قذف: الشيء: رماه.
بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية.
هدأ عنه: بفتح الهاء والدال المهملة والهمز: سكن.
دوّخ البلاد: بفتح الدال المهملة وتشديد الواو وبالخاء المعجمة: قهر واستولى.
عاملة: بعين مهملة وبعد الألف ميم مكسورة حيّ من قضاعة.
فضّهم: بفتح الفاء والضاد المعجمة الساقطة المشددة أي فرّق جمعهم وكسرهم.
قفل: بفتح القاف والفاء واللام: رجع. والقفول بضم القاف والفاء: الرجوع.
سرجس: بفتح السين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم وبالسين المهملة: اسم أعجمي لا ينصرف.
الرّحل: بفتح الراء وسكون الحاء المهملة وباللام، وهو هنا منزل الشخص ومسكنه وبيته الذي فيه أثاثه ومتاعه.
العباية: بالمثناة التحتية والعباة والعبا ممدودين: كساء معروف.
فدكيّة: من عمل فدك بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف.
شكّها: انتظمها.
الخلال: بالخاء المعجمة وزن كتاب: العود يخلّل به الثوب والأسنان وخللت الرداء خلّا من باب قتل ضممت طرفيه بخلال.
جهدت لك نفسي: أي [بذلت وسعي] .
العوّاذ: بضم العين المهملة وتشديد الواو وبالذال المعجمة: وهو (جمع العائذ) الملتجئ والمستجير.
الذمّة: العهد والأمان.
تخفر: بضم الفوقية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء وبالراء: تنقض العهد يقال أخفرته نقضت عهده. وخفرته أخفره بكسر الفاء وأخفره بالضمّ خفارة مثلثة أجرته من ظالم فأنا خفير، أمّنته ومنعته وبالعهد وفيت له فهو من الأضداد.
يظلّ: بفتح التحتية والظاء المعجمة المشالة: يصير.
стр. 2557
ناتئا: منتفخا مرتفعا.
عضله: منعه ظلما، وعضل عليه ضيّق وبه الأمر اشتدّ.
لهيعة: بفتح اللام وكسر الهاء وسكون التحتية وفتح العين المهملة فتاء تأنيث.
ابن أبي حبيب: بالحاء المهملة.
لقيط: بفتح اللام وكسر القاف وسكون التحتية وبالطاء المهملة.
هرم: بفتح الهاء وكسر الراء.
الجزور: بفتح الجيم وضم الزاي وسكون الواو وبالراء الإبل خاصة تقع على الذكر والأنثى إلا أن اللفظ مؤنثة والجمع جزر بضمّتين.
بعّضوها: بعاضا أي أجزاء.
ابن حبّان: بكسر الحاء المهملة وبالموحدة.
النّهدي: بفتح النون المشددة وسكون الهاء وبالدال المهملة.
стр. 2558
الباب الثامن والأربعون في سرية أبي عبيدة بن الجراح رضي اللَّه تعالى عنه يرصد عيرا لقريش عند محمد بن عمر، وابن سعد، أن رسول اللَّه ﷺ أرسله ومن معه لحي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر وتعرف بسريّة الخبط وسرية سيف البحر. قال جمهو ر أئمة المغازي كانت في رجب سنة ثمان.
روى البخاري من طرق عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما، ومسلم من طرق أخر عنه، وابن إسحاق عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه تعالى عنه قال جابر رضي اللَّه تعالى عنه: «بعثنا رسول اللَّه ﷺ في ثلاثمائة راكب، زاد محمد بن عمرو ابن سعد، والقطب من المهاجرين والأنصار فيهم عمر بن الخطاب» [ (١) ] . انتهى.
قال جابر: وأمر علينا رسول اللَّه ﷺ أبا عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش، وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكنا ببعض الطريق، وفي رواية فأقمنا بالساحل نصف شهر ففني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع فكن مزود تمر، وكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا. وفي رواية فكان يعطينا قبضة قبضة، ثم صار يعطينا تمرة تمرة حتى فني. قيل كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنّا نمصّها كما يمصّ الصبي [الثدي] ، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل.
وفي رواية وهب بن كيسان قلت لجابر ما تغني عنكم تمرة، قال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. وفي حديث عبادة بن الصامت: فقسمها يوما بيننا فنقصت تمرة عن رجل فوجدنا فقدها ذلك اليوم فأصابنا جوع شديد وكنا نضرب بعصيّنا الخبط ثم نبلّه بالماء. وفي رواية عبادة بن الوليد [ (٢) ] بن عبادة ابن الصامت، رضي اللَّه تعالى عنهما، وكان قوت كل منا في كل يوم تمرة فكان يمصّها ثم يصرّها في ثوبه، وكنا نخبط بقسيّنا ونأكل حتى تقرّحت أشداقنا.
فأقسم أخطأها رجل منا يوما فإن انقلب به تنعشه، فشهدنا له أنه لم يعطها فأعطيها فقام فأخذها، انتهى، زاد محمد بن عمر: حتى أن شدق أحدهم بمنزلة مشفر البعير انتهى. فمكثنا على ذلك أياما، وعند أبي بكر، ومحمد بن الحسن بن علي المقري عن جابر: كنا نأكل الخبط ثلاثة أشهر، انتهى. حتى قال قائلهم لو لقينا عدوا ما كان بنا حركة إليه لما نالنا من الجهد.
стр. 2559
وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات: فقال قيس بن سعد بن عبادة [ (١) ] : من يشتري مني تمرا بجزور نحرها هاهنا وأوفيه الثمن بالمدينة؟ فجعل عمر بن الخطاب يقول: وا عجباه لهذا الغلام لا مال له يدين في مال غيره. فوجد قيس رجلا من جهينة فقال قيس: بعني جزورا وأوفيك ثمنه من تمر بالمدينة. قال الجهني: واللَّه ما أعرفك فمن أنت؟ قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم. قال الجهنيّ: ما أعرفني: بنسبك إن بيني وبين سعد خلّة سيد أهل يثرب، فابتاع منه خمس جزائر كل جزور بوسق من تمر، واشترط عليه البدوي تمر ذخرة من تمر آل دليم، فقال قيس: نعم. قال الجهني: أشهد لي. فأشهد له نفرا من الأنصار ومعهم نفر من المهاجرين. فقال عمر بن الخطاب: لا أشهد، هذا يدان ولا مال له إنما المال لأبيه. فقال الجهنيّ: واللَّه ما كان سعد ليخني بابنه في شقة من تمر وأرى وجها حسنا وفعلا شريفا. فأخذ قيس الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة كل يوم جزورا. فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره وقال:
تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك. وفي حديث جابر عن الشيخين: نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم أن أبا عبيدة نهاه.
وروى محمد بن عمر عن رافع بن خديج [ (٢) ] رضي اللَّه تعالى عنه أن أبا عبيدة قال لقيس: عزمت عليك ألا تنحر، أتريد أن تخفر ذمّتك ولا مال لك؟ فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت وهو يقضي ديون الناس ويحمل الكلّ ويطعم في المجاعة لا يقضي عني شقّة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل اللَّه؟ فكاد أبو عبيدة يلين له وجعل عمر يقول أعزم عليه فعزم عليه وأبي عليه أن ينحر فبقيت جزوران فقدم بهما قيس المدينة يتعاقبون عليهما. وبلغ سعد بن عبادة ما كان أصاب الناس من المجاعة فقال: «إن يكن قيس كما أعرف فسوف ينحر القوم» انتهى.
قال جابر: وانطلقنا على ساحل البحر فألقى إلينا البحر دابة يقال لها العنبر، وفي لفظ حوتا لم نر مثله كهيئة الكثيب الضخم، وفي رواية مثل الضريب الضخم فأتيناه فأكلنا منها.
وفي لفظ منه نصف شهر. وفي رواية عند البخاري ثماني عشرة ليلة. وفي رواية عند مسلم شهرا، ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا وادّهنّا من ودكه حتى ثابت منه أجسادنا وصلحت ولقد رأيتنا
стр. 2560
نغترف من وقب عينيه بالقلال: الدهن وأخرجنا من عينيه كذا وكذا قلّة ودك ونقطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور.
وأمر أبو عبيدة بضلع من أضلاعه فنصب. وفي رواية: ضلعين فنصبا، ونظر إلى أطول رجل في الجيش- أي وهو قيس بن سعد بن عبادة فيما يظنه الحافظ- وأطول جمل فحمله عليه ومرّ من تحته راكبا فلم يصبه أو يصبهما. وتزودنا من لحمه وسائق، وفي رواية أبي حمزة الخولاني وحملنا منه ما شئنا من قديد وودك في الأسقية انتهى.
