهه أن حق اليمين له لا عليه فله الجمع، كما لو أقام شاهدًا على رجل لحق وعلى آخر بحق آخر فله أن يحلف يمينًا واحدة يذكر فيها الحقين. وكذا في يمين الرد لخلاف ما لو ادعى عليه جماعة لا يكفي لهم يمين واحدة وهذا قريب (ق ٢١ أ) لم يقله غيره من أصحابنا، وهو ضعيف لما ذكرنا. وقال: إذا قلنا يكفيه لعان واحد، وقلنا: إذا قذف الأجنبيين يكفي حد واحد فههنا يكفي حد واحد إذا امتنع من اللعان. وإن قلنا: يفرد كل واحدة باللعان فلكل واحدة حد بخلاف الأجنبيات. فرع: قال الشافعي: "وإن تساححن أيتهن تبدأ أقرع بينهن لتساوي حقوقهن. قال: وأيتهن بدأ الإمام بها رجوت أن لا يأثم لأنه لا يمكنه إلا واحدًا واحدًا. قال أصحابنا: هذا إذا لم يقصد الحاكم تفضيل بعضهن على بعض، وإنما بدأ بواحدة منهن على أنه لا بد من ذلك والقرعة أحسن. مسألة: قال: "ولو أقر أنه أصابها في الظهر الذي جامعها فيه، فله أن يلاعن والولد لها".

стр. 5444

الفصل: صورة هذه المسألة أنها طهرت من الخيض فوطئها فيه، ثم ذكرت أنها زنت في ذلك الطهر وأتت منه بولد، فإن له أن ينفيه باللعان وحكاه الشافعي عن عطاء. ثم قال: "قال بعض من ينسب إلى العلم إنه إنما ينفي الولد إذا قال: قد استبرأتها بعدما وطئتها". قال أصحابنا: هذا الذي حكاه الشافعي مذهب مالك في إحدى الروايتين، وهذا لفظ فيه خشونة، ولم يقصد بهذا القول الوضع منه وإنما أراد أنه منسوب إلى العلم كما يقال، قال بعض أهل العلم، فإن قيل: فإذا اجتمع في الرحم ماءه وماء الزاني من أين يترجح له في نفي الولد أنه من الزاني؟ قلنا: كان ابن سريج يذهب إلى أنه لا ينفيه مع اختلاط الماءين، وهو خلاف نص الشافعي فيقول: قد يترجح الحمل عنده مع اختلاط الماءين من وجوه؛ منها: أن الذكي الفطن (ق ٢١ ب) من الرجال يحس باللعوق عند الإنزال كان أو لم يكن، وكذلك من النساء من يحس به. ومنها: أن يعلم من نفسه أنه عقيم لا يولد له، ومنها: أنه يرى شبه الولد بالزاني. ويجوز النفي بغلبة الظن بالأمارات، فإن قيل: ولد أمته لا ينتفي عنه إلا بدعوى الاستبراء بعد الوطء فيجب أن يكون ولد الحرة مثله. ولد الأمة التي اعترف بوطئها يلحق به إلا أن يدعي الاستبراء، فإذا ادعى الاستبراء ينفي عنه من غير لعان، فلما كان الولد ينتفي عنه الاستبراء وجب ذكره وولد الحرة لا ينتفي عنه الاستبراء فلم يكن لذكر الاستبراء معنى. واعلم أن الشافعي قال كما يذهب إلى أن نفي العجلاني كان بدعوى الاستبراء لم أقر بها منذ كذا وكذا. والجواب: أنه لا اعتبار بما ذكر العجلاني لأنه سمى الذي رأى بعينه يزني بها وذكر أنه لم يصبها منذ أشهرًا. ورأى النبي ﷺ بالولد علامة تثبت صدق الزوج، ولا يقال: لا يجوز نفي الولد إلا بإجماع هذه الوجوه والشرائط كلها كذلك في هذا المتنازع. ثم ألزم الشافعي نفسه سؤالاً فقال: "فإن قيل: فما حجتك في أنه يلاعن وينفي عنه الولد، وإن لم يدع الاستبراء" ثم استغل الشافعي بالكلام في مسألة أخرى خلافية بينه وبين مالك قبل جواب هذا السؤال، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولم تفصل عن أن يقول الرامي: رأيتها تزني، وبين أن يقول: زنت من غير دعوى الرؤية، ولم يفصل بين الأجنبي وبين الزوج، وقصد الرد على مالك حيث قال: "لا يصير قاذفًا حتى يقول: رأيتها تزني".

стр. 5445

ثم رجع الشافعي إلى جواب ذلك السؤال (ق ٢٢ أ) قال: "وقد يكون الاستبراء وتلد منه فلا معنى له ما كان الفراش قائمًا" لأن رسول الله ﷺ قال: "الولد للفراش" فلا ينتفي إلا بلعان. مسألة: قال: "ولو زنت بعد القذف أو وطئت وطئًا حرامًا فلا حد عليه ولا لعان". إذا قذف زوجته أو غيرها من الأجانب فلم يحد القاذف حتى زنى المقذوف وثبت ذلك باعترافها أو بالبينة سقط الحد عن القاذف؛ لأن زنيها يدل على صدقه، وبه قال أبو حنيفة، ومالك وقال أحمد، وأبو ثور والمزني وداود: لا يسقط، واحتجوا بأنه معنى طرأ بعد وجوب الحد فلا يمنع من إقامته كردة المقذوف. واحتج المزني فقال: كيف يكون هذا الزني دليلاً على صدقه والوقت الذي رماها قد كانت في الحكم غير زانية أصلاً. وقوله: "إنه إنما ينظر إلى حال من تكلم بالرمي" وهي من ذلك الوقت في حكم من لم يزن قط، وهذا غلط لأن إحصان المقذوف شرط في وجوب الحد على القاذف، والإحصان طريقه غلبة الظن والاجتهاد دون القطع واليقين، والزنى، مما يستسر به فلما ظهر منه ذلك قدح ذلك في ظاهر إحصانه، ويدل ذلك على خبث سريرته وارتكاب أمثاله. وهذا كما لو شهد شاهدان ظاهرهما العدالة ثم ظهر منهما فسق قبل الحكم لم يجز أن يحكم به، وقدح ذلك في ظاهر عدالتهما حين شهدا به، كذلك ههنا. وروي أن رجلاً زني بامرأة في زمان عمر ﵁ فقال: والله ما زنيت إلا هذه المرة، فقال له عمر: كذبت فإن الله تعالى: لا يفضح عبدًا في أور مرة. فإن قيل: العدالة في الشهادة آكد من الإحصان في الحد، لأن العدالة لا يكتفي الظاهر منها حتى يجب على الحاكم البحث (ق ٢٢ ب) والسؤال عنها، وليس كذلك الإحصان فإنه يجوز لها أن تكتفي بالظاهر منه ولا يجب عليه أن يبحث عنه. قيل: اختلف أصحابنا في هذا، قال أبو إسحاق: يجب على الحاكم أن يبحث عن إحصان المقذوف قبل إقامة الحد على القاذف، كما أنه يجوز السؤال عن عدالة الشهود أيضًا؛ لأن ظهره حمي فلا يستباح بالاحتمال. وقال غيره: لا يجب هذا السؤال ههنا وتكتفي بظاهر إحصانه، والفرق أن طلب زنى المقذوف والبحث عنه يؤدي إلى هتك ستره والكشف عما أمر بستره، وليس كذلك السؤال عن العدالة؛ لأنه ليس فيه هذا المعنى. وقيل: القاذف لما أتى بما منع منه صار عاصيًا به، فغلظ عليه بإقامة الحد بظاهر الإحصان ولم يحصل من الشهود عليه عصيان يوجب التغليظ عليه بترك السؤال عن باطن عدالة الشهود الذين شهدوا عليه والاقتصار

