Полный текст (7 151 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.
стр. 6896
بالقصاص, لأنه لا يدري مستحقة في يمنى أو يسرى وحكم له بالدية لاستوائها في اليمنى واليسرى ثم على هذا القياس فيما سواه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁:"ولو شهدا على رجلين أنهما قتلاه وشهدا لآخران على الشاهدين الأولين أنهما قتلاه وكانت شهادتهما في مقاٍم واحٍد فإن صدقهما ولي الدم معًا أبطلت الشهادة وإن صدق اللذين شهدا أولا قبلت شهادتهما وجعلت الآخرين دافعين بشهادتهما وإن صدق اللذين شهدا أخرا أبطلت شهادتهما لأنهما يدفعان بشهادتهما ما شهد به عليهما".
قال في الحاوي: وهذه المسألة مصورة في سماع الشهادة على القتل قبل دعوى الولي, وقد اختلف أصحابنا في كيفية سماعها قبل الدعوى على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تسمع قبل الدعوى, إذا كان الولي طفلًا, أو غائبًا, ولا يجوز سماعها إذا كان بالغًا, حاضرًا.
والثاني: أنها تسمع قبل الدعوى, إذا لم يعرف الولي شهوده ولا تسمع إذا عرفهم بعد الدعوى.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة والجمهور أنها تسمع قبل الدعوى في الدماء خاصة, ولا تسمع في غير الدماء, إلا بعد الدعوى والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: لتغليظ الدماء على غيرها من الحقوق.
والثاني: أنها من حقوق المقتول يقضي منها ديونه, وتنفذ منها وصاياه فجاز للحاكم أن ينوب عنه في سماع الشهادة قبل دعوى أوليائه ويجيء على هذا التعليل أن يسمعها في ديون الميت, ولا يسمعها في ديون الحي, وعلى التعليل الأول لا يسمعها في ديون حي, ولا ميت وعلى هذا الترتيب يتأول, اختلاف الرواية عن النبي ﷺ أنه قال:"خير الشهداء من شهد قبل أن يستشهد",إنها محمولة على ما يشهد فيه قبل سماع الدعوى.
وما روي عنه ﷺ أنه قال:"شر الشهداء من شهد قبل أن يستشهد" محمول على ما لا يشهد فيه إلا بعد سماع الدعوى.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا فصورة مسألتنا في شاهدين شهدا على رجلين أنهما قتلا زيدًا, وشهد الرجلان المشهود عليهما أن الشاهدين الأولين هما اللذان قتلا زيدًا, فللولي حالتان:
стр. 6897
أحدهما: أن تصح منه الدعوى.
والثاني: أن لا تصح منه, فإن صحت منه الدعوى لبلوغه وعقله, سأله الحاكم عما يدعيعه من القتل على من يعينه من الأربعة وهو في ذلك على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدعيه على الآخرين الذين شهد عليهما الأولان فتكون شهادة الأولين عليهما ماضية ويحكم للولي على الآخرين بالقتل لسلامة الأولين عند شهادتهما وتهمة الآخرين في الشهادة بالرفع عن أنفسهما وهل يلزم الحاكم أن يستعيد الشهادة بعد الدعوى أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يستعيدها, ويحكم بما تقدم من شهادتهما, لأنه لا يستعيد بها زيادة علم.
والثاني: يلزمه استعادتهما, ولا يجوز له أن يحكم بما تقدم منها لأنه لا يجوز أن يكون الحكم سابقًا للدعوى.
والقسم الثاني: أن يدعو الولي قتله على الأولين دون الآخرين, فشهادتهما على الأولين باطلة, لأنهما قد صارا عدوين لهما, ومتهمين في شهادتهما.
والقسم الثالث: أن يدعه قتله على جماعتهم فتبطل الشهادتان لإكذابه لهما, وإقراره بفسقهما, وإن كان الولي ممن لا تصح منه الدعوى لصغره, أو جنونه, فقد اختلف أصحابنا هل يقضي الحاكم بموجب الشهادة أو يوقفها على بلوغ الولي وعقله؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي يقضي بموجب الشهادة ويقضي على الآخرين بالقتل بشهادة الأولين.
والثاني: أنه يقف الشهادة, ولا يبت الحكم فيها حتى يبلغ, ويفيق المجنون, ثم يرجع إليه ويعمل على ما بينه وادعاه من الأقسام الثلاثة, لتردد الشهادة بين إيجاب وإسقاطه فلم يحكم بأحدهما مع احتمالهما فأما إذا اتفقت شهادة بعض ولم يتقدم إحداهما على الأخرى فكلتا الشهادتين باطلة لا يحكم بواحدة منهما ولا يرجع فيهما إلي دعوى الولي, لتعارض الشهادتين في التدافع بهما, والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁:"ولو شهدا أحدهما على إقراره أنه قتله عمدًا والآخر على إقراره ولم يقل خطأ ولا عمدًا جعلته قاتلًا والقول قوله فإن قال عمدًا فعليه القصاص وإن قال خطأ أحلف ما قتله عمدًا وكانت الدية في ماله في مضى ثلاث سنين".
стр. 6898
قال في الحاوي: وصورتها في شاهدين شهدا على إقرار رجل بالقتل, فقال أحدهما: أقر عندي أنه قتل عمدًا, وشهد الآخر: أقر عندي أنه قتله ولم يقل عمدًا, وشهد الآخر: أقر عندي ولم يقل عمدًا ولا خطأ فقد تمت الشهادة على إقراره بالقتل ولم تتم الشهادة على إقراره بصفة القتل, فيسأل المقر عن صفة القتل, فإنه لا يخلو فيها من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول قتله عمدًا فيقتص منه بإقراره الآنف لا بالشهادة المتقدمة فإن عفا عنه إلي الدية, كانت حالة مغلظة في ماله.
والثانية: أن يقول: قتلته خطأ فلا يحكم عليه بالقود لأنه لم يتم الشهادة بالعمد, ولكن يكون هذا لوثًا في قتل العمد لأنه إذا ثبت اللوث بشهادة واحد فأولى أن يثبت بشاهدين فإن أقسم حكم له بالقود على قوله في القديم, وبالدية المغلظة حالة على قوله في الجديد, وإن لم يقسم, أحلف المقر بالله أنه ما قتله عمدًا ولزمته دية والخطأ مخففة يؤديها من ماله, في ثلاث سنين, ولا تحملها عنه العاقلة, لأنها دية اعتراف.
والثالثة: أن يمسك عن البيان, فيصير كالناكل فترد اليمين على الولي فإن حلف حكم له بالقود بيمينه لا بالشهادة، وإن نكل حكم له بدية الخطأ دون العمد بالشهادة.
فصل:
ولو كانت الشهادة على فعل القتل، فشهد أحدهما أنه قتله عمدًا وشهد الآخر أنه قتله خطأ، سئل كل واحد منهما عن صفة القتل الذي شاهده، فإن اتفقا عليها واختلفا في الحكم عندهما لم تكن في هذه الشهادة تعارض ووجب على الحاكم أن يعتبر بما شهدا به من صفة القتل، فإن كان عمدًا حكم فيه القود، وإن كان خطأ حكم فيه بدية الخطأ على العاقلة وإن اختلفا في صفة القتل فهو تعارض لا يحكم فيه بعمد ولا خطأ على ما سنذكره من بعد، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو قال أحدهما قتله غدوًة وقال الآخر عشيًة أو قال أحدهما بسيف والآخر بعصًا فكل واحٍد منهما مكذب لصاحبه فمثل هذا يوجب القسامة".
قال في الحاوي: إذا تعارض الشاهدان فأثبت كل واحد منهما ما نفاه الآخر فلذلك ضربان:
أحدهما: أن تكون شهادتهما على فعل القتل.
والثاني: أن تكون على الإقرار بالقتل، فإن كانت على فعل القتل فقال أحدهما: قتله غدوة أو في يوم السبت وقال الآخر: قتله عشية أو في يوم الأحد، أو قال أحدهما:
стр. 6899
قتله بسيف، وقال الآخر: بعضا. أو قال أحدهما: قتله بالبصرة، وقال الآخر بالكوفة، فهما وإن اتفقا على الشهادة بالقتل فقد تعارضا في صفته فصارا متكاذبين، لأنه قتله غدوة، غير قتله عشية، وقتله بسيف غير قتله بعصا، فلم يحكم بشهادتهما ولا بشهادة واحد منهما مع يمين المدعي في عمد ولا خطأ.
وقال ابن أبي ليلى أعذر الشاهدين وأحكم بفسقهما لاجتماعهما على كذب مستحيل. وعند الشافعي وأبي حنيفة: لا تعزير عليهما ولا تفسيق لأحد أمرين:
أحدهما: لجواز الاشتباه عليهما، فيخرجان بالشبهة عن الفسق، والكذب.
والثاني: أن كذب أحدهما لا يمنع صدق الآخر، وقد اشتبه الصادق من الكاذب فإذا ثبت أن شهادتهما مردودة، فقد نقب المزني هاهنا، "ومثل هذا يوجب القسامة"، ونقل الربيع في كتاب الأم فمثل هذا لا يوجب القسامة، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النقلين على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن الصحيح ما نقله المزني هاهنا، أنه يوجب القسامة ويكون الربيع ساهيًا في زيادة لا؛ لأنهما قد اتفقا على الشهادة بالقتل.
والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة أن الصحيح، ما نقله الربيع أنه لا يوجب القسامة ويكون المزني ساهيًا في حذف لا لأن تكاذبهما يسقط شهادتهما.
والثالث: أن كلا النقلين صحيح وأنه على قولين مثل تكاذب الوليين:
أحدهما: يوجب القسامة.
والثاني: لا يوجبها.
فصل:
وأما الضرب الثاني: وهو أن تكون شهادتهما على إقراره بالقتل فيقول:
أحدهما: أقر عندي أنه قتله غدوة. ويقول الآخر: أنه قتله عشية أو يقول أحدهما: أقر عندي أنه قتله بسيف، ويقول الآخر: أقر عندي أنه قتله بعصا، أو يقول أحدهما: أقر عندي أنه قتله بالبصرة، ويقول الآخر: أقر عندي أنه قتله بالكوفة، فهذه شهادة صحيحة على إقراره بالقتل لا تعارض فيها وإنما التعارض من المقر بالقتل في صفة القتل فلم يؤثر ذلك في شهادة على إقراره بالقتل فإن كان كل واحد من الفعلين عمدًا يوجب القود أقدناه، وإن كان كل واحد منهما خطأ لا وجب القود سقط عنه القود، ولزمته دية الخطأ مؤجلة في ماله، وإن كان أحدهما عمدًا موجبًا للقود والآخر على إقراره بقتل الخطأ، فيكون على ما مضى في الرجوع إلي قوله، فإن أقر بالعمد أقدناه، وإن أقر بالخطأ أخلفناه، وإن امتنع من البيان جعلناه ناكلًا، وأحلفنا ولي الدم على ما ادعاه من العمد فإن نكل حكمنا له بدية الخطأ في ماله دون عاقلته.
стр. 6900
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو شهد أحدهما أنه قتله والآخر أنه أقر بقتله لم تجز شهادتهما لأن الإقرار مخالٌف للفعل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أقام ولي الدم شاهدان، شهد أحدهما على فعل القتل، فقال: رأيته قتله، وشهد الآخر على الإقرار بالقتل، قال: أقر عندي أنه قتله لم تتعارض شهادتهما، لأنها غير متنافية ولم تتم الشهادة منهما، لأنها غير متماثلة، لأن فعل القتل، غير الإقرار بالقتل، ولم تكن تكمل الشهادة على الفعل ولا على الإقرار، فلم يجز أن يحكم عليه بواحد منها، لكن يكون هذا لوثًا يوجب القسامة قولًا واحدًا، لأن كل واحدة من الشهادتين مقوبة للأخرى غير منافية لها، وإذا كان كذلك لم يخل حال القتل من أن يكون عمدًا أو خطأ، فإن كان خطأ لم يحتج فيه إلي القسامة، لأنه قد تتم البينة فيه بشاهد ويمين فيقال لولي الدم أحلف مع أي الشاهدين شئت يمينًا واحدة تكمل بها ببينتك ويقضي لك فيها بدية الخطأ.
وينظر فإن حلف مع الشاهد على فعل القتل كانت الدية على عاقلته وإن حلف مع الشاهد على إقراره بالقتل كانت الدية في ماله وإن كان عمدًا فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون غير موجب للقود كقتل الأب لابنه والمسلم لكافر فهو مختص بوجوب الدية ويصير كالخطأ في أن لا يحكم فيه القسامة لوجود البينة مع يمين الولي مع أي الشاهدين يمينًا واحدة ويحكم له بدية العمد في ماله، سواء حلف مع شاهد الفعل أو مع شاهد الإقرار.