قال جابر: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول اللَّه ﷺ فذكرنا له ذلك فقال: «رزق أخرجه اللَّه تعالى لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟»
قال: فأرسلنا إلى رسول اللَّه ﷺ منه فأكله، وفي رواية: فأتاه بعضهم بعضو منه فأكله.
وفي رواية أبي حمزة الخولاني أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لو نعلم أنا ندركه لم يروح لأجبنا لو كان عندنا منه» [ (١) ] .
وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات: فلما قدم قيس بن سعد بن عبادة لقيه أبوه فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابتهم؟ قال: نحرت، قال أصبت ثم ماذا؟ قال نحرت قال: أصبت ثم ماذا؟ قال نهيت. وفي الصحيح عن أبي صالح ذكوان السّمّان إن قيس بن سعد بن عبادة قال لأبيه. وفي مسند الحميدي عن أبي صالح عن قيس قلت لأبي: كنت في الجيش فجاعوا. قال: أنحرت؟ قال: نحرت. قال ثم جاعوا قال: أنحرت؟ قال: نهيت.
وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات قال: من نهاك؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح. قال: ولم؟
قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك. قال: لك أربعة حوائط أدنى حائط منها تجد منه خمسين وسقا. وكتب بذلك كتابا وأشهد أبا عبيدة وغيره. وقدم الجهني مع قيس فأوفاه أو سقه وحمله وكساه.
وعند ابن خزيمة عن جابر قال: بلغ رسول اللَّه ﷺ فعل قيس فقال: «إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت» .
انتهى. وجاء سعد بن عبادة إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: من يعذرني من ابن الخطاب يبخل عليّ ابني [ (٢) ] .
تنبيهات
الأول: قال جماعة من أهل المغازي كانت هذه السرية سنة ثمان. قال في زاد المعاد، والبداية والنور: وفيه نظر لما رواه الشيخان من حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه أن
стр. 2561
رسول اللَّه ﷺ بعثهم يرصدون عيرا لقريش، وظاهر هذا الحديث أن هذه السرية كانت قبل الهدنة بالحديبية، فإنه من حين صالح رسول اللَّه ﷺ قريشا لم يكن ليرصد لهم عيرا بل كان زمن أمن وهدنة إلى حين الفتح. ويبعد أن تكون سرية الخبط على هذا الوجه اتفقت مرتين مرة قبل الصلح ومرة بعده. قلت وسيأتي في الثالث من كلام الحافظ ما يروي الغليل.
الثاني: قال في الهدي: قول من قال إنها كانت في رجب وهم غير محفوظ، إذ لم يحفظ عن رسول اللَّه ﷺ أنه غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية، وقد عيّر المشركون المسلمين بقتالهم في أول رجب في قصة العلاء بن الحضرمي، وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام وأنزل اللَّه تعالى في ذلك: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة ٢١٧] ولم يثبت نسخ هذا بنصّ يجب المصير إليه ولا أجمعت الأمة على نسخة. قال [البرهان] في النور: وهو كلام حسن مليح لكنه على ما اختاره من عدم نسخ القتال في الشهر الحرام وسلفه عطاء وأهل الظاهر وشيخه أبي العبّاس بن تيمية وهو خلاف ما عليه المعظم. وقوله في قصة العلاء بن الحضرمي صوابه عمرو بن الحضرمي أخو العلاء والعلاء ليس صاحب هذه السرية بل صاحبها وأميرها عبد اللَّه بن جحش.
الثالث: قال في الفتح: لا يغاير ما في الصحيح أن هذه السرية بعثها رسول اللَّه ﷺ لترصد عيرا لقريش، وما ذكره ابن سعد أن رسول اللَّه ﷺ بعثهم لحيّ من جهينة وأن ذلك كان في شهر رجب لإمكان الجمع بين كونهم يتلقون عيرا لقريش ويقصدون حيّا من جهينة، ويقوّي هذا الجمع ما عند مسلم من طريق عبيدة اللَّه بن مقسم عن جابر قال: بعث رسول اللَّه ﷺ بعثا إلى أرض جهينة، فذكر القصة. لكن تلقي عير قريش ما يتصوّر أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان لأنهم حينئذ كانوا في الهدنة بل يقتضي ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست، أو قبلها قبل الهدنة يحتمل أن يكون تلقّيهم العير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة. ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدا بل أنهم أقاموا نصف شهر وأكثر في مكان واحد واللَّه تعالى أعلم.
الرابع: وقع في رواية أبي حمزة الخولاني عن جابر عن ابن أبي عاصم في كتاب الأطعمة أن أمير هذه السرية قيس بن سعد بن عبادة. قال الحافظ: والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين أنه أبو عبيدة بن الجراح. وكان أحد الرواة ظنّ من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزاة ما صنع من نحر الإبل التي نحرها أنه كان أمير السرية وليس كذلك.
الخامس: ظاهر قول جابر: «بعث رسول اللَّه ﷺ بعثا فخرجنا وكنا ببعض الطريق فني
стр. 2562
الزاد إلخ» . أنه كان لهم زاد بطريق العموم وزاد بطريق الخصوص. فلما فني الذي بطريق العموم اقتضي رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المساواة بينهم ففعل فكان جميعه مزودا واحدا.
ووقع عند مسلم في رواية الزبير عن جابر: «بعثنا رسول اللَّه ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة [ (١) ] » .
وظاهره مخالف لهذه الرواية. ويمكن الجمع بأن الزاد العام كان قدر جراب. فلما تعدد وجمع أبو عبيدة الزاد الخاص اتفق أنه صار قدر جراب، ويكون كل من الروايين ذكر ما لم يذكر الآخر. وأما تفرقة ذلك تمرة تمرة، فكان في ثاني الحال. وقد روى البخاري في الجهاد من طريق وهب بن كيسان عن جابر: «خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ففني زادنا حتى كان الرجل منا يأكل [كل يوم] تمرة» . وأما قول عياض: «يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور» فمردود لأن حديث جابر الذي صدر به البخاري صريح في أن الذي اجتمع من أزوادهم كان مزود تمر. ورواية أبي الزبير صريحة في أن النبي ﷺ زوّدهم جرابا من تمر فيصح أن التمر كان معهم من غير الجراب. وأما قول غيره يحتمل أن يكون تفرقته عليهم تمرة تمرة كان من الجراب النبوي ﷺ قصدا للبركة، وكان يفرق عليهم من الأزواد التي اجتمعت أكثر من ذلك فبعيد من ظاهر السياق، بل في رواية هشام بن عروة عند ابن عبد البر. فقلّت أزوادنا حتى كان يصيب الرجل منا التمرة.
السادس: في رواية وهب بن كيسان عن جابر: «فأكل منه القوم ثماني عشرة ليلة» .
وفي رواية عمرو بن دينار: «فأكلنا منه نصف شهر» . وفي رواية أبي الزبير: «فأقمنا عليها شهرا» . ويجمع بين هذا الاختلاف بأن الذي قال: ثماني عشرة، ضبط ما لم يضبط غيره أو أن من قال نصف شهر ألغى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام، ومن قال شهرا جبر الكسر وضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها. ورجّح النووي رواية أبي الزبير لما فيها من الزيادة. قال ابن التين: إحدى الروايتين وهم. ووقع في رواية الحاكم: اثنا عشر يوما، وهي شاذّة وأشذ منها رواية الخولاني: أقمنا قبلها ثلاثا. ولعل الجمع الذي ذكرته أولى.
السابع: لا تخالف رواية أبي حمزة الخولاني رواية أبي الزبير في لحم الحوت لأن رواية أبي حمزة تحمل علي أن رسول اللَّه ﷺ قال ذلك ازديادا منه بعد أن أحضروا له منه ما ذكر، أو قال ذلك قبل أن يحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم لم يروح فأكل منه ﷺ .
стр. 2563
الثامن: وقع في آخر صحيح مسلم من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال:
خرجت أنا وأبي نطلب العلم. فذكر الحديث، وفيه فرأينا جابر بن عبد الله في مسجده.
الحديث. وفيه سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطن بواط. الحديث. وفيه سرنا مع رسول الله ﷺ : وكان قوت كل أحد منا في كل يوم تمرة. الحديث. وفي آخره: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ فقال: «عسى اللَّه أن يطعمكم» . فأتينا سيف البحر، فزجر البحر زجرة فألقى دابّة، فأورينا على شقّها النار فاطّبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا. قال جابر: فدخلت أنا وفلان حتى عدّ خمسة في فجاج عينها ما يرانا أحد، وأخذنا ضلعا من أضلاعها فقوّمناه ودعونا أعظم رجل في الرّكب وأعظم جمل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحته ما يطأطئ رأسه. قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: وظاهر سياقه أن ذلك وقع في غزوة لهم مع رسول اللَّه ﷺ ، لكن يمكن حمل قوله: فأتينا سيف البحر على أنه معطوف على شيء محذوف تقديره: فبعثنا رسول اللَّه ﷺ ، في سفر فأتينا إلخ، فتتحد مع القصة التي في صحيح البخاري.
