← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

في معرض الذّمّ [كما يقال لا أمّ لك] وقد يذكر في معرض التعجب ودفعا للعين كقولهم لله درك وقد تحذف اللام فيقال لا أباك بمعناه. تمضغهما: بضم الضاد المعجمة وفتحها. نحدرها: بضم الدال المهملة. واحتملنا صاحبنا: هو الرّويجل الأسود. أدركنا: بفتح الكاف والضمير في محل النصب. القوم: فاعل. بالوادي: أي بالسّبيل في الوادي. المشلل: بضم الميم وفتح الشين المعجمة وفتح اللام الأولى. المسيل: موضع سيل الماء. الشّعار: العلامة. أمت أمت: تقدم الكلام عليها في سرية أبي بكر.

стр. 2522

الباب الثالث والأربعون في سرية غالب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد في صفر سنة ثمان قال محمد عمر، وابن إسحاق في رواية يونس ومحمد بن سلمة رحمهم الله تعالى أن رسول الله ﷺ لما بلغه ما حصل لبشير بن سعد وأصحابه هيّأ الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه وقال له: «سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم» [ (١) ] وهيّأ معه مائتي رجل وعقد له لواء. فقدم غالب بن عبد الله اللّيثي من الكديد قد ظفره الله عليهم فقال ﷺ للزبير: «اجلس» وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل فيهم أسامة بن زيد، وعلبة بن زيد الحارثي وأبو مسعود عقبة بن عمرو، وكعب بن عجرة فلما دنا غالب منهم بعث الطلائع. فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظرون إلى محالّهم، فأوفى على جماعة منهم ثم رجع إلى غالب فأخبره الخبر. فأقبل غالب يسير حتى إذا كان منهم بنظر العين ليلا وقد عطنوا وهدأوا قام غالب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وان تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا لى أمرا فإنه لا رأي لمن لا يطاع» . ثم ألف بينهم فقال: «يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت وفلان لا يفارق رجل منكم زميله، وإياكم أن يرجع إلى رجل منكم، فأقول: أين صاحبك؟ فيقول لا أدري فإذا كبّرت فكبّروا وجرّدوا السيوف. فلما أحاطوا بالحاضر كبّر غالب فكبّروا وجردوا السيوف فخرج الرجال فقاتلوا ساعة ووضع المسلمون فيهم السيف حيث شاءوا. وروى ابن سعد عن إبراهيم بن حويصة بن مسعود عن أبيه قال: بعثني رسول الله ﷺ في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز إلينا أميرنا ألا نفترق وواخى بيننا فقال: لا تعصوني فإنّي رسول الله ﷺ قال: «من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني» ، وإنكم متى ما عصيتموني فإنما تعصون نبيكم. قال: فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدري. قال: فأصبنا القوم وكان شعارهم أمت أمت. قال محمد بن عمر: وفي هذه السرية خرج أسامة بن زيد في إثر رجل منهم يقال له نهيك بن مرداس أو مرداس بن نهيك وهو الصواب، فأبعد وقوي المسلمون على الحاضر وقتلوا من قتلوا، واستاقوا نعما وشاء. وذكر ابن سعد ذلك في سرية غالب إلى الميفعة. وتفقّد

стр. 2523

غالب أسامة بن زيد، فجاء أسامة بعد ساعة من الليل فلامه الأمير لائمة شديدة وقال: ألم تر إلى ما عهدت إليك؟ فقال خرجت في إثر رجل منهم يقال له نهيك جعل يتهكم بي حتى إذا دنوت منه قال: «لا إله إلا الله» . فقال الأمير: «أأغمدت سيفك» ؟ فقال: «لا والله ما فعلت حتى أوردته شعوب» . فقال: بئس ما فعلت وما جئت به تقتل امرءا يقول لا إله إلا الله. فندم أسامة وسقط في يده وساق المسلمون النّعم والشّاء والذّرية، وكانت سهمانهم عشرة أبعرة لكل رجل أو عدلها من الغنم وكانوا يحسبون الجزور بعشرة من الغنم. تنبيهان الأول: كذا ذكر ابن إسحاق في رواية يونس ومحمد بن عمر، أن قتلة أسامة لمرداس كانت في هذه الغزوة وسيأتي الكلام على ذلك في سرية أسامة بن زيد إلى الحرقات. الثاني: في بيان غريب ما سبق: مصاب: بضم الميم وبالصاد المهملة. بشير: بموحدة وشين معجمة كأمير. فدك: بفتح الفاء والدال المهملة. هيّأ: بفتح الهاء والتحتية المشددة وبالهمز. الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الأولى. علبة: بضم العين المهملة وسكون اللام وبالموحدة وتاء التأنيث. عقبة: بالقاف. عجرة: بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالراء وتاء التأنيث. الطلائع: جمع طليعة من يبعث ليطّلع طلع العدوّ للواحد والجمع. أوفى: أشرف. الزّميل: بفتح الزاي وكسر الميم وسكون التحتية وباللام، وهو هنا الرفيق في السفر الذي يعينك على أمورك. الحاضر: تقدم في الباب الذي قبله. حويّصة: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتخفيف التحتية ساكنة وتشديدها مكسورة وبالصاد المهملة. مرة: بضم الميم وفتح الراء المشددة. أو عز إليه: بفتح أوله وسكون الواو وفتح العين المهملة والزاي تقدم. أمت أمت: تقدم الكلام عليه في سرية أبي بكر ﵁.

стр. 2524

الباب الرابع والأربعون في سرية شجاع بن وهب الأسدي رضي الله تعالى عنه إلى بني عامر بالسي في ربيع الأول سنة ثمان . روى محمد بن عمر رحمه الله تعالى عن عمر بن الحكم رحمه الله تعالى قال: بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسّيّ ناحية ركبة من وراء المعدن وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبّحهم وهم غارّون، وقد أوعز إلى أصحابه ألّا يمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، [واقتسموا الغنيمة] فكانت سهمانهم خمسة عشر بعيرا لكل رجل وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: شجاع: بضم الشين المعجمة. السّيّ: بكسر السين المهملة ومدّ الهمزة. ركبة: بضم الراء وسكون الكاف وبالموحدة. المعدن: بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين وبالنون. غارّون: بالغين المعجمة وبعد الألف راء مشددة مضمومة فنون: غافلون. أوعز: بفتح أوله وسكون الواو وفتح العين المهملة والزاي، تقدم. أمعن في طلب العدو، بالغ وأبعد.

стр. 2525

الباب الخامس والأربعون في سرية كعب بن عمير الغفاري رضي الله تعالى عنه إلى ذات أطلاح في شهر ربيع الأول سنة ثمان قال محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنّبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشقّ ذلك عليه وهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم. قال محمد بن عمر حدثني ابن أبي سبرة عن الحرث بن فضيل قال: كان كعب بن عمير يمكن النهار ويسير الليل حتى دنا منهم فرآه صيدهم فأخذهم بعلة أصحاب رسول الله ﷺ فجاءوا إليهم على الخيول فقتلوهم قال أبو عمر: قتلوهم بقضاعة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عمير: بعين مهملة مضمومة فميم مفتوحة فتحتية ساكنة فراء. الغفاري: بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء. أطلاح: بفتح الهمزة وسكون الطاء وبالحاء المهملة وهو من وراء وادي القرى. محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الزهري يروى عنه. قتلوا: بالبناء للمفعول. أفلت: وتفلت وانفلت أي تخلص ونجا.

стр. 2526

الباب السادس والأربعون في سرية مؤنة وهي بأدنى البلقاء دون دمشق في جمادى الأولى سنة ثمان قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا فليجعلوه عليهم» [ (١) ] . قال محمد بن عمر ﵀ عن عمر بن الحكم عن أبيه أن رسول الله ﷺ لما صلّى الظهر جلس، وجلس أصحابه حوله، وجاء النعمان بن مهضّ اليهودي فوقف على رسول الله ﷺ : فقال رسول الله ﷺ : «زيد بن حارثة أمير الناس فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فإن أصيب عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون رجلا منهم فليجعلوه عليهم» . فقال النعمان بن مهضّ: «يا أبا القاسم إن كنت نبيّا فسمّيت من سمّيت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان ففلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا» ثم إن اليهودي جعل يقول لزيد بن حارثة: «اعهد فإنك لا ترجع إلى محمد إن كان نبيا» . قال زيد: «فاشهد أنه رسول صادق بارّ» . وعقد لهم رسول الله ﷺ لواء أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعينوا عليهم بالله ﵎ وقاتلوهم. ذكر طعن الصحابة في إمارة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه روى البخاري عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «بعث النبي ﷺ بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد [ (٢) ] فطعن [بعض] الناس في إمارته، وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين فقام رسول الله ﷺ فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «قد بلغني أنكم قلتم في أسامة، إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن

стр. 2527

كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ وإن هذا لمن أحبّ النّاس إليّ بعده» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه، والبيهقي عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: «بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وقال: «عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر فأن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» قال: فوثب جعفر ﵁ وقال: [بأبي أنت وأمي] يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدا) فقال: «امض فإنك لا تدري أي ذلك خير» [ (٢) ] . ذكر مسير المسلمين ووداع رسول الله ﷺ ووصيته إياهم قال عروة بن الزبير [ (٣) ] : «فتجهّز الناس ثم تهيّئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودّع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلّموا عليهم. فلما ودّع عبد الله رواحة مع من ودّع من أمراء رسول الله ﷺ بكى، فقالوا: «ما يبكيك يا ابن رواحة؟» فقال: «أما والله ما بي حبّ الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [مريم ٧١] فلست أدري كيف لي بالصّدر بعد الورود؟» فقال المسلمون: «صحبكم الله ودفع عنكم وردّكم إلينا صالحين» . فقال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: لكنني أسأل الرّحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتّى يقال إذا مرّوا على جدثي ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا قال ابن إسحاق: ثم إن القوم تهيّئوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودّعه ثم قال: فثبّت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا إنّي تفرّست فيك الخير نافلة ... الله يعلم أنّي ثابت البصر أنت الرّسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منك فقد أزري به القدر هكذا أنشد ابن هشام هذه الأبيات وأنشدها ابن إسحاق بلفظ فيه إقواء قال ابن

