الباب الثالث عشر في سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد رضي اللَّه تعالى عنه إلى قطن في أول المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول اللَّه ﷺ
وسببها إن رجلا من طيء اسمه الوليد بن زهير بن طريف قدم المدينة زائرا ابنة أخيه زينب، وكانت تحت طليب بن عمير بن وهب، فأخبر أن طليحة، وسلمة ابني خويلد تركهما قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم لحرب رسول اللَّه ﷺ . فنهاهم قيس بن الحارث بن عمير. فقال: «يا قوم واللَّه ما هذا برأي، ما لنا قبلهم وتر، وما هم نهبة لمنتهب [إن دارنا لعبيدة من يثرب، وما لنا جمع كجمع قريش، مكثت قريش دهرا تسير في العرب تستنصرها، ولهم وتر يطلبونه، ثم ساروا قد امتطوا الإبل وقادوا الخيل وحملوا السلاح مع العدد الكثير، ثلاثة آلاف مقاتل سوى أتباعهم] وإنما جهدكم أن تخرجوا في ثلاثمائة رجل إن كملوا فتفرّون بأنفسكم وتخرجون من بلادكم [ولا آمن من أن تكون الدّبرة عليكم] فعصوه.
فلما بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ دعا أبا سلمة رضي اللَّه تعالى عنه وقال: «أخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها» . وعقد له لواء، وقال: «سر حتى ترد أرض بني أسد بن خزيمة، فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليكم جموعهم» .
وأوصاه بتقوى اللَّه تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا. فخرج معه في تلك السرية خمسون ومائة رجل، ومعه الرجل الطائي دليلا، فأغذّ السير ونكب بهم عن سنن الطريق، وسار بهم ليلا ونهارا فسبقوا الأخبار وانتهوا إلى ذي قطن: ماء من مياه بني أسد وهو الذي كان عليه جمعهم. فأغاروا على سرح لهم فضمّوه وأخذوا رعاء لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم. فجاؤوا جمعهم فأخبروهم الخبر وحذروهم جمع أبي سلمة، وكثّروه عندهم، فتفرّق الجمع في كل وجه، وورد أبو سلمة الماء، فوجد الجمع قد تفرّق. فعسكر وفرّق أصحابه في طلب النّعم والشّاء. فجعلهم ثلاث فرق. فرقة أقامت معه وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى وأوعز إليهما ألا يمعنوا في الطلب وألا يبيّتوا إلا عنده إن سلموا، وأمرهم ألا يفترقوا واستعمل على كل فرقة عاملا منهم فآبوا إليه جميعا سالمين قد أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا. فانحدر أبو سلمة بذلك كله راجعا إلى المدينة ورجع معه الطائي.
فلما ساروا ليلة قسّم أبو سلمة الغنائم وأخرج صفيّ رسول اللَّه ﷺ عبدا وأخرج الخمس وأعطى الطائي الدليل رضاه من المغنم ثم قسم ما بقي بين أصحابه فأصاب كل إنسان سبعة أبعرة، وقدم بذلك إلى المدينة ولم يلق كيدا. وذكر أبو عمر، وأبو عبيدة أن مسعود بن عروة قتل في هذه السرية.
стр. 2417
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
عبد الأسد: بسين مهملة. قطن: بفتح القاف والطاء المهملة وبالنون جبل أو ماء بنجد.
فيد: بفتح الفاء وسكون التحتية وبالدال المهملة.
طليب: بضم الطاء المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وبالموحدة، وأبوه عمير بوزنه وعين وراء مهملتين.
طليحة: بالتصغير وأسلم بعد ذلك.
وسلمة: لم يسلم.
قيس بن الحارث: لا أعلم له إسلاما.
عميرة: بفتح العين المهملة وكسر الميم.
الوتر: بكسر الواو وسكون الفوقية: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي.
النّهبة: بضم النون وسكون الهاء وبالموحدة وتاء التأنيث والنّهبى بألف التأنيث المقصورة اسم للمنهوب.
أغذّ السّير: بفتح الهمزة والغين والذال المشدّدة المعجمتين أي أسرع.
نكب عن الطريق بالنون والكاف المخففة وزن نصر وفرح نكبا بالفتح والسكون عدل عنه.
السّنن: هنا بفتح السين المهملة وبضمها وبضم أوله وفتح ثانيه جهة الطريق ونهجه.
السّرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال السائم.
أفلت: بالبناء للفاعل.
سائرهم: أي باقيهم.
شتّى: أي متفرقون يقال شتّ الشيء إذا تفرق.
стр. 2418
الباب الرابع عشر في بعثة ﷺ عبد اللَّه بن أنيس بن أسعد الجهني القضاعي الأنصاري السلمي، بفتحتين حليف بني سلمة. من الأنصار، رضي اللَّه تعالى عنه إلى سفيان بن خالد [بن نبيح] بعرنة
روى أبو داود بإسناد حسن، والبيهقي [ (١) ] وأبو نعيم عن عبد اللَّه بن أنيس رضي اللَّه تعالى عنه، ومحمد بن عمر عن شيوخه، والبيهقي وأبو نعيم عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وعن عروة قال شيوخ محمد بن عمر: خرج عبد اللَّه بن أنيس من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول اللَّه ﷺ قالوا- واللفظ لمحمد بن عمر- «بلغ رسول اللَّه ﷺ أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ثم اللّحياني، وكان ينزل عرنة وما والاها في أناس من قومه، وغيرهم يريد أن يجمع الجموع إلى رسول اللَّه ﷺ فضوى إليه بشر كثير من أفناء الناس» .
قال عبد اللَّه بن أنيس رضي اللَّه تعالى عنه: «دعاني رسول اللَّه ﷺ فقال: «إنه بلغني أن سفيان بن خالد بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة فأته فاقتله» . فقلت: يا رسول اللَّه صفه لي حتى أعرفه فقال: «آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته هبته وفرقت منه ووجدت له قشعريرة وذكرت الشيطان» . قال عبد اللَّه وكنت لا أهاب الرجال فقلت: يا رسول اللَّه، ما فرقت من شيء قط. فقال: «بلى آية ما بينك وبينه ذلك أن تجد له قشعريرة إذا رأيته» . قال: واستأذنت رسول اللَّه ﷺ أن أقول. فقال: «قل ما بدا لك» . وقال: «انتسب لخزاعة» . فأخذت سيفي ولم أزد عليه وخرجت أعتزي لخزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش. فلما رأيته هبته وعرفته بالنعت الذي نعت لي رسول اللَّه ﷺ . فقلت: صدق اللَّه ورسوله، وقد دخل وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا أمشي أومي برأسي إيماء. فلما دنوت منه قال: «من الرجل؟» .
فقلت: «رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك عليه» . قال:
«أجل إني لفي الجمع له» . فمشيت معه وحدّثته فاستحلى حديثي وأنشدته وقلت: «عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الآباء وسفّه أحلامهم» . قال: «لم ألق أحدا يشبهني ولا يحسن قتاله» . وهو يتوكأ على عصا يهدّ الأرض،. حتى انتهى إلى خبائه وتفرّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به. فقال: «هلمّ يا أخا خزاعة فدنوت منه. فقال:
«اجلس» فجلست معه حتى إذا هدأ الناس ونام اغتررته.
وفي أكثر الروايات أنه قال: «فمشيت
стр. 2419
معه حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف فقتله وأخذت رأسه. ثم أقبلت فصعدت جبلا.
فدخلت غارا وأقبل الطلب من الخيل والرجال تمعج في كل وجه وأنا مكتمن في الغار، وضربت العنكبوت على الغار.
وأقبل رجل معه إداوته ونعله في يده وكنت خائفا. فوضع إداوته ونعله وجلس يبول قريبا من فم الغار، ثم قال لأصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت إلى الإداوة فشربت ما فيها وأخذت النعلين فلبستهما. فكنت أسير الليل وأكمن النهار حتى جئت المدينة،
فوجدت رسول اللَّه ﷺ في المسجد، فلما رآني قال: «أفلح الوجه» . فقلت: وأفلح وجهك يا رسول اللَّه» . فوضعت الرأس بين يديه وأخبرته خبري، فدفع إليّ عصا وقال: «تخصّر بها في الجنة فإن المختصّرين في الجنة قليل» .
فكانت العصا عند عبد اللَّه بن أنيس حتى إذا حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوا العصا في أكفانه. ففعلوا ذلك. قال ابن عقبة: فيزعمون أن رسول اللَّه ﷺ أخبر بقتل عبد اللَّه بن أنيس، سفيان بن خالد، قبل قدوم عبد اللَّه بن أنيس رضي اللَّه تعالى عنه.
تنبيهان
الأول: تردّد الإمام محب الدين الطبري رحمه اللَّه تعالى في عبد اللَّه بن أنيس قاتل سفيان بن خالد لا معنى له، لأنه هو الجهني بلا تردد، وهو أشهر ذكرا من الخمسة الذين وافقوه في الاسم واسم الأب من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
أنيس: بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية.
الجهني: بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون، القضاعي: بضم القاف وبالضاد المعجمة الساقطة وبالعين المهملة، وجهينة في قضاعة.
الحليف: كأمير المحالف.
بنو سلمة: بكسر اللام.
سفيان: بالحركات الثلاث بعدها فاء.
نبيح: بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالحاء المهملة.
الهذلي: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة.
عرنة: بضم العين المهملة وفتح الراء والنون فتاء تأنيث موضع بقرب عرفة موقف الحجيج.
стр. 2420
ضوى إليه: بالضاد المعجمة يضوي. الماضي بالفتح والمستقبل بالكسر ضويّا أوى إليه.
أفناء الناس: كأحمال: أخلاطهم، يقال للرجل إذا لم يعرف من أي قبيلة هو: من أفناء القبائل.
نخلة: بفتح النون وسكون الخاء المعجمة وباللام وتاء التأنيث اسم مكان.
الآية: العلامة.
فرقت: بفتح الفاء وكسر الراء فزعت.
القشعريرة: انقباض الجلد واجتماعه.
أن أقول: بسطت الكلام عليه في سرية كعب بن الأشرف.
بدا لك: بلا همز أي ظهر لك.
اعتزى: بالزاي انتمى.
خزاعة: بضم الخاء المعجمة والزاي والعين المهملة: قبيلة كبيرة من العرب.
الأحابيش: أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا، وتقدم في أحد مبسوطا.
أجل: بالجيم واللام كنعم وزنا ومعنى.
الخباء: بكسر الخاء المعجمة وبالموحدة والمدّ: بيت من بيوت الأعراب، قال أبو عبيد رحمه اللَّه تعالى لا يكون إلا من صوف أو وبر ولا يكون من شعر.
هلمّ: اسم فعل بمعنى الدعاء إلى الشيء كما يقال تعال.
يا أخا خزاعة: يا واحدا منهم.
هدأ الناس: بهمزة مفتوحة في آخره: ناموا وسكنوا.
اغتررته: بالغين المعجمة، أي أخذته في غفلة والغرّة الغفلة.
يمعج: بفتح الفوقية وسكون الميم وفتح العين المهملة وبالجيم، قال في الصحاح المعج سرعة السير.
الإداوة: بكسر أوله المطهرة.
التّخصّر: بفتح الفوقية والخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة الاتكاء على قصب ونحوه.
стр. 2421
الباب الخامس عشر في سرية الرجيع
كانت في صفر سنة ثلاث. واختلف في سببها وفي عدد رجالها فقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه كما في الصحيح وعروة، وابن عقبة كما رواه البيهقي عنهما أن رسول اللَّه ﷺ بعث عشرة عيونا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش وجزم ابن سعد بأنهم عشرة وسمى منهم سبعة:
١- عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.