التاسع: في بيان غريب ما سبق:
يرصد: بفتح التحتية.
العير: بكسر العين المهملة وبالراء الإبل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة.
الحيّ الواحد من أحياء العرب يقع على بني أب كثروا أم قلّوا، وعلى شعب يجمع القبائل من ذلك.
جهينة: بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح النون فتاء تأنيث.
القبليّة: بفتح القاف والموحدة.
ساحل البحر: شاطئه وهو جانبه.
الخبط: بفتح الخاء المعجمة والموحدة ما سقط من ورق الشجر إذا خبط بالعصا لتعلفه الإبل.
سيف البحر: بكسر السين المهملة وسكون التحتية وبالفاء جانبه.
عبادة: بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة.
الصامت: بلفظ اسم الفاعل.
الجراب: بكسر الجيم، قال في التقريب وقد تفتح.
المزود: بكسر الميم وعاء التمر من أدم.
стр. 2564
يقوتنا، بفتح الفوقية وضم القاف والتخفيف من الثلاثي، وبضم التحتية والتشديد من التقويت ومنعه ابن السّكّيت- بكسر السين المهملة والكاف المشددة وسكون التحتية فتاء.
العصيّ: بضم العين وكسر الصاد المهملتين جمع عصا.
يمصّها: بفتح الميم وحكى ضمها.
تخبط: الشجرة تضربها فيتحاتّ ورقها فتأكله (الإبل) .
القسيّ: بكسر القاف جمع قوس.
تقرّحت: تجرّحت من خشونة الورق وحرارته.
الشدق: بفتح الشين المعجمة وكسرها وسكون الدال المهملة وبالقاف جانب الفم.
فأقسم: أحلف.
أخطأها: فاتته ومعناه أنه كان للتمر قاسم يقسمه بينهم، فيعطي كل إنسان تمرة كل يوم، فقسم في بعض الأيام ونسي إنسانا فلم يعطه تمرته وظنّ أنه أعطاه فتنازعا في ذلك، فذهبنا معه وشهدنا له أن لم يعطها فأعطيها بعد الشهادة.
فنعشه: فرفعه وتقيمه من شدة الضعف والجهد أو معناه تشد جانبه في دعواه وتشهد له.
مشفر البعير: بكسر الميم كالجحفلة من الفرس وهو لذي الحافر كالشفة للإنسان.
ناله: أصابه.
الجهد: بفتح الجيم- وتضم- وبالدال: المشقة، وقيل بالفتح المشقة وبالضم الطاقة.
الغيلانيات: أجزاء من الحديث منسوبة لابن غيلان من المحدثين.
الجزور: بفتح الجيم من الإبل خاصة يقع على الذكر والأنثى والجمع جزر بضمتين.
شقّة من تمر [أي قطعة تشقّ منه] .
دليم: بضم الدال المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وبميم.
أما: بفتح الهمزة وتخفيف الميم.
يخني به بضم التحتية وسكون المعجمة وبالنون يسلمه.
فعلا: بكسر الفاء وسكون العين. وفي نسخة من العيون فعالا بفتح الفاء أي الكرم ولهذا وصفه بالمفرد فقال شريفا. ولو أراد الفعال بكسر الفاء الذي هو جمع فعل لقال شريفة.
خديج: بخاء معجمة فدال مهملة فتحتية فجيم وزن عظيم.
стр. 2565
عزم عليه: أمره أمر جدّ بكسر الجيم.
أخفره: إذا نقض عهده واختفره إذا وفي له بالعهد والمراد الأول.
الذّمّة: بكسر الذال المعجمة تفسّر تارة بالعهد والأمان وتارة بالضمان.
أبو ثابت: بثاء مثلثة وموحدة: كنية سعد بن عبادة.
الكلّ: بفتح الكاف وتشديد اللام: وهو الإعياء ثم استعمل في كل ضائع وأمر ثقيل.
الدّابّة: بالدال المهملة وتشديد الموحدة: كل حيوان في الأرض ويطلق على الذكر والأنثى.
العنبر: بلفظ المشموم: حوت كبير بليغ طوله خمسون ذراعا فأكثر.
الحوت: اسم جنس لجميع السمك وقيل مخصوص بما عظم منها.
الكثيب: بفتح الكاف وكسر الثاء المثلثة التّلّ من الرمل.
الظّرب: بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر الراء وبالموحدة الجبل الصغير.
الضّخم: بفتح الضاد وسكون الخاء المعجمتين: العظيم.
الودك: بفتح الواو والدال المهملة: الشحم.
ثابت: بثاء مثلثة وموحدة ففوقية: رجعت.
الوقب: بفتح الواو وسكون القاف والموحدة النّقرة التي تكون فيها الحدقة.
القلال: بكسر القاف جمع قلّة وهي هنا [الحبّ العظيم] .
القدر: بكسر القاف وفتح الدال المهملة جمع قدرة بفتح فسكون: وهي القطعة من اللحم ومن غيره.
الثّور: بالثاء المثلثة الذكر من البقر، والأنثى ثورة والجمع ثيران وأثوار وثيرة مثل عنبة.
الضلع: بكسر الضاد المعجمة وسكون اللام تؤنّث وجمعها أضلع وضلوع وهي عظام الجنبين. وقوله بضلعين فنصبا، الوجه فنصبتا، وكأنه أوّله بعظمين أو عضوين. ونحو ذلك وأن التأنيث غير حقيقي فيجوز التذكير.
لم يروح: لم ينتن.
المجامعة: والمجموعة بفتح الميم من الجوع ضد الشّبع.
نهيت: بالبناء للمفعول.
ذكوان: بفتح الذال المعجمة.
стр. 2566
الحوائط: جمع حائط وهو هنا البستان.
أوفى: بمعنى أتمّ.
يجذّ: يقال جذذت التمر وغيره قطعته وهذا زمن الجذاذ.
الشّيمة: بكسر الشين المعجمة: الغريزة والطبيعة والجبلّة.
يبخّل عليّ ولدي [أي رماه بالبخل] .
الهدنة: بضم الهاء وسكون الدال المهملة وبضمها: الصلح والموادعة بين المتماريين.
الغليل: بفتح الغين المعجمة. العطشان.
مقسم: بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة.
الكفل: بكسر الكاف وسكون الفاء وباللام هنا الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط.
стр. 2567
الباب التاسع والأربعون في سرية أبي قتادة الأنصاري رضي اللَّه تعالى عنه إلى خضرة ووقعة ابن أبي حدرد في شعبان سنة ثمان .
روى ابن إسحاق، والإمام أحمد، ومحمد بن عمر عن عبد اللَّه بن أبي حدرد الأسلمي رضي اللَّه تعالى عنه قال: تزوجت ابنة سراقة بن حارثة النّجّاري وقد قتل ببدر، فلم أصب شيئا من الدنيا كان أحب إلى من نكاحها، وأصدقتها مائتي درهم، فلم أجد شيئا أسوقه إليها، فقلت: على اللَّه تعالى ورسوله ﷺ المعوّل. فجئت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته، فقال: «كم سقت إليها؟» فقلت: مائتي درهم يا رسول اللَّه. فقال: «سبحان اللَّه واللَّه لو كنتم تغترفونه من ناحية بطحان- وفي رواية- «لو كنتم تغترفون الدراهم من واديكم هذا ما زدتم» . فقلت: يا رسول اللَّه أعنّي على صداقها. فقال رسول اللَّه ﷺ : «ما وافقت عندنا شيئا أعينك به ولكن قد أجمعت أن أبعث أبا قتادة في أربعة عشر رجلا في سرية فهل لك أن تخرج فيها؟ فإني أرجو أن يغنمك اللَّه مهر امرأتك» . فقلت: نعم [ (١) ] .
وعند ابن إسحاق: فلبثت أياما ثم أقبل رجل من بني جشم حتى نزل بقومه وبمن معه الغابة يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول اللَّه ﷺ وكان ذا اسم وشرف في جشم.
فدعاني رسول اللَّه ﷺ ورجلين من المسلمين فقال: «اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوني منه بخبر وعلم» . وقدّم لنا شارفا عجفاء يحمل عليها أحدنا فو اللَّه ما قامت به [ضعفا] حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت، ثم قال: «تبلّغوا عليها واعتقبوها» . وفي حديث محمد بن عمر، وأحمد واللفظ للأول: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النّبل والسيوف فكنا ستة عشر رجلا بأبي قتادة وهو أميرنا. فبعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى غطفان نحو نجد. فقال رسول اللَّه ﷺ : «سيروا الليل واكمنوا النهار وشنّوا الغارة ولا تقتلوا النساء والصبيان» .
