أو ما أقسم به. واللام للتوكيد. فإن لم تأت اللام نصبته نصب المصادر: عمر اللَّه وعمرك اللَّه أي بإقرارك للَّه وتعميرك له بالبقاء.
وارت: أخفت وسترت.
الجثّة: الجسد قال في المصباح المنير: «الجثة للإنسان إذا كان قاعدا أو نائما فإن كان منتصبا فهو طلل» .
علّيون: اسم لأعلى الجنّة.
اقتطعوهم: أي حالوا بينهم وبين النجاة.
وجد عليه: حزن عليه.
الغداة: صلاة الصبح.
هل لك في كذا تقدّم تفسيره.
مهلا: بفتح الميم وسكون الهاء منصوب بفعل محذوف أي اتّئد في أمرك ولا تعجل.
شرح غريب ذكر رجوع عمرو بن أمية الضمري رضي اللَّه تعالى عنه
القرقرة: بقافين مفتوحتين بعد كل منهما راء، الأولى ساكنة.
قناة: بضم القاف وبالنون واد بأرض المدينة الشريفة.
سليم بضم السين المهملة.
معه عقد: بفتح العين المهملة أي عهد.
جوار: بضم الجيم وكسرها: الذّمام والعهد.
أمهله: سكّنه وأخّر أمره.
عدا عليه: بالعين المهملة عدوا وعدوّا وعداء وعدوانا ظلم وتجاوز الحد.
يرى: بضم التحتية يظنّ.
الثّؤرة: بضم الثاء المثلثة فهمزة ساكنة والثّأر بالهمز ويجوز تخفيفه.
الذّحل: بفتح الذال المعجمة وبالحاء المهملة واللام الحقد بكسر الحاء المهملة ويجمع أذحال مثل سبب وأسباب ويسكن فيجمع على ذحول مثل فلس وفلوس، يقال ثأرت القتيل إذا قتلت قاتله.
أم البنين: هي أم أبي براء واسمها ليلى بنت عامر قاله في الروض. وقال في الإملاء يريد
стр. 2452
قول لبيد: (نحن بني أم البنين الأربعة) وكانوا نجباء فرسانا. ويقال إنهم كانوا خمسة لكن لبيد جعلهم أربعة لإقامة الوزن.
يرعكم: بمثناة تحتية مفتوحة فراء مضمومة مهملة يفزعكم.
الذوائب: بالذال المعجمة وهي هنا الأعالي.
التهكم: الاستهزاء.
عامر بن الطفيل بضم الطاء المهملة وكسر الفاء وسكون التحتية ثم لام.
ليخفره: بضم التحتية [وتسكين الخاء المعجمة وكسر الفاء] أي لينقض عهده.
ربيعة: هو ابن أبي براء ذكره الحافظ في الإصابة وذكر ما يدل على إسلامه.
المساعي: جمع مسعاة وهي السعي في طلب المجد والمكارم.
الحدثان: بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين مصدر حديث حدثانا كالوجدان وهو قريب العهد.
حكم بن سعد: بحاء مهملة وكاف مفتوحتين لا يعلم له إسلام.
القين: بفتح القاف وسكون التحتية وبالنون الحدّاد والقينة الأمة مغنية كانت أم لا والماشطة وكثيرا ما تطلق على المغنية من الإماء.
جسر: بفتح الجيم وسكون السين وبالراء المهملتين.
أشواه: بهمزة مفتوحة فشين معجمة أي لم يصب المقتل.
فلا يتبعنّ به: بالبناء للمفعول.
أتي إليّ: بالبناء للمفعول.
стр. 2453
الباب السابع عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه إلى القرطاء
[وهي بطون من بني بكر من قيس عيلان] وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضريّة، على رأس تسعة وخمسين شهراً من الهجرة.
روى محمد بن عمر بن جعفر بن محمود قال: قال محمد بن مسلمة: خرجت لعشر ليال خلون من المحرم فغبت عشرين ليلة إلا ليلة وقدمت المدينة لليلة بقيت من المحرم.
وروى محمد بن عمر عن شيوخه، وابن عائذ عن عروة أن رسول الله ﷺ بعث محمد بن مسلمة في ثلاثين رجلا ركبانا، فيهم عباد بن بشر، وسلمة بن سلامة بن وقش، والحارث بن خزيمة إلى بني بكر بن كلاب، وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار، وأن يشنّ الغارة عليهم حتى إذا كان بالشّربّة لقي ظعنا فأرسل رجلا من أصحابه يسأل: من هم؟ فذهب الرجل ثم رجع إليه فقال: قوم من محارب. فنزلوا قريبا منه وحلوا وروحوا ماشيتهم فأمهلهم حتى إذا عطنوا أغار عليهم فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم، فلم يطلب من هرب واستاق نعما وشاء ولم يتعرّض للظّعن. ثم انطلق حتى إذا كان بموضع يطلعه على بني بكر بعث عائذ بن بسر إليهم فأوفى على الحاضر فأقام. وخرج محمد في أصحابه فشنّ عليهم الغارة فقتل منهم عشرة واستاقوا النّعم والشاء، ثم انحدر إلى المدينة فما أصبح إلا بضريّة مسيرة ليلة أو ليلتين، ثم حدر بالنّعم وخاف الطلب فطرد الشاء أشد الطرد فكانت تجري معهم كأنها الخيل حتى بلغ العدّاسة فأبطأ عليهم الشاء بالرّبذة فخلّفه مع نفر من أصحابه وطرد النّعم، فقدم المدينة على رسول اللَّه ﷺ ، ووصل بعده الشاء فخمّس رسول اللَّه ﷺ ما جاء به ثم فضّ على أصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم. وذكر البلاذري والحاكم إنها كانت في المحرم سنة ست وأن ثمامة بن أثال الحنفي أخذ فيها، وذكر حديث إسلامه.
روى الشيخان والبخاري مختصرا ومسلم مطوّلا وابن إسحاق عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: «أن رسول اللَّه ﷺ بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيّد أهل اليمامة ولا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول اللَّه ﷺ ، فقال: «أتدرون من أخذتم؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفي، أحسنوا إسارة» . فربطوه بسارية من سواري المسجد» .
وروى البيهقي عن ابن إسحاق أن ثمامة كان رسول مسيلمة إلى رسول اللَّه ﷺ قبل ذلك وأراد اغتياله، فدعا رسول اللَّه ﷺ ربه ﵎ أن يمكنه منه، فدخل المدينة معتمرا وهو مشرك فدخل المدينة حتى تحيّر فيها فأخذ، انتهى. ورجع رسول اللَّه ﷺ إلى أهله فقال:
«اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه» . وأمر بلقحته أن يغدى عليه بها وبراح، فجعل
стр. 2454
لا يقع من ثمامة موقعا ويأتيه رسول اللَّه ﷺ فيقول: «ما عندك يا ثمامة؟» فيقول: «عندي خير يا محمد» . وفي لفظ: «أسلم يا ثمامة» . فيقول: «أيها يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن ترد الفداء فسل منه ما شئت» . فتركه رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كان الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» قال: عندي ما قلت لك. وذكر مثله: فقال رسول اللَّه ﷺ : «أطلقوا ثمامة» فأطلقوه فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: «أشهد ألا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يا محمد واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلها إليّ، واللَّه ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحبّ الدين كله إليّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بلدك أحبّ البلاد كلها إليّ، وإن خليلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟» فبشّره رسول اللَّه ﷺ وأمره أن يعتمر. فلما أسلم جاءوه بما كانوا يأتونه به من الطعام وباللّقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا فعجب المسلمون من ذلك. فقال رسول اللَّه ﷺ [حين بلغه ذلك] : «ممّ تعجبون؟ أمن رجل أكل أوّل النهار في معى كافر وأكل في آخر النهار في معى مسلم؟ إنّ الكافر يأكل في سبعة أمعاء وإن المسلم يأكل في معى واحد» .
قال ابن هشام رحمه اللَّه تعالى: فبلغني أنه خرج معتمرا حتى إذا كان ببطن مكة لبّى فكان أول من دخل مكة يلبّي. فأخذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا. فلما قدّموه ليضربوا عنقه قال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة لطعامكم فخلّوه. فقال الحنفي في ذلك:
ومنّا الذي لبّى بمكّة معلنا ... برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم
وقالوا: أصبوت يا ثمامة؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول اللَّه ﷺ اتّبعت خير دين، دين محمد وو اللَّه لا تصل إليكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللَّه ﷺ . ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا منها شيئا إلى مكة حتى أكلت قريش العلهز.
فجاء أبو سفيان إلى رسول اللَّه ﷺ ، وفي رواية قال: «ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟» قال: «بلى» . قال: «فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع» .
وفي رواية: فكتبوا إلى رسول اللَّه ﷺ : «إنك تأمر بصلة الرّحم وإنك قد قطعت أرحامنا» . فكتب رسول اللَّه ﷺ إليه أن يخلّي بينهم وبين الحمل، وأنزل اللَّه : وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون ٧٦] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
القرطاء: بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة وهم قرط بضم القاف وسكون الراء
стр. 2455
وقريط بفتح الراء وقريط بكسرها بنو عبد بغير إضافة [ابن عبيد] وهو أبو بكر ابن كلاب من قيس عيلان- بعين مهملة وسكون التحتية وذكره أبو محمد الرشاطي رحمه اللَّه تعالى.
البكرات: بفتح الموحدة وسكون الكاف فراء فألف فمثناة فوقية جمع بكرة، كذا فيما وقفت عليه من كتب المغازي قال الصفاني رحمه اللَّه تعالى: «البكرة ماء لبني ذؤيب من الضّباب وعندها جبال شمّخ يقال لها البكرات» . وذكر شيئا آخر، والبكران يعني بالموحدة وسكون الكاف وآخره نون بلفظ التثنية موضع بناحية ضريّة- بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وفتح التحتية المشددة فتاء- قرية لبني كلاب، وتبعه في المراصد. قال في النور: ولعل ما في العيون بلفظ التثنية وتصحّف على الناسخ فذكرها بلفظ الجمع. انتهى ولم يذكر أبو عبيد البكري في معجمة بحمى ضريّة إلا بكرة بالإفراد. قلت وهو بعيد جداً لتوارد ما وقفت عليه من كتب المغازي.
