رجلي فمسها فكأنها لم أشتكيها قط. هذا ما ذكره البخاري في الصحيح من حديث البراء بن عازب، وصرّح فيه بأن عبد اللَّه بن عتيك انفرد بقتله.
وذكر ابن عقبة وابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، وغيرهم خلاف ذلك، أدخلت حديث بعضهم في بعض، قالوا: أن عبد اللَّه بن عتيك وأصحابه قدموا خيبر ليلا حين نام أهلها، وأتوا دار ابن أبي الحقيق فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله [وكان في علّية له فأسندوا فيها] حتى قاموا على بابه فاستأذنوا عليه. قال ابن سعد: وقدّموا عبد اللَّه بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية- وكانت أمه يهودية أرضعته بخيبر- فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة- وفي لفظ: فقال عبد اللَّه بن عتيك ورطن باليهودية: جئت أبا رافع بهديّة- ففتحت لهم وقالت: ذاكم صاحبكم. فأدخلوا عليه. قال: فما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوّفا أن تكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه. قالت:
فصاحت امرأته فنوهت بنا.
ولفظ ابن سعد: «فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت» وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، فو اللَّه ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطيّة ملقاة. قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول اللَّه ﷺ ، فيكفّ يده ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد اللَّه بن أنيس [بسيفه] في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني، أي حسبي حسبي.
قال: وخرجنا، وكان عبد اللَّه بن عتيك رجلا سيء البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثأ شديدا- ويقال رجله فيما قال ابن هشام- وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه. وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار بعد قتله، فأوقدوا النيران واشتدّوا في كل وجه يطلبوننا.
وعند ابن سعد أن «الحارث أبا زينب اليهودية التي سمّت رسول اللَّه ﷺ خرج في آثار الصحابة في ثلاثة آلاف يطلبونهم بالنيران فلم يروهم فرجعوا، ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب. ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة) . فلما أيس اليهود رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يفيض بينهم.
قال عبد اللَّه بن أنيس: فقلنا كيف لنا بأن نعلم بأن عدو اللَّه قد مات؟ فقال رجل منا- قال محمد بن عمر: هو الأسود بن خزاعي- أنا أذهب فانظر لكم. قال: فانطلق حتى دخل في الناس. قال: فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: «أما واللَّه لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي وقلت: أنّى ابن عتيك بهذه البلاد» ؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه وتحديثهم ثم قالت: «فاظ وإله يهود» . فما سمعت كلمة كانت ألذّ إلى نفسي منها.
стр. 2487
ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله ﷺ
زاد بن عقبة، ومحمد بن عمر: وهو على المنبر- فقال: «فأفلت الوجوه» فقالوا: أفلح وجهك يا رسول اللَّه.
فأخبرناه بقتل عدو اللَّه. واختلفنا عنده في قتله، كلّنا يدّعيه. فقال رسول اللَّه ﷺ : «هاتوا أسيافكم» . فجئناه بها، فنظر إلى سيف عبد اللَّه بن أنيس فقال: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام»
فقال حسان بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه يذكر بقتل كعب بن الأشرف وقتل سلّام بن أبي الحقيق:
للَّه درّ عصابة لاقيتهم ... يا بن الحقيق وأنت يا بن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد في عرين مغرف
حتّى أتوكم في محلّ بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفّف
مستبصرين لنصر دين نبيّهم ... مستصغرين لكلّ أمر مجحف
تنبيهات
الأول: اختلفوا في وقت خروجهم متى كان فذكرها البخاري قبل غزوة أحد، وقال الزهري: كانت بعد قتل كعب بن الأشرف، ووصله يعقوب بن سفيان في تاريخه. قال ابن سعد: كانت في رمضان سنة ست. وقيل من ذي الحجة سنة خمس، وقدمه في الإشارة.
وقيل في ذي الحجة سنة أربع. وقيل في رجب سنة ثلاث واللَّه أعلم.
الثاني: وقع في الصحيح: وهو بخيبر، ويقال في حصن له بأرض الحجاز، فيحمل أن حصنه كان قريبا من خيبر في طرف أرض الحجاز. وقال في النور: خيبر من الحجاز.
الثالث: في حديث البراء رضي اللَّه تعالى عنه في الصحيح أن عبد اللَّه بن عتبة كان فيهم كما تقدم ذكره. قال الحافظ الدمياطي صوابه: عبد اللَّه بن أنيس. وقال في الزّهر: زعم البخاري أن عبد اللَّه بن عتبة كان معهم ولم أر من قاله غير البخاري حتى قال بعض العلماء في الصحابة: عبد اللَّه بن عتبة اثنان لا ثالث لهما. الأول الذّكواني وليس من هؤلاء بشيء لأنهم قالوا إن كلهم من الأنصار.
الرابع: عبد اللَّه بن عتبة ذكره بعضهم في الصحابة والأكثرون على أنه تابعي. قلت:
ظاهر كلام صاحب الزّهر أن البخاري ذكره من عند نفسه، وليس كذلك بل الذي قاله هو البراء بن عازب كما روى البخاري عنه، وكون عبد اللَّه بن عتبة ذكواني لا يخالف قول من قال إنهم من الأنصار لاحتمال أنه كان حليفا للأنصار. وفي الحديث: «وحليفنا منا» ، وعبد اللَّه بن أنيس كان معهم وليس هو من الأنصار قطعا بل هو جهني حالفهم. ولم يعرج في الفتح
стр. 2488
والإصابة على ما ذكره الدمياطي ومغلطاي والصحيح ما في الصحيح لصحة سنده واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن الأثير في جامع الأصول إنه عبد اللَّه بن عنبة بكسر العين المهملة وفتح النون.
قال الحافظ في الفتح: «وهو غلط منه فإنه خولاني لا أنصاري ومتأخر الإسلام، وهذه القصة متقدمة. والرواية بضم العين المهملة وسكون التاء الفوقية لا بالنون» .
الخامس: في حديث عبد اللَّه بن عتيك: فانكسرت ساقي، وفي الرواية عنه فانخلعت رجلي ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت من الساق.
السادس: قول عبد اللَّه بن عتيك: «فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فبشّرته» يحمل على أنه لما سقط من الدرجة وقع له جميع ما تقدم، لكنه من شدة ما كان فيه من الاهتمام بالأمر ما أحسّ بالألم وأعين على المشي أولا وعليه ينزل قوله: «فقمت أمشي ما بي قلبة» . ثم لما تمادى عليه المشي أحسّ بالألم فحمله أصحابه فلما أتى رسول اللَّه ﷺ مسح على رجله فزال عنه جميع الألم ببركته ﷺ .
السابع: ذكر ابن عتبة فيمن توجه لقتل ابن أبي الحقيق أسعد بن حرام. قال في الروض: ولا نعرف أحدا ذكره غيره. وفي الإكليل للحاكم عن الزهري أنه ذكر فيهم أسعد بن حرام. قال في الزهر: ولما ذكر ابن الكلبي عبد اللَّه بن أنيس قال هو أسعد بن حرام، فيحتمل إن يكون اشتبه على بعض الرواة عن هذين الإمامين يعني الزهري وابن عقبة. قلت الزهري شيخ ابن عقبة فهو متابع له.
الثامن: في بيان غريب ما سبق:
سلّام: اختلف في تشديد لامه وتخفيفها وجزم في الفتح بالتشديد.
الحقيق: بضم الحاء المهملة وفتح القاف وسكون التحتية وبقاف أخرى.
خيبر: تقدم الكلام عليها في غزوتها.
الحجاز: بكسر الحاء المهملة: مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها قال الإمام الشافعي.
وقال غيره ما بين نجد والسّراة. وقال الكلبي: ما حجز بين اليمامة والعروض، وما بين نجد والسّراة.
حزّب: بفتحتين والزاي مشددة: جمع.
الأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء صلى اللَّه عليهم وسلم.
يتصاولان: يقال تصاول الفحلان إذا حمل كل منهما على الآخر، وأراد بهذا الكلام أن
стр. 2489
كل واحد من الأوس والخزرج كان يدفع عن رسول اللَّه ﷺ ، ويتفاخران بذلك، فإذا فعل أحدهما شيئا فعل الآخر مثله.
الفحل: بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة وباللام: الذّكر من الإبل.
الغناء: بغين معجمة فنون كسحاب: النفقة.
يزلف: يقرّب.
أجلب عليه: بفتح أوله وسكون الجيم وفتح اللام والموحدة: جمع ما قدر عليه ممّن أطاعه.
غطفان: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء وبعد الألف نون: قبيلة نسبت إلى جدّها.
بنو سلمة: بكسر اللام.
عتيك: بفتح العين المهملة وكسر الفوقية وسكون التحتية وبالكاف.
سنان: بكسر السين المهملة وبالنون.
أنيس: بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية وسين مهملة.
ربعيّ: بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة.
خزاعيّ: بضم الخاء المعجمة وبالزاي وبعد الألف عين مهملة مكسورة فتحتية مشدّدة.
البراء: بفتح الموحدة المخففة وبالمدّ على المشهور، وحكى أبو عمر الزاهد القصر.
الوليد: بفتح الواو وكسر اللام وسكون التحتية والدال المهملة، وهو هنا الصّبي.
دنوا: قربوا.
راح: براء فألف فحاء مهملة: رجع هنا.
السّرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال السّائم من إبل وبقر وغنم.
القبس: بفتح القاف والموحدة وبالسين المهملة: الشّعلة من النار.
تقنّع ثوبه: بفتح الفوقية والقاف والنون المشددة وبالعين المهملة: تغطّى به ليخفي شخصه لئلا يعرف.
هتف: بفتح الهاء والفوقية والفاء: ناداه.
يا عبد اللَّه: لم يرد اسمه لأنه لو كان كذلك لكان قد عرفه، والواقع أنه كان مستخفيا منه، فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي لأن الجميع عباد اللَّه تعالى.
стр. 2490
كمنت: فتح الكاف والميم: اختبأت.
الكوّة: بفتح الكاف وتضمّ النّقب في الحائط. وقيل بالفتح غير النافذة وبالضم النافذة.
الأغاليق: بغين معجمة بفتح أوله ما يغلق به الباب والمراد هنا المفاتيح لأنه يفتح بها ويغلق وفي رواية في الصحيح بالعين المهملة وهو المفتاح.