٢- ومرثد بن أبي مرثد [ (١) ] كنّاز بن [حصين بن يربوع بن طريف الغنوي] .
٣- وعبد اللَّه بن طارق [حليف بني ظفر] .
٤- وخبيب بن عديّ [ (٢) ] [أحد بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف] .
٥- وزيد بن الدثنة [ (٣) ] [بن معاوية أخو بني بياضة بن عمرو بن زريق] .
٦- وخالد بن البكير [ (٤) ] [الليثي] .
٧- ومعتّب بن عبيد ويقال ابن عوف.
وذكرهم محمد بن عمر رحمه اللَّه تعالى ثم قال: «ويقال كانوا عشرة» . انتهى. والظاهر أن الثلاثة كانوا تبعا فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. وذكر ابن إسحاق أنهم كانوا ستة وهم [من ذكرنا] ما عدا معتّب. وذكر ابن عقبة، وابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد وغيرهم، ولفظ محمد بن عمر أحسن سياقا.
стр. 2422
قال نقلا عن شيوخه: «مشت بنو لحيان من هذيل، بعد قتل سفيان [بن خالد] بن نبيح الهذلي إلى عضل والقارة، وهما حيّان، فجعلوا لهم فرائض أن يقدموا على رسول اللَّه ﷺ فيكلّموه فيخرج إليهم نفرا من أصحابه يدعونهم إلى الإسلام. قالوا: فنقتل من أردنا ونسير بهم إلى قريش بمكة، فنصيب بهم ثمنا، فإنه ليس شيء أحب إليهم من أن يؤتوا بأحد من أصحاب محمد يمثلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر. فقدم سبعة نفر من عضل والقارة [وهما حيّان إلى خزيمة] مقرّين بالإسلام. فقالوا: (يا رسول اللَّه، إن فينا إسلاما فاشيا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يقرئوننا القرآن ويفقّهوننا في الإسلام) . فبعث معهم رسول اللَّه ﷺ سبعة نفر، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد، ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. قلت وهو الصحيح، فقد رواه البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه. فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا بالهدّة- وفي رواية بالهدأة بين عسفان ومكة.
قال أبو هريرة وعروة وابن عقبة: فغدروا بهم فنفروا لهم، وفي لفظ، فاستصرخوا عليهم قريبا من مائة رام، وفي رواية في الصحيح في الجهاد: «فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل» .
والجمع واضح بأن تكون المائة الأخرى غير رماة. وذكر أبو معشر في مغازيه أن الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم نزلوا بالرجيع سحرا، فأكلوا تمر عجوة فسقط نواة في الأرض وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون النهار. فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما فرأت النّويّ فأنكرت صغرهن، وقالت هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: «قد أتيتم، فاقتصوا آثارهم حتى نزلوا منزلا فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد ركنوا في الجبل، انتهى. فلم يرع القوم إلا بالرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم. فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد، وفي لفظ قردد، بواد يقال له غران.
وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: «لكم العهد والميثاق أن نزلتم إلينا ألّا نقتل منكم رجلا، إنّا واللَّه لا نريد قتلكم، إنما نريد أن نصيب منكم شيئا من أهل مكة» . فقال عاصم: «أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحم لحمي، اللهم أخبر عنا رسولك» .
قال إبراهيم بن سعد كما رواه أبو داود الطيالسي: «فاستجاب اللَّه تعالى لعاصم فأخبر رسول اللَّه ﷺ خبره وخبر أصحابه بذلك يوم أصيبوا» . وفي حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه كما في الصحيح: [ (١) ] وأخبر رسول اللَّه ﷺ يوم أصيبوا خبرهم، فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة [في نفر النّبل] . وبقي خبيب، وزيد، وعبد اللَّه بن طارق كما عند ابن
стр. 2423
إسحاق. قال ابن إسحاق وغيره: «فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد [بن شهيد] ، وأسلمت بعد ذلك، وكانت قد نذرت حين قتل ابنيها مسافع والجلاس ابني طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان عاصم قتلهما يوم أحد، لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ الخمر في قحفه، وجعلت لمن جاء به مائة ناقة، فمنعته الدّبر. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح: «وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر» ، قال الحافظ: «لعله عقبة بن أبي معيط فإن عاصما قتله صبرا بإذن رسول اللَّه ﷺ ، بعد أن انصرفوا من بدر، وكأن قريشا لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدّبر لها من أخذ رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك ورجوا أن تكون الدّبر تركته فيتمكنوا من أخذه» . انتهى.
فبعث اللَّه عليه مثل الظلة من الدّبر يطير في وجوههم ويلدغهم فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء. انتهى. فلما حالت بينهم وبينه، قالوا دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث اللَّه ﵎ الوادي فاحتمله فذهب به. وكان عاصم رضي اللَّه تعالى عنه قد أعطى اللَّه عهدا ألّا يمس مشركا ولا يمسّه مشرك، فبرّ اللَّه قسمه، فلم يروه ولا وصلوا منه إلى شيء.
وكان عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه يقول حين بلغه خبره: «يحفظ اللَّه ﵎ العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته» . وصعد خبيب وزيد، وعبد اللَّه الجبل، فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم العهد والميثاق، فنزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال عبد اللَّه بن طارق: «هذا أول الغدر واللَّه لا أصحبكم إن لي بهؤلاء القتلى أسوة» فجرّروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، كذا في الصحيح [ (١) ] .
وعند ابن إسحاق. وأما زيد بن الدّثنة وخبيب بن عديّ وعبد اللَّه بن طارق فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظّهران انتزع عبد اللَّه بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبروه بالظّهران، وانطلقوا بزيد وخبيب فباعوهما بمكة، قال والذي باعهما زهير، وجامع الهذليّان. قال ابن هشام باعوهما بأسيرين من هذيل [كانا بمكة] وقال محمد بن عمر: بيع الأول بمثقال ذهبا ويقال بخمسين فريضة، وبيع الثاني بخمسين فريضة ويقال اشترك فيه ناس من قريش ودخلوا بهما في شهر حرام في ذي القعدة فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم.
стр. 2424
ذكر قتل زيد بن الدثنة رضي اللَّه تعالى عنه
قال ابن إسحاق وابن سعد: فاشترى زيدا صفوان بن أمية، وأسلم بعد ذلك ليقتله بأبيه أمية بن خلف وحبسه عند ناس من بني جمح ويقال عند نسطاس غلامه. فلما انسلخت الأشهر الحرم بعثه صفوان مع غلامه نسطاس إلى التنعيم وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش، منهم أبو سفيان بن حرب. فقال أبو سفيان حين قدّم ليقتل: «أنشدك اللَّه يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟» قال: «واللَّه ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي» . فقال أبو سفيان: «ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا» . ثم قتله نسطاس، وأسلم بعد ذلك. وذكر ابن عقبة أن زيدا وخبيبا قتلا في يوم واحد وأن رسول اللَّه ﷺ سمع يوم قتلا وهو يقول: «وعليكما السلام» .
ذكر قصة قتل خبيب بن عدي رضي اللَّه تعالى عنه وما وقع في ذلك من الآيات
قال أبو هريرة كما في الصحيح [ (١) ] : «فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل» .
وقال ابن عقبة: «واشترك في ابتياع خبيب، زعموا أبا إهاب بن عزيز، وعكرمة بن أبي جهل، والأخنس بن شريق [ (٢) ] ، وعبيدة بن حكيم بن الأوقص، وأمية بن أبي عتبة، وصفوان بن أمية وبنو الحضرمي، وهم أبناء من قتل من المشركين يوم بدر» وقال ابن إسحاق: «فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل، وكان أخا الحارث بن عامر لأمه» . وقال ابن هشام: كان ابن أخته لا ابن أخيه عقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه الحارث. قال أبو هريرة كما في الصحيح: «وكان خبيب بن عدي قتل الحارث يوم بدر» . انتهى. فجلس خبيب في بيت امرأة يقال لها ماويّة مولاة حجير بن أبي إهاب، وأسلمت بعد ذلك فأساؤوا إساءة. فقال لهم: «ما يصنع القوم الكرام هنا بأسيرهم» فأحسنوا إليه بعد.
وروى ابن سعد عن موهب مولى الحارث أنهم جعلوا خبيبا عنده، فكأنه كان زوج ماويّة. قالت ماوية كما عند محمد بن عمر، وموهب كما عند ابن سعد أنهما قالا لخبيب:
«ألك حاجة؟» فقال: «نعم لا تسقوني إلا العذاب ولا تطعموني ما ذبح على النّصب وتخبروني إذا أرادوا قتلى» .
стр. 2425
وروى البخاري عن بعض بنات الحارث بن عامر، قال خلف في الأطراف: اسمها زينب، وابن إسحاق ومحمد بن عمر عن ماويّة قالت زينب: «ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وأنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقا رزقه اللَّه تعالى خبيبا» .
وقالت ماويّة: «اطلعت عليه من صير الباب وإنه لفي الحديد وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرّجل يأكل منه وما أعلم في أرض اللَّه تعالى عنبا يؤكل» . زاد محمد بن عمر:
كان خبيب يتهجّد بالقرآن فكان يسمعه النساء فيبكين ويرفقن عليه.
فلما انسلخت الأشهر الحرم، وأجمعوا على قتله قالت ماوية كما عند محمد بن عمر:
«فأتيته فأخبرته فو اللَّه ما اكترث بذلك» . وقال: «ابعثني بحديدة أستصلح بها» . قالت: «فبعثت إليه بموسى مع أبي حسين بن الحارث» . قال محمد بن عمر: وكانت تحضنه ولم يكن ابنها.
فلما ولّى الغلام قلت: «واللَّه أدرك الرجل ثأره، أيّ شيء صنعت؟ بعثت هذا الغلام بهذه الحديدة، فيقتله ويقول: رجل برجل» . فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: «لعمرك أما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة؟» ثم خلّى سبيله. فقلت: «يا خبيب إنما أمنتك بأمانة اللَّه» فقال خبيب: «ما كنت لأقتله وما نستحلّ في ديننا الغدر» .
وفي الصحيح عن أبي هريرة [ (١) ] : « [فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله] استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها فأعارته، قالت فغفلت عن صبي لي حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموسى. فقال:
«أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء اللَّه» . قال الحافظ: والجمع بين الروايتين أنه طلب الموسى من كل منهما، وكان الذي أوصله إليه ابن أحدهما. وأما ابن الذي خشيت عليه حين درج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فهذا غير الذي أحضر إليه الحديدة. واللَّه تعالى أعلم.
فأخرجوه في الحديد حتى انتهوا به إلى التنعيم، وخرج معه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة. فلم يتخلّف أحد إمّا موتور فهو يريد أن يتشفّى بالنظر من وتره، وإما غير موتور فهو مخالف للإسلام وأهله. فلما انتهوا به إلى التنعيم أمروا بخشبة طويلة فحفروا لها.
فلما انتهوا بخبيب إليها قال: «هل أنتم تاركي فأصلّي ركعتين؟» قالوا: نعم. فركع ركعتين أتمّهما من غير أن يطوّل فيهما. ثم أقبل على القوم فقال: «أما واللَّه لولا أن تظنوا أني إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة» .
стр. 2426
وذكر ابن عقبة رحمه الله تعالى أنه صلى الركعتين في موضع مسجد التنعيم. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، كما في الصحيح [ (١) ] : «فكان خبيب رضي الله تعالى عنه أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل» انتهى. ثم قال خبيب: «اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا» . قال معاوية بن أبي سفيان: «لقد حضرت مع أبي سفيان، فلقد رأيتني وإن أبا سفيان ليضجعني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب» . وكانوا يقولون أن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه. وقال حويطب بن عبد العزّى: وأسلم بعد ذلك: «لقد رأيتني أدخلت إصبعي في أذنيّ وعدوت هاربا فرقا أن أسمع دعاءه» ، وكذلك قال جماعة منهم.