ضريّة: بفتح الضاد المعجمة الساقطة وكسر الراء وفتح التحتية المشددة فتاء تأنيث، قرية لبني كلاب.
بشر: بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة.
وقش: بفتح الواو والقاف وبالشين المعجمة.
خزمة: بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وقيل بفتحها وبه جزم في الإصابة وقيل بالتصغير.
يكمن النهار: يستتر فيه ويختفي.
ويشنّ: بفتح التحتية وضم الشين المعجمة وبالنون، يفرّق.
الغارة: وهي الخيل المغيرة، والغارة الاسم من الإغارة على العدو.
الشّربّة: بشين معجمة فراء فموحدة مشددة مفتوحات فتاء تأنيث، اسم موضع.
الظّعن: بضمتين ويسكّن، والظعائن جمع ظعينة قال في النهاية وهي المرأة في الهودج ثم قيل للمرأة بلا هودج ثم قيل للهودج بلا امرأة.
محارب: بميم مضمومة فحاء مهملة فألف فراء مكسورة فموحدة، بطن من قريش ومن عبد القيس.
حلوا: بفتح الحاء المهملة وضم المشددة: نزلوا.
روّحوا ماشيتهم: بفتح الراء والواو المشددة، أرسلوها للمرعى.
أمهلهم: تركهم.
стр. 2456
عطّنوا: بفتح العين والطاء المشددة المهملتين وبالنون، أناخوا الإبل وبرّكوها حول الماء.
النّعم: بفتح النون والعين المهملة.
والشّاء: عطف الأخصّ على الأعمّ.
يعرض: بكسر الراء.
أوفى: أشرف.
الحاضر: بالحاء المهملة والضاد المعجمة الساقطة المكسورة: القوم النّزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه.
العدّاسة: بفتح العين والدال المشددة بعد الألف سين مهملات، كذا في نسخة صحيحة من مغازي محمد بن عمر الأسلمي، ولم أر لها ذكرا فيما وقعت عليه من كتب الأماكن والبلدان.
الرّبذة [ (١) ] : بفتح الراء والموحدة وبالذال المعجمة اسم بلد.
البلاذري [ (٢) ] : بفتح الموحدة والذال المعجمة نسبة إلى البلاذر المعروف.
ثمامة: بضم الثاء والمثلثة وميمين.
أثال: بهمزة مضمومة فثاء مثلثة مخففة وبالصّرف.
الحنفي: من بني حنيفة.
نجد [ (٣) ] : بفتح النون وسكون الجيم موضع مشرف، وهو ضدّ تهامة [ (٤) ] .
لا يشعرون: أي لا يعلمون.
اليمامة [ (٥) ] : بفتح التحتية مدينة معروفة باليمن.
стр. 2457
الإسار: بكسر الهمزة القيد.
السارية: الأسطوانة بضم الهمزة والطاء المهملة.
الاغتيال: أن يوصّل إليه الشّرّ أو القتل من حيث لا يعلم.
تحيّر: بفتح الفوقية والحاء المهملة والتحتية المشددة وبالراء.
اللّقحة: بكسر اللام وفتحها الناقة ذات اللّبن.
يغدو: يصبح. يراح: يمسي.
الحلاب: بكسر الحاء المهملة وهو هنا اللّبن.
إن تقتل تقتل ذا دم: بدال مهملة على الصحيح أي صاحب يشتفى بقتله ويدرك به قاتله ثأره فاختصر اعتمادا على مفهوم الكلام. ورواه بعضهم: ذا ذمّ بذال معجمة وفسّره بالذّمام والحرمة في قومه إذا عقد ذمّة وفّي له ولم يخفره. وقال القاضي: وكونه بالمهملة أصح لكونه ذا ذمام لم يجز قتله. قال في المطالع: وكان شيخنا القاضي حمله على الذّمّة أي انتقل من عقدت له ذمة وهذا لا يليق بالحديث.
إن تنعم بضم أوله وكسر ثالثه.
الفداء: بكسر الفاء وبالمدّ وبالفتح والقصر وهو أن تشتري الرجل أو تنقذه بمال.
أطلقوا: بفتح الهمزة وكسر اللام.
نخل: بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، هكذا الرواية أي إلى نخل فيه ماء فاغتسل منه، وذكره ابن دريد بالجيم وهو الماء الجاري.
ممّ تعجبون؟ أصله ممّا، حذفت ألف ما الاستفهامية لدخول الجار.
المعى كعنب ويمدّ، المصران [مذكر وقد يؤنث] وتذكيره أكثر. وقوله: والكافر يأكل (في سبعة أمعاء) . قال في النهاية والتقريب: هو مثل ضربه لزهد المؤمن وحرص الكافر. وهو خاصّ في رجل بعينه كان يأكل كثيرا فأسلم فقلّ أكله.
بطن مكة: قبل الحديبية، وقيل وادي مكة، وقيل التنعيم.
اجترأ عليه: معلنا: بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر اللام: مظهرا.
برغم فلان: بفتح الموحدة وتثليث الراء [في المصدر] يقال رغم أنفه، كذلك التصق
стр. 2458
بالرّغام وهو [التراب] . هذا هو الأصل ثم استعمل في الذّل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره.
صبأ: بالهمز.
العلهز: بكسر العين المهملة وسكون اللام وكسر الهاء وبالزاي، شيء كانوا يتخذونه في سني المجاعة يخلطون فيه الدم بأوبار الإبل ثم يشوونه بالنار ويأكلونه وقيل كانوا يخلطون فيه القردان ويقال للقراد الضّخم علهز.
استكان: خضع.
تضرّعوا: ذلّوا وخشعوا.
стр. 2459
الباب الثامن عشر في سرية عكاشة بن محصن [بن حرثان الأسدي] رضي اللَّه تعالى عنه
إلى غمر مرزوق [ (١) ] ، ماء لبني أسد في شهر ربيع الأول سنة ست روى محمد بن عمر رحمه اللَّه تعالى عن القاسم بن محمد رحمه اللَّه تعالى قال: بعث رسول اللَّه ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلاً منهم ثابت بن أقرم [ (٢) ] ، وذكر ابن عائذ أنه كان الأمير، وشجاع بن وهب [ (٣) ] ، ويزيد بن رقيش [ابن رئاب بن يعمر] زاد ابن عائذ: ولقيط بن أعصم حليف بني عمرو بن عروة، ثم من بني معاوية بن مالك بن بليّ. فخرج سريعا يغذ السّير، ونذر القوم بهم، فهربوا من مالهم، فنزلوا علينا بلادهم، فانتهوا إلى الماء. فوجد الدار خلوفا. فبعث شجاع بن وهب طليعة يطلبون خبرا، أو يرون أثرا، فرجع شجاع بن وهب فأخبره أنه رأى أثر نعم قريبا، فتحملوا فأصابوا ربيئة لهم قد نظروا ليلة يسمع الصوت، فلما أصبح قام، فأخذوه وهو نائم، فقالوا: أتخبر عن الناس؟ قال: وأين الناس؟ قد لحقوا بعليا بلادهم. قالوا:
فالنّعم؟ قال: ما معهم. فضربه أحدهم بسوط في يده فقال: أتؤمنوني على دمي وأطلعكم على نعم لبني عمّ له لم يعلموا بمسيركم إليهم. قالوا: نعم. فآمنوه فانطلقوا معه فأمعن حتى خافوا أن يكون ذلك غدرا منه لهم فقالوا: واللَّه لتصدّقنا أو لنضربنّ عنقك. فقال: تطلعون عليهم من هذا الظريب فدنوا فإذا نعم رواتع فأغاروا عليها وأصابوها وهربت الأعراب في كل وجه، ونهى عكّاشة عن الطلب. واستاقوا مائتي بعير، فحدروها إلى المدينة، وأرسلوا الرجل. وقدموا على رسول اللَّه ﷺ ، ولم يصب منهم أحد ولم يلقوا كيدا.
تنبيهات
الأول: قول من قال أن ثابت بن أقرم أصيب فيها ليس بشيء فإنه استشهد أيام الرّدّة.
الثاني: وقع في نسخة أبي الفتح من الإكليل للحاكم بعث سباع من وهب طليعة،
стр. 2460
والذي في النسخ منه شجاع بن وهب، ولا وجود لسباع بن وهب في الصحابة.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
عكّاشة: بضم العين المهملة وتشديد الكاف وقد تخفّف.
محصن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون.
الغمر: بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالراء.
مرزوق: بلفظ اسم المفعول.
ثابت: بالثاء المثلثة والموحدة والفوقية.
ابن أقرم: بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الراء وبالميم.
ابن عايذ: بتحتية وذال معجمة.
لقيط بن أعصم: بألف فعين فصاد مهملتين فميم كذا في العيون عن ابن عائذ ولم أر فيما وقفت عليه من كتب الصحابة من اسمه لقيط واسم أبيه أعصم والذي رأيته لقيط بن عصر.
يغذّ: بضم التحتية وكسر الغين وبالذال المشددة المعجمتين: يسرع.
نذر به القوم، بفتح النون وكسر الذال المعجمة وبالراء علموا.
عليا الشيء: بضم العين المهملة أعلاه.
الدار: المحل: مجمع البناء.
والعرصة: الدارة وقد يذكّر.
الخلوف: بخاء معجمة فلام مضمومة ففاء الغيّب. وفي الكلام حذف تقديره وجد أصحاب الدار خلوفا.
طليعة القوم: يبعثون أمام الجيش يعترفون طلع العدو، وبالكسر أي خبره.
الرّبيئة: براء مفتوحة فموحدة مكسورة فهمزة مفتوحة ممدودة فتاء تأنيث.
فآمنوه: بمدّ الهمزة وفتح الميم المخففة من الأمان.
أمعن في الطلب: بالغ في الاستقصاء.