قال:
فخرجنا حتى جئنا ناحية غطفان.
وفي حديث أحمد: فخرجنا حتى جئنا الحاضر ممسين، فلما ذهبت فحمة العشاء قال محمد بن عمر قال: وخطبنا أبو قتادة وأوصانا بتقوى اللَّه تعالى وألّف بين كل رجلين وقال: «لا يفارق كل رجل زميله حتى يقتل أو يرجع إليّ فيخبرني خبره، ولا يأتينّ رجل فأسأله عن صاحبه فيقول لا علم لي به، وإذا كبّرت فكبّروا، وإذا حملت فاحملوا ولا تمعنوا في الطلب» .
стр. 2568
فأحطنا بالحاضر، فسمعت رجلا يصرخ: يا خضرة، فتفاءلت وقلت: لأصيبن خيرا ولأجمعنّ إليّ امرأتي، وقد أتيناهم ليلا.
قال فجردّ أبو قتادة سيفه وكبّر، وجردنا سيوفنا وكبّرنا معه فشددنا على الحاضر وقاتلنا رجالا، وإذا أنا برجل طويل قد جرد سيفه وهو يمشي القهقرى، مرة يقبل عليّ بوجهه، ومرّة يدبر عنّي بوجهه، كأنه يريد أن يستطردني فأتبعه، ثم يقول: يا مسلم هلم إلى الجنة فأتبعه، ثم قال:
إن صاحبكم لذو مكيدة أمره هذا الأمر، وهو يقول الجنة الجنة، يتهكم بنا، فعرفت أنه مستقتل فخرجت في أثره وناديت أين صاحبي؟ لا تبعد فقد نهانا أميرنا عن أن نمعن في الطلب فأدركته وملت عليه فقتلته، وأخذت سيفه، وقد جعل زميلي يناديني أين تذهب؟ إني واللَّه إن ذهبت إلى أبي قتادة فسألني عنك أخبرته. قال: فلقيته قبل أبي قتادة. فقلت: أسأل الأمير عني؟ قال:
نعم وقد تغيّظ عليّ وعليك. وأخبرني أنهم قد جمعوا الغنائم وقتلوا من أشرافهم. فجئت أبا قتادة فلا مني فقلت: قتلت رجلا كان من أمره كذا وكذا وأخبرته بقوله كله. ثم سقنا النعم وحملنا النساء وجفون السيوف معلّقة بالأقتاب، فأصبحت وبعيري مقطور بامرأة كأنها ظبي.
فجعلت تكثر الالتفات خلفها وتبكي، فقلت: إلى أي شيء تنظرين؟ قالت: انظر واللَّه إلى رجل لئن كان حيا لاستنقذنا منكم. فوقع في نفسي أنه هو الذي قتلت. فقلت: قد واللَّه قتلته، وهذا واللَّه سيفه معلّق بالقتب. قالت: فألق إليّ غمده. فقلت: هذا غمد سيفه. قالت: فشمه إن كنت صادقا. قال: فشمته فطبّق. قال: فبكت ويئست.
وفي حديث ابن إسحاق: قال عبد اللَّه بن أبي حدرد: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النّبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر [عشيشية] مع غروب الشمس كمنت في ناحية وأمرت صاحبيّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا [سمعتماني قد] كبّرت وشددت في ناحية العسكر فكبّرا وشدّا معي.
قال: فو اللَّه إنا لكذلك ننتظر غرّة القوم أو أن نصيب منهم شيئا غشينا الليل فذهبت فحمة العشاء، وكان راعيهم قد أبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه. فقام صاحبهم رفاعة بن قبس فأخذ سيفه فجعله في عنقه ثم قال: واللَّه لأتبعنّ أثر راعينا هذا فلقد أصابه شرّ. فقال بعض من معه. نحن نكفيك فلا تذهب. فقال: واللَّه لا يذهب إلا أنا. فقالوا: ونحن معك. قال: واللَّه لا ينبعني أحد منكم. وخرج حتى مرّ بي، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده فو اللَّه ما تكلم ووثبت إليه فاحتززت رأسه وشددت في ناحية العسكر وكبّرت وشدّ صاحباي وكبّرا.
فو اللَّه ما كان إلا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خفّ معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة.
стр. 2569
وعند محمد بن عمر عن جعفر بن عمر: وقالوا: غابوا خمس عشرة ليلة وجاءوا بمائتي بعير وألف شاة وسبوا سببا كثيرا وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه وعدل البعير بعشرين من الغنم.
وروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما قال: بعث رسول اللَّه ﷺ سرية قبل نجد فخرجت فيها فغنمنا إبلا وغنما كثيرة فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا فنفّلنا أميرنا بعيرا بعيرا كل إنسان، ثم قدمنا على رسول اللَّه ﷺ فقسم علينا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول اللَّه ﷺ بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع. وفي رواية نفلنا رسول اللَّه ﷺ بعيرا بعيرا فكان لكل إنسان ثلاثة عشر بعيرا [ (١) ] .
قال عبد اللَّه بن أبي حدرد: فأتينا رسول اللَّه ﷺ ، وجئت برأس رفاعة أحمله معي فأعطاني رسول اللَّه ﷺ من تلك الإبل ثلاثة عشرة بعيرا فدخلت بزوجتي ورزقني اللَّه خيرا كثيرا.
وروى محمد بن عمر عن عبد اللَّه بن أبي حدرد قال: أصابنا في وجهنا أربع نسوة فيهن فتاة كأنها ظبي، بها من الحداثة والحلاوة شيء عجيب، وأطفال وجوار، فاقتسمنا السّبي وصارت تلك الجارية الوضيئة لأبي قتادة
فجاء محمية بن جزء الزبيدي فقال: يا رسول اللَّه إن أبا قتادة قد أصاب في وجهه هذا جارية وضيئة، وقد كنت وعدتني جارية من أول فيء يفيء اللَّه به عليك. فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى أبي قتادة. فقال: «هب لي الجارية» . فقال: نعم يا رسول اللَّه: فأخذها رسول اللَّه ﷺ فدفعها إلى محمية بن جزء الزبيدي.
تنبيهان
الأول: جعل في العيون سرية أبي قتادة إلى خضرة غير سرية عبد اللَّه بن أبي حدرد التي سأل فيها رسول اللَّه ﷺ الإعانة على مهر امرأته. وجعلهما محمد بن عمر [سرية] واحدة.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
خضرة: بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين: أرض لمحارب بنجد.
حدرد: بمهملات وزن جعفر.
стр. 2570
سراقة: بضم السين المهملة.
حارثة: بالحاء المهملة والثاء المثلثة.
أسوقه إليها: أي أمهرها إياه.
سبحان اللَّه: أتى هنا بالتسبيح للتعجب.
بطحان: بضم الموحدة وسكون الطاء وبالحاء المهملتين، وقيل بفتح أوله وكسر ثانيه، وحكي فتح الأول وسكون الثاني: واد بالمدينة.
أجمعت: عزمت.
لبثت: بفتح اللام وكسر الموحدة وبالثاء المثلثة مكثت.
جشم: بضم الجيم وفتح الشين المعجمة.
الغابة: بالغين المعجمة وبالموحدة واد أسفل المدينة.
الشارف: المسنّ من الدواب.
العجفاء: بالمدّ المهزولة.
دعمها الرجال: بدال فعين مهملتين: قوّموها بأيديهم.
غطفان: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء.
شنّ الغارة: فرّقها من كل وجه.
الحاضر: القوم النّزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه.
فحمة العشاء: يقال للظّلمة التي بين صلاتي العشاء.
الزميل: العديل الذي حمله مع حملك على البعير، وقد زاملني عادلني، والزميل أيضا الرفيق في السفر الذي يعينك على أمورك، وهو الرديف أيضا.
فصرخ رجل منهم: يا خضرة: «يا» حرف نداء، وخضرة منادى. ووقع في العيون ما خضرة. قال في النور: «أي من خضرة، وتقع «ما» مكان (من) ، و «من» مكان (ما) . ولكن الأكثر على إطلاق (من) على من يعقل، و (ما) على ما لا يعقل» . انتهى. قلت: والذي وقفت عليه من كتب المغازي: يا خضرة كما ذكرته أولا.
القهقري: الرجوع إلى خلف. وفي النهاية المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه.
استطرده: خادعه ليمسكه من طراد الصّيد.
стр. 2571
قبل أبي قتادة: بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهته.
جفون السيوف: بضم الجيم والفاء وأغمادها، واحدها جفن بفتح الجيم وسكون الفاء.