стр. 2528

إسحاق: «ثم خرج القوم وخرج رسول الله ﷺ يشيّعهم حتى إذا ودّعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة ﵁: خلف السّلام على امرئ ودّعته ... في النّخل خير مشيّع وخليل» وروى محمد بن عمر عن خالد بن يزيد رحمه الله تعالى قال: خرج رسول الله ﷺ مشيّعا لأهل مؤتة حتى بلغ ثنيّة الوداع فوقف ووقفوا حوله فقال: «اغزوا باسم الله فقاتلوا عدوّ الله وعدوّكم بالشام وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لهم وستجدون آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فافلقوها بالسيوف، لا تقتلنّ امرأة ولا صغيرا ضرعا ولا كبيرا فانيا ولا تقربن نخلا ولا تقطعنّ شجرا ولا تهدمنّ بيتا» [ (١) ] . وروى محمد بن عمر [الواقدي] عن زيد بن أرقم [رفعه] أن رسول الله ﷺ قال: «أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيتم عدوّكم من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث فأيّتهنّ ما أجابوكم إليها فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم الأذى ثم ادعوهم إلى التّحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبروهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحوّلوا منها فأخبروهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله [الذي يجري على المؤمنين] ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم فإن هم أبوا فاستعينوا بالله عليهم وقاتلوهم وإن حاصرتم أهل حصن أو مدينة فأرادوكم أن تجعلوا لهم ذمة الله وذمّة رسوله فلا تجعلوا لهم ذمّة الله ولا ذمّة رسوله ولكن اجعلوا لهم ذمّتكم وذمّة آبائكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله» . وذكر نحو ما سبق. وروى محمد بن عمر عن عطاء بن مسلم [ (٢) ] رحمه الله تعالى قال: «لما ودّع رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة قال ابن رواحة: يا رسول الله مرني بشيء أحفظه عنك قال: «إنك قادم غدا بلدا السجود فيه قليل فأكثر السجود» قال عبد الله بن رواحة: زدني يا رسول الله. قال: «اذكر الله فإنه عون لك على ما تطالب» . فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع فقال: يا رسول الله إن الله وتر يحب الوتر فقال: «يا ابن رواحة ما عجزت فلا تعجزنّ إن

стр. 2529

أسأت عشرا أن تحسن واحدة» [ (١) ] . قال ابن رواحة: لا أسألك عن شيء بعدها. ذكر رجوع عبد الله بن رواحة ﵁ ليصلي الجمعة روى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول لله ﷺ بعث إلى مؤتة فاستعمل زيدا وذكر الحديث وفيه: فتخلّف ابن رواحة فجمع مع رسول الله ﷺ ، فلما صلى رسول الله ﷺ رآه، فقال: «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟» قال: أردت أن أصلّي معك الجمعة ثم ألحقهم. فقال رسول الله ﷺ : «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم» . وفي لفظ: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» [ (٢) ] . ذكر مسير المسلمين بعد وداع رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق، ومحمد بن عمر: ثم مضى الناس. قال محمد بن عمر: قالوا: كان زيد بن أرقم يقول- وقال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدّث عن زيد بن أرقم قال: «كنت يتيماً في حجر عبد الله بن رواحة فلم أر وليّ يتيم كان خيرا منه فخرجنا إلى مؤتة فكان يردفني خلفه على حقيبة رحله فو الله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه: إذا أدّيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذمّ ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي وآب المسلمون وغادروني ... بأرض الشّام مشتهي الثّواء وردّك كلّ ذي نسب قريب ... إلى الرّحمان منقطع الإخاء هنا لك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أسافلها رواء قال: فلما سمعتهنّ منه بكيت فخفقني بالدّرّة وقال: «ما عليك بالكع أن يرزقني الله الشهادة فأستريح من الدنيا ونصبها وهمومها وأحزانها وترجع بين شعبتي الرّحل» . زاد ابن إسحاق: قال ثم قال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه في بعض شعره وهو يرتجز: يا زيد زيد اليعملات الذّبّل ... تطاول اللّيل هديت فانزل زاد محمد بن عمر: ثم نزل من الليل، ثم صلى ركعتين ودعا فيهما دعاء طويلا ثم قال: يا غلام. قلت: لبّيك. قال: هي إن شاء الله الشهادة. قالوا: ولما فصل المسلمون من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم فتجمّعوا لهم وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف،

стр. 2530

وقدّم الطلائع أمامه. فلما نزل المسلمون وادي القرى بعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين من المشركين فاقتتلوا وانكشف أصحاب سدوس وقد قتل، فشخص أخوه. ومضى المسلمون حتى نزلوا معان من أرض الشام. وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليهم مائة ألف أخرى من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بلقين وبهراء وبليّ عليهم ورجل من بليّ ثم أحد إراشة يقال له مالك بن رافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بكثرة عدونا فإما أن يمدّنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له. فشجّع الناس عبد الله بن رواحة فقال: «يا قوم والله إن التي تكرهون للّتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة وليست بشرّ المنزلتين» . فقال الناس: صدق والله ابن رواحة. فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها. فتعبّأ لهم المسلمون. وروى أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن القرّاب في تاريخه عن برذع بن زيد قال: قدم علينا وفد رسول الله ﷺ إلى مؤتة وعليهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وخرج معهم منا عشرة إلى مؤتة يقاتلون معهم. قد كان رسول الله ﷺ نهاهم أن يأتوا فركبت القوم ضبابة فلم يبصروا حتى أصبحوا على مؤتة. وروى محمد بن عمر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «شهدت مؤتة فلما دنا العدوّ منا رأينا ما لا قبل لأحد به من العدد والعدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب فبرق بصري فقال لي ثابت بن أقرم: «يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة» . قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد معنا بدرا، إنّا لم ننصر بالكثرة. قال ابن إسحاق: وتعبّأ المسلمون للمشركين، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك-[قال ابن هشام] ويقال له عبادة بن مالك. ذكر التحام القتال قال ابن عقبة، وابن إسحاق، ومحمد بن عمر: ثم التقى الناس واقتتلوا قتالاً شديداً. فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم. ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعرقبها ثم قاتل القوم حتى قتل فكان جعفر أول رجل من المسلمين عرقب فرسا له في سبيل الله.

стр. 2531

وروى ابن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرّة بن عوف، وكان في غزوة مؤتة قال: والله لكأني انظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول: يا حبّذا الجنّة واقترابها ... طيّبة وباردا شرابها والرّوم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليّ إذ لاقيتها ضرابها وهذا الحديث رواه أبو داود من طريق ابن إسحاق ولم يذكر الشعر وفي حديث أبي عامر رضي الله تعالى عنه عند ابن سعد أن جعفرا رضي الله تعالى عنه لبس السلاح ثم حمل على القوم حتى إذا همّ أن يخالطهم رجع فوحّش بالسلاح ثم حمل على العدو وطاعن حتى قتل. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله تعالى عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين. وروى البخاريّ والبيهقي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وستين من طعنة ورمية، وفي رواية عنه قال: «وقفت علي جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين من طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره» . ذكر مقتل عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه روى ابن إسحاق [يحيى بن] عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه الذي أرضعه قال: فلما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... طائعة أو لتكرهنّه أن أجلب النّاس وشدّوا الرّنّه ... مالي أراك تكرهين الجنّة قد طال ما قد كنت مطمئنّة ... هل أنت إلا نطفة في شنّه وقال أيضاً رضي الله تعالى عنه: يا نفس إلّا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت وما تمنّيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت

стр. 2532

يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عمر له بعرق من لحم فقال: «شد بهذا صلبك فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت» . فأخذه من يده، ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا؟ ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه. ووقع اللّواء من يده فاختلط المسلمون والمشركون وانهزم بعض الناس، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا. قال سعيد بن أبي هلال رحمه الله تعالى: وبلغني أن زيدا وجعفرا وعبد الله بن رواحة دفنوا في حفرة واحدة. وفي حديث أبي عامر رضي الله تعالى عنه عند ابن سعد أن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه لما قتل «انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعا. ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه ثم قال: إليّ أيها الناس. فاجتمع إليه الناس حتى إذا كثروا مشى باللواء إلى خالد بن الوليد. فقال له خالد: لا آخذه منك أنت أحقّ به فقال الأنصاري والله ما أخذته إلا لك» . ذكر تأمير المسلمين خالد بن الوليد بعد قتل أمراء رسول الله ﷺ وهزمه المشركين، وإعلام الله تعالى رسول الله ﷺ بالفتح قال ابن إسحاق: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. وروى الطبراني عن أبي اليسر الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد الله بن رواحة فدفعت إلى خالد وقال [له ثابت بن أقرم] أنت أعلم بالقتال مني. قال ابن إسحاق: «فلما أخذ الراية خالد بن الوليد دافع القوم وحاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه وانصرف بالناس» . هكذا ذكر ابن إسحاق أنه لم يكن إلا المحاشاة والتخلص من أيدي الروم الذين كانوا مع من انضمّ إليهم أكثر من مائتي ألف والمسلمون ثلاثة آلاف. ووافق ابن إسحاق على ذلك شرذمة. وعلى هذا سمّي هذا نصرا وفتحا باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدوّ وتراكمهم وتكاثرهم عليهم وكان مقتضي العادة أن يقتلوا بالكلّيّة وهو محتمل لكنه خلاف الظاهر من قوله ﷺ : «حتى فتح الله عليكم» [ (١) ] . والأكثرون على أن خالدا ومن معه رضي الله تعالى عنهم قاتلوا المشركين حتى هزموهم. ففي حديث أبي عامر عند ابن سعد أن خالدا لما أخذ