الظّريب: بظاء معجمة مشالة مضمومة فراء مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة، تصغير ظرب بفتح الظاء وكسر الراء وهو ما نتأ من الحجارة وحدّد طرفه أو الجبل المنبسط أو الصغير.
رواتع: جمع رتوع وهي الدّابة الراعية كيف شاءت.
لم يلق كيدا: حربا.
стр. 2461
الباب التاسع عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى
عنه إلى بني معوية وبني عوال بذي القصة [ (١) ] طريق الربذة في أول ربيع الآخر سنة ست روى محمد بن عمر رضي الله تعالى عنه عن شيوخه قالوا: بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في عشرة نفر منهم: أبو نائلة، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر [ (٢) ] ، ونعمان بن عصر، ومحيّصة بن مسعود، وحويّصة أخوه، وأبو بردة بن نيار [ (٣) ] ، ورجلان من مزينة، [ورجل] من غطفان، فوردوا عليهم ليلا. فكمن القوم لمحمد بن مسلمة وأصحابه حتى ناموا، فأحدقوا بهم وهم مائة رجل، فما شعر المسلمون إلا بالنّبل قد حاطهم، فوثب محمد بن مسلمة ومعه قوس فصاح في أصحابه [السّلاح] ، فوثبوا فتراموا ساعة من الليل. ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوا من بقي. ووقع محمد بن مسلمة جريحا، يضرب كعبه فلا يتحرك وجردوهم الثياب وانطلقوا. فمر رجل [من المسلمين] على القتلى فاسترجع. فلما سمعه محمد بن مسلمة تحرّك له، فعرض عليه طعاما وشرابا وحمله حتى ورد به المدينة. فبعث رسول اللَّه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح إلى مصارعهم فلم يجد أحدا، ووجد نعما وشاء فساقه ورجع فخمّسه وقسّم أربعة أخماسه فيهم. قال محمد بن مسلمة: فلما كانت غزوة خيبر نظرت إلى أحد النفر الذين كانوا ولّوا ضربي يوم ذي القصّة فلما رآني قال إني أسلمت وجهي، فقلت: أولى.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
مسلمة: بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح اللام المخففة وبالميم وبتاء تأنيث.
معوية: بفتح الميم والعين المهملة وكسر الواو وسكون التحتية وبتاء تأنيث.
بنو عوال: بعين مهملة مضمومة فواو مخففة، هم من العرب من بني عبد اللَّه بن غطفان، ووقع في بعض نسخ العيون غزال وهو تصحيف.
ذو القصّة: بفتح القاف والصاد المهملة وحكى في العيون إعجام الصاد، موضع قريب
стр. 2462
من المدينة، بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا.
الرّبذة: بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة وبتاء التأنيث موضع قريب من المدينة الشريفة.
أبو نائلة: بالنون وهمزة بعد الألف على صورة التحتية وباللام.
أبو عبس: بفتح العين والسين المهملتين وسكون الموحدة بينهما.
ابن جبر: بجيم مفتوحة فموحدة ساكنة فراء.
عصر: بفتح العين والصاد والراء المهملات، وقيل بكسر العين وقيل بفتحها وسكون الصاد بينهما.
محيّصة: بميم مضمومة فحاء مهملة فتحتية مشددة فصاد مهملة مفتوحات فتاء تأنيث.
حويّصة: بالحاء المهملة وزن الذي قبله.
أبو بردة: بضم الموحدة.
ابن نيار: بنون وتخفيف التحتية وبالراء.
مزينة: بضم الميم وفتح الزاي وسكون التحتية وبالنون.
غطفان: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والنون بعد الألف.
كمن: استتر.
أحدقوا بهم: أحاطوا.
ما شعر: ما علم.
النّبل: بفتح النون وسكون الموحدة: السهام العربية، وهي مؤنثة ولا واحد لها من لفظها. بل الواحد سهم فهي مفرد اللفظ مجموعة المعنى.
انحاز إلى القوم: تحيّز إليهم أي مال.
الكعب: كل مفصل للعظام، والعظم الناتئ فوق القدم والناشز من جانبها مباشرة.
стр. 2463
الباب العشرون في سرية أبي عبيدة بن الجراح رضي اللَّه تعالى عنه إلى ذي القصّة أيضا
روى محمد بن عمر عن شيوخه رحمهم اللَّه تعالى قالوا: أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار.. ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين. فسارت بنو محارب وبنو ثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وكانوا قد أجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وسرحها يرعى يومئذ ببطن هيفاء.
فبعث رسول اللَّه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلاً، صلّوا المغرب ليلة السبت لليلتين بقيتا من ربيع الآخر سنة ست. فباتوا ليلتهم يمشون حتى وافوا ذا القصّة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال، وأخذ رجلا واحدا، ووجد نعما من نعمهم فاستاقه ورثّة من متاع القوم، فقدم به المدينة. وغاب ليلتين، وأسلم الرجل فتركه رسول اللَّه ﷺ وخمّس رسول اللَّه ﷺ ما قدم به أبو عبيدة وقسّم الباقي عليهم.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الجدب: بفتح الجيم وسكون الدال المهملة نقيض الخصب.
المراض: بضاد معجمة كسحاب.
تغلمين: بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وفتح اللام والميم وسكون التحتية وبالنون، كذا ألفيته مضبوطا في نسخة صحيحة من مغازي محمد بن عمر الواقدي ولم أجد له ذكرا فيما وقفت عليه من الكتب الأماكن والجبال والمياه.
محارب: بضم الميم وكسر الراء وبالموحدة.
أجمعوا: اتفقوا.
أن يغيروا: يدفعوا الخيل.
على السّرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال الراعي.
وافوا: أشرفوا.
عماية الصبح: بفتح العين المهملة وتخفيف الميم وبالقصر.
هربا: بفتح الهاء والراء وبالموحدة.
رثّة: بكسر الراء وتشديد الثاء المثلثة وبتاء تأنيث- السّقط من متاع البيت من الخلقان.
стр. 2464
الباب الحادي والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما إلى بني سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست
روى محمد بن عمر عن الزهري رحمه اللَّه تعالى قال: بعث رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة إلى بني سليم في سرية حتى ورد الجموم فأصابوا امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلّتهم على محلّة من محالّ بني سليم فأصابوا في تلك المحلّة نعما وشاء وأسرى، فكان فيه زوج حليمة المزنية. فأقبل زيد بن حارثة بما أصاب، ووهب رسول اللَّه ﷺ للمزنيّة نفسها وزوجها.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون التحتية.
الجموم: بفتح الجيم وضم الميم المخففة ناحية ببطن نخلة من المدينة على أربعة برد.
مزينة: بضم الميم وفتح الزاي وسكون التحتية.
سحلّة: بفتح الميم والحاء المهملة وتشديد اللام وتاء تأنيث: منزل القوم.
стр. 2465
الباب الثاني والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما في سبعين ومائة راكب إلى العيص فأخذوا العير وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا ناسا منهم أبو العاص بن الربيع
قال ابن إسحاق: لما كان قبل الفتح خرج أبو العاص بن الربيع تاجرا بمال له وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه. فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سريّة لرسول اللَّه ﷺ فأصابوا ما معه. وذكر الزّهري وتبعه ابن عقبة أن الذين أخذوا هذه العير وأسروا من فيها أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما بمنزلهم بسيف البحر، وأنهما لم يقتلا منهم أحدا لصهر أبي العاص.
قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر: إنه هرب منهم من السرية. فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على امرأته زينب بنت رسول اللَّه ﷺ فاستجار بها فأجارته قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر: فلما صلى رسول اللَّه ﷺ الصبح فكبّر وكبّر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء، وعند محمد بن عمر: قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها وقالت: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع.
قال: فلما سلم رسول اللَّه ﷺ من الصلاة أقبل على الناس فقال: «يا أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم. قال: «أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم» زاد محمد بن عمر:
«وقد أجرنا من أجارته» .
انتهى.
قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر: ثم دخل رسول اللَّه ﷺ إلى منزله، فدخلت عليه زينب فسألته أن يرد علي أبي العاص ما أخذ منه فقبل. وقال لها رسول اللَّه ﷺ : «أي بنيّة أكرمي مثواه ولا يخلصنّ إليك فإنك لا تحلّين له» .
وبعث رسول اللَّه ﷺ إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص فقال لهم: «إن هذا الرجل منا حيث علمتم وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردّوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء اللَّه الذي أفاء عليكم فأنتم أحقّ به» . فقالوا: يا رسول اللَّه بل نردّه عليه.
وعند ابن عقبة: فكلّمها أبو العاص في أصحابه الذين أسرهم أبو جندل وأبو بصير وما أخذا لهم. فكلمت رسول اللَّه ﷺ في ذلك، فزعموا أن رسول اللَّه ﷺ قام،
فخطب الناس وقال: «إنّا صاهرنا ناسا وصاهرنا أبا العاص فنعم الصّهر وجدناه وإنه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير فأسروهم وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحدا وأن زينب بنت رسول اللَّه سألتني أن أجيرهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟»
فقال
стр. 2466
الناس: نعم. فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول اللَّه ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى، ردّ إليهم كل شيء حتى العقال. قال ابن إسحاق ومحمد بن عمر:
فردّوا عليه كل شيء حتى إن الرجل ليأتي بالدّلو ويأتي الرجل بالشّنّة والإداوة حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى ردّوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا.
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن أبا العاص بن الربيع لمّا قدم من الشام ومعه أموال المشركين قيل له: هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال فإنها أموال المشركين؟ فقال أبو العاص: بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. قال ابن هشام: وحدثني عبد الوارث بن سعيد التّنّوري [ (١) ] عن [داود] بن أبي هند [ (٢) ] ، عن أبي عمرو وعامر بن شراحيل الشعبي بنحو من حديث أبي عبيدة عن أبي العاص قلت: هذا سند صحيح، رواه أبو عبد اللَّه الحاكم في الكنى بسند صحيح عن الشعبي رحمه اللَّه تعالى أن المسلمين قالوا لأبي العاص: يا أبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول اللَّه ﷺ وصهره، فهل لك أن تسلم وتغنم ما معك من أموال أهل مكة؟ فقال: بئس ما أمرتموني به أن أفتتح ديني بغدرة.
قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، والشعبي: ثم احتمل أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه. ثم قام فقال: «يا أهل مكة هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ يا أهل مكة هل أوفيت ذمتي؟» قالوا: اللهم نعم، فجزاك اللَّه خيرا فقد وجدناك وفيّا كريما. قال:
«فإني أشهد ألا إله إلا اللَّه وأن محمداً عبده ورسوله، واللَّه ما منعني من الإسلام عنده إلا أني خشيت أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فلما أدّاها اللَّه إليكم وفرغت منها أسلمت» .
ثم خرج حتى قدم على رسول اللَّه ﷺ المدينة. قال ابن عباس: ردّ رسول اللَّه ﷺ زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئا. وفي رواية عنه ردّها رسول اللَّه ﷺ بعد ست سنين. وفي رواية بعدها: ستة بالنكاح الأول وفي الرواية: ولم يحدث نكاحا. رواه ابن جرير.
تنبيهات
الأول: كذا ذكر محمد بن عمر، وابن سعد، والبلاذري، والقطب، والعراقي، وجرى عليه في العيون أن رسول اللَّه ﷺ أرسل زيد بن حارثة لأهل هذه العير. واقتضى كلام ابن
стр. 2467
إسحاق أن سريّة من السرايا صادفت هذه العير لأن رسول اللَّه ﷺ أرسل السرية لأجلها.
الثاني: صرّح محمد بن عمر ومن ذكر معه أن هذه السرية كانت سنة ست قبل الحديبية، وإلا فبعد الهدنة لم تتعرض سرايا رسول اللَّه ﷺ لقريش أصلا، وجزم به الزهري وتبعه موسى بن عقبة كما رواه البيهقي عنهما بأن الذي أخذ هذه العير أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين كانوا بسيف البحر لما وقع صلح الحديبية، ولم يكن ذلك بأمر رسول اللَّه ﷺ ، لأنهم كانوا منحازين عنه بسيف البحر، وكان لا يمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها، كما سبق ذلك في غزوة الحديبية. وقول ابن إسحاق إن هذه السرية كانت قبل الفتح يشعر بما ذهب إليه الزهري وصوّبه في زاد المعاد واستظهر في النور.
قلت: ويؤيد قول الزهري
قوله ﷺ فيما ذكره محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما لزينب: «لا يخلص إليك فإنك لا تحلّين له» .
فإن تحريم المؤمنات على المشركين إنما نزل بعد صلح الحديبية.
الثالث: قول ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: «ردّ رسول اللَّه ﷺ زينب على أبي العاص بالنكاح» . يأتي الكلام عليه في ترجمة السيدة زينب رضي اللَّه تعالى عنها.
الرابع: في بيان غريب ما سبق:
العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالصاد المهملة: واد من ناحية ذي المروة على ليلة منه وعلى أربع من المدينة.
الغابة: بفتح الغين المعجمة فألف فموحدة فتاء تأنيث واد في أسفل سافلة المدينة.
العير: بكسر العين المهملة: الإبل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة، وهي مؤنثة.
أبضعوها معه: بفتح أوله وسكون الموحدة وفتح الضاد المعجمة وضم العين المهملة:
دفعوها.
قفل: بفتح القاف والفاء واللام: رجع.
أبو بصير: بموحدة مفتوحة فصاد مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فراء.
أبو جندل: بجيم مفتوحة فنون ساكنة فدال مهملة مفتوحة فلام.
سيف البحر: بكسر السين المهملة: ساحلة.
صفّة النساء: بضم الصاد المهملة وبالفاء، الموضع المظلّل للجلوس.
المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم.
يجير: بضم الياء وكسر الجيم وسكون التحتية وبالراء، يحمي ويمنع.
стр. 2468
أدناهم: أقلهم.
المثوى: بفتح الميم وسكون الثاء المثلثة وفتح الواو: الإقامة.
لا يخلص إليك: لا يطؤك.
العقال: بكسر العين المهملة وبالقاف ما يعقل به البعير.
الشّنّة: بشين معجمة مفتوحة فنون مشددة السّقاء البالي.
الإداوة: بكسر الهمزة وبالدال المهملة: المطهرة التي يتطهر بها.
الشّظاظ: بشين معجمة مكسورة فظاءين معجمتين مشالين بينهما ألف، عود معقّف في عروة الغرارة.
بأسره: بجميعه.
التنور: بفتح الفوقية وتشديد النون وبالراء.
وأنت ابن عم رسول اللَّه ﷺ : أراد بهذين العمومة إذ أن جده عبد شمس بن عبد مناف، فيلتقي معه النبي ﷺ في عبد مناف.
الغدرة: بضم الغين المعجمة: الغدر وهو نقض العهد وعدم الوفاء.
احتمل: ارتحل.
стр. 2469
الباب الثالث والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما إلى الطرف في جمادى الآخرة سنة ست
روى محمد بن عمر قال: بعث رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة إلى الطرف إلى بني ثعلبة بن سعد فخرج في خمسة عشر رجلا، حتى إذا كان بالطّرف أصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسول اللَّه ﷺ قد سار إليهم. فانحدر زيد بن حارثة بالنّعم حتى أصبح في المدينة، وخرجوا في طلبه فأعجزهم فقدم بعشرين بعيرا وغاب أربع ليال، ولم يلق كيدا وكان شعارهم أمت أمت.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الطّرف: بفتح الطاء وبالراء المكسورة وبالفاء: ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلا من المدينة كما في ذيل الصّغاني وقال: هو بطريق العراق على خمسة وعشرين ميلا من المدينة، والراضة بالراء والضاد المعجمة كسحاب.
الشّعار: بكسر الشين المعجمة وبالعين المهملة وبالراء: العلامة التي يتعارفون بها عند القتال.
أمت أمت: أمر بالموت والمراد القتال بالنصر بعد الأمر بالإماتة مع حصول الغرض للشّعار فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل.
стр. 2470
الباب الرابع والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما إلى جذام من أرض حسمى وراء وادي القرى في جمادى الآخرة سنة ست
روى ابن إسحاق عمّن لا يتهم عن رجال من جذام كانوا علماء بها، ومحمد بن عمر عن شيوخه وموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن شيخ من بني سعد هذيم كان قديما يخبر عن أبيه، قال ابن إسحاق رحمه اللَّه تعالى أن رفاعة بن زيد الجذاميّ لما قدم على قومه من عند رسول اللَّه ﷺ بكتابه يدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا له. ثم لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبيّ من عند قيصر صاحب الروم حين بعثه رسول اللَّه ﷺ إليه وقد أجازه وكساه. فلقيه الهنيد بن عوص وابنه عوص [بن الهنيد] كما عند ابن إسحاق فيهما، وقال ابن سعد عارض فيهما: [الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد] الصّلعيّان- والصّليع بطن من جذام- فأصابا كل شيء كان مع دحية ولم يتركوا عليه إلا سمل ثوب. فبلغ ذلك قوما من بني الضّبيب رهط رفاعة بن زيد ممن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه فاقتتلوا واستنقذوا لدحية متاعه.
وقدم دحية على رسول اللَّه ﷺ فأخبره خبره، واستسقاه دم الهنيد وابنه فبعث رسول اللَّه ﷺ زيد بن حارثة في خمسمائة رجل وردّ معه دحية. فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة.
وقد اجتمعت بطون، منهم: غطفان كلها ووائل ومن كان من سلامان وسعد بن هذيم حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول اللَّه ﷺ ، حتى نزلوا حرّة الرّجلاء ورفاعة بكراع ربّة لم يعلم. وأقبل الدليل العذريّ بزيد بن حارثة وأصحابه حتى هجم بهم مع الصّبح على الهنيد وابنه ومن كان في محلّتهم فأغاروا عليهم وقتلوا فيهم. فأوجعوا وقتلوا الهنيد وابنه. وأغاروا على ماشيتهم ونعيم ونسائهم فأصابوا من النّعم ألف بعير ومن الشاء خمسة آلاف شاة ومن السّبي مائة من النساء والصبيان.
فلما سمع بنو الضّبيب بما صنع زيد بن حارثة ركبوا فيمن ركب. فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان بن ملة: «إنا قوم مسلمون» . فقال زيد بن حارثة: «فاقرأ أم الكتاب» . فقرأها حسّان فقال زيد: نادوا في الجيش أن يهبطوا إلى ورائهم الذي جاءوا منه فأمسوا في ناديهم.
فلما أمسكوا ركبوا إلى رفاعة بن زيد فصبّحوه وقال له حسّان بن ملّة: «إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرّك كتابك الذي جئت به» . فدعا رفاعة بجمل فشدّ عليه رحله وخرج معه أبو زيد [بن عمرو]- وعند ابن سعد أبو يزيد بن عمرو- وجماعة، فساروا
стр. 2471
ثلاث ليال، فلما دخلوا المدينة وانتهوا إلى المسجد دخلوا على رسول اللَّه ﷺ . فلما رآهم ألاح لهم بيده أن تعالوا من وراء الناس فاستفتح رفاعة بن زيد المنطق، فقام رجل من الناس فقال: «يا رسول اللَّه، إن هؤلاء قوم سحرة» فردّدها مرتين فقال رفاعة بن زيد: رحم اللَّه من لم يحذنا في يومه هذا إلّا خيرا» .