شام السّيف: سلّه وأغمده أيضا من الأضداد.
طبق: بطاء مهملة فموحدة مشددة فقاف: ساوى.
الغرّة: بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء: الغفلة.
نفحه بسهم: بفتح النون والفاء وبالحاء المهملة: رماه به.
عندك عندك: بمعنى الإغراء.
فعدل: بالبناء للمفعول.
البعير: بالرفع: نائب الفاعل.
وضيئة بمدّ الهمزة المفتوحة: حسنة جميلة.
محمية: بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الميم الثانية وتخفيف التحتية.
جزء: بفتح الجيم وسكون الزاي وبالهمزة.
الزّبيدي: بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالدال المهملة.
عشيشية: تصغير عشية.
بطن: هو دون القبيلة.
стр. 2572
الباب الخمسون في سرية أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أيضا إلى بطن إضم في أول شهر رمضان قبل فتح مكة .
قال محمد بن عمر: لما أراد رسول الله ﷺ التوجه إلى مكة بعث أبا قتادة الحارث بن ربعيّ رضي الله تعالى عنه في ثمانية نفر إلى بطن إضم ليظنّ ظانّ أن رسول الله ﷺ توجّه إلى تلك الناحية ولأن تذهب بذلك الأخبار. وروى محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر، وابن سعد، وابن أبي شيبة، والإمام أحمد والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في مكارم الأخلاق، والطبراني، وأبو نعيم والبيهقي في دلائلهما رحمهم اللَّه تعالى، عن عبد الله بن أبي حدرد، والطبراني عن جندب البجلي، وابن جرير عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهم، وابن أبي حاتم عن الحسن، وعبد الرزاق: وابن جرير عن قتادة رضي اللَّه تعالى عنه، قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى إضم [في نفر من المسلمين] أميرنا أبو قتادة الحارث بن ربعيّ وفينا محلم بن جثامة الليثي وأنا، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له ومعه متيّع له ووطب من لبن.
قال: فلما مرّ بنا سلّم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبين وسلبه بعيره ومتيّعه. فلما قدمنا على رسول اللَّه ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء ٩٤] .
فانصرف القوم ولم يلقوا جمعا حتى انتهوا إلى ذي خشب. فبلغهم أن رسول اللَّه ﷺ قد توجه إلى مكة فأخذوا على يبين حتى لحقوا برسول اللَّه ﷺ بالسّقيا [ (١) ] .
فقال النبي ﷺ لمحلّم: «أقتلته بعد ما قال آمنت باللَّه؟» .
وفي حديث ابن عمر، والحسن: فجاء محلّم في بردين، فجلس بين يدي رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : «أقتلته بعد ما قال إني مسلم؟» قال: يا رسول اللَّه إنما قالها متعوّذا. قال: «أفلا شققت عن قلبه؟» قال: لم يا رسول اللَّه؟ قال:
«لتعلم أصادق هو أم كاذب» . قال: وكنت عالما بذلك يا رسول اللَّه. هل قلبه إلا مضغة من لحم؟ قال رسول اللَّه ﷺ : «إنما كان ينبئ عنه لسانه» . وفي رواية: فقال رسول اللَّه ﷺ : «لا ما في قلبه تعلم ولا لسانه صدّقت» . فقال: استغفر لي يا رسول اللَّه. فقال: «لا غفر اللَّه لك» .
فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه. فما مضت سابعة حتى مات [ (٢) ] .
стр. 2573
وفي حديث ابن إسحاق: فما لبث أن مات فحفر له أصحابه، فأصبح وقد لفظته الأرض، ثم عادوا وحفروا له فأصبح وقد لفظته الأرض إلى جنب قبره. قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول اللَّه ﷺ كم دفناه مرتين أو ثلاثا.
وفي حديث جندب وقتادة: أما ذلك فوقع ثلاث مرات، وكل ذلك لا تقبله الأرض، فجاؤوا رسول اللَّه ﷺ فذكروا ذلك له فقال: «إن الأرض تقبل من هو شرّ من صاحبكم ولكن اللَّه تعالى [يريد أن] يعظكم فأخذوا برجليه فألقوه في بعض الشّعاب وألقوا عليه الحجارة.
وتقدم في غزوة حنين حكومته ﷺ بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس في دم عامر بن الأضبط.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق
إضم: بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة وبالميم: واد وجبل بالمدينة بينه وبينها ثلاثة برد.
محلم: بميم مضمومة وحاء مهملة مفتحة فلام مكسورة مشددة وبالميم.
جثامة: بجيم مفتوحة فثاء مثلثة مشددة وبعد الألف ميم مفتوحة وبتاء تأنيث.
عامر بن الأضبط: بضاد معجمة ساكنة وموحدة مفتوحة فطاء مهملة تابعي كبير لأنه لم ير النبي ﷺ ويقال له مخضرم.
الوطب: بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وبالموحدة: زقّ اللّبن خاصة.
فتبيّنوا: من التّبيّن، قال في الكشّاف: «وهما من التّفعّل بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر [وثباته] ولا تقتحموه من غير رويّة» . وقرأ حمزة والكسائي: فتثبّتوا من التّثبّت والتأنّي.
ألقى إليكم السلام: حيّاكم بتحية الإسلام، وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة: السلم بغير ألف أي الاستسلام والانقياد وفسّر به السلام أيضا.
عرض الدنيا: ما كان من مال قل أو كثر.
ذو خشب: بضم الخاء والشين المعجمتين وبالموحدة: واد على ليلة من المدينة.
يين: بتحتانيتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة وبالنون، وضبطه الصغاني بفتح التحتانيتين: واد به عين من أعراض المدينة.
السّقيا: بضم السين المهملة وسكون القاف قرية جامعة من عمل الفرع.
стр. 2574
الباب الحادي والخمسون في بعث أسامة بن زيد رضي اللَّه تعالى عنهما إلى الحرقات
روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والشيخان، وأبو داود، والنّسائي عن أسامة بن زيد رضي اللَّه تعالى عنهما، وابن جرير عن السدي، وابن سعد عن جعفر بن برقان الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال أسامة رضي اللَّه تعالى عنه: بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى الحرقة من جهينة.
قال: فصبّحناهم، وكان رجل منهم- قال السّدّي- يدعى مرداس بن نهيك، انتهى، إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا وإذا أوبروا كان حاميتهم، فهزمناهم، فغشيته أنا ورجل من الأنصار. وقال السّدي. وكان مع مرداس غنيمة له وجمل أحمر، فلما رآهم آوى إلى كهف جبل وتبعه أسامة.
فلما بلغ مرداس الكهف وضع غنمه. ثم أقبل إليهم. قال أسامة: فلما غشينا- قال السّدّي- قال: السلام عليكم. قال أسامة في رواية: فرفعت عليه السيف. فقال: لا إله إلا اللَّه- زاد السّدي- محمد رسول اللَّه. قال أسامة: فكفّ الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، أي رفع عليه السيف فلما لم يتمكن منه طعنه بالرمح. قال السّدّي: فشدّ عليه أسامة من أجل جمله وغنيمته. قال أسامة: فلما قدمنا بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ . وفي رواية: فوقع في نفسي من ذلك. وعند محمد بن عمر: قال أسامة: فلما أصبت الرجل وجدت في نفسي من ذلك موجدة شديدة حتى رأيتني ما أقدر على أكل الطعام حتى قدمت على رسول اللَّه ﷺ فقبّلني واعتنقني. وقال السّدي: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرا ويسأل عنه أصحابه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدّثون رسول اللَّه ﷺ ويقولون: «يا رسول اللَّه لو رأيت أسامة، ولقيه رجل فقال الرجل لا إله إلا اللَّه فشدّ عليه وقتله» . وهو يعرض عنهم.
فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة وقال: «يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا اللَّه؟»
وفي رواية: «فكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه؟»
قال السّدّي: «كيف أنت ولا إله إلا اللَّه؟» قال أسامة: قلت يا رسول اللَّه إنما قالها خوفا من السلاح.
وفي رواية: إنما كان متعوّذا من القتل.
قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم؟»
قال السّدّي: فنظرت إليه [ (١) ] ،
وعن ابن سعد: «فتعلم أصادق هو أم كاذب؟»
وعن ابن إسحاق: «فو الذي بعثه بالحق ما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ»
وفي رواية «حتى تمنيت أني لم أسلم قبل ذلك اليوم»
وعن ابن إسحاق «وإني لم أقتله» وعن ابن سعد قال أسامة: «لا أقاتل أحدا يشهد أن لا إله إلا اللَّه»
وعن ابن إسحاق قلت: انظرني يا رسول اللَّه إني أعاهد اللَّه أن لا أقتل رجلا يقول لا إله إلا اللَّه.