الوتد: بفتح الواو ويقال فيه الودّ بفتح الواو وتشديد الدال المهملة.
يسمر عنده: بالبناء للمفعول أي يتحدثّ عنده ليلا.
العلاليّ: بفتح العين المهملة جمع علّيّة بضم العين وفتح اللام. وتشديد التحتية: الغرفة.
هدأت الأصوات: بالهمز: سكنت.
الأقاليد: بالقاف جمع إقليد وهو المفتاح.
نذر: بفتح النون وكسر الذال المعجمة والراء: علم.
المهل: بفتح الميم وسكون الهاء وباللام خلاف العجلة.
عمدت: بفتح العين المهملة والميم: قصدت.
إن القوم: بتخفيف إن وهي شرطية دخلت على فعل محذوف يفسره ما بعده مثل قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة ٦] .
لم يخلصوا: بضم اللام.
إليّ: بتشديد التحتية.
أهويت نحو الصوت: قصدت صاحب الصّوت.
الدّهش: بفتح الدال المهملة وكسر الهاء وبالشين المعجمة: الحيران.
لأمّه الويل: أتى بالويل هنا للتعجب.
فأضربه: ذكره بلفظ المضارع مبالغة لاستحضاره صورة الحال وإن كان ذلك قد مضى.
لم تغن شيئا: أي لم تقتله.
ظبة السيف: بضم الظاء المعجمة المشالة وفتح الموحدة المخففة: حدّه ووقع في غير رواية أبي ذر في الصحيح.
ضبيب: بضاد معجمة وموحدتين وزن رغيف. قال الخطّابي: هكذا يروى وما أراه محفوظا وإنما هو ظبة السيف وهو حدّه، لأن الضبيب لا معنى له هنا لأنه سيلان الدم من الفم.
стр. 2491
قال القاضي عياض: هو في رواية أبي ذرّ بالصاد المهملة.
أرى: بضم أوله: أظنّ.
انخلعت رجله: انقلبت.
الحجل: بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وباللام: أن يرفع رجلا ويقفز على الأخرى، وقد يكون بالرجلين إلا أنه قفز، وقيل الحجل مشي المقيّد.
النّجاء: بالنصب أي أسرعوا.
لا أبرح: لا أذهب.
الناعية: مؤنثة.
أنعى أبا رافع: كذا ثبت في روايات البخاري. قال ابن التين هي لغيّة والمعروف أنعو، والنّعي خبر الموت والاسم النّاعي.
القلبة: بقاف فلام فباء موحدة مفتوحات فتاء تأنيث الداء.
يدعوا: بفتح الفوقية والدال المهملة: يتركوا.
الميرة: بكسر الميم: طعام يمتاره الإنسان.
الحجرة: بضم الحاء المهملة وسكون الجيم [الغرفة] .
توّه به: رفع ذكره.
القبطيّة: بضم القاف وسكون الموحدة وكسر الطاء المهملة: ثوب من كتّان حرير يعمل بمصر نسبة إلى القبط على غير قياس فرقا بينه وبين الإنسان. قال الخليل إذا جعلت ذلك اسما قلت قبطيّة وأنت تريد الثوب بضم القاف وكسرها.
قطني: بفتح القاف وسكون الطاء المهملة فنون فتحتية: ومعناه حسبي أي كفايتي.
وثئت يده: بفتح الواو وكسر الثاء المثلثة فهمزة مفتوحة ففوقية. قال الحافظ: الصواب:
وثئت رجله. قال في الإملاء: يقال وثئت يده إذا أصابه شيء ليس بكسر. وقال بعض اللغويين الوثء إنما هو توجّع في اللحم لا في العظم. وقال في القاموس: الوثء والوثاءة وصم يصيب اللحم لا يبلغ العظم أو توجّع في العظم بلا كسر أو هو الفكّ.
المنهر: بفتح الميم والهاء وسكون النون بينهما.
اشتدّوا: بالشين المعجمة والفوقية: عدوا. وفي رواية بالمهملة والنون أي علوا.
يفيض بينهم: بتحتية ففاء مكسورة فتحتية ساكنة فضاد معجمة ساقطة، في لغة تميم،
стр. 2492
وفي لغة غيرهم بظاء معجمة مشالة: أي يموت.
أكذبت نفسي: بالهمزة والكاف والذال المعجمة والفوقية [ألفاها كاذبة] .
أنّي: بفتح أوله والنون المشددة.
فاظ: بفاء فألف فظاء معجمة مشاة في لغة غير تميم وتقدم.
اليهود: بفتح الدال المهملة لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم للقبيلة وفيه أيضا وزن الفعل.
ألذّ: بفتح أوله واللام والذال المعجمة المشددة.
أرى: بفتح الهمزة من رؤية العين.
العصابة: الجماعة من الناس.
البيض الرقاق: وفي لفظ الخفاف والمراد بذلك السيوف.
مرحا: المرح بفتح الميم والراء وبالحاء المهملة: النشاط هنا.
الأسد: بضم أوله وسكون السين والدال المهملتين.
العرين والعرينة: بعين فراء مهملتين فتحتية ساكنة فنون مأوى الأسد يقال ليث عرينة وليث غابة وأصل العرين جماعة الشجر.
المغرف: بضم الميم وسكون الغين المعجمة وكسر الراء وبالفاء: الشجر الملتف الأغصان.
ذفّف: بذال معجمة مضمومة ففاء مفتوحة مشددة وفاء أخرى: سريعة القتل.
المجحف: بضم الميم وسكون الجيم وكسر الحاء المهملة وبالفاء.
стр. 2493
الباب الثاني والثلاثون في سرية عبد اللَّه بن رواحة رضي اللَّه تعالى عنه إلى أسير أو يسير بن رزام بخيبر في شوال سنة ست .
لما قتل أبو رافع سلّام بن أبي الحقيق أمّرت يهود عليهم أسير بن رزام. فقام في يهود فقال: «واللَّه ما سار محمد إلى أحد من يهود ولا بعث أحدا من أصحابه إلا أصاب منهم ما أراد، ولكني أصنع ما لم يصنع أصحابي» . فقالوا: وما عسيت أن تصنع؟ قال: (أسير في غطفان فأجمعهم ونسير إلى محمد في عقر داره فإنه لم يغز أحد في عقر داره إلا أدرك منه عدوّه بعض ما يريد) . قالوا له: نعم ما رأيت. فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول اللَّه ﷺ .
فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فوجّه عبد اللَّه بن رواحة في شهر رمضان ومعه ثلاثة نفر سرّا ليكشف له الخبر. فأتى ناحية خيبر فدخل في الحوائط وفرّق أصحابه في النطاة والشّق والكتيبة، فوعوا ما سمعوا من أسير بن رزام أو غيره، ثم خرجوا بعد مقام ثلاثة أيام. فرجع إلى النبي ﷺ لليال بقين من شهر رمضان فأخبره بكل ما رأى وسمع، وقدم عليه أيضا خارجة بن حسيل الأشجعي فاستخبره رسول اللَّه ﷺ ما وراءه. فقال: تركت أسير بن رزام يسير إليك في كتائب يهود، فندب النبي ﷺ الناس فانتدب له ثلاثون رجلا.
وذكر ابن عائذ أن عبد اللَّه بن عتيك كان فيهم. وروى محمد بن عمر عن عبد اللَّه بن أنيس قال: «كنت فيهم فاستعمل رسول اللَّه ﷺ علينا عبد اللَّه بن رواحة» . قال: «فخرجنا حتى قدمنا خيبر فأرسلنا إلى أسير إنّا آمنون حتى نأتيك فنعرض عليك ما جئنا له. قال: نعم ولي مثل ذلك منكم. قلنا. نعم. فدخلنا عليه فقلنا: «أن رسول اللَّه ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك» . فلم يزالوا به حتى خرج معهم. وطمع في ذلك. وشاور يهود فخالفوه في الخروج وقالوا: «ما كان محمد ليستعمل رجلا من بني إسرائيل» قال: «بلى قد مللنا الحرب» .
فخرج معه ثلاثون رجلا من يهود مع كل رجل رديف من المسلمين. قال ابن إسحاق:
وحمل عبد اللَّه بن أنيس أسير بن رزام على بعيره. قال عبد اللَّه بن أنيس: «فسرنا حتى إذا كنا بقرقرة ثبار وندم أسير وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت له ودفعت بعيري. وقلت: «أغدرا أي عدوّ اللَّه؟» فدنوت منه لأنظر ما يصنع، فتناول سيفي فغمزت بعيري وقلت: «هل من رجل ينزل يسوق بنا؟» فلم ينزل أحد، فنزلت عن بعيري فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير، فضربته
стр. 2494
بالسيف فقطعت مؤخرة الرجل وأندرت عامة فخذه وساقه، وسقط عن بعيره وفي يده مخرش من شوحط فضربني فشجني مأمومة، وملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدّا. ولم يصب من المسلمين أحد. ثم أقبلنا إلى رسول اللَّه ﷺ » .
وبينا رسول اللَّه ﷺ يحدّث أصحابه إذ قالوا: «تمشّوا بنا إلى الثّنيّة لنبحث عن أصحابنا» ، فخرجوا معه. فلما أشرفوا على الثّنيّة إذ هم بسرعان أصحابنا فجلس رسول اللَّه ﷺ في أصحابه فانتهينا إليه فحدثناه الحديث
فقال: «قد نجّاكم اللَّه من القوم الظالمين» .
قال عبد اللَّه بن أنيس: «فدنوت من النبي ﷺ فنفث في شجّتي فلم تقح بعد ذلك اليوم ولم تؤذني، وكان العظيم قد نغل. ومسح وجهي ودعا لي، وقطع لي قطعة من عصاه
فقال: «أمسك هذه معك علامة بيني وبينك يوم القيامة أعرفك بها فإنك تأتي يوم القيامة متحصرا» .
فلما دفن عبد اللَّه بن أنيس جعلت معه على جلده دون ثيابه [ (١) ] .