ثم دفع رفاعة بن زيد كتابه إلى رسول اللَّه ﷺ الذي كان كتبه له، فقال: دونك يا رسول اللَّه [قديما كتابه حديثا غدره]
فقال رسول اللَّه ﷺ : «اقرأه يا غلام وأعلن» . فلما قرأ كتابه استخبرهم فأخبروه بما صنع زيد بن حارثة. فقال رسول اللَّه ﷺ : «كيف أصنع بالقتلى؟» ثلاث مرار. فقال رفاعة: «أنت يا رسول اللَّه أعلم، لا نحرّم عليك حلالا ولا نحلّ لك حراما» . فقال أبو زيد بن عمرو: «أطلق لنا يا رسول اللَّه من كان حيّا، ومن قتل فهو تحت قدمي هذه» . فقال رسول اللَّه ﷺ : «صدق أبو زيد» . فقال القوم: فابعث معنا يا رسول اللَّه رجلا يخلي بيننا وبين حرمنا وأموالنا. فقال رسول اللَّه ﷺ : «انطلق معهم يا عليّ» . فقال علي:
«يا رسول اللَّه أن زيدا لا يطيعني» قال: «فخذ سيفي هذا» . فأخذه. فقال له علي: «ليس لي راحلة يا رسول اللَّه» . فحملوه على بعير لثعلبة بن عمرو ويقال له مكحال. فخرجوا حتى لقوا رافع بن مكيث الجهنيّ، بشير زيد بن حارثة يسير على ناقة من إبل القوم، فردها عليّ على القوم. ورجع رافع بن مكيث مع عليّ رديفا حتى لقوا زيد بن حارثة بفيفاء الفحلتين فقال علي:
«أن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تردّ على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسير أو سبي أو مال» . فقال زيد: «علامة من رسول اللَّه» فقال عليّ: «هذا سيفه» فعرفه زيد، فنزل وصاح في الناس، فاجتمعوا فقال: «من كان معه شيء من سبي أو مال فليردّه، فهذا [رسول] رسول اللَّه ﷺ .
فرد على الناس كافّة كل ما كان أخذ لهم حتى كانوا ينزعون المرأة من تحت فخذل الرجل» .
وروى محمد بن عمر رحمه اللَّه تعالى عن محجن الديلي رضي اللَّه تعالى عنه قال:
«كنت في تلك السرية، فصار لكل رجل سبعة أبعرة أو سبعون شاة وصار له من السّبي المرأة والمرأتان حتى ردّ رسول اللَّه ﷺ ذلك كله إلى أهله» . قال في زاد المعاد: «وهذه السرية كانت بعد الحديبية بلا شك» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
جذام: بجيم مضمومة فذال معجمة فميم، قبيلة بجبال حسمى من معد.
حسمى: بحاء مكسورة فسين ساكنة مهملتين، أرض بالبادية غليظة لا خير فيها ينزلها جذام، ويقال آخر ما نضب من ماء الطوفان حسمى فبقيت منه بقية إلى اليوم وفيها جبال
стр. 2472
شواهق ملس الجوانب لا يكاد القتام يفارقها قاله الجوهري في الصحاح.
وادي القرى: واد كثير القرى.
رفاعة: بكسر الراء وبالفاء وبالعين المهملة.
يلبث: يمكث.
دحية: بفتح الدال المهملة.
قيصر: لقب لكل من ملك الروم، واسمه هرقل.
هنيهة: بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية.
عوض: بكسر العين المهملة وفتح الواو وبالضاد المعجمة.
الصّليع: بضم الصاد المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وبالعين المهملة.
سمل ثوب: بسين مهملة فميم فلا مثوب خلق بال.
الضّبيب: بضاد معجمة فموحدتين الأولى مفتوحة بينهما تحتية ساكنة.
استنقذوه: خلّصوه ونجّوه.
استسقاه دمه: طلب منه الإذن في قتله.
يمكن: يستتر.
عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة، بطن من قضاعة.
غطفان: اسم قبيلة.
بهراء: بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالراء والمدّ وقد تقصر، قبيلة.
الحرّة: بفتح الحاء المهملة والراء: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار.
الرّجلى: بالجيم كسكرى ويمد، الرّجلاء أرض خشنة يترجّل فيها أو كثيرة الحجارة.
كراع ربّه: مكان، وربّة بفتح الراء وتشديد الموحدة.
ملّة: باللام وروي مكة بالبيت الحرام.
ختر: بخاء معجمة فمثناة فوقية فراء مفتوحات: غدى.
ألاح له بيده: لمع بها.
سحرة: أي عندهم فصاحة لسان وبيان.
يحذنا: [يقال أحذيته أي أعطيته] .
الباب الخامس والعشرون في سرية أبي بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه وقيل زيد بن حارثة إلى بني فزارة بوادي القرى
روى الإمام أحمد ومسلم وابن سعد والأربعة والطبراني عن سلمة بن الأكوع رضي اللَّه تعالى عنه قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أمره علينا رسول اللَّه ﷺ فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرّسنا، ثم شنّ الغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه فأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم معها ابنة لها من أحسن العرب. فسقتهم حتى أتيت أبابكر. فنقّلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا.
فلقيني رسول اللَّه ﷺ في السوق فقال: «يا سلمة هب لي المرأة» . فقلت: «يا رسول اللَّه قد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا» . فسكت، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول اللَّه ﷺ في السوق ولم أكشف لها ثوبا فقال: «يا سلمة هب لي المرأة للَّه أبوك» .
فقلت: هي لك يا رسول اللَّه، قال: فبعث بها رسول اللَّه ﷺ إلى أهل مكة ففدا بها أسرى [من المسلمين] كانوا في أيدي المشركين.
وفي رواية عند احمد، وابن سعد: وكان شعارنا:
أمت أمت قال: فقلت بيدي سبعة- وعند الطبراني تسعة بتقديم الفوقية- أهل أبيات من المشركين.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
فزارة: بفتح الفاء وبالزاي والراء.
أمّره: بتشديد الراء، جعله أميرا.
التّعريس: النزول آخر الليل [للنوم] والاستراحة.
شنّ الغارة: فرّقها في كل وجه.
العنق من الناس: الطائفة منهم.
الذّراري: بالذال المعجمة جمع ذرّية وهي الأولاد الصغار، وفيها ثلاث لغات أفصحها ضم الذال والثانية كسرها والثالثة فتح الذال مع تخفيف الراء وتجمع على ذرّيّات.
القشع: بفتح القاف وكسرها وسكون الشين المعجمة وبالعين المهملة.
للَّه أبوك: إذا أضيف الشيء إلى عظيم شريف اكتسب عظما وشرفا كما يقال: بيت اللَّه، وناقة اللَّه، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقفه ويحمد فعله قيل: للَّه أبوك في معرض المدح والتعجب، أي أبوك للَّه خالصا حيث أنجب بك وأتى بمثلك.
стр. 2475
الباب السادس والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما إلى وادي القرى في رجب، كما ذكره ابن إسحاق والبلاذري وزاد وقد تجمع بها قوم من مذحج وقضاعة ويقال بل تجمع بها قوم من أفناء مضر، فلم يلق كيدا .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
وادي القرى: بضم القاف وفتح الراء، تقدّم.
البلاذري: بفتح الموحدة وضم الذال المعجمة.
مذحج: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة، وبالجيم: قبيلة من اليمن.
الأفناء: بالفاء والنون كأحمال. الأخلاط: للرجل إذا لم يعرف من أي قبيلة.
الباب السابع والعشرون في سرية عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه تعالى عنهما إلى دومة الجندل في شعبان سنة ست
روى ابن إسحاق، ومحمد بن عمر عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه ﷺ دعا عبد الرحمن بن عوف فقال له: «تجهّز فإني باعثك في سرية من يومك هذا أو من الغد إن شاء اللَّه تعالى» [ (١) ] . قال عبد اللَّه: فسمعت ذلك فقلت لأدخلنّ فلأصلّينّ مع رسول اللَّه ﷺ الغداة ولأسمعنّ وصيته لعبد الرحمن بن عوف قال: كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في مسجده: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري [رضي اللَّه تعالى عنهم، وأنا مع رسول اللَّه ﷺ ] إذ أقبل فتى من الأنصار فسلّم على رسول اللَّه ﷺ ثم جلس، فقال: يا رسول اللَّه أيّ المؤمنين أفضل؟ فقال: «أحسنهم خلقا» .
قال: فأيّ المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل بهم، أولئك الأكياس» . ثم سكت الفتى وأقبل علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين:
خمس خصال إذا نزلن بكم وأعوذ باللَّه أن تدركوهنّ إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلّا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا
стр. 2476
المكيال والميزان إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزّكاة من أموالهم إلّا أمسك اللَّه عنهم قطر السماء ولولا البهائم لم يسقوا، وما نقضوا عهد اللَّه وعهد رسوله إلا سلّط عليهم عدوّ من غيرهم فأخذ بعضهم ما كان في أيديهم وما حكم قوم بغير كتاب اللَّه إلّا جعل بأسهم بينهم» . وفي رواية: «إلّا ألبسهم شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض» .
ثم قال: قد كان رسول اللَّه ﷺ أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل. وكان رجاله معسكرين بالجرف وكانوا سبعمائة. فقال عبد الرحمن: «أحبّ يا رسول اللَّه أن يكون آخر عهدي بك وعليّ ثياب سفري» . فأقعده بين يديه ثم نفض عمامته بيده ثم عممه بعمام [من كرابيس] سوداء. فأرخى بين كتفيه منها أربع أصابع أو نحو ذلك.
ثم قال: «هكذا يا ابن عوف فاعتمّ فإنه أحسن وأعرف» [ (١) ] .
ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللّواء فدفعه إليه، فحمد اللَّه تعالى وصلّى على نفسه، ثم قال:
«خذه يا ابن عوف اغزوا باسم اللَّه، في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه لا تغلّوا ولا تغدروا ولا تنكثوا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد اللَّه وسنّة نبيكم فيكم» .
فأخذ عبد الرحمن اللواء وخرج حتى لحق بأصحابه، فسار حتى قدم دومة الجندل.
فلما حلّ بها دعاهم إلى الإسلام. فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام. وقد كانوا أبوا أول ما قدم ألّا يعطوا إلا السيف. فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي. وكان نصرانيا وكان رئيسهم وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام منهم على إعطاء الجزية.
فكتب عبد الرحمن إلى رسول اللَّه ﷺ يخبره بذلك وأنه أراد أن يتزوج فيهم. وبعث الكتاب مع رافع بن مكيث الجهينيّ فكتب إليه رسول اللَّه ﷺ أن يتزوج بنت الأصبغ تماضر، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها، ثم أقبل بها وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن.
وذكر ابن إسحاق أن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح في سرية إلى دومة الجندل كما سيأتي.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
دومة: بدال مهملة مضمومة وتفتح فواو ساكنة فميم فتاء تأنيث ويقال دوماء بالمدّ.
الجندل: بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال وباللام: حصن وقرى من طرف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة الشريفة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة.
أكيس: يقال كاس الرجل في عمله لدنيا أو آخرة كيسا جاد عقله.
стр. 2477
السنين: جمع سنة وهي الجدب.
البأس: بالموحدة والهمز: الحرب.
ألبسهم شيعا: خلط أمرهم خلط اختلاف واضطراب لا خلط اتفاق.
أذاق بعضهم بأس بعض: ابتلاهم وعرّفهم شدته.
معسكرون: مجتمعون.
الجرف: بجيم مضمومة فراء- قال أبو عبيد البكري، والقاضي، والحازمي- مضمومة أيضا. قال صاحب القاموس بالضم ثم السكون. على ثلاثة أميال من المدينة.
الكرابيس: بفتح الكاف جمع كرباس وهي الثوب الخشن، فارسي معرّب.
أحسن وأعرف: [أفضل وأظهر] .
غلّ من المغنم: خان.
الغدر: ترك الوفاء.
الوليد: بفتح الواو: الصبي.
الأصبغ: بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة وبالغين المعجمة.
مكيث: بميم فكاف فتحتية فثاء مثلثة وزن عظيم.
تماضر: بفوقية مضمومة وتخفيف الميم وبعد الألف ضاد معجمة مكسورة فراء، لا ينصرف للعلمية والتأنيث.
بنى بها: دخل عليها. وقال ابن السكّيت: زفّت إليه: وأصله أن الرجل كان إذا تزوّج بنى للعرس خباء جديدا وعمره بما يحتاج إليه وبنى له تكريما، ثم كثر حتى كني به عن الجماع وهو لغة قال ابن درية: بنى عليها وبنى بها والأول أصحّ.
стр. 2478
الباب الثامن والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما إلى مدين
روى ابن إسحاق عن فاطمة بنت الحسن بن علي رضي اللَّه تعالى عنهم أن رسول اللَّه ﷺ بعث زيد بن حارثة نحو مدين ومعه ضميرة مولى علي بن أبي طالب وأخ له، قالت: فأصاب سبيا من أهل ميناء وهي السواحل وفيها جمّاع من الناس فبيعوا ففرّق بينهم. فخرج رسول اللَّه ﷺ وهم يبكون فقال: «ما لهم؟» فقيل: يا رسول اللَّه فرّق بينهم فقال: «لا تبيعوهم إلا جميعا» .
قال ابن هشام: أراد الأمهات والأولاد.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
مدين: بفتح الميم وسكون الدال المهملة وفتح التحتية وآخره نون مدينة قوم شعيب ﷺ وهي تجاه تبوك على بحر القلزم بينهما ست مراحل وهي أكبر من تبوك.
ضميرة: بضم الضاد المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية وبالراء وتاء التأنيث، كذا في سيرة ابن هشام مولى علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه، ولم أر له ذكرا فيما وقفت عليه من كتب الصحابة.
ميناء: بكسر الميم وسكون التحتية وبالنون. والمدّ والقصّر.
جمّاع الناس: بضم الجيم وتشديد الميم: أخلاطهم وهم الفرق المختلفة من قبائل شتى.
فرّق: بضم الفاء وكسر الراء المشددة.
стр. 2479
الباب التاسع والعشرون في سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة ست
روى محمد بن عمر عن يعقوب بن زمعة رحمهم الله تعالى قال: بعث رسول الله ﷺ عليا في مائة رجل إلى حيّ بن سعد بن بكر بفدك. قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن لهم جمعا يريدون أن يمدّوا يهود خبير. فسار عليّ الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الغمج، وهو ماء بين خيبر وفدك. فوجدوا به رجلا فقالوا: «ما أنت؟» فقال: «باغ» ، فقالوا: «هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟» قال: «لا علم لي به» . فشدّدوا عليه، فأقرّ أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر يعرض على يهودها نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويقومون عليهم فقالوا له: «فأين القوم؟» قال: «تركتهم قد تجمّع منهم مائتا رجل ورأسهم وبر بن عليم» . قالوا:
«فسر بنا حتى تدلنا» قال: «على أن تؤمنوني» . قالوا: (إن دللتنا عليهم أو على سرحهم آمنّاك وإلا فلا أمان لك) . قال: «فذاك» . فخرج بهم دليلا حتى ساء ظنّهم به وأوفى على فدفد وآكام ثم أفضى بهم إلى أرض مستوية فإذا نعم كثيرة وشاء فقال: «هذه نعمهم وشاؤهم» . فأغاروا عليها. فقال: «أرسلوني» . فقالوا: حتى نأمن الطلب. ونذر بهم رعاء النعم والشاء فهربوا في جمعهم [وتفرقوا] فقال الدليل: «علام تحبسني؟ قد تفرقت الأعراب» .
قال علي: «حتى نبلغ معسكرهم»
فانتهى بهم إليه فلم ير أحدا. فأرسلوه وساقوا النعم والشاء وكانت النعم خمسمائة بعير والشاء ألفي شاة. وعزل عليّ صفيّ رسول اللَّه ﷺ لقوحا تدعى الحفدة ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدم عليّ ومن معه المدينة.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
فدك: بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف، قال المجد اللغوي إنها على يومين من المدينة وقال القاضي [عياض] يومين وقيل ثلاثة وقال ابن سعد على ست ليال من المدينة قال السيد وأظنه الصواب واستبعد صحته في النور وقال إنه سأل بعض أهل المدينة عنها فقال بينهما يومان.
يمدّوا: بضم التحتية وكسر الميم.
الغمج: من المياه ما لم يكن عذبا، وهي بغين معجمة وميم مكسورة وبالجيم.
العين: هنا الجاسوس.
стр. 2480
آمنوه: بمدّ الهمزة وفتح الميم من الإيمان.
وبر: بفتح الواو وسكون الموحدة وبالراء.
عليهم: بضم العين المهملة.
أوفى على كذا: أشرف.
الفدفد: بفاء ودال ثم فاء ودال مهملة: المكان الصلب الغليظ المرتفع من الأرض، والأرض المستوية.
لقوحا: بفتح اللام وضمّ القاف المخففة وبالحاء المهملة واحدة اللقاح وهي الحلوب.
الحفدة: بفتح الحاء المهملة وكسر الفاء وفتح الدال المهملة وتاء التأنيث وهي السريعة السير.
стр. 2481
الباب الثلاثون في سرية زيد بن حارثة رضي اللَّه تعالى عنهما إلى وادي القرى أيضا في رمضان سنة ست
قال موسى بن عائذ رحمه اللَّه تعالى: أخبرني الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة رضي اللَّه تعالى عنه قال: ارتثّ زيد بن حارثة من وسط القتلى. وقال محمد بن عمر: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر عن عبد اللَّه بن حسين بن حسن علي بن أبي طالب قال: خرج زيد بن حارثة ﵄ في تجارة إلى الشام وأبضع معه جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، فلما كان دون وادي القرى ومعه ناس من أصحابه لقيه ناس كثيرون من بني فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه حتى ظنوا أنهم قد قتلوا، وأخذوا ما معهم. فقدموا المدينة ونذر زيد بن حارثة ألا يمسّ رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة. فلما استبلّ من جراحته
بعثه رسول اللَّه ﷺ في سريّة وقال لهم: «أكمنوا النهار وسيروا الليل» .
فخرج بهم دليل من بني فزارة وقد نذرت بنو بدر، فكانوا يجعلون ناظورا لهم حين يصبحون فينظر على جبل مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يؤتون منه، فينظر قدر مسيرة يوم، فيقول اسرحوا فلا بأس عليكم.
فإذا أمسوا وكان العشاء أوفى على منظره ذلك فينظر مسيرة ليلة فيقول: ناموا فلا بأس عليكم هذه الليلة.
فما كان زيد بن حارثة وأصحابه على نحو مسيرة ليلة، أخطأ بهم الطريق دليلهم فأخذ بهم طريقا أخرى حتى أمسوا وهو على خطأ ففرجوا خطاهم، ثم صمدوا لهم في الليل حتى صبّحوهم، فأحاطوا بالحاضر، ثم كبّر وكبّر أصحابه. وخرج سلمة بن الأكوع ﵁ يطلب رجلا منهم حتى قتله وقد كان أمعن في طلبه. وقتل قيس بن المسحّر النعمان [وعبيد اللَّه] ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر عبد اللَّه بن مسعدة، وأخذت جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر وأمها أم قرفة واسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند حذيفة بن بدر، وهي عجوز كبيرة كانت في بيت شرف من قومها. وكانت العرب تقول: «لو كنت أعزّ من أم قرفة [ما زدت] لأنها كانت تعلق في بيتها خمسين سيفا كلهم لها ذو محرم.
وكان لها اثنا عشر ولدا كما في الزهر، كنّيت بابنها قرفة قتله النبي ﷺ ، وسائر بنيها قتلوا مع طليحة في الردّة فلا خير فيها ولا في بنيها. فأمر زيد بن حارثة بقتل أم قرفة لسبّها سيدنا رسول اللَّه ﷺ فقتلت قتلا عنيفا.
قال محمد بن عمر، وابن سعد: ولما قدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك قرع باب النبي ﷺ فقام إليه عريانا يجرّ ثوبه حتى اعنقه وقبّله فأخبره زيد بما ظفّره اللَّه تعالى به.
стр. 2482
وقدموا على رسول اللَّه ﷺ بابنة أم قرفة وبعبد اللَّه بن مسعدة، فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ وذكر له جمالها
فقال: «يا سلمة هب لي المرأة للَّه أبوك» .
فقال: يا رسول اللَّه جارية رجوت أن أفتدي بها امرأة منّا في بني فزارة فأعاد رسول اللَّه ﷺ الكلام مرتين أو ثلاثا حتى عرف سلمة أنه يريدها فوهبها له، فوهبها النبي ﷺ لخاله حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن [عمران] بن مخزوم، فولدت له [عبد الرحمن بن حزن] .
تنبيهان
الأول: ذكر ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، وابن عائذ هذه السرية وأن أميرها زيد بن حارثة ﵄ وتقدم في سرية أبي بكر أن رسول اللَّه ﷺ بعث بها إلى مكة ففدى بها أسرى كانوا في أيدي المشركين ولم أر من تعرضّ لتحرير ذلك.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
ابن عائذ: بالتحتية والذال المعجمة.
الوليد بن مسلم: أحد الأعلام، عالم أهل الشام.
ابن لهيعة: عالم مصر وقاضيها.
أبو الأسود: اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل.
ورد: بلفظ الرّيحان المشموم.
مرداس: بكسر الميم وسكون الراء وبالسين المهملة نسب ورد إلى جدّه وهو ورد بن عمرو بن مرداس أحد بني سعد بن هذيم، ذكره أبو جعفر بن جرير الطبري فيمن استشهد مع زيد بن حارثة في بعض سراياه إلى وادي القرى.
أرتثّ: بضم أوله وسكون الراء وضم الفوقية وبالثاء المثلثة، أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق.
وسط: بسكون السين المهملة وفتحها.
أبضع معه: [من أبضع الشيء جعله بضاعة] .
دون: وادي القرى بالقرب منه.
فزارة: بفتح الفاء وبالزاي وبعد الألف تاء تأنيث.
بدر: بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة وبالراء.
نذر: ألا يمس رأسه غسل من جنابة إلخ. أي لا يأتي امرأته فكنى بالغسل عن ذلك.
стр. 2483
استبلّ: بكسر أوله وسكون السين المهملة وفتح الفوقية والموحدة واللام المشددة، يقال بلّ من مرضه يبلّ بالكسر بلا وبللا وبلولا أي صحّ منه وكذلك أبلّ واستبلّ.
نذرت: بفتح النون وكسر الذال المعجمة وفتح الراء: علمت.
الناظور: بظاء معجمة مشالة.
أوفي: أشرف.
صمد له: بفتح الصاد المهملة والميم [أي ثبت واستمر] .
مسعدة: بفتح الميم وسكون السين وفتح العين والدال المهملات وبتاء تأنيث.
حكمة: بفتح الحاء المهملة والكاف والميم وبتاء تأنيث.
قيس: بالرفع فاعل.
قتل المسخّر: بتقديم السين المهملة عند الطبري وبتقديم الحاء المهملة عند غيره وفتح السين ومن الناس من يكسرها.
قرفة: بكسر القاف وسكون الراء وبالفاء وتاء تأنيث.
قتلها قتلا عنيفا: أي لم يرفق بها.
لخاله حزن: بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبالنون.
عايذ: بالتحتية والذال المعجمة، وأم فاطمة جدة النبي ﷺ أم أبيه هي بنت عايذ بن عمرو بن مخزوم. فهذه الخؤولة التي ذكرت.
стр. 2484
الباب الحادي والثلاثون في سرية عبد اللَّه بن عتيك إلى أبي رافع عبد اللَّه ويقال سلام بن أبي الحقيق بخيبر ويقال بحصن له بأرض الحجاز وهو الثابت في الصحيح عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما .
قال ابن إسحاق: لما انقضى شأن الخندق وأمر بني قريظة، وكان سلام بن أبي الحقيق- وهو أبو رافع- فيمن حزّب الأحزاب على رسول اللَّه ﷺ ، وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته لرسول اللَّه ﷺ وتحريضه عليه استأذنت الخزرج رسول اللَّه ﷺ في قتل سلّام بن أبي الحقيق. وهو بخيبر فأذن لهم. وكان مما صنع اللَّه به لرسول اللَّه ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار: الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول اللَّه ﷺ تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول اللَّه ﷺ غناء إلا قالت الخزرج: واللَّه لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول اللَّه ﷺ وفي الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها.
وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك. ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف لعداوته لرسول اللَّه ﷺ قالت الخزرج: واللَّه لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا- وكانوا ﵃ يتنافسون فيما يزلف إلى اللَّه تعالى ورسوله ﷺ فتذاكروا من رجل لرسول اللَّه ﷺ في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر أو بأرض الحجاز.
قال ابن سعد: «قالوا: كان أبو رافع بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول اللَّه ﷺ .
فاستأذن الخزرج رسول اللَّه ﷺ في قتله فأذن لهم. فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر: عبد اللَّه بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد اللَّه بن أنيس الجهني حليف الأنصار، وأبو قتادة الحرث بن ربعيّ، وخزاعي بن أسود. وعند محمد بن عمر، ومحمد بن سعد أسود بن خزاعي، حليف لهم من أسلم. زاد البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما- كما في الصحيح [ (١) ]- عبد اللَّه بن عتبة- بضم العين المهملة وسكون الفوقية- فيكونون ستة. وزاد موسى بن عقبة والسهيلي أسعد بن حرام- بالراء- فيكونون سبعة. وأمر عليهم رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه بن عتيك ونهاهم عن أن يقتلوا وليدا أو امرأة.
فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا- وفي الصحيح من حديث البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنه: «وكان أبو رافع يؤذي رسول اللَّه ﷺ ويعين عليه، وكان
стр. 2485
في حصن له بأرض الحجاز. فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال عبد اللَّه بن عتيك لأصحابه: امكثوا أنتم مكانكم فإني منطلق ومتلطّف للبوّاب لعلي أن أدخل فأقبل حتى دنا من الباب» .
قال ابن عتيك: فتلطّفت أن أدخل الحصن ففقدوا حمارا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه فخشيت أن أعرف فغطيت رأسي ورجليّ فتقنّعت وجلست كأني أقضي حاجة. ثم هتف صاحب الباب، فدخلت ثم اختبأت، وفي لفظ: فكمنت في مربط حمار ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوّة. وفي رواية: فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علّق الأغاليق على وتد. وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علاليّ له. فتعشّوا عنده وتحدّثوا حتى ذهبت ساعة من الليل ثم رجعوا إلى بيوتهم. وفي رواية فلما ذهب عنه أهل سمره وهدأت الأصوات فلا أسمع حركة خرجت وقمت إلى الأقاليد ففتحت باب الحصن. وقلت إن نذر بي القوم انطلقت على مهل ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فأقفلتها من ظاهر. ثم صعدت إلى أبي رافع فجعلت كلّما فتحت بابا أغلقته عليّ من داخل.
قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم قد طفئ سراجه [وهو] في وسط عياله لا أدري أين هو من البيت. فقلت: يا أبا رافع فقال: من هذا؟ فعمدت- وفي لفظ- فأجويت نحو الصّوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش- أو قال: داهش فلم تغن شيئا، وصاح فخرجت من البيت فما مكثت غير بعيد ثم جئت فقلت: مالك يا أبا رافع؟ وغيّرت صوتي. فقال: «ألا أعجبك؟ لأمّك الويل، دخل عليّ رجل فضربني بالسيف» .
قال ابن عتيك: فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا. فصاح وقام أهله. ثم جئت وغيّرت صوتي كهيئة المغيث فإذا هو مستلق على ظهره فأضع ظبة السيف في بطنه ثم انكفئ عليها حتى سمعت صوت العظم فعرفت أني قتلته، ثم خرجت دهشا فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له. وفي لفظ: حتى أتيت السّلّم أريد أن أنزل.
فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي- وفي رواية فانخلعت رجلي- فعصبتها بعمامة ثم أتيت أصحابي أحجل فقلت: «النّجاء فقد قتل اللَّه أبا رافع» . وفي رواية: فقلت لهم: انطلقوا فبشّروا رسول اللَّه ﷺ فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية فجلست على الباب حتى صاح الديك. وفي لفظ: فلما كان وجه الصبح صعد الناعية على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز. فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشرته. وفي رواية فحدّثته فقال لي: «ابسط رجلك» فبسطت
стр. 2486
رجلي فمسها فكأنها لم أشتكيها قط. هذا ما ذكره البخاري في الصحيح من حديث البراء بن عازب، وصرّح فيه بأن عبد اللَّه بن عتيك انفرد بقتله.
وذكر ابن عقبة وابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، وغيرهم خلاف ذلك، أدخلت حديث بعضهم في بعض، قالوا: أن عبد اللَّه بن عتيك وأصحابه قدموا خيبر ليلا حين نام أهلها، وأتوا دار ابن أبي الحقيق فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله [وكان في علّية له فأسندوا فيها] حتى قاموا على بابه فاستأذنوا عليه. قال ابن سعد: وقدّموا عبد اللَّه بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية- وكانت أمه يهودية أرضعته بخيبر- فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة- وفي لفظ: فقال عبد اللَّه بن عتيك ورطن باليهودية: جئت أبا رافع بهديّة- ففتحت لهم وقالت: ذاكم صاحبكم. فأدخلوا عليه. قال: فما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوّفا أن تكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه. قالت:
فصاحت امرأته فنوهت بنا.
ولفظ ابن سعد: «فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت» وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، فو اللَّه ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطيّة ملقاة. قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول اللَّه ﷺ ، فيكفّ يده ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد اللَّه بن أنيس [بسيفه] في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني، أي حسبي حسبي.
قال: وخرجنا، وكان عبد اللَّه بن عتيك رجلا سيء البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثأ شديدا- ويقال رجله فيما قال ابن هشام- وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه. وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار بعد قتله، فأوقدوا النيران واشتدّوا في كل وجه يطلبوننا.
وعند ابن سعد أن «الحارث أبا زينب اليهودية التي سمّت رسول اللَّه ﷺ خرج في آثار الصحابة في ثلاثة آلاف يطلبونهم بالنيران فلم يروهم فرجعوا، ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب. ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة) . فلما أيس اليهود رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يفيض بينهم.