стр. 2533

اللّواء «حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا» . وروى الطبراني برجال ثقات عن موسى بن عقبة قال: ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله ﷺ على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله تعالى العدوّ وأظهر المسلمين. وروى محمد بن عمر الأسلمي عن عطاف بن خالد لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته وميمنته ميسرة وميسرته ميمنة، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيأتهم وقالوا وقد جاءهم مدد فرعبوا وانكشفوا منهزمين. قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وذكر ابن عائذ في مغازيه نحوه. وروى محمد بن عمر عن الحارث بن الفضل رحمه الله تعالى: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله ﷺ : «الآن حمي الوطيس» [ (١) ] . وروى القرّاب في تاريخه عن برذع بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: اقتتل المسلمون مع المشركين سبعة أيام. وروى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما وهذا الذي ذكره أبو عامر والزهري، وعروة، وابن عقبة، وعطّاف بن خالد، وابن عائذ وغيرهم هو ظاهر قوله ﷺ في حديث أنس: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه» [ (٢) ] . وفي حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً كما سيأتي. ثم أخذ خالد بن الوليد اللواء ولم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه. ثم رفع رسول الله ﷺ أصبعه، ثم قال: «اللهم إنه سيف من سيوفك فانصره» [ (٣) ] . فمن يومئذ سمّي خالد بن الوليد «سيف الله» ، رواه الإمام أحمد برجال ثقات ويزيده قوّة ويشهد له بالصحة ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والبرقاني عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال: «خرجت [مع من خرج] مع زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما في غزوة مؤتة ورافقتني مدديّ من المسلمين من اليمن، ليس معه غير سيفه. فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المدديّ طائفة من جلد، فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدّرقة، ومضينا ولقينا جموع الروم فيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهّب وسلاح مذهّب، فجعل الرومي يغزو المسلمين، فقعد له المدديّ خلف صخرة فمرّ به الرومي فعرقب فرسه بسيفه وخرّ الرومي فعلاه بسيفه فقتله وحاز سلاحه وفرسه. فلما فتح الله تعالى على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه بعض السّلب. قال عوف، فأتيت خالدا وقلت له: أما

стр. 2534

علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسّلب للقاتل؟ قال: بلى ولكني استكثرته. فقلت لتردّنّه أو لأعرفنّكها عند رسول الله ﷺ . فأبي أن يرد عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المدديّ وما فعل خالد، فقال رسول الله ﷺ : «ما صنعت؟» قال: استكثرته. قال: «ردّ عليه ما أخذت منه» . قال عوف: دونكها يا خالد ألم أف لك؟ [فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟» فأخبرته] . فغضب رسول الله ﷺ وقال: «يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركون أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره» [ (١) ] . ذكر بعض ما غنمه المسلمون يوم مؤتة روى محمد بن عمر، والحاكم في الإكليل عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أصيب بمؤتة ناس من المسلمين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين، وكان فيما غنموا خاتم جاء به رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: قتلت صاحبه يومئذ فنفّلنيه رسول الله ﷺ . وتقدم حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه. وروى محمد بن عمر، عن خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: «حضرت مؤتة فبارزني رجل منهم يومئذ فأصبته وعليه بيضة له فيها ياقوتة، فلم تكن همّتي إلا الياقوتة، فأخذتها. فلما رجعنا إلى المدينة أتيت بها رسول الله ﷺ فنفّلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار فاشتريت بها حديقة نخل» . قال في البداية: «وهذا يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم» . وروى البخاري عن خالد رضي الله تعالى عنه قال: «لقد اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية» [ (٢) ] وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم- إذ كان المسلمون ثلاثة آلاف والمشركون أكثر من مائتي ألف- وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم. وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن رافلة ويقال ابن رافلة، وهو أمير أعراب النصارى، فقتله، وقال قطبة يفتخر بذلك: طعنت ابن رافلة ابن الإراش ... برمح مضى فيه ثمّ انحطم ضربت على جيده ضربة ... فمال كما مال غصن السّلم وسقنا نساء بني عمّه ... غداة رقوقين سوق النّعم وهذا يؤيد ما نحن فيه لأن من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفرّ أصحابه، ثم إنه صرّح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم، وهذا واضح فيما ذكرناه. وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن

стр. 2535

أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ يوم أصيب جعفر وأصحابه فقال: «ايتني ببني جعفر» . فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: «نعم أصيبوا هذا اليوم» . قالت: فقمت أصيح واجتمع إليّ النساء وخرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: «لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم» . وروى البخاريّ والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: نعي رسول الله ﷺ وهو على المنبر زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس يوم أصيبوا قبل أن يأتيه خبرهم فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم» [ (١) ] . وروى النّسائي والبيهقي عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: «بعث رسول الله ﷺ جيش الإمراء فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله ﷺ المنبر فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إلى رسول الله ﷺ فقال: «أخبركم عن جيشكم هذا. إنهم انطلقوا فلقوا العدوّ فقتل زيد شهيدا، فاستغفر له ثم أخذ اللواء جعفر فشدّ على القوم حتى قتل شهيدا، فاستغفر له، ثم أخذه خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه» . ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره» . فمن يومئذ سمّي خالد: «سيف الله» . وروى البيهقي عن ابن عقبة رحمه الله تعالى قال: «قدم يعلى بن أمية رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ ، بخبر أهل مؤتة. فقال رسول الله ﷺ : «إن شئت أخبرني وإن شئت أخبرك، بخبرهم» . قال: بل أخبرني يا رسول الله ﷺ . فأخبره رسول الله ﷺ خبرهم كله فقال: «والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم ورأيتهم في المنام على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد اللَّه بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد بعض التردّد ثم مضى» [ (٢) ] . وروى عبد الرزاق عن ابن المسيب رحمه اللَّه تعالى مرسلا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مثل جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من درّ، فرأيت زيدا، وابن رواحة في أعناقهما صدودا، ورأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود، فسألت أو قيل لي إنهما حين غشيهما الموت اعتراضا أو كأنهما صدّا بوجهيهما وأما

стр. 2536

جعفر فإنه لم يفعل وأن اللَّه تعالى أبدله جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء» . وروى البخاري والنسائي عن عامر الشّعبي قال: «كان ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما إذا حيّا عبد اللَّه بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين» [ (١) ] . قال ابن إسحاق: «ولما أصيب القوم قال رسول اللَّه ﷺ فيما بلغني-: «أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا» . قال: ثم صمت رسول اللَّه ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصاري وظنّوا أنه قد كان في عبد اللَّه بن رواحة بعض ما يكرهون ثم قال: «ثم أخذها عبد اللَّه بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا» ، ثم قال: «لقد رفعوا إليّ في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب» . فذكر مثل ما سبق. وروى ابن سعد عن أبي عامر رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه ﷺ لما بلغه مصاب أصحابه شق ذلك عليه فصلّى الظهر ثم دخل وكان إذا صلى الظهر قام فركع ركعتين ثم أقبل بوجهه على القوم، فشق ذلك على الناس، ثم صلى العصر ففعل مثل ذلك، [ثم صلى المغرب ففعل مثل ذلك] ثم صلى العتمة ففعل مثل ذلك حتى إذا كان صلاة الصبح دخل المسجد ثم تبسّم، وكان تلك الساعة لا يقوم إليه إنسان من ناحية المسجد حتى يصلّي الغداة. فقال له القوم [حين تبسّم] : «يا نبي اللَّه بأنفسنا أنت لا يعلم إلا اللَّه ما كان بنا من الوجد منذ رأينا منك الذي رأينا» . قال رسول اللَّه ﷺ : «كان الذي رأيتهم مني أنه أحزنني قتل أصحابي حتى رأيتهم في الجنة إخوانا على سرر متقابلين، ورأيت في بعضهم إعراضا كأنه كره السيف ورأيت جعفرا ملكا ذا جناحين مضرّجا بالدماء مصبوغ القوادم» [ (٢) ] . وروى الحكيم الترمذي في الثالث والعشرين بعد المائة من فوائده عن عبد الرحمن بن سمرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: بعثني خالد بن الوليد بشيرا إلى رسول اللَّه ﷺ يوم مؤتة. ذكر من استشهد بمؤتة من المسلمين رضي اللَّه تعالى عنهم جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد اللَّه بن رواحة، ومسعود بن الأسود بن حارثة [بن نضلة] ، ووهب بن سعد بن أبي سرح، وعبّاد بن قيس- عبّاد بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ويقال عبادة بضم أوله وتخفيف الموحدة وزيادة تاء التأنيث- والحارث بن النعمان [بن إساف بن نضلة] ، وسراقة بن عمرو بن عطية [بن خنساء] وزاد بن هشام نقلا عن ابن شهاب الزهري: أبا كليب- أو كلاب بكسر الكاف وتخفيف اللام- ابن عمرو بن زيد، وأخاه جابر بن عمرو بن زيد، وعمرو، وعامر ابنا سعد ابن الحارث [بن عباد بن سعد] وزاد الكلبي

стр. 2537

والبلاذري: هوبجة بن بجير بن عامر الضّبي- هوبجة بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الموحدة وبالجيم وتاء تأنيث، وبجير بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون التحتية وبالراء، والضّبي بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة- ولما قتل فقد جسده، ولا ذكر لهوبجة فيما وقفت عليه من نسخ الإصابة للحافظ ولا للقاموس مع ذكر الذهبي له في التجريد وأن له وفادة وهجرة. وزاد ابن سعد، والعدوي، وابن جرير الطبري: زيد بن عبيد بن المعلّي الأنصاري. وزاد ابن إسحاق كما في الإصابة، وجزم به في الزهر: عبد اللَّه بن سعيد بن العاص بن أمية قال ابن الأثير، قتل باليمامة في الأكثر، وقال الذهبي الأصح ببدر وقيل باليمامة وقيل بمؤتة. وزاد ابن الكلبي، وابن سعد، والزبير بن بكّار: هبّار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، وقال عروة، وابن شهاب الزهري وابن إسحاق وابن سعد استشهد بأجنادين، وقال سيف بن عمر: استشهد باليرموك. وزاد ابن عقبة: عبد اللَّه بن الربيع الأنصاري، ومعاذ بن ماعص- بالعين والصاد المهملتين، ووقع في نسخة من مغازي موسى بن عقبة أن الذي استشهد بمؤتة أخوه عبّاد. وقال في البداية بعد أن ذكر جميع من قتل بمؤتة من المسلمين: « [فالمجموع على القولين] اثنا عشر رجلا، وهذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل اللَّه عدّتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة عدّتها مائتا ألف مقاتل: من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين سوى اثني عشر رجلا وقتل من المشركين خلق كثير هذا خالد وحده يقول: «لقد اندقّت في يدي يومئذ تسعة أسياف وما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية» . فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟ دع غيره من الأبطال والشجعان من حملة القرآن وهذا مما يدخل في قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران ١٣] . ذكر رجوع المسلمين إلى المدينة وتلقي رسول اللَّه ﷺ والمسلمين لهم قال ابن عائذ رحمه اللَّه تعالى: وقفل المسلمون فمرّوا في طريقهم بقرية لها حصن كان [أهلها] قتلوا في ذهاب المسلمين رجلا من المسلمين فحاصروهم حتى فتحه اللَّه عليهم عنوة وقتل خالد مقاتلتهم. وروى إسحاق عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول اللَّه ﷺ والمسلمون معه. قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا

стр. 2538

فرّار فررتم في سبيل اللَّه. قال: فيقول رسول اللَّه ﷺ : «ليسوا بالفرّار ولكنهم الكرّار إن شاء اللَّه تعالى» [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما قال: «كنت في سرية من سرايا رسول اللَّه ﷺ فحاص الناس وكنت فيمن حاص. وفي رواية: فلما لقينا العدوّ في أول غادية فأردنا أن نركب البحر فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة [قتلنا] ، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا. ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول اللَّه ﷺ فاعتذرنا إليه، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا. فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: «من القوم؟» . قلنا نحن الفرّارون، قال: «بل أنتم الكرّارون وأنا فئتكم» . أو قال: «وأنا فئة كل مسلم» . قال: فقبّلنا يده [ (٢) ] . وروى ابن إسحاق عن أم سلمة [زوج النبي ﷺ ] رضي اللَّه تعالى عنهما أنها قالت لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ ومع المسلمين؟ قالت: واللَّه ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس: يا فرّار فررتم من سبيل اللَّه، حتى قعد في بيته فما يخرج، وكان في غزوة مؤتة. وعن خزيمة بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه قال: «حضرت مؤتة وبرز لي رجل منهم فأصبته وعليه بيضة فيها ياقوتة فلم يكن همّي إلا الياقوتة فأخذتها. فلما انكشفنا رجعنا إلى المدينة فأتيت رسول اللَّه ﷺ فنفّلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار فاشتريت بها حديقة نخل» . رواه البيهقي. قال في البداية: لعل طائفة منهم فرّوا لما عاينوا كثرة جموع العدو على ما ذكروه مائتي ألف، وكان المسلمون ثلاثة آلاف، ومثل هذه يسوّغ الفرار، فلما فرّ هؤلاء ثبت باقيهم وفتح اللَّه عليهم وتخلّصوا من أيدي أولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة كما ذكره الزهري وموسى بن عقبة والعطّاف بن خالد، وابن عائذ، وحديث عوف بن مالك السابق يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا رضي اللَّه تعالى عنه قال: «اندقت في يدي تسعة أسياف إلخ» يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم وهذا وحده دليل مستقل.

стр. 2539

تنبيهات الأول: مؤتة: بضم الميم وسكون الواو وبغير همز لأكثر رواة الصحيح وبه جزم المبرّد، ومنهم من همز وبه جزم ثعلب، والجوهري، وابن فارس، وحكى صاحب الوافي الوجهين. وأما الموتة التي وردت الاستعاذة منها وفسّرت بالجنون فهي بغير همز والأولى قرية من قرى البلقاء وهي كورة من أعمال دمشق. الثاني: المعروف بين أهل المغازي أن مسيرة مؤتة كانت سنة ثمان لا يختلفون في ذلك إلا ما ذكر خليفة بن خياط- بالخاء المعجمة وتشديد التحتية- في تاريخه أنها سنة سبع. الثالث: وقع في جامع الترمذي في الاستئذان وفي الأدب في باب ما جاء في إنشاد الشعر أن غزوة مؤتة كانت قبل عمرة القضاء، قال في النور: وهذا غلط لا شك فيه. قلت: وتقدم بيان ذلك مبسوطا في عمرة القضاء. الرابع: عقر جعفر رضي اللَّه تعالى عنه فرسه، رواه أبو داود من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق قال عن يحيى بن عبّاد عن أبيه عباد بن عبد اللَّه بن الزبير قال حدثني أبي الذي أرضعني فذكره وقال: ليس هذا الحديث بالقوي. وقد جاء نهي كثير من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، [عن تعذيب البهائم وقتلها عبثا] كذا قال أبو داود: إنه ليس بقوي وابن إسحاق حسن الحديث وقد صرح بالتحديث في رواية زياد البكّائي فقال حدثني يحيى بن عبّاد، ويحيى وأبوه ثقتان، وجهالة اسم الصحابي لا تضرّ، ورواه أيضاً عن ابن إسحاق عبد اللَّه بن إدريس الأودي كما في مستدرك الحاكم فسند الحديث قوي. وإنما عقره لئلا يظفر به العدوّ فيتقوى به على قتال المسلمين. واختلف العلماء في الفرس يعقره صاحبه لئلا يظفر به العدو، فرخصّ فيه مالك وكره ذلك الأوزاعي والشافعي، واحتجّ الشافعي بحديث النبي ﷺ : «من قتل عصفورا فما فوقه بغير حقّه يسأله اللَّه تعالى عن قتله» . واحتجّ بنهيه ﷺ عن قتل الحيوان إلا لمأكلة. قال: وأما أن يعقر الفرس من المشركين فله ذلك لأن ذلك أمر يجد به السبيل إلى قتل من أمر بقتله. الخامس: في رواية سعيد بن أبي هلال كما في الصحيح عن أبي معشر كما في سنن سعيد بن منصور عن نافع عن ابن عمر أنه أخبره «أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها- أو قال فيها- شيء في دبره» . وفي رواية عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري كما في الصحيح والعمري كما عند

стр. 2540

ابن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: «التمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى في جسده بضع وتسعون من طعنة ورمية» . فظهر ذلك التخالف، قال الحافظ: ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأولى أو الخمسين مقيّدة بكونها ليس فيها شيء في دبره أي ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده، ولا يستلزم ذلك أنه ولّي دبره، وإنما هو محمول على أن الرّمي جاءه من جهة قفاه أو جانبيه، ولكن يريد الأول أن في رواية العمري عن نافع: فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده بعد أن ذكر العدد بضعا وتسعين. ووقع في رواية البيهقي في الدلائل بضع وسبعون- بتقديم السين على الموحدة- وأشار أن بضعا وتسعين بتقديم الفوقية على السين أثبت. السادس: قوله: «فأثابه اللَّه تعالى جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء» . أي عوّضه اللَّه تعالى جناحين عن قطع يديه في تلك الوقعة حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل. وروى البيهقي أحد رواة الصحيح عن البخاري أنه قال: يقال لكل ذي ناحتين جناحان، أشار بذلك إلى أن الجناحين ليس على ظاهرهما. وقال السهيلي: « [ومما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنهما] ليسا كما يسبق إلى الوهم على مثل جناحي الطائر وريشه، لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها ... فالمراد بالجناحين صفة ملكيّة وقوة روحانية أعطيها جعفر [كما أعطيتها الملائكة] وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله تعالى: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى [طه ٢٢] وقال العلماء في أجنحة الملائكة إنها ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها صفات ملكّية لا تفهم إلا بالمعانية. فقد ثبت أن لجبريل ستمائة جناح ولا يعد للطائر ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فيؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها» . انتهى. قال الحافظ: «وهذا الذي جزم به في مقام المنع والذي نقله عن العلماء ليس صريحا في الدلالة على ما ادعاه ولا مانع من الحمل على الظاهر إلا من جهة ما ذكره من المعهود وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية» ، وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري أن جناحي جعفر من ياقوت وجاء في جناحي جبرئيل أنهما من لؤلؤ، أخرجه ابن مندة في ترجمة ورقة بن نوفل من كتاب المعرفة. السابع: أكثر الآثار تدل على أن المسلمين هزموا المشركين، وفي بعضها أن خالدا انحاز بالمسلمين، وقد تقدم بيان ذلك. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن يكون المسلمون

стр. 2541

هزموا جانبا من المشركين وخشي خالد أن يتكاثر الكفّار عليهم. فقد مرّ أنهم كانوا أكثر من مائتي ألف، فانحاز عنهم حتى رجع بالمسلمين إلى المدينة. وقال الحافظ ابن كثير في البداية يمكن الجمع بأن خالدا لما انحاز بالمسلمين بات ثم أصبح وقد غيّر بقيّة العسكر كما تقدم، وتوهم العدوّ أنهم قد جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولّوا فلم يتبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين مع الغنيمة الكبرى. الثامن: إنما ردّ ﷺ السّلب إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه للقاتل نوعا من النكير، ودعا له، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة، وكان خالد مجتهدا في صنيعه ذلك، فأمضي رسول اللَّه ﷺ اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة بعد أن خطّأه في رأيه الأول، ويشبه أن يكون النبي ﷺ عوّض المدديّ من الخمس الذي هو له وأرضى خالدا بالصفح عنه وتسليم الحكم له في السّلب. التاسع: في بيان غريب ما سبق: أدنى البلقاء من أرض الشام: أي أقرب. البلقاء: بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف وألف تأنيث مقصورة كورة ذات قرى ومزارع من أعمال دمشق. لهب: بكسر اللام وسكون الهاء وبالموحدة: بطن من الأزد. تلك بصرى: اسمه: [الحارث بن أبي شمر الغسّاني] . غرض له: تصدّي له ومنعه من الذهاب. شرحبيل: بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة: اسم أعجمي لا ينصرف. الغسّاني: بفتح الغين المعجمة وبالسين المهملة المشددة. قتل صبرا: أمسك حيّا ثم رمي بشيء حتى مات. ندب الناس: دعاهم. الجرف: بضم الجيم والراء كما قال الحازمي وأبو عبيد البكري والقاضي وقال ياقوت وتبعه المجد اللغوي بالضم فالسكون: على ثلاثة أميال من المدينة لجهة الشام. رواحة: بفتح الراء وتخفيف الواو وبالحاء المهملة.

стр. 2542

شرح غريب ذكر طعن بعض أصحابه في إمارة زيد بن حارثة وغريب ذكر سير المسلمين قوله تطعنون: بضم العين وفتحها. وأيم اللَّه: من ألفاظ القسم كقولك: لعمر اللَّه، وفيها لغات، وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع. لخليق: بفتح اللام والخاء المعجمة وكسر اللام الثانية وسكون التحتية وبالقاف أي حقيق وجدير. أرهب: أخاف. ودّع الناس: بالرفع فاعل. أمراء: بالنصب مفعول، وبالعكس فإن من ودعك فقد ودّعته والأول أولى لما سيأتي. ودّع عبد اللَّه: بالبناء للمفعول. أما واللَّه: بتخفيف الهمزة وتخفيف الميم. الصّبابة: بفتح الصاد المهملة: رقّة الشوق وحرارته، وهي بالرفع تقديره: ولا لي صبابة. الورود: في الآية [مريم ٧١] الحضور والموافاة من غير دخول أو الدخول، والعرب تطلق الورود على هذين المعنيين. الصّدر: بفتح الصاد والدال المهملتين وبالراء، اسم من قولك صدرت عن البلد أي رجعت. ذات فرغ: بفتح الفاء وسكون الراء وبالغين المعجمة: أي واسعة. تقذف: بالقاف والذال المعجمة والفاء: ترمي. الزّبد: بفتح الزاي والموحدة وبالدال المهملة ما يعلو الماء [من الرغوة وكذلك] الدم. حرّان: بفتح الحاء المهملة والراء المشددة وبالنون: تلهّب الجوف. مجهزة: بميم مضمومة فجيم ساكنة فهاء مكسورة وبالزاي فتاء تأنيث: سريعة القتل. الأحشاء: جمع حشاً وهو ما في البطن. الجدث: بالجيم والدال المهملة وبالمثلثة: القبر والجمع أجداث وأجدث. رشد: بفتح الشين المعجمة وكسرها. نافلة: هبة من اللَّه وعطيّة منه، والنوافل العطايا والمواهب.

стр. 2543

أزرى به القدر: قصّر به تقول أزريت بفلان إذا قصّرت به. خلف السّلام: دعاء منه للنبي ﷺ بالسلامة. ثنيّة الوداع: تقدم الكلام عليها في شرح غريب الهجرة، وفي هذا دليل على أنها شاميّ المدينة. المفاحص: جمع مفحص بفتح الميم والحاء المهملة بينهما فاء ساكنة، وبالصاد المهملة، وهو في الأصل مكان مجثم القطاة لتبيض، يقال فحصت القطاة فحصا من باب نفع حفرت في الأرض موضعا لتبيض فيه، فاستعير هنا لتمكن الشيطان منهم. الإفحاص: الحفر. الضّرع: بفتح الضاد المعجمة والراء والعين المهملة: والضارع بكسر الراء النحيف الضاوي الجسم. الذّمّة: الأمانة. غدا يغدو غدوّا من باب قعد: ذهب غدوة وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس. الروحة: بفتح الراء وسكون الواو: وقت لما بين زوال الشمس إلى الليل. شرح غريب ذكر مسير المسلمين بعد الوداع أرقم: بفتح أوله وسكون الراء وبالقاف. الحقيبة: بفتح الحاء المهملة وكسر القاف وسكون التحتية وبالموحدة وتاء تأنيث: ما يجعله الراكب وراءه. الحسا: بكسر احلاء وبالسين المهملتين والمدّ. قال في المصباح: اسم موضع. وقال في المراحل: مياه لبني فزارة بين الرّبذة ونخل يقال لمكانها ذو حسّ. وقال في الإملاء: الحساء جمع حسي وهو ماء يغور في الرّمل وإذا بحث عنه وجد. فشأنك: أمرك. أنعم: جمع نعمة أي إحسان. وخلاك ذمّ بالخاء في خلاك والذال في ذم المعجمتين: فارقك فلست بأهل له. ولا أرجع: مجزوم بالدعاء أي اللهم لا أرجع. آب: بالمد رجع. غادره: تركه.

стр. 2544

مشتهي الثّواء: بضم الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الفوقية وكسر الهاء: أي لا أريد الرجوع، ومن رواه مستنهي بسين مهملة ففوقية فنون فهو مستفعل من النهاية والانتهاء حيث انتهى مثواه، والثّواء بالثاء المثلثة فواو فهمزة ممدودة: الإقامة. البعل: بفتح الموحدة وسكون العين المهملة وباللام: الذي يشرب بعروقه من الأرض. أسافلها رواء: من رواه بكسر الراء فمعناه ممتنعة من الماء ومن رواه بالرفع فهو إقواء. خفقني: ضربني. اللكع: بضم اللام: الأحمق والصغير وغير ذلك، والأول والثاني المراد به، كأنه قال: يا صبيّ. النّصب: بنون فصاد مهملة مفتوحتين فموحدة: التّعب. شعبتي الرّحل: طرفاه المقدّم والمؤخّر. يا زيد: أي ابن أرقم كما ذكر ابن إسحاق، وقال غيره: بل أراد زيد بن حارثة، ويجوز فيه الضمّ والنّصب، وزيد الثاني بالنّصب. اليعملات: بتحتية مفتوحة فعين مهملة ساكنة فميم مفتوحة جمع يعملة وهي الناقة النجيبة المطبوعة على العمل. الذّبل: بذال معجمة مضمومة فموحدة مشدّدة مفتوحة وباللام جمع ذابل وهي التي أضعفها السّير فقلّ لحمها. قال في النور فسرها بالفرد وفيه نظر. هديت: بضم الهاء وكسر الدال المهملة وفتح الفوقية على الخطاب. معان: بفتح الميم كما في المراحل والقاموس وفي عدة نسخ من معجم أبي عبيد البكري بضم الميم، ونقل عنه في الزهر بباء موحدة بعد الألف وبغير همز، كذا قال، ونص في المراحل على أنه مهموز. لخم: بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبالميم. جذام: بضم الجيم وبالذال المعجمة وبعد الألف ميم. قضاعة: بضم القاف وبالضاد المعجمة وبعد الألف عين مهملة. بلقين: [وهم بنو القين من قضاعة] . بهراء: بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالراء ومدّ الهمزة. بليّ: بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد التحتية.

стр. 2545

إراشة: [من بليّ] . رافلة: براء فألف ففاء مكسورة فلام فتاء تأنيث. يمدّنا: بضم التحتية وكسر الميم. التخوم: بضم الفوقية والخاء المعجمة جمع تخم بضم الفوقية وسكون الخاء المعجمة: الحدّ الذي يكون بين أرض وأرض. وقال ابن الأعرابي وابن السّكّيت: الواحد تخوم [والجمع تخم] كرسول ورسل. مشارف: بفتح الميم وبالشين المعجمة المخففة وبعد الألف راء مكسورة ثم فاء، وظاهر كلام ابن إسحاق أنها غير مؤتة. وقال في الزهر: وليس كذلك بل هما اسمان على مكان واحد. وقال المبرّد: المشرفية سيوف نسبت إلى المشارف من أرض الشام وهو الموضع الملقّب بمؤتة الذي قتل به جعفر بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه. الضّبابة: سحاب رقيق كالدخان. الكراع: وزن غراب، وهو هنا جماعة الخيل خاصة. برق بصره: بكسر الراء تحيّر فزعا وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره وقوي، برق بفتح الراء من البريق أي لمع. ثابت: بالثاء المثلثة فألف فموحدة ففوقية. أقرم: بفتح أوله وسكون القاف. فتعبّأ: بفتح الهمزة في آخره. عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء وتاء تأنيث. قطبة: بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالموحدة. عباية: بفتح العين المهملة وتخفيف الموحدة وبالتحتية آخره. شرح غريب ذكر التحام القتال شاط في رماح القوم: قتل برماحهم. ألحم الرجل واستلحم- بالبناء للمفعول- فيها إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصا وألحمه غيره فيها ولحم إذا قتل فهو ملحوم ولحيم. اقتحم الإنسان: رمى بنفسه في الأمر العظيم من غير رويّة، وقد قيل إن هذا يفعله الفارس من العرب إذا أرهق وعرف أنه مقتول فينزل ويجالد العدوّ راجلا.

стр. 2546

عرقب الدّابّة: قطع عرقوبها وهو الوتر الذي خلف الكعبين بين مفصل القدم وبالساق من ذوات الأربع، وهو من الإنسان فويق العقب. العقر: بفتح العين المهملة وسكون القاف وبالراء، وهو هنا ضرب قوائم الدّابّة وهي قائمة بالسيف. اختضنه بعضديه: أخذه بحضنه والحضن ما تحت العضد إلى أسفل منه. قطّعه: بفتح القاف والطاء المهملة المشدّدة، وقطعه بمعنى واحد. أجلب الناس: أصاحوا. الزنّة: بفتح الراء وبالنون المشدّدة الصوت بحزن. النّطفة: الشيء اليسير جدا من الماء. الشّنّة: بفتح الشين المعجمة والنون المشددة: السقاء البالي فيوشك أن تهراق النّطفة وينخرق السقاء، ضرب ذلك مثلا له لنفسه في جسده. الحمام: بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم. صليت: بفتح الصاد المهملة وكسر اللام وسكون التحتية. أعطيت: بالبناء للمفعول. فعلهما: يعني زيد بن حارثة وجعفرا. العرق: بفتح العين وسكون الراء وبالقاف: العظم بما عليه من بقية اللحم. انتهس: بكسر أوله وسكون النون وفتح الفوقية وبالسين المهملة: أخذ اللحم بمقدم أسنانه. الحطمة: بفتح الحاء وسكون الطاء المهملتين: ازدحام الناس وحطم بعضهم بعضاً. ثابت: بثاء مثلثة وموحدة وفوقية. أقرم: بفتح أوله وسكون القاف وبالراء والميم. خاشى بهم: بالخاء والشين المعجمتين فاعل من الخشية أي أبقى عليهم وحذر [فانحاز] يقال خاشيت فلانا أي تاركته. انحاز: تنحّى عن موضعه وانحيز عنه بالبناء للمفعول. الشّرذمة: بالكسر القليل من الناس. العطّاف: كشدّاد الذي يكرّ مرة بعد أخرى.

стр. 2547

ابن عايذ: بالتحتية والذال المعجمة. الوطيس: شبه التنور أو الضراب في الحرب. والوطيس الذي يطس الناس أي يدقهم وقال الأصمعي هو حجارة مدوّرة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها، ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النبي ﷺ [وهو من فصيح الكلام] عبّر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق. البرقاني: بضم الموحدة فراء فقاف. الأشجعي: [بفتح أوله فشين معجمة فعين مهملة فتحتية] . المددي: بدالين مهملتين جمعه أمداد، وهم من أهل اليمن أي الغزاة الذين يمدّون جيوش الإسلام. صفو الشيء: خلاصته بفتح الصاد لا غير، فإذا ألحقوا التاء ثلثوا الصاد ومنه لكم صفوة أمرهم يعني أن مقاساة جمع المال وحفظ البلاد ومداراة الناس على الأمراء، وللناس أعطياتهم، ثم ما كان من خطأ في ذلك أو غفلة أو سوء فإنه على الأمراء، والناس منه براء. الكدر: بفتح الكاف والدال المهملة ضد الصفاء. في يدي: بكسر الدال. اندقّت: انقطعت. الصفيحة: بصاد مهملة مفتوحة ففاء مكسورة فتحتية ساكنة فحاء مهملة: السيف العريض. يمانية: بتخفيف التحتية الثانية وحكي تشديدها. ابن زافلة: بزاي فألف ففاء مكسورة. الإراشة: منسوب إلى إراشة بكسر الهمزة وبالشين المعجمة. انحطم: انكسر. الجيد: العنق. السّلم: بفتح السين المهملة واللام ضرب من الشجر الواحدة سلمة. رقوقين: قال في الإملاء اسم موضع قال ويروى رقوفين بالفاء بعد الواو وقبل التحتية. قلت ولم أجد له ذكرا فيما وقفت عليه من أسماء الأماكن. يعلى: بفتح التحتية وسكون العين المهملة وفتح اللام. منية: بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية.

стр. 2548

المعترك: بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح الفوقية والراء وبالكاف: المعركة بفتح الميم موضع القتال. الازورار: العدول والانحراف. الصّدود: الإعراض. الفئة: بكسر الفاء وفتح الهمزة قال الراغب الطائفة المتضافرة التي يرجع بعضها إلى بعض، وقال ابن الأثير في الجامع: الفئة الجماعة الذين يرجع إليهم عن موقف الحرب، يجتمعون إليهم إي يفيئون إليهم، انتهى. ولا واحد لها من لفظها، وجمعها فئات، وقد تجمع بالواو والنون. حاص الناس: بحاء وصاد مهملتين: جاءوا منهزمين. العكّار: الكرّار إلى الحرب والعطّاف نحوها، يقال للرجل يولّي عن الحرب ثم يكرّ راجعا إليها عكر واعتكر.

стр. 2549

الباب السابع والأربعون في سرية عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه إلى ذات السلاسل في جمادى الآخرة سنة ثمان قال ابن عقبة وابن إسحاق، وابن سعد، ومحمد بن عمر رحمهم الله تعالى واللفظ له: «بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من قضاعة يريدون أن يدنوا إلى أطراف مدينة رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ عمرو بن العاص بعد إسلامه بسنة» . وعند ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث عمرا يستنفر العرب إلى الشام، فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، وأمره أن يستعين بمن مر به من العرب: من بليّ [ (١) ] ، وعذرة، وبلقين، وذلك أن عمرا كان ذا رحم فيهم، كانت أم العاص بن وائل بلويّة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتألفهم بعمرو. وفي حديث بريدة عند إسحاق بن راهويه أن أبا بكر قال: «إن عمرا لم يستعمله رسول الله ﷺ إلا لعلمه بالحرب» . انتهى. وكان معه ثلاثون فرسا، فكان يكمن النهار ويسير الليل حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل ويقال السّلسل وبذلك سمّيت الغزوة ذات السلاسل بلغه أن لهم جمعا كثيرا فبعث عمرو رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يخبره أن لهم جمعا كثيرا ويستمده. فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه، وعقد له لواء، وبعث معه سراة المهاجرين كأبي بكر وعمر بن الخطاب، وعدّة من الأنصار رضي الله تعالى عنهم. وأمر رسول الله ﷺ أبا عبيدة أن يلحق بعمرو بن العاص وأن يكونا جميعا ولا يختلفا- وكان أبو عبيدة في مائتي رجل حتى لحق بعمرو- فلما قدموا أراد أبو عبيدة أن يؤمّ الناس فقال عمرو: «إنما قدمت عليّ مددا لي وليس لك أن تؤمني وأنا الأمير» . فقال المهاجرون: «كلا بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه» . فقال عمرو:، «لا، أنتم مدد لنا» . فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف وكان رجلا ليّنا حسن الخلق سهلا هيّنا عليه أمر الدنيا، يسعى لأمر رسول الله ﷺ وعهده قال: «يا عمرو تعلمنّ أن آخر شيء عهد إلي رسول الله ﷺ أن قال: «إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وإنك والله إن عصيتني لأطيعنّك» . وأطاع أبو عبيدة عمرا. فكان عمرو يصلي بالناس. وقال عمرو: «فإني الأمير عليك وأنت مددي» . قال: «فدونك» .

стр. 2550

وروى الإمام أحمد عن الشعبي مرسلا قال: «انطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة فقال: إن رسول الله ﷺ قد استعملك علينا وإن ابن فلان قد اتبع أمير القوم فليس لك معه أمر» . فقال أبو عبيدة: «أن رسول الله ﷺ أمرنا أن نتطاوع فإنا أطيع رسول الله ﷺ وإن عصاه عمرو» انتهى. فأطاع أبو عبيدة عمرا فكان عمرو يصلي بالناس، وصار معه خمسمائة، فسار حتى نزل قريبا منهم وهم شاقون، فجمع أصحابه الحطب يريدون أن يوقدوا نارا ليصطلوا عليها من البرد، فمنعهم، فشقّ عليهم ذلك، حتى كلمه في ذلك بعض المهاجرين فغالظه. فقال له عمرو: «قد أمرت أن تسمع لي» . قال: نعم. قال: فافعل. وروى ابن حبان، والطبراني برجال الصحيح عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ بعثه في غزوة ذات السلاسل فسأله أصحابه أن يوقدوا نارا فمنعهم. فكلّموا أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فكلّمه فقال: «لا يوقد أحد منهم نارا إلا قذفته فيها» [ (١) ] . وروى الحاكم [ (٢) ] عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: «بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في سرية فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو ألّا يوقدوا نارا فغضب عمر بن الخطاب وهمّ أن يأتيه، فنهاه أبو بكر وأخبره أن رسول الله ﷺ لم يستعمله إلا لعلمه بالحرب. فهدأ عنه، فسار عمرو الليل وكمن النهار حتى وطئ بلاد العدو ودوّخها كلها حتى انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان به جمع فلما سمعوا به تفرّقوا، فسار حتى إذا انتهى إلى أقصى بلادهم ولقي في آخر ذلك جمعا ليسوا بالكثير، فاقتتلوا ساعة وحمل المسلمون عليهم فهزموهم وتفرّقوا ودوّخ عمرو ما هنا لك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه [إلا قاتلهم] . وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنّعم فكانوا ينحرون ويأكلون ولم يكن أكثر من ذلك، لم يكن في ذلك غنائم تقسّم، كذا قال جماعة. قال البلاذري فلقي العدوّ من قضاعة وعاملة، ولخم، وجذام، وكانوا مجتمعين ففضّهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم. وروى ابن حبان والطبراني عن عمرو أنهم لقوا العدوّ، فأراد المسلمون أن يتبعوهم فمنهم. وبعث عمرو عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه بشيرا إلى رسول الله ﷺ بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.

стр. 2551

ذكر وصية أبي بكر رضي الله تعالى عنه لرافع بن أبي رافع بن عميرة الطائي رضي الله تعالى عنه روى ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، عن رافع رضي الله تعالى عنه قال: «كنت امرءا نصرانيا وسمّيت سرجس فكنت أدلّ الناس وأهداه بهذا الرمل، كنت أدفن الماء في بيض النعام بنواحي الرمل في الجاهلية، ثم أغير على إبل الناس فإذا أدخلتها الرمل غلبت عليها، فلم يستطع أحد أن يطلبني فيه حتى أمرّ بذلك الماء الذي خبّأت في بيض النّعام فأستخرجه فأشرب منه. فلما أسلمت خرجت في تلك الغزوة التي بعث فيها رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل» . قال: «فقلت والله لأختارنّ لنفسي صاحبا» . قال: «فصحبت أبا بكر رضي الله تعالى عنه فكنت معه في رحله. وكانت عليه عباءة فدكيّة فكان إذا نزلنا بسطها، وإذا ركبنا لبسها ثم شكّها عليه بخلال له. وذلك الذي يقول أهل نجد- حين ارتدّوا كفّارا- نحن نبايع ذا العباءة» . قال: «فلما دنونا من المدينة قافلين قلت: يا أبا بكر رحمك الله، إنما صحبتك لينفعني الله تعالى بك، فانصحني وعلّمني» . قال: «لو لم تسألني ذلك لفعلت. آمرك أن توحّد الله تعالى ولا تشرك به شيئا وأن تقيم الصلاة وأن تؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحجّ البيت وتغتسل من الجنابة ولا تتأمّرنّ على رجلين من المسلمين أبدا» . قال: «قلت يا أبا بكر: أما ما أمرتني به من توحيد الله فإني والله لا أشرك به أحدا أبدا، وأما الصلاة فلن أتركها أبدا إن شاء الله تعالى، وأما الزكاة فإن يكن لي مال أؤدّها إن شاء الله تعالى، وأما رمضان فلن أتركه أبدا إن شاء الله تعالى، وأما الحج فإن أستطع أحجّ إن شاء الله تعالى، وأما الجنابة فسأغتسل منها إن شاء الله تعالى، وأما الإمارة فإني رأيت الناس يا أبا بكر لا يصيبون هذا الشرف وهذه المنزلة عند الناس إلا بها فلم تنهاني عنها» ؟. قال: «إنك استنصحتني فجهدت لك نفسي وسأخبرك عن ذلك أن شاء الله أن الله بعث محمدا ﷺ بهذا الدين، فجاهد عليه حتى دخل الناس فيه طوعا وكرها، فلما دخلوا فيه أجارهم الله من الظلم، فهم عوّاذ الله وجيرانه وفي ذمته وأمانته، فإياك أن تخفر ذمّة الله في جيرانه فيتبعك الله تعالى في خفرته فإن أحدكم يخفر في جاره فيظل ناتئا عضله غضبا لجاره أن أصيبت له شاة أو بعير فالله أشدّ غضبا لجاره» . وفي لفظ: «فالله من وراء جاره» . قال: ففارقته على ذلك، فلما قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر على الناس قدمت عليه فقلت له: يا أبا بكر ألم تك نهيتني عن أن أتأمّر على رجلين من المسلمين؟ قال: «بلى وأنا الآن أنهاك عن ذلك» . فقلت له: «فما حملك على أن تلي أمر الناس؟» قال: «اختلف

стр. 2552

الناس وخشيت عليهم الهلاك» . وفي رواية: «الفرقة ودعوا إليّ فلم أجد بدّا من ذلك» . ذكر احتلام عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه روى محمد بن عمر، عن أبي بكر بن حزم رحمه الله تعالى قال: «احتلم عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه حين قفلوا في ليلة باردة كأشد ما يكون البرد، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قد والله احتملت فإن اغتسلت متّ. فدعا بماء وتوضأ وغسل فرجه وتيمّم، ثم قام وصلى بالناس، فلما قدم عمرو على رسول الله ﷺ سأله عن صلاته فأخبره وقال: والذي بعثك بالحق إني لو اغتسلت لمتّ، لم أجد بردا قط مثله، وقد قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء ٢٩] . فضحك رسول الله ﷺ . ولم يبلغنا أنه قال له شيئا. وروى أبو داود عن عمرو نحوه وفيه فقال رسول الله ﷺ : «يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟» [ (١) ] . ذكر قصة عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه في الجزور روى البيهقي من طريق ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب [ (٢) ] قال: حدثت عن عوف بن مالك. ومن طريقين عن سعيد بن أبي أيوب [ (٣) ] وابن لهيعة [ (٤) ] عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط [ (٥) ] أخبره عن مالك بن هرم أظنه عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه واللفظ لابن إسحاق، قال: «كنت في الغزاة التي بعث فيها رسول الله ﷺ عمرو بن العاص، وهي غزوة ذات السلاسل، فصحبت أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يبعّضوها. وكنت امرأ [لبقا] جازرا. فقلت

стр. 2553

لهم: أتعطوني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم. فأخذت الشّفرة فجزأتها مكاني وأخذت جزءا، فحملته إلى أصحابي فاطّبخناه وأكلناه. فقال لي أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما. فقالا: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا. ثم قاما يتقيّآن ما في بطونهما منه. فلما قفل الناس [من ذلك السفر] . كنت أوّل قادم على رسول الله ﷺ وفي رواية مالك بن هرم: ثم أبردوني في فيج لنا فقدمت على رسول الله ﷺ فجئته وهو يصلّي في بيته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال: «أعوف بن مالك؟» فقلت: نعم، بأبي أنت وأمي. فقال: «أصاحب الجزور؟» ولم يزدني على ذلك شيئا. وليس في رواية مالك بن هرم أنهما أكلا بل ذكر لأبي بكر فيها. زاد محمد بن عمر: ثم قال رسول الله ﷺ : «فأخبرني» . فأخبرته بما كان من سيرنا وما كان بين أبي عبيدة بن الجرّاح وعمرو بن العاص ومطاوعة أبي عبيدة. فقال رسول الله ﷺ : «يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح» [ (١) ] . وروى ابن حبان، والطبراني عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن الجيش لما رجعوا ذكروا لرسول الله ﷺ منعي لهم من إيقاد النار ومن اتّباعهم العدوّ فقلت: يا رسول الله إني كرهت أن يوقدوا نارا فيرى عدوّهم قلتهم وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم. فحمد رسول الله ﷺ أمره. وروى البخاري عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى، موقوفا عليه، ومسلم والإسماعيلي والبيهقي عنه قال: سمعت عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه يقول: بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذي السلاسل، وفي القوم أبي بكر، وعمر، فحدثت نفسي إنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة عنده. قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه وقلت: يا رسول الله من أحبّ الناس؟ قال: «عائشة» . قلت: إني لست أسألك عن أهلك. قال: «فأبوها» . قلت: ثم من؟ قال: «عمر» . قلت: ثمّ من؟ حتى عدّ رهطا. قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا، وفي رواية الشيخين: فسكتّ مخافة أن يجعلني في آخرهم [ (٢) ] . تنبيهات الأول: السلاسل بسينين مهملتين الأولى مفتوحة على المشهور الذي جزم به أبو عبيد البكري، وياقوت، والحازمي، وصاحب القاموس، والسيد وخلق لا يحصون، والثانية مكسورة واللام مخففة. وقال ابن الأثير بضم السين الأولى. وقال في زاد المعاد بضم السين وفتحها لغتان كذا قال. وصاحب القاموس مع اطلاعه لم يحك في الغزوة إلا الفتح، وعبارته: «السّلسل

стр. 2554

كجعفر وخلخال الماء العذب أو البارد كالسّلاسل بالضم» . ثم قال: «وتسلسل الماء جرى في حدور ... والسّلسلة اتصال الشيء بالشيء، والقطعة الطويلة من السّنام، ويكسر، وبالكسر دائر من حديد ونحوه. والسلاسل رمل يتعقد بعضه على بعض وينقاد.. وثوب مسلسل فيه وشيء مخطّط، وغزوة ذات السّلاسل هي وراء وادي القرى» . وقال النووي في التهذيب: أظن أن ابن الأثير استنبطه من صحاح الجوهري من غير نقل عنده فيه ولا دلالة في كلامه. قلت وعبارة الجوهري: «وماء سلسل وسلسال سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسّلاسل بالضّمّ مثله، ويقال معنى يتسلسل أنه إذا جرى أو ضربته الريح يصير كالسّلسلة» . وقال ابن إسحاق وجمع: «هو ماء بأرض جذام وبه سمّيت الغزوة» . وقال أبو عبيد البكري: «ذات السّلاسل بفتح أوله على لفظ جمع سلسلة رمل بالبادية» . انتهى. فعلى هذا سمّي المكان بذلك لأن الرمل الذي كان به كان بعضه على بعض كالسّلسلة. وأغرب من قال: سميت الغزوة بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يغزوا. الثاني: ذكر الجمهور ومنهم ابن سعد إنها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان. وقيل كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في صحيح التاريخ. الثالث: نقل النووي في تهذيبه، والحافظ في الفتح عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر أنه نقل الاتفاق، على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق قال قبلها قال الحافظ: وهو قضيّة ما ذكر عن ابن سعد وابن أبي خالد. قلت: أما أنه قضيّة ما ذكر عن ابن سعد فغير واضح فإن ابن سعد قال كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وذكر في غزوة مؤتة إنها كانت في جمادى الأولى سنة ثمان. وأما ما نقل عن ابن إسحاق فالذي في رواية زياد البكّائي تهذيب ابن هشام عن ابن إسحاق تأخر غزوة ذات السلاسل عن مؤتة بعدة غزوات وسرايا، ولم يذكر أنها كانت قبل مؤتة فيحتمل أنه نصّ على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد. الرابع: ليس في تأمير رسول الله ﷺ عمرا على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما تفضيله عليهما بل السبب في ذلك معرفته بالحرب كما ذكر ذلك أبو بكر لعمر كما في حديث بريدة، فإن عمرا كان أحد دهاة العرب، وكون العرب الذين أمره رسول الله ﷺ أن يستعين بهم أخوال أبيه كما ذكر في القصة فهم أقرب إجابة إليه من غيره. وروى البيهقي عن أبي معشر عن بعض شيوخه أن رسول الله ﷺ قال: «إنّي لأؤمر الرجل على القوم وفيهم من هو خير منه لأنه أيقظ عينا وأبصر بالحرب» [ (١) ] .

стр. 2555

الخامس: في حديث بريدة أن عمر أراد أن يكلم عمرا لما منع الناس أن يوقدوا نارا. وفي حديث عمرو أن أبا بكر كلّم عمرا في ذلك. ويجمع بين الحديثين بأن أبا بكر سلّم لعمرو أمره ومنع عمر بن الخطاب من كلامه، فلما ألحّ الناس على أبي بكر في سؤاله سأله حينئذ فلم يجبه ويحتمل أن منع أبي بكر لعمر بن الخطاب كان بعد سؤال أبي بكر لعمرو. السادس: قال في الروض: «إنما كره أبو بكر وعمر رضي اللَّه تعالى عنهما أجرة مجهولة لأن العشير واحد الأعشار على غير قياس. أو بمعنى العشر [كالثمين بمعني الثمن] ولكنه عاملهم عليه قبل إخراج الجزور من جلدها وقبل النظر إليها أو يكونا كرها أجر الجزّار على كل حال واللَّه أعلم» . السابع: في بيان غريب ما سبق: قضاعة: بضم القاف وبالضاد المعجمة والعين المهملة. السّراة: بفتح السين المهملة جمع سريّ بفتح أوله وكسر الراء وهو الشريف أو ذو المروءة والسخاء. بليّ: بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد التحتية. عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء. بلقيسن: بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح القاف وسكون التحتية وبالسين والنون يعني بني القيس وهو من شواذ التخفيف وهم من بني أسد، وإذا نسبت إليهم قلت قيسيّ ولا تقل بقليس. كمن النهار: استتر فيه واختفى. رافع: بالراء والفاء. مكيث: بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة. الجهني: بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون. المدديّ: منسوب إلى المدد وجمعه أمداد وهم الغزاة الذين يمدّون جيوش الإسلام. الشيّمة: بكسر الشين المعجمة: الغريزة والطبيعة والجبلّة التي خلق عليها الإنسان. يصطلون: يستدفئون والاصطلاء افتعال من صلا النار والتّسخن بها.

стр. 2556

قذف: الشيء: رماه. بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية. هدأ عنه: بفتح الهاء والدال المهملة والهمز: سكن. دوّخ البلاد: بفتح الدال المهملة وتشديد الواو وبالخاء المعجمة: قهر واستولى. عاملة: بعين مهملة وبعد الألف ميم مكسورة حيّ من قضاعة. فضّهم: بفتح الفاء والضاد المعجمة الساقطة المشددة أي فرّق جمعهم وكسرهم. قفل: بفتح القاف والفاء واللام: رجع. والقفول بضم القاف والفاء: الرجوع. سرجس: بفتح السين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم وبالسين المهملة: اسم أعجمي لا ينصرف. الرّحل: بفتح الراء وسكون الحاء المهملة وباللام، وهو هنا منزل الشخص ومسكنه وبيته الذي فيه أثاثه ومتاعه. العباية: بالمثناة التحتية والعباة والعبا ممدودين: كساء معروف. فدكيّة: من عمل فدك بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف. شكّها: انتظمها. الخلال: بالخاء المعجمة وزن كتاب: العود يخلّل به الثوب والأسنان وخللت الرداء خلّا من باب قتل ضممت طرفيه بخلال. جهدت لك نفسي: أي [بذلت وسعي] . العوّاذ: بضم العين المهملة وتشديد الواو وبالذال المعجمة: وهو (جمع العائذ) الملتجئ والمستجير. الذمّة: العهد والأمان. تخفر: بضم الفوقية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء وبالراء: تنقض العهد يقال أخفرته نقضت عهده. وخفرته أخفره بكسر الفاء وأخفره بالضمّ خفارة مثلثة أجرته من ظالم فأنا خفير، أمّنته ومنعته وبالعهد وفيت له فهو من الأضداد. يظلّ: بفتح التحتية والظاء المعجمة المشالة: يصير.

стр. 2557

ناتئا: منتفخا مرتفعا. عضله: منعه ظلما، وعضل عليه ضيّق وبه الأمر اشتدّ. لهيعة: بفتح اللام وكسر الهاء وسكون التحتية وفتح العين المهملة فتاء تأنيث. ابن أبي حبيب: بالحاء المهملة. لقيط: بفتح اللام وكسر القاف وسكون التحتية وبالطاء المهملة. هرم: بفتح الهاء وكسر الراء. الجزور: بفتح الجيم وضم الزاي وسكون الواو وبالراء الإبل خاصة تقع على الذكر والأنثى إلا أن اللفظ مؤنثة والجمع جزر بضمّتين. بعّضوها: بعاضا أي أجزاء. ابن حبّان: بكسر الحاء المهملة وبالموحدة. النّهدي: بفتح النون المشددة وسكون الهاء وبالدال المهملة.

стр. 2558

الباب الثامن والأربعون في سرية أبي عبيدة بن الجراح رضي اللَّه تعالى عنه يرصد عيرا لقريش عند محمد بن عمر، وابن سعد، أن رسول اللَّه ﷺ أرسله ومن معه لحي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر وتعرف بسريّة الخبط وسرية سيف البحر. قال جمهو ر أئمة المغازي كانت في رجب سنة ثمان. روى البخاري من طرق عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما، ومسلم من طرق أخر عنه، وابن إسحاق عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه تعالى عنه قال جابر رضي اللَّه تعالى عنه: «بعثنا رسول اللَّه ﷺ في ثلاثمائة راكب، زاد محمد بن عمرو ابن سعد، والقطب من المهاجرين والأنصار فيهم عمر بن الخطاب» [ (١) ] . انتهى. قال جابر: وأمر علينا رسول اللَّه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش، وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكنا ببعض الطريق، وفي رواية فأقمنا بالساحل نصف شهر ففني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع فكن مزود تمر، وكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا. وفي رواية فكان يعطينا قبضة قبضة، ثم صار يعطينا تمرة تمرة حتى فني. قيل كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنّا نمصّها كما يمصّ الصبي [الثدي] ، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل. وفي رواية وهب بن كيسان قلت لجابر ما تغني عنكم تمرة، قال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. وفي حديث عبادة بن الصامت: فقسمها يوما بيننا فنقصت تمرة عن رجل فوجدنا فقدها ذلك اليوم فأصابنا جوع شديد وكنا نضرب بعصيّنا الخبط ثم نبلّه بالماء. وفي رواية عبادة بن الوليد [ (٢) ] بن عبادة ابن الصامت، رضي اللَّه تعالى عنهما، وكان قوت كل منا في كل يوم تمرة فكان يمصّها ثم يصرّها في ثوبه، وكنا نخبط بقسيّنا ونأكل حتى تقرّحت أشداقنا. فأقسم أخطأها رجل منا يوما فإن انقلب به تنعشه، فشهدنا له أنه لم يعطها فأعطيها فقام فأخذها، انتهى، زاد محمد بن عمر: حتى أن شدق أحدهم بمنزلة مشفر البعير انتهى. فمكثنا على ذلك أياما، وعند أبي بكر، ومحمد بن الحسن بن علي المقري عن جابر: كنا نأكل الخبط ثلاثة أشهر، انتهى. حتى قال قائلهم لو لقينا عدوا ما كان بنا حركة إليه لما نالنا من الجهد.

стр. 2559

وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات: فقال قيس بن سعد بن عبادة [ (١) ] : من يشتري مني تمرا بجزور نحرها هاهنا وأوفيه الثمن بالمدينة؟ فجعل عمر بن الخطاب يقول: وا عجباه لهذا الغلام لا مال له يدين في مال غيره. فوجد قيس رجلا من جهينة فقال قيس: بعني جزورا وأوفيك ثمنه من تمر بالمدينة. قال الجهني: واللَّه ما أعرفك فمن أنت؟ قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم. قال الجهنيّ: ما أعرفني: بنسبك إن بيني وبين سعد خلّة سيد أهل يثرب، فابتاع منه خمس جزائر كل جزور بوسق من تمر، واشترط عليه البدوي تمر ذخرة من تمر آل دليم، فقال قيس: نعم. قال الجهني: أشهد لي. فأشهد له نفرا من الأنصار ومعهم نفر من المهاجرين. فقال عمر بن الخطاب: لا أشهد، هذا يدان ولا مال له إنما المال لأبيه. فقال الجهنيّ: واللَّه ما كان سعد ليخني بابنه في شقة من تمر وأرى وجها حسنا وفعلا شريفا. فأخذ قيس الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة كل يوم جزورا. فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره وقال: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك. وفي حديث جابر عن الشيخين: نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم أن أبا عبيدة نهاه. وروى محمد بن عمر عن رافع بن خديج [ (٢) ] رضي اللَّه تعالى عنه أن أبا عبيدة قال لقيس: عزمت عليك ألا تنحر، أتريد أن تخفر ذمّتك ولا مال لك؟ فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت وهو يقضي ديون الناس ويحمل الكلّ ويطعم في المجاعة لا يقضي عني شقّة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل اللَّه؟ فكاد أبو عبيدة يلين له وجعل عمر يقول أعزم عليه فعزم عليه وأبي عليه أن ينحر فبقيت جزوران فقدم بهما قيس المدينة يتعاقبون عليهما. وبلغ سعد بن عبادة ما كان أصاب الناس من المجاعة فقال: «إن يكن قيس كما أعرف فسوف ينحر القوم» انتهى. قال جابر: وانطلقنا على ساحل البحر فألقى إلينا البحر دابة يقال لها العنبر، وفي لفظ حوتا لم نر مثله كهيئة الكثيب الضخم، وفي رواية مثل الضريب الضخم فأتيناه فأكلنا منها. وفي لفظ منه نصف شهر. وفي رواية عند البخاري ثماني عشرة ليلة. وفي رواية عند مسلم شهرا، ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا وادّهنّا من ودكه حتى ثابت منه أجسادنا وصلحت ولقد رأيتنا

стр. 2560

نغترف من وقب عينيه بالقلال: الدهن وأخرجنا من عينيه كذا وكذا قلّة ودك ونقطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور. وأمر أبو عبيدة بضلع من أضلاعه فنصب. وفي رواية: ضلعين فنصبا، ونظر إلى أطول رجل في الجيش- أي وهو قيس بن سعد بن عبادة فيما يظنه الحافظ- وأطول جمل فحمله عليه ومرّ من تحته راكبا فلم يصبه أو يصبهما. وتزودنا من لحمه وسائق، وفي رواية أبي حمزة الخولاني وحملنا منه ما شئنا من قديد وودك في الأسقية انتهى. قال جابر: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول اللَّه ﷺ فذكرنا له ذلك فقال: «رزق أخرجه اللَّه تعالى لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟» قال: فأرسلنا إلى رسول اللَّه ﷺ منه فأكله، وفي رواية: فأتاه بعضهم بعضو منه فأكله. وفي رواية أبي حمزة الخولاني أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لو نعلم أنا ندركه لم يروح لأجبنا لو كان عندنا منه» [ (١) ] . وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات: فلما قدم قيس بن سعد بن عبادة لقيه أبوه فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابتهم؟ قال: نحرت، قال أصبت ثم ماذا؟ قال نحرت قال: أصبت ثم ماذا؟ قال نهيت. وفي الصحيح عن أبي صالح ذكوان السّمّان إن قيس بن سعد بن عبادة قال لأبيه. وفي مسند الحميدي عن أبي صالح عن قيس قلت لأبي: كنت في الجيش فجاعوا. قال: أنحرت؟ قال: نحرت. قال ثم جاعوا قال: أنحرت؟ قال: نهيت. وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات قال: من نهاك؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح. قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك. قال: لك أربعة حوائط أدنى حائط منها تجد منه خمسين وسقا. وكتب بذلك كتابا وأشهد أبا عبيدة وغيره. وقدم الجهني مع قيس فأوفاه أو سقه وحمله وكساه. وعند ابن خزيمة عن جابر قال: بلغ رسول اللَّه ﷺ فعل قيس فقال: «إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت» . انتهى. وجاء سعد بن عبادة إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: من يعذرني من ابن الخطاب يبخل عليّ ابني [ (٢) ] . تنبيهات الأول: قال جماعة من أهل المغازي كانت هذه السرية سنة ثمان. قال في زاد المعاد، والبداية والنور: وفيه نظر لما رواه الشيخان من حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه أن
следующие страницы →