стр. 5446

على ظاهره، فلا يقتصر عليه ويلزم التفحص لحقه، وإنما إذا ارتد المقذوف قلنا: قال القاضي الطبري: يحتمل أن يقال: يسقط الحد عن القاذف. فخرج فيه وجهًا آخر، وبه قال أبو حنيفة: والمشهور أنه لا يسقط به الحد عن القاذف، والفرق أن الردة لا تدل على تقدم الزني وليست من جنسه، والردة يظهرها المرتد فلا يخفيها والزني يخفيه الزاني فافترقا. وأما ما ذكر المزني لا يصح؛ لأن حكم الزني لا يتعلق إلا بفعل الزنى فلا يحكم بالزني قبل الزنى، والعفة والفسق على العقائد والضمائر، ألا ترى أن رجلاً لو غصب جارية فزنى بها وعنده أنه غاصب زاني (ق ٢٣ أ) ثم استبان له أن المغصوبة مملوكية حكمنا بفسقه على قصده واعتقاده لا لصورة فعله، فكذلك لما زنت هذه المقذوفة غلب على القلب أنها كانت قبل ذلك على قصد الزنى لو تمكنت ولم تكن عفيفة القصد، فكان طعنًا فيها وسقط حد القاذف. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي في هذه المسألة: "أو وطئت وطئًا حرامًا". قال أبو حامد: الواطئ الحرام على أربعة أضرب: أحدها: وطء حرام لم يصادف ملكًا ولا شبهة ملك، مثل وطء المحارم بالنكاح، أو جارية الأم فيوجب الحد وتسقط الحصانة ولا يجب الحد على قاذفه. والثاني: وطء حرام صادف ملكًا ولكنه حرام لعارض يزول كالحيض والنفاس والإحرام والعدة من غيره، فلا يجب به الحد ولا يسقط به الإحصان ولا يسقط الحد به عن قاذفه. والثالث: وطء حرام صادف ملكًا إلا أنه ارتفع تحريمه بحال كوطء المحارم بملك اليمين فهل يجب به الحد؟ قولان: فإن قلنا: يجب به الحد لم يجب الحد على قاذفه وسقط إحصانه. وإن قلنا: لا يجب به الحد حد القاذف ولا يسقط إحصانه، وهو اختيار القاضي الطبري. والرابع: وطء حرام في غير ملكه سقط الحد فيه للشبهة، مثل أن يزوج بلا ولي ولا شهود، أو نكاح متعة فوطئ أو وطئ جارية ابنه، ووطئ على ظن أنها زوجته أو أمته لا يلزمه الحد ويلحقه النسب منه، وهل يسقط إحصانه؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط لأنه وطئ محرم لم يصادف ملكًا للزنى، وهو اختيار أبي إسحاق وهذا أيضًا وطء سقط الدح فيه عن الوطء بالشبهة فسقط الحد به (ق ٢٣ ب) عن القاذف للشبهة. والثاني: لا يسقط إحصانه لأنه وطء يلحق به النسب ولا يجب به الحد، كوطء الزوجة في حال الحيض.

стр. 5447

وفيه وجه ثالث: أن كل وطء يوجب الحد مع العلم به لا يسقط الحصانة عند الجهل. فعلى هذا في مسألة الظن تسقط الحصانة وفي وطء جارية الابن والجارية المشتركة، والنكاح المختلف في إباحته لا تسقط الحصانة. وفيه وجه رابع ذكره القفال: كل وطئ في غير ملك هو فيه معذور لم يسقط الحصانة، وإن لم يكن معذورًا يسقط الحصانة. ففي وطئ جارية الابن والجارية المشتركة الحصانة، وكذلك في النكاح المختلف فيه إذا كان عالمًا بتحريمه وفي مسألة الظن لا تسقط الحصانة. قال: فإن نكحت بغير ولي واعتقادها أن هذا النكاح جائز لا يبطل إحصانها والمرأة بالوطء الحرام في هذا الموضع وطء أقدمت عليه وهي تعتقد تحريمه على الصحيح من المذهب، وعلى ما ذكرنا في وطء الرجعية والكاتبة هل يسقط الإحصان؟ وجهان. وقال صاحب "الحاوي": وطء الحرام خمسة، منها ما يوجب الحد ويسقط الإحصان وهو ما ذكرنا. والثاني: ما يسقط الإحصان قولاً واحدًا وفي وجوب الحد به قولان وهي وطء المحرمة بالملك. والثالث: ما يوجب الحد ويسقط الإحصان قولاً واحدًا أيضًا وهو وطء جارية الابن والمشتركة. والرابع: لا يوجب الحد وفي سقوط الإحصان به وجهان وهو الوطء في نكاح المتعة والشغار. والخامس: ما يوجب الحد ولا يسقط العفة (ق ٢٤ أ) كوطء الحائض والمحرمة لأنه صادف محلاً مباحًا طرأ التحريم عليه لعارض. مسألة: قال: "ولو لاعنها، ثم قذفها فلا حد". الفصل: قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم بالشرح، وذكرنا عن القفال أنه اختار أنه إذا قذفها بزنى آخر يلزمه الحد، وأراد بما ذكر ههنا أنه إذا قذفها بذلك الزنى الذي يلاعنها به ولا حد وهذا مسلم. فأما إذا قذفها بزنى آخر فقد قذف محصنة فكيف لا يلزمه الحد، ولهذا لو قذفها أجنبي يلزمه الحد بلا إشكال وقال صاحب "الإفصاح": هذا لا يجيء على مذهب الشافعي؛ لأنه لعانه سقط إحصانها في حقه. وأطلق الشافعي ههنا، وقال:

стр. 5448

فلا حد لها كما لو حد لها، ثم قذفها لم يحد ثانية". قال الشافعي: "وينهى فإن عاد عزر". يعني في هاتين المسألتين: إحداهما: إذا قذفها بعد اللعان، والأخرى: إذا قذفها بعد الحد، وإنما يعزر لأنه أذاها بنوع من الأذى، ثم قال بعد هذا: "ولو قذفها برجل بعينه وطلب الحد". الفصل: وقد ذكرنا هذه المسألة بالشرح وفي أكثر النسخ: فإن التعن فلا حد لها وإذا بطل الحد لها بطل له" وفي نسخة أخرى: "فإن التعن فلا حد له إذا بطل الحد لها بطل الحد له" والمعنى متقارب، ويحتمل أن الشافعي صور هذه المسألة فيما لو سمى المزني به في اللعان، ويحتمل أنه صور فيمن لم يسم في اللعان، وأجاب على أحد القولين إذا لم يسمه في اللعان هل يسقط حده؟ وفيه قولان مشهوران، ولو جاء المزني بها أولاً يطلب الحد والمرأة لم تحضر، ولم تطلب فللزوج أن يستحضر المرأة ويلاعنها ليدرأ عن نفسه (ق ٢٤ ب) ما توجه عليه من الحد للمرمى به. واحتج الشافعي بأن العجلاني رمى امرأته بأبي إسحاق رجل مسلم فلاعن بينهما وفي إسلامه اختلاف، وكذلك هل سمى العجلاني المزني به أم لا وقد ذكرنا ذلك. مسألة: قال: "ولو شهد عليه أنه قذفها حُبس حتى يعدلوا". إذا شهد عليه شاهدان بالقذف وطالب المدعي الحاكم أنه يحبس المدعى عليه حتى تثبت عدالتهم يجاب إلى ذلك؛ لأن الشهادة التي حجة في القذف قد حصلت في الظاهر؛ لأن الناس على ظاهر العدالة حتى يعلم غيره، وإنما يبحث ويستكشف من الشهود ما يسقط شهادتهم من الجرح، فإذا كان كذلك حُبس، لأنا لا نأمن أن يهرب فيفوت حقه وغاية حبسه تعديل الشهود، ثم يخرج من الحبس ويقام عليه الحد إن عدلت الشهود وإلا خلي سبيله. ولو شهد بذلك شاهد واحد، وسأل حبسه حتى يأتي بشاهد آخر. قال الشافعي: ههنا بعد هذا "ولا يُحبس بواحد" وفي المسألة قولان: أحدهما: هذا لأن الشاهد الواحد ليس بحجة في ثبوت القذف. والثاني: يحبس ذكره ابن أبي هريرة قياسًا على ما قال في العبد إذا ادعى العتق وأقام شاهدًا واحدًا هل يحال بينه وبين سيده؟ قولان: وهذا لأن جانبه قوي بإقامة هذه الشهادة فيحبس احتياطًا. قال هذا القائل: تأويل قول الشافعي ههنا: "ولا يحبس بواحد" أي من هذين

стр. 5449

اللعان والحد، بل إذا ثبت عليه القذف بشهادة عدلين أقيم عليه الحد عاجلاً إن لم يلتعن، ولا يحبس ليلتعن خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "يحبس ليلاعن" وهذا تأويل بعيد (ق ٢٥ أ) وأما في حد الله تعالى إذا أقام شاهدين لا يحبس حتى تظهر عدالتهما؛ لأنه لو هرب بعدما توجه عليه حد الله تعالى لم يطلب بخلاف حق الآدمي. هكذا ذكره القفال، وأما في المال إذا شهد عليه شاهدان بمال، قال أصحابنا: يجوز حبسه حتى يسأل عن الشاهدين. وحكي الداركي عن أبي محمد الفارسي، عن الاصطخري أنه قال: لا يحبس في المال؛ لأنه وإن هرب يمكن استيفاءه من ماله بخلاف الحد، وهذا لا يصح لأنه إن لم يكن ماله ظاهرًا لا يمكن استيفاءه، وإن كان ظاهرًا فاستيفاءه مع حضوره أمكن، فكان له غرض في حبسه فجاز ذلك. وأما إذا أقام شاهدًا واحدًا في المال، وقال: أحلف مع شاهدي وقلنا بالقول الأول، قال أبو إسحاق: يحبس المدعي عليه قولاً واحدًا؛ لأن الحجة قد حصلت وإنما يجوز للحاكم أن يحلفه حتى يسأل عن حال الشاهد، لأنه لو حلفه ثم سأل عن الشاهد فكان فاسقًا كان قد وضع اليمين في غير موضعها، وكان الامتناع من سماع يمينه من جهة الحاكم واجبًأ، فيحبس المدعي عليه حتى يسأل عن الشاهد فإذا ظهرت عدالته يحلفه ويحكم له بالمال على المدعي عليه. مسألة: "قال: "ولا يكفل رجل في حد ولا لعان". قال أصحابنا: لا تجوز الكفالة ببدن من عليه الحد الذي هو حق الله تعالى مثل حد الزنى والشرب والسرقة، وهل تصح ببدن من عليه المال؟ قولان: وقال المزني: هذا دليل على إثباته كفالة الوجه من غير الحد، وهو الصحيح إلا أنه استدل بمفهوم كلام الشافعي على أنه مذهبه جوازها في المال. وقد ذكرنا شرح هذه المسألة فيما تقدم، وأما الكفالة ببدن من عليه (ق ٢٥ ب) حد الآدمي كالقصاص وحد القذف من أصحابنا من قال: لا يجوز قولاً واحدًا. والفرق أنه لما جاز أن يتكفل بالمال جاز أن يتكفل ببدن من عليه المال، ولما لم يجز أن يكفل بالحد لم يجز أن يتكفل ببدن من عليه الحد. وقيل: فيه قولان، وقيل: هو مرتب. فإن قلنا: الكفالة ببدن من عليه المال لا تجوز فببدن من عليه الحد أولى. وإن قلنا: ذاك يجوز فهل يجوز هذا؟ قولان، وقال القفال: الأقيس أنه يجوز وتأويل قول الشافعي ههنا: "ولا يكفل رجل في حد" أي نفس الحد واللعان لا يكفله

стр. 5450

رجل بخلاف المال وهذا بعيد عن أصحابنا. مسألة: قال: "ولو قال: زنا فرجك أو يدك ورجلك فهو قذف". الفصل: اعلم أن الشافعي ﵁ قال في القديم: لو قال لامرأته: زنى فرجك فهو قاذف، ولو قال: يدك أو يديك أو رجلك، قال بعض الناس في القذف هو قاذف وفي اليد والرجل لا يكون قاذفًا ولا في العين، قال الشافعي: وهذا كله ما عدا الفرج واحد. قال أبو إسحاق: لما قال هذا كله ما عدا الفرج واحد دل على أنه لم يجعله قذفًا وأراد بقوله بعض الناس أبا حنيفة، ونقل المزني في "الجامع الكبير" مثل ما ذكره الشافعي في القديم، واختار أنه إذا قال: "زنى بدنك كان قذفًا" وإذا قال: زنى يدرك أو رجلك لا يكون قاذفًا، وقول الشافعي بعد هذا: "وكلما قاله فكان شبه القذف إذا احتمل غيره لم يكن قذفًا" يدل على أن المزني غلط في نقله لأن قوله: زنى يدك أو رجلك يحتمل زنى المشي وزنى اللمس وفي [النظر] يحتمل زنى العين كما قال ﷺ : "العينان تزنيان واليدان تزنيان (ق ٢٦ أ) والرجلان تزنيان ويصدقهما الفرج أو يكذبهما". وقال ابن أبي هريرة: غلط المزني فيما نقله، ولم يذكر الشافعي هذه المسألة إلا في القديم، وظاهر كلامه فيه يدل على أنه ليس بقذف، ولعل ما حكاه المزني في اليد والرجل مذهب مالك. ومن أصحابنا من صحح ما نقله المزني في اليد والرجل، وقال: يكون صريحًا في القذف لأنه أضاف الزنى إلى عضو منها، فأشبه قوله زنى فرجك، ولأنه لا فرق في الطلاق والظهار بين الإضافة إلى اليد والفرج، فكذلك في القذف. وجملة المذهب أنه إذا قال لها: زنى فرجك كان قذفًا، ولو قال: زنى يدك أو رجلك أو عينك فالمذهب أنه كناية في القذف، وفيه وجه آخر وقول آخر: أنه صريح في القذف وهو ضعيف. وقال صاحب "الحاوي": الوجهان في اليد والرجل والرأس فأما إذا قال: زنت عينك لا يكون قذفًا وجهًا واحدًا، ولو قال: زنى بدنك فيه وجهان أيضًا، ولأن البدن بعض من الجملة، والصحيح والمذهب ههنا أنه يكون قذفًا. وبه قال ابن سريج: وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه لا فرق بين قوله: زنيت وبين قوله: زنى بدنك؛ لأنه أضاف القذف إلى جملتها، ولأن البدن هو الجملة التي منها الفرج، وعن أبي حنيفة في الرأس أنه يكون قذفًا،

стр. 5451

فاعتبر العضو الذي لا يبقى البدن بدونه، ولو قال: زنى فرجي كان إقرارًا بالزنى قولاً واحدًا. ولو قال: زنى يدي أو رجلي أو عيني لم يكن إقرارًا بالزنى لا يختلف أصحابنا فيه. فإذا تقرر هذا فكل ما قلنا إنه صريح في القذف إذا ذكره حمل على القذف ولا ينوي فيه، وكل ما قلنا إنه كناية، فإن قال: لم أرد به القذف قُبل منه مع يمينه (ق ٢٦ ب) وإذا قال: أردت القذف قُبل منه لأنه محتمل. مسألة: قال: "وكلما قاله وكان يشبه القذف إذا احتمل غيره لم يكن قذفًا". قصد به الرد على مالك حيث قال: التعريض في القذف كالصريح مثل أن يقول في حال الغضب لمن شاتمه يا ابن الحلال وما شاكل ذلك، مثل أن يقول: ما أنا بزاني ولا أمي بزانية وما أحسن ذكر أمك في الجيران، وإن قال ذلك في حال الرضا، وبه قال إسحاق، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وعندنا لا يكون هذا قذفًا، وبه قال أبو حنيفة، والدليل على هذا ما احتج به الشافعي أن رجلاً من غزارة. قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود فجعله النبي ﷺ قذفًا. وقال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فكان التعريض خلاف التصريح كذلك ههنا. وروي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن امرأتي لا ترد يد لامس. الخبر. وهذا تعريض ولم يجعله النبي ﷺ قذفًا؛ ولأنه لو قال الرجل: ما زنيت لم يكن إقرارًا فكذلك إذا قال لغيره: أنت ما زنيت لم يكن إقرارًا واحتج مالك بأن عمر ﵁ جلد في التعريض جلدًا تامًا، ولأن دلالة الحال تقوم مقام القصد والنية، فإذا انضمت إلى التعريض كان بمنزلة التصريح. قلنا: روينا عن سمرة بن جندب ﵁ قال: من عرض عرضنا ومن صرح صرحنا. وأراد بقوله عرضنا له العقوبة دون الحد، ولأنه لا اعتبار بدلالة الحال؛ لأن الحد (ق ٢٧ أ) يسقط بالشبهة، وفي التعريض شبهة ظاهرة. فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي في الأم أنه إذا قال: يا فاجرة، ويا فاسقة، ويا غلمة، ويا شبقة كله تعريض إن أراد به القذف كان قذفًا. قال القفال: وكذلك لو قال: يا خبيثة يا قوادة يا مواجرة لا يكون صريحًا. ولو قال: ما أحسن وجهك أو بارك الله عليك لا يكون قذفًا، وإن نواه؛ لأنه لا يحتمل القذف. فرع: لو قال الرجل: يا لوطي كان كناية، وفيه وجه آخر أنه صريح. وكذلك لو قال:

стр. 5452

يتلوط أو لاط. فرع آخر: لو قال: أنت زاني زنا في الجبل كان قذفاً ويحتمل وجهاً آخر، ولو قال: ونأت في الجبل يا زان فالأقوى أنه قذف. مسألة: قال: " وَلَا يَكُونُ اللِّعاِنِ إِلَّا عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ عَدُولٍ يَبْعَثُهُمْ السُّلْطَانُ". قال أصحابنا: أراد بالعدول خليفته وشاهدين يشهدان عليه فيما يمضيه ويحكم به. وقيل: أربعة عدول، وأن لم يبعث إلا خليفته وحده أجزأه في صحة اللعان. وقد ذكرنا أنه لا بد فيه من الحاكم، ولا يجوز إلا بعد أن يعرض الحاكم ألفاظ اللعان عليه. فرع: لو ترافع الزوجان إلي رجل يعرف الأحكام ورضيا بحكمه هل يصح أن يلاعن بينهما؟ قل ابن هريرة: لا يجوز قولاً واحداً، وإنما القولان في الأموال التي يجري فيها الإباحة. قال: ولا يجوز التحكيم في الطلاق والعناق أيضاً لأنه لا تجري فيه الإباحة، وبه قال صاحب "الإفصاح" وظاهر نصه ههنا هذا، وهو ظاهر المذهب، وقال الاصطخري، وأبو إسحاق: لا فرق بين الأموال وغيرها [ق ٢٧ ب] وفي الكل قولان. فإذا قلنا: يجوز قمتي يلزم حكمه عليها؟ وجهان: أحدهما: يلزم بنفس التحكيم. والثاني: يلزم بالتراضي بعده، وقيل: القولان في اللعان بناءً علي اختلاف قوليه في لزوم حكمه في عين اللعان. فإن قلنا: يلزم ولا يقف حكمه علي رضاهما يجوز ههنا، وإن قلنا: هناك لا يلزم إلا بعد التراضي بالتزامه بعد الحكم لا يجوز ههنا لأن حكم اللعان لا يقع إلا لازماً، ولا يصح فيه العفو والإبراء، ولا يقف علي التراضي. وكان الدار كي يقول: يجوز فيه التحكيم عند القاضي للضرورة، وأ/ االتحكيم في النكاح قال القاضي الطبري: سمعت بعض شيوخنا يقول: ينظر فيه، فإن كان لها ولي حاضر أو غائب لا يجوز؛ لأنه إذا كان حاضراً فالحق له دون المرأة، وإن كان غائباً فالحق له أيضاً إلا أن الحاكم يقوم مقامه في استيفائه، فلم يكن لرضا المرأة بحكم من رضيت به معني، وإن لم يكن لها ولي أصلاً

стр. 5453

فهل يجوز التزويج بالتحكيم؟ وجهان: أحدهما: يجوز، لأن الحق لها وإنما يزوجها الحاكم بولاية النظر في مصالح المسلمين، بخلاف ما إذا كان الولي غائباً، لأن الحق للولي دونها. والثاني: لا يجوز لغلظ حكمه. فرع آخر: إذا زوج أمة من عبده هل يجوز أن يلاعنا عند سيدهما؟ فإن كان عامياً لا يعرف الأحكام لم يجز، وإن عالماً يحسن أن يلاعن بينهما، من أصحابنا من قال: يجوز منه ذلك، لأنه يجوز منه إقامة الحد عليه كالحاكم، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا. والثاني: لا يجوز ذلك لأنه يقيم الحد عليها [ق ٢٨ أ] بالإقرار دون ألبته واللعان بينة فلا يجوز له سماعه، ولو تلاعن الزوجان وحدهما وتراضيا به لا يجوز بلا إشكال. باب الشهادة من اللعان: مسألة: قال: " إِذَا جَاءَ الزَّوْجُ وَثَلَاثَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَي امْرَأَتِهِ مَعاً بالزاني لَاعَنَ الزَّوْجِ". الفصل: إذا شهد الزوج علي زوجته بالزاني مع ثلاثة نفر لا تقبل شهادته؛ لأنه يتصور فيه صورة المدعيين، ويه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: تقبل شهادته، وهذا غلط لما ذكره الشافعي أن شهادته تضمنت أنها أفسدت فراشه وألحقت به نسباً ليس منه ووترته من نفسه بأعظم من أن يأخذ الزاني له، ويشتم عرضه أو ماله تشديد من الضرب، فلهذا لا تقبل شهادته، ومعني وترته: أي نفضته في نفسه بما التزامه من العار. وجملة مقصودة أنه صار عدواً له وخصماً ومن المحال قبول شهادة العدو علي العدو والخصم علي الخصم. فإذا تقرر هذا نقول: الخلاف إذا لم يتقدم القذف منه، فإن تقدم منه قذفها ثم جاء مع ثلاثة فشهدوا عليها بالزاني لا تقبل شهادته بالإجماع؛ لأنه صار خصماً بالقذف، ويلزم الحد إلا أن يلاعن أو يقيم البينة، وهل يحد الشهود الثلاث؟ قولان: لأنهم نقصوا عن أربعة، وعند أبي حنيفة: يحدون ولو لم يتقدم قذفه وجاء يشهد مع الثلاثة، وقد بيَّنا أنه لا يقبل ويكون قاذفاً يلاعن أو يحد وهو ظاهر المذهب، واختيار أبي إسحاق، ويفارق الشهود الثلاثة لا يحدون في أحد القولين؛ لأن الزوج جاء [ق ٢٨ ب] مجيء الخصوم

стр. 5454

وهؤلاء الثلاثة جاؤوا مجيء الشهود. وعلي هذا قال بعض مشايخنا: لو أن جماعة من الفسق الذين يلعنون بفسقهم ولا يسترون به جاؤوا وشهدوا علي زني رجل، مع علمهم بأن شهادة مثلهم مزودة. جعلناهم قذفه قولاً واحداً، ولا ندخلهم في مسألة القولين، وإن قيدوا ألفاظهم بالشهادة. وبه قال ابن أبي هريرة، وهل يجري الزوج مجري الشهود في سقوط الحد عنه؟ وجهان: أحدهما: لا حد عليه وهو الاختيار؛ لأنه جاء بلفظ الشهادة، فعلي هذا لو أراد اللعان لم يكن له إلا باستئناف قذف. والثاني: قاله أبو إسحاق يُحد قولاً واحداً؛ لأنه لما امتنع أن يكون شاهداً امتنع أن يكون لفظه شهادة، وصار قذف محصنة فيلا عن بما تقدم. فرع: إذا قلنا: يحد الشهود فعلي الزوج الحد أيضاً، ولكن للزوج أن يلاعن علي ما ذكرنا، وهل يجوز أن يحد الشهود قبل لعان الزوج؟ وجهان مبنيان علي أن الزوج إذا لاعن وامتنعت من اللعان فحدت هل تسقط حصانتها مع الأجانب؟ فيه وجهان: فإن قلنا: لا تسقط يجوز أن يجوز أن يُحد الشهود قبل لعانها. وإن قلنا: تسقط لا يُحد الشهود إلا بعد اللعان؛ لجواز أن تمتنع فتحد فتسقط حصانتها معهم. فرع آخر: لو شهد أربعة بالزاني وفيهم من رُدت شهادته لرق أو فسق. قال أبو إسحاق في حدّ الباقين قولان، وقال الاصطخري: إذا كمل عددهم ونقصت صفتهم لم يحدوا قولاً واحداً [ق ٢٩ أ] لأن نقصان الصفة راجع إلي الحاكم ونقصان العدد راجع إلي الشهود، وهذا فرق ضعيف. مسألة: قال: "وَلَوْ قَذَفَهَا وَانْتَفَي مِنْ حَمْلِهَا وَجَاءَ بِأَرْبَعَةٍ فَشَهِدُوا أَنَّهَا زَنَتْ لَمْ يُلَاعِنْ حَتَّى تَلِدَ". إذا شهدوا عليها الزاني، فقد ذكرنا أنه سقط عنه حدّ القذف ووجب عليها حدّ الزاني، ويقاوم عليها إلا تكون حاملاً فتؤخر حتى تضع، وقد قال ههنا: " ولَمْ تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ ثُمَّ تحُد" وفيه إشكال لأنه لا يجوز أن يبادر إلي حدها عقب الوضع، ومعناه تحد إذا احتملت الحد، ثم كلمة تحتمل التراخي والولي أن لا تُراحم المرأة حتى تحصن