فلما صلى الركعتين جعلوه على الخشبة ثم وجّهوه إلى المدينة وأوثقوه رباطا، ثم قالوا له: «ارجع عن الإسلام نخل سبيلك» . قال: «لا والله ما أحب أني رجعت عن الإسلام وأن لي ما في الأرض جميعا» . قالوا: «أفتحب أن محمدا في مكانك وأنت جالس في بيتك؟» قال: «لا والله ما أحب أن يشاك محمد شوكة وأنا جالس في بيتي» . فجعلوا يقولون: «ارجع يا خبيب» .
فقال: «لا أرجع أبدا» . قالوا: «أما واللات والعزى» لئن لم تفعل لنقتلنّك. فقال: «إن قتلى في الله لقليل» . ثم قال: «اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، الله إنه ليس هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلّغه أنت عني السلام» . فلما رفع على الخشبة استقبل الدعاء. وروى محمد بن عمر عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كان جالسا في أصحابه فأخذته غمية كما كانت تأخذه فلما نزل عليه الوحي سمعناه يقول: «وعليه السلام ورحمة الله وبركاته» . ثم قال: «هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام» .
وفي رواية أبي الأسود عن عروة: «فجاء جبرئيل إلى النبي ﷺ فأخبره فأخبر أصحابه بذلك» . قال ابن عقبة رحمه اللَّه تعالى: فزعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال ذلك اليوم وهو جالس:
«وعليك السلام، خبيب قتلته قريش» .
ثم دعا المشركون أربعين ولدا ممن قتل آباؤهم ببدر كفّارا، فأعطوا كل غلام رمحا وقالوا:
هذا الذي قتل آباؤكم، فطعنوه برماحهم طعنا خفيفا فاضطرب على الخشبة، فانقلب فصار وجهه إلى الكعبة، فقال: «الحمد للَّه الذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي لنفسه» ثم قتلوه رحمه اللَّه تعالى.
وفي حديث أبي هريرة: «ثم قام إليه أبو سروعة» - واسمه كما في الصحيح في غزوة بدر عن أبي هريرة، وجزم جماعة من أهل النسب أنه أبو سروعة أخو عقبة بن الحارث، وأسلم
стр. 2427
بعد ذلك- (فقتله) وذكر أبو عمر في الاستيعاب أن أبا صبيرة بن العبدري قتل خبيبا مع عقبة وصوابه أبو ميسرة كما عند ابن إسحاق رحمه اللَّه تعالى. وروى ابن إسحاق بسند صحيح عن عقبة بن الحارث قال: «لأنا كنت أضعف من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة. ثم طعنته بها حتى قتلته» وذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر وغيرهما أن خبيبا رضي اللَّه تعالى عنه حين رأى ما صنعوا به قال:
لقد جمّع الأحزاب حولي وألّبوا ... قبائلهم واستجمعوا كلّ مجمع
وكلّهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأنّي في وثاق مضيّع
وقد جمّعوا أبناءهم ونساءهم ... وقرّبت من جذع طويل ممنّع
وقد خيّروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إنّي لميّت ... ولكن حذاري حرّ نار تلفّع
إلى اللَّه أشكو غربتي ثمّ كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبّرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع
لعمرك ما آسي إذا متّ مسلما ... على أي جنب كان في اللَّه مصرعي
فلست بمبد للعدوّ تخشّعا ... ولا جزعا إنّي إلى اللَّه مرجعي
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن خبيبا رضي اللَّه تعالى عنه قال:
فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في اللَّه مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع
وروى الإمام أحمد بن عمرو بن أمية رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش قال: «فجئت خشبة خبيب وأنا أتخوّف العيون فرقيت- وفي لفظ فصعدت فيها- فحللت خبيبا فوقع إلى الأرض فانتبذت غير بعيد، فسمعت وجبة خلفي فالتفتّ فلم أر خبيبا، وكأنما ابتلعته الأرض فلم أر لخبيب أثرا حتى الساعة» وذكر أبو يوسف رحمه اللَّه تعالى في كتاب اللطائف عن الضحاك رحمه اللَّه تعالى أن رسول اللَّه ﷺ أرسل المقداد والزبير في إنزال خبيب عن خشبته ودخلا إلى التنعيم فوجدا حوله أربعين رجلا نشاوى فأنزلاه فحمله الزبير على فرسه وهو رطب لم يتغير منه شيء، فنذر بهم المشركون فلما لحقوهم قذفه الزبير فابتلعته الأرض فسمّي بليع الأرض.
وذكر القيرواني في حلى العليّ أن خبيبا لما قتل جعلوا وجهه إلى غير القبلة فوجدوه مستقبلا لها فأداروه مرارا ثم عجزوا فتركوه. وروى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى
стр. 2428
عنهما قال: «لما أصيبت السريّة التي كان فيها مرثد وعاصم بالرجيع قال رجال من المنافقين:
يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم» . فأنزل اللَّه في ذلك من قول المنافقين: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ [البقرة ٢٠٤] وهو مخالف لما يقوله بلسانه، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ [البقرة ٢٠٤] ، أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك وَإِذا تَوَلَّى أي خرج من عندك سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [البقرة ٢٠٥] أي لا يحب عمله ولا يرضاه. وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ [البقرة ٢٠٦] . كذا ذكر ابن إسحاق أن هذه الآيات نزلت في شأن هذه السرية، وذكر غيره أنها نزلت في الأخنس بن شريق واللَّه تعالى أعلم.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أي يبيع نفسه في الجهاد ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [البقرة ٢٠٧] قالوا نزلت هذه الآية في صهيب رضي اللَّه تعالى عنه.
تنبيهات
الأول: وقع في الصحيح في حديث: «وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر» .
واعتمد على ذلك البخاري، فذكر خبيب بن عدي فيمن شهد بدرا قال في الفتح وهو اعتماد متجه. وتعقب الحافظ أبو محمد الدمياطي، وتبعه في العيون بأن أهل المغازي لم يذكر أحد منهم أن خبيب بن عدي ممن شهد بدرا ولا قتل الحارث بن عامر، إنما ذكروا أن الذي قتل الحارث بن عامر ببدر هو خبيب بن إساف، وهو غير خبيب بن عدي وهو خزرجي، وخبيب بن عديّ أوسي. قال الحافظ: «ويلزم من الذي قال ذلك ردّ هذا الحديث الصحيح، فلو لم يقتل خبيب بن عدي الحارث بن عامر، ما كان لاعتناء آل الحارث بن عامر بأسر خبيب معنى، ولا بقتله مع التصريح في الحديث الصحيح أنهم قتلوه به. ولكن يحتمل أن يكونوا قتلوا خبيب بن عدي لكون خبيب بن إساف- بهمزة مسكورة وقد تبدل تحتية وبسين مهملة- قتل الحارث بن عامر، على عادتهم في الجاهلية بقتل بعض القبيلة عن بعض، ويحتمل أن يكون خبيب بن عدي شرك في قتل الحارث والعلم عند اللَّه.
الثاني: قال أبو هريرة كما في الصحيح: «فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل» وجزم بذلك خلائق لا يحصون. وقدمه في الإشارة ثم قال: وقيل أسامة بن زيد حين أراد المكري الغدر به، قلت كذا في نسختين من الإشارة: أسامة، وصوابه زيد بن حارثة والد أسامة كما في الروض: «قال أبو بكر بن أبي خيثمة حدثنا يحيى بن معين قال أخبرنا يحيى [بن عبد اللَّه] بن بكير قال حدثنا الليث بن سعد رحمه اللَّه تعالى قال: «بلغني أن زيد بن حارثة اكترى من رجل
стр. 2429
بغلا إلى الطائف واشترط عليه المكري أن ينزله حيث شاء قال فمال به إلى خربة فقال له انزل، فنزل فإذا في الخربة قتلى كثيرة. قال فلما أراد أن يقتله قال له: دعني أصلّي ركعتين. قال:
صلّ، فقد صلّى هؤلاء قبلك فلم تنفعهم صلاتهم شيئا. قال فلما صلّيت أتاني ليقتلني. قال فقلت: «يا أرحم الراحمين» . قال فسمع صوتا قال: لا تقتله. قال: فهاب ذلك فخرج يطلب أحدا فلم ير شيئا، فرجع إليّ، فناديت: يا أرحم الراحمين، ففعل ذلك ثلاثا. فإذا أنا بفارس على فرس في يده حربة من حديد في رأسها شعلة من نار فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتا. ثم قال لي: «لما دعوت المرّة الأولى يا أرحم الراحمين كنت في السماء السابعة. فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في السماء الدنيا فلما دعوت المرة الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك» . انتهى فهذا كما ترى غير متصل فلا يقاوم ما في الصحيح.
الثالث: قال السهيلي رحمه اللَّه تعالى: «وإنما صار فعل خبيب رضي اللَّه تعالى عنه سنّة [حسنة] . والسنّة إنما هي أقوال رسول اللَّه ﷺ وأفعاله وإقراره غيره على قول أو فعل لأن خبيبا فعلهما في حياة رسول اللَّه ﷺ فاستحسن ذلك من فعله.
الرابع: قال في الروض: «فإن قيل: فهل أجيبت فيهم دعوة خبيب؟ والدعوة على تلك الحال من مثل ذلك العبد مستجابة. قلنا: أصابت منهم من سبق في علم اللَّه أن يموت كافرا، ومن أسلم منهم فلم يعنه خبيب ولا قصده بدعائه، ومن قتل منهم كافرا بعد هذه الدعوة فإنما قتلوا بددا غير معسكرين ولا مجتمعين كاجتماعهم في أحد، وقبل ذلك في بدر، وإن كانت الخندق بعد قصة خبيب فقد قتل فيها منهم آحاد متبدّدون، ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع ولا معسكر غزوا فيه فنفذت الدعوة على صورتها وفيمن أراد خبيب رحمه اللَّه تعالى وحاشا له أن يكره إيمانهم وإسلامهم.
الخامس: قول سيدنا خبيب: «ذلك في ذات الإله» إلى آخره قال أبو القاسم الراغب:
«الذات تأنيث ذو وهي كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع وتضاف إلى الظاهر دون المضمر وتثنّى وتجمع ولا يستعمل شيء منها إلا مضافا وقد يسبقها لفظ الذات لعين الشيء، واستعملوها مفردة ومضافة وأدخلوا عليها الألف واللام وأجروها مجرى النفس والخاصة [فقالوا ذاته ونفسه وخاصته] وليس ذلك من كلام العرب» . وقال القاضي: ذات الشيء نفسه وحقيقته. وقد استعمل أهل الكلام «الذات» بالألف واللام وغلّطهم أكثر النحاة وجوزه بعضهم لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء، وجاء في الشعر لكنه شاذّ. وقال ابن برهان- بفتح الباء الموحدة- «إطلاق المتكلمين الذات في حق اللَّه تعالى من جهلهم لأن ذات تأنيث ذو، وهو جلّت عظمته لا يصح له إلحاق تأنيث، ولهذا امتنع أن يقال علّامة وإن كان
стр. 2430
أعلم العالمين» . قال: «وقولهم الصفات الذاتية جهل منهم أيضا لأن النسب إلى ذات دور» .
وقال التاج الكندي في الرد على الخطيب ابن نباتة [ (١) ] في قوله: كنه ذاته، ذات بمعنى صاحبة تأنيث ذو، وليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، وإطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس خطأ عند المحققين. وتعقّب بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الاسمية فلا محذور كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران ١١٩] أي بنفس الصدور.
وقد حكى المطرزيّ [ (٢) ] رحمه اللَّه تعالى أن كل ذات شيء وكل شيء ذات. وقال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى في تهذيبه: «مراد الفقهاء بالذات الحقيقية» وهذا اصطلاح المتكلمين وقد أنكره بعض الأدباء عليهم وقال إنه لا يعرف في لغة العرب ذات بمعنى الحقيقة [وإنما ذات بمعنى صاحبة] وهذا الإنكار منكر بل الذي قاله الفقهاء والمتكلمون صحيح فقد قال الإمام أبو الحسن الواحدي [في أول سورة الأنفال] في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ قال: [أبو العباس أحمد بن يحيى] ثعلب: معنى ذات بينكم أي الحالة التي بينكم فالتأنيث عنده للحالة [وهو قول الكوفيين] وقال الزّجّاج: معنى ذات بينكم حقيقة وصلكم والمراد بالبين الوصل فالتقدير: فأصلحوا حقيقة وصلكم. قال الواحدي: فذات عنده بمعنى النفس [كما يقال ذات الشيء ونفسه] . انتهى.
وعلى جواز ذلك مشى الإمام البخاري فقال في كتاب التوحيد من صحيحه: (باب ما يذكر في الذات والنعوت) [ (٣) ] . فاستعملها على نحو ما تقدم من أن المراد بها نفس الشيء وحقيقته على طريقة المتكلمين في حق اللَّه تعالى، ففرّق بين النعوت والذات واستدل البخاري على ذلك بقول خبيب السابق. وتعقبه السبكي رحمه اللَّه تعالى بأن خبيبا لم يرد بالذات الحقيقة التي هي مراد البخاري، وإنما مراده: في سبيل اللَّه أو في طاعته.
стр. 2431
قال الكرماني: وقد يجاب بأن غرضه إطلاق الذات في الجملة، قال في الفتح:
والاعتراض أقوى من الجواب. واستدل غيره
بقوله ﷺ : «لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله » [ (١) ] .
وفي رواية «كل ذلك في ذات الله تعالى» .
وبحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: «لا يفقه كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله تعالى»
[ (٢) ] . رواه برجال ثقات إلا أن فيه انقطاعا. يقول حسان بن ثابت:
وإنّ أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يجاهد في ذات الإله ويعدل
ونعقب بما تعقب به البخاري بأن المراد بالذات هنا الطاعة أو بمعنى حق أو من أجل فهي كقوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر ٥٦] .
وأصرح من ذلك كله
حديث ابن عباس مرفوعا: «تفكّروا في كل شيء ولا تفكّروا في ذات اللَّه»
[ (٣) ] . فإن الطاعة وما ذكر معها لا تأتي هنا. قال في الفتح: «فالذي يظهر جواز إطلاق ذات لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلمون ولكنه غير مردود إذا عرف أن المراد به النفس لثبوت لفظ النفس في الكتاب العزيز» . قلت حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما صريح بما ذهب إليه المتكلمون.
السادس: في بيان غريب ما سبق:
الرّجيع: بفتح الراء وكسر الجيم وسكون التحتية وبالعين المهملة: وهو ماء لهذيل.
العيون: جمع عين، وهو هنا الجاسوس.
ثابت: بالثاء المثلثة والموحدة والفوقية.
الأقلح: بالقاف والحاء المهملة.
مرثد: بفتح الميم وسكون الراء. وفتح المثلثة وبالدال المهملة ابن أبي مرثد اسمه.
خبيب: بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالموحدة.
الدّثنة: بفتح الدال المهملة وكسر الثاء المثلثة وتسكن فنون فتاء تأنيث من قولهم دثّن الطائر إذا طاف حول وكره ولم يسقط.
ابن البكير: بضم الموحدة وفتح الكاف وسكون التحتية وبالراء.
معتّب: بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة، ويقال بدله مغيث بغين معجمة فتحتية فثاء مثلثة، والأول أصح.
стр. 2432
لحيان: بفتح اللام وكسرها وبالحاء المهملة وبالنون، وهو ابن هذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية وباللام وهو ابن مدركة بن إلياس بن مضر. وذكر الهمذانيّ النسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم دخلوا في هذيل فنسبوا إليهم.
عضل: بفتح العين المهملة والضاد المعجمة وباللام بطن من بني الهون.
القارة: بالقاف والراء المخفّفة بعد الألف فتاء تأنيث بطن من بني الهون أيضا وينسبون إلى الدّسّ أيضا بدال وسين مهملتين.
الفرائض: جمع فريضة وهو البعير المأخوذ في الزكاة، سمّي فريضة لأنه فرض واجب على ربّ المال، ثم اتّسع فيه حتى سمّي البعير فريضة في غير الزكاة.
مثلث بالقتيل: مثلا من باب قتل وضرب إذا جدعته وظهر آثار فعلك عليه تنكيلا، والتشديد مبالغة.
البعث: اسم للمبعوث إليه أي المرسل والموجّه من باب تسمية المفعول بالمصدر.
النّفر: بفتح النون والفناء جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة أو إلى تسعة.
الهدّة: بفتح الهاء والدال المهملة تشدّد وتخفف، المفتوحتين، موضع بين عسفان ومكة. والهدأه لأكثر رواة الصحيح بسكون الدال بعدها همزة مفتوحة، وللكشميهنيّ بفتح الدال وتسهيل الهمزة.
عسفان: بضم العين وسكون السين المهملتين وبالفاء قرية جامعة على نحو أربعة برد من مكة.
نفروا لهم: خرجوا لقتالهم.
استصرخوا عليهم: استغاثوا.
أبو معشر: بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالراء.
وظلّوا يكمنون: يستترون.
أتيتم: بالبناء للمفعول.
اقتصّ أثره وتقصّصه: تتبّعه.
ركنوا في الجبل: من الركون وهو السكون إلى الشيء والميل إليه.
لم يرعهم إلا بالرجال: لم يبغتهم ويفجأهم.
غشوهم: بغين فشين معجمتين.
стр. 2433
أحسّ بهم: علم، هذه لغة القرآن، ووقع في بعض نسخ السيرة حسّ.
لجأوا إليه: بالهمزة في آخره: تحرّزوا واعتصموا.
الفدفد: بفاءين مفتوحتين ودالين مهملتين الأولى ساكنة: وهي الرابية المشرفة.
القردد: بقاف فاء ودالين مهملتين وهو الموضع المرتفع.
غرّان: بضم الغين المعجمة وتشديد الراء والنون: واد بين أمج وعسفان منازل بني لحيان.
في ذمة كافر: بكسر الذال المعجمة وتشديد الميم أمانته وعهده.
حمى: زيد عمرا إذا أجاره ومنعه.
سلافة: بضم السين المهملة وتخفيف اللام وبالفناء بنت سعد بن شهيد بضم الشين المعجمة وفتح الهاء، وصحّف من قال سلامة بالميم بدل الفاء.
مسافع: بضم الميم وسين مهملة وفاء مكسورة.
الجلاس: بضم الجيم وتخفيف اللام وبالسين المهملة.
العبدريّ: بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح الدال المهملة وبالراء.
قحف الرأس: بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وبالفاء أعلى الدّماغ.
الدّبر: بفتح الدال المهملة وسكون الموحدة وبالراء، وهو هنا الزّنابير والنّحل.
الظّلّة: بضم الظاء المعجمة المشالة وتشديد اللام المفتوحة هي السحابة.
حمته: بفتح الحاء المهملة والميم منعته منهم. بعث اللَّه تعالى الوادي أي السّيل.
صعد الجبل: علاه.
الغدر: هو ترك الوفاء بالعهد.
الأسوة: بكسر الهمزة وضمها القدوة.
القران: بكسر القاف وتخفيف الراء الحبل وهو القرن بفتح القاف والراء.
الظّهران: بفتح الظاء المعجمة المشالة وسكون الهاء، وهو مر الظهران وهو الذي تسميه العامة بطن مرّ.
دخل بهما: في شهر حرام بالبناء للمفعول.
ذو القعدة: بفتح القاف وتكسر شهر كانوا يقعدون فيه عن الأسفار.
стр. 2434
شرح غريب ذكر قتل زيد وخبيب رضي اللَّه تعالى عنهما
جمح: بجيم فميم فحاء مهملة مفتوحات، اغتر وغلب.
نسطاس: [بنون مفتوحة وسين وطاء مهملتين وألف وسين مهملة] .
التنعيم: بفتح أوله والفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالميم وهو المكان الذي يقال له الآن مساجد عائشة سمّي بذلك لأن عن يمينه جبلا يقال له نعيم وعن شماله جبل يقال له ناعم والوادي نعمان، وهو من الحلّ بين مرّ وسرف على فرسخين من مكة نحو المدينة.
الرّهط: بفتح الراء وسكون الهاء وفتحها وبالطاء المهملة، دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة ومنها إلى الأربعين رجلا.
أنشدك باللَّه تعالى: بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك به.
حجير: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية وبالراء.
إهاب: بكسر أوله وبالموحدة.
ابن عزيز: ضد ذليل.
الحليف: بفتح الحاء المهملة المعاهد بكسر الهاء.
نوفل: بنون مفتوحة فواو ساكنة ففاء مفتوحة فلام.
ماويّة: بواو مكسورة وتشديد التحتية في رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق، وفي رواية غيره عنه بالراء والتخفيف.
تسقوني العذب: أي الماء العذب.
النّصب: بفتح النون والصاد المهملة والموحدة.
القطف: بكسر القاف العنقود.
الثّمرة: بفتح الثاء المثلثة والميم.
صير الباب: بكسر الصاد المهملة وسكون التحية وبالراء أي شقّ الباب.
يتهجّد بالقرآن: أي يصلّي به في الليل.
يرققني: بتحتية مفتوحة فراء ساكنة فقافين الأولى مكسورة عليه أي برحمه.
انسلخت: أي الأشهر الحرم فرغت وخرجت.
أجمعوا على قتله: أي عزموا عليه.
стр. 2435
ما اكترث بذلك: بفوقية فراء فثاء مثلثة أي ما بالي به ولا يستعمل إلا في النفي.
بنو الحضرمي: العلاء وعامر وعمرو، وقتل عمرو كافرا في سرية عبد اللَّه بن جحش قتله واقد بن عبد اللَّه.
الاستحداد: حلق العانة بالحديد.
الموسى: يذكّر ويؤنّث ويجوز تنوينه وعدم تنوينه.
أبو حسين: هو ابن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف.
تحضنه: تضمّه إليها.
أدرك ثأره: لحقه والثأر بالثاء المثلثة وسكون الهمزة يقال ثأرت القتيل وثأرت به إذا قتلت قاتله.
لعمرك: بفتح اللام والعين المهملة أي وحياتك.
غفل: عن كذا بغين معجمة ففاء مفتوحتين شغل عنه وتلهّى.
درج الصبي: هو أبو حسين بن الحارث بن عامر.
الموتور: بالفوقية الذي قتل له قتيل.
وتر وترا: بكسر الواو وفتحها ومعناه هنا قتلت له قتيلا.
أما واللَّه: بفتح أوله وتخفيف الميم.
الجزع: كالتّعب ضد الصبر.
أحصهم عددا: بفتح الهمزة وبالحاء والصاد المهملتين أي أهلكهم بحيث لا تبقي من عددهم أحدا.
بددا: بفتح الموحدة ودالين مهملتين مفتوحتين أي متباعدين متفرقين عن أهليهم وأوطانهم ويحتمل أن يكون من قولهم بايعته بددا أي معارضة والمعنى عارضهم بقتلهم كما فعلوا بنا، ومن قولهم: مالك به بدّة أي طاقة والمعنى خذهم بحولك أخذة رابية، لكنه إنما أورده اللغويون منفيّا. قال في النهاية: «ويروى بكسر الباء جمع بدّة وهي الحصّة والنصيب أي اقتلهم حصصا مقسّمة لكل واحد منهم حصته ونصيبه [ويروى بالفتح] أي متفرقين في القتل واحدا بعد واحد من التبديد» .