قال: «تقول بعدي يا أسامة» . قال قلت: بعدك.
قال السّدّي: فأنزل اللَّه تعالى خبر هذا وأخبر
стр. 2575
إنما قتله من أجل جمله وغنمه فذلك حين يقول: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فلما بلغ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يقول: فتاب اللَّه عليكم. فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلا يقول لا إله إلا اللَّه بعد ذلك وما لقي من رسول اللَّه ﷺ فيه.
وروى ابن أبي حاتم رضي اللَّه تعالى عنهما قال: أمر رسول اللَّه ﷺ لأهل مرادس بديته ورد ماله إليهم.
تنبيهات
الأول: قال الحافظ ليس في قول أسامة تعشيا إلخ قد يدل على انه كان أمير الجيش كما هو ظاهر قول البخاري «باب بعث أسامة بن زيد إلى الحرقات» وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن زيد وسرية غالب بن عبد اللَّه الليثي إلى الميفعة في رمضان سنة سبع وقالوا: إن أسامة قتل الرجل في هذه السرية.
قال: ثبت أن أسامة كان أمير الجيش فالذي صنعه البخاري هو الصواب، لأنه ما أمر إلا بعد قتل أبيه بغزوة مؤتة وذلك في رجب سنة ثمان، وإن لم يثبت أنه كان أميرها رجح ما قاله أهل المغازي.
وقال في موضع آخر: هذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبيد اللَّه، وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره ابن سعد عن شيخه، وكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي، قال: حدثني شيخ من أسلم عن رجال من قومه قالوا: بعث رسول اللَّه ﷺ غالب بن عبيد اللَّه إلى أرض بني مرة وبها مرداس بن نهيك حليف لهم من بني الحرقة فقتله أسامة فهذا يبيّن السبب في قول أسامة «بعثنا إلى الحرقات [من جهينة والذي يظهر أن قصة الذي قتل ثم مات فدفن ولفظته الأرض غير قصة أسامة لأنه عاش بعد ذلك دهرا طويلا] وترجم البخاري في المغازي «باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة» فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال فيه «تأمير من لم يبلغ» وتعقب من وجهين: أحدهما أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الأمير إذ يحتمل أن يكون جعل الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الأمير إلخ ما ذكره الحافظ قد قال بعض الشراح الصحيح ما ذكره أهل المغازي مخالفا لظاهر ترجمة البخاري أن أميرها أسامة ولعل المصير إلى ما في البخاري فهو الراجح بل الصواب انتهى.
وروى ابن جرير عن السدي قال بعث رسول اللَّه ﷺ سرية عليها أسامة بن زيد فذكر القصة وروى ابن سعد عن جعفر بن برقان قال حدثنا الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال بلغني أن رسول اللَّه ﷺ بعث أسامة بن زيد على جيش فذكر القصة.
стр. 2576
الثاني: قال النووي الفاعل في قوله: «أقالها» هو القلب ومعناه: أنك إنما كلفت العمل بالظاهر وما ينطق به اللسان وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأنكر عليه العمل بما ظهر من اللسان فقال: «أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل كانت فيه حين قالها واعتقدها أولاد» والمعنى أنك إذا كنت لست قادرا على ذلك فاكتف منه باللسان.
الثالث: قال الخطابي لعل أسامة تأوّل قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ولذلك عذره رسول اللَّه ﷺ فلم يلزمه دية ولا غيرها.
وقال الحافظ: لعله حمل نص النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد للفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصا من قلبه أو خشية من القتل، وهذا الخلاف ما لو هجم عليه الموت [ووصل خروج الروح إلى الغرغرة، وانكشف الغطاء فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة] وهو المراد من الآية.
الرابع: قول الخطابي: لم يلزمه دية ولا كفارة فتوقف فيه الداودي وقال: لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان قبل نزول آية الدية والكفارة.
وقال القرطبي: لا يلزم من السكوت عدم الوقوع، لكن فيه بعد، لأن العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع قال فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء، لأنه كان مأذونا من أجل القتل فلا يضمن ما أتلفه من نفس ولا مال كالخائن والطبيب، ولأن المقتول كان من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته.
قال وهذا يتمشى على بعض الآراء إلخ ما ذكره وتقدم عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ أمر لأهل مرداس بدية.
الخامس: قول أسامة: «حتى تمنيت أني لم أكن أسلم قبل ذلك اليوم» أي أن إسلامي كان ذلك اليوم، لأن الإسلام يجبّ ما قبله فتمنى أن يكون ذلك الوقت أول دخوله في الإسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة ولم يرد به تمنى أنه لا يكون مسلما قبل ذلك قال القرطبي وفيه إشعار بأنه كان استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الإنكار الشديد، وإنما أورد ذلك على سبيل المبالغة.
السادس: في بيان غريب ما سبق:
الحرقات: بضم الحاء المهملة وفتح الراء والقاف والفوقية بطن من جهينة نسبة إلى الحرقة واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة الحضرمي بن جهينة قال ابن الكلبي: سمي بذلك لوقعة كانت بينهم وبين مرة بن عوف بن سعد فأحرقوهم بالسهام لكثرة من حرقوا منهم.
стр. 2577
برقان: بضم الموحدة وسكون الراء وبالقاف.
الحضرمي: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء.
صبحنا القوم: هجمنا عليهم صباحا قبل أن يشعروا بنا.
مرداس: بكسر الميم.
نهيك: بفتح النون وكسر الهاء وسكون التحتية وهذا القول جرى عليه ابن الكلبي وجزم به ابن بشكول، قال ابن عبد البر: مرداس بن عمرو الفدكي وبه جزم أبو الفضل بن طاهر.
حاميتهم: ناصرهم ومانعهم.
فغشينا: بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين: لحقنا به حتى تغطى بنا.
«أنا ورجل من الأنصار» قال الحافظ: لم أقف على اسم الأنصاري.
غنيمة له: بالتصغير.
آوى: لجأ الكهف.
انظرني: أخرني.
стр. 2578
الباب الثاني والخمسون في سرية خالد بن الوليد رضي اللَّه تعالى عنه إلى العزّى
قال ابن سعد: ثم سرية خالد بن الوليد إلى العزّى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، وكانت بيتا بنخلة. قال ابن إسحاق وابن سعد: وكان سدنتها وحجّابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، وكانت أعظم أصنام قريش وجميع كنانة. وذلك أن عمرو بن لحيّ كان قد أخبرهم أن الرّبّ يشتّي بالطائف عند اللات ويصيّف عند العزّى، فعظّموها وبنوا لها بيتا وكانوا يهدون إليها كما يهدون للكعبة. وروى البيهقي عن أبي الطفيل رضي اللَّه تعالى عنه: وكانت بيتا على ثلاث سمرات، انتهى.
قال محمد بن عمر، وابن سعد: وبعث رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة خالد بن الوليد إلى العزّى ليهدمها. فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه. قال ابن إسحاق: فلما سمع سادتها السّلمي بسير خالد إليها علّق عليها سيفه وأسند في الجبل الذي هي فيه وهو يقول:
يا عزّ شدّي شدّة لا شوى لها ... على خالد القي القناع وشمّري
يا عزّ إن لم تقتلي المرء خالدا ... فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
قال أبو الطّفيل، ومحمد بن عمر، وابن سعد: فأتاها خالد فقطع السّمرات وهدمها ثم رجع إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبره، فقال: «هل رأيت شيئا؟» قال: لا. قال: «فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها» . فرجع خالد وهو متغيّظ.
فلما رأيت السدنة خالدا انبعثوا في الجبل وهم يقولون: يا عزّى خبليه، يا عزّى عوّريه ولا تموتي برغم، فخرجت إليه [امرأة عجوز] سوداء عريانة ثائرة الرأس، زاد أبو الطفيل: تحثوا التراب على رأسها ووجهها. فضربها خالد وهو يقول:
يا عزّ كفر انك لا سبحانك ... إني رأيت اللَّه قد أهانك
فجزّ لها اثنتين، ثم رجع إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبره فقال: «نعم، تلك العزّى قد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا» [ (١) ] .
تنبيهان
الأول: ذكر ابن إسحاق ومن تابعه هذه السرية بعد سرية خالد إلى بني جذيمة، وذكرها محمد بن عمر، وابن سعد، والبلاذري، وجرى عليه في المورد والعيون، وجزم به في الإشارة قبلها. وارتضاه في الزّهر وقال إن في الأول نظر من حيث أن رسول اللَّه ﷺ كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة ولا يتّجه إرساله بعد ذلك في بعث. والذي ذكره غير واحد،
стр. 2579
منهم الواقدي وتلميذه محمد بن سعد أن سرية خالد إلى العزّى كانت لخمس ليال من شهر رمضان، وسرية خالد إلى بني جذيمة كانت في شوال سنة ثمان قلت إن صح ما ذكره ابن إسحاق من كون سرية خالد لهدم العزّى بعد سرية بني جذيمة فوجهه أن رسول الله ﷺ رضي عليه وعذره في اجتهاده.