تنبيهان
الأول: ذكر البيهقي وتبعه في زاد المعاد: هذه السرية بعد خيبر. قال: في النور: «وهو الذي يظهر فإنهم قالوا أن رسول اللَّه ﷺ بعثنا إليك ليستعملك على خيبر، وهذا الكلام لا يناسب أن يقال إنها قبل الفتح واللَّه أعلم» . قلت: كونها قبل خيبر أظهر، قال في القصة أنه سار في غطفان وغيرهم لحرب رسول اللَّه ﷺ بموافقة يهود ذلك، وذلك قبل فتح خيبر قطعا إذ لم يصدر من يهود بعد فتح خيبر شيء من ذلك. وقول الصحابة لأسير بن رزام أن رسول اللَّه ﷺ بعثنا إليك ليستعملك على خيبر لا ينافي ذلك لأن مرادهم باستعماله المصالحة وترك القتال والاتفاق على أمر يحصل له بذلك واللَّه أعلم.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
أمرت: بفتح أوله والميم المشددة والراء وسكون حرف التأنيث.
أسير: بضم الهمزة وفتح السين وسكون التحتية وبالراء.
يسير: بضم التحتية وفتح السين المهملة وسكون التحتية والراء.
رزام: براء مكسورة فزاي مخففة وبعد الألف ميم.
стр. 2495
يغز: بتحتية مضمومة فغين معجمة فزاي.
عقر الدّار: بفتح العين المهملة وضمّها: أصلها.
غطفان: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء فألف فنون: قبيلة من مضر.
الحوائط: جمع حائط وهو هنا البستان.
النطاة: بفتح النون وبالطاء المهملة.
الشّق: بفتح الشين المعجمة أو بكسرها وبالقاف: من حصون خيبر أو موضع لها به حصون من حصونها.
الكتيبة: بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية. وقال أبو عبيدة بالثاء المثلثة حصن بخيبر.
وعوا ما سمعوا: حفظوه.
المقام بضم الميم.
خارجة: بخاء معجمة وبالراء والجيم، ولم أقف له على ذكر فيما وقفت عليه من كتب الصحابة.
حسيل: بضم الحاء وفتح السين المهملتين وسكون التحتية وباللام.
الأشجعي: بفتح أوله وسكون السين المعجمة وفتح الجيم وبالعين المهملة.
الكتائب: بالمثناة الفوقية.
ندب الناس: دعاهم.
عتيك: بعين مهملة مفتوحة ففوقية مكسورة وتحتية ساكنة وبالكاف.
القرقرة: بفتح القافين وبعد كل منهما راء الأولى ساكنة والثانية مفتوحة بعدها تاء تأنيث، وهي في الأصل الضّحك إذا استغرب فيه ورجّع وهدير البعير.
فطنت له: بفتح الطاء المهملة كما في الصّحاح.
دفعت بعيري: حثثته على سرعة المشي.
أغدرا: منصوب بفعل محذوف أي أتريد غدرا؟ أو أتغدر غدرا؟.
مؤخّرة الرّجل: بضم الميم وسكون الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة وشدّدها بعضهم.
وأنددت عامة فخذه وساقه: ساقه بالنصب قال في النور ولا يجوز جرّه لأنه لا يصح المعنى.
المخرش: بميم مكسورة فخاء معجمة ساكنة فراء مفتوحة: عصا معوجة الرأس.
стр. 2496
شوحط: بفتح الشين المعجمة وسكون الواو وفتح الحاء وبالطاء المهملتين، وهو نوع من شجر الجبال تتّخذ منه القسيّ.
المأمومة: الشّجّة التي بلغت أمّ الرأس وهي الجلدة التي تجمع الدماغ.
أعجزنا: بفتح الجيم والزاي.
تقح: بفتح الفوقية وكسر القاف وبالحاء المهملة يقال قاح الجرح يقيح، وقيّح بالتضعيف وتقيّح. والقيح مدّة يخالطها دم.
نغل العظم: من باب تعب فهو نغل بالكسر وقد تسكّن للتخفيف.
المختصرة: اسم فاعل من اختصر العصا إذا أمسكها بيده. واتكأ عليها.
стр. 2497
الباب الثالث والثلاثون في سرية كرز بن جابر أو سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهما إلى العرنيين .
ذكر الإمام أحمد والشيخان، وابن جرير، وابن عوانة، وأبو يعلى، والإسماعيلي عن أنس، والبيهقي عن جابر [وروى البخاريّ والبيهقي] عن ابن عمر، وأبو جعفر الطبري عن جرير بن عبد الله، والطبراني بإسناده عن صالح، ومحمد بن عمر عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهم، ومحمد بن عمر عن يزيد بن رومان، وابن إسحاق عن عثمان بن عبد الرحمن رحمهم الله تعالى: أن رسول الله ﷺ أصاب في غزوة بني محارب وبني ثعلبة عبدا يقال له يسار، فرآه رسول اللَّه ﷺ يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه في لقاح له كانت ترعي في ناحية الحمى فقدم على رسول اللَّه ﷺ نفر، وفي حديث أنس عند البخاري في الجهاد [ (١) ] وفي الديات [ (٢) ] أن ثمانية من عكل وعرينة وعند ابن جرير وأبي عوانة كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل فكان الثامن ليس من القبيلتين فلم ينسب. فقدموا على رسول اللَّه ﷺ وتكلموا بالإسلام. وفي رواية: فبايعوه على الإسلام وكان بهم سقم. وعند أبي عوانة أنه كان بهم هزال شديد وصفرة شديدة وعظمت بطونهم. فقالوا يا رسول اللَّه آونا وأطعمنا. فكانوا في الصّفّة.
فلما صلحوا اجتووا- وفي لفظ- استوخموا المدينة. وعند ابن إسحاق فاستوبأوا وطحلوا. وفي رواية: ووقع بالمدينة الموم وهو البرسام وقالوا: «هذا الوجع قد وقع وإن المدينة وخمة وإنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف فابغنا رسلا» . قال: «ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذّود» . وفي رواية: «نعم لنا» فأخرجوا فيها. وفي رواية: «فأمرهم أن يلحقوا برعاء فيفاء الخبار» وفي رواية:
«فأمر لهم رسول اللَّه ﷺ بذود» . وفي رواية: «فرخّص لهم رسول اللَّه ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها» . فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحّوا ورجعت إليهم أبدانهم وانطوت بطونهم كفروا بعد إسلامهم عدوا على اللّقاح فاستاقوها. فأدركهم مولى رسول اللَّه ﷺ يسار ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وفي رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس عند مسلم: «ثم مالوا على الرّعاء فقتلوهم» [ (٣) ] بصيغة الجمع. ونحوه لابن حبّان من رواية يحيى بن سعيد عن أنس، وانطلقوا بالسّرح، وفي لفظ: الصّريخ عند أبي عوانة، فقتلوا الراعيين وجاء الآخر فقال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل. وعند محمد بن عمر: فأقبلت امرأة من بني عمرو بن عوف على حمار لها
стр. 2498
فمرّت بيسار تحت شجرة، فلما رأته ومرّت به وقد مات رجعت إلى قومها فأخبرتهم الخبر، فخرجوا حتى جاءوا بيسار إلى قباء ميتا. وعند مسلم: «وكان عند رسول اللَّه ﷺ شباب من الأنصار قريب من عشرين فأرسلهم» . وفي رواية: «فبعث رسول اللَّه ﷺ في أثرهم عشرين فارسا سمّي منهم: سلمة بن الأكوع كما عند محمد بن عمر، وأبو رهم وأبو ذر الغفاريّان، وبريدة بن الحصيب، ورافع بن مكيث وأخوه جندب، وبلال بن الحارث، وعبد اللَّه بن عمرو ابن عوف المزنيّان، وجعال بن سراقة الثعلبي، وسويد بن صخر الجهني، وهؤلاء من المهاجرين.
فيحتمل إن يكون من لم يسمّه محمد بن عمر من الأنصار، فأطلق في رواية الأنصار تغليبا، أو قيل للجميع أنصار بالمعنى الأعم. واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري. وروى الطبراني وغيره من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ بعثه في آثارهم، وسنده ضعيف. والمعروف أن جريرا تأخّر قدومه عن هذا الوقت بنحو أربعة أعوام. وبعث معهم قائفا يقوف أثرهم ودعا عليهم فقال: «أعم عليهم الطريق واجعله عليهم أضيق من مسك جمل» . فعمّى اللَّه عليهم السبل، فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا. فلما ارتفع النهار جريء بهم إلى رسول اللَّه ﷺ .
وقال محمد بن عمر: فخرج كرز وأصحابه في طلبهم حتى أدركهم الليل فباتوا بالحرّة ثم أصبحوا ولا يدرون أين سلكوا فإذا بامرأة تحمل كتف بعير فأخذوها فقالوا: ما هذا؟ قالت:
مررت بقوم قد نحروا بعيرا فأعطوني هذه الكتف وهم بتلك المفازة إذا وافيتم عليها رأيتم دخانهم. فساروا حتى أتوهم حين فرغوا من طعامهم. فسألوهم أن يستأسروا فاستأسروا بأجمعهم لم يفلت منهم أحد.
فربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا المدينة فوجدوا رسول اللَّه ﷺ بالرغابة.
فخرجوا بهم نحو رسول اللَّه ﷺ . قال أنس كما عند ابن عمر: خرجت أسعى في آثارهم مع الغلمان حتى لقي بهم رسول اللَّه ﷺ بالرغابة بمجتمع السيول، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها. وفي رواية فسمرهم. وفي رواية فسمر أعينهم. قال أنس كما عند مسلم: «إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرّعاء» . وفي رواية: «فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم وتركهم في الحرّة حتى ماتوا» . وفي رواية: «وسمرت أعينهم وألقوا في الحرّة يستسقون فلا يسقون» . قال أنس: «فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه من العطش» . وفي رواية: «ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة حتى ماتوا ولم يحسمهم» قال أبو قلابة: «فهؤلاء قتلوا وسرقوا وكفروا بعد إسلامهم وحاربوا اللَّه ورسوله» .