قال عبد اللَّه بن أنيس: فقلنا كيف لنا بأن نعلم بأن عدو اللَّه قد مات؟ فقال رجل منا- قال محمد بن عمر: هو الأسود بن خزاعي- أنا أذهب فانظر لكم. قال: فانطلق حتى دخل في الناس. قال: فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: «أما واللَّه لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي وقلت: أنّى ابن عتيك بهذه البلاد» ؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه وتحديثهم ثم قالت: «فاظ وإله يهود» . فما سمعت كلمة كانت ألذّ إلى نفسي منها.
стр. 2487
ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله ﷺ
زاد بن عقبة، ومحمد بن عمر: وهو على المنبر- فقال: «فأفلت الوجوه» فقالوا: أفلح وجهك يا رسول اللَّه.
فأخبرناه بقتل عدو اللَّه. واختلفنا عنده في قتله، كلّنا يدّعيه. فقال رسول اللَّه ﷺ : «هاتوا أسيافكم» . فجئناه بها، فنظر إلى سيف عبد اللَّه بن أنيس فقال: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام»
فقال حسان بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه يذكر بقتل كعب بن الأشرف وقتل سلّام بن أبي الحقيق:
للَّه درّ عصابة لاقيتهم ... يا بن الحقيق وأنت يا بن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد في عرين مغرف
حتّى أتوكم في محلّ بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفّف
مستبصرين لنصر دين نبيّهم ... مستصغرين لكلّ أمر مجحف
تنبيهات
الأول: اختلفوا في وقت خروجهم متى كان فذكرها البخاري قبل غزوة أحد، وقال الزهري: كانت بعد قتل كعب بن الأشرف، ووصله يعقوب بن سفيان في تاريخه. قال ابن سعد: كانت في رمضان سنة ست. وقيل من ذي الحجة سنة خمس، وقدمه في الإشارة.
وقيل في ذي الحجة سنة أربع. وقيل في رجب سنة ثلاث واللَّه أعلم.
الثاني: وقع في الصحيح: وهو بخيبر، ويقال في حصن له بأرض الحجاز، فيحمل أن حصنه كان قريبا من خيبر في طرف أرض الحجاز. وقال في النور: خيبر من الحجاز.
الثالث: في حديث البراء رضي اللَّه تعالى عنه في الصحيح أن عبد اللَّه بن عتبة كان فيهم كما تقدم ذكره. قال الحافظ الدمياطي صوابه: عبد اللَّه بن أنيس. وقال في الزّهر: زعم البخاري أن عبد اللَّه بن عتبة كان معهم ولم أر من قاله غير البخاري حتى قال بعض العلماء في الصحابة: عبد اللَّه بن عتبة اثنان لا ثالث لهما. الأول الذّكواني وليس من هؤلاء بشيء لأنهم قالوا إن كلهم من الأنصار.
الرابع: عبد اللَّه بن عتبة ذكره بعضهم في الصحابة والأكثرون على أنه تابعي. قلت:
ظاهر كلام صاحب الزّهر أن البخاري ذكره من عند نفسه، وليس كذلك بل الذي قاله هو البراء بن عازب كما روى البخاري عنه، وكون عبد اللَّه بن عتبة ذكواني لا يخالف قول من قال إنهم من الأنصار لاحتمال أنه كان حليفا للأنصار. وفي الحديث: «وحليفنا منا» ، وعبد اللَّه بن أنيس كان معهم وليس هو من الأنصار قطعا بل هو جهني حالفهم. ولم يعرج في الفتح
стр. 2488
والإصابة على ما ذكره الدمياطي ومغلطاي والصحيح ما في الصحيح لصحة سنده واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن الأثير في جامع الأصول إنه عبد اللَّه بن عنبة بكسر العين المهملة وفتح النون.
قال الحافظ في الفتح: «وهو غلط منه فإنه خولاني لا أنصاري ومتأخر الإسلام، وهذه القصة متقدمة. والرواية بضم العين المهملة وسكون التاء الفوقية لا بالنون» .
الخامس: في حديث عبد اللَّه بن عتيك: فانكسرت ساقي، وفي الرواية عنه فانخلعت رجلي ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت من الساق.
السادس: قول عبد اللَّه بن عتيك: «فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشّرته» يحمل على أنه لما سقط من الدرجة وقع له جميع ما تقدم، لكنه من شدة ما كان فيه من الاهتمام بالأمر ما أحسّ بالألم وأعين على المشي أولا وعليه ينزل قوله: «فقمت أمشي ما بي قلبة» . ثم لما تمادى عليه المشي أحسّ بالألم فحمله أصحابه فلما أتى رسول اللَّه ﷺ مسح على رجله فزال عنه جميع الألم ببركته ﷺ .
السابع: ذكر ابن عتبة فيمن توجه لقتل ابن أبي الحقيق أسعد بن حرام. قال في الروض: ولا نعرف أحدا ذكره غيره. وفي الإكليل للحاكم عن الزهري أنه ذكر فيهم أسعد بن حرام. قال في الزهر: ولما ذكر ابن الكلبي عبد اللَّه بن أنيس قال هو أسعد بن حرام، فيحتمل إن يكون اشتبه على بعض الرواة عن هذين الإمامين يعني الزهري وابن عقبة. قلت الزهري شيخ ابن عقبة فهو متابع له.
الثامن: في بيان غريب ما سبق:
سلّام: اختلف في تشديد لامه وتخفيفها وجزم في الفتح بالتشديد.
الحقيق: بضم الحاء المهملة وفتح القاف وسكون التحتية وبقاف أخرى.
خيبر: تقدم الكلام عليها في غزوتها.
الحجاز: بكسر الحاء المهملة: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها قال الإمام الشافعي.
وقال غيره ما بين نجد والسّراة. وقال الكلبي: ما حجز بين اليمامة والعروض، وما بين نجد والسّراة.
حزّب: بفتحتين والزاي مشددة: جمع.
الأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء صلى اللَّه عليهم وسلم.
يتصاولان: يقال تصاول الفحلان إذا حمل كل منهما على الآخر، وأراد بهذا الكلام أن
стр. 2489
كل واحد من الأوس والخزرج كان يدفع عن رسول اللَّه ﷺ ، ويتفاخران بذلك، فإذا فعل أحدهما شيئا فعل الآخر مثله.
الفحل: بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة وباللام: الذّكر من الإبل.
الغناء: بغين معجمة فنون كسحاب: النفقة.
يزلف: يقرّب.
أجلب عليه: بفتح أوله وسكون الجيم وفتح اللام والموحدة: جمع ما قدر عليه ممّن أطاعه.
غطفان: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء وبعد الألف نون: قبيلة نسبت إلى جدّها.
بنو سلمة: بكسر اللام.
عتيك: بفتح العين المهملة وكسر الفوقية وسكون التحتية وبالكاف.
سنان: بكسر السين المهملة وبالنون.
أنيس: بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية وسين مهملة.
ربعيّ: بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة.
خزاعيّ: بضم الخاء المعجمة وبالزاي وبعد الألف عين مهملة مكسورة فتحتية مشدّدة.
البراء: بفتح الموحدة المخففة وبالمدّ على المشهور، وحكى أبو عمر الزاهد القصر.
الوليد: بفتح الواو وكسر اللام وسكون التحتية والدال المهملة، وهو هنا الصّبي.
دنوا: قربوا.
راح: براء فألف فحاء مهملة: رجع هنا.
السّرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال السّائم من إبل وبقر وغنم.
القبس: بفتح القاف والموحدة وبالسين المهملة: الشّعلة من النار.
تقنّع ثوبه: بفتح الفوقية والقاف والنون المشددة وبالعين المهملة: تغطّى به ليخفي شخصه لئلا يعرف.
هتف: بفتح الهاء والفوقية والفاء: ناداه.
يا عبد اللَّه: لم يرد اسمه لأنه لو كان كذلك لكان قد عرفه، والواقع أنه كان مستخفيا منه، فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي لأن الجميع عباد اللَّه تعالى.
стр. 2490
كمنت: فتح الكاف والميم: اختبأت.
الكوّة: بفتح الكاف وتضمّ النّقب في الحائط. وقيل بالفتح غير النافذة وبالضم النافذة.
الأغاليق: بغين معجمة بفتح أوله ما يغلق به الباب والمراد هنا المفاتيح لأنه يفتح بها ويغلق وفي رواية في الصحيح بالعين المهملة وهو المفتاح.
الوتد: بفتح الواو ويقال فيه الودّ بفتح الواو وتشديد الدال المهملة.
يسمر عنده: بالبناء للمفعول أي يتحدثّ عنده ليلا.
العلاليّ: بفتح العين المهملة جمع علّيّة بضم العين وفتح اللام. وتشديد التحتية: الغرفة.
هدأت الأصوات: بالهمز: سكنت.
الأقاليد: بالقاف جمع إقليد وهو المفتاح.
نذر: بفتح النون وكسر الذال المعجمة والراء: علم.
المهل: بفتح الميم وسكون الهاء وباللام خلاف العجلة.
عمدت: بفتح العين المهملة والميم: قصدت.
إن القوم: بتخفيف إن وهي شرطية دخلت على فعل محذوف يفسره ما بعده مثل قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة ٦] .
لم يخلصوا: بضم اللام.
إليّ: بتشديد التحتية.
أهويت نحو الصوت: قصدت صاحب الصّوت.
الدّهش: بفتح الدال المهملة وكسر الهاء وبالشين المعجمة: الحيران.
لأمّه الويل: أتى بالويل هنا للتعجب.
فأضربه: ذكره بلفظ المضارع مبالغة لاستحضاره صورة الحال وإن كان ذلك قد مضى.
لم تغن شيئا: أي لم تقتله.
ظبة السيف: بضم الظاء المعجمة المشالة وفتح الموحدة المخففة: حدّه ووقع في غير رواية أبي ذر في الصحيح.
ضبيب: بضاد معجمة وموحدتين وزن رغيف. قال الخطّابي: هكذا يروى وما أراه محفوظا وإنما هو ظبة السيف وهو حدّه، لأن الضبيب لا معنى له هنا لأنه سيلان الدم من الفم.