الثاني: في بيان غريب ما سبق:
العزّى: بضم العين المهملة وفتح الزاي.
نخلة: بلفظ الشجرة.
السّدنة: بفتح السين والدال المهملتين وبالنون: الخدمة.
الحجّاب: البوّابون.
شيبان: بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية.
سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام.
كنانة: بكسر الكاف.
لحيّ: بضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية.
يشتّي: بضم التحتية وفتح الشين المعجمة والفوقية المشددة.
السّمرات: بفتح السين المهملة وضم الميم جمع سمرة بفتح السين وضم الميم وفتح الراء وتاء التأنيث.
أسند في الجبل: ارتفع.
لا شوى لها: لا بقيا لها.
القناع: بكسر القاف.
باء: رجع.
انبعثوا: ذهبوا.
خبّليه: الخبال بالفتح الجنون والفساد، وأصله من النّقصان، ثم صار الهلاك خبالا.
الرغم: يقال رغم أنفه بفتح الراء وكسرها رغما، لصق بالرّغام بالفتح وهو التراب ذلا.
جزّلها: بفتح الجيم والزاي المشددة: قطعها.
أن تعبد: بالبناء للمفعول.
стр. 2580
الباب الثالث والخمسون في سرية عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنه لهدم سواع في شهر رمضان سنة ثمان في غزوة الفتح .
قال محمد بن عمر، وابن سعد: بعث رسول اللَّه ﷺ عمرو بن العاص إلى سواع صنم هذيل بن مدركة، وكان على صورة امرأة ليهدمه. قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السّادن.
فقال: ما تريد؟ فقلت: أمرني رسول اللَّه ﷺ أن أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك. قلت: لم؟
قال: تمنع. قلت: حتى الآن أنت على الباطل ويحك، وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم نجد فيه شيئا. ثم قلت للسادن كيف رأيت؟
قال: أسلمت للَّه تعالى.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
سواع: بسين مضمومة وعين مهملتين بينهما ألف سمي سواع بن شيث بن آدم ﷺ .
قال الجوهري [وسواع اسم صنم] كان لقوم نوح ﵇ ثم صار لهذيل كان برهاط- بضم الراء قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة ساحل البحر- يحجّون إليه.
هذيل: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية وباللام.
السّادن: بسين ودال مكسورة مهملتين وبالنون الخادم.
الخزانة: بكسر الخاء المعجمة.
стр. 2581
الباب الرابع والخمسون في سرية سعد بن زيد الأشهلي رضي اللَّه تعالى عنه إلى مناة وهو بالمشلل لست بقين من رمضان سنة ثمان في فتح مكة
قالوا: بعث رسول اللَّه ﷺ حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة وكانت [بالمشلّل] للأوس والخزرج وغسّان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول اللَّه ﷺ سعد بن زيد الأشهلي لهدمها فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن. فقال السّادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة. قال: أنت وذاك. فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها. فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك ويضربها سعد بن زيد الأشهلي فقتلها. ويقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه. ولم يجد في خزانتها شيئا وانصرف راجعا إلى رسول اللَّه ﷺ .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الأشهلي: بالشين المعجمة والهاء واللام والتحتية.
مناة: بفتح الميم.
المشلّل: بضم الميم وفتح الشين المعجمة فلام مفتوحة مشددة ثم لام أخرى: من ناحية البحر وهو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد.
ثائرة: بثاء مثلثة أي منتشرة الشّعر.
السادن: الخادم.
стр. 2582
الباب الخامس والخمسون في بعثة ﷺ خالد بن الوليد رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني جذيمة من كنانة وكانوا أسفل مكة على ليلة بناحية يلملم في شوال سنة ثمان وهو يوم الغميصاء وذلك في غزوة الفتح .
روى ابن إسحاق عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ﵃، ومحمد ابن عمر عن ابن سعد قال: بعث رسول اللَّه ﷺ خالد بن الوليد- حين افتتح مكة- داعيا ولم يبعثه مقاتلا، وبعث معه ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار [ومعه قبائل من العرب] سليم بن منصور، ومدلج بن مرّة فوطئوا بني جذيمة [بن عامر بن عبد مناة بن كنانة] فلما رآه القوم أخذوا السلاح فقال خالد: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون قد صلّينا وصدّقنا وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذّنّا فيها. قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: «إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح» . فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. فقال رجل من بني جذيمة يقال له جحدم: «ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد، واللَّه ما بعد وضع السلاح إلا الإسار وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، واللَّه لا أصنع سلاحي أبدا» أفأخذه رجال من قومه فقالوا: «يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس» . فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم السلاح لقول خالد.
وروى الإمام أحمد، والبخاري والنسائي عن ابن عمر ﵄ ان رسول اللَّه ﷺ بعث خالدا إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم «أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره» . قال ابن عمر: «فقلت واللَّه لا أقتل أسيري ولا يقتل أحد أمن أصحابي أسيره» . قال أبو جعفر محمد بن علي ﵃: فلما وضعوا السلاح أمرهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. وعند ابن سعد أنهم لما وضعوا السلاح قال لهم: استأسروا فاستأسر القوم فأمر بعضهم فكتف بعضا وفرّقهم في أصحابه. فلما كان السّحر نادى خالد: من كان معه أسير فليدافّه والمدافّة الإجهاز عليه بالسيف. فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم. وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم.
قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه حدث عن إبراهيم بن جعفر المحمودي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «رأيت كأني لقيت لقمة من حيس فالتذذت طعمها فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها فأدخل عليّ يده فنزعه» .
فقال أبو بكر الصديق ﵁:
стр. 2583
يا رسول اللَّه هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهّله.
قال ابن إسحاق: ولما أبي جحدم ما صنع خالد قال: يا بني جذيمة ضاع الضّرب قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه.
قال وحدثني أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره الخبر فقال رسول اللَّه ﷺ : «هل أنكر عليه أحد؟» قال: نعم قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فراعه فاشتدت مراجعتهما. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه: أما الأول فابني عبد اللَّه وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة.
قال عبد اللَّه بن عمر في حديثه السابق: «فلما قدمنا على رسول اللَّه ﷺ ذكرنا ذلك له فرفع يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك ممّا يصنع خالد» . مرتين رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي.
قال أبو جعفر محمد بن علي ﵃: فدعا رسول اللَّه ﷺ علي ابن أبي طالب رضوان اللَّه عليه فقال: «يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» . فخرج عليّ حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول اللَّه ﷺ فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى إنه لودى لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقيّة من المال، فقال لهم عليّ حين فرغ منهم: «هل بقي لكم مال لم يؤدّ إليكم؟» قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم من هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول اللَّه ﷺ مما لا يعلم ومما لا تعلمون» . ففعل ثم رجع إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبره الخبر فقال: «أصبت وأحسنت» . ثم قام رسول اللَّه ﷺ فاستقبل القبلة شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» [ (١) ] . ثلاث مرات.
وروى ابن إسحاق عن ابن أبي حدرد الأسلمي، وابن سعد عن عبد اللَّه بن عصام [المزني] عن أبيه، والنسائي عن ابن عباس ﵃ قال ابن أبي حدرد: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد. وقال عصام: لحقنا رجلا فقلنا له: كافر أو مسلم؟ فقال: إن كنت كافرا فمه؟ قلنا له: إن كنت كافرا قتلناك. قال: دعوني أقضي إلى النسوان حاجة. وقال ابن عباس:
فقال إني لست منهم إني عشقت امرأة فلحقتها فدعوني انظر إليها نظرة ثم اصنعوا بي ما بدا لكم. وقال ابن أبي حدرد: فقال فتى من بني جذيمة- وهو في سنّي وقد جمعت يداه إلى عنقه برمّة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه- يا فتى. فقلت ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرّمّة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضي إليهن حاجة، ثم تردّني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم؟
стр. 2584
قال: قلت: واللَّه ليسير ما طلبت. فأخذت برمّته فقدته بها حتى أوقفته عليهن. قال عصام: فدنا إلى امرأة منهن. وقال: [سفيان] فإذا امرأة كثيرة النّحض- يعني اللحم-. وقال ابن عباس: فإذا امرأة طويلة أدماء فقال: اسلمي حبيش على نفد من العيش
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
ألم يك أهلا أن ينوّل عاشق ... تكلّف إدلاج السّرى والودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا ... أثيبي بودّ قبل إحدى الصّفائق
أثيبي بودّ أن يشحط النّوى ... وينأى لأمر بالحبيب المفارق
زاد ابن إسحاق، ومحمد بن عمر رحمها اللَّه تعالى:
فإنّي لا ضيّعت سرّ أمانة ... ولا راق عيني عنك بعدك رائق
سوى أنّ ما نال العشيرة شاغل ... عن الود إلا أن يكون التّوامق
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر البيتين الأخيرين منها له. انتهى. ولفظ حديث ابن عباس: أما كان حقا أن ينوّل عاشق، أو أدركتكم بالخوانق. فقالت: نعم وأنت فحيّت سبعا وعشرا وترا وثمانيا تترى. قال ابن أبي حدرد: ثم انصرفت به فضربت عنقه. وقال عصام: فقرّبناه فضربنا عنقه، فقامت المرأة إليه حين ضربت عنقه فأكبّت عليه فما زالت تقبّله حتى ماتت عليه.