والثاني: من العمد أن يكون موجبًا للقود فيجب الحكم فيه بالقسامة دون الشهادة لأن الشهادة تصير لوثًا فيحلف الولي أيمان القسامة خمسين يمينًا ويحكم له بالقود على قوله في القديم وبدية العمد حالة على قوله في الجديد والله تعالى أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو شهد أنه ضربه ملففًا فقطعه باثنين ولم يبينا انه كان حيًأ لم أجعله قاتلًا وأحلفته ما ضربه حيًا".
قال في الحاوي: أما شهادة الشاهدان بالقتل فغير مفتقرة إلي ثبات الحياة عند القتل، لأن القتل هو إماتة الحياة فدلت على وجود الحياة عند القتل فأما إذا شهد أنه قطع ملفوفًا في ثوب باثنين فهذه شهادة محتملة لأنه قد يجوز أن يكون عند القطع حيًا، ويجوز أن يكون ميتًا، فيسأل الشاهدان لأجل هذا الاحتمال عن حال الملفوف، ولهما فيه ثلاثة أحوال:
стр. 6901
أحدها: أن يشهدا بحياته عند قطعه، أو بمشاهده وحركته أو بختلاجه بعد قطعه، فهذا كله شهادة بالحياة، لأنه لا يختلج بعد القطع إلا حي. فأما الشهادة بسيلان دمه عند قطعه فلا تكون شهادة بحياته وإن كان دم الميت جامدًا، لأن جمود دمه بعد فتور حرارته، وقد يحتمل أن يكون قد مات لوقته قبل فتور حرارته وجمود دمه فلذلك لم تثبت فيه الحياة. والثانية: أن يشهدا موته عند قطعه، فيصير شاهدين بنفي الحياة، وإثبات الموت فلا تسمع شهادة غيرهما بحياته، وينتفي عنه حكم القتل، ويعزر أدبًا على قطع ميت لانتهاك حرمته.
والثالثة: أن يجهلا حاله عند قطعه، فلا يشهدا بحياته ولا موته، فإن تصادق المدعي والدعي عليه على حياة أو موت عمل على تصادقهما، وإن تنازعا فقال المدعي كان حيًا، وقال المدعى عليه: كان ميتًا كلف كل واحد منهما إقامة البينة على ما ادعاه، فإن أقام المدعي بينة بحياته عند قطعه حكم بها، وأجرى على المدعى عليه حكم القتل، وإن أقام المدعى عليه بينة بموته عند قطعة حكم بها وبرئ المدعى عليه من القتل.
وإن أقام المدعي بينة بالحياة، وأقام المدعى عليه بينة الموت ففيه وجهان:
أحدهما: يحكم ببينة الموت، لأنها أزيد علمًا.
والثاني: أنهما متعارضان؛ لأن واحدة منهما تقطع بإثبات ما نفته الأخرى ولم يكن في إحداهما مع القطع بالشهادة زيادة علم، فأما إن أقام على الدعوى وعدما البينة، ففيه قولان:
أحدهما: وهو الذي نقله المزني هاهنا ونص عليه الشافعي في أكثر كتبه وبه قال أبو حنيفة إن القول قول الجاني مع يمينه إنه كان ميتًا عند قطعه وهو بريء من قتله إلي حلف لأن الأصل براءة ذمته فصار كما لو ادعى الولي أنه مات من سراية جراحته وادعى أنه مات من غير جراحته، كان القول قول الجاني دون الولي اعتبارًا ببراءة ذمته.
والثاني: وتفرد الربيع بنقله.
وقال بعد رواية الأول وفيه قول آخر: أن القول قول الولي مع يمينه أنه كان حيًا عند قطعه ويؤخذ القاطع بحكم قطعه لأنه الأصل بقاء الحياة حتى يعلم زوالها عند القطع، واليقين، والشك إذا تعارضا سقط حكم الشك باليقين، كما لو تيقن الحدث وشك في الطهارة، أو تيقن الطهارة وشك في الحدث والفرق بين دعوى الموت ودعوى السراية أن الولي مستأنف لدعوى السراية فلم يقبل قوله فيها، والجانب هاهنا مستأنف لدعوى الموت، فلم يقبل قوله فيها، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو شهد أحد الورثة أن أحدهم عفا القود والمال
стр. 6902
فلا سبيل (إلى) القود وإن لم تجز شهادته وأحلف المشهود عليه ما عفا المال ويأخذ حصته من الدية وإن كان ممن تجوز شهادته حلف القاتل مع شهادته لقد عفا عنه القصاص والمال وبرئ من حصته من الدية".
قال في الحاوي: وصورتها من قتل عمد ترك ابنين شهدا أحدهما على أخيه بالعفو فلا تخلو شهادته عليه، من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشهد عليه بعفوه عن القود وحده، فيسقط القود بهذه الشهادة في حق الشاهد والمشهود عليه بحكم الإقرار، لا بحكم الشهادة، ويستوفي فيها من تجوز شهادته ومن لا تجوز، لأن الشاهد على أخيه بالعفو مقر لسقوط القود في حق نفسه، لأنه القود لا يتبعض، وعوف أحد الأولياء عنه موجب لسقوطه في حقوق جميعهم، وإذا سقط في حق الشاهد، سقط في حق المشهود عليه، ولا يمين على القاتل في إثبات العفو ولا على المشهود عليه في نفيه لسقوط القود بمجرد الإقرار وقضى لهما بدية العمد على سواه.
والقسم الثاني: أن يشهد عليه بعفوه عن الدية دون القود فينظر حال الشاهد، فإن كان ممن لا تجوز شهادته بجرحه رد قوله، ولم يحكم به في شهادة ولا إقرار؛ لأن المجروح لا يشهد والإقرار لا يؤثر، وكان المشهود عليه على حقه من القود والدية.
وإن كان الشاهد ممن تجوز شهادته لعدالته لم تؤثر بشهادته في القود، لأنه ما شهد بالعفو عنه، وكان أخوه على حقه منه وهل تكون شهادته مؤثر في العفو عن الدية أم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوليه في قتل العمد والذي يجب به على قولين:
أحدهما: أنه موجب لأحد أمرين من القود، أو الدية، فعلى هذا تؤثر شهادة الأخ في العفو عن الدية، إذا حلف معه القاتل لقد عفا عن الدية لأن الإبراء من الدية قبل استحقاقها، ويكون الأخ المشهود عليه مخيرًا بين القود والعفو عنه لا اختيار الدية.
والقسم الثالث: أن يشهد عليه بعفوه عن القود والدية معًا، فالقود قد سقط بكل حال، سواء كان الشاهد ممن تجوز شهادته أو لا تجوز لما بيناه من قبل، فأما الدية فهي معتبرة بحال الشاهد، فإن كان ممن لا تجوز شهادته كانت شهادته مردودة، وحلف المشهود عليه ما عفا عن الدية ولا يحتاج أن يذكر في يمينه وما عفا عن القود، ولا يختلف أصحابنا فيه، لأن يمينه موضوعة لإثبات ما يستحقه وهو يستحق الدية دون القود، وإن كان الشاهد ممن تجوز شهادته أبرأت شهادته قولًا واحدًا، إذا حلف معها القاتل على العفو، وكانت بينة تامة في الإبراء. وفي صفة يمين القاتل هاهنا مع شاهده وجهان:
أحدهما: ذكره الشافعي ﵁ في كتاب الأم، وقاله أبو إسحاق المروزي
стр. 6903
يحلف لقد عفا عن الدية ولا يذكر أنه عفا عن القود، لسقوط القود بإقرار الأخ دون شهادته، وكما يحلف الأخ إذا ردت شهادة أخيه أنه ما عفا عن الدية ولا يذكر القود.
والثاني: ذكره الشافعي في هذا الموضع وقاله أبو علي بن أبي هريرة أنه يحلف القاتل مع شاهده لقد عفا عن القود والدية، لأن هذه يمين تقوم مقام شاهد فكانت على لفظ الشهادة وخالفت يمين الأخ، لاختصاصها بإثبات المستحق، والله اعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو شهد وارٌث أنه جرحه عمدًا أو خطًأ لم أقبل لأن الجرح قد يكون نفسًا فيستوجب بشهادته الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن كل شاهٍد جر بشهادته إلي نفسه نفعًا أو دف بها ضررًا، كانت شهادته مردودة، فإذا شهد وارقا المجروح وهما أخواه، أو عماه على رجل أنه جرحه لم تخل حال الشهادة من أحد أمرين:
أحدهما: إما أن يكون بعد اندمال الجرح، فشهادتهما مقبولة، لأنهما لا يجدان بها نفعًا ولا يدفعان بها ضررًا، سواء أوجبت القصاص أو الدية.
والثاني: أن تكون الشهادة قبل اندمال الجرح فهي مردودة فلا تقبل لأمرين:
أحدهما: أنها قد تسري إلي نفسه فيموت منها ويصيرا المستحقين لها، فيصيرا شاهدين لأنفسهما.
والثاني: أن المجروح مع بقاء الجراح متهم.
ولورثة المريض الاعتراض عليه في مال ومنعه من التصرف فيما زاد على ثلثه كاعتراضهم عليه بعد موته ولا تجوز شهادتهم له بعد الموت، كذلك في المرض، فعلى هذا إن كان الجرح مام يسري مثله إلي النفس جازت شهادتهما لع على التعليل الأول، ولم تجز شهادتهما له لى التعليل الثاني، وكذلك لو شهد له وارثاه في مرضه بدين له في قبول شهادتهما له وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا تقبل شهادتهما في الدين كما لا تقبل في الجرح، وهو مقتضي التعليل الثاني.
والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة أنها تقبل في الدين وإن لم تقبل في الجراح والفرق بينهما أن الدين يملكه الموروث ثم ثنتقل عنه إلي الوارث والدية يملكها الوارث عن الجاني فصار في الجناية شاهدًا لنفسه فردت شهادته وفي الدين شاهدًا لغيره فأمضيت شهادته وهذا مقتضى التعليل الأول، والله أعلم.
стр. 6904
فصل:
فإذا تقرر أنه لا تقبل شهادتهما له قبل اندمال الجرح الساري، لم يخل حال الجرح من أن يسري إلي النفس أو يندمل، فإن سرى إلي النفس استقر الحكم في رد شهادتهما، وإن اندمل لم يحكم بالشهادة المتقدمة، وفي الحكم بها إن استأنفاها بعد الاندمال وجهان:
أحدهما: تقبل شهادتهما في المستأنف لزوال ما منع من ردها:
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي لا تقبل شهادتهما للحكم بردها في شهادة الأول كالفاسق إذا ردت شهادته لم تقبل إذا ادعاها بعد عدالته، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "فإن شهد له من يحجبه قبلته فإن لم أحكم حتى صار وارثًا طرحته ولو كنت حكمت ثم مات من يحجبه ورثته لأنها مضت في حين لا يجر بها إلي نفسه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ردت شهادة الوارثين في الجراح اعتبرت بكونهما وارثين عند تنفيذ الحكم بشهادتهما لأنهما بحال التهمة الموجبة للرد، وإذا كان كذلك واختلف حالهما قبل الشهادة وبعدها فلهما حالتان:
أحداهما: أن يكونا غير وارثين عند الشهادة ثم يموت من يحجبهما فيصيرا وارثين بعد الشهادة، وقبل الحكم بها، فبشهادتهما مردودة لحدوث ما يمنع من قبولها عند الحكم بها فصار كما لو شهد عدلان، فلم يحكم بشهادتهما حتى فسقا ردت شهادتهما في العدالة، لحدوث الفسق عند الحكم بها.
والثاني: يصيرا وارثين بعد الحكم بهشادتهما فهي ماضية لا تنقضي بحدوث ما تجدد بعد نفوذ الحكم بها، كما لو حكم بشهادة العدلين ثم فسقا لم ينقص الحكم بحدوث فسقهما، والله أعلم.
فصل:
والثانية أن يكونا وارثين عند الشهادة ويحدث من يحجبهما فيصيرا غير وارثين بعدها، فلا يكون الحكم بما تقدم من شهادتهما لاقتران التهمة فإن استأنفهما بعد أن صارا غير وارثين ففي جواز قبولها على ما مضى من الوجهين في إعادة شهادتهما بعد اندمال الجرح، والله أعلم.
стр. 6905
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو شهد من عاقلته بالجرح لم أقبل وإن كان فقيرًا لأنه قد يكون له ماٌل في وقت العقل فيكون دافعًا عن نفسه بشهادته ما يلزمه. قال المزني ﵀: وأجازه في موضع آخر إذا كان من عاقلته في قرب النسب من يحمل العقل حتى لا يخلص إليه الغرم إلا بعد موت الذي هو أقرب".
قال في الحاوي: وصورتها في شاهدين شهدا على رجل بالقتل، وشهد شاهدان من عاقلة القاتل بجرحهما، فالقتل المشهود به ضربان: عمد، وخطأ، فإن كان عمدًا قبلت شهادة العاقلة بجرح الشاهدين على القتل، لأن القتل العمد لا يتوجه على العاقلة منه حكم فلم يهتموا في الشهادة بالجرح، لأنهم لا يدفعون بها ضررًا ولا يجرون بها نفعًا، وإن كان القتل خطأ فعلى ضربين:
أحدهما: أن تكون الشهادة على إقراره به فتقبل شهادة العاقلة في جرح الشهود لأن العاقلة لا تحمل الاعتراف فلم يتهموا في شهادة الجرح.
والثاني: أن تكون الشهادة على فعل القتل فلا تقبل شهادة العاقلة في الجرح لأن دية الخطأ تجب عليهم، فإذا شهدوا بجرح شاهدي الأصل، دفعوا بها تحمل الدية عن أنفسهم، فصار كشهادة القاتل بجرحهم في قتل العمد وهي مردودة لدفعة بها عن نفسه، كذلك شهادة العاقلة في قتل الخطأ.
فصل:
فإذا ثبت رد شهادتهم بالجرح فهم ضربان:
أحدهما: أن يكونوا عند الشهادة بوصف من يتحمل الدية لوجود شرطين: قرب النسب، ووجود الغنى فهؤلاء هم المردود شهادتهم بالجرح.
والثاني: أن يكونوا عند الشهادة بوصف من لا يتحمل الدية وهم صنفان:
أحدهما: من لا يتحملها لفقر.
والثاني: من لا يتحملها لبعد نسبه ووجود من هو أقرب نسبًا، فإن كان ممن لا يتحملها لفقره.
قال الشافعي: لم تقبل شهادته بالجرح وإن كان ممن لا يتحملها لبعد نسبه ووجود من هو أقرب منه، قال الشافعي: قبلت شهادته بالجرح فاختلف أصحابنا في اختلاف نصه فيها على وجهين:
أحدهما: وهو قول المزني وطائفة من متقدمي أصحابنا أن حملوا ذلك فيها على اختلاف قولين:
стр. 6906
أحدهما: أنه لا تقبل شهادة من لا يتحملها لقرب نسبه وتقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه على ما نص عليه في بعد النسب، لأنهما جميعًا عند شهادتهما بوصف من لا يتحمل العقل فلم يتوجه إليهما عند الشهادة بالجرح تهمة يجدان بها نفعًا، أو يدفعان بها ضررًا.
والثاني: أنه لا تقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه ولفقره ولا شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه، لأنهما قد يجوز أن يصيرا عند الحول ممن يتحملها لاستغناء الفقير وموت من هو أقرب من ذي النسب البعيد فيصيرا دافعين عن أنفسهما تحمل العقل بشهادتهما فهذا أحد الوجهين:
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة وكثير من متأخري أصحابنا أنه ليس ذلك على اختلاف قولين والجواب على ظاهره في الموضعين فلا تقبل شهادة من لا يتحملها لفقره، وتقبل شهادة من لا يتحملها لبعد نسبه على ظاهر نصه، والفرق بينهما أن الفقير معدود من العاقلة في الحال، لقرب نسبه وإن جاز أن لا يتحمل العقل عند الحول لبقاء فقره والبعيد النسب غير معدود من العاقلة في الحال، وإن جاز أن يتحمل العقل عند الحول، بموت من هو أقرب فافترق معناهما فكذلك ما اقترفنا في الشهادة وجمع المزني بين معناهما ولذلك ما جمع بينهما في الشهادة.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وتجوز الوكالة في تثبيت البينة على القتل عمدًا أو خطأ فإذا كان القود لم يدفع إليه حتى يحضر الولي أو يوكله بقتله فيكون له قتله".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب الوكالة، وأعادها المزني في أول كتاب الجنايات، ثم تكررها في هذا الموضع من كتاب القسامة، ونحن نشير إليها مع تقدم استيفائها الوكالة ضربان:
أحدهما: في تثبيت القصاص فتصح في قول الجمهور، ولأنها وكالة في إثبات حق ومنع منها أبو سيف، لأنه حد يدرأ بالشبهة فإذا ثبت القصاص لم يكن للوكيل أن يستوفيه في قول الجمهور لقصور تصرفه على ما تضمنته الوكالة في تثبيت القصاص دون استيفائه وجوز له ابن أبي ليلى الاستيفاء لمطلق الوكالة كما يجوز له بمطلقها في المبيع قبض الثمن، وقد ذكرنا الفرق بينهما فإن اقتص الوكيل وجب عليه القود.
والثاني: أن يكون له استيفاء فظاهر ما نص عليه في هذا الموضع جواز الوكالة وظاهر ما نص عليه في كتاب الوكالة بطلانها فاختلف أصحابنا فمنهم من خربه على اختلاف قولين، وقد شرحنا كلا الطريقتين، فإن قيل بأن الوكالة في الاستفتاء لا
стр. 6907
تصح منع الوكيل من القصاص فقد أساء ولا ضمان عليه، لأنه مأذون له في فساد عقده، وإن قيل بجواز الوكالة في الاستيفاء، فإن عقدت الوكالة بعد ثبوت القصاص صحت وإن عقدت قبل ثبوت القصاص ففي صحتها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: لا تصح الوكالة لعقدها قبل ثبوت الاستحقاق.
والثاني: تصح الوكالة لأن القصاص مستحق بالقتل فصارت الوكالة معقودة بعد الاستحقاق وهكذا لو جمع له في عقد الوكالة بين تثبيت القصاص، وبين استيفائه، صحت الوكالة في إثباته، وفي صحتها في استيفائه وجهان:
فإذا صحت الوكالة في الاستيفاء فهل يلزم إحضار المولى حيث يعلم الوكيل أو الحاكم بطلبه وعفوه؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي المروزي، يلزم حضوره إلي حيث لا يخفى على الوكيل أو الحاكم حاله في بقائه على الطلب أو حدوث العفو، لأنه قود يفوت استدراكه، والظاهر من أحوال أهل الدين الذين وصفهم الله تعالى بالرأفة والرحمة أن يعفو بعد ظهور القدرة.
والثاني: لا يلزم أن يقرب كما لم يلزم أن يحضر، لأن ظاهر حاله بقاؤه على استيفاء ما وكل فيه ولا يمنع من ذلك فوات استدراكه كما لم يمنع من التوكيل في عقد النكاح، وفي الطلاق الثلاث، مع فوات استدراكه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإذا أمر السلطان بقتل رجٍل أو قطعه اقتص من السلطان لأنه هكذا يفعل ويعزر المأمور".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة في أول كتاب الجنايات وهو أن يأمر السلطان رجلًا بقتل رجل مظلمًا فقتله المأمور لم يخل حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعتقد أن السلطان محق في قتله، وأنه لا يرى قتل أحد ظلمًا فعلى السلطان الآمر القود، دون المأمور القاتل، لأن المأمور كالآلة لالتزامه طاعة سلطانه، والسلطان هو القتل لنفوذ أمره، ولا تعزير على المأمور، لأنه أطاع فيما ظاهره حق.
والثاني: أن يكون القتل مختلفًا في استحقاقه، كقتل مسلم بالكافر، والحر بالعبد، فيعقد السلطان الآمر وجوبه، لما أداه اجتهاده إليه، ويعتقد المأمور سقوطه لما يعتقده من مذهبه، فلا قصاص على واحد منهما لكن يعزر المأمور لإقدامه على قتل يعتقد حظره، وإن سقط القود باجتهاده كالآمر.
стр. 6908
والثالث: أن يكون القتل محظورًا ودم المقتول محقونًا والمأمور عالم بظلمه إن قتل، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون من الآمر إكراه للمأمور، فالقود واجب على المأمور دون الآمر لمباشرته لقتل مظلوم باختياره ويعزر الآمر تعزير مثله لأمره بقتل هو مأمور يمنعه.
والثاني: أن يكون من الآمر إكراه للمأمور صار به الآمر قاهرًا والمأمور مقهورًا فالقود على الآمر القاهر واجب، ولا تمنع ولايته من استحقاق القود عليه، بخلاف ما ذهب إليه بعض من يدعي العلم من إعفاء الولاة من القصاص، لئلا يستوي الشريف والمشروف، والوالي والمعزول، وقد أعطي رسول الله ﷺ القصاص من نفسه وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، ولأن أولى الناس بإعطاء الحق من نفسه من يتولى أخذ الحقوق لغيره لقول الله تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة ٤٤] ويكون القهر من هذا الآمر فسقًا وهل ينعزل به عن إمامته أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: ينعزل، لأن العدالة شرطًا في عقد إمامته.
والثاني: لا ينعزل به حتى يعزله أهل العقد والحل، إن أقام على حاله ولم يتب عند استتابته، لأن ولايته انعقدت بهم فلم ينعزل عنها إلا بهم، فأما المأمور المقهور ففي وجوب القود عليه، قولان:
أحدهما: يجب عليه القود، لأن لا يستحق إحياء نفسه بقتل غيره.
والثاني: لا قود عليه، واختلف أصحابنا في علته، فذهب البغداديون إلي أن العلة في سقوط القود عنه أن الإكراه شبهة يدرأ بها الحدود، فعلى هذا يسقط القود عنه وتجب الدية عليه ويلزمه نصفها، لأنه أحد قاتلين، لأن الشبهة تدرأ بها الحدود ولا تدفع بها الحقوق، وذهب البصريون إلي أن العلة في سقوط القود عنه، أن الإكراه إلجاء وضرورة، ينقل حكم الفعل عن المباشرة إلي الآمر فعلى هذا لا قود عليه ولا دية، والله أعلم بالصواب.
باب الحكم في الساحر إذا قتل بسحره
أصل ما جاء في السحر قول الله تعالى: ﴿واتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ومَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ ومَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية. ونحن ذكر ما قاله المفسرون فيها وما احتمله تأويل معانيها ليكون حكم السحر محولًا عليها.
أما قوله تعالى: ﴿واتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] فيه وجهان:
أحدها: ما تدعي.
والثاني: ما تقرأ وفيها تتلوه وجهان:
أحدهما: السحر.
والثاني: الكذب على سليمان وفي الشياطين هاهنا وجهان:
стр. 6909
أحدهما: أنهم شياطين الجن وهو المطلق من هذا الاسم.
والثاني: أنهم شياطين الإنس المتمردون في الضلال، ومنه قول جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وكن يهونني إذا كنت شيطانا
وفي قوله تعالى على ملك سليمان وجهان:
أحدهما: يعني في ملك سليمان لما كان حيًا وتكون على بمعنى في.
والثاني: على كرسي سليمان، بعد وفاته، لأنه كان من آلات ملكه ويكون على مستعملًا على حقيقته وفي قوله: ﴿ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة ١٠٢] وجهان:
أحدهما: يعني وما سحر سليمان ولكن الشياطين سحروا فعبر عن السحر بالكفر، لأنه يؤول إليه.
والثاني: أنه مستعمل على حقيقة الكفر، لأن سليمان لم يكفر ولكن الشياطين كفروا.
فإن قيل: إن المراد به السحر، ففيه وجهان:
أحدهما: أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويستخرجون السحر فأطلع الله سليمان عليه فأخذه منهم دفنه تحت كرسيه فلما مات سليمان دلوا عليه الإنس ونسبوه إليه.
وإن قيل: إنه محمول على حقيقة الكفر، ففيما أريد قوله: ﴿ومَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] وجهان:
أحدهما: ما كفر بالسحر.
والثاني: ما كفر بما حكاه عن الله تعالى من تسخير الرياح والشياطين له، وفي المراد بقوله تعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] وجهان:
أحدهما: كفروا بما استخرجوه من السحر.
والثاني: كفروا بما نسبوه إلة سليمان من السحر ثم قال" ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وفيه وجهان:
أحدهما: معناه أعلموهم ولم يعلموهم فيكون من الإعلام لا من التعليم وقد جاء في كلامهم تعلم بمعنى أعلم، كما قال الشاعر:
تعلم أن بعد الغي رشدا ... وإن لذلك الغي انقشاعا
والثاني: أنه التعليم المستعمل على حقيقته، وفي تعليمهم للناس السحر وجهان:
أحدهما: أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه.
والثاني: أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه، وفي قوله: ﴿ومَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وجهان:
أحدهما: أنهما ملكان من ملائكة السماء قوله من قرأ بالفتح.
стр. 6910
والثاني: أنهما ملكان من ملوك الأرض قاله من قرأ بالكسر في ما هاهنا وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى الذي، وتقديره الذي أنزل على الملكين.
والثاني: أنهما بمعنى النفي، وتقديره ولم ينزل على الملكين، ببابل وفيه وجهان:
أحدهما: أنها أرض الكوفة وسوادها سميت بذلك حين تبلبلت الألسن بها.
والثاني: أنها من نصيبين إلي رأي العين، وهاروت وماروت فيهما وجهان:
أحدهما: أنهما اسمان للملكين.
والثاني: أنهما اسمان لشخصين غير الملكين وفيهما وجهان:
أحدهما: أنهما من الملائكة اسم أحدهما هاروت، والآخر ماروت. قاله من زعم أن الملكين المذكورين من قبلهما من ملوك الأرض.
والثاني: أنهما من ناس الأرض، اسم أحدهما هاروت والآخر ماروت من أهل الجبل، قاله من زعم أن الملكين المذكورين هما من ملائكة السماء، فإن قيل إنهما من الملائكة، ففي سبب هبوطهما وجهان:
أحدهما: اختيار الملائكة لأنهم عجبوا من عصاة الأرض فأهبط منهم هاروت وماروت في صورة الإنس فأقدما على المعاصي وتعليم النصيحة وهذا يستبعد في الملائكة المعصومين من المعاصي لكن قاله كثر من المفسدين فذكرته.
والثاني: أن الله تعالى أهبطهما لينهيا الناس عن السحر، وإن قيل: إنهما من ناس الأرض ففيهما وجهان-أنهما كانا مؤمنين، وقيل كانا نبيين من أنبياء الله تعالى ولذلك نهيا عن الكفر.
والثاني: أنهما كانا كافرين ولذلك علما السحر، ثم قال: ﴿ومَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢] فيه وجهان:
أحدهما: أنه على وجه النفي.
وتقديره: لا يعلمان أحد السحر فيقولان-إنما نحن فتنة فعلى هذا يكون راجعًا إلي من انتفت عنه المعصية من الملكين أو من هاروت وماروت.
والثاني: أنه إثبات لتعليم السحر على شرط أن يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فعلى هذا فيه وجهان:
أحدهما: أنه راجع إلي من أضيفت إليه المعصية من الملكين ومن هاروت وماروت ويكون تأويل قوله على هذا الوجه ﴿إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي شيء عجيب مستظرف الحسن كما يقال للمرأة الحسناء فتنة وهذا تأويل قوله فلا تكفر بما جئناك به وتطرحه بل صدق به وأعمل عليه.
والثاني: أنه راجع إلي من انتفت منه المعصية من الملكين أو من هاروت وماروت فعلى هذا هل لملائكة الله وأوليائه تعليم الناس السحر أم لا؟ فيه وجهان:
стр. 6911
أحدهما: لهم تعليم الناس السحر لينهوا عنه بعد علمهم به لأنهم إذا جهلوا لم يقدروا على الاجتناب منه كالذي لا يعرف الكفر لا يمكنه الامتناع منه.
والثاني: ليس لهم تعليم السحر ولا إظهاره للناس لما في تعليمه من الإغراء بفعله، وقد كان السحر فاشيًا تعلموه من الشياطين فاختص الملكان بالنهي عنه ويكون تأويل قوله على كلا الوجهين إنما نحن فتنة أي اختبار وابتلاء وفي قوله: فلا تكفر وجهان:
أحدهما: فلا تكفر بالسحر.
والثاني: فلا تكفر بتكذيبك لنهي الله عن السحر ثم قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: ١٠٢] فيه وجهان:
أحدهما: من هاروت وماروت.
والثاني: من السحر والكفرة ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] فيه وجهان:
أحدهما: يفرقون بنيهما بالسحر الذي تعلمون.
والثاني: يفرقون بينهما بالكفر لأن اختلاف الدين بالإيمان والكفر مفرق بين الزوجين كالردة ثم قال تعالى: ﴿ومَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] من يعني بالسحر ﴿مِنْ أَحَدٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] فيه وجهان:
أحدهما: بأمر الله.
والثاني: بعلم الله ثم قال: ﴿ويَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم في الدنيا ثم قال: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني السحر بما يبذله للساحر ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] فيه وجهان:
أحدهما: من نصيب.
والثاني: من دين.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من تفسير الآية التي هي أصل يستنبط منه أحكام السحر فقد اختلف أهل العربية في معنى السحر في اللغة على وجهين:
أحدهما: أنها إخفاء الخداع وتدليش الأباطيل ومنه قول امرئ القيس:
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسخر بالطعام وبالشراب
أي نخدع.
والثاني: قاله ابن مسعود كنا نسمي السحر في الجاهلية العضة والعضة شهادة البهت وتمويه الكذب، وأنشد الخليل:
أعوذ بربي من النفاثات ... ومن عضة العاضة المعضة
والكلام في السحر يشتمل على ثلاثة فصول:
стр. 6912
أحدهما: في حقيقة السحر.
والثاني: في تأثير السحر.
والثالث: في حكم السحر.
فأما الفصل الأول: في حقيقة السحر، فقد اختلف الناس فيها، فالذي عليه الفقهاء والشافعي وأبو حنيفة ومالك وكثير من المتكلمين أنه له حقيقة وتأثيرًا وذهب معتزلة المتكلمين والمغربي من أهل الظاهر، وأبو جعفر الاستراباذي من أصحاب الشافعي، إلي أن لا حقيقة للسحر ولا تأثير وإنما هو تخييل وتمويه كالشعبذة لا تحدث في المسحور إلا التوهم وللاستشعار استدلالًا بقوله تعالى: في قصة فرعون وموسى ﴿فإذَا حِبَالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ [طه: ٦٦ - ٦٧] فأخبر أنه تخييل لا حقيقة له، وذلك أنهم جعلوا فيما مثلوه بالحيات من الحبال والعصي زئبقًا واستقبلوا بها مطلع الشمس فلما حمى بها ساح وسرى فسرت تلك الحبال كالحيات السارية ومعلوم من هذا أنه تخييل باطل، ولأنه لو كان للسحر حقيقة لخرق العاجات، وبطل به المعجزات وزالت دلائل النبوات ولما وقع الفرق بين النبي والساحر، وبين الحق والباطل وفي هذا دفع الأصول الشرائع وإبطال الحقائق وما أدى إلي هذا فهو مدفوع عقلًا وشرعًا، والدليل على أن السحر حقيقة وتأثيرًا ما قدمناه من الآية على ما بيناه من التفسير مع اختلاف مع تضمنها من التأويل ولو لم تكن له حقيقة لأبان فساده ولذكر بطلانه، ولما كان للنهي عنه موقعًا وفي هذا ردًا لما نطق به التنزيل فكان مدفوعًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤].
والنفاثات السواحر، في قول الجميع ينفش في عقد الخيط للسحر.
روى الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئًا وكل إلي فلو لم يكن للسحر تأثير لما أمر بالاستعاذة من شره ولكان السحر كغيره.
ويدل عليه ما روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي ﷺ اشتكى شكوى شديدة فبينما هو كالنائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما: ما شكواه فقال: مطبوب أي مسحور والطب السحر قال: ومن طبه قال: لبيد بن أعصم اليهودي، وطرحه في بئر ذروان تحت صخرة فيها.
فبعث رسول الله ﷺ عمار بن ياسر فاستخرج منها وترًا فيه إحدى عشرة عقدة'فأمر بحل العقد فكان كما حل عقدة وجد راحة حتى حلت العقد كلها فكأنما نشط من عقال.
فنزلت عليه المعوذتان وهما إحدى عشر آية بعدد العقد، وأمر أن يتعوذ بهما وقد روي هذا الخبر من طرق شتى تختلف ألفاظه وتتفق معانيه ورواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ مكث أيامًا يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن فاستيقظ ذات ليلة وقال: يا عائشة قد أفتاني ربي فيما استفتيته فيه
стр. 6913
أتاني رجلان في المنام وذكرت مثله حديث ابن عباس على اختلاف في الألفاظ.
وإذا أثر في رسول الله ﷺ حين فعل، وأثر فيه حين نشط لما عصمه الله تعالى من بين خلقه كان أولى أن يؤثر في غيره فإن قيل: رسول الله ﷺ معصوم من السحر لما في استمراره من خلل العقل وقد أنكر الله تعالى على من قال في رسوله: ﴿وقَالَ الظَّالِمُونَ إن تَتَّبِعُونَ إلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨] قبل عصمة الرسول مختصة بعقله ودينه وهو في المرض كغيره من الناس وقد سم يهود ذراعًا مشوية وقدمت إلي رسول الله ﷺ فأكل منها ومرض في آخر عمره فكان يقول: ما زالت أكلت خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري فكان في ذلك كغيره، ولما أجرى الشيطان على لسانه حين قرأ في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى (١٩) ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم ١٩ - ٢٠] تلك الغرانيق العلي وإن شفاعتهم لترتجي أزل الله تعالى ذلك عنه وعصمه منه، ويدل عليه ما روى نافع عن ابن عمر قال: أرسلني عمر بن الخطاب إلي خيبر لأقسم ثمارها بينهم وبين المسلمين فسحروني فتكوعت بيدي فأجلاهم عمر عن الحجاز، فلولا أن للسحر حقيقة وتأثرًا لما أجمع عليه الصحابة وانتشر في الكافة، لما أجلاهم عمر من ديارهم ولراجعته الصحابة فيهم كما راجعوه في غيره من الأمور العظيمة المحتملة.
وقد روى بجالة قال: كتب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقلنا: ثلاث سواحر ويدل عليه أن الله تعالى جعل معجزة موسى في العصا لكثرة السحر في زمانه ومعجزة عيسى بإحياء الموتى لكثرة الطب في زمانه ومعجزة محمد ﷺ القرآن لكثرة الفصحاء في زمانه.
فلو لم يكن للسحر حقيقة، كما للطب والفصاحة حقيقة، لضعف معجزة موسى في علوه على السحرة لأنه دفع ما لا تأثير له وليس لدفع ما لا تأثير له تأثير، وإنما التأثير في دفع ماله تأثير كما كان لإحياء الموتى تأثير على الطب ولفصاحة القرآن على فصاحة الكلام تأثير.
فأما الجواب عن استدلالهم بالآية، فهو أن حقيقة السحر آثاره وإن لم تكن لأفعال السحر حقيقة وقد أثر سحرهم في موسى ما أوجسه من الخوف في نفسه.
وأما الجواب عن استدلالهم بما فيه خرق العادات وإبطال المعجزات، فهو خرق العادات في غير السحرة وليس بخرق العادات في السحرة كما أن الشعبذة خرق العادات في غير المتشعبذة وليس بخرق العادات في المتشعبذة وليس فيه إبطال المعجزات، لأن الشعبذة في خرق العادات كالسحر وليس فيها إبطال المعجزات، فكذلك السحر، لأن خرق العادات بالمعجزات مخالف لخرقها بالسحر والشعبذة، لأن أفعال المعجزات حقيقة وأفعال السحرة مستحيلة لأن موسى لما فلق البحر ظهرت أرضه حتى سار فيه موسى وقومه على اليابس، ولما ألقى السحرة حبالهم حتى ظنها الناظر حيات ظهر استحالتها وعادت إلي حالها، والله ولي العصمة.
وأما الفصل الثاني وهو تأثير السحر.
стр. 6914
فقد ذهب قوم ممن ضعفت في العلم مخابرهم، وقلت فيه معرفتهم إلي أن الساحر قد يقلب بسحره الأعيان، ويحدث به الأجسام، ويجعل الإنسان حمارًا بحسب ما هو عليه من قوة السحر وضعفه، وهذا واضح الاستحالة من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لو ثبت على هذا لصار خالقًا وهو مخلوق ورازقًا وهو مرزوق وربًا وهو مربوب، وشارك الله تعالى في قدرته وعارضه في حكمته.
والثاني: أنه لو قرر على هذا في غيره لقدر عليه في نفسه فيردها إلي الشباب بعد الهرم، وإلي الوجود بعد العدم يدفع الموت عن نفسه فصار من المخلدين وباين جميع المخلوقين.
والثالث: أنه يؤدي إلي إبطال جميع الحقائق، وأن لا يقع فرق بين الحق والباطل ولجاز أن تكون جميع الأجسام مما قيلت السحرة أعيانها، فيكون الحمار إنسانًا والإنسان حمارًا فإذا وضحت استحالة هذا القول بما ذكرنا، فالذي يؤثره السحر عند الشافعي وجماعة الفقهاء أن يوسوس ويمرض وربما قتل، لأن السحر تخييل، كما قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه ٦٦] والتخييل بدوا الوسوسة بدو المرض والمرض بدو التلف، فإذا قوي التخييل حدث عنه الوسوسة، وإذا قويت الوسوسة، حدث عنها المرض، وإذا قوي المرض حدث عنه التلف، فيكون أول مبادئه التخييل ثم الوسوسة ثم التلف وهو غايته فهذه آثار السحر.
وأما الفصل الثالث، وهو أحكام السحر فيشتمل على قسمين:
أحدهما: حكم السحر.
والثاني: حكم تعلم السحر، فأما القسم الأول في حكم الساحر فقد اختلف فيه الفقهاء، فذهب أبو حنيفة ومالك إلي أنه كافر يجب قتله ولم يقطعا بكفره ومذهب الشافعي أنه لا يكفر بالسحر ولا يجب به قتله ويسأل عنه، فإن اعترف معه، بما يوجب كفره وإباحة دمه كان كافرًا بمعتقده لا بسحرة وكذلك لو اعتقد إبانة السحر صار كافرًا باعتقاد إباحته لا بفعل فيقتل حينئٍذ بما انضم إلي السحر لا بالسحر بعد أن تعرض عليه التوبة فلا يتوب.
واحتج من أوجب به القتل برواية الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: حد الساحر ضربة بالسيف يعني به القتل، وبرواية عمرو بن دينار عن بجالة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساخر فقتلنا ثلاث سواحر ولم يكن من الصحابة خلاف فثبت أنه إجماع وبما روي أن جارية لحفصة سحرت حفصة فبعثت بها إلي عبد الرحمن بن زيد فقتلها ولأن الساحر يضاهي بسحره أفعال الخالق ومثل هذا يوجب القتل.
ودليلنا قول النبي ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها فكان على عمومه في كل من قالها من ساحر وغير ساحر، ولأن لبيد بن أعصم اليهودي حليف بني زريق قد سحر رسول الله ﷺ فلم
стр. 6915
يقتله وهو تحت قدرته، وقد كان على عهده كثير من السحرة فما قتل واحدًا منهم ولو وجب قتلهم ما أضاع حدود الله تعالى فيهم. وروي أن عائشة ﵂ مرضت فسأل بعض بني أخيها طبيبًا من الزط عن مرضها فقال: هذه امرأة سحرتها أمتها فسألت عائشة أمتها وكانت مدبرة لها فاعترفت بالسحر وقالت: سألتك العتق فلم تعتقيني فباعتها عائشة واشترت بثمنها أمة أعتقتها، ولو كان قتلها مستحقًا ما استجارت بيعها واستهلاك ثمنها على مشتريها، وكانت الصحابة تنكر عليها بيعها، ولأن السحر تخييل كالشعبذة، وهي لا توجب الكفر والقتل فكذلك السحر.
فأما الجواب عن الخبر، فرواه الحسن وهو مرسل، وضربة بالسيف، قد لا يكون قتلًا فلم يكن صريحًا فيه: وأما حديث عمر فراوية بجالة لم يلق عمر فكان أيضًا مرسلًا ولو صح لكان مذهبًا له، وأما حفصة فقد أنكر عثمان بن عفان ﵁ عليها قتلها ولو كان مستحقًا لم ينكره، وأما قولهم إنه مضاه لأفعال الخالق عليه وفيه، لأن غاية سحره أن يؤذي وليس كل مؤٍذ ومضر مضاهيًا لأفعال خالقه كالضارب والقاتل.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو حكم تعلم السحر: وتعلمه محرم محظور؛ لأنه تعلمه داع إلي فعله والعمر به وما دعا إلي المحظور كان محظورًا وقد روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: ليس منا من سحر له وليس منا من تكهن له وليس منا من تطير أو تطير له: فإن تعلمه لم يكفر به.
وقال أبو حنيفة: يكفر بتعلمه لقول الله تعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهذا مذهب، يفسد من وجهين:
أحدهما: أن الإيمان والكفر مختص بالاعتقاد وتعلم السحر ليس باعتقاد فلم يطلق عليه الكفر.
والثاني: أن تعلم الكفر أغلط من تعلم السحر وهو لا يكفر بتعلم الكفر فأولى أن لا يكفر بتعلم السحر، فأما الدية فهي واردة في معلم السحر دون متعلمه وفوق ما بين المعلم والمتعلم لأن المعلم مثبت والمتعلم متخير كما وقع الفرق بين معلم الكفر ومتعلمه وعلى أن الشياطين كانوا كفرة بغير السحر، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "وإذا سحر رجلًا فمات سئل عن سحره فإن قال أنا أعمل هذا لأقتل فأخطئ القتل وأصيب وقد مات من عملي ففيه الدية وإن قال مرض منه ولم يمت أقسم أولياؤه لمات من ذلك العمل وكانت الدية وإن قال عملي يقتل
стр. 6916
المعمول به وقد عمدت قتله به قتل به قودًا".
قال في الحاوي: وأنا السحر فهو ما يخفى فعله من الساحر ويخفى فعله من المسحور فلا يمكن أن يوصف في الدعوى على الساحر ولا تقوم به بينة في المسحور، فإذا ادعى رجل على ساحر أنه سحر وليًا له، فقتله بسحره، لم يستوصف عن السحر لخفائه عليه ولا يكلف البينة لامتناعها فإذا امتنعا رجع إلي سؤال الساحر على سحر أو لم يسحر، فإن أنكر أن يكون ساحرًا أو اعترف بالسرح وأنكر أن يكون قد سحره فالقول قوله مع يمينه ولا شيء عليه وإن اعترف أنه سحره سئل عن سحره، لأن آثار السحر مختلفة وليس يمكن العمل فيها إلا على قول الساحر ولا يخلو حال بيانه من أربعة أقسام:
أحدها: أن يقول: عمدت سحره وسحري يقتل في الأغلب وإن جاز أن لا يثتل فهذا قاتل عمد محض وعليه القود.
وقال أبو حنيفة: لا قود عليه بناء على أصله في أن قود إلا بالمحدد، ودليلنا أنه قتله بما قتل مثله في الأغلب، فوجب أن يستحق في عمده القود كالمحدد.
والثاني: أن يقول: سحري لا يقتل في الأغلب وإن جاز أن يقتل وقد مات من سحري، فهذا قاتل عمد شبه الخطأ عليه الدية مغلظة دون القود.
وقال أبو حنيفة: لا دية عليه احتجاجًا بأن القتل إنما يضمن بالمباشرة أو بالأسباب الحادثة عن المباشرة وليس في السحر واحد منها فلم توجب ضمان النفس كالشتم والبهت.
ودليلنا: هو أن القتل حدث عن سبب قاتل فجاز أن يتعلق به ضمان النفس كالسم وحفر بئر ولأنه ليس يمتنع أن ينفصل من الساحر ما يتصل بالمسحور، كما ينفصل من المتثاوب ما يتصل بالمقابل له فيثاوب وكما ينفصل من نظر الذي يعين ما استحسن فيتصل بالمعين والمستحسن.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: العين حق كما أنا حق وفي هذا الدليل انفصال.
والثالث: أن يقول: سحري يمرض ولا يقتل وقد أمرضه سحري ومات بغيره فهذا يعتبر فيه حال المسحور فإذا لم يزل ضمنًا مريضًا من وقت السحر إلي وقت الموت فالظاهر منه حدوث موته من مرض سحره، فيكون القول قول ولي المسحور مع يمينه، وإن كان قد انقطع عنه المرض وصار داخلًا خارجًا فالظاهر من موته أنه بسبب حادث غير سحره، فيحلف الساحر: لقد مات من غير سحره كالجراحة إذا حدث بعدها موت المجروح، واختلف الولي والجارح فإن لم يندمل الجرح، وكان على ألمه، فالقول قول الولي مع يمينه، وإن اندمل وزال الألم فالقول قوم الجارح مع يمينه.
والرابع: أن يقول سحري قد يمرض ولا يمرض وما أمرضه سحري فالقول قوله مع يمينه ولا شيء عليه ويعزر أدبًا وزجرًا ويستتاب، فإن لم يتب عزر إذا سحر ولا يعزر بعد امتناعه من التوبة إذا لم يسحر، وبالله التوفيق.
стр. 6917
كتاب الشهادات الثاني
باب من تجوز شهادته ومن لا تجوز ومن يشهد بعد رد شهادته .
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلًا يمحض الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصيٍة ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما شيئًا من الطاعة والمروءة فإذا كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته".
قال في الحاوي: وإنما فصل المزني الشهادات كتابين، أولًا وثانيًا، لأن الأول متصل بالحكم، فأضافه إلي أدب القاضي.
والثاني: في صفة الشاهد في القبول والرد أفرده عن الأول.
والمقبول الشهادة، وهو العدل، والمردود الشهادة هو الفاسق فأما قبول شهادة من العدل، فلقوله تعالى ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقوله: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والرضا متوجه إلي العدل منتصف عن الفاسق. وأما التوقف عن شهادة الفاسق فلقوله تعالى: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] والنبأ: الخبر. وكل شهادة خبر وإن لم يكن كل خبر شهادة.
ولقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]. فالمنع من المساواة إذا أوجب قبول العدل أوجب رد الفاسق وقيل إن هاتين الآيتين في الفاسق نزلتا في الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وسبب نزول الآية الأولى فيه، أن النبي ﷺ أنفذه إلي قبيلة مصدقًا فأخذ من صدقتها، وكان بينه وبين القوم إحن، فتوجه إليهم وعاد فأخبر رسول الله ﷺ أنهم منعوه الصدقة ولم يمنعوه، فهو بغزوهم حتى أنزل الله تعالى فيه ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فكفى عنهم وعلى بحالهم.
وأما الآية الثانية فبسبب نزلها: أنه استطال على علي بن أبي طالب عليه السلام
стр. 6918
ذات يوم وقال: أنا أثبت منك جنانًا، أفصح منك لسانًا، وأهد منك سنانًا فنزل فيه ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ يعني بالمؤمن علي ابن أبي طالب وبالفاسق الوليد بن عقبة ﴿يَسْتَوُونَ﴾ يعني في أحكام الدنيا ومنازل الآخرة.
وأما اسم العدل فهو العديل، لأنه معادل لما جازاه والمعادلة المساواة، وهو في الشرع حقيقة فيما كان مرضي الدين والمروءة لاعتداله.
وأما اسم الفاسق فهو في اللغة: مأخوذ من الخروج عن الشيء يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، فسمي الغراب فاسقًا لخروجه من مألفه وسميت الفأرة قويسقة لخروجها من جحرها.
وهو في الشرع حقيقة فمن كان مسخوط الدين والطريقة لخروجه عن الاعتدال.
فصل:
فإذا تقرر فرق ما بين العدل والفاسق، وجب العدول إلي صفة العدل وإلي صفة الفاسق، ليكون من وجدت فيه العدالة مقبولًا، ومن وجد فيه الفسق مردودًا.
فالعدل في الشهادة من تكاملت فيه ثلاثة خصال:
إحداهن: أن يكون من أهلها، وذلك بثلاثة أمور: أن يكون مكلفًا، حرًا، مسلمًا.
وليس عدم التكليف والحرية موجبًا لفسقه وإن كان وجودهما شرطًا في عدالته.
والثانية: كمال دينه، وذلك بثلاثة أمور:
أن يكون محافظًا على طاعة الله تعالى في أوامره مجانبًا لكبائر المعاصي غير مصر على صغائرها.
والكبائر: ما وجبت فيها الحدود وتوجه إليها الوعيد.
والصغائر: ما قيل فيها الإثم.
قال الله تعالى: ﴿إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢].
وفي هذه الكبائر لأهل التأويل أربعة أقاويل:
أحدها: ما زجر عنه بالحد.
والثاني: ما لا يكفر إلا بالتوبة.
والثالث: ما رواه شرحبيل عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكبائر.
فقال: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، وأن تزاني بحليلة جارك".
стр. 6919
والرابع: ما روى سعيد بن جبير أن رجلًا سأل ابن عباس: كم الكبائر؟ أسبع هي؟ قال: هي إلي سبعمائة أقرب منها إلي سبع، لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. فكان يرى كبائر الإثم ما لم يستغفر الله عنه إلا بالتوبة.
وأما الفواحش ففيها قولان:
أحدهما: أنها الزنا.
والثاني: أنها جميع المعاصي.
وأما اللم ففيه أربعة أقاويل:
أحدها: أن يعزم على المعصية ثم يرجع عنها قد روى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أني النبي ﷺ قالك"إن تغفر اللهم تغفر جمًا وأي عبد لك إلا ألمًا".
والثاني: أن يلم بالمعصية يفعلها ثم يتوب عنها، قاله الحسن ومجاهد.
والثالث: أن اللمم ما لم يجب عليه حد في الدنيا، ولم يستحق عليه في الآخرة عقاب. قاله مجاهد.
والرابع: أن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة، والنظرة والمضاجعة. قاله ابن مسعود.
وروى طاوس عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم من قول أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ : "كتب الله على كل نفس حظها من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، واللسان النطق، هي النفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
والثالثة: ظهور المروءة. وهي على ثلاثة أضرب:
ضرب يكون شرطًا في العدالة. وضرب لا يكون شرطًا فيها. وضرب مختلف فيه. وأما ما يكون شرطًا فيها فهو: مجانبة ما سخف من الكلام المؤذي أو المضحك وترك ما قبح من الضحك الذي يلهو به. أو يستقبح لمعرفته أو أدائه، فمجانبة ذلك من المروءة التي هي شرط في العدالة وارتكابها مفض إلي الفسق.
ولذلك نتف اللحية من السفه الذي ترد به الشهادة، وكذلك خضاب اللحية من السفه التي ترد به الشهادة، لما فيها من تغيير خلق الله تعالى.
فأما ما لا يكون شرطًا فيها فهو الإفضال بالمال والطعام والمساعدة بالنفس والجاه، فهذا من المروءة وليش بشرط في العدالة.
فأما المختلف فيه فضربان: عادات، وصنائع.
فأما العادات فهو أن يقتدي فيها بأهل الصيانة دون أهل البذلة، في ملبسه ومأكله وتصرفه.
стр. 6920
فلا يتعرى عن ثيابه في بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم. ولا ينزع سراويله في بلد يلبس في أهل الصيانة سراويلهم، ولا كشف رأسه في بلد يغطي فيه أهل الصيانة فيه رؤوسهم.
وإن كان في بلد لا يجافي في أهل الصيانة ذلك فيه، كان عفوًا، كالحجاز والبحر الذي يقتصر أهله فيه على لبس المئزر.
وأما المأكل فلا يأكل على قوارع الطرق ولا في مشبه، ولا يخرج عن العرف في مضغه، ولا يعاني بكثرة أكله.
وأما التصرف فلا يباشر ابتياع مأكوله ومشروبه وحمله بنفسه في بلد يتجافاه أهل الصيانة إلي نظائر هذا مما فيه بذلة وترك تصون.
وفي اعتبار هذا الضرب من المروءة في شروط العدالة أربعة أوجه:
أحدها: أنه غير معتبر فيها لإباحته. قد باع رسول الله ﷺ اشترى فيمن يزيد واشترى سراويل بأربعة دراهم. وقال: "يا وزان زن وأرجح". وقال الروي: فأخذته لأحمله. فقال: "دعه فصاحب المتاع أحق بحمله".
وقيل لعائشة: ما كان يصنع رسول الله ﷺ في منزله إذا خلا؟ قالت: كان يخصف النعل ويرقع الدلو. وكان أبو بكر ﵁ يسلك الطريق في خلافته وهو متخلل بعباءة ربطها بشوكة.
وكان عمر ﵁ يلبس المرقعة، ويهنأ بعيره بيده ويقوده.
وقد اشترى علي ﵁ قميصًا وأتى تجارًا فوضع كمه وقال: اقطع ما فضل عن الأصابع، فقطعه بفأس فقيل له: لو كففته؟ قال: دعه يتسلل مع الزمان.
وعمل بالأجر في حائط وأجر نفسه من يهودية ليسقي كل دابة بتمرة.
وما فعله الرسول ﷺ وأصحابه وجاز، لا يجوز أن يكون قادحًا في العدالة، لأن المروءة مشتقة من المرء وهو الإنسان فصارت الإشارة بها إلي الإنسانية، فانتفت العدالة عن من لا إنسانية فيه، ولأن المروءة من دواعي الحياة.
والثاني: أن هذا الضرب من المروءة شرط معتبر في العدالة، ولأن المروءة مشتقة من المروءة وهو الإنسان، فصارت الإشارة بها للإنسانية، فانتفت العدالة عن من لا إنسانية فيه، ولأن حفظ المروءة من دواعي الحياء. وإن كان لا يفسق به، لأن العدالة في الشهادة للفضيلة المختصة بها، وهي تالية لفضيلة النبوة. قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١].
стр. 6921
وقال الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ [المعارج ٣٣ - ٣٥].
وما كان بهذه المنزلة من الفضيلة امتنع أن يكون مسترسلًا في البذلة، وليس ما فعله عن الصدر الأول بذلة، لأنه لم يخرج من عرف أهله في الزهادة والانحراف عن الدنيا إلي الآخرة.
وقد روى أبو مسعود البدري عن النبي ﷺ أنه قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
ولأن إقدامه على البذلة والعدول عن الصيانة دليل على اطراح الصيانة والتحفظ في حق نفسه فكان أولى أن يقل تحفظه في حق غيره.
والثالث: أنه إن كان قد نشأ عليها من صغره لم تقدح في عدالته وإن استحدثها في كبيرة قدحت في عدالته؛ لأنه يصير بالمنشأ مطبوعًا بها وبالاستحداث مختارًا لها.
والرابع: إن اختصت بالدين قدحت في عدالته كالبول قائمًا وفي الماء الراكد، وكشف العورة إذا خلا، وإن يتحدث بمساوئ الناس، وإن اختصت بالدنيا لم تقدح في عدالته. كالأكل في الطريق وكشف الرأس "بين الناس"والمشي حافيًا، لأن مروءة الدين مشروعة ومروءة الدنيا مستحسنة.
فصل:
وأما الصنائع فضربان: مسترذل وغير مسترذل.
فأما غير المسترذل كالزراعة والصناعة، فغير قادح في العدالة، لأنها مما لا يستغني الناس عن الاكتساب بصنائعهم ومتاجرهم وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "وإن من الذنوب ما لا يكفر صوم ولا صلاة ويكفره عرق الجبين في طلب الحرفة".
وروي عنه ﷺ أنه قال: "الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله".
فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أكذب الناس الصباغون والصواغون"قيل: هذا موقوف على أبي هريرة وليس بمسند، لأنه سمع قومًا يرجفون بشيء فقال: كذبة قالها الصباغون والصواغون.
стр. 6922
وإن ثبت مسندًا فقد اختلف أهل العلم في تأويله.
فقال بعضهم: لأنهم يعدون ويخلفون. وإخلافه الوعد كاذب.
وقال آخرون: لأن الصباغين يسمون الألوان بما أشبهها فيقولون: هذا لون الشقائق ولون الشفق ولون النارنج.
والصواغون يسمون الأشكال بما يماثلها، فيقولون: هذا زرع وهذا شجر، وتسمية الشيء بغير اسمه كذب.
وقال آخرون: يريدون بالصباغين الذي يصبغون الكلام فيغيرون الصدق بالكذب، لأن الصبغ تغيير اللون بغيره. ويريد بالصواغين الذين يصوغون الكلام ومنهم الشعراء. لأنهم يكذبون في التشبيه والتشيب.
فإن كانوا على التأويل الأول ردت به شهادتهم، لأن مخالفة الوعد كذب. وإن كانوا على التأويل الثاني، لم ترد به الشهادة، لأنه مخالفة الاسم استعارة، وإن كانوا على التأويل الثالث، ردت الشهادة في الصباغين ولم ترد في الصواغين إذا سلموا من الكذب.
وأما المسترذل من الصنائع فضربان:
أحدهما: ما كان مسترذلًا في الدين كالمباشرين للأنجاس من الكناسين والزبالين، والحجامين، أو المشاهدين للعورات كالقيم والمزين.
والثاني: ما كان مسترذلًا في الدنيا كالنسيج والحياكة، وما يدنس برائحته كالقصاب والسماك. فإن لم يحافظ هؤلاء على إزالة الأنجاس من أيديهم وثيابهم في أوقات صلواتهم وقصروا في حقوق الله تعالى عليهم، كان ذلك جرحًا في عدالتهم وقدحًا في ديانتهم.
وإن حافظوا على إزالة النجاسة، والقيام بحقوق العدالة، ففي قدح في عدالتهم ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يقدح فيها، لأن الرضا بها في الاسترذال قدج.
والثاني: أنه لا يقدح في العدالة لأنه لا يجد الناس منها بدًا. ولأنها مستباحة شرعًا.
والثالث: أنه يقدح في العدالة منها ما استرذل في الدين. ولا يقدج فيها ما استرذل في الدنيا، لا سيما الحياكة لكثرة الخير في أهلها.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من شروط العدالة، وأنها فعل الطاعات واجتناب المعاصي، ولزوم المروءة على التفصيل الذي ذكرنا.
فقد قال الشافعي: "ليس أحد من الناس نعلمه إلا أن يكون قليلًا بمحض الطاعة والمروءة. حتى لا يخلطهما بمعصية ولا بمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما
стр. 6923
بشيء من الطاعة والمروءة".
وهذا صحيح لأن في غرائز أنفسهم دواعي الطاعات ودواعي المعاصي فلم يتمحض وجود أحدهما مع اجتماع سببهما وقد قال الشاعر:
من لك بالمحض وليس محض ... يحيق بعض ويطيب بعض
ولأن أفضل الناس الأنبياء وقد قال الله تعالى: ﴿وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: ٢٤] وقال: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] وقال تعالى في يونس: ﴿لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما منا معاشر الأنبياء إلا من عصى الله أو هم بمعصية إلا أخي يحي بن زكريا".
وقيل: إنه اختبر يحيى في كوز ماء رآه مملوءًا وفرغ وهو لا يعلم.
وقيل له: ما في الموز فقال: كان فيه ماء، ولم يقل فيه ماء فيكون كذبًا فتحفظ حتى سلم.
ولأن أعصى خلق الله إبليس وقد كانت منه طاعة في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢ - ٨٣].
وإذا لم يسلم أحد من الطاعة والمعصية، لم يجز أن تكون العدالة مقصورة على خلوص الطاعات. ولا الفسق مقصورًا على خلوص المعاصي لامتناع خلوص كل واحد منهما. ولا اعتبار بالممتنع فوجب أن يعتبر الأغلب من أحوال الإنسان.
فإن كان الأغلب عليه الطاعة والمروءة، حكم بعدالته وقبول شهادته، وإن عصى ببعض الصغائر، وإن كان الأغلب عليه المعصية وترك المروءة، حكم بفسقه ورد شهادته وإن أطاع في بعض أحواله.
قال الله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (١٠٢) ومَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ وإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
فغلب حكم الأغلب كما غلب في الإباحة والحظر حكم الأغلب وفي استعمال الماء إذا اختلط بمائع.
وفي نكاح النساء إذا اختلطت بأخت إن كانت في عدد محصور، حرمن عليه حتى تتعين له من ليست بأخت فتحل، وإن كانت في جم غفير حللن له حتى تتعين له من هي أخت فتحرم.
стр. 6924
فوجب أن يكون حكم الأغلب أصلًا معتبرًا في العدالة والفسق.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا يقبل الشاهد حتى يثبت عنده بخبٍر منه أو بينٍة أنه حر".
قال في الحاوي: وقد تقرر بما ذكرنا أن العدالة في الشهادة معتبرة بثلاثة أشياء: بدينه، ومروءته، وان يكون من أهلها.
فأما اعتبارها بدينة، فيكون بثلاثة أشياء:
أحدهما: أن يواظب على فعل الطاعات في العبادات والمعاملات.
والثاني: أن يجتنب كبائر الإثم والمعاصي من الزنا واللواط والقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر.
والثالث: أن لا يصر على صغائر المعاصي، وإصراره عليها الإكثار منها وقلة الانقباض عنها. وهذا معتبر فيه باطنًا وظاهرًا، وثبوته عند الحاكم قد يكون من وجهين:
أحدهما: أن يعلمه من حاله، فيجوز أن يعمل فيه بعلمه سواء قيل للحاكم أن يحكم بعلمه أم لا؛ لأنها صفة إخبار تتقدم على الحكم.
والثاني: أن يجهل حاله فتثبت عدالته بالبينة العادلة على ما وصفنا في أدب القاضي. من أهلي المعرفة الباطنة به.
ولا يجوز أن يحكم بعدالته بقوله: إنني عدل، ويجوز أن يحكم فسقه بقوله: إني فاسق، لأنه متهوم في التعديل وغير متهوم في الجرح، لأن العدالة توجب له حقًا والفسق يوجب عليه حقًا.
فصل:
وأما المروءة فقد ذكرنا ما يعتبر فيها من المروءة في العدالة وما لا يعتبر وليس لما لا يعتبر منها تأثير.
وأما المعتبر منها، فهو ظاهر في أفعال العدل، فإن عرفه الحاكم عمل فيها بمعرفته. وإن خفيت عليه سأل عنها. وهل تثبت عنده بخبر أو شهادة؟ على وجهين:
أحدهما: لا تثبت عنده إلا بشهادة، كالعدالة في الدين، ولا تثبت إلا بشاهدي عدل قد جرياه على قديم الوقت وحديثه.
والثاني: أنها خبر تثبت بقول من يوثق به وإن كان واحدًا، لأن العدالة في الدين باعثة عليها، فقوي الخبر بها فأقنع.
стр. 6925
وأما كونه من أهل العدالة في الدين فتكون بأربعة أشياء: ببلوغه، وعقله، وإسلامه، وحريته.
فأما البلوغ، فإن لم يشتبه حاله فيه لكونه رجلًا مشتدًا فهو مقطوع به وإن اشتبهت حاله فيه، لكونه رجلًا، أمرد، فحكم بحكم الحاكم ببلوغه يكون من أحد أربعة أوجه:
أحدها: أن يظهر عليه شواهد البلوغ بالإثبات، إذا جعل الإثبات في المسلم بلوغًا.
والثاني: أن يعرف الحاكم سنه فيحكم ببلوغه إذا استكمل سن البلوغ.
والثالث: أن يشهد ببلوغه شاهدا عدل فيحكم ببلوغه إذا استكمل سن البلوغ فتكون شهادة لا خبرًا.
والرابع: أن يقول الغلام: قد بلغت فيحكم ببلوغه فتكون شهادة بقوله، لأنه قد يبلغ بالاحتلام الذي لا يعلم إلا من جهته، لأنه قد تتغلظ أحكامه بتوجه التكليف إليه فكان غير متهم فيه.
وأما العقل فيعلم مشاهدة بظهور نتائجه، ولا يحتاج إلى بينة إن خفي لإمكان اختباره مع الاشتباه.
حكي أن امرأة حضرت عند شريح في محاكمة، فقيل له: إنها مجنونة، فقال لها مختبرًا: أي رجليك أطول؟
فمدتها لتقدرهما، فصرفها وحكم بعقلها.
فصل:
فأما الإسلام فيعلم بأربعة أوجه:
أحدها: أن يعلم إسلام أحد أبويه أو كليهما قبل بلوغه فيحكم بإسلامه.
والثاني: أن يتلفظ بالشهادتين فيحكم بإسلامه.
والثالث: أن يرى مصليًا في مساجدنا على قديم الوقت وحديثه فيحكم بإسلامه بظاهر الحال لا بالصلاة لأننا لا نحكم بإسلام الكافر إذا صلى.
والرابع: أن يقول إنني مسلم فيحكم بإسلامه. وهل يحتاج إلى اختباره بالشهادتين مع الجهل بحاله أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يختبر بهما لأنه أحوط.
والثاني: لا يلزم اختياره بعد إقراره لجريان أحكام الإسلام عليه إن أنكر فإن علم الحاكم إسلامه من أحد هذه الوجوه حكم به، وإن جهله وقامت البينة بإسلامه حكم به ولم يسأل الشهود عن سبب إسلامه.
فأما إذا شوهد في دار الإسلام على قديم الوقت وحديثه، حكم بإسلامه في الظاهر. ما لم يعلم كفره، لأن ميتًا لو وجد في دار الإسلام، مجهول الحال، وجب غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين اعتبارًا بظاهر الدار.
стр. 6926
وهل يكون الحكم بإسلامه في الظاهر موجبًا للحكم بإسلامه في الباطن؟ على وجهين:
أحدهما: يحكم بإسلامه في الباطن تبعًا، فيرث ويورث من غير استكشاف عن إسلامه اكتفاء بظاهرة.
والثاني: لا يحكم بإسلامه في الباطن وإن حكم به في الظاهر لأنه لو أقر بالكفر قبل منه وأجرى عليه حكمه، ولو حكم بإسلامه في الباطن لم يقبل إقراره بالكفر. وأجرى عليه حكم الردة، وهذا أظهر الوجهين.
وإن حكم بإسلامه في الظاهر والباطن لم يسأل عن إسلامه إن شهد وسأل عن عدالته، وإن حكم به في الظاهر دون الباطن سأل عن إسلامه ثم عن عدالته. والله أعلم.
فصل:
فأما الحرية وهي مسألة الكتاب: فقد ذكرنا أنها شرط في قبول الشهادة، وليست شرطًا في صحة العدالة، لأن قوله مقبول في الفتيا والأخبار وإن لم يقبل في الشهادة.
وحريته تعلم من وجهين متفق عليهما وثالث مختلف فيه:
أحدهما: أن تلده حرة فيكون حر الأصل.
والثاني: أن يعتقه مالك فيصير حرًا بعد الرق.
والثالث: المختلف فيه: أن يقول: أنا حر، ففي ثبوت حريته بقوله وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من قول الشافعي ﵁، في هذا الموضع: لا تقبل شهادته حتى يثبت عنده بخبر منه أو بينة أنه حر، فكان ظاهر كلامه أن خبره في حريته مقبول، لأنه لما كان قوله في إسلامه مقبولًا، لأن الظاهر من الدار إسلام أهلها، كان قوله في حريته مقبولًا؛ لأن الظاهر من دار الإسلام حرية أهلها.
والثاني: أن قوله في حريته غير مقبول، وإن كان قوله في إسلامه مقبولًا. وهذا أظهر الوجهين.
والفرق بين الإسلام والحرية، أنه يملك الإسلام إذا كان كافرًا فملك الإقرار به. ولم يملك الحرية إذا كان عبدًا فلم يملك الإقرار بها.
ويكون معنى قول الشافعي ﵁، إلا بخبر منه: يعني من الحاكم؛ لأن يجوز للحاكم أن يعمل بعلمه في أسباب الجرح والتعديل على القولين معًا.
وكان بعض أصحابه يحمل الجميع على القولين في الجرح والتعديل، هل الحكم يعمل فيهما بعلمه أم لا؟ على قولين:
والفرق بينهما أولى لما ذكرناه من المعنى.
فأما قول الشافعي: ولا يقبل الشاهد حتى يثبت عنده بخبر منه أو بينة تشهد أنه حر، فقد اختلف أصحابنا في مراده بنفي القبول على وجهين:
стр. 6927
أحدهما: لا تسمع الشهادة حتى يعلم حرية الشاهد وإسلامه فيسمعها ثم يسأل عن عدالته بظهور الحرية والإسلام، وخفاء العدالة.
والثاني: لا يحكم بها حتى يعلم حريته وإسلامه ويجوز أن يسمعها قبل العلم بحريته وإسلامه كالعدالة والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا تجوز شهادة جاٍر إلى نفسه ولا دافع عنها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن من شروط قبول الشهادة أن يخلو من التهم لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتهمة ريبة.
وروى القاسم بن محمد عن ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الإحنة" فالخصم المنازع والظنين: المتهم. وذي الإحنة: العدو فمن المتهومين في الشهادة وإن كانوا عدولًا، من يجر بشهادته إلى نفسه نفعًا، أو يدفع عنها ضررًا، فلا تقبل شهادته.
فمن جر النفع، أن يشهد السيد لعبده، أو مكاتبه، لأنه مالك لمال عبده، ومستحق أخذ المال من مكاتبه لجواز عوده إلى رقه.
ومنها أن يشهد الوكيل لموكله فيما هو وكيل فيه، لجواز تصرفه فيه إذا ثبت، فكان نفعًا. وفي جواز شهادته له في غير ما هو وكيل فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لعدم تصرفه فيه.
والثاني: لا يجوز، لأنه قد صار بالنيابة عن ذي الحق متهومًا ومنها شهادة الولي للمولى عليه، لأنه قد قام مقامه في النيابة عنه.
ومنها شهادة الوصي للموصي بعد موته أو لأبيه على ما شهد به، وتجوز شهادته له قبل موته لعدم ولايته.
ومنها شهادة "الموصى له بحق" للموصي "بعد موته" إذا كان له تعلق بحق وصيته. ويجوز شهادته له قبل موته لعدم ولايته، فإن شهد له بما لا حق له فيه قبلت شهادته وجهًا واحدًا، بخلاف الوكيل في أحد الوجهين لأن الوكيل قد يجوز أن يتقرب بشهادته إلى موكله. والموصى له لا يتقرب بها إلى الموصي بعد موته، فصار الوكيل متهومًا والموصى له غير متهوم.
ومنها أن يكون للشاهد على المشهود له دين، فيشهد له بدين على غيره فللمشهود له
стр. 6928
حالتان: موسر، ومعسر.
فإن كان موسرًا قبلت شهادته له، لأنه لا يجر بها نفعًا لوصوله إلى دينه من يساره. وإن كان معسرًا فله حالتان:
إحداهما: أن يحكم بفلسه، فلا تقبل شهادته له. لأن ما شهد به من الدين صائر إليه، فصار نفعًا يترحم به.
والثانية: أن لا يحكم بفلسه، ففي قبول شهادته له وجهان:
أحدهما: وهو الأظهر أنها لا تقبل، لأنه يستحق بها مطالبة المعسر بدينه كالمحكوم بفلسه.
والثاني: قاله أبو حامد الإسفراييني: تقبل شهادته له وإن لم تقبل إذا حكم بفلسه. وفرقا بين المعسر والمحكوم بفلسه بأنه قد حكم له بمال التفليس ولم يحكم له بمال المعسر، وهذا الفرق لا يمنع من تساويهما في غيره، وهو وصوله إلى حقه بعد تعذره.
ومنها شهادة الشريك لشريكه فيما هو يشركه فيه، لأنه يصير شاهدًا لنفسه، فإن شهد له بما ليس بشريك، جاز بخلاف الوكيل؛ لأن للوكيل نيابة وليس للشريك نيابة.
ولهذا نظائر تجري على حكمها.
فصل:
فأما دفعه بشهادته ضررًا، فهي الشهادة بضد ما ذكرنا في ضده فمنها شهادة السيد بجرح من شهد على عبده أو مكاتبه، لأنه يدفع به نقصًا في حقه. وكذلك شهادة الوكيل بجرح شهود شهدوا على موكله.
ومنها شهادة الوصي بالإبراء من دين كان على الموصي، لأنه يدفع بها المطالبة عن نفسه.
ومنها أن يشهد الموصى له بعزل مشارك له في الوصية؛ لأنه يدفع بها مزاحمته في الوصية.
ومنها أن يشهد غرماء المفلس بالإبراء من دين كان على المفلس؛ لأنهم يدفعون بها مزاحمة صاحب الدين لهم.
ومنها أن تشهد القافلة بجرح شهود شهدوا بالقتل الخطأ، لأنهم يدفعون بها تحمل الدية عن أنفسهم، إلى نظائر هذا، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا على خصٍم لأن الخصومة موضع عداوةٍ".
стр. 6929
قال في الحاوي: وأما شهادة العدو على عدوه فمردودة لا تقبل. وأجازها أبو حنيفة احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فكان على عمومه، ولأن الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور.
ولأن العداوة إن كانت في الدين لم تمنع من قبول الشهادة، كما تقبل شهادة المسلم على الكافر مع ظهور العداوة، وإن كانت في الدنيا فهي أسهل من عداوة الدين فكانت أولى أن تقبل.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢ [. والعداوة من أقوى الريب.
وروى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا زاٍن ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه". والغمر: العداوة، وهذا نص.
ولأنها شهادة تقترن بتهمة؛ فلم تقبل كشهادة الوالد للولد.
وأما الجواب عن عموم الآية فمن وجهين:
أحدهما: تخصيصها بأدلتنا.
والثاني: حملها على التحمل دون الأداء.
فأما الجواب عن قولهم إن الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور وهو أن هذا المعنى لما لم يبعث على قبول شهادة الوالد للولد لم يوجب قبول شهادة العدو على عدوه.
وأما الجواب عن قولهم: إن العداوة في الدنيا أسهل: فهو أن العداوة في الدين يبعث على العمل بموجبه فزالت التهمة فيه. والعداوة في الدنيا أغلظ للعدول بها عن أحكام الدين.
وإذا كان ذلك لم تقبل الشهادة المقذوف على القاذف ولا المغصوب منه على الغاصب ولا المسروق منه على السارق وولي المقتول على القاتل والزوج على امرأته إذا زنت في فراشه، إلى نظائر هذا.
وإذا منعت العداوة من الشهادة على العدو، لم تمنع من الشهادة له، لأنه متهوم في الشهادة عليه وغير متهوم في الشهادة له؛ لأن ما بعث على العداوة لا يكون جرحًا تسقط به الشهادة.
فصل:
وأما شهادة الخصم على خصمه فترد فيما هو خصم فيه لرواية القاسم بن محمد عن
стр. 6930
ابن عمر أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي الإحنة".
ولأن الخصومة تؤول إلى العداوة، والعداوة تمنع من قبول الشهادة، ويجوز أن يشهد لخصمه وإن لم يشهد عليه. فلو شهد عليه ولا خصومة بينهما ثم قذف المشهود فلو عليه الشاهد فصار بالقذف خصمًا قبل الحكم بشهادته. لم ترد وجاز الحكم بها مع حدوث الخصومة على العداوة بخلاف حدوث الفسق قبل الحكم بالشهود، ولأن حدوث الخصومة والعداوة ليس بجرح يوجب رد الشهادة، ولو منع حدوث ذلك من الحكم بها لما صحت شهادة على أحد، لأنه يقدر على إسقاطها بحدوث نزاع وخصومة وما أدى إلى هذا بطل اعتباره.
فصل:
وتقبل شهادة الصديق لصديقه، وإن كان ملاطفًا، والملاطف، والمهادي، وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لصديقه، وتقبل شهادة غير الملاطف، لتوجه التهمة إليه بأن يشهد له بمال يصير إليه بالملاطفة بعضه فصار جارًا بها نفعًا.
ودليلنا: هو أن المودة مأمور بها، والهدية مندوب إليها. فلم يجز أن يكون ورود الشرع بها موجبًا لرد الشهادة، وبهذا المعنى فارق العدو لورود الشرع بالنهي عن العداوة.
ولأن ذوي الأنساب من الإخوة والأعمام قد يجوز أن ينتقل إليهم بالميراث فاشهدوا به وسائر أمواله، ثم لا يمنع ذلك من قبول الشهادة. والصديق الملاطف لا يستحق الميراث فكان أولى أن يكون مقبول الشهادة.
ولا وجه لما ذكر من جواز عوده إلى الصديق بالهدية، لأنه قد يجوز أن يهاديه ولا يهاديه، ويجوز أن يموت قبل مهاداته ويجوز إذا هاداه أن يعدل إلى غيره من أمواله فلم يكن لتعليل المنع بهذا الوجه والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا لولد بنيه ولا لولد بناته وإن سفلوا ولا لآبائه وأمهاته وإن يعدوا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا تقبل شهادة الوالد لمولديه به، وإن سفلوا، ولا شهادة الولد لوالديه وإن بعدوا.