стр. 2499
قال ابن سيرين: كانت هذه القصة العرنيّين قبل أن تنزل الحدود. وعند ابن عوانة عن ابن عقيل عن أنس أنه صلب اثنين وسمل اثنين قال الحافظ: كذا ذكر ستة فقط فإن كان محفوظا فعقوبتهم كانت موزّعة. فأنزل اللَّه ﵎: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [المائدة ٣٣] . فلم يسمل رسول اللَّه ﷺ عينا ولم يقطع لسانا ولم يزد على قطع اليد والرّجل ولم يبعث رسول اللَّه ﷺ بعثا بعد ذلك إلا نهاهم عن المثلة. وكان بعد ذلك يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. قال محمد بن عمر وابن سعد: كانت اللّقاح خمس عشرة لقحة ذهبوا منها بالحناء.
تنبيهات
الأول: تقدم أن نفرا من عكل وعرينة بالواو العاطفة من غير شك. قال الحافظ: «وهو الصواب. وهي رواية البخاري في المغازي وإن وقع غيرها بأو» وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل» . قال الحافظ. «وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان: عكل قبيلة من تيم الرّباب بكسر الراء وتخفيف الموحدة: الأولى من عدنان، وعرينة من قحطان في بجيلة وقضاعة. فالذي في بجيلة- وهو المراد هنا- عرينة بن نذير- بفتح النون وكسر الذال المعجمة- ابن قسر- بقاف مفتوحة فسين مهملة ساكنة فراء- ابن عبقر، وعبقر أمّه بجيلة. والعرن حكّة تصيب الخيل والإبل في قوائمها.
ووقع عند عبد الرزاق بسند ساقط أن عكلا وعرينة من بني فزارة وهو غلط لأن بني فزارة من مضر، لا يجتمعون مع عكل وعرينة أصلا.
الثاني: ذكر ابن إسحاق أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. وذكرها البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها. وذكر محمد بن عمر إنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد، وابن حبّان وغيرهما.
الثالث: اختلف في أمير هذه السرية فقال ابن إسحاق والأكثرون: كرز- بضم الكاف وسكون الراء وزاي- ابن جابر الفهري- بكسر الفاء. وقال موسى بن عقبة إن أميرها سعيد- كذا عنده بزيادة ياء تحتية- والذي ذكره غيره سعد- بسكون العين- ابن زيد الأنصاري الأشهلي.
قال الحافظ، فيحتمل أنه كان رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة. وذكر بعضهم أن أمير هذه السرية جرير بن عبد اللَّه البجليّ، وتعقب بأن إسلامه كان بعد هذه السرية بنحو أربع سنين.
стр. 2500
الرابع: ظاهر بعض الروايات أن اللّقاح كانت لرسول اللَّه ﷺ ، وصرّح بذلك في رواية البخاري في المحاربين فقال: إلا أن تلحقوا بإبل رسول اللَّه ﷺ . وفي رواية: «فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة» . والجمع بينهم أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث رسول اللَّه ﷺ بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعية، فخرجوا معه إلى الإبل ففعلوا ما فعلوا، وظهر مصداق رسول اللَّه ﷺ أن المدينة تنفي خبثها.
الخامس: احتج من قال بطهارة بول ما أكل لحمه بما في قصة العرنيّين من أمره لهم بشرب ألبانها وأبوالها، وهو قول الإمام مالك وأحمد، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان والاصطخري والروياني. وذهب الإمام الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلها من مأكول اللحم وغيره. واحتج ابن المنذر بقوله توزن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة. قال: ومن زعم أن هذا خاصّ بأولئك الأقوام لم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل. قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير دليل ظاهر قال الحافظ: وهو استدلال ضعيف لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته. وقد دلّ على نجاسة الأبوال
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: « [دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين» ] .
وكان القاضي أبو بكر بن العربي الذي تعلق بهذا الحديث ممن قال بطهارة أبوال الإبل، وعورض بأنه أذن لهم في شربها للتداوي. وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة بدليل أنه لا يجب، فكيف يباح الحرام بما لا يجب؟ وأجيب بمعنى أنه ليس بحال ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح للضرورة لا يسمى حراما وقد تأوّله لقوله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام ١١٩] فما اضطرّ إليه المرء فهو غير محرّم عليه كالميتة للمضطر، واللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ وما تضمنه كلامه من أن الحرام لا يباح ولا الأمر واجب غير مسلم فإن الفطر في رمضان حرام، ومع ذلك فيباح لأمر جائز كالسّفر مثلا. وأما قول غيره: ولو كان نجسا ما جاز التداوي به
لقوله ﷺ : «أن اللَّه تعالى لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها» .
رواه أبو داود من حديث أم سلمة: فجوابه أن الحديث محمول على حالة الاختيار. وأما في حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، ولا يردّ قوله ﷺ في الخبر إنها ليست بدواء، إنها داء في سؤال من سأل من التداوي بها فيما رواه مسلم فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر.
والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات أن الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره
стр. 2501
ولأن شربه يجرّ إلى مفاسد كثيرة لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم. قاله الطحاوي بمعناه.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: كان في الخمر منفعة في التداوي بها فلما حرّمت نزع اللَّه الدواء منها، وأما أبوال الإبل
فقد روى ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن في أبوال الإبل شفاء للذّربة بطونهم» .
والذّرب بذال معجمة فساء المعدة. فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، وبهذا الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها.
السادس: لم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي رسول اللَّه ﷺ في ذكره في الإفراد، وكذا مسلم لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس: «ثم مالوا على الرّعاء فقتلوهم» بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد عن أنس. فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رعاة فقتل بعضهم مع راعي اللّقاح، فاقتصر بعض الرواة على راعي رسول اللَّه ﷺ ، وذكر بعضهم معه غيره. ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى فتجوّز في الإتيان بصيغة الجمع. قال الحافظ: وهو الراجح لأن أصحاب المغازي لم يؤكد أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار واللَّه تعالى أعلم.
السابع: في صحيح مسلم فيمن أرسلهم رسول اللَّه ﷺ في طلب العرنيّين أنهم من الأنصار، فأنطلق الأنصار تغليبا، وقيل للجميع أنصار بالمعنى الأعمّ.
الثامن: استشكل القاضي عدم سقيهم بالماء بالإجماع على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع. وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي ﷺ ، ولا وقع منه نهي عن سقيهم.
قال الحافظ: وهو ضعيف جدا لأن النبي ﷺ اطلع على ذلك وسكوته كان في ثبوت الحكم وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من ليس معه إلا ماء لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيممّ بل يستعمله ولو مات مطلقا.
وقيل أن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولأن النبي ﷺ دعا بالعطش على من عطّش آل بيته، في قصة رواها النّسائي، فيحتمل أنهم تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبي ﷺ كل ليلة كما ذكر ابن سعد.
التاسع: في رواية: «سمّر أعينهم» ، بتشديد الميم. وفي رواية بالتخفيف. ولم تختلف روايات البخاري في أنها بالراء ووقع عند مسلم: «فسمل» باللام. قال الخطّابي: «السّمل» هو فقء العين بأي شيء كان. والسّمر لغة في السّمل ومخرجهما متقارب وقد يكون من المسمار
стр. 2502
يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت كما في رواية الصحيح: فكحلهم بها. فهذا يوضّح ما تقدم ولا يخالف رواية السّمل لأنه فقء العين بأي شيء كان.
العاشر: في بيان غريب ما سبق:
محارب: بضم الميم وبالحاء المهملة وكسر الراء وبالموحدة.
يسار: بفتح التحتية والسين المهملة وبالراء.
اللّقاح: بكسر اللام جمع لقحة بفتح اللام وكسرها وسكون القاف: الناقة ذات اللّبن. قال أبو عمر: ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر.
الحمى: بكسر الحاء المهملة وفتح الميم المخففة.
عكل: بضم العين المهملة وسكون الكاف بعدها لام.
عرينة: بعين مهملة فراء فتحتية فنون فهاء تأنيث مصغّر.
السّقم: بفتح السين المهملة وضمها طول مدة المرض.
الهزال: بضم الهاء وتخفيف الزاي ضدّ السّمن.
عظمت بطونهم: انتفخت.
الصّفّة: بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء والمراد ههنا موضع مظلّل في آخر المسجد النبوي في شماليّة يسكنه الغرباء ممن ليس لهم موضع يأوون إليه ولا أهل اجتووا المدينة: قال الفزاري لم يوافقهم طعامها وقال أبو بكر بن العربي: هو بمعنى استوخموا. وقال غيره: داء يصيب الجوف.
استوخموا المدينة: لم يوافق هواؤها أبدانهم.
طحلوا: بضم الطاء وكسر المهملتين وباللام: أعيوا وهزلوا.
الموم: بضم الميم وسكون الواو [وهو] البرسام بكسر الموحدة سرياني معرّب، يطلق على اختلال العقل وعلى ورم الرأس وورم الصدر والمراد هنا الأخير.
الضّرع: بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء وبالعين المهملة وهو لذات الظّلف كالثّدي للمرأة.
ابغنا: اطلب.
الرّسل: بكسر الراء وسكون السين المهملة وباللام: اللّبن.
الذّود: بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة وهو [الإبل إذا كانت] ما
стр. 2503
بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل غير ذلك.
فيفاء: بفاءين الأولى مفتوحة بينهما تحتية ساكنة وبالألف الممدودة موضع ويقال له فيفاء الخبار كغزال وفيف من غير إضافة.
والخبار: بخاء معجمة مفتوحة فموحدة مخففة. وبعد الألف راء. قال في النهاية:
وبعضهم يقول بالحاء المهملة والتحتية المشددة.
عدوا عليه: ظلموه.
استاقوا: من السّوق وهو السير العنيف.
السّرح: بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة: المال السائم، وسرحتها أرسلتها ترعى.
الصّريخ: بفتح الصاد وكسر الراء المهملتين وبالخاء المعجمة، فعيل بمعنى فاعل أي صرخ بالإعلام بما وقع منهم. وهذا الصارخ أحد الراعيين.
آثارهم: جمع أثر أي: بقية الشيء أي في طلبهم.
الأكوع: بفتح أوله وسكون الكاف وفتح الواو وبعين مهملة.
أبو رهم: بضم الراء وسكون الهاء.
الغفاري: بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء.
أبو ذرّ: بفتح الذال المعجمة.
بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية وبالدال المهملة.
مكيث: بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة.
جعال: بجيم مكسورة فعين مهملة فلام ككتاب.
سويد: بضم السين المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وبالدال المهملة.