وقال ابن عباس: فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلما قدموا على رسول اللَّه ﷺ أخبره الخبر فقال: «أما كان فيكم رجل رحيم» [ (١) ] .
ذكر رجوع خالد بن الوليد إلى رسول اللَّه ﷺ وإنكار عبد الرحمن بن عوف على خالد بن الوليد ﵄.
روى محمد بن عمر، وأبو النيسابوري في الشرف، والحاكم في الإكليل، وابن عساكر عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قدم خالد بن الوليد على النبي ﷺ بعد ما صنع ببني جذيمة ما صنع وقد عاب عبد الرحمن بن عوف على خالد ما صنع. قال: يا خالد، أخذت بأمر الجاهلية في الإسلام، قتلتهم بعمك الفاكه. وأعانه عمر بن الخطاب على خالد، فقال خالد:
أخذتهم بقتل أبيك، وفي لفظ: فقال: إنما ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت واللَّه لقد قتلت قاتل أبي، وأشهدت على قتله عثمان بن عفان. ثم التفت إلى عثمان فقال: أنشدك اللَّه هل علمت أني قتلت قاتل أبي؟ فقال عثمان: اللهم نعم. ثم قال عبد الرحمن: ويحك يا خالد ولو لم أقتل قاتل أبي أكنت تقتل قوما مسلمين بأبي في الجاهلية؟ قال خالد: ومن أخبرك أنهم
стр. 2585
أسلموا؟ فقال: أهل السّريّة كلهم يخبرونا أنك قد وجدتهم بنوا المساجد وأقرّوا بالإسلام، ثم حملتهم على السيف. قال: جاءني رسول اللَّه ﷺ إن أغير عليهم. وعند ابن إسحاق [وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه] قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد اللَّه بن حذافة السّهمي وقال أن رسول اللَّه ﷺ قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام، انتهى. فقال عبد الرحمن: كذبت على رسول اللَّه ﷺ وغالظ عبد الرحمن
قال ابن إسحاق: فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ انتهى.
فأعرض رسول اللَّه ﷺ عن خالد وغضب عليه وقال: «يا خالد ذر لي أصحابي، متى ينكأ المرء ينكأ المرء ولو كان لك أحد ذهبا تنفقه قيراطا قيراطا في سبيل اللَّه لم تدرك غدوة أو روحة من غدوات أو روحات عبد الرحمن» [ (١) ] .
وعند ابن إسحاق: غدوة رجل من أصحابي.
وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري- بالخاء المعجمة المضمومة وسكون الدال المهملة- ﵁ قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبّه خالد، فقال رسول اللَّه ﷺ : «لا تسبّوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» [ (٢) ] .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
جذيمة: بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة وبالتحتية.
كنانة: بكسر الكاف ونونين فتاء تأنيث.
يلملم: بفتح التحتية واللامين وإسكان الميم بينهما وبالميم في آخره.
الغميصاء: بضم الغين المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية وبالصاد المهملة. موضع في بادية العرب قرب مكة كان يسكنه بنو جذيمة بن عامر.
سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام.
مدلج: بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام وبالجيم.
ما أنتم: قال في النهر: الظاهر أنه سألهم عن صفتهم: أي مسلمون أنتم أم كفّار؟ ولهذا أتى بما، ولو أراد غير ذلك لقال: من أنتم؟ وإنه استعمل «ما» فيمن يعقل وهو شائع.
جحدم: بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وبالدال [المهملة] .
الإسار: بكسر الهمزة وهو القيد.
وضعت الحرب أوزارها: كناية عن الانقضاء، والمعنى على حذف مضاف، والتقدير
стр. 2586
حتى تضع الحرب أثقالها، فأسند الفعل إلى الحرب مجازا وسمّى السلاح وزرا لثقله على لابسه.
صبأنا: من دين إلى دين يصبأ مهموز بفتحتين: خرج، فهو صابئ، وأرادوا هنا دخلنا في دين محمد.
كتف بعضهم بعضا.
عرضهم على السيف: قتلهم.
الدّفّ: بالدال المهملة وتعجم وبالفاء المشددة: الإجهاز على الأسير- بكسر الهمزة وسكون الجيم وبالزاي- الإسراع في قتله.
الحيس: خلط الأقط بالتمر والسّمن يعجن حتى يندر النوى منه وربما يجعل فيه السّويق، والأقط شيء يعقد من اللّبن.
الرّبعة من الرجال: بفتح الراء وسكون الموحدة وتفتح: المعتدل أي بين الطول والقصر.
نهمه: بنون مفتوحة فهاء فميم: زجره.
اجعل أمر الجاهلية تحت قدميك: ودى لهم قتلاهم: أعطاهم ديات قتلاهم لأنهم قتلوا خطأ.
ميلغة الكلب: بميم مفتوحة فتحتية ساكنة فلام فغين معجمة: شيء يحفر من خشب ويجعل فيه الماء ليلغ الكلب فيه أي يشرب.
المنكب: كمسجد مجتمع رأس العضد والكتف.
أبو حدرد: بمهملات كجعفر.
مه: اسم فعل بمعنى اكفف.
ما بدا له: بغير همز: ظهر.
الرّمّة: بضم الراء وفتح الميم المشدّدة: قطعة حبل بالية والجمع رمم ورمام وأصله أن رجلا دفع إلى رجل بحبل في عنقه فقيل لكل من دفع شيئا بجملته دفعه برمّته.
النّحض [المكتنز من] اللحم.
أدماء: بدال مهملة وبالمدّ. سمراء.
اسلمي: دعا لها بالسلامة.
حبيش: بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالشين المعجمة ترخيم
стр. 2587
حبشيّة.
النّفد: والنّفاد مصدر نفد الشيء كسمع نفادا ونفدا فني وذهب، وقال في الإملاء: على أنفد عيش، يريد على تمامه.
حلية: بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة فمثناة تحتية فتاء تأنيث قال في الصحاح مأسدة بناحية اليمن.
الخوانق: بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الواو وبعد الألف نون مكسورة وبالقاف: قال نصر: موضع عند طرف أجأ ملتقى الرمل والجلد.
الإدلاج: سير الليل.
السّرى: بضم السين المهملة وفتح الراء جمع سرية بضم السين وفتحها: الذهاب في الليل.
الودائق: جمع وديقة بفتح الواو وكسر الدال المهملة وسكون التحتية وبالقاف وتاء التأنيث: وهي شدة الحر في الظهيرة.
الصّفائق: بصاد مهملة مفتوحة ففاء فألف تحتية مكسورة وبالقاف: الحالات.
الشّحط: بشين معجمة مفتوحة فحاء ساكنة فطاء مهملتين هنا البعد يقال شحط المزار.
النّوى: بفتح النون: القصد والوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد وهي مؤنثة لا غير. ينأى: يبعد.
راق: ماء الحجب كذا في نسختين من الإملاء ولم أفهمه.
التوامق: بفوقية مفتوحة فواو فألف فميم مضمومة فقاف: الحبّ.
تترى: بفوقيتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة أي تتوالى.
أثأر: بالهمز ويجوز تخفيفه يقال ثأرت القتيل وثأرت من باب نفع إذا قتلت قاتله.
стр. 2588
الباب السادس والخمسون في سرية أبي عامر الأشعري رضي الله تعالى عنه إلى أوطاس بين غزوة حنين وغزوة الطائف
روى الجماعة عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وابن إسحاق عن رجاله عن سلمة بن الأكوع، وابن هشام عمّن يثق به من أهل العلم، ومحمد بن عمر، وابن سعد عن رجالهم أن هوازن لما انهزموا يوم حنين ذهبت فرقة منهم فيهم رئيسهم مالك بن عوف النصري فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا وصارