← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

بدأ- بفتح الهمزة. المخلفون: الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم عن غزوة تبوك. ووكل- بفتحات مع التخفيف. المغضب- بفتح الضاد المعجمة. خلّفك بتشديد اللام المفتوحة. ابتعت ظهرك: شريته. أن- بفتح الهمزة مخففة من الثقيلة. سأخرج- بالضم. جدلا- بفتح الجيم والدال المهملة: فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج من عهدة ما نسب إلي مما يقبل ولا يرد. يوشكن- بضم التحتية وكسر الشين المعجمة: يسرعن. تجد- بكسر الجيم: تغضب. أمّا هذا- بفتح الهمزة وتشديد الميم. ثار رجال: وثبوا. سلمة- بكسر اللام. عجزت- بفتح الجيم أفصح من كسرها. كافيك: خبر كان. ذنبك: مفعول كافيك. استغفار: اسم كان، وذكر بعضهم أن ذنبك منصوب بنزع الخافض، أي من ذنبك. يؤنّبونني بهمزة مفتوحة فنون مشددة فموحدة مضمومة ونونين: يلومونني لوما عنيفا. مرارة- بضم الميم وتخفيف الراءين. الرّبيع- بفتح الراء. العمري- بفتح العين المهملة وسكون الميم، نسبة إلى بني عمرو بن عوف. الواقفي، بتقديم القاف على الفاء نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن أوس.

стр. 2382

أسوة- بكسر الهمزة وضمها. أيها الثلاثة- بالرفع، ومحله النصب على الاختصاص، أي خصوصا، الثلاثة، كقولهم اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وقال أبو سعيد السيرافي: إنه مفعول فعل محذوف أي أريد الثلاثة أي أخص الثلاثة، وخالفه الجمهور وقالوا: إنه منادى، والثلاثة صفة له، وإنما أوجبوا ذلك لأنه في الأصل كان كذلك فنقل إلى الاختصاص، وكل ما نقل من باب إلى باب فإعرابه بحسب أصله كأفعال التعجب. اجتنبنا [بهمزة وصل وجيم ساكنة وفوقية مفتوحة ونون وباء ونون مفتوحات: بعد عنا] . الناس: فاعل اجتنب. استكان: رجع. أجلدهم: أقواهم. أطوف: أدور. أسارقه- بالسين المهملة والقاف- النظر: أنظر إليه في خفية. جفوة الناس- بفتح الجيم وسكون الفاء: إعراضهم. تسوّرت: علوت. أنشدك- بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة: أسألك. فنشدته- بفتح المعجمة: سألته به. نبطي- بفتح النون والموحدة وكسر الطاء: فلاح، وكان نصرانيا، ولم يسم. من أنباط الشام- بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة. يشيرون- بضم أوله. غسّان- بفتح الغين وتشديد السين المهملة. جبلة بن الأيهم، وهو الحرث بن أبي شمر. السرقة- بسين مهملة فراء فقاف مفتوحات فهاء تأنيث: الأبيض من الحرير، أو الحرير عامة. دار هوان: [ذلة ومهانة] . مضيعة- بفتح الميم وسكون الضاد المعجمة، وفتح التحتية وبكسر الضاد وسكون التحتية: أي حيث يضيع حقك.

стр. 2383

متحوّلا- بالحاء المهملة وفتح الواو مكان تتحول فيه بفتح الحاء المهملة. نواسيك- بضم النون وكسر السين المهملة من المواساة. تيمّمت: قصدت. التّنور- بفتح الفوقية: الذي يخبز فيه. سجرته- بسين مهملة مفتوحة: أو قدته. وأرسل إلّى صاحبيّ- بتشديد التحتية. الحقي بأهلك- بفتح الحاء. حتى كملت- بفتح الميم. ضاقت عليّ نفسي [ضد اتسعت، كناية عن ما يعانيه من الشدة والحزن وضيق الصدر] . ضاقت عليّ الأرض بما رحبت: أي بما هي عليه من السّعة. صارخ- بالخاء المعجمة. أوفى- بالفاء مقصورا: صعد. سلع- بفتح السين المهملة وسكون اللام. يا كعب بن مالك- بفتح كعب وابن، وضم كعب وفتح ابن وضمها. أبشر- بهمزة. قد جاء فرج- بالجيم. آذن بالمد: أعلم. وذهب قبل- بكسر القاف وفتح الموحدة: جهة. صاحبيّ: مرارة وهلال. ركض إليّ- بتشديد التحتية: استحثّ. ثوبيّ: تثنية ثوب. فوجا فوجا: جماعة جماعة. لتهنك: بكسر النون. توبة الله- بالرفع. فقام إليّ- بتشديد التحتية. يهرول: يسير بين المشي والعدو. ولا أنساها لطلحة: أي هذه الخصلة، وهي بشارته إياي بالتوبة، أي لا أزال أذكر إحسانه إلي بذلك وكنت رهين مسرته.

стр. 2384

يبرق- بفتح أوله. إذا سرّ- بضم السين وتشديد الراء، مبنيا للمفعول. كأنه قطعة قمر: تقدم الكلام عليه في الصفات النبوية. أن أنخلع: أخرج من مالي صدقة. قال الزركشي والحافظ والبرماوي هي مصدر، فيجوز انتصابه بأنخلع، لأن معنى انخلع أتصدق، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال، وتعقب ذلك الشيخ بدر الدين الدماميني: بأنا لا نسلم أن الصدقة مصدر وإنما هي اسم لما يتصدق به على الفقراء، فعلى هذا نصبها على الحال من مالي. ما بقيت- بكسر القاف. أبلاه الله- بالموحدة الساكنة: أنعم الله عليه. أحسن مما أبلاني: أنعم عليّ، وفيه نفي الأفضلية لا نفي المساواة، لأنه شاركه في ذلك هلال بن أمية. أن لا أكون كذبته- بتخفيف الذال وسكون الموحدة، ولا زائدة كقوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف ١٢] أي حدّثته حديث كذب. فأهلك بكسر اللام وفتح الكاف. شرّ ما قال لأحد: أي قال قولا شرا- ما قال بالإضافة، أي شر القول الكائن لأحد من الناس. أرجأ أمرنا- بالجيم والهمزة: أخّر. مما خلّفنا- بضم الخاء المعجمة وكسر اللام المشددة- وسكون الفاء. إرجاؤه: تأخيره وتركه. شرح غريب ذكر أقوام تخلفوا من غير عذر أبو لبابة- بضم اللام وتخفيف الموحدة الأولى. جدّ بن قيس- بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة. جذام بن أوس ... قفل- بفتح القاف والفاء واللام: رجع. نجز الجزء الثاني من كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد يتلوه الجزء الثالث «جماع أبواب سراياه» أحسن الله تعالى عاقبتنا آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين آمين آمين، والحمد الله رب العالمين- على يد الفقير الراجي عفو الله علي بن إبراهيم الباجي غفر الله له ولوالديه ولمشايخه آمين.

стр. 2385

[المجلد السادس] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جماع أبواب سراياه وبعوثه وبعض فتوحاته ﷺ الباب الأول في عدد سراياه وبعوثه ومعنى السرية وفيه نوعان الأول: قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: السرايا والبعوث ثمانيا وثلاثين وذكرها أبو عمر رحمه الله تعالى في أول الاستيعاب سبعا وأربعين. وذكرها محمد بن عمر رحمه الله تعالى ثمانيا وأربعين وأبو الفضل ستّا وخمسين. ونقل المسعودي عن بعضهم أنها ستون. وعلى ذلك جرى الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى في ألفيّة السيرة، وذكر فيها أن الإمام الحافظ محمد بن نصر [ (١) ] أوصلها إلى السبعين، وأن الإمام الحافظ أبا عبد الله الحاكم رحمه الله تعالى قال: إنه ذكر في الإكليل أنها فوق المائة. قال العراقي: ولم أجد هذا القول لأحد سواه. قال الحافظ رحمه الله تعالى: لعل الحاكم أراد بضم المغازي إليها. قلت عبارة الحاكم كما رواها عنه ابن عساكر بعد أن روي عن قتادة أن مغازي رسول الله ﷺ وسراياه كانت ثلاثا وأربعين. قال الحاكم: هكذا كتبناه. وأظنه أراد السرايا دون الغزوات، فقد ذكرت في كتاب الإكليل على الترتيب بعوث رسول الله ﷺ وسراياه زيادة على المائة. قال: «وأخبرني الثقة من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب أبي عبد الله محمد بن نصر السرايا والبعوث دون الحروب بنفسه نيفا وسبعين» . انتهى. قال في البداية: وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدا، وحمله كلام قتادة على ما قال، فيه نظر فقد روى الإمام أحمد [عن أزهر بن القاسم الراسبي عن هشام الدستوائي] عن قتادة أن مغازي رسول الله ﷺ وسراياه ثلاث وأربعون: أربعة وعشرون بعثا وتسع عشرة غزوة. قلت والذي وقفت عليه من السرايا والبعوث لغير الزكاة يزيد على السبعين كما سيأتي بيان ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى.

стр. 2386

الثاني: في معنى السرية. قال ابن الأثير في النهاية: «السّرية: الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو، وجمعها سرايا سمّوا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السّريّ النفيس. وقيل سموا بذلك لأنهم ينفذون سرّا وخفية، وليس بالوجه لأن لام السّرّ راء وهذه ياء. انتهى. وقال الإمام شهاب الدين أحمد بن علي الشّهير بابن خطيب الدهشة رحمه الله تعالى في كتابه المصباح [ (١) ] : «السّريّة: قطعة من الجيش، فعلية بمعنى فاعلة لأنها تسري في خفية والجمع سرايا وسريّات مثل عطية وعطايا وعطيات» انتهى. فقوله: «خفية» أحسن من قول من قال «سرّا» لما ذكره ابن الأثير من أن لام السر راء وهذه ياء. وقال الحافظ: السرية: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه وهي من مائة إلى خمسمائة، فما زاد على خمسمائة يقال له: منسر بالنون والسين المهملة أي بفتح الميم وكسر السين وبعكسهما. فإن زاد على الثمانمائة سمّي جيشا، وما بينهما يسمى هيضلة، فإن زاد على أربعة آلاف سمى جحفلا بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء، فإن زاد فجيش جرّار، بفتح الجيم وبراءين مهملتين الأولى مشددة. والخميس أي بلفظ اليوم: الجيش العظيم. وما افترق من السّريّة يسمى بعثا. فالعشرة فما بعدها حضيرة. والأربعون عصبة، وإلى ثلاثمائة مقنب بقاف ونون موحّدة أي بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون. فإن زاد سمي جمرة بجيم مفتوحة وسكون الميم. والكتيبة- بفتح الكاف فتاء مكسورة وتحتية ساكنة فموحدة فتاء تأنيث- ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير الأصحاب أربعة. وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش، أربعة آلاف، وما هزم قوم بلغوا اثني عشر ألفا من قلّة إذا صدقوا وصبروا» . رواه أبو يعلى وابن حبان وأبو داود والترمذي، دون قوله «إذا صدقوا وصبروا» [ (١) ] .

стр. 2387

الباب الثاني في أي وقت كان يبعث سراياه ووداعه بعضهم ومشيه مع بعضهم وهو راكب إلى خارج المدينة ووصيته ﷺ لأمراء السرايا وفيه أنواع: الأول: في أي وقت كان يبعث سراياه، عن صخر- بصاد مهملة فخاء معجمة- ابن وداعة- بفتح الواو والدال المهملة- الغامدي- بغين معجمة فألف فميم مكسورة فدال مهملة فياء نسب- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» [ (١) ] . قال: وكان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية بعثها أول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا وكان لا يبعث غلمانه إلا من أول النهار فكثر ماله حتى لا يدرى أين يضع ماله. رواه الإمام أحمد والثلاثة وحسّنة الترمذي. وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث سرية أغزاها أول النهار وقال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» . رواه الطبراني. الثاني: في وداعه ﷺ بعض سراياه. روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب، والإمام أحمد وأبو يعلى بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ مشى مع الذين وجهّهم لقتل كعب بن الأشرف إلى بقيع الغرقد. ثم وجههم وقال: «انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم» [ (٢) ] ثم رجع. البقيع بفتح الموحدة وكسر القاف وسكون التحتية وبالعين المهملة والغرقد بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وبالدال المهملة. من شجر العضاة أو العوسج أو العظام منه. وعن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله ﷺ إذا شيّع جيشا فبلغ عقبة الوداع قال: «أستودع الله تعالى دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم» [ (٣) ] الحديث رواه ابن أبي شيبة ﵀. الثالث: في مشيه ﷺ مع بعض أمراء سراياه، وذلك البعض راكب. عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن خرج معه يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت ظل راحلته، فلما فرغ قال: «يا معاذ إنّك عسى ألّا تلقاني بعد

стр. 2388

عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري» فبكى معاذ ﵁ جشعا لفراق رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث [ (١) ] ، رواه الإمام أحمد وأبو يعلى برجال ثقات وسيأتي بتمامه في موضعه من السرايا والبعوث. جشعا بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة وبالعين المهملة أي جزعا لفراقه ﷺ . وروى ابن عساكر عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ مشى معه ميلا ومعاذ راكب لأمره ﷺ بذلك. النوع الرابع: في وصيته ﷺ لأمراء السراياء. عن بريدة بالموحدة والتصغير ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا [ولا تمثلوا] ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيّتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم وادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم، أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المؤمنين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمّة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمّة الله ولا ذمة نبيه. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم وإن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمّة الله وذمّة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا. ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم» [ (٢) ] رواه مسلم وأبو داود والترمذي واللفظ لمسلم ورواه البزار عن ابن عباس ﵄. وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه

стр. 2389

قال: «اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوالدين ولا أصحاب الصوامع» . [ (١) ] رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد وأبو يعلى. وعن عبد الرحمن بن عائذ- رحمه الله تعالى- قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشا قال: «تألّفوا الناس وتأتّوهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم إلى الإسلام فما على الأرض من أهل بيت مدر ولا وبر إلا تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من أن تقتلوا رجالهم وتأتوني بنسائهم» [ (٢) ] . رواه مسدّد والحارث بن أبي أسامة مرسلا. وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه وجها، ثم قال لرجل الحقه ولا تدعه من خلفه فقل له: أن النبي ﷺ يأمرك أن تنتظره وقل له: «لا تقاتل قوما حتى تدعوهم» [ (٣) ] . رواه إسحاق بن راهويه بسند فيه انقطاع. وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: «بشّروا ولا تنفّروا ويسّروا ولا تعسّروا» [ (٤) ] رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشا قال: «انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلّوا، وضمّوا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحبّ المحسنين» [ (٥) ] رواه أبو داود والترمذي. وعن ابن عصام المزني- بالزاي والنون- ﵁ عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشا أو سرية يقول: «إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا» [ (٦) ] . رواه أبو داود والترمذي. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أرسل معاذا وأبا موسى فقال: «تشاورا وتطاوعا ويسّرا ولا تعسّرا وبشّرا ولا تنفّرا» [ (٧) ] رواه البزار.

стр. 2390

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: لا تغدروا بكسر الدال المهملة. ذمة الله بكسر المعجمة أمانه وعهده. الوليد بفتح الواو الصبي. على حكم الله قضاؤه. المدر قطع الطين.

стр. 2391

الباب الثالث في اعتذاره عن تخلّفه عن صحبة السرايا ﷺ وإعطائه سلاحه لمن يقاتل به عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني، ويشقّ عليهم أن يقعدوا بعدي» - وفي لفظ: «ولا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عني- «والذي نفسي بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله وأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا» [ (١) ] بتكريره ست مرات، رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة. وعن [جبلة بن حارثة] قال: كان رسول الله ﷺ إذا لم يغز أعطى سلاحه عليا أو أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما [ (٢) ] ، رواه أحمد وأبو يعلى. تنبيهات الأول: الحكمة في بيان إيراد قوله: «والذي نفسي بيده» مرة ثانية عقب الأولى إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته ﷺ ، فكأنه قال: الوجه الذي تسيرون فيه له من الفضل ما أتمنّى لأجله أن أقتل مرّات، فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. وقد خرج ﷺ في بعض المغازي، وتخلف عن المشار إليهم وكان ذلك حيث [رجحت] مصلحة خروجه على مراعاة حالهم. الثاني: استشكل صدور هذا التمني من النبي ﷺ مع علمه بأنه لا يقتل، وأجيب بأن تمنّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال ﷺ : «وددت لو أن موسى صبر» [ (٣) ] ، فكأنه ﷺ أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه. الثالث: قال النووي رحمه الله تعالى: «في هذا الحديث حسن النية وبيان شدة شفقة النبي ﷺ علي أمته ورأفته بهم واستحباب القتل في سبيل الله تعالى، وجواز قول وددت

стр. 2392

حصول كذا من الخير، وإن علم أنه لا يحصل، وفيه ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة أو أرجح، أو لدفع مفسدة، وفيه جواز تمنّي ما يمتنع في العادة» . الرابع: قال الطيبي رحمه الله تعالى ثم في قوله: «ثم أقتل» إلى آخره، وإن حملت على التراخي في الزمان هنا لكن الحمل على التراخي في الرّتبة هو الوجه، لأن التمني حصول درجات بعد القتل، والإحياء لم يحصل من قبل، ومن ثمة كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى المقام الأعلى منه .

стр. 2393

الباب الرابع في سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه طلى سيف البحر من ناحية العيص في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة في ثلاثين رجلا من المهاجرين والأنصار قال ابن سعد: «والمجمع عليه أنهم كانوا جميعا من المهاجرين، ولم يبعث رسول الله ﷺ أحدا من الأنصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا، وذلك أنهم كانوا شرطوا له أنهم يمنعونه في دراهم. وهذا الثّبت عندنا» . وصححه في الموارد. وعقد له لواء أبيض حمله أبو مرثد كنّاز بن الحصين الغنويّ، حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، وهو أول لواء عقد في الإسلام كما قال عروة وابن عقبة ومحمد بن عمر وابن سعد وابن عائذ والبيهقي وابن الأثير والدمياطي والقطب وغيرهم وصححه أبو عمر رحمهم الله تعالى. وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى أن أول لواء عقده رسول الله ﷺ لواء عبيدة بن الحارث. ثم قال: «واختلف الناس في راية عبيدة وحمزة فقال بعض الناس كانت راية حمزة قبل راية عبيدة وقال بعض الناس راية عبيدة كانت قبل راية حمزة، وذلك أن رسول الله ﷺ شيّعهما جميعا فأشكل ذلك على بعض الناس» . انتهى. فخرج حمزة رضي الله تعالى عنه بمن معه يعترض عير قريش التي جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل وقيل في مائة وثلاثين، فبلغ سيف البحر ناحية العيص من أرض جهينة. فلما تصافّوا حجز بينهم مجديّ بن عمرو الجهني وكان حليفا للفريقين جميعا فأطاعوه وانصرفوا ولم يقتتلوا فتوجه أبو جهل في أصحابه وعيره إلى مكة وانصرف حمزة وأصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى المدينة. ولما عاد حمزة بمن معه إلى رسول الله ﷺ أخبره بما حجز بينهم مجديّ بن عمرو وأنهم رأوا منه نصفة. وقدم رهط مجديّ على رسول الله ﷺ فكساهم وقال ﷺ فيما ذكره محمد بن عمر عن مجديّ أيضا: « [إنه- ما] علمت- ميمون النقيبة مبارك الأمر» أو قال: «رشيد الأمر» . تنبيهات الأول: ذكر ابن سعد هذه السرية والتي بعدها قبل غزوة الأبواء، وذكرهما ابن إسحاق قبل غزوة بواط. الثاني: اختلف في أي شهر كانت؟ فقال المدائني: في ربيع الأول سنة اثنتين، وقال أبو عمرو: بعد ربيع الآخر.

стр. 2394

الثالث: في بيان غريب ما سبق: سيف البحر: بكسر السين المهملة، ساحله العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية فصاد مهملة. عبيدة: بضم أوله وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالهاء. جهينة: بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وبالنون. حجز: بفتح المهملة والجيم والزاي: فصل. مجديّ: بفتح الميم وسكون الجيم فدال مهملة فياء كياء النّسب، لا يعلم له إسلام. حليفا: أي محالفا ومسالما. أبو مرثد: بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة، واسمه كنّاز بفتح الكاف وتشديد النون وبالزاي. الغنويّ: بفتح الغين المعجمة والنون وبالواو. الحصين: بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين. مأمون النقيبة: منجح الأفعال مظفّر المطالب، والنّقيبة: بفتح النون وكسر القاف وسكون التحتية وبالهاء. الخليقة والطبيعة أو النفس.

стр. 2395

الباب الخامس في سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، رضي الله تعالى عنه إلى بطن رابغ في شوال من السنة الأولى في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم أنصاري وكان لواؤه أبيض حمله مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطلب بن عبد مناف رضي الله تعالى عنه. فخرج فلقي أبا سفيان بن حرب، في أناس من أصحابه على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ [على عشرة أميال من الجحفة وأنت تريد قديدا على يسار الطريق، وإنما] نكبوا عن الطريق ليرعوا ركابهم. وأبو سفيان في مائتين وعلى المشركين أبو سفيان، قال محمد بن عمر: وهو الثبت عندنا، وقيل مكرز بن حفص، وقيل عكرمة بن أبي جهل. فكان بينهم الرّمي، ولم يسلّوا سيفا ولم يصطفّوا للقتال، وإنما كانت بينهم المناوشة إلا أن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه رمى بسهم في سبيل الله فكان أول سهم رمي به في الإسلام فنثر كنانته وتقدّم أمام أصحابه وقد تترسوا عنه فرمى بما في كنانته وكان فيها عشرون سهما ما منها سهم إلا ويجرح إنسانا أو دابّة. ولم يكن بينهم يومئذ إلا هذا، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم. وفرّ من الكفار إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان المازني حليف [بني نوفل] بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصّلا بالمشركين. تنبيهان الأول: كذا ذكر غير واحد من أهل السّير أن هذه السرية كانت في السنة الأولى. وذكر أبو الأسود في مغازيه، ووصله ابن عائذ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ لما وصل إلى الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين رجلا، فذكر القصّة، فتكون في السنة الثانية، وصرّح به بعض أهل السير، فالله تعالى أعلم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: بطن رابغ: بالموحدة المكسورة والغين المعجمة. مسطح: بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء وبالحاء المهملات. أثاثة: بضم أوله وثاءين مثلثتين مخففتين. عبّاد: بفتح أوله وتشديد الموحدة. أحياء: جمع حيّ ماء أسفل ثنية المرّة بكسر الميم وتشديد الراء وخفّفها ياقوت.

стр. 2396

مكرز: بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء. لا يعلم له إسلام، وانفرد ابن حبّان بذكره في الصحابة، فإنه قال: يقال له صحبة، فإن صحّ ذلك فقد أسلم وإلا فلا. الأخيف: بالخاء المعجمة والتحية وبالفاء وزن أحمد. المناوشة في القتال تداني الفريقين وأخذ بعضهم بعضا. الكنانة: بكسر الكاف جعبة السهام من أدم. على حاميتهم: أي جماعتهم، والحامية الرجل يحمي القوم، وهو على حامية القوم أي آخر من يحميهم في مضيّهم. المقداد: بكسر الميم وسكون القاف وبدالين مهملتين. البهراني: بفتح الموحدة وسكون الهاء فراء فنون. بنو زهرة: بضم الزاي وسكون الهاء. عتبة: بضم العين المهملة وسكون الفوقية وبالموحدة. غزوان: بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي وبالواو والنون. المازني: بكسر الزاي والنون.

стр. 2397

الباب السادس في سرية سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه في عشرين رجلا من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم وقيل: في ثمانية إلى الخزّاز في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة. وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني، وعهد إليه رسول الله ﷺ ألّا يجاوز الخّزّاز، يعترض عيرا لقريش تمرّ بهم، فخرجوا على أقدامهم يكمنون النهار ويسيرون الليل حتى صبّحوا صبح خمس الخزّاز من الجحفة قريبا من خمّ فوجدوا العير قد مرّت بالأمس فانصرفوا إلى المدينة. تنبيهان الأول: ذكر محمد بن عمر وابن سعد هذه السرايا جميعها في السنة الأولى من الهجرة وجعلها ابن إسحاق في السنة الثانية. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الخزّاز: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي الأولى، واد يصب في الجحفة. في ذي القعدة: بكسر القاف وفتحها. يكمنون: بضم الميم: يستترون. الجحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وبالفاء قرية كبيرة على خمس مراحل من مكة ونحو ثلثي مرحلة من المدينة الشريفة. خمّ: بضم الخاء المعجمة اسم غدير أو واد بقرب الجحفة.

стр. 2398

الباب السابع في سرية فيها سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه روى الإمام أحمد عنه قال: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة جاءته جهينة فقالوا له: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا حتى نأتيك وقومنا. فأوثق لهم فأسلموا. قال: فبعثنا رسول الله ﷺ في رجب [أي من السنة الثانية] ولا نكمل مائة. وأخبرنا أن نغير على حيّ من كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم، فكانوا كثيرا، فلجأنا إلى جهينة فمنعونا، وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقال بعضنا لبعض: ما ترون؟ فقال بعضنا: نأتي رسول الله ﷺ فنخبره. وقال قوم: لا بل نقيم ههنا. وقلت أنا في أناس معي: لا، بل نأتي عير قريش فنقتطعها. فانطلقنا إلى العير [وكان الفيء إذ ذاك من أخذه فهو له] وانطلق أصحابنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمّرا وجهه فقال: «أذهبتم من عندي جميعا وقمتم متفرقين وإنما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع والعطش» [ (١) ] . فبعث علينا عبد الله بن جحش أميرا فكان أول أمير في الإسلام. الباب الثامن في سرية أمير المؤمنين المجدّع في الله تعالى عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في رجب من السنة الثانية إلى بطن نخلة دعاه رسول الله ﷺ حين صلى العشاء فقال: «واف مع الصبح، معك سلاحك، أبعثك وجها» . قال: فوافيت الصبح وعليّ قوسي وسيفي وجعبتي ومعي درقتي. فصلى رسول الله ﷺ الصبح بالناس، ثم انصرف، فيجدني قد سبقت واقفا عند بابه، وأجد نفرا من قريش. فدعا رسول الله ﷺ أبي بن كعب، فدخل عليه، فأمره فكتب كتابا، ثم دعاني فأعطاني صحيفة من أديم خولانيّ وقال: «قد استعملتك على هؤلاء النّفر، فامض حتى إذا سرت ليلتين فانظر كتابي هذا ثم امض لما فيه» . قلت: يا رسول الله: أي ناحية؟ قال: «اسلك النجدية تؤم ركبة» . قال ابن إسحاق وأبو عمرو: وأرسل معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم أنصاري وهم: أبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن أبي وقاص، وعكّاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله الليثي، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء.

стр. 2399

وذكر ابن عائذ فيهم: سهل بن بيضاء ولم يذكر سهيلا ولا خالدا ولا عكّاشة. وذكر ابن سعد فيهم المقداد بن عمرو- وهو الذي أسر الحكم بن كيسان- وقال ابن سعد: كانوا اثني عشر [من المهاجرين] كل اثنين يعتقبان بعيرا. وروى الطبراني بسند حسن عن زرّ [بن حبيش] رحمه الله تعالى قال: «أول راية رفعت في الإسلام راية عبد الله بن جحش» . فانطلق عبد الله بن جحش حتى إذا كان مسيرة يومين فتح الكتاب فإذا فيه: «سر باسم الله وبركاته ولا تكرهنّ أحدا من أصحابك على السير معك، وامض لأمري فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصّد عير قريش وتعلّم لنا أخبارهم» . فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة. وقرأه على أصحابه وقال: [قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر] وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع. [فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ ] » فقالوا أجمعون: «نحن سامعون مطيعون لله تعالى ولرسوله ﷺ ولك، فسر على بركة الله» . فسار ومعه أصحابه لم يتخلف منهم أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمكان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلّفا في طلبه يومين، ولم يشهدا الموقعة، وقدما المدينة بعدهم بأيام. ومضى عبد الله بن جحش في بقية أصحابه حتى نزل بنخلة. فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش جاءوا بها من الطائف، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وأخوه نوفل بن عبد الله، وقيل بل أخوهما المغيرة، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم أصحاب العير هابوهم وأنكروا أمرهم، وقد نزلوا قريبا منهم. فحلق عكاشة بن محصن رأسه، وقيل واقد بن عبد الله، ثم وافى ليطمئن القوم. فلما رأوه قالوا: لا بأس عليكم منهم، قوم عمّار. فأمنوا وقيّدوا ركابهم وسرحوها وصنعوا طعاما. فاشتور المسلمون في أمرهم وذلك في آخر يوم من رجب ويقال أول يوم من شعبان وقيل في آخر يوم من جمادى الآخرة. فشكّوا في ذلك اليوم أهو من الشهر الحرام؟ أم لا. فقالوا: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم وهابوا [الإقدام عليهم] . ثم شجّعوا أنفسهم. وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم. فرمى واقد بن عبد اللَّه [التميمي] عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وشدّ المسلمون عليهم فأسروا عثمان بن عبد اللَّه بن المغيرة، والحكم بن كيسان، أسره المقداد بن عمرو،

стр. 2400

وأعجز القوم نوفل بن عبد اللَّه بن المغيرة، عند من يقول إنه كان معهم، ومن قال إن نوفلا لم يكن معهم جعل الهارب المغيرة. وحاز المسلمون العير، وعزل عبد اللَّه بن جحش لرسول اللَّه ﷺ خمس تلك الغنيمة، وقسّم سائرها بين أصحابه، فكان أوّل خمس خمّس في الإسلام، وأوّل غنيمة، وأول قتيل بأيدي المسلمين عمرو بن الحضرمي، وأوّل أسير كان في الإسلام عثمان بن عبد اللَّه، والحكم بن كيسان. وذلك قبل أن [يفرض الخمس من المغانم، فلما أحل اللَّه تعالى الفيء بعد ذلك وأمر بقسمه وفرض الخمس فيه] وقع على ما كان صنع عبد اللَّه بن جحش في تلك العير، وقال بعضهم: بل قدموا بالغنيمة كلها. وروى الطبراني بسند حسن عن زرّ [بن جيش] رضي اللَّه تعالى عنه قال: أول مال خمّس في الإسلام مال عبد اللَّه بن جحش. ثم سار عبد اللَّه بالعير والأسيرين إلى المدينة، فلما قدم على رسول اللَّه ﷺ قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» . فأوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا. ويقال أن رسول اللَّه ﷺ أوقف غنائم، أهل نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كل قوم حقهم. فلما قال رسول اللَّه ﷺ ذلك سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: «قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدماء، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال» . فقال: «من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة، إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان» ؟ وقال يهود تفاءل بذلك على رسول اللَّه ﷺ : «عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد اللَّه: عمرو، عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد اللَّه، وقدت الحرب» . فجعل اللَّه تعالى ذلك عليهم لا لهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل اللَّه تعالى على رسوله ﷺ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة ٢١٧] . أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدّوكم عن سبيل اللَّه مع الكفر به وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند اللَّه من قتل من قتلتم منهم. وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وقد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند اللَّه من القتل. فلما نزل القرآن بهذا الأمر، وفرّج اللَّه تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفق قبض رسول اللَّه ﷺ الغنيمة أو خمسها والأسيرين.

стр. 2401

وبعث إليه قريش في فداء الأسيرين فقال رسول اللَّه ﷺ : «لا نفديكموها حتى يقدم صاحبانا- يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان- فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم» . فقدم سعد وعتبة، فأفدى رسول اللَّه ﷺ الأسيرين عند ذلك بأربعين أوقية كل أسير، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول اللَّه ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا. وأما عثمان بن عبد اللَّه فلحق بمكة فمات كافرا. فلما تجلّى عن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: «يا رسول اللَّه أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين» ؟ فأنزل اللَّه ﵎: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة ٢١٨] فوضعهم اللَّه تعالى من ذلك على أعظم الرجاء. تنبيهات الأول: في هذه الغزوة سمي عبد اللَّه بن جحش أمير المؤمنين كما ذكره ابن سعد، والقطب وجزم أبو نعيم بأنه أول أمير أمّره رسول اللَّه ﷺ ، ويؤيده ما سبق عن سعد [بن أبي وقاص] في الباب قبله. الثاني: في بيان غريب ما سبق: بطن نخلة. الأديم: بوزن عظيم الجلد. خولاني: بفتح الخاء المعجمة. أنشر كتابي: افتحه. النّجدية: منسوبة إلى نجد، وهو ما ارتفع من أرض تهامة إلى العراق، وهو مذكّر. يؤمّ: يقصد. ركبة: بضم الراء وسكون الكاف وبالموحدة. ابن عتبة: بضم العين المهملة وسكون الفوقية وبالموحدة. عكّاشة: بضم العين المهملة وتشديد الكاف أفصح من تخفيفها. محصن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون. البكير بالتصغير. سهيل: بالتصغير ووقع في بعض نسخ العيون مكبّرا والصواب الأول.

стр. 2402

تعلّم بمعنى اعلم. الحجاز ما بين نجد والسّراة. الفرع: بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة من أضخم أعراض المدينة. بحران، بضم الموحدة وسكون الحاء المهملة وبالراء والنون. الحضرمي: بالحاء المهملة والضاد المعجمة. واف: أشرف. واقد: بالقاف والدال المهملة بلفظ اسم الفاعل. كيسان: بفتح الكاف وسكون التحتية وبالسين المهملة وبالنون. أمنوا: بفتح أوله وكسر الميم. أفلت: بفتح الهمزة، القوم بالنصب مفعول أفلت. نوفل: مرفوع فاعل. عمّار: بضم العين المهملة وتشديد الميم. سقط في أيديهم: بالبناء للمفعول، أي ندموا، يقال ذلك لكل من ندم. وقال يهود تفاءل بذلك: بالفوقية المفتوحة وحذفت التاء الثانية، وبالفاء والهمزة من الفأل. عمّرت الحرب: بضم العين المهملة وكسر الميم [المشددة وبالراء والتاء المفتوحة تاء الخطاب] . واللَّه تعالى أعلم.

стр. 2403

الباب التاسع في بعث عمير بن عدي الخطمي رضي اللَّه تعالى عنه لخمس ليال بقين من رمضان من السنة الثانية إلى عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد، زوجة يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تعيب الإسلام وتؤذي رسول اللَّه ﷺ وتحرض عليه وتعيب ال إسلام وتقول الشعر وكانت تطرح المحايض في مسجد بني خطمة. فأهدر رسول اللَّه ﷺ دمها فنذر عمير بن عدي لئن رجع رسول اللَّه ﷺ من بدر إلى المدينة ليقتلنّها فلما رجع رسول اللَّه ﷺ من بدر، جاء عمير ليلا حتى دخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، فجسّها بيده وكان ضرير البصر، فنحّى الصّبيّ عنها، ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها. وروى ابن عساكر في ترجمة أحمد بن أحمد البلخي، من تاريخه عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ألا رجل يكفنا هذه» . فقال رجل من قومها: أنا، فأتاها وكانت تمّارة. فقال لها: أعندك أجود من هذا التّمر؟ قالت: نعم، «فدخلت إلى بيت لها، وانكبّت لتأخذ شيئا فالتفتّ يمينا وشمالا فلم أر أحدا فضربت رأسها حتى قتلتها» . انتهى. ثم أتى المسجد فصلّى الصبح مع رسول اللَّه ﷺ ، فلما انصرف نظر إليه رسول اللَّه ﷺ وقال: «أقتلت ابنة مروان؟» قال: نعم فهل عليّ في ذلك شيء؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : «لا ينتطح فيها عنزان» فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ . وقال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: «إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر اللَّه ورسوله فانظروا إلى عمير بن عدي» . فقال عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه: «انظروا إلى هذا الأعمى الذي يسري في طاعة اللَّه تعالى» . فقال رسول اللَّه ﷺ : «لا تقل الأعمى ولكن البصير» . فسمّى رسول اللَّه ﷺ عميرا البصير. فلما رجع عمير وجد بنيها في جماعة يدفنونها. فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ قال: «نعم، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فو الذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم» . فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة وكان يستخفي بإسلامه فيهم من أسلم فكان أول من أسلم من بني خطمة عمير بن عدي، وهو الذي يدعى القارئ.

стр. 2404

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الخطميّ: بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة [وبالميم وياء النسب] . عصماء: بفتح العين وسكون الصاد المهملتين. جسّها: لمسها بيده. تمّارة: أي تبيع التمر. لا ينتطح فيها عنزان: [لا يعارض فيها معارض] يعني أن قتلها هيّن.

стр. 2405

الباب العاشر في بعثة ﷺ سالم بن عمير رضي اللَّه تعالى عنه في شوال من السنة الثانية إلى أبي عفك اليهودي من بني عمرو بن عوف وكان شيخا كبيرا قد بلغ مائة وعشرين سنة وكان يحرّض على رسول اللَّه ﷺ ويقول الشعر فقال رسول الله ﷺ : «من لي بهذا الخبيث» [ (١) ] . فقال سالم بن عمير، وكان قد شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ ، وأحد البكائين وتوفي في خلافة معاوية: «عليّ نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه» . فأمهل يطلب له غرّة. فلما كانت ليلة صائفة نام أبو عفك بفناء منزله وعلم به سالم بن عمير، فأقبل ووضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه حتى خشّ في الفراش وصاح عدو اللَّه فثاب إليه ناس ممن نجم نفاقهم وهم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه، فقالت أمامة المريديّة في ذلك: تكذّب دين اللَّه والمرء أحمدا ... لعمر الذي أمناك أن بئس ما يمني حباك حنيف آخر اللّيل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السّنّ تنبيهات الأول: ذكر هذه القصة محمد بن عمر وابن سعد، وتبعهما في المورد والإمتاع بعد التي قبلها. وقدّمها ابن إسحاق وأبو الربيع. الثاني: في بيان غريب ما سبق: أبو عفك: بفتح العين المهملة والفاء الخفيفة وبالكاف، يقال رجل أعفك بيّن العفك أي أحمق. أحد البكّائين: تقدّم الكلام عليهم في أوائل غزوة تبوك. الغرّة: بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء المفتوحة: الغفلة. بفناء المنزل: بكسر الفاء وبالنون والمدّ، ما امتدّ من جوانبه. صائفة: حارّة.

стр. 2406

خشّ في الفراش: دخل فيه. ثاب: بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة: أي اجتمع. نجم: بفتح النون والجيم أي ظهر وطلع. أمامة: بضم أوله ويقال فيه أسامة. المريدية: بضم الميم وكسر الراء كذا في التبصير تبعا للذهبي، وقال في الأنساب بفتحها، وعليه جرى ابن الأثير، وبسكون التحتية وبالدال المهملة بعدها تحتية مشدّدة، بطن من بليّ. لعمر زيد: أي وحياته. حباك: بفتح المهملة والموحدة أي أعطاك. حنيف: مسلم. على كبر السّنّ: تقدم أنه بلغ مائة وعشرين سنة.

стр. 2407

الباب الحادي عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه إلى كعب بن الأشرف وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في السنة الثالثة كان كعب يهوديّا. قال ابن عقبة هو من بني النضير، يكنى أبا نائلة. وقال ابن إسحاق وأبو عمر هو من بني نبهان من طىء، وأمه من بني النضير. وكان شاعرا يؤذي رسول الله ﷺ ، ويهجو الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويحرّض عليهم الكفّار. وروى ابن سعد عن الزهري في قوله تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [آل عمران ١٨٦] قال هو كعب بن الأشرف فإنه كان يحرّض المشركين على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه يعني في شعره يهجو النبي ﷺ وأصحابه. ولما قدم زيد بن حارثة وعبد اللَّه بن رواحة بالبشارة من بدر بقتل المشركين وأسر من أسر منهم، قال كعب: «أحقّ هذا؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمّي هذان الرجلان؟ - يعني زيدا وعبد اللَّه بن رواحة- فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، واللَّه لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها» . فلما تيقّن عدوّ اللَّه الخبر، ورأى الأسرى مقرّنين كبت وذل ثم قال لقومه: «ما عندكم؟» قالوا: «عداوته ما حيينا» . قال: «وما أنتم وقد وطئ قومه وأصابهم. ولكن أخرج إلى قريش فأحرضها وأبكي قتلاها لعلهم ينتدبون فأخرج معهم» . فخرج حتى قدم مكة، فوضع رحله عند المطلب بن أبي وداعة [بن ضبيرة] السّهمي، وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، وأسلمت هي وزوجها بعد ذلك. فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرّض على رسول اللَّه ﷺ ، وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر. قال محمد بن عمر رضي اللَّه تعالى عنه: ودعا رسول اللَّه ﷺ حسان بن ثابت وأخبره بنزول كعب على من نزل عليه فقال حسّان: ألا أبلغن عنّي أسيدا رسالة ... فخالك عبد بالشراب مجرّب لعمرك ما أوفى أسيد لجاره ... ولا خالد وابن المفاضة زينب وعتّاب عبد غير موف بذمّة ... كذوب شئون الرّأس قرد مدرّب

стр. 2408

وذكر ابن عائذ أن كعبا حالف قريشا عند أستار الكعبة على قتال المسلمين. وروي عن عروة أن قريشا قالت لكعب: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم. فلما بلغها هجاؤه نبذت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي ألا ترى ما يصنع بنا حسّان؟ فتحوّل، فكلما تحول عند قوم دعا رسول اللَّه ﷺ حسّانا فقال: «ابن الأشرف نزل على فلان» . فلا يزال يهجوهم حتى ينبذ رحله. فلما لم يجد مأوى قدم المدينة. انتهى. قال ابن إسحاق: ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبّب بنساء المسلمين حتى آذاهم. وروى عبد اللَّه بن إسحاق الخراساني في فموائده عن عكرمة أن كعبا صنع طعاما وواطأ جماعة من اليهود أن يدعو النبي ﷺ إلى وليمة، فإذا حضر فتكوا به. ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه. فأعلمه جبرئيل ﵇ بما أضمروه فرجع فلما فقدوه تفرّقوا. انتهى. فقال رسول اللَّه ﷺ : «اللهم اكفني بن الأشرف بما شئت في إعلانه الشّرّ» [ (١) ] . وقال ﷺ ، كما في الصحيح: «من لي بكعب بن الأشرف فقد آذى اللَّه ورسوله» [ (٢) ] . وفي رواية: «فقد آذانا بشعره وقوّى المشركين علينا» . فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول اللَّه، أنا أقتله. قال: «أنت له فافعل إن قدرت على ذلك» . [وفي رواية عروة عند ابن عائذ فسكت رسول اللَّه ﷺ ، فإن قلت (بهذا) احتمل أن يكون سكت أولا ثم أذن] . فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه. فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فدعاه فقال له: «لم تركت الطعام والشراب؟» فقال: يا رسول اللَّه قلت لك قولا لا أدري هل أفينّ لك به أم لا. فقال: «إنما عليك الجهد» . وقال رسول اللَّه ﷺ : «شاور سعد بن معاذ في أمره» فشاوره فقال له: توجّه إليه واذكر له الحاجة وسله أن يسلفكم طعاما. فاجتمع [في قتله] محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، والحارث بن أوس بن معاذ، بعثه عمّه سعد بن معاذ، وأبو عبس بن جبر، فقالوا: «يا رسول اللَّه نحن نقتله فأذن لنا فلنقل شيئا فإنه لا بدّ لنا من أن نقول:» . فقال رسول اللَّه ﷺ : «قولوا ما بدا لكم فأنتم في حلّ من ذلك» . فخرج أبو نائلة كما قال جلّ أئمة المغازي وكان أخا كعب من الرّضاعة. وفي الصحيح خرج إليه محمد بن مسلمة. فلما رآه كعب أنكر شأنه وذعر منه. فقال أبو نائلة أو محمد بن مسلمة: حدثت حاجة.

стр. 2409

فقال كعب وهو في نادي قومه وجماعتهم: ادن إليّ فخبّرني بحاجتك. فتحدثنا ساعة، وأبو نائلة أو محمد بن مسلمة يناشده الشعر. فقال كعب: ما حاجتك، لعلك تحب أن تقوم من عندنا. فلما سمع القوم قاموا. فقال محمد بن مسلمة أو أبو نائلة: «إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، ونحن لا نجد ما نأكل، وإنه قد عنّانا» . قال كعب: «وأيضا واللَّه لتملّنّه» . وفي غير الصحيح: فقال أبو نائلة: «إني قد جئتك في حاجة أريد أن أذكرها لك فاكتم عنّي» . قال: «أفعل» . قال: «كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل، حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا» . فقال كعب بن الأشرف: «أما واللَّه لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول، ولكن اصدقني ما الذي تريدون من أمره؟» قال: «خذلانه والتنحي عنه» . قال: «سررتني ألم يأن لكم أن تعرفوا ما عليه من الباطل؟» . فقال له أبو نائلة أو محمد بن مسلمة: «معي رجال من أصحابي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك تمرا وطعاما وتحسن إلينا، ونرهنك ما يكون ذلك فيه ثقة» . وفي صحيح مسلم [ (١) ] : «وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبر، وعبّاد بن بشر. قال [كعب] : «أما واللَّه ما كنت أحب يا أبا نائلة أن أرى بك هذه الخصامة وإن كنت من أكرم الناس، على ماذا ترهنوني؟ [أترهنوني] أبناءكم؟» قال: «إنا نستحي أن يعيّر أبناؤنا فيقال، هذا رهينة وسق، وهذا رهينة وسقين» . قال: «فارهنوني نساءكم» . قال: «لقد أردت أن تفضحنا وتظهر أمرنا، أنت أجمل الناس ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك، ولكنا نرهنك من السلاح والحلقة ما ترضى به، ولقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم» . قال كعب: «أن في السلاح لوفاء» . وأراد أبو نائلة ألّا ينكر السلاح إذا جاءوا به. فسكن إلى قوله وقال: «جيء به متى شئت» . فرجع أبو نائلة من عنده على ميعاد. فأتى أصحابه فأخبرهم، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده. ثم أتوا رسول اللَّه ﷺ عشاء فأخبروه فمشى [معهم] . وروى ابن إسحاق والإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه ﷺ مشى معهم إلى بقيع الفرقد، ثم وجّههم وقال: «انطلقوا على اسم اللَّه، اللهم أعنهم» وعند ابن سعد: «امضوا على بركة اللَّه وعونه» . ثم رجع رسول اللَّه ﷺ إلى بيته في ليلة مقمرة مثل النهار، ليلة أربع عشرة من شهر ربيع الأول.

стр. 2410

فمضوا حتى انتهوا إلى حصن ابن الأشرف. وفي الصحيح: فقال محمد بن مسلمة- وفي كتب المغازي أبو نائلة- لأصحابه: «إذا ما رآكم كعب فإني قائل بشعره فأسمّه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه» . فهتف أبو نائلة، وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفة، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: «إنك امرؤ محارب وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة» . فقال: «إنه ميعاد عليّ وإنما هو أخي أبو نائلة لو وجدني نائما لما أيقظني» . فقالت: «واللَّه إني لأعرف في صوته الشّرّ» . فكلّمهم من فوق البيت. وفي رواية: «أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدّم» . قال: فقال لها كعب: «إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب» . ثم نزل إليهم متوشحا بملحفة وهو ينفح منه ريح الطيب. فجاءهم ثم جلس فتحدث معهم ساعة حتى انبسط إليهم. فقالوا: «هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه؟» فقال: «إن شئتم» . فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة. فقال أبو نائلة: «نجد منك ريح الطّيب» . قال: «نعم تحتي فلانة من أعطر نساء العرب» . قال: أفتأذن لي أن أشم [رأسك] ؟» قال: نعم. فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ثم شمّ يده فقال: «ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط» . وإنما كان كعب يدهن بالمسك الفتيت بالماء والعنبر حتى يتلبّد في صدغيه وكان جعدا جميلا. ثم مشى أبو نائلة ساعة ثم عاد لمثلها [حتى اطمأن إليه وسلسلت يده في شعره] فأخذ بقرون رأسه وقال لأصحابه: «اضربوا عدوّ اللَّه» . فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا وردّ بعضها بعضا. ولصق بأبي نائلة. قال محمد بن مسلمة: «فذكرت مغولا كان في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا، فأخذته وقد صاح عدو اللَّه عند أول ضربة صيحة لم يبق حولنا حصن من حصون يهود إلا أوقدت عليه نار» . قال: «فوضعته في ثنّته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو اللَّه» . وعند ابن سعد: فطعنه أبو عبس في خاصرته وعلاه محمد بن مسلمة [بالسيف] وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ فجرح في رجله، أصابه بعض أسياف القوم. فلما فرغوا حزّوا رأس كعب ثم خرجوا يتستّرون، وهم يخافون من يهود، الإرصاد حتى سلكوا على بني أمية بن زيد، ثم على قريظة، وإن نيرانهم في الحصون لعالية، ثم على بعاث، حتى إذا كانوا بحرّة العريض تخلّف الحارث فأبطأ عليهم فناداهم: «أقرئوا رسول اللَّه ﷺ مني السلام» . فعطفوا عليه فاحتملوه حتى أتوا رسول اللَّه ﷺ . فلما بلغوا بقيع الفرقد كبّروا. وقد قام رسول اللَّه ﷺ تلك الليلة يصلّي، فلما سمع رسول اللَّه ﷺ تكبيرهم بالبقيع

стр. 2411

كبّر وعرف أن قد قتلوه. ثم أتوه يعدون حتى وجدوا رسول اللَّه ﷺ واقفا على باب المسجد. فقال رسول اللَّه ﷺ : «أفلحت الوجوه» . فقالوا: «ووجهك يا رسول اللَّه» ورموا برأسه بين يديه. فحمد اللَّه تعالى على قتله. ثم أتوا بصاحبهم الحارث، فتفل رسول اللَّه ﷺ على جرحه فلم يؤذه، فرجعوا إلى منازلهم. فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ قال: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه» [ (١) ] . فخافت اليهود، فلم يطلع عظيم من عظمائهم وخافوا أن يبيّتوا كما بيّت ابن الأشرف. وعند ابن سعد: فأصبحت اليهود مذعورين فجاؤوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكّرهم رسول اللَّه ﷺ صنيعة، وما كان يحضّ عليهم ويحرّض في قتالهم ويؤذيهم. ثم دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحا [أحسبه] . فكان ذلك الكتاب مع علي رضي اللَّه تعالى عنه بعد. تنبيهات الأول: قال العلماء ورحمهم اللَّه تعالى «في حديث كعب بن الأشرف دليل على جواز قتل من سبّ سيدنا محمد رسول اللَّه ﷺ أو انتقصه أو آذاه، سواء أكان بعهد أم بغير عهد، ولا يجوز أن يقال إن هذا كان غدرا وقد قال ذلك رجل كان في مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه، فضرب عنقه. وإنما يكون الغدر بعد أمان، وهذا نقض العهد، وهجا رسول اللَّه ﷺ وسبّه. وقد كان رسول اللَّه ﷺ عاهده ألّا يعين عليه أحدا، فنقض كعب العهد، ولم يؤمنه محمد بن مسلمة ولا رفقته بحال، وإنما كلمه في أمر البيع والرهن إلى أن تمكّن منه. الثاني: وقع في صحيح مسلم في قول كعب بن الأشرف: «إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة» [ (٢) ] . قال القاضي [عياض] قال لنا شيخنا القاضي الشهيد: صوابه أن يقول: «إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعة أبو نائلة» أي بإسقاط الواو، كذا ذكر أهل السّير أن أبا نائلة كان رضيعا لمحمد بن مسلمة» . ووقع في صحيح البخاري: «ورضيعي أبو نائلة» [ (٣) ] . قال: «وهذا له عندي وجه إن صحّ أنه كان رضيعا لكعب. الثالث: وقع في الصحيح أن الذي خاطب كعبا هو محمد بن مسلمة وجلّ أهل المغازي على أنه أبو نائلة وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، قال الحافظ: ويحتمل بجمع أن يكون

стр. 2412

كل منهما كلّمه في ذلك لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة هو ابن أخت كعب كما رواه عبد اللَّه بن إسحاق الخراساني في فوائده. الرابع: وقع في الصحيح عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أن محمد بن مسلمة جاء معه برجلين، قال سفيان. وقال غير عمرو: وأبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس، وعبّاد بن بشر. قال الحافظ: فعلى هذا كانوا خمسة وهو أولى من رواية من روى أنهم كانوا ثلاثة فقط ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة وفي أخرى خمسة. الخامس: في بيان غريب ما سبق: الأشرف: بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وبالفاء. النّضير: بالضاد المعجمة وزن عليم. نائلة: بنون وبعد الألف تحتية. طيّء: بفتح الطاء وتشديد التحتية وآخر همزة. اليقين: العلم وزوال الشّكّ. مقرونين: مجعولين قرنا بالشّدّ والإثبات، يقال قرّنهما تقرينا أي جعلهما قرنين. كبت: بضم أوله وكسر الموحدة: أذلّة اللَّه وصرفه عن مراده. أبو وداعة: اسمه الحارث بن صبيرة بضم الصاد المهملة. السّهمي: بفتح السين المهملة وسكون الهاء. العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالصاد المهملة، واد من ناحية ذي المروة على أربع ليال من المدينة. القليب: البئر. فشبّب بنساء المسلمين: تقوّل فيهن وذكرهنّ بسوء. من لكعب؟: أي من الذي ينتدب لقتله؟. يتعلق به نفسه: مأخوذ من العلقة والعلاق أي بلغة من الطعام إلى وقت الغذاء يعني ما يسدّ به رمقه من الغذاء ... ذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ بالبناء للمفعول. الجهد: بفتح الجيم وضمها: الطاقة. عبّاد: بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة. ابن بشر: بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة.

стр. 2413

سلكان: بكسر السين المهملة وإسكان اللام. أبو عبس: بفتح العين المهملة وبعد الموحدة الساكنة سين مهملة واسمه: عبد الرحمن ابن جبر، بفتح الجيم وسكون الموحدة والجبر ضد الكسر. من أن نقول: حقّه أن يقول، يريد نفتعل قولا نحتال به، قال السهيلي: يعني الكذب أباحه له لأنه من خدع الحرب. ما بدا لكم، بلا همز. أي ظهر. عنّانا: بمهملة وتشديد النون الأولى من العناء وهو التعب. وأيضا: أي وزيادة على ذلك وقد فسّره بقوله ولتملّنّه: بفتح الفوقية والميم وتشديد اللام من الملال وهو السآمة. الوسق: بفتح الواو وكسرها. ارهنوني: ادفعوا إليّ شيئا يكون رهنا على الشيء الذي تريدونه. نرهنك: بفتح أوله وثالثه من الثلاثي، ويجوز من الرباعي نرهنك فيضم أوله ويكسر ثالثه. قائل: باللام. بشعره: بفتحتين من إطلاق القول على الفعل. هتف: صاح. محارب: بفتح الراء وكسرها. ينفح: بالفاء والحاء المهملة. المغول: بميم مكسورة فغين معجمة ساكنة فواو مفتوحة قال في الإملاء. الحلقة: السلاح كله وأصله في الدّرع، ثم سمّي السلاح كله حلقة. الّلأمة: بتشديد اللام وسكون الهمزة. قال ابن عيينة كما في الصحيح: يعني السلاح، وقال أهل اللغة الدّرع. بعاث: بضم الموحدة وبالعين المهملة وبثاء مثلثة. العريض: بعين مهملة فتحتية فضاد معجمة تصغير عرض اسم واد شاميّ بالحرّة الشرقية قرب قناة أبطا بفتح همز أوله وآخره.

стр. 2414

الباب الثاني عشر في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنه إلى القردة في أول جمادى الآخرة سنة ثلاث وهي أول سرية خرج فيه زيد أميرا. وسببها أن قريشا لما كانت وقعة بدر خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكونه إلى الشام، فسلكوا طريق العراق. فخرج منهم تجّار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضّة كثيرة، وهي عظم تجارتهم، وخرج صفوان بن أمية بمال كثير نقر فضّة وآنية فضّة وزن ثلاثين ألف درهم، وأرسل معه أبو زمعة ثلاثمائة مثقال ذهب ونقر فضّة، وبعث معه رجال من قريش ببضائع، وخرج معه عبد الله بن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزى في رجال من قريش. واستأجروا فرات بن حيان. قال ابن إسحاق: من بني بكر بن وائل. وقال محمد بن عمر، وابن سعد، وابن هشام: من بني عجل وزاد ابن هشام حليف لبني سهم. فخرج بهم على طريق ذات عرق. فبلغ رسول اللَّه ﷺ أمرهم، فأرسل زيد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا لها بالقردة، فأصابوا العير، وأفلت أعيان القوم، وأسروا رجلين أو ثلاثة، وقدموا بالعير على رسول اللَّه ﷺ فخمسّها، فبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم، وقسّم الباقي على أهل السرية. وكان في الأسارى فرات بن حيان، وكان أسر يوم بدر، فأفلت على قدميه، فكان الناس عليه أحنق شيء. وكان الذي بينه وبين أبي بكر حسنا، فقال له: «أما آن لك أن تقصير؟. قال: «إن أفلتّ من محمد هذه المرّة لم أفلت أبدا» . فقال له أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه: «فأسلم» . فأتى به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه فأسلم فتركه رسول اللَّه ﷺ . تنبيهان الأول: ذكر ابن إسحاق هذه السرية قبل سرية كعب بن الأشرف، وذكرها محمد بن عمر، وابن سعد، والقطب بعدها. الثاني: في بيان غريب ما سبق: حارثة: بالحاء المهملة والثاء المثلثة. القردة كسجدة بالقاف ويقال بالفاء، ماء من مياه نجد. تجار: بكسر الفوقية وتخفيف الجيم، وبضم الفوقية وتشديد الجيم. عظم تجارتهم: بضم العين المهملة وإسكان الظاء المعجمة المشالة أي أكثرها.

стр. 2415

نقر فضّة: جمع نقرة بنون مضمومة فقاف ساكنة فراء: القطعة المذابة من الذهب أو الفضة. حويطب: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الطاء المهملة وبالموحدة. فرات: بضم الفاء وبالفوقية. ابن حيّان: بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية. وأيل: بكسر التحتية. حليف: معاهد. سهم: بلفظ واحد السهام. ذات عرق: بكسر العين المهملة وسكون الراء وبالقاف. أفلت: بالبناء للفاعل.

стр. 2416

الباب الثالث عشر في سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد رضي اللَّه تعالى عنه إلى قطن في أول المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول اللَّه ﷺ وسببها إن رجلا من طيء اسمه الوليد بن زهير بن طريف قدم المدينة زائرا ابنة أخيه زينب، وكانت تحت طليب بن عمير بن وهب، فأخبر أن طليحة، وسلمة ابني خويلد تركهما قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم لحرب رسول اللَّه ﷺ . فنهاهم قيس بن الحارث بن عمير. فقال: «يا قوم واللَّه ما هذا برأي، ما لنا قبلهم وتر، وما هم نهبة لمنتهب [إن دارنا لعبيدة من يثرب، وما لنا جمع كجمع قريش، مكثت قريش دهرا تسير في العرب تستنصرها، ولهم وتر يطلبونه، ثم ساروا قد امتطوا الإبل وقادوا الخيل وحملوا السلاح مع العدد الكثير، ثلاثة آلاف مقاتل سوى أتباعهم] وإنما جهدكم أن تخرجوا في ثلاثمائة رجل إن كملوا فتفرّون بأنفسكم وتخرجون من بلادكم [ولا آمن من أن تكون الدّبرة عليكم] فعصوه. فلما بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ دعا أبا سلمة رضي اللَّه تعالى عنه وقال: «أخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها» . وعقد له لواء، وقال: «سر حتى ترد أرض بني أسد بن خزيمة، فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليكم جموعهم» . وأوصاه بتقوى اللَّه تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا. فخرج معه في تلك السرية خمسون ومائة رجل، ومعه الرجل الطائي دليلا، فأغذّ السير ونكب بهم عن سنن الطريق، وسار بهم ليلا ونهارا فسبقوا الأخبار وانتهوا إلى ذي قطن: ماء من مياه بني أسد وهو الذي كان عليه جمعهم. فأغاروا على سرح لهم فضمّوه وأخذوا رعاء لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم. فجاؤوا جمعهم فأخبروهم الخبر وحذروهم جمع أبي سلمة، وكثّروه عندهم، فتفرّق الجمع في كل وجه، وورد أبو سلمة الماء، فوجد الجمع قد تفرّق. فعسكر وفرّق أصحابه في طلب النّعم والشّاء. فجعلهم ثلاث فرق. فرقة أقامت معه وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى وأوعز إليهما ألا يمعنوا في الطلب وألا يبيّتوا إلا عنده إن سلموا، وأمرهم ألا يفترقوا واستعمل على كل فرقة عاملا منهم فآبوا إليه جميعا سالمين قد أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا. فانحدر أبو سلمة بذلك كله راجعا إلى المدينة ورجع معه الطائي. فلما ساروا ليلة قسّم أبو سلمة الغنائم وأخرج صفيّ رسول اللَّه ﷺ عبدا وأخرج الخمس وأعطى الطائي الدليل رضاه من المغنم ثم قسم ما بقي بين أصحابه فأصاب كل إنسان سبعة أبعرة، وقدم بذلك إلى المدينة ولم يلق كيدا. وذكر أبو عمر، وأبو عبيدة أن مسعود بن عروة قتل في هذه السرية.

стр. 2417

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عبد الأسد: بسين مهملة. قطن: بفتح القاف والطاء المهملة وبالنون جبل أو ماء بنجد. فيد: بفتح الفاء وسكون التحتية وبالدال المهملة. طليب: بضم الطاء المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وبالموحدة، وأبوه عمير بوزنه وعين وراء مهملتين. طليحة: بالتصغير وأسلم بعد ذلك. وسلمة: لم يسلم. قيس بن الحارث: لا أعلم له إسلاما. عميرة: بفتح العين المهملة وكسر الميم. الوتر: بكسر الواو وسكون الفوقية: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي. النّهبة: بضم النون وسكون الهاء وبالموحدة وتاء التأنيث والنّهبى بألف التأنيث المقصورة اسم للمنهوب. أغذّ السّير: بفتح الهمزة والغين والذال المشدّدة المعجمتين أي أسرع. نكب عن الطريق بالنون والكاف المخففة وزن نصر وفرح نكبا بالفتح والسكون عدل عنه. السّنن: هنا بفتح السين المهملة وبضمها وبضم أوله وفتح ثانيه جهة الطريق ونهجه. السّرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال السائم. أفلت: بالبناء للفاعل. سائرهم: أي باقيهم. شتّى: أي متفرقون يقال شتّ الشيء إذا تفرق.

стр. 2418

الباب الرابع عشر في بعثة ﷺ عبد اللَّه بن أنيس بن أسعد الجهني القضاعي الأنصاري السلمي، بفتحتين حليف بني سلمة. من الأنصار، رضي اللَّه تعالى عنه إلى سفيان بن خالد [بن نبيح] بعرنة روى أبو داود بإسناد حسن، والبيهقي [ (١) ] وأبو نعيم عن عبد اللَّه بن أنيس رضي اللَّه تعالى عنه، ومحمد بن عمر عن شيوخه، والبيهقي وأبو نعيم عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وعن عروة قال شيوخ محمد بن عمر: خرج عبد اللَّه بن أنيس من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول اللَّه ﷺ قالوا- واللفظ لمحمد بن عمر- «بلغ رسول اللَّه ﷺ أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ثم اللّحياني، وكان ينزل عرنة وما والاها في أناس من قومه، وغيرهم يريد أن يجمع الجموع إلى رسول اللَّه ﷺ فضوى إليه بشر كثير من أفناء الناس» . قال عبد اللَّه بن أنيس رضي اللَّه تعالى عنه: «دعاني رسول اللَّه ﷺ فقال: «إنه بلغني أن سفيان بن خالد بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة فأته فاقتله» . فقلت: يا رسول اللَّه صفه لي حتى أعرفه فقال: «آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته هبته وفرقت منه ووجدت له قشعريرة وذكرت الشيطان» . قال عبد اللَّه وكنت لا أهاب الرجال فقلت: يا رسول اللَّه، ما فرقت من شيء قط. فقال: «بلى آية ما بينك وبينه ذلك أن تجد له قشعريرة إذا رأيته» . قال: واستأذنت رسول اللَّه ﷺ أن أقول. فقال: «قل ما بدا لك» . وقال: «انتسب لخزاعة» . فأخذت سيفي ولم أزد عليه وخرجت أعتزي لخزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش. فلما رأيته هبته وعرفته بالنعت الذي نعت لي رسول اللَّه ﷺ . فقلت: صدق اللَّه ورسوله، وقد دخل وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا أمشي أومي برأسي إيماء. فلما دنوت منه قال: «من الرجل؟» . فقلت: «رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك عليه» . قال: «أجل إني لفي الجمع له» . فمشيت معه وحدّثته فاستحلى حديثي وأنشدته وقلت: «عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الآباء وسفّه أحلامهم» . قال: «لم ألق أحدا يشبهني ولا يحسن قتاله» . وهو يتوكأ على عصا يهدّ الأرض،. حتى انتهى إلى خبائه وتفرّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به. فقال: «هلمّ يا أخا خزاعة فدنوت منه. فقال: «اجلس» فجلست معه حتى إذا هدأ الناس ونام اغتررته. وفي أكثر الروايات أنه قال: «فمشيت

стр. 2419

معه حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف فقتله وأخذت رأسه. ثم أقبلت فصعدت جبلا. فدخلت غارا وأقبل الطلب من الخيل والرجال تمعج في كل وجه وأنا مكتمن في الغار، وضربت العنكبوت على الغار. وأقبل رجل معه إداوته ونعله في يده وكنت خائفا. فوضع إداوته ونعله وجلس يبول قريبا من فم الغار، ثم قال لأصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت إلى الإداوة فشربت ما فيها وأخذت النعلين فلبستهما. فكنت أسير الليل وأكمن النهار حتى جئت المدينة، فوجدت رسول اللَّه ﷺ في المسجد، فلما رآني قال: «أفلح الوجه» . فقلت: وأفلح وجهك يا رسول اللَّه» . فوضعت الرأس بين يديه وأخبرته خبري، فدفع إليّ عصا وقال: «تخصّر بها في الجنة فإن المختصّرين في الجنة قليل» . فكانت العصا عند عبد اللَّه بن أنيس حتى إذا حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوا العصا في أكفانه. ففعلوا ذلك. قال ابن عقبة: فيزعمون أن رسول اللَّه ﷺ أخبر بقتل عبد اللَّه بن أنيس، سفيان بن خالد، قبل قدوم عبد اللَّه بن أنيس رضي اللَّه تعالى عنه. تنبيهان الأول: تردّد الإمام محب الدين الطبري رحمه اللَّه تعالى في عبد اللَّه بن أنيس قاتل سفيان بن خالد لا معنى له، لأنه هو الجهني بلا تردد، وهو أشهر ذكرا من الخمسة الذين وافقوه في الاسم واسم الأب من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: أنيس: بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية. الجهني: بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون، القضاعي: بضم القاف وبالضاد المعجمة الساقطة وبالعين المهملة، وجهينة في قضاعة. الحليف: كأمير المحالف. بنو سلمة: بكسر اللام. سفيان: بالحركات الثلاث بعدها فاء. نبيح: بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالحاء المهملة. الهذلي: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة. عرنة: بضم العين المهملة وفتح الراء والنون فتاء تأنيث موضع بقرب عرفة موقف الحجيج.

стр. 2420

ضوى إليه: بالضاد المعجمة يضوي. الماضي بالفتح والمستقبل بالكسر ضويّا أوى إليه. أفناء الناس: كأحمال: أخلاطهم، يقال للرجل إذا لم يعرف من أي قبيلة هو: من أفناء القبائل. نخلة: بفتح النون وسكون الخاء المعجمة وباللام وتاء التأنيث اسم مكان. الآية: العلامة. فرقت: بفتح الفاء وكسر الراء فزعت. القشعريرة: انقباض الجلد واجتماعه. أن أقول: بسطت الكلام عليه في سرية كعب بن الأشرف. بدا لك: بلا همز أي ظهر لك. اعتزى: بالزاي انتمى. خزاعة: بضم الخاء المعجمة والزاي والعين المهملة: قبيلة كبيرة من العرب. الأحابيش: أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا، وتقدم في أحد مبسوطا. أجل: بالجيم واللام كنعم وزنا ومعنى. الخباء: بكسر الخاء المعجمة وبالموحدة والمدّ: بيت من بيوت الأعراب، قال أبو عبيد رحمه اللَّه تعالى لا يكون إلا من صوف أو وبر ولا يكون من شعر. هلمّ: اسم فعل بمعنى الدعاء إلى الشيء كما يقال تعال. يا أخا خزاعة: يا واحدا منهم. هدأ الناس: بهمزة مفتوحة في آخره: ناموا وسكنوا. اغتررته: بالغين المعجمة، أي أخذته في غفلة والغرّة الغفلة. يمعج: بفتح الفوقية وسكون الميم وفتح العين المهملة وبالجيم، قال في الصحاح المعج سرعة السير. الإداوة: بكسر أوله المطهرة. التّخصّر: بفتح الفوقية والخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة الاتكاء على قصب ونحوه.
следующие страницы →