كرز: بضم الكاف وسكون الراء فزاي.
القايف: بالقاف والتحتية والفاء: الذي يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه والجمع القافة، يقال: قال الرجل الأثر قوفا من باب قال..
المسك: بفتح الميم وسكون السين المهملة: الجلد.
أدركوا: بالبناء للمفعول.
الحرّة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة وإنما ألقوا فيها لأنها أقرب إلى المكان
стр. 2504
الذي فعلوا فيه ما فعلوا.
الكتف: بفتح الكاف وكسر الفوقية والفاء: وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب.
الرّغابة: بكسر الراء وبالغين المعجمة والموحدة: أرض متصلة بالجرف بضم الجيم والراء كما قاله أبو عبيد البكري والقاضي والحازمي، وقال المجد اللغوي: «واد رغيب ضخم كثير الأخذ واسع كرغب بضمتين» مجتمع الأسيال.
سمّر: بفتح السين والميم المشددة وبتخفيفها ثم راء.
كسمل: بفتح السين المهملة والميم وباللام: فقأ أعينهم بأي شيء كان.
قطع يده ورجله من خلاف: أي إحداهما من جانب والأخرى من جانب آخر.
نبذ الشيء: طرحه.
كدم يكدم: بكسر الدال المهملة وضمها عضّ بمقدم أسنانه.
لم يحسمهم: لم يقطع سيلان دمائهم بالكيّ.
أبو قلابة: بكسر القاف والموحدة.
سيرين: بكسر السين المهملة وسكون التحتية وكسر الراء وتحتية وبالنون.
المثلة: بضم الميم وسكون المثلثة ويروى بفتح أوله ويروى بضمهما معا: وهي ما يفعل من التشويه بالقتلى وجمعه مثلات بضمتين. وقال أبو عمر: المثلة بالضم فالسكون والمثل بفتح أوله وسكون ثانية قطع أنف القتيل وأذنه.
الحنّاء: بحاء مهملة فنون مشددة.
стр. 2505
الباب الرابع والثلاثون في بعثة ﷺ عمرو بن أمية الضمري رضي اللَّه تعالى عنه ليفتك بأبي سفيان بن حرب قبل إسلامه .
روى البيهقي عن عبد الواحد بن عوف وغيره قالوا إن أبا سفيان قال لنفر من قريش: ألا أحد يغترّ محمدا فإنه يمشي في الأسواق. فأتاه رجل من الأعراب فدخل عليه منزله فقال: «قد وجدت أجمع الرجال قلبا وأشدّهم بطشا وأسرعهم شدّا فإن أنت قوّيتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النّسر، فأسوره ثم آخذ في عير فأسير وأسبق القوم عدوا فإني هاد بالطريق خريت» . قال: «أنت صاحبنا» .
فأعطاه بعيرا ونفقة وقال: «اطو أمرك» . فخرج ليلا فسار على راحلته خمسا وصبّح ظهر الحرّة صبح سادسة. ثم أقبل يسأل عن رسول اللَّه ﷺ حتى دلّ عليه، فعقل راحلته ثم أقبل إلى رسول اللَّه ﷺ وهو في مسجد بني عبد الأشهل. فلما رآه النبي ﷺ قال: «إنّ هذا ليريد غدرا. واللَّه تعالى حائل بينه وبين ما يريد» . فذهب ليجني على رسول اللَّه ﷺ ، فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره، فإذا بالخنجر فسقط في يديه وقال: دمي دمي فأخذ أسيد بلببه فدعته،
فقال رسول اللَّه ﷺ : «اصدقني ما أنت؟» قال: «وأنا آمن» . قال: «نعم» . فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان.
فخلّى عنه رسول اللَّه ﷺ ، فأسلم وقال: «يا محمد واللَّه ما كنت أفرق الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم اطلعت على ما هممت به مما سبقت به الرّكبان ولم يعلمه أحد فعرفت أنك ممنوع وأنك على حق وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان» . فجعل رسول اللَّه ﷺ يتبسّم. فأقام الرجل أياما يستأذن رسول اللَّه ﷺ فخرج ولم يسمع له بذكر [ (١) ] .
وروى الإمام إسحاق بن راهويه عن عمرو بن أمية رضي اللَّه تعالى عنه قال: «بعثني رسول اللَّه ﷺ وبعث معي رجلا من الأنصار» - قال ابن هشام هو سلمة بن أسلم بن حريس اللَّه إلى أبي سفيان بن حرب وقال: «إن أصبتما فيه غرّة فاقتلاه» . وقال ابن إسحاق: بعث رسول اللَّه ﷺ عمرا بعد مقتل خبيب بن عدي وأصحابه وبعث معه جبّار بن صخر الأنصاري فخرجا حتى قدما مكة وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج. ثم دخلا مكة ليلا فقال جبّار- أو سلمة- لعمرو: «لو أنّا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين» . فقال عمرو: «إن القوم إذا تعشّوا جلسوا بأفنيتهم وإنهم إن رأوني عرفوني فإني أعرف بمكة من الفرس الأبلق» . فقال: «كلا إن
стр. 2506
شاء اللَّه» . فقال عمرو: «فأبى أن يطيعني» . [قال عمرو] : فطفنا بالبيت وصلّينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو اللَّه إنا لنمشي بمكة إذ نظر إلى رجل من أهل مكة فعرفني. قال ابن سعد: هو معاوية بن أبي سفيان. فقال معاوية: «عمرو بن أمية فو اللَّه إن قدمها إلا لشرّ» . فأخبر قريشا بمكانه فخافوه وطلبوه وكان فاتكا في الجاهلية وقالوا: «ولم يأت عمرو بخير» . فحشدوا له وتجمعّوا. قال عمرو: «فقلت لصاحبي: «النجاء» . فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا فرجعنا فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا فيه وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا فلما أصبحنا غدا رجل من قريش. قال ابن سعد هو عبيد اللَّه بن مالك بن عبيد اللَّه التّميمي. قلت قال ابن إسحاق هو عثمان بن مالك أو عبد اللَّه. يقود فرسا له ويخلي عليها فغشينا ونحن في الغار، فقلت إن رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا. قال: ومعي خنجر قد أعددته لأبي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه ضربة وصاح صحيحة فأسمع أهل مكة، وأرجع فأدخل مكاني. وجاءه الناس يشتدّون وهو بآخر رمق فقالوا: من ضربك؟ فقال عمرو بن أمية: وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا. ولفظ رواية إسحاق بن راهويه: فما أدركوا منه ما استطاع أن يخبرهم بمكاننا. فاحتملوه فقلت لصاحبي لما أمسينا: النّجاء.
فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدي، فقال أحدهم: «واللَّه ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية» . قال: فلما حاذى الخشبة شدّ عليها فاحتملها وخرجا شدّا، وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة في الجرف فغيبّه اللَّه تعالى عنهم فلم يقدروا عليه.
ولفظ رواية ابن إسحاق: ثم خرجنا فإذا نحن بخبيب على خشبة فقال لي صاحبي:
«هل لك أن تنزل خبيبا عن خشبته؟» قلت: «نعم فتنحّ عني فإن أبطأت فخذ الطريق» فعمدت لخبيب فأنزلته عن خشبته، فحملته على ظهري، فما مشيت به عشرين ذراعا حتى نذر بي الحرس.
ولفظ ابن أبي شيبة، وأحمد بن عمرو: «فخلّيت خبيبا، فوقع إلى الأرض فانتبذت غير بعيد فالتفت فلم أر خبيبا وكأنما الأرض ابتلعته فما رئي لخبيب رمّة حتى الساعة» . قال:
«وقلت لصاحبي: «النجاء النجاء حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه وكان الأنصاري لا رجلة له» . قال:
«ومضيت حتى أخرج على ضجنان، ثم أويت إلى جبل فأدخل كهفا فبينا أنا فيه إذ دخل على شيخ من بني الدّيل أعور في غنيمة له فقال: «من الرجل؟» فقلت: «من بني بكر فمن أنت؟» قال: «من بني بكر» . فقلت: «مرحبا» فاضطجع ثم رفع عقيرته فقال:
ولست بمسلم ما دمت حيّا ... ولا دان بدين المسلمينا
стр. 2507
فقلت في نفسي: سيعلم. فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي فجعلت سيتها في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم، ثم خرجت النجاء حتى جئت العرج، ثم سلكت ركوبة حتى إذا هبطت النّقيع إذا رجلان من مشركي قريش كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران ويتجسسان، فقلت: «استأسرا» . فأبيا فأرمي أحدهما بسهم فأقتله، واستأسر الآخر، فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة. وجعل عمرو يخبر رسول اللَّه ﷺ خبره ورسول اللَّه ﷺ يضحك، ثم دعا له بخير.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
فتك به: يفتك بكسر الفوقية وضمّها فتكا بتثليث الفاء وسكون الفوقية قتله على غفلة.
يغترّ: بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وفتح الفوقية وتشديد الراء: يأخذه غفلة.
الشّدّ: بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال المهملة: هنا العدو والجري.
اغتاله: أخذه من حيث لا يدري وكذلك غالة.
الخنجر: بفتح الخاء المعجمة وكسرها وسكون النون وفتح الجيم وبالراء.
خافية النّسر: بخاء معجمة وبعد الألف فاء مكسورة فتحتية ساكنة فتاء تأنيث: ريشة صغيرة في جناحه، يريد أنه خنجر صغير.
النّسر: بفتح النون وسكون السين المهملة فراء: طائر معروف والمجمع أنسر ونسور.
أسوّره: بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر الواو المشددة وبالراء فضمير غائب.
عير بفتح العين المهملة وسكون التحتية وبالراء: جبل بالمدينة كما أخبر بذلك من عرفه، ولا يلتفت لقول من أنكر وجوده بالمدينة.
الخرّيت: بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة وسكون التحتية ففوقية مثنّاة.
الحرّة: بفتح الحاء المهملة والراء المشددة فتاء تأنيث: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار والجمع حرار ككلاب وحرّتا المدينة لابتاها من جانبيها.
دلّ عليه: بضم الدال المهملة وتشديد اللام مبني للمفعول.
عبد الأشهل: بشين معجمة.