стр. 5455

الولد، وإن وجد من يكفله ولا يعمل الشهود في نفي الولد بحالٍ، وينظر في الزوج، فإن لم يكن لها حمل ولا ولد لا يلاعن لقطع الفراش علي ظاهر مذهب الشافعي. وقال أبو الطيب ابن سلمه: يلاعن له ليستفيد بحرمتها علي التأبيد فيحسم الطمع في مراجعتها، ويكون أبلغ من دخول المعني عليها، وإن كان هناك حمل فلا لعان ههنا لأجل الحمل دون غيره، ومتى كان اللعان لأجل الحمل دون غيره، ومتى كان اللعان لأحل الحم وكان مقصوداً به، هل يجوز أم لا؟ علي قول أبي إسحاق لا يجوز قولاً واحداً، وعلي قول غيره قولان، وقوله ههنا: " لم يلاعن حتى تلد" يدل علي ما قال أبو إسحاق، وهذا لأن القذف صار كالمعدوم بإقامة أربعة من الشهود علي زنيها، ويفارق هذا إذا قذفها والنكاح قائم، ولم يقم البينة علي زنيها وهي حامل له أن يلاعنها قولاً واحداً؛ لأن القذف باقٍ وللزوج فواحدة عن نفسه بلعانة مع عدم الحمل [ق ٢٩ ب] فكان له ذلك عند وجود الحمل. ومن أصحابنا من قال: هل يلاعن عن الحمل في جميع المواضع؟ قولان لأنه نص ههنا علي أن لا يلاعن حتى تلد، وهذا ضعيف أنكره جمهور أصحابنا. فرع: إذا أراد أن يلاعن لنفي ولدها ولم يكن قذفها ولم يكنن قذفها قبل الشهادة فهل يستعن بالشهادة عن التلفظ بقذفها؟ وجهان محتملان: أحدهما: يستغني به، فعلي هذا يقول في لعانة: أشهد أني لمن الصادقين في زنيها، ولا يقول فيما رميتها به لأنه لم يرمها. والثاني: لا بد من القذف لقوله تعالي: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النُّور:١٦] فجعل رميه شرطاً في اللعان، فعلي هذا يستأنف القذف ثم يلاعن. مسألة: قال: "وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَي إقْرارهَا باِلزَّنَي لمَ يُلاَعنْ ولَم يُحَد َّوَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا". إذا قذف زوجته يلزمه الحد في الظاهر، فإن طالبته به فقال: أنت قد اعترفت بالزني فإما أن تقر أو تنكر، فإن أقرت ثبت زنيها وسقطت حصانتها ووجب عليها الحد باعترافها، وسقط الحد عن قاذفها، وإن كذبته لا يخلو إما أن تكون معه بينة أولاً، فإن لم يكن فالقول قولها فإذا حلفت سقطت دعواه وعليه حدّ القذف إلا يسقطه باللعان، وهذه اليمين ليست علي حدّ الزاني؛ لأن اليمين لا تدخل فيه، وإنما هي لإسقاط دعواه ليثبت عليه حدّ القذف لها الذي هو حق الآدمي، وإن كان معه بينة علي إقرارها بالزني فهل يثبت إقرارها به (بشاهدين؟) قولان:

стр. 5456

أحدهما: يثبت كسائر الأقاويل وهو الصحيح. والثاني: ليثبت إلا بأربعة كنفس الزاني لا يثبت إلا بأربعة. قال القفال: وبه أجابه ههنا: فإذا قلنا بالأول سقط الحد [ق ٣٠ أ] علي قاذفها ولا حد عليها لأنها جاحدة له، وحدّ الزاني يسقط بالرجوع بعد الاعتراف، ولو أقرت بالزني ثم قالت: ما زنيت يُقبل، ولو قالت: ما أقررت بالزني ولم تقل: ما زنيت أقيم عليها الحد؛ لأن الإقرار قد ثبت بشاهدين وهذا تكذيب الشهود لا رجوع عن الإقرار. وإن قلنا بالقول الثاني لا يسقط الحدّ عن قاذفها، وقال القفال: المنصوص ههنا أنه لا يثبت الإقرار بشاهدين ولا يلزم الحدّ علي قاذفها، ويجوز أن تُقبل البينة في إسقاط الحدّ دون إيجابه؛ لأن الحدود تدرأ بالشهيات، ألا تري أنه لو شهد أربعة بالزني وشهد أربع نسوة أنها عذراء أسقطنا حدّ القذف عنه ولا حدّ عليها، وكذلك إذا قام أربعة من الفسق بالزني أسقطنا حدّ القذف ولا نوجب حدّ الزاني، فكذلك الشاهدان علي إقرارها بالزني وفي هذا نظر، وإنما قال ههنا: " وَلاَحَد َّعَلَيهَا" بجحودها لأن البينة علي الإقرار بالزني لم تكمل. فرع: لو أقام الشاهدان علي إقرارها بالزني: وقلنا: يسقط عنه الحد، ثم أراد أن يقيم البينة علي زينها هل يجوز؟ وجهان: أحدهما: يجوز تصديقاً لقذفها وتكذيباً لإنكارها، وهو اختبار أبي الطيب ابن سلمه. والثاني: وهو الأصح لا يجوز ويمنع من التعرض لها؛ لأنه لا يستفيد به حقاً لأن حده سقط بإقراره. فرع آخر: لو شهد عليها أربع بنين له بالزني، فإن كانوا من هذا الزوج لا تُقبل شهادتهم لأنهم شهدوا لأنفسهم، وإن كانوا م غيره| [ق ٣٠ ب] قُبلت شهادتهم نص عليه في " الأم" لأن شهادة الابن علي الأم مقبولة. ومن أصحابنا من قال: إذا كانوا من هذا الزوج لا تُقبل في سقوط الحدّ عن أبيهم، وفي وجوب الحدّ علي الأم قولان مبنيان علي تبعيض الشهادة، تجوز أم لا؟ ولو شهد عليه ابناه بقذفها فإن كانا من غيره تُقبل، وإن كان منها لم تُقبل. ولو شهد ابناها (على)

стр. 5457

إقرارها (بالزنى)، فإن كان من غيره تُقبل لإسقاط حدّ قذفه وإن كانا منها لا تُقبل. مسألة: قال: "وَلَوْ قَذفَهَا وَقاَلَ: كَانَتْ أَمَةً أَو مُشْركَةً فَعَليْهَا البَينَّةُ أَنهَّا يَوْمَ قَذَفَهَا حرَّةٌ مُسْلمَةٌ". الفصل: إذا قال القاذف: قذفتك وأنت أمة أو مشركة، وقالت المقذوفة: بل قذفتني وأنا حرة أو مسلمة، فإن عرف أنها كانت مشركة أو أمة، وادَّعت أنه قذفها، وقد أعتقت أو أسلمت فالقول قوله عليها البينة، وإن لم يعرف حالها كيف كانت، قال أبو إسحاق: يحتمل وجهين، وقال صاحب" الإفصاح": فيه قولان: أحدهما: القول قوله. وهو الذي نقله المزني؛ لأن الدار يجمع المسلمة والمشركة والحرة والأمة، فإذا ادعت أنها كانت مسلمة أو حرة فعليها البينة. والثاني: نص عليه في كتاب اللقط القول قولها، لأنا إذا رأينا في الحال حرة مسلمة فالظاهر أن ذلك حالها فيما مصلا إلا أن يعلم غيره بالبينة. وأعلم أن صورة هذه المسألة [ق ٣١ أ] أنه قذفها مطلقها ثم اختلفا بعده، وصورة هذه المسألة مخالفة للمسألة التي مضت قبل هذه، وذلك لأن في هذه المسألة قذفها بالزني، ثم اختلفا بعد القذف كيف حالها وقت القذف، وفي تلك المسألة أضاف الزاني إلي حال الصبي والشرك وحال الرق وكان القذف مفيداً، وهي في حال القذف حرة مسلمة إلا أن الحكم في المسألتين واحد علي ما بيناه، فإن قيل: إذا قطع يده ثم اختلفا فقال القاطع: قطعت يده وهو عبد، وقال المقطع بل أنا حر وكان مجهول الحال. قال الشافعي: " يقول قول المقطوع يده وعلي القاطع البينة" قلنا: قال أبو إسحاق: الفرق أنا إذا جعلنا القول قول القاذف لا يؤدي إلي بطلان الحدّ، فإنا نغزره وهو يقوم مقام الحدّ في التكذيب، وإذا جعلنا القول قول الجاني أدي إلي بطلان القصاص، ولا يكون هناك ما يقوم مقام القصاص في الردع فجعلنا القول قول المقطوع حتى لا يؤدي إلي سقوط ما يتعلق به الردع. ومن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلي الأخرى وخرجهما علي قولين أو الصحيح ما تقدم، فإن قيل: القاضي في "كتاب اللقطة" في لقيط وجد في دار الإسلام فبلغ، فقذفه رجل عليه الحدّ إلا أن يقيم البينة أنه مملوك. قلنا: من أصحابنا من قال: فيهما قولان علي سبيل النقل والتخريج، ومنهم من فرق بين اللقيط وبين مجهول الحال، بأن ظاهر الدار أوجب للقيط الحرية في الظاهر، وفي مجهول الحال لم نجد

стр. 5458

أصلاً نبني عليه، والأصل براءة ذمة القاذف ذكره القفال. مسألة. قال: " [ق ٣١ ب] فَلَوْ كَانَتْ حُرَّةٌ [مُسْلِمَةٌ] فَادَّعَي أَنَّها مُرْتَدَّةٌ فَعَليْه البَيَنةُ". قال أبو إسحاق: عليه البينة لأنه قد اعترف بأنها كانت مسلمة، وادعي تغير حالها فلم يقبل إلا ببينة، كما إذا أقرت بأنها كانت أمة وادعت تغير حالها قبل قذفها، لم يقبل ذلك منها، وإن علم أنها كانا مرتدة واختلفا في وقت قذفها فقال: قذفتك وأنت مرتدة، وقالت: قذفني وقد أسلمت كان القول قوله مع يمينه. مسألة: قَالَ: " وَلوْ ادَّعَي أَنَّ لَهُ البَينَّةَ عَلَي إِقْرارِهَا بالزَّني وَسَأَلَ الأَجَلَ لمْ يُؤجَّلُ إِلاَّ يوماً أو يَوْمَيِن". هكذا ذكره الشافعي، وقال أبو إسحاق: أكثرة ثلاثة أيام، وقوله الشافعي: "يوما أو يومين " تقريب لا تحديد، فإن جاء بها وإلا حد أو لاعن، وكذلك إذا أقام البينة عليها بالزني فادعت جرح الشهود، أو أقامت هي عليه البينة بالقذف فادعي جرح الشهود وأول الحدود الثلاثة لأنها جعلت حداً في مواضع كثيرة. مسألة: قال: " وَلوْ أَقَامَتْ البيَنةَ أَنَهُ قَذَفَهاَ [كبَيرةً وَأَقَامَ البيَّنة أَنَّه قَذَفَهاَ] صَغيِرةً فَهَذَانِ قَذْفانِ مُفْترَقَانِ". إذا قذف امرأته مطلقاً فطالبته بالحدّ فقال: كنت حين القذف صغيرة، لا يخلو إما أن يكون لها بينة، أولا، ف'ن لم يكن فالقول قوله، لأن الأصل براءة ذمته عن الحدّ والأصل الصغر، وإن حلف سقط الحدّ وعليه التعزيز إلا أن يلاعن، وإن كان لها بينة أقامت بينتها علي أنه قذفها وهي كبيرة حُدّ إلا أن يلاعن، وإن كانت له بينة مع بينتها لم يخل، إما أن يكونا مطلقتين أو مقيدتين، فإن كانت مطلقتين مثل إن قامت البينة أنه قذفها كبيرة وأقام البينة أنه [ق ٣٢ أ] قذفها صغيرة فهما قذفان: قذف حال الصغر وقذف حال الكبر، فعليه تعزيز وحد إلا أن ينفيهما اللعان. ومن أصحابنا من قال: هل يدخل التعزيز غي الحد؟ وجهان: أحدهما: يدخل فيه لأنه من جنسه ولمستحقه.

стр. 5459

والثاني: لا يدخل، لأن حقوق الآدميين لا تتداخل فيقام عليه التعزيز، ثم الحد. وإن كانتا مقيدتين لا يخلو إما إن تكونا مقيدتين بوقت واحد، مثل إن شهدت إحداهما أنه قذفها مع الزوال أول رمضان وكانت كبيرة، وقالت الأخرى: قذفها في هذا الوقت وهي صغيرة، أو اتفق الزوج والزوجة أن القذف واحد، فقد تعارضت البينتان؛ لأن الجمع بينهما لا يمكن، وفي البينتين المتعارضتين قولان: أحدهما: تسقطان. والثاني: تستعملان، وإذا قلنا تستعملان فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: توقفان. والثاني: يقرع بينهما. والثالث: يقسم. فحصل أربعة أقوال ويجئ في هذا الموضوع الأقاويل الثلاثة ولا يجئ قول القسمة، فإن قلنا: يوقفان، لم يحكم عليه بشيء ههنا، وإن قلنا: يقرع فمن خرجت القرعة علي بينته حكم بها، فإن خرجت القرعة علي بينتها حُدَّ الزوج، وهل تحتاج المرأة أن تحلف مع القرعة؟ قولان مبنيان علي القولين في القرعة هل دخلت مرجحة للدعوي أو للبينة؟ فإن قلنا: ترجح الدعوي يحلف، وإن قلنا: ترجح البينة لا يحلف. وإن خرجته القرعة علي بينته سقط الحدّ وعزر، وهل يحتاج أن يحلف مع القرعة؟ قولان. وإذا قلنا: يسقطان وهو الأظهر، وبه أجاب الشافعي ههنا فيصبر كأن البينين لم يكون، ويكون القول قوله مع يمينه أنه قذفها صغيرة. وقال أصحابنا: لا يجئ قول الوقف [ق ٣٢ ب] ههنا، لأن فيه تعطيل حكم القذف. ذكره أبو حامد وجماعة، ثم قال الشافعي: فهي متضادة فلا حدّ ولا لعان، أما الحد فسقط، وأما اللعان قال أصحابنا: له أن يلاعن لإسقاط التعزيز عن نفسه، وتأولوا قول: "ولا لعان" أي لا عان لإسقاط الحد، لأن الحد إذا لم يجب لم يحتج إلي اللعان لإسقاطه. ومن أصحابنا من قال: لا يلاعن، لأن الحدّ لا يجب عليه وإنما التعزيز فهي لا تطالب به لدعواها الحد فلا يلاعن. ومن أصحابنا من قال: معناه إذا كانت صغيرة لا يجامع مثلها لا تلاعن للتعزيز علي ما تقدم بيانه، قال القفال: ولو أشارت البينتان إلي وقت واحد، وقالت إحداهما أنها كانت حاضت قبل ذلك فبلغت بها، وقالت الأخرى لم تحض فبينة البلوغ أولي؛ لأن معها زيادة علم ولا تُقبل البينة علب النفي وهذا وضح لا إشكال فيه.

стр. 5460

مسألة: قال: "وَلَوْ شهِدَ عَليْه شَاهِدانِ أَنَّهُ قذَفها وقذف امْرأتهُ لمْ تَجزْ شَهَادَتُهُمَا". الفصل: إذا شهد شاهدان علي رجل أنه قذفها وقذف امرأته لم تجز شهادتهما في حق أنفسهما ولا في حق الزوجة؛ لأنهما قد صارا عدوين له بقولهما قذفنا. قال الشافعي:" إلاَّ أَنْ يَعْفو قَبْل أَنْ يَشْهَدَا وَيُري مَا بَيْنهُ وَبَيْنُهمَا حَسَناً فَيَجُوزَا". قال أصحابنا: وإذا كان كذلك لا فرق بين أن يشهدا للأجنبية بانفرادها وبين أن يشهدا لهما ولأنفسهما، فإن شهادتهما للأجنبية مقبولة قولاً واحداً؛ لأنهم شهدا لهما وهما عدلان لا عداوة بينهما، وأما إذا شهدا بأنه قذفها وقذف الأجنبية فرد الحاكم شهادتهما ثم عفوا عن حقهما وحسن الحال بينهما وبينه أعادا تلك [ق ٣٣ أ] الشهادة للأجنبية لم تُقبل شهادتهما؛ لأن الشهادة إذا ردت بالاجتهاد ولم تُقبل بحالٍ، وثبت الرد علي التأبيد كما لو رد الحاكم شهادة الفاسق، ثم أعادها بعد التوبة لا تُقبل، وفي المسألة الأولي لم ترد شهادتهما للتهمة، بل منعنا قبول شهادتهما في الأول للعداوة فإن فإذا زالت العداوة قبلناها، فإن شهد أنه قذف زوجته، ثم قالا بعد ذلك بمدة: وقذفنا نحن أيضاً فأخبرا عن العداوة بعد الشهادة عليه بالقذف، فإن كان قولهما وقذفنا أيضاً بعد أن حكم الحاكم بشهادتهما لم ينقص حكمه، وإن [كان] ذلك منهما قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بها، وأصله أن إظهار العداوة بعد إقامة الشهادة كالفسق بعد إقامتها، فإن فسقا بعد الحكم لم يضر، وإن كان قبل الحكم لا يحكم كذلك العداوة مثله. فرع: لو شهد ابناه عليه أنه قذف أمهما، وقذف أجنبية، قال في " الأم": لم تُقبل شهادتهما للأم وقبلت للأجنبية". قال أصحابنا: وفيه قول آخر أن الشهادة إذا ردت في البعض ردت في الكل لا تُقبل شهادتهما للأجنبية أيضاً، فحصل قولان. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها هناك لا تُقبل للأجنبية قولاً وذلك أنا رددنا شهادتهما هناك لأجل العداوة فرددنا في الكل وهنا رددنا للتهمة فاختص الرد بموضع التهمة علي أحد القولين، موضوع التهمة وهو الشهادة للأم دون الأجنبية. وحكي صاحب "الإفصاح" عن بعض أصحابنا أنه قال: كلا المسألتين علي قولين وهذا غلط، والفرق ظاهر. فرع آخر: قال القفال تفريعاً علي ما ذكرنا: لو شهدنا أنه قذف زوجتيهما وقذف أجنبية، وقلنا:

стр. 5461

لا تُقبل شهادة الزوج لزوجته [ق ٣٣ ب] لا تقبل شهادتها للأجنبية قولاً واحداً؛ لأن الرجل عدو لمن قذف زوجته وأظهر العداوة حين شهد بذلك، ولو شهد للزوجة وللأجنبي عليه بالدين وقلنا: لا تُقبل شهادته للزوجة هل تُقبل للأجنبي فهذه شهادته ردت بعضها للتهمة هل يرد الباقي؟ قولان. فرع آخر لو أعرض عن ذكر قذف امرأته أو قذفه وشهد للأجنبي تُقبل بلا خلاف، وإن علم أنه قذف امرأته بعد ما لم يظهر هو عداوة إذا رددناها بهذا لما عجز أحد عن قذف من يريد أن يشهد عليه حتى لا يشهد. فرع آخر: قال في " الأم": ولو شهد ابناه أنه قذف ضرة أمهما يحتمل أن يقال: تُقبل هذه الشهادة، ويحتم أن ترد هذه الشهادة. وقيل قطع من الأم أنه تُقبل. وحكي لمزني هذه اسأل في " الجامع الكبير" وقال: قال الشافعي: قيها قولان: أحدهما: لا تُقبل لأنها شهادة لأمهما، فإن القذف إذا ثبت أدي إلي اللعان والفرقة ولأمهما من الفرقة غرض ومنفعة. والثاني: تُقبل لأن له أن يتزوج بامرأة أخري فلا منفعة من فراق الضرة وهذا هو الصحيح واختاره الشافعي، وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وعلي هذا لو شهد بأنه طلق ضرة أمهما قولان، وعلق القول فيه في " الأم" وقيل: قول واحد في الجديد في مسألة القذف أنه تقبل، وفي الطلاق قولان، والفرق أن الطلاق موضوع للفراق وإزالة النكاح وفي القذف قد يلاعن فافترقا. مسألة: قال: "وَلَوْ شَهِدَ أحدهما أَنهُ قَذَفَهَا بِالعَربيِّة وَالآخَر َأَنهَّ قَذَفَهَا بالْفارسيَّةِ لمّْ يُجز". الفصل: إذا أدَّعت القذف علي زوجها فأنكر، فأتت بشاهدين فشهد أحدهما [ق ٣٤ أ] أنه قذفها بالفارسية وشهد الآخر أنه قذفها بالعربية لم يثبت القذف لأنها شهادة علي قذف. وكذلك لو شهد أحدهما أنه قذفها يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة لم

стр. 5462

يثبت أيضاً لأنهما قذفان. وقال أبو حنيفة: يقبل لأنه لا يحتاج إلى ذكر القذف في الشهادة فيكون لغواً غلط. قال الشافعي: كل واحد من الكلامين غير الآخر فلم تتفق شهادتهما على شيء واحد. وعلى ما ذكرنا لو شهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قذفها بالعربية، وشهد الآخر أنه أقر عندي أنه قذفها بالعجمية، وشهد الآخر أنه قذفها وشهد الآخر أنه أقر بقذفها لا تقبل، ولا تتم الشهادة في القذف ولا في الإقرار بالقذف، ولهذا لا تقبل شهادة شهود الرؤيا؛ لأن كل واحد منهم يثبت فعلاً غير الفعل الذي يثبته الآخر. وأما إذا شهد أحدهما أنه أقر عندي بالعربية أنه قذفها، وشهد الآخر أنه أقر عندي بالفارسية أنه قذفها قبلت شهادتهما وحكم بها؛ لأن القذف لم يختلف وإنما اختلف الإقرار بالقذف، ويجوز أن يعبر عن القذف الواحد لأحد الشاهدين بالعربية وللآخر بالعجمية. وكذلك إذا شهد أحدهما أنه أقر عنده يوم الخميس أنه قذفها وشهد الآخر أنه أقر عنده يوم الجمعة أنه قذفها يحكم شبهادتهما؛ لأن الإقرار يختلف والقذف غير مختلف، لأنه يجوز أن يقر بالقذف الواحد لأحد الشاهدين يوم الخميس وللآخر يوم الجمعة. وجملته أنهما إذا أثبتنا قذفين أو أثبت أحدهما قذفاً والآخر أقر بالقذف لم تتم الشهادة في واحد منهما، وإذا أثبتا إقرارين والقذف غير مختلف تمت الشهادة (ق ٣٤ ب) ووجب الحكم. فرع: قال القاضي الطبري: سمعت بعض مشايخنا يقول: إذا شهد ثلاثة أنفس اثنان على فعل الزنى والآخر على الإقرار بالزنى، فإن الشهادة لم تتم على واحد من الفعل والإقرار، ولا يجب على شاهد الإقرار، ولا يجب على شاهد الإقرار شيء، وهل يجب على شاهدي الفعل حد القذف؟ قولان، وإن شهد اثنان على فعل الزنى وشهد اثنان على الإقرار بالزنى، فإن قلنا الإقرار بالزنى يثبت بشاهدين يلزمه الحد ولم يجب على شاهدي الفعل شيء. وإن قلنا الإقرار بالزنى لا يثبت إلا بأربعة لم تتم الشهادة في الفعل والإقرار، ولا يجب على شاهدي الإقرار شيء، وهل يجب على شاهدي الفعل حد القذف قولان. فرع آخر: حكي الاصطخري أنه قال: إذا شهد أحدهما أنه قال: القذف الذي كان مني كان بالعربية، وشهد الآخر أنه قال: القذف الذي كان مني بالعجمية فيه وجهان: أحدهما: لا تتم الشهادة لأنهما قذفان. والثاني: تتم الشهادة لأنه أقر بالقذف وقوله بعد هذا كان بالعربية أو بالعجمية إسقاط منه لإقراره فلا يلتفت إليه.

стр. 5463

مسألة: قال: "ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي بقذفها". حد القذف وحق الآدمي يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي قولاً واحداً، وفي حدود الله تعالى هل يقبل كتاب القاضي إلى القاضي؟ قولان؛ والأظهر أنه لا يقبل، وقد ذكر في آخر هذا الباب. وأما حدود الله تعالى فتدرأ بالشبهات، يعني لا يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي وهذا لأن قبول الكتاب مبالغة في استيفائها وهي مبنية على الفداء (ق ٣٥ أ) والتأخير، وهكذا الشهادة على الشهادة تقبل في حد القذف، وفي حدود الله تعالى هل تقبل؟ قولان: وعند أبي حنيفة: لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي ولا الشهادة على الشهادة بناءً على أصله أنه حق الله تعالى. قال القفال: إذا قلنا: لا تقبل في حدود الله تعالى فله معنيان: أحدهما: أن الستر فيه أولى. والثاني: أنه يدرأ بالشبهات، ففي حد القذف والقصاص هل يقبل ذلك؟ قولان بناءً على المعنيين، فإن قلنا بالمعنى الأول يقبل ههنا، لأنه لا يجوز كتمان الشهادة في حق الآدمي، وإن قلنا بالمعنى الثاني لايقبل ههنا لأنهما يسقطان بالشبهة أيضاً وهذا غريب. مسألة: قال: "وتقبل الوكالة في تثبيت البينة على الحدود". وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الوكالة. باب الوقت في نفي الولد مسألة: قال: "وإذا علم الزوج بالولد فأمكنه الحاكم أو من يلقاه له إمكاناً بيناً". الفصل: جملته إذا ولدت امرأته لا يخلو من أن يكون حاضراً أو غائباً، فإن كان حاضراً لا يخلو من أن يكون معذوراً أو غير معذور، فإن كان غير معذور لا يختلف المذهب أن نفيه على الإمكان في العرف والعادة، فإن كان على الطعام فرغ منه، وإن كان قد دخل وقت الصلاة، فرغ منها، وإن كان بالليل أصبح، وإن كان عرياناً لبس وسار إلى الحاكم على سجية مشيه وابناه إليه وطالبه بما ينفيه عنه من إحضارها واللعان بينهما، فإن أخر مع

стр. 5464

الإمكان الذي وصفناه يبطل النفي. (ق ٣٥ ب) وفيه آخر أن له نفيه إلى ثلاثة أيام، وهو الذي قال في الكتاب، ولو قال قائل: يكون له نفيه ثلاثاً إن كان حاضراً كان مذهباً، ونص عليه في القديم، واعترض المزني على هذا الكلام فقال: لا فرق بين الثلاثة والأربعة. وقال: قال الشافعي لمن جعل له نفيه في تسع وثلاثين يوماً وأباه في الأربعين، ما الفرق بين الصمتين، فمثل هذا يلزمه ههنا فقوله في أول الباب أشبه بمعناه عندي. وهو على ما ذكره المزني، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الإنسان لا يستغني عن مراجعة نفسه وما هل زمان وطئه إياها، وإذا نوجي الرجل بأمر لم يهتد في الحال إلى ما هو خير له فلا بد من إمهال والثلاثة زمان قريب، قال الله تعالى في قصة ثمود ﴿فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، ثم فسر ذلك القريب ثلاثة أيام، فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، وهذا معنى قول الشافعي: فأمكنه الحاكم أو من يلقاه، لم يرد أنه كان مستقبلاً بما لا بد منه يلزمه أن يبعث وكيله إلى الحاكم ليخبره أنه على النفي، ولكن إذا شهد أنه على النفي كفاه، ثم يبقي الحاكم إن شاء بنفسه، وإن شاء بوكيله، ثم هو يحضر اللعان. وذكر المزني أن الشافعي قال في "القديم" إن لم يشهد حضره ذلك في يوم أ, يومين لم يكن له نفيه، وربما يتوهم أن هذا القول الذي حكاه عن القديم وهو قول التقدير بالثلاثة أو الثنين وليس كذلك، بل هو جواب عن الفور، وهو القول الذي نص عليه في أول هذا الباب، غير أنه إذا أراد تعجيل النفي ربما يصادفه الحكم (ق ٣٦ أ) في الحكم أول وهلة، وربما لا يصادفه، وربما يمنعه مانع فلا يبطل حقه عند ظهور عذره، ولهذا جاء بلفظ التنويع، وقال: يوماً أو يومين. ولو أراد التقدير لما استعمل عبارة التنويع، ثم قال المزني: "لوجاز في يومين لجاز في ثلاثة وأربعة في معنى ثلاثة" الفصل فقال للمزني: لعلك توهمت أن الشافعي في " القديم" ذهب إلى قول ثالث سوى القولين المذكورين في أول هذا الباب، وهو أنه بتقدير بيومين وليس كذلك بل له قولان: أحدهما: أنه على الفور. الثاني: أنه يتقدر بثلاثة أيام، وأما التقدير بيومين فليس من قوله وإنما عني به قول الفور على ما ذكرناه. واعلم أن قوله: "أو من يلقاه له" يوهم أن وكيله يقوم في النفي مقامه وليس كذلك، فإنه لا سبيل إلى التوكيل باللعان ولكنه أراد به جواز التوكيل بالنفي في الحال، ثم قال بعد هذا: وأي مدة قلت له نفيه وفيها فأشهد على نفيه وهو مشغول بما يخاف فوته أو بمرض لم ينقطع نفيه" وهذا يوهم أن الإشهاد شرط في صحة النفي وليس كذلك، وإنما أمر بالإشهاد لنوع من الاحتياط، وهو أن المرأة ربما تدعي أن حبر الولادة بلغه صباح يوم الجمعة، فأعرض عن النفي إلى يوم السبت، فإذا أقام الرجل شاهدين أنه نفى الولد

стр. 5465

لما بلغه خبره، وإنما منعه عن الحضور عذر لم يبطل حقه فهذه فائدة الإشهاد. وأما إذا كان معذوراً لا يمكن من المجيء إلى الحاكم، فإن وجد من ينفذه إليه ويعرفه أنه مقيم على النفي فعل، وإن لم يجد أشهد على نفسه شاهدين أنه مقيم على النفي (ق ٣٦ ب) كالمولى إذا عجز عن الوطء فاء بلسانه في المعذور، وصفة المعذور أن يكون مريضاً أو له مريض يحتاج أن يمرضه، أو كان ملازماً في دين أو ملازماً لغريمه يخاف أن يتركه فيخسر ماله وما أشبهه، فإن أمكنه أن يبعث بمن يلقاه فتركه أو أمكنه أن يشهد فلم يفعل بطل حقه ولم يكن له نفيه. فرع: لو قال: لم أعلم بالولادة نظر، فإن كان في موضع يخفي عليه مثله، بأن يكون في محلة أخرى أو موضع بعيد منها فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف كان له نفيه وإن كان معها في الدار وفي موضع لا يخفى عليه في الغالب لم يصدق. فرع آخر: لو قال: علمت بالولادة ولكني لم أعلم أن لي نفيه، فإن كان فقيهاً لا يخفى عليه مثله لم يصدق، وإن كان حديث العهد بالإسلام أو نشأ في بادية نائية كان القول قوله مع يمينه، وإن كان من العامة الذين نشأوا في بلاد الإسلام فهل يقبل قوله مع يمينه؟ وجهان: أحدهما: لا يقبل كما لو ترك الرد بالعيب، وقال: لم أعلم أن لي الرد لم يقبل منه. والثاني: يقبل، لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس ولا يعرفه العامة فعذروا فيه. مسألة: قال: "وإن كان غائباً فبلغه الخبر فأقام والمسير يمكنه لم يكن له نفيه إلا أن يشهد أنه على نفيه، ثم يقم". الفصل: إذا كان غائباً فبلغه خبر الولادة، فإن أمكنه المسير حين سمع بخروج القافلة في ذلك الوقت فأخره سقط حقه ولم يكن له نفيه، وإن لم يمكنه المسير في الحال لتعذر الرفقة أشهد على نفسه أنه مقيم على النفي (ق ٣٧ أ) وفائدة الإشهاد ما ذكرناه، فإن ترك الإشهاد قال أصحابنا: لم يكن له نفيه، والمراد به إذا لم يظهر أ، هـ مصر على نفيه على ما ذكرنا، ولا يلزمه أن يغرر بنفسه لخروجه وحده ولو كان يلحقه خصران فادح لو عجل المسير في تجارة هو مقبل عليها كان هذا من الأعذار الظاهرة فلا يجعل به مقصراً،
следующие страницы →