وهذا قول مالك وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال أبو إبراهيم المزني وداود بن علي: شهادة الوالد لولده والولد لوالده جائزة.
стр. 6931
وبه قال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] ولا يؤمر بالقسط في هذه الشهادة إلا وهي مقبولة ولأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حاكم يهوديًا إلى شريح في درع ادعاه في يده فأنكرها. فشهد له ابنه الحسن ﵇ فرد شهادته.
وقال: يا أمير المؤمنين، كيف أقبل شهادة ابنك لك؟
فقال علي ﵇ في أي كتاب وجدت هذا؟ أو في أي سنة. وعزله ونفاه إلى قرية يقال لها بالصفا، نيفًا وعشرين يومًا، ثم أعاده إلى القضاء، ولأن الدين والعدالة يحجزان عن الشهادة بالزور والكذب.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] والريبة متوجهة إلى شهادة بعضهم بعضًا لما جبلوا عليه من الميل والمحبة. ولذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم: "الولد محزنة مجبنة مبخلة مجهلة". وروي عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال لعائشة ﵂: "يا عائشة فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها" فدل على أن الولد بعض أبيه.
وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي ولدًا فصارت الشهادة له كالشهادة لنفسه.
وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لأبي معشر الدرامي: "أنت ومالك لأبيك" فصارت الشهادة بمال أبيه كالشهادة بمال نفسه.
وذكر الشافعي حديثًا رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود حدًا ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب في شهادة زور ولا ظنين في قرابة ولا ولاء ولا شهادة القانع لأهل البيت" ووصل بذلك "ولا شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده" ثم قال وهذا لا يثبته أهل النقل، فإن ثبت هذا فهو نص، وإن لم يثبت ففي قوله: "ولا ظنين في قرابة" دليل على الوالد والولد.
وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" وهو لا يجوز أن يشهد لكسبه.
ولأن ورود النص بالمنع من شهادة الظنين وهو المتهم يوجب المنع من شهادة الوالد للولد لأنه متهم.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
стр. 6932
أحدهما: أنها دالة على الشهادة عليهم لا لهم.
والثاني: أنه لما قرنها لنفسه في قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ١٣٥] دل على خروجها مخرج الزجر، أن يخبر على نفسه، أو ولده بغير الحق. ولا يمنع الدين والعدالة من رد الشهادة، كشهادة السيد لعبده ومكاتبه. وأما إنكار علي ﵇ على شريح، فلأن شريحًا وهم في الدعوى؛ لأن عليًا ﵇ ادعى الدرع للمسلمين في بيت المال، ولذلك استشهد بابنه الحسن، ولم يدعها لنفسه، وإنما كان في الدعوى نائبًا عن كافة المسلمين كالوكيل، فوهم شريح وظن أن الدعوى لنفسه. ولذلك أنكر علي ﵇ وعزله، لأنه لم يثبت في الفحص عن حقيقة الحال، فيعلم بها جواز الشهادة، فصارت دليلًا على المنع من شهادة الولد لوالده.
فصل:
وأما شهادة الوالد على ولده فمقبولة على العموم في جميع الحقوق، لأنه ولايتهم في الشهادة عليه. وإن كان متهمًا في الشهادة له.
وأما شهادة الولد على والده فتقبل في كل ما يجوز أن يستحقه الولد على والده من جميع الحقوق وفي قبولها فيما لا يجوز أن يستحقه الولد على والده من حد قذف أو قصاص فيه قولان:
أحدهما: لا تقبل، لأنه لما لم يقتل بقتله لم يقتل بقوله: كالعبد في الشهادة على الحر.
والثاني: وهو الأصح تقبل شهادته عليه كما تقبل في غيره كالحر تقبل شهادته على العبد وإن لم يقتل بالعبد.
وأما الولد من الرضاع والوالد من الرضاع فشهادة بعضهم لبعض عليه فمقبولة له بخلاف النسب، لاختصاص الرضاع بتحريم النكاح، وبفارق النسب فيما عداه من أحكامه من التوارث ووجوب النفقة والعتق بالملك، وليس تحريم النكاح بمانع من قبول الشهادة.
وأما ما عدا عموم الآباء والأبناء من المناسبين كالإخوة والأخوات وبنيهما، والأعمام والعمات وبنيهما والأخوال والخالات وبنيهما، فتقبل شهادة بعضهم البعض، وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء.
وقال الأوزاعي: لا أقبلها من ذي محرم كالوالد والولد.
وقال مالك: أقبلها في كل حق إلا في النسب لأنه منهم باجتذابه والتكثر. وكلا المذهبين فاسد، لأن عمر وابن الزبير أجازاه وليس لهما مخالف فصار إجماعًا، لأنه نسب لا يوجب العتق والنفقة فلا يمنع من قبول الشهادة كغير المحرم من ذوي الأنساب.
وأما شهادة المعتق لمعتقه من أعلى وأسفل فمقبولة في قول الجمهور.
стр. 6933
ومنع شريح من قبولها كالولادة، وهذا خطا، وقد أنكره علي ﵇ عليه لأن الولاء لا يمنع من وجوب النفقة، وهذا أبعد من ذوي الأنساب البعيدة لتعديهم عليه في الميراث، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا من يعرف بكثرة الغلط أو الغفلة".
قال في الحاوي: أما الضبط والتيقظ، فهما شرطان في قبول الشهادة، ليقع السكون إلى صحتها، فإن حدث من الشاهد سهو أو غلط، فإن كان فيما يشهد به، ردت شهادته وإن كان سهوه وغلطه في غير تلك الشهادة نظر: فإن كان الأغلب عليه السهو والغلط ردت شهادته، وإن لم يكن ذلك جرحًا في عدالته، لأن النفس غير ساكنة إليه إلى شهادته لحملها في الأغلب على السهو والغلط.
وإن كان الغالب عليه التيقظ والضبط، قبلت شهادته وإن غلط في بعض أخباره وسها، لأن ما من أحد يخلو من سهو أو غلط.
وهذا رسول الله صلي الله عليه وسلم قد سها وقال: "إنما أسهو لأسن" وإذا كان لا يخلو ضابط من غلط ولا غافل من ضبط وجب أن يكون المعتبر الأغلب، كما يعتبر في الطاعات والمعاصي أغلبها فيكون العدل والفسق معتبرًا بما يغلب من طاعة أو معصية، وكذلك الضبط والغفلة.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو كنت لا أجيز شهادة الرجل لامرأته لأنه يرثها ما أجزت لأخيه إذا كان يرثه".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في شهادة كل واحد من الزوجين لصاحبه. فذهب الشافعي ﵀ إلى جوازها وقبول شهادة الزوج لزوجته. وقبول الزوجة لزوجها.
وقال النخعي وابن أبي ليلى لا تقبل شهادة الزوجة لزوجها، لأنه إذا أيسر وجب لها عليه نفقة الموسرين، وتقبل شهادة الزوج لزوجته، لأنه لا يجز بها نفعًا.
وقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه ويشبه أن يكون قول مالك، على قياس قوله في الصديق الملاطف، احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١ [. وذلك من موجبات الارتياب والتهمة.
стр. 6934
وقالوا: ولأنه سبب لا يحجب من الإرث، فوجب أن يمنع من الشهادة كالأبوة والبنوة.
قالوا: ولأن الميراث يستحق بنسب وسبب فلما كان في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة، وجب أن يكون في الأنساب ما يمنع من قبول الشهادة.
وتحريره: أنه أحد نوعي ما يورث به فوجب أن يكون منه ما ترد به الشهادة كالنسب.
قالوا: ولأن اجتماعهما في المقام والظعن وامتزاجهما في الضيق والسعة، واختصاصهما بالميل والمحبة، وقد جمع من أسباب الارتياب المانعة من قبول الشهادة، فوجب أن ترد به الشهادة.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فوجب أن يكون على عمومه.
وروى مجالد عن الشعبي عن سويد بن غفلة أن يهوديًا كان يسوق امرأة على حمار فنسخها فرمى بها، فوقع عليها، فشهد عليه زوجها وأخوها عند عمر بن الخطاب ﵁ وقبل شهادتهما، وقتله وصلبه.
وقال سويد بن غفلة: إنه لأول مصلوب صلب بالشام.
وليس لعمر مخالف في الصحابة مع انتشار القصة فثبت أنه إجماع لا مخالف له ولأن بينهما صلة لا توجب العتق فلم يمنع من قبول الشهادة، فآباء الزوجين وأبنائهما ولأنه عقد على منفعة فلم يوجب رد الشهادة كالإجارة، ولأنه عقد معاوضة فلم يمنع من قبول الشهادة كالبيع.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فهو أن المودة لا توجب رد الشهادة كالآخرين وعلى أنه قد يحدث بينما تباغض وعداوة تزيد على الأجانب، فلو جاز أن يكون هذا المعنى علة أن المنع لفرق بين المتحابين والمتباغضين، ولا فرق بينهما فبطل التعليل.
فأما الجواب عن تعليلهم بعدم الحجب عن الميراث، قياسًا على الآباء والأبناء فليس عدم الحجب عن الميراث علة في رد الشهادة، لأننا نرد شهادة من لا يرث من الأجداد والجدات، وغنما العلة، البعضية الموجبة للعتق التي تجري على العموم فيمن ترد شهادته بالنسب، فصار هو علة الحكم وهو معدوم في الزوجية فزال عنها حكمه.
وأما الجواب عن قياسهم على النسب، بأنه أحد نوعي الميراث، فهو فاسد بالولاء. ثم ليس الميراث علة لما ذكرنا من أن في الوالدين من لا يرث وشهادته مردودة، والإخوة والأخوات والعصبات يرثن وشهادتهم مقبولة.
وأما الجواب عن استدلالهم باجتماع أسباب التهمة في رد الشهادة فهو أن انفراد كل واحد من هذه الأسباب لما لم توجب التهمة في رد الشهادة، لم يضر اجتماعهما
стр. 6935
موجبًا للتهمة في رد الشهادة، لأن الاجتماع في المقام والظعن لا يوجب رد الشهادة كالأصحاب؛ لأن الاجتماع في المودة والرحمة لا توجبها كالأصدقاء، والامتزاج في الضيق والسعة لا توجبها كالخلع. وأما ابن أبي ليلى فيقال له: ينتفع الزوج بيسار زوجته في وجوب نفقة ابنه عليها إذا أعسر بها ولا يوجب بذلك رد شهادته لها، كذلك انتفاعها بيساره فيما يجب لها من نفقة الموسرين لا يوجب رد شهادتها له والله أعلم
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولا أرد شهادة الرجل من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقه بتصديقه، وقبول يمينه، وشهادة من يرى كذبه شركًا بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفس بقبولها من شهادة من يخفف المأثم فيها، وكل من تأول حراما عندنا فيه حد أو لا حد فيه، لم نرد بذلك شهادته، ألا ترى أن ممن حمل عنه الدين وجعل علما في البلدان منهم من يستحل المتعة والدينار بالدينارين نقدا، وهذا عندنا وغيرنا حرام، وأن منهم من استحل سفك الدماء، ولا شيء أعظم منه بعد الشرك، ومنهم من تأول، فاستحل كل مسكر غير الخمر، وعاب على من حرمه، ولا نعلم أحدا من سلف هذه الأمة يقتدى به، ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله.
قال في الحاوي: وهذا فصل قد اختلط كلام أصحابنا فيه ممن تفرد بالفقه دون أصوله، فوجب أن تقرر قاعدته ليعلم بها قول المختلفين، وما يوجبه اختلافهم فيه من تعديل وتفسيق وتكفير.
فنقول: من تدين بمعتقد من جميع الناس - صنفان:
صنف ينطلق عليهم اسم الإسلام. وصنف لا ينطلق عليهم اسمه.
فأما من لا ينطلق عليهم اسم الإسلام، فهو من كذب الرسول ﴿ ﷺ ﴾ ولم يتبعه. فخرج بالتكذيب وبترك الإتباع من ملته، فهؤلاء كلهم ينطلق عليهم اسم الكفر، وسواء من رجع منهم إلى ملة كاليهود، والنصارى أو لم يرجع إلى ملة كعبدة الأوثان وما عظم من شمس ونار، وجميعهم في التكفير في رد الشهادة سواء.
وإن فرق أبو حنيفة بين أهل الملل وغيرهم، فأجاز شهادة أهل الملل بعضهم لبعض ورد شهادة غيرهم.
وأما من ينطلق عليهم اسم الإسلام، فهو من صدق الرسول ﴿ ﷺ ﴾ واتبعه، فصار بتصديقه على النبوة من جملة أمته وبصلاته إلى القبلة داخلًا في ملته، فخرجوا بانطلاق
следующие страницы →