الغدر: بغين معجمة مفتوحة فدال مهملة ساكنة فراء: ضد الوفاء.
يجني عليه: يكسب.
أسيد: بضم أوله وفتح السين المهملة وسكون التحتية وبالدال المهملة.
стр. 2508
الحضير: بحاء مهملة مضمومة فضاد معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة فراء.
داخلة الإزار: طرفه وحاشيته من داخل.
بلببه: بموحدتين الأولى مفتوحة.
فدعته: بدال مهملة وتعجم فعين مهملة ففوقية مفتوحات: خنقه أشدّ الخنق.
ما أنت؟ ما صفتك؟ أو خاطبه خطاب ما لا يعقل لأن هذا فعل ما لا يعقل.
آمن: بمدّ الهمزة وكسر الميم.
أفرق الرجال: أخافهم.
حريس: بحاء مهملة فراء فتحتية ساكنة فسين مهملة: قال الزمخشري في المشتبه: كل ما في الأنصار حريس فهو بالسين المهملة إلا حريش بن جحجبى بجيم مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فجيم مفتوحة فموحدة.
غرّة: بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء فتاء تأنيث: غفلة.
جبّار: بفتح الجيم وتشديد الموحدة. الشّعب: بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة فموحدة: الطريق في الجبل.
يأجج: بتحتية فهمزة فجيمين الأولى مفتوحة وقد تكسر: مكان قرب مكة.
الأفنية: جمع فناء ككتاب.
الوصيلة: بفتح الواو وكسر الصاد المهملة وهو سعة أمام البيت وقيل ما امتد من جوانبه.
حشدوا: بالحاء المهملة والشين المعجمة: جمعوا له.
النجاء: بالمدّ وقد تقصر: الإسراع في الذهاب.
يخلى عليها: يجرّ لها الخلا بالخاء المعجمة والقصر: النبات الرّطب الرقيق ما دام رطبا.
الرّمق: بفتح الراء والميم وبالقاف: بقية الحياة، وقد تطلق على القوة.
الجرف: بضم الجيم والراء وسكونها: مكان يأكله السّيل.
انتبذت: بفتح أوله وسكون النون وفتح الفوقية والموحدة وسكون الذال المعجمة:
تنحّيت.
ضجنان: بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم فنون فألف فنون: مكان قرب مكة.
الدّيل: بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وباللام.
стр. 2509
العقيرة: بفتح العين المهملة وكسر القاف وسكون التحتية وبالراء: وأصله أن رجلا قطعت رجله فكان يرفع المقطوعة على الصحيحة ويصبح من شدة وجعلها بأعلى صوته فقيل لكل رافع صوته رفع عقيرته.
سية القوس: بكسر السين المهملة وفتح التحتية: ما عطف من طرفها والهاء عوض من الواو.
العرج: بفتح العين المهملة وسكون الراء والجيم: قرية جامعة على نحو ثلاث من المدينة بطريق مكة.
ركوبة: بفتح الراء وضم الكاف وسكون الواو وبالموحدة فتاء تأنيث.
النّقيع: بفتح النون وكسر القاف وسكون التحتية وبالعين المهملة.
العين: الجاسوس.
يتجسّسان الأخبار: يتعرفانها.
стр. 2510
الباب الخامس والثلاثون في سرية أبان بن سعيد بن العاص بن أمية رضي اللَّه تعالى عنه قبل نجد في جمادى الآخرة سنة سبع
روى أبو داود في سننه وأبو نعيم في مستخرجه وتمام الرازي في فوائده: موصولات البخاري في صحيحه تعليقا عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: «بعث رسول اللَّه ﷺ أبان بن سعيد على سريّة من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعد ما افتتحها. وإن حزم خيلهم لليف. وفي رواية الليف قال أبو هريرة: «قلت يا رسول اللَّه: لا تقسم لهم» قال أبان: «وأنت بهذا يا وبر تحدّر من رأس ضأن» - وفي رواية «من رأس ضال» .
فقال النبي ﷺ : «يا أبان اجلس» ،
فلم يقسم لهم [ (١) ] .
تنبيهات
الأول: قال الحافظ: لا أعرف هذه السريّة.
الثاني: وقع في الصحيحين [ (٢) ] عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: «أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو بخيبر بعد ما فتحها، فقلت: يا رسول اللَّه أسهم لي» . فقال بعض ولد سعيد بن العاص: «لا تسهم له يا رسول اللَّه» . فقلت: «هذا قاتل ابن قوقل» . فقال أبان بن سعيد بن العاص: «وا عجبا لوبر تدلّى علينا» . - وفي رواية: «وا عجبا لك وبر تدأدأ من قدوم ضأن ينعي عليّ قتل رجل أكرمه اللَّه على يدي ومنعه أن يهيني بيده» الحديث.
وابن سعيد هذا هو أبان بلا شك ففي هذه الرواية أن أبا هريرة سأل رسول اللَّه ﷺ أن يسهم له. وفي الرواية الأولى أن أبان هو السائل وأن أبا هريرة أشار بمنعه فلذلك قيل وقع في إحدى الروايتين ما يدخل في قسم المقلوب. ورجّح الإمام محمد بن يحيى الذّهلي الرواية السابقة ويريد وقوع التصريح فيها بقول رسول اللَّه ﷺ : «يا أبان اجلس» ولم يقسم له.
ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون أبان نعي عليه بأنه قاتل ابن قوقل وأن أبان احتج على أبي هريرة بأنه ليس ممن له في الحرب يد ليستحق بها النّفل فلا يكون فيه قلب.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
نجد: بفتح النون وسكون الجيم.
أبان: بالصرف وعدمه ورجّحه ابن مالك.
стр. 2511
خيبر: تقدم الكلام عليها في غزوتها.
حزم: بضم الحاء والزاي كما في الفتح وفي اليونينية بسكون الزاي جمع حزام.
اللّيف: بتشديد اللام معروف.
المسد: بفتح الميم وبالسين والدال المهملتين: حبل ليف أو من جلود [الإبل] والأول هو المراد هنا.
وأنت بهذا المكان: المنزلة مع رسول الله ﷺ مع إنك لست من أهله ولا من قومه ولا من بلاده.
يا وبر: بفتح الواو وسكون الموحدة دابّة صغيرة كالسّنّور وحشيّة تسمى غنم بني إسرائيل، ونقل أبو علي القالي- بالقاف واللام- عن أبي حاتم أن بعض العرب يسمي كل دابة من حشرات الجبال وبرا.
تحدّر: تدلّى بلفظ الماضي على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
من رأس ضأن: بضاد معجمة ساقطة وبعد الهمزة نون: اسم جبل في أرض دوس قوم أبي هريرة، وقيل هو رأس الجبل لأنه في الغالب مرعى الغنم.
ضال: بضاد معجمة ساقطة ولام مخففة بدل النون من غير همز. قال الخطابي أراد تحقير أبي هريرة وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع وأنه قليل القدرة على القتال.
ابن قوقل: اسمه النّعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم بصاد مهملة وزن أحمد، وقوقل:
بقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره لام وزن جعفر، لقب ثعلبة أو أصرم.
وا عجباه: بفتح العين المهملة والجيم وبالموحدة والهاء الساكنة: اسم فعل بمعنى أعجب.
تدأدأ: بفوقية ودالين مهملتين مفتوحتين بعد كل همزة الأولى ساكنة والثانية مفتوحة أي هجم علينا بغتة. وفي رواية تدارى براء بدل الدال الثانية بغير همز.
قدوم: بفتح القاف لأكثر رواة الصحيح وضم الدال المهملة المخففة وسكون الواو، وبالميم: الطّرف- بالفاء- ووقع في رواية الأصيلي بضم القاف.
تنعى: بفتح الفوقية وسكون النون فعين مهملة مفتوحة: تعيب، يقال نعا فلان على فلان أمرا إذا عابه ووبّخه عليه يهنيّ: بالتشديد، أصله يهنني بنونين فأدغمت إحداهما في الأخرى أي لم يقدّر موتي كافرا.
стр. 2512
الباب السادس والثلاثون في سرية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى تربة في شعبان سنة سبع
قال محمد بن عمر، وابن سعد: بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة، فخرج عمر معه دليل من بني هلال فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فأتى الخبر إلى هوازن فهربوا وجاء عمر إلى محالّهم فلم يلق منهم أحدا. فانصرف راجعا إلى المدينة حين سلك النّجديّة، فلما كان بذي الجدر قال الهلالي لعمر: «هل لك في جمع آخر تركته من خثعم جاءوا سائرين قد أجدبت بلادهم؟» فقال عمر: «لم يأمرني رسول اللَّه ﷺ بهم إنما أمرني أن أصمد لقتال هوازن بتربة، وانصرف عمر راجعا إلى المدينة.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
تربة: بضم الفوقية وفتح الراء وبالموحدة وتاء التأنيث: واد بقرب مكة على يومين منها يصبّ في بستان ابن عامر، وقيل في مكان غير ذلك.
عجز هوازن: بفتح العين المهملة وضمّ الجيم وبالزاي: عجز الشيء آخره، هوازن: بفتح الهاء وكسر الزاي وبالنون.
محالّهم: بتشديد اللام المفتوحة جمع محلّة وهي منزل القوم.
النّجديّة: نسبة إلى نجد وهو اسم للأرض التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام.
الجدر: بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وبالراء: مسرح الغنم على ستة أميال من المدينة بناحية قباء.
خثعم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين.
الجدب: بفتح الجيم وسكون الدال المهملة ضد الخصب.
أصمد: بضم الميم: أقصد.
стр. 2513
الباب السابع والثلاثون في سرية أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني كلاب بنجد في شعبان سنة سبع .
قال محمد بن عمر رحمه اللَّه تعالى: حدّثني أحمد بن عبد الواحد، وقال ابن سعد:
أخبرنا هاشم بن القاسم [الكناني] قال حدثنا عكرمة بن عمّار [ (١) ] قال حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: «بعث رسول اللَّه ﷺ أبا بكر وأمّره علينا قال حمزة: فسبينا هوازن، وقال هشام بن القاسم: فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم، فكان شعارنا: أمت أمت، قال: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين ثم روى ابن سعد من الطريق السالفة عن سلمة القصة السابقة في السرية إلى بني فزارة، وقتل أم قرفة بناحية وادي القرى، مع ذكره لها أولا، وتبعه على ذلك في العيون هنا، وشيخه الواقدي اقتصر على ما ذكرناه هنا عن سلمة فسلم من الوهم.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
كلاب: بكسر الكاف وتخفيف اللام.
الشّعار: بكسر الشين المعجمة وبالعين المهملة.
أمت أمت: مرتين: أمر بالموت والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإماتة مع حصول الغرض للشّعار فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل.
стр. 2514
الباب الثامن والثلاثون في سرية بشير بن سعد رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني مرة بفدك في شعبان سنة سبع .
قال محمد بن عمر، وابن سعد رحمهما اللَّه تعالى: «بعث رسول اللَّه ﷺ بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك، فخرج يلقي رعاء الشّاء فسأل عن الناس فقالوا هم في بواديهم- والناس يومئذ شاتون لا يحضرون الماء- فاستاق النّعم والشّاء وانحدر إلى المدينة، فخرج الصّريخ فأخبرهم فأدركه الدّهم منهم عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنّبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير، وأصبحوا فحمل المرّيّون عليهم فأصابوا أصحاب بشير وولّي منهم من ولّى، وقاتل بشير قتالا شديدا حتى ارتثّ، وضرب كعبه فقيل قد مات، ورجعوا بنعمهم وشائهم، وكان أول من قدم بخبر السريّة ومصابها علبة بن زيد الحارثي. واستمر بشير بن سعد في القتلى فلما أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك فأقام عند يهود بها أياما حتى ارتفع من الجراح ثم رجع إلى المدينة.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
بشير: بموحدة فشين معجمة فتحتية فراء وزن أمير.
مرة: بضم الميم وتشديد الراء.
فدك: بفتح الفاء والدال وبالكاف.
البوادي: جمع بادية.
الدّهم: بفتح الدال المهملة وسكون الهاء وبالميم: العدد الكثير، وجمعه الدهوم بضم الدال.
ارتثّ: بضم أوله وسكون الراء وضم الفوقية وبالمثلثة: حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق.
غلبة: بضم العين المهملة وسكون اللام وفتح الموحدة وتاء تأنيث.
стр. 2515
الباب التاسع والثلاثون في سرية غالب بن عبد اللَّه الليثي إلى الميفعة في رمضان سنة سبع .
روى ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة رحمه اللَّه تعالى أن النبي ﷺ قال له مولاه يسار:
«يا نبي اللَّه إني قد علمت غرة من بني عبد بن ثعلبة فأرسل معي إليهم» . فأرسل معه غالبا في مائة وثلاثين رجلا. قال ابن سعد رحمه اللَّه تعالى: قالوا بعث رسول اللَّه ﷺ غالب بن عبد اللَّه إلى بني عوال، وبني عبد بن ثعلبة وهم بالميفعة وهي وراء بطن نخل إلى النّقرة قليلا بناحية نجد [بينها وبين المدينة ثمانية برد] . بعثه في مائة وثلاثين رجلا، ودليلهم يسار مولى رسول اللَّه ﷺ فهجموا عليهم جميعا، ووقعوا في وسط محالّهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء فحدروه إلى المدينة ولم يأسروا أحد.
تنبيهات
الأول: ذكر ابن سعد وتبعه في العيون والمورد أن في هذه السريّة قتل أسامة بن زيد رضي اللَّه تعالى عنه نهيك، بن مرداس الذي قال: «لا إله إلا اللَّه» ،
فقال النبي ﷺ : «ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟» [ (١) ] إلخ
وسيأتي الكلام على ذلك في سريّة أسامة إلى الحرقات.
الثاني: خلط البيهقي وتبعه في البداية هذه السريّة بالسرية الآتية بالباب [الثاني والأربعين] والصحيح أنها غيرها.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
الميفعة: بميم مكسورة فتحتية ساكنة ففاء مفتوحة فعين مهملة فتاء تأنيث، قال في النور والقياس فيها فتح الميم: اسم موضع.
يسار: بتحتية مفتوحة فسين مهملة.
بنو عوال: بعين مهملة مضمومة فواو وبعد الألف لام.
بنو عبد: بغير إضافة إلى معبود.
ثعلبة: بالثاء المثلثة.
نخل: بفتح النون فخاء معجمة ساكنة فلام: مكان من نجد من أرض غطفان ولا يخالف ذلك قول نصر والحازمي إنها بالحجاز.
النّقرة: بفتح النون وسكون القاف، وقيل بكسر القاف.
وسط: بفتح السين المهملة وبسكونها.
لم يأسروا: بكسر السين المهملة.
стр. 2516
الباب الأربعون في سرية بشير بن سعد رضي اللَّه تعالى عنه إلى يمن وجبار في شوّال سنة سبع
قال ابن سعد رحمه اللَّه تعالى: قالوا بلغ رسول اللَّه ﷺ أن جمعا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن الفزاري- أي قبل أن يسلم- ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول اللَّه ﷺ . فدعا رسول اللَّه ﷺ بشير بن سعد فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وخرج معه حسيل بن نويرة دليلا، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا يمن وجبار، وهما نحو الجناب- والجناب معارض سلاح- وخيبر ووادي القرى، فنزلوا سلاح ثم دنوا من القوم فأصابوا نعما كثيرا ونفر الرّعاء فحذروا الجمع وتفرقوا ولحقوا بعليا بلادهم. وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالّهم، فيجدها وليس فيها أحد، فلقوا عينا لعيينة فقتلوه، ثم لقوا جمع عيينة وهو لا يشعر بهم فناوشوهم، ثم انكشف جمع عيينة، وتبعهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ فأخذوا منهم رجلين فأسروهما ورجع الصحابة بالنّعم والرجلين إلى رسول اللَّه ﷺ فأسلما فأرسلهما رسول اللَّه ﷺ .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
بشير: بالموحدة والشين المعجمة وزن أمير.
يمن: بفتح الياء آخر الحروف أو ضمّها. ويقال أمن بفتح أوله أو ضمه وسكون الميم وبالنون.
جبار: بفتح الجيم وبالموحدة والراء اسم موضع وصاحب القاموس يقتضي فتح الجيم.
عيينة: بضم العين المهملة وكسرها فتحتية مفتوحة فأخرى ساكنة فنون فتاء تأنيث.
حصن: بكسر الحاء وسكون الصاد المهملتين فنون.
حسيل: بضم الحاء وفتح السين المهملتين وسكون التحتية وباللام، وقيل بالتكبير.
نويرة: بضم النون وفتح الواو وسكون التحتية فراء فتاء تأنيث.
سلاح: قال البكري: بكسر السين المهملة وبالحاء المهملة وتبعه في العيون وقال في القاموس كقطام فاقتضى فتح أوله.
الرّعاء: بكسر الراء.
стр. 2517
عليا بلادهم: بضم العين المهملة وسكون اللام وبالقصر: نقيض السّفلى.
محالّهم: بفتح الميم والحاء المهملة وكسر اللام المشددة جمع محلّة وهي منزل القوم.
العين: الجاسوس.
ناوشهم: المناوشة في القتال تداني الفريقين وأخذ بعضهم بعضا.
انكشف جمعهم: انهزم.
стр. 2518
الباب الحادي والأربعون في سرية الأخرم بن أبي العوجاء السّلمي رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع .
قالوا: بعث رسول اللَّه ﷺ ابن أبي العوجاء السّلمي في خمسين رجلا إلى بني سليم، فخرج إليهم وتقدّمه عين لهم كان معه فحذرهم. فجمعوا له جمعا كثيرا فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام. فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا. فتراموا بالنّبل ساعة وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية. فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم. وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول اللَّه ﷺ . ثم قدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الأخرم: بخاء معجمة فميم.
ابن أبي العوجاء: كذا ذكر ابن إسحاق وابن سعد [إثبات لفظ ابن وهو الذي عزاه في الإصابة والتجريد للزهري] وأغرب الذهبي في الكنى فقال «أبو العوجاء» ونقله عن الزهري.
سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام.
العين: هنا الجاسوس.
معدون: بضم الميم وكسر العين وضم الدال المشددة المهملتين.
الأمداد: الأعوان والأنصار.
стр. 2519
الباب الثاني: والأربعون في سرية غالب بن عبد اللَّه الليثي رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني الملوّح بالكديد في صفر سنة ثمان
روى ابن إسحاق والإمام أحمد وأبو داود من طريق محمد بن عمر، وابن سعد رحمهم اللَّه تعالى عن جندب بن مكيث الجهني رضي اللَّه تعالى عنه، قال: بعث رسول اللَّه ﷺ غالب بن عبد اللَّه الليثي، ليث كلب بن عوف في سريّة كنت فيهم، وأمره أن يشنّ الغارة على بني الملوّح بالكديد، وهم من بني ليث. قال: فخرجنا حتى إذا كنّا بقديد لقينا الحارث بن البرصاء [الليثي] فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام وإنما خرجت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا لن يضرّك رباط يوم وليلة إن كنت تريد الإسلام وإن يكن غير ذلك فنستوثق منك. قال: فشددناه وثاقا وخلّفنا عليه رويجلا منا أسود، يقال له سويد بن منحر، وقلنا إن نازعك فاحترز رأسه. ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكمنّا في ناحية الوادي، وبعثني أصحابي ربيئة لهم، فخرجت حتى أتيت تلّا مشرفا على الحاضر يطلعني عليهم حتى إذا أسندت فيه وعلوت رأسه انبطحت- وفي رواية، فاضطجعت على بطني- قال: فو اللَّه إني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له، فقال لامرأته: إني أرى على هذا التلّ سوادا ما رأيته عليه صدر يومي هذا فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرّت منها شيئا.
قال: فنظرت فقالت: واللَّه ما أفقد من أوعيتي شيئا. فقال لامرأته: ناوليني قوسي ونبلي. فناولته قوسه وسهمين معها، فأرسل سهما فو اللَّه ما أخطأ به جنبي- ولفظ ابن إسحاق، وابن سعد: بين عينيّ- قال: فانتزعته وثبت مكاني. ثم رمى بالآخر فخالطني به- ولفظ ابن إسحاق، وابن سعد، فوضعه في منكبي- فانتزعته فوضعته وثبتّ في مكاني. فقال لامرأته: واللَّه لو كان ربيئة لقد تحرّك بعد، لقد خالطه سهمان لا أبالك، فإذا أصبحت فابتغيهما لا تمضغهما الكلاب.
قال: ثم دخل الخباء، وراحت ماشية الحيّ من إبلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا فناموا شننّا عليهم الغارة فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية واستقنا النّعم والشّاء فخرجنا نحدرها قبل المدينة حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا وخرج صريخ القوم في قومهم فجاءنا ما لا قبل لنا به، فجاءنا القوم حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلا الوادي وهم موجّهون إلينا إذ جاء اللَّه تعالى بالوادي من حيث شاء بماء يملأ جنبتيه، وأيم اللَّه ما رأينا قبل ذلك سحابا ولا مطرا فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا وقد أسندناها في المشلّل [نحدرها] وفي لفظ في المسيل- وفتناهم [فوتا] لا يقدرون فيه على طلبنا، ثم قدمنا
стр. 2520
المدينة، وروى محمد بن عمر، عن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: كنت معهم وكنا بضعة عشر رجلا وكان شعارنا: أمت أمت.
تنبيهان
الأول: نقل في البداية عن الواقدي أنه ذكر هذه القصة بإسناد آخر وقال فيه: وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا. والواقدي ذكر ذلك في سرية لغالب غير هذه.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
الملوّح: بميم مضمومة فلام مفتوحة فواو مشددة مكسورة.
الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال المهملة فتحتية ساكنة فدال مهملة.
جندب: بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها.
مكيث: بميم فكاف فتحتية فثاء مثلثة وزن أمير.
يشنّ: يفرّق من كل وجه.
الغارة: اسم من أغار ثم أطلقت الغارة على الخيل.
لقينا: بسكون التحتية.
الحارث: بالنصب مفعول لقينا.
ابن البرصاء: اسم أبيه مالك.
رويجلا: تصغير رجل.
الرّبيئة: بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الهمزة وبتاء التأنيث.
الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه [ويقال للمناهل المحاضر للاجتماع والحضور عليها] قال الخطّابي: ربما جعلوا الحاضر اسما للمكان المحضور يقال نزلنا حاضر بني فلان فهو فاعل بمعنى مفعول.
يطلعني: بضم أوله.
أسندت: بفتح أوله وسكون السين المهملة وفتح النون وسكون الدال المهملة أي صعدت.
الخباء: بكسر الخاء المعجمة وفتح الموحدة وبالمدّ، بيت من بيوت الأعراب.
لا أبا لك: بكسر الكاف هنا، ويذكر للحث على الفعل تارة بمعنى جدّ في أمرك وشمّر لأن من له أب اتكل عليه في بعض شأنه، وللمدح تارة أي لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر
стр. 2521
في معرض الذّمّ [كما يقال لا أمّ لك] وقد يذكر في معرض التعجب ودفعا للعين كقولهم لله درك وقد تحذف اللام فيقال لا أباك بمعناه.
تمضغهما: بضم الضاد المعجمة وفتحها.
نحدرها: بضم الدال المهملة.
واحتملنا صاحبنا: هو الرّويجل الأسود.
أدركنا: بفتح الكاف والضمير في محل النصب.
القوم: فاعل.
بالوادي: أي بالسّبيل في الوادي.
المشلل: بضم الميم وفتح الشين المعجمة وفتح اللام الأولى.
المسيل: موضع سيل الماء.
الشّعار: العلامة.
أمت أمت: تقدم الكلام عليها في سرية أبي بكر.
стр. 2522
الباب الثالث والأربعون في سرية غالب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد في صفر سنة ثمان
قال محمد عمر، وابن إسحاق في رواية يونس ومحمد بن سلمة رحمهم الله تعالى أن رسول الله ﷺ لما بلغه ما حصل لبشير بن سعد وأصحابه هيّأ الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه وقال له: «سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم» [ (١) ] وهيّأ معه مائتي رجل وعقد له لواء.
فقدم غالب بن عبد الله اللّيثي من الكديد قد ظفره الله عليهم
فقال ﷺ للزبير: «اجلس»
وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل فيهم أسامة بن زيد، وعلبة بن زيد الحارثي وأبو مسعود عقبة بن عمرو، وكعب بن عجرة فلما دنا غالب منهم بعث الطلائع.
فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظرون إلى محالّهم، فأوفى على جماعة منهم ثم رجع إلى غالب فأخبره الخبر. فأقبل غالب يسير حتى إذا كان منهم بنظر العين ليلا وقد عطنوا وهدأوا قام غالب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وان تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا لى أمرا فإنه لا رأي لمن لا يطاع» .
ثم ألف بينهم فقال: «يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت وفلان لا يفارق رجل منكم زميله، وإياكم أن يرجع إلى رجل منكم، فأقول: أين صاحبك؟ فيقول لا أدري فإذا كبّرت فكبّروا وجرّدوا السيوف. فلما أحاطوا بالحاضر كبّر غالب فكبّروا وجردوا السيوف فخرج الرجال فقاتلوا ساعة ووضع المسلمون فيهم السيف حيث شاءوا. وروى ابن سعد عن إبراهيم بن حويصة بن مسعود عن أبيه قال: بعثني رسول الله ﷺ في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز إلينا أميرنا ألا نفترق وواخى بيننا فقال: لا تعصوني فإنّي رسول الله ﷺ قال: «من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني» ، وإنكم متى ما عصيتموني فإنما تعصون نبيكم. قال: فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدري. قال: فأصبنا القوم وكان شعارهم أمت أمت.
قال محمد بن عمر: وفي هذه السرية خرج أسامة بن زيد في إثر رجل منهم يقال له نهيك بن مرداس أو مرداس بن نهيك وهو الصواب، فأبعد وقوي المسلمون على الحاضر وقتلوا من قتلوا، واستاقوا نعما وشاء. وذكر ابن سعد ذلك في سرية غالب إلى الميفعة. وتفقّد
стр. 2523
غالب أسامة بن زيد، فجاء أسامة بعد ساعة من الليل فلامه الأمير لائمة شديدة وقال: ألم تر إلى ما عهدت إليك؟ فقال خرجت في إثر رجل منهم يقال له نهيك جعل يتهكم بي حتى إذا دنوت منه قال: «لا إله إلا الله» . فقال الأمير: «أأغمدت سيفك» ؟ فقال: «لا والله ما فعلت حتى أوردته شعوب» . فقال: بئس ما فعلت وما جئت به تقتل امرءا يقول لا إله إلا الله. فندم أسامة وسقط في يده وساق المسلمون النّعم والشّاء والذّرية، وكانت سهمانهم عشرة أبعرة لكل رجل أو عدلها من الغنم وكانوا يحسبون الجزور بعشرة من الغنم.
تنبيهان
الأول: كذا ذكر ابن إسحاق في رواية يونس ومحمد بن عمر، أن قتلة أسامة لمرداس كانت في هذه الغزوة وسيأتي الكلام على ذلك في سرية أسامة بن زيد إلى الحرقات.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
مصاب: بضم الميم وبالصاد المهملة.
بشير: بموحدة وشين معجمة كأمير.
فدك: بفتح الفاء والدال المهملة.
هيّأ: بفتح الهاء والتحتية المشددة وبالهمز.
الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأولى.
علبة: بضم العين المهملة وسكون اللام وبالموحدة وتاء التأنيث.
عقبة: بالقاف.
عجرة: بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالراء وتاء التأنيث.
الطلائع: جمع طليعة من يبعث ليطّلع طلع العدوّ للواحد والجمع.
أوفى: أشرف.
الزّميل: بفتح الزاي وكسر الميم وسكون التحتية وباللام، وهو هنا الرفيق في السفر الذي يعينك على أمورك.
الحاضر: تقدم في الباب الذي قبله.
حويّصة: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتخفيف التحتية ساكنة وتشديدها مكسورة وبالصاد المهملة.
مرة: بضم الميم وفتح الراء المشددة.
أو عز إليه: بفتح أوله وسكون الواو وفتح العين المهملة والزاي تقدم.
أمت أمت: تقدم الكلام عليه في سرية أبي بكر ﵁.
стр. 2524
الباب الرابع والأربعون في سرية شجاع بن وهب الأسدي رضي الله تعالى عنه إلى بني عامر بالسي في ربيع الأول سنة ثمان .
روى محمد بن عمر رحمه الله تعالى عن عمر بن الحكم رحمه الله تعالى قال: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسّيّ ناحية ركبة من وراء المعدن وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبّحهم وهم غارّون، وقد أوعز إلى أصحابه ألّا يمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، [واقتسموا الغنيمة] فكانت سهمانهم خمسة عشر بعيرا لكل رجل وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
شجاع: بضم الشين المعجمة.
السّيّ: بكسر السين المهملة ومدّ الهمزة.
ركبة: بضم الراء وسكون الكاف وبالموحدة.
المعدن: بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين وبالنون.
غارّون: بالغين المعجمة وبعد الألف راء مشددة مضمومة فنون: غافلون.
أوعز: بفتح أوله وسكون الواو وفتح العين المهملة والزاي، تقدم.
أمعن في طلب العدو، بالغ وأبعد.
стр. 2525
الباب الخامس والأربعون في سرية كعب بن عمير الغفاري رضي الله تعالى عنه إلى ذات أطلاح في شهر ربيع الأول سنة ثمان
قال محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنّبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشقّ ذلك عليه وهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
قال محمد بن عمر حدثني ابن أبي سبرة عن الحرث بن فضيل قال: كان كعب بن عمير يمكن النهار ويسير الليل حتى دنا منهم فرآه صيدهم فأخذهم بعلة أصحاب رسول الله ﷺ فجاءوا إليهم على الخيول فقتلوهم قال أبو عمر: قتلوهم بقضاعة.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
عمير: بعين مهملة مضمومة فميم مفتوحة فتحتية ساكنة فراء.
الغفاري: بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء.
أطلاح: بفتح الهمزة وسكون الطاء وبالحاء المهملة وهو من وراء وادي القرى.
محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الزهري يروى عنه.
قتلوا: بالبناء للمفعول.
أفلت: وتفلت وانفلت أي تخلص ونجا.