قال ولا طائل تحت هذا المعنى. وقال في الروض: «فمن رواه بكسر الباء فهو جمع بدّة وهي الفرقة والقطعة من الشيء المتبدد ونصبه على الحال من المدعو عليهم، ومن رواه بفتح
стр. 2436
الموحدة فهو مصدر بمعنى التبدى أي ذوي بدد أي أصابت دعوة خبيب رضي اللَّه تعالى عنه من سبق في علم اللَّه تعالى أن يموت كافرا بعد هذه الدعوة فإنما قتلوا بددا غير معسكرين ولا مجتمعين، وإن كانت قصة الخندق بعد قصة خبيب رضي اللَّه تعالى عنه وحاشا للَّه أن ينكر إيمانهم وإسلامهم» .
لا تغادر: لا تترك.
الفرق: بالفاء والراء والقاف: الفزع بلفظه ومعناه.
رعي عليهم: بالبناء للمفعول.
حويطب: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الطاء المهملة وبالموحدة.
أخذته غمية: كما كان يأخذه إذا أنزل عليه الوحي.
أبو سروعة: بفتح السين المهملة أكثر من كسرها وبسكون الراء وفتح الواو وبالعين المهملة.
الأحزاب: جمع حزب وهي الطائفة. والأحزاب الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ألّبوا: أجمعوا.
القبائل: جمع قبيلة.
مجمع: مكان الاجتماع.
مجزع: بالجيم والزاي والعين المهملة من الجزع ضد الصّبر.
وما بي حذار الموت: أي ليس كلامي هذا خوفا من الموت.
تلمع: أي تضيء.
الكربة: بالضم اسم من كربة الأمر يكربه بالضم كربا إذا أخذ بنفسه والجمع كرب مثل غرفة وغرف.
أرصد: أعدّ.
بضّعوا: بتشديد الضاد المعجمة وبالعين المهملة قطّعوه، ويجوز بالتخفيف.
ياس: [لغة في بئس] انقطع رجاؤه.
مطمعي: أملي.
стр. 2437
الذات: هنا بمعنى الطاعة أو السبيل كما ذكره السبكي والكرماني لا بمعنى الحقيقة كما تقدم بسطه.
الأوصال: بالصاد المهملة واللام. الأعضاء.
الشّلو: بكسر الشين المعجمة وإسكان اللام وبالواو: العضو من اللحم، قاله أبو عبيدة.
وقال الخليل رحمه اللَّه تعالى هو الجسد لقوله في أوصال يعني أعضاء جسد إذ لا يقال أعضاء عضو.
الممزّع: بضم الميم الأولى وفتح الثانية والزاي المشددة وبالعين المهملة: المقطّع.
ما آسى: أي ما أحزن.
صعدت: بكسر العين في الماضي وبفتحها في المستقبل.
انتبذت: انفردت.
الوجبة: بفتح الواو وسكون الجيم وتاء التأنيث المربوطة.
حسبه جهنم: كافيه.
المهاد: أي بئس ما مهّد لنفسه في معاده، يقال مهّد لنفسه بالتخفيف والتشديد أي جعل لها مكانا ووطنا ممهّدا.
يشري نفسه: أي يبيعها بالجنة يبذلها بالجهاد.
الحرث: بحاء فراء مهملتين فمثلثة: الزّرع.
النّسل: بنون فسين مهملة فلام: الولد.
العزّة: بعين مهملة مكسورة فزاي: القوة.
شرح غريب شعر حسان رضي اللَّه تعالى عنه
وافاه: أشرف عليه.
ثمّ: بفتح المثلثة بمعنى هناك.
الحمام: بكسر الحاء وتخفيف الميم نذر الموت.
المنسكب: المرسل السائب.
لم يؤب: لم يرجع.
الصّقر: من الجوارح جمعه أصقر [وصقور] وصقورة وقال بعضهم الصقر ما يصيد من الجوارح كالشّاهين وغيره. وقال الزّجّاج يقع الصقر على كل صائد من البزاة والشواهين، وشبّه الرجل الشجاع به.
стр. 2438
السّجيّة: بفتح السين المهملة وكسر الجيم وسكون التحتية: الغريزة والجمع سجايا.
المحض: بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وبالضاد المعجمة: بالخالص وأراده هنا.
المؤتشب: بضم الميم وسكون الهمزة وفتح الفوقية وكسر الشين المعجمة وبالموحدة:
المختلط، والأشواب من الناس الأوباش، قال في التقريب وهم الضروب المتفرقون وقال في النهاية الأخلاط من الناس والرعاع بضم الراء. قال في المجمل هم السّفلة من الناس الحمقى.
هاج: تحرّك.
علّات: مشقّات.
العبرة: الدّمعة.
النّصّ: بفتح النون وبالصاد المهملة المشددة من النّصّ في السير وهو أرفعه.
كهيبة: بضم الكاف وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح الموحدة وبتاء تأنيث. قال في الإملاء قبيلة. وفي الروض: «جعل كهيبة كأنه اسم علم لأمّهم وهذا كما يقال بنو ضوطرى.
وبنو الغبراء وبنو درزة وهذا كله اسم لمن يسبّ وعبارة عن السّفلة من الناس، وكهيبة من الكهبة وهي الغبرة» .
الطيّة: بطاء مهملة مكسورة فتحتية مشدّدة ما انطوت عليه نيّتك من الجهة التي تتوجّه إليها.
الوعيد: التهديد.
لقحت الحرب: ازداد شرّها.
محلوبها: لبنها.
الصّابّ: العلقم.
تمرى: تمسح لتحلب.
المعصوصب: بميم مضمومة فعين فصادين بينهما واو مهملات فموحدة وهو هنا الجيش الكثير الشديد.
اللّجب: بالجيم: الكثير الأصوات.
стр. 2439
الباب السادس عشر في سرية المنذر بن عمرو [الساعدي] رضي الله تعالى عنه إلى بئر معونة وهي سرية القراء رضي الله تعالى عنهم، في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من الهجرة
روى الشيخان والبيهقي عن أنس، والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، والبخاري عن عروة بن الزبير، ومحمد بن إسحاق عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما، ومحمد بن عمر عن شيوخه، قال أنس في رواية قتادة كما في الصحيح أنّ رعلا وذكوان وعصيّة وبني لحيان أتوا رسول اللَّه ﷺ فزعموا أنهم قد أسلموا واستمدوه على عدوّهم. ورواه البخاري والإسماعيلي في مستخرجه في كتاب الوتر، واللفظ للإسماعيلي أن رسول اللَّه ﷺ بعث ناسا يقال لهم القراء وهم سبعون رجلا إلى أناس من المشركين بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ عهد فقتلهم قوم مشركون دون أولئك. وقال ابن إسحاق عن مشايخه، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب أسماء الطائفتين وإن أصحاب العهد بنو عامر، ورأسهم أبو براء عامر بن مالك، وإن الطائفة الأخرى من بني سليم وكان رأسهم عامر بن الطفيل العامري، وهو ابن أخي أبو براء.
فروى ابن إسحاق عن المغيرة بن عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن أبي بكر وغيرهما، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: قدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة العامري على رسول اللَّه ﷺ فأهدى إليه فرسين وراحلتين، فقال رسول اللَّه ﷺ : «لا أقبل هدية من مشرك» [ (١) ] .
وفي رواية: «إني نهيت عن زبد المشركين» [ (٢) ] . وعرض عليه رسول اللَّه ﷺ الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، وقال: «يا محمد إني أرى أمرك هذا حسنا شريفا وقومي خلفي، فلو أنك بعثت معي نفرا من أصحابك لرجوت أن يتّبعوا أمرك فإنهم إن اتّبعوك فما أعزّ أمرك» .
فقال رسول اللَّه ﷺ : «إني أخاف عليهم أهل نجد» .
فقال عامر: لا تخف إني لهم جار إن يعرض لهم أحد من أهل نجد. وخرج عامر بن مالك إلى ناحية نجد فأخبرهم أنه قد أجار أصحاب محمد ﷺ فلا تعرضوا لهم. وكان من الأنصار سبعون رجلا شببة يسمّون القرّاء.
كانوا إذا أمسوا أتوا ناحية من المدينة إلى معلّم لهم فتدارسوا القرآن وصلّوا حتى إذا كان وجه الصبح استعذبوا من الماء وحطبوا من الحطب فجاءوا به إلى حجر أزواج رسول اللَّه ﷺ .
стр. 2440
وفي رواية يحتطبون فيبيعونه ويشترون به [الطعام] لأهل الصّفّة وللفقراء. وفي رواية: ومن كان عنده سعة اجتمعوا واشتروا الشاة فأصلحوها فيصبح ذلك معلّقا بحجر أزواج رسول اللَّه ﷺ .
فكان أهلوهم يظنون أنهم في المسجد، وكان أهل المسجد يظنون أنهم في أهليهم [ (١) ] .
وذكر ابن عقبة رحمه اللَّه تعالى أنهم أربعون. وقال أنس كما في الصحيح أنهم سبعون كما سيأتي بيان ذلك. فبعثهم رسول اللَّه ﷺ وبعث معهم كتابا، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي. فخرج المنذر بن عمرو بدليل من بني سليم يقال له المطّلب [السّلمي] فخرجوا حتى إذا كانوا على بئر معونة عسكروا بها وسرحوا ظهرهم مع عمرو بن أمية الضّمري، والحارث بن الصّمّة فيما ذكره أبو عمر، وذكر ابن إسحاق وتبعه ابن هشام بدل الحارث المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح.
وبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول اللَّه ﷺ إلى عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر، فلما انتهى عامر إليهم لم يقرأوا الكتاب، ووثب عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر على حرام فقتلوه. وفي الصحيح عن أنس [ (٢) ] : «فتقدمهم خالي حرام بن ملحان ورجل أعرج قال ابن هشام اسمه كعب بن زيد، زاد البيهقي ورجل آخر من بني فلان. فقال لهما خالي حرام بن ملحان: «إذا تقدّمكم فكونا قريبا مني فإن أمنتوني حين أبلغهم عن رسول اللَّه ﷺ فأتيا، وإن قتلوني لحقتما بأصحابكما» .
فتقدم فأمّنوه فبينما هو يحدثّهم عن رسول اللَّه ﷺ إذا أومأوا إلى رجل منهم، فأتى من خلفه فطعنه فأنفذه فقال: «اللَّه أكبر فزت وربّ الكعبة» . ثم قال: «بالدم هكذا» فنضحه على وجهه [ (٣) ] . ونجا كعب بن زيد لأنه كان في جبل. واستصرخ عامر بن الطفيل عليهم ببني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم وقالوا: لن نخفر جوار أبي براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا.
فلما أبت بنو عامر أن تنفر مع عامر بن الطفيل استصرخ عليهم قبائل من بني سليم:
غصيّة ورعل وذكوان وزعب. فنفروا معه ورأسوه عليهم. فقال عامر بن الطفيل: أحلف باللَّه ما أقبل هذا وحده. فاتبعوا أثره حتى وجدوا القوم. فلما استبطئوا صاحبهم أقبلوا في أثرهم فلقيهم القوم. والمنذر بن عمرو معهم فأحاطوا بهم في رحالهم. فلما رآهم المسلمون أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم. وفي رواية قتادة عن أنس: فلما كانوا ببئر معونة قتلوهم
стр. 2441
وغدروا بهم. قال ابن إسحاق: «إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النّجار فإنهم تركوه وبه رمق فارتثّ من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا» .
وقال محمد بن عمر: وبقي المنذر بن عمرو فقالوا له: إن شئت آمنّاك. فقال: لن أعطي بيدي ولن أقبل لكم أمانا حتى آتي مقتل حرام [ثم برئ مني جواركم، فآمنوه حتى أتى مصرع حرام] ثم برئوا إليه من جوارهم. ثم قاتلهم حتى قتل. فذلك قول رسول اللَّه ﷺ : «أعنق ليموت» . وأقبل المنذر بن محمد بن عقبة كما ذكره ابن إسحاق وغيره. وقال ابن عمر:
الحارث ابن الصّمّة، وعمرو بن أمية بالسّرح، وقد ارتابا بعكوف الطير على منزلهم [أو قريب من منزلهم] فجعلا يقولان: قتل واللَّه أصحابنا فأوفيا على نشز من الأرض، فإذا أصحابهما مقتولون وإذا الخيل واقفة. فقال المنذر بن محمد بن عقبة أو الحارث بن الصّمّة [لعمرو بن أمية] : «ما ترى؟» قال: «أرى أن نلحق برسول اللَّه ﷺ فنخبره الخبر» . فقال الآخر: «ما كنت لأتأخر عن موطن قتل فيه المنذر، ما كنت لتخبرني عنه الرجال» . فأقبلا فلقيا القوم فقاتلهم الحارث حتى قتل منهم اثنين، ثم أخذوه فأسروه وأسروا عمرو بن أمية. وقالوا للحارث: «ما تحب أن نصنع بك؟ فإنا لا نحب قتلك» . قال: «أبلغوني مصرع المنذر بن عمرو، وحرام بن ملحان ثم برئت مني ذمتكم» . قالوا: «نفعل» . فبلغوا به ثم أرسلوه فقاتلهم فقتل منهم اثنين، ثم قتل، وما قتلوه حتى شرعوا له الرماح فنظموه فيها. وأخبرهم عمرو بن أمية وهو أسير في أيديهم إنه من مضر ولم يقاتل، فقال عامر بن الطفيل: «أنه قد كان على أمّي نسمة فأنت حرّ عنها» .
وجزّ ناصيته.
ذكر مقتل عامر بن فهيرة وما وقع في ذلك من الآيات
روى البخاري من طريق هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال: «لما قتل الذين قتلوا ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية، قال عامر بن الطفيل لعمرو من هذا؟ وأشار إلى قتيل فقال هذا عامر بن فهيرة فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع» .
وروى محمد بن عمر عن أبي الأسود عن عروة أن عامر بن الطفيل قال لعمرو بن أمية:
هل تعرف أصحابك؟ قال: نعم، قال فطاف في القتلى وجعل يسأله عن أنسابهم. فقال: هل تفقد منهم أحدا؟ قال: أفقد مولى لأبي بكر يقال له عامر بن فهيرة فقال: كيف كان فيكم؟
قال: قلت: كان من أفضلنا ومن أول أصحاب نبينا فقال: ألا أخبرك خبره؟ وأشار إلى رجل فقال هذا طعنه برمحه ثم انتزع رمحه فذهب بالرجل علوا في السماء حتى ما أراه. وكان الذي طعنه رجل من بني كلاب يقال له جبّار بن سلمى وأسلم بعد ذلك. وذكر أبو عمر في الاستيعاب
стр. 2442
في ترجمة عامر بن فهيرة أن عامر بن الطفيل قتله، مع ذكره في ترجمة جبّار أنه هو الذي قتل ابن فهيرة واللَّه أعلم.
وروى البيهقي عنه أنه قال لما طعنته: فزت ورب الكعبة، قلت في قلبي: ما معنى قوله:
«فزت» ، أليس قد قتلته؟ قال: فأتيت الضحّاك بن سفيان الكلابي، فأخبرته بما كان وسألته عن قوله فزت، فقال بالجنة. فقلت ففاز لعمر اللَّه. قال وعرض عليّ الإسلام فأسلمت ودعاني إلى الإسلام ما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة من رفعه إلى السماء علوا. وكتب الضحّاك بن سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ يخبره بإسلامي وما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة
فقال رسول اللَّه ﷺ .
«إن الملائكة وارت جثته وأنزل علّيّين»
[ (١) ] قال البيهقي رحمه اللَّه تعالى: يحتمل أنه رفع ثم وضع ثم فقد بعد ذلك، ليجتمع مع رواية البخاري السابقة عن عروة، فإن فيها ثم وضع، فقد رويناه في مغازي موسى بن عقبة في هذه القصة. قال فقال عروة لم يوجد جسد عامر، يروون أن الملائكة وارته. ثم رواه البيهقي عن عائشة موصولا بلفظ (لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى أني لا نظر إلى السماء بينه وبين الأرض) [ (٢) ] ولم يذكر فيها ثم وضع. قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى: فقويت الطرق وتعددت لمواراته في السماء.
وقال ابن سعد: أخبرنا الواقدي حدثني محمد بن عبد اللَّه عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنهم: قالت: «رفع عامر بن فهيرة إلى السماء ثم لم توجد جثته يروون أن الملائكة وارته ورواه ابن المبارك عن يونس عن ابن شهاب الزهري عن عروة.
ذكر إعلام اللَّه ﵎ رسوله ﷺ بخبر أصحابه وما نزل في ذلك من القرآن ووجد رسول اللَّه ﷺ عليهم.
روى الشيخان والإمام أحمد والبيهقي عن أنس، والبيهقي عن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنهم، والبخاري عن عروة أن ناسا جاءوا إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجالا يعلّمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لها القراء، فتعرضوا لهم وقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان. قالوا: «اللهم بلغ عنا نبينا- وفي لفظ إخواننا- إنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا» فأخبرنا جبرئيل رسول اللَّه ﷺ بذلك فقام رسول اللَّه ﷺ فحمد اللَّه وأثنى عليه فقال: «إن إخوانكم قد لقوا المشركين واقتطعوهم فلم يبق منهم أحد، وإنهم قالوا: ربنا بلغ قومنا إنا قد رضينا ورضي عنا وأنا رسولهم إليكم إنهم قد رضوا ورضي عنهم» .
قال أنس: فكنا نقرأ أن بلّغوا قومنا عنا أن قد لقينا ربّنا فرضي عنا وأرضانا ثم نسخ بعد،
стр. 2443
فدعا رسول اللَّه ﷺ أربعين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصيّة الذين عصوا اللَّه ورسوله. وفي رواية عن أنس في الصحيح: «فدعا عليهم رسول اللَّه ﷺ شهرا في صلاة الغداة بعد القراءة، وفي رواية بعد الركوع، وذلك بعد القنوت وما كنا نقنت» . وفي رواية الإمام أحمد قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه: فما رأيت رسول اللَّه ﷺ وجد على شيء وجده عليهم، فلقد رأيت رسول اللَّه ﷺ كلما صلى الغداة رفع يده فدعا عليهم. فلما كان بعد ذلك، إذا أبو طلحة يقول: «هل لك في قاتل حرام؟» قلت: ما له؟ فعل اللَّه تعالى به وفعل. قال: مهلا فإنه قد أسلم.
ذكر من استشهد يوم بئر معونة رضي اللَّه تعالى عنهم
١- عامر بن فهيرة [ (١) ] : بضم الفاء وفتح الهاء وسكون التحتية وبالراء وتاء التأنيث، [مولى أبي بكر الصديق، أسلم قبل أن يدخل رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم] .
٢- الحكم بن كيسان [ (٢) ] : الحكم بفتحتين وكيسان بفتح الكاف وسكون التحتية وبالسين المهملة وبالنون مولى بني مخزوم.
٣- المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح: المنذر بلفظ اسم الفاعل والدال المعجمة، وأحيحة بمهملتين مصغّر. وذكر ابن عائذ أنه استشهد ببني قريظة.
٤- أبو عبيدة بن عمرو بن محصن: محصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون.
٥- الحارث بن الصّمّة: [بن عمرو بن عتيك الأنصاري الخزرجي ثم النجاري ولقبه مبذول بن مالك] والصّمّة بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم.
٦- أبيّ بن معاذ بن أنس بن قيس: أبيّ بضم أوله وفتح الموحدة وتشديد التحتية.
٧- وأخوه أنس: وابن إسحاق وابن عقبة يسمّيانه أوسا ومحمد بن عمر يقول إن أنسا هذا مات في خلافة عثمان.
٨- أبو شيخ بن أبي ثابت: عند ابن إسحاق، وقال ابن هشام أبو شيخ اسمه أبيّ بن ثابت فعلى قول ابن إسحاق هو ابن أخي حسان بن ثابت وعلى قول ابن هشام هو أخوه.
стр. 2444
٩- ١٠- حرام بن ملحان: حرام بفتح الحاء والراء المهملتين وسليم بن ملحان:
سليم بالتصغير ابنا ملحان بفتح الميم وكسرها وهو أشهر، واسمه مالك، وهما خالا أنس بن مالك.
١١- ١٢- سفيان بن ثابت: سفيان بالحركات الثلاث في السين المهملة وبالفاء ومالك بن ثابت وهما ابنا ثابت من بني النّبيت بفتح النون وكسر الموحدة وسكون التحتية انفرد بذكرهما محمد بن عمر.
١٣- عروة بن أسماء بن الصلت: عروة بضم العين المهملة والصّلت بفتح الصاد المهملة وسكون اللام والفوقية.
١٤- قطبة بن عبد عمرو بن مسعود بن عبد الأشهل: قطبة بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالموحدة والأشهل بالشين المعجمة.
١٥- المنذر بن عمرو بن خنيس: بضم الخاء المعجمة وفتح النون وسكون التحتية وبالسين المهملة.
١٦- معاذ بن ماعص بن قيس: ما عص بعين فصاد مهملتين وزن عالم، ذكره محمد بن عمر فيهم. وغيره يقول جرح معاذ ببدر ومات بالمدينة.
١٧- وأخوه عائذ: بالتحتية والذال المعجمة وقيل مات باليمامة.
١٨- مسعود بن سعد بن قيس [ (١) ] : ذكره محمد بن عمر، وأما ابن القدّاح فقال مات بخيبر.
١٩- خالد بن ثابت بن النعمان [ (٢) ] : وقيل استشهد بمؤتة.
٢٠- سفيان بن حاطب بن أمية: حاطب بالحاء والطاء المكسورة المهملتين وبالموحدة.
٢١- سعد بن عمرو بن ثقف: بفتح الثاء المثلثة فقاف ساكنة ففاء، واسمه كعب بن مالك.
٢٢- ٢٣- وابنه الطفيل، وابن أخيه: سهل بن عامر بن سعد بن عمرو بن ثقف.
٢٤- عبد اللَّه بن قيس بن صرمة بن أبي أنس: صرمة بكسر الصاد المهملة والراء والميم وتاء مربوطة.
стр. 2445
٢٥- نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي: وفيه يقول عبد الله بن رواحة يرثيه:
رحم الله نافع بن بديل ... رحمة المبتغي ثواب الجهاد
صابرا صادق اللّقاء إذا ما ... أكثر القوم قال قول السّداد
ووقع في بعض نسخ العيون فوات الجهاد بالفاء أخت القاف وهو تصحيف من الناسخ.
وهذا ما ذكره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه ذيل المذيل. وزاد ابن سعد الضحاك ابن عبد عمرو بن مسعود، وهو أخو قطبة. وزاد ابن القدّاح عمير بن معبد بن الأزعر، بالزاي والعين المهملة وسماه ابن إسحاق عمرا. وزاد ابن الكلبي: خالد بن كعب بن عمرو بن عوف. وزاد أبو عمر [النمري في الاستيعاب] سهيل بن عامر بن سعد، قال في العيون: «وأظنه سهل بن عامر الذي ذكرناه [على أنه ذكر ذلك في ترجمتين إحداهما في باب سهل والأخرى في باب سهيل] والمختلف في قتله [في هذه الواقعة مختلف في حضوره] فأرباب المغازي متفقون على أن الكل قتلوا إلا عمرو بن أمية الضّميريّ، وكعب بن زيد بن قيس فإنه جرح يوم بئر معونة ومات بالخندق» . انتهى. ونقل في الإصابة عن عروة أن سهيلا عم سهل أو أخوه. فصحّ ما قاله أبو عمر النّمريّ.
ذكر رجوع عمرو بن أمية الضميري إلى رسول الله ﷺ ليخبره خبر أصحابه
ورجع عمرو بن أمية إلى رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر ثم من بني كلاب أو من بني سلمة، حتى نزلا معه في ظل هو فيه. وكان مع العامريين عقد من رسول اللَّه ﷺ وجوار، ولم يعلم به عمرو. فسألهما حين نزلا: ممّن أنتما؟ فقالا من بني عامر. فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ .
فلما قدم عمرو بن أمية على رسول اللَّه ﷺ أخبره الخبر فقال رسول اللَّه ﷺ : «لقد قتلت قتيلين لأدينّهما» ثم قال رسول اللَّه ﷺ : «هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا» .
فبلغ ذلك أبا براء، فشقّ عليه إخفار عامر بن الطفيل إياه وما أصاب أصحاب رسول اللَّه ﷺ بسببه وجواره. وقال حسان بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه يحرّض بني أبي براء على عامر بن الطفيل:
بني أمّ البنين ألم يرعوكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدي
стр. 2446
أبوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد
قال ابن هشام: أم البنين [ (١) ] بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وهي أم أبي براء وحكم بن سعد من القين بن جسر. قال ابن إسحاق: فحمل ربيعة بن عامر بن مالك، على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح، فوقع في فخذه فأشواه ووقع عن فرسه، فقال: هذا عمل أبي براء، إن أمت فدمي لعمّي فلا يتبعنّ به وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتى إليّ.
وقال حسان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة:
على قتلى معونة فاستهلّي ... بدمع العين سحّا غير نزر
على خيل الرسول غداة لاقوا ... ولاقتهم مناياهم بقدر
أصابهم الفناء بعقد قوم ... تخوّن عقد حبلهم بغدر
فيا لهفي لمنذر إذ تولّى ... وأعنق في منيّته بصبر
فكائن قد أصيب غداة ذاكم ... من ابيض ماجد من سرّ عمرو
تنبيهات
الأول: ذكر أبا براء في الصحابة خليفة بن خياط- بالخاء المعجمة والتحتية المشددة- والبغوي وابن البرّقي، والعسكري، وابن نافع، والباوردي- بالموحدة- وابن شاهين، وابن السّكن، وقال الدارقطني [ (٢) ] : له صحبة.
وروى عمر بن شبة [ (٣) ]- بفتح الشين المعجمة وتشديد الموحدة- في كتاب الصحابة له عن مشيخة من بني عامر، قالوا: قدم على رسول اللَّه ﷺ خمسة وعشرون رجلا من بني جعفر، ومن بني بكر، فيهم عامر بن مالك الجعفري، فنظر إليهم رسول اللَّه ﷺ فقال: «قد استعملت عليكم هذا» وأشار إلى الضحّاك بن سفيان الكلابي وقال لعامر بن مالك بن جعفر: «أنت على بني جعفر» وقال للضحّاك:
«استوص به خيرا»
قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: «فهذا يدل على انه وفد بعد ذلك مسلما» . إذا علمت ذلك فقول الذهبي في التجريد الصحيح: إنه لم يسلم، فيه نظر.
стр. 2447
الثاني: في الصحيح أن القرّاء كانوا سبعين رجلا وعند ابن إسحاق أربعين قال الحافظ:
ووهم من قال إنهم ثلاثون، وما في الصحيح هو الصحيح. ويمكن الجمع بأن الأربعين كانوا رؤساء، وبقيّة العدّة كانوا أتباعا وجرى على ذلك في الغرر وزاد أن رواية القليل لا تنافي رواية الكثير وهو من باب مفهوم العدد وكذا قول من قال ثلاثين.
الثالث: انفرد المستغفري [ (١) ] بذكر عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر الكلابي في الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم. قال الحافظ: (وهو خطأ صريح فإن عامرا مات كافرا وقصته معروفة [ (٢) ] أي كما سيأتي بيان ذلك. وقال في النور: أجمع أهل النقل على أن عامر بن الطفيل مات كافرا وما ذكره المستغفري خطأ) انتهى.
الرابع: قول أنس: «ثم نسخ بعد» قال السهيلي: «فثبت هذا في الصحيح وليس عليه رونق الإعجاز. فيقال إنه لم ينزل بهذا النظم معجز كنظم القرآن، فإن هذا خبر، والخبر لا يدخله النسخ. قلنا لم ينسخ منه الخبر وإنما نسخ منه الحكم فإن حكم القرآن أن يتلى به في الصلاة وألّا يمسّه إلا طاهر، وأن يكتب بين اللوحين، وأن يكون تعلّمه من فروض الكفاية.
فكل ما نسخ ورفعت منه هذه الأحكام وإن بقي محفوظا فإنه منسوخ [فإن تضمّن حكما جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولا به] ، وإن تضمن خبرا جاز أن يبقى ذلك الخبر مصدّقا به وأحكام التلاوة منسوخة عنه» .
الخامس: وقع في الصحيح في رواية أنس: «دعا رسول اللَّه ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا، على رعل ولحيان وعصيّة» [ (٣) ] إلى آخره. قال الحافظ أبو محمد الدمياطي وتبعه في العيون كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوهم أن بني لحيان كانوا ممن أصاب القرّاء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصيّة ومن صحبهم من سليم. وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع. وإنما أتى الخبر إلى رسول اللَّه ﷺ عنهم كلهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا الصحابة في الموضعين دعاء واحدا. وذكر محمد بن عمر أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاء إلى رسول اللَّه ﷺ في ليلة واحدة.
стр. 2448
السادس: في بيان غريب ما سبق:
بئر معونة: بميم مفتوحة فعين مهملة مضمومة فواو ساكنة فنون فتاء تأنيث، موضع في بلاد هذيل بين مكة وعسفان.
رعل: بكسر الراء وسكون العين المهملة وباللام، بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف- بالفاء- ابن مالك بن إمرئ القيس بن بهثة بضم الموحدة وسكون الهاء وبالثاء المثلثة فتاء تأنيث.
ذكوان بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف وبالواو والألف، بطن من بني سليم أيضا.
عصيّة. بضم العين وفتح الصاد المهملتين وتشديد التحتية فتاء تأنيث: قبيلة.
لحيان: بفتح اللام وكسرها وسكون الحاء المهملة وبالتحتية والنون.
استمدّه: طلب منه مدّه.
أبو براء: بفتح الموحدة وبالراء والمدّ ملاعب الأسنة: وهي الرماح لقّب بذلك مبالغة في وصفه بالشجاعة.
زبد المشركين: الزّبد بفتح الزاي وسكون الباء الرّفد والعطاء يقال منه زبده يزيده بالكسر فأما يزبده بالضم فهو إطعام الزّبد. قال الخطّابي: يشبه أن يكون هذا الحديث «إنا لا نقبل زبد المشركين» منسوخا لأنه قد قبل هدية غير واحد من المشركين [أهدى له المقوقس مارية والبغلة وأهدى له أكيدر دومة فقبل منهما] وقيل إنما ردّ هديته ليغيظه بردّها فيحمله ذلك على الإسلام، وقيل ردّها لأن للهديّة موضعا من القلب ولا يجوز عليه أن يميل بقلبه إلى مشرك، فردّها قطعا لسبب الميل، وليس ذلك مناقضا لقبوله هدية النجاشي والمقوقس وأكيد لأنهم أهل كتاب» .
وقال السهيلي في غزوة تبوك: قال ﷺ : «إني نهيت عن زبد المشركين»
ولم يقل عن هديتهم. لأنه إنما كره ملاينتهم ومداهنتهم إذا كانوا حربا له لأن الزّبد مشتقّ من الزّبد كما أن المداهنة مشتقّة من الدّهن فعاد المعنى إلى معنى اللين والملاينة ووجوب الجدّ في حربهم والمخاشنة وسيأتي في سيرته ﷺ في الهدية زيادة على ذلك.
ولم يبعد: بفتح أوله وضم العين.
رجوت: بضم التاء على المتكلم.
نجد: ما أشرف من الأرض.
стр. 2449
أنا لهم جار: أي هم في ذمامي وعهدي وجواري.
أن يعرض: بفتح الهمزة.
شببة: بفتح الشين المعجمة والموحدتين، جمع شاب وهو من دون الكهولة.
استعذبوا الماء: استقوه عذبا.
الحجر: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة وهي البيت.
المنذر: بالذال المعجمة بلفظ اسم الفاعل.
السّاعدي: بسين وعين ودال مهملات.
من بني سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام.
عسكروا بها: جمعوا عسكرهم أي جيشهم بها.
سرحوا: أرسلوا.
الظّهر: أي الركاب التي تحمل الأثقال في السفر.
حرام: ضد حلال.
ملحان: بفتح الميم وكسرها وهو أشهر.
عامر بن الطفيل: بن مالك ابن أخي أبي براء مات كافرا.
أومئوا: الإيماء الإشارة ببعض الأعضاء كالرأس واليد والعين والحاجب، يقال أومأت إليه بالهمز أومئ إيماء ووميت لغة فيه ولا يقال أوميت.
أنفذه: أي الرمح حتى خرج منه من الجانب الآخر.
الفوز: بفاء فواو فزاي: النجاة والظّفر بالخير أي فاز بالشهادة.
ثم قال بالدم: من إطلاق القول على الفعل وفسّره بأنه نضحه على وجهه بنون فضاد معجمة فحاء مهملة مفتوحات أي رشّه عليه.
استصرخ عليه: استغاث.
لن نخفر: بضم النون وكسر الفاء، يقال أخفره إذا نقض عهده وذمامه، رباعي. وخفره ثلاثي إذا أوفى بعهده وحفظه.
الجواز: بضم الجيم وكسرها الأمان.
زعب: بكسر الزاي وسكون العين المهملة وبالموحدة، بطن من سليم ينتسبون إلى زعب.
стр. 2450
رأسوه: عليهم براء مفتوحة فهمزة مشددة فسين مهملة مضمومة أي شرّفوه وعظّموا قدره.
حتى قتلوا: بالبناء للمفعول.
الرمق: بفتح الراء والميم وبالقاف: بقية الحياة.
ارتثّ: بهمزة وصل فإن ابتدأت بها ضممتها فثاء وبالبناء للمفعول أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق.
بريء من كذا: بفتح الموحدة وكسر الراء وبالهمز، تخلّص وتنزّه وتباعد.
المعنق ليموت: بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر النون وبالقاف: أي المتقدم أو المسرع وإنما لقّب بذلك لتقدمه أو لإسراعه إلى الشهادة.
السرح: بسين مفتوحة وحاء مهملتين بينهما راء ساكنة: المال السّائم.
ارتابا: خافا.
عكوف الطير: إقامتها.
أوفيا: بفتح أوله وسكون الواو وفتح التحتية: أشرفا.
النّشز: بفتح النون والشين المعجمة وقد تسكّن وبالزاي: المرتفع من الأرض.
مصرع حرام: مكان صرعه أي قتله.
أشرعوا الرماح: أمالوها إليه.
نظموه بها: اختلعوه بالرماح.
من مضر: بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وبالراء: حيّ من العرب.
النّسمة: بفتح النون والميم والسين المهملة بينهما: المراد به الإنسان هنا.
جزّ: قطع الناصية والناصية منبت الشعر من مقدّم الرأس ويطلق على الشعر وهو المراد هنا.
شرح غريب ذكر مقتل عامر بن فهيرة رضي اللَّه تعالى عنه وإعلامه ﵎ بذلك رسول اللَّه ﷺ علوا في السماء
جبار: بفتح الجيم والموحدة المشدّدة وبالراء.
سلمى: بضم السين المهملة وسكون اللام وبالقصر.
لعمر اللَّه: أي بقاؤه ودوامه، وهو رفع بالابتداء، والخبر محذوف تقديره لعمر اللَّه قسمي
стр. 2451
أو ما أقسم به. واللام للتوكيد. فإن لم تأت اللام نصبته نصب المصادر: عمر اللَّه وعمرك اللَّه أي بإقرارك للَّه وتعميرك له بالبقاء.
وارت: أخفت وسترت.
الجثّة: الجسد قال في المصباح المنير: «الجثة للإنسان إذا كان قاعدا أو نائما فإن كان منتصبا فهو طلل» .
علّيون: اسم لأعلى الجنّة.
اقتطعوهم: أي حالوا بينهم وبين النجاة.
وجد عليه: حزن عليه.
الغداة: صلاة الصبح.
هل لك في كذا تقدّم تفسيره.
مهلا: بفتح الميم وسكون الهاء منصوب بفعل محذوف أي اتّئد في أمرك ولا تعجل.
شرح غريب ذكر رجوع عمرو بن أمية الضمري رضي اللَّه تعالى عنه
القرقرة: بقافين مفتوحتين بعد كل منهما راء، الأولى ساكنة.
قناة: بضم القاف وبالنون واد بأرض المدينة الشريفة.
سليم بضم السين المهملة.
معه عقد: بفتح العين المهملة أي عهد.
جوار: بضم الجيم وكسرها: الذّمام والعهد.
أمهله: سكّنه وأخّر أمره.
عدا عليه: بالعين المهملة عدوا وعدوّا وعداء وعدوانا ظلم وتجاوز الحد.
يرى: بضم التحتية يظنّ.
الثّؤرة: بضم الثاء المثلثة فهمزة ساكنة والثّأر بالهمز ويجوز تخفيفه.
الذّحل: بفتح الذال المعجمة وبالحاء المهملة واللام الحقد بكسر الحاء المهملة ويجمع أذحال مثل سبب وأسباب ويسكن فيجمع على ذحول مثل فلس وفلوس، يقال ثأرت القتيل إذا قتلت قاتله.
أم البنين: هي أم أبي براء واسمها ليلى بنت عامر قاله في الروض. وقال في الإملاء يريد
стр. 2452
قول لبيد: (نحن بني أم البنين الأربعة) وكانوا نجباء فرسانا. ويقال إنهم كانوا خمسة لكن لبيد جعلهم أربعة لإقامة الوزن.
يرعكم: بمثناة تحتية مفتوحة فراء مضمومة مهملة يفزعكم.
الذوائب: بالذال المعجمة وهي هنا الأعالي.
التهكم: الاستهزاء.
عامر بن الطفيل بضم الطاء المهملة وكسر الفاء وسكون التحتية ثم لام.
ليخفره: بضم التحتية [وتسكين الخاء المعجمة وكسر الفاء] أي لينقض عهده.
ربيعة: هو ابن أبي براء ذكره الحافظ في الإصابة وذكر ما يدل على إسلامه.
المساعي: جمع مسعاة وهي السعي في طلب المجد والمكارم.
الحدثان: بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين مصدر حديث حدثانا كالوجدان وهو قريب العهد.
حكم بن سعد: بحاء مهملة وكاف مفتوحتين لا يعلم له إسلام.
القين: بفتح القاف وسكون التحتية وبالنون الحدّاد والقينة الأمة مغنية كانت أم لا والماشطة وكثيرا ما تطلق على المغنية من الإماء.
جسر: بفتح الجيم وسكون السين وبالراء المهملتين.
أشواه: بهمزة مفتوحة فشين معجمة أي لم يصب المقتل.
فلا يتبعنّ به: بالبناء للمفعول.
أتي إليّ: بالبناء للمفعول.
стр. 2453
الباب السابع عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه إلى القرطاء
[وهي بطون من بني بكر من قيس عيلان] وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضريّة، على رأس تسعة وخمسين شهراً من الهجرة.
روى محمد بن عمر بن جعفر بن محمود قال: قال محمد بن مسلمة: خرجت لعشر ليال خلون من المحرم فغبت عشرين ليلة إلا ليلة وقدمت المدينة لليلة بقيت من المحرم.
وروى محمد بن عمر عن شيوخه، وابن عائذ عن عروة أن رسول الله ﷺ بعث محمد بن مسلمة في ثلاثين رجلا ركبانا، فيهم عباد بن بشر، وسلمة بن سلامة بن وقش، والحارث بن خزيمة إلى بني بكر بن كلاب، وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار، وأن يشنّ الغارة عليهم حتى إذا كان بالشّربّة لقي ظعنا فأرسل رجلا من أصحابه يسأل: من هم؟ فذهب الرجل ثم رجع إليه فقال: قوم من محارب. فنزلوا قريبا منه وحلوا وروحوا ماشيتهم فأمهلهم حتى إذا عطنوا أغار عليهم فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم، فلم يطلب من هرب واستاق نعما وشاء ولم يتعرّض للظّعن. ثم انطلق حتى إذا كان بموضع يطلعه على بني بكر بعث عائذ بن بسر إليهم فأوفى على الحاضر فأقام. وخرج محمد في أصحابه فشنّ عليهم الغارة فقتل منهم عشرة واستاقوا النّعم والشاء، ثم انحدر إلى المدينة فما أصبح إلا بضريّة مسيرة ليلة أو ليلتين، ثم حدر بالنّعم وخاف الطلب فطرد الشاء أشد الطرد فكانت تجري معهم كأنها الخيل حتى بلغ العدّاسة فأبطأ عليهم الشاء بالرّبذة فخلّفه مع نفر من أصحابه وطرد النّعم، فقدم المدينة على رسول اللَّه ﷺ ، ووصل بعده الشاء فخمّس رسول اللَّه ﷺ ما جاء به ثم فضّ على أصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم. وذكر البلاذري والحاكم إنها كانت في المحرم سنة ست وأن ثمامة بن أثال الحنفي أخذ فيها، وذكر حديث إسلامه.
روى الشيخان والبخاري مختصرا ومسلم مطوّلا وابن إسحاق عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: «أن رسول اللَّه ﷺ بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيّد أهل اليمامة ولا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول اللَّه ﷺ ، فقال: «أتدرون من أخذتم؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفي، أحسنوا إسارة» . فربطوه بسارية من سواري المسجد» .
وروى البيهقي عن ابن إسحاق أن ثمامة كان رسول مسيلمة إلى رسول اللَّه ﷺ قبل ذلك وأراد اغتياله، فدعا رسول اللَّه ﷺ ربه ﵎ أن يمكنه منه، فدخل المدينة معتمرا وهو مشرك فدخل المدينة حتى تحيّر فيها فأخذ، انتهى. ورجع رسول اللَّه ﷺ إلى أهله فقال:
«اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه» . وأمر بلقحته أن يغدى عليه بها وبراح، فجعل
стр. 2454
لا يقع من ثمامة موقعا ويأتيه رسول اللَّه ﷺ فيقول: «ما عندك يا ثمامة؟» فيقول: «عندي خير يا محمد» . وفي لفظ: «أسلم يا ثمامة» . فيقول: «أيها يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن ترد الفداء فسل منه ما شئت» . فتركه رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كان الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» قال: عندي ما قلت لك. وذكر مثله: فقال رسول اللَّه ﷺ : «أطلقوا ثمامة» فأطلقوه فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: «أشهد ألا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يا محمد واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ، واللَّه ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحبّ الدين كله إليّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بلدك أحبّ البلاد كلها إليّ، وإن خليلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟» فبشّره رسول اللَّه ﷺ وأمره أن يعتمر. فلما أسلم جاءوه بما كانوا يأتونه به من الطعام وباللّقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا فعجب المسلمون من ذلك. فقال رسول اللَّه ﷺ [حين بلغه ذلك] : «ممّ تعجبون؟ أمن رجل أكل أوّل النهار في معى كافر وأكل في آخر النهار في معى مسلم؟ إنّ الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المسلم يأكل في معى واحد» .
قال ابن هشام رحمه اللَّه تعالى: فبلغني أنه خرج معتمرا حتى إذا كان ببطن مكة لبّى فكان أول من دخل مكة يلبّي. فأخذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا. فلما قدّموه ليضربوا عنقه قال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة لطعامكم فخلّوه. فقال الحنفي في ذلك:
ومنّا الذي لبّى بمكّة معلنا ... برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم
وقالوا: أصبوت يا ثمامة؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول اللَّه ﷺ اتّبعت خير دين، دين محمد وو اللَّه لا تصل إليكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللَّه ﷺ . ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا منها شيئا إلى مكة حتى أكلت قريش العلهز.
فجاء أبو سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ ، وفي رواية قال: «ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟» قال: «بلى» . قال: «فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع» .
وفي رواية: فكتبوا إلى رسول اللَّه ﷺ : «إنك تأمر بصلة الرّحم وإنك قد قطعت أرحامنا» . فكتب رسول اللَّه ﷺ إليه أن يخلّي بينهم وبين الحمل، وأنزل اللَّه : وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون ٧٦] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
القرطاء: بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة وهم قرط بضم القاف وسكون الراء
стр. 2455
وقريط بفتح الراء وقريط بكسرها بنو عبد بغير إضافة [ابن عبيد] وهو أبو بكر ابن كلاب من قيس عيلان- بعين مهملة وسكون التحتية وذكره أبو محمد الرشاطي رحمه اللَّه تعالى.
البكرات: بفتح الموحدة وسكون الكاف فراء فألف فمثناة فوقية جمع بكرة، كذا فيما وقفت عليه من كتب المغازي قال الصفاني رحمه اللَّه تعالى: «البكرة ماء لبني ذؤيب من الضّباب وعندها جبال شمّخ يقال لها البكرات» . وذكر شيئا آخر، والبكران يعني بالموحدة وسكون الكاف وآخره نون بلفظ التثنية موضع بناحية ضريّة- بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وفتح التحتية المشددة فتاء- قرية لبني كلاب، وتبعه في المراصد. قال في النور: ولعل ما في العيون بلفظ التثنية وتصحّف على الناسخ فذكرها بلفظ الجمع. انتهى ولم يذكر أبو عبيد البكري في معجمة بحمى ضريّة إلا بكرة بالإفراد. قلت وهو بعيد جداً لتوارد ما وقفت عليه من كتب المغازي.
ضريّة: بفتح الضاد المعجمة الساقطة وكسر الراء وفتح التحتية المشددة فتاء تأنيث، قرية لبني كلاب.
بشر: بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة.
وقش: بفتح الواو والقاف وبالشين المعجمة.
خزمة: بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وقيل بفتحها وبه جزم في الإصابة وقيل بالتصغير.
يكمن النهار: يستتر فيه ويختفي.
ويشنّ: بفتح التحتية وضم الشين المعجمة وبالنون، يفرّق.
الغارة: وهي الخيل المغيرة، والغارة الاسم من الإغارة على العدو.
الشّربّة: بشين معجمة فراء فموحدة مشددة مفتوحات فتاء تأنيث، اسم موضع.
الظّعن: بضمتين ويسكّن، والظعائن جمع ظعينة قال في النهاية وهي المرأة في الهودج ثم قيل للمرأة بلا هودج ثم قيل للهودج بلا امرأة.
محارب: بميم مضمومة فحاء مهملة فألف فراء مكسورة فموحدة، بطن من قريش ومن عبد القيس.
حلوا: بفتح الحاء المهملة وضم المشددة: نزلوا.
روّحوا ماشيتهم: بفتح الراء والواو المشددة، أرسلوها للمرعى.
أمهلهم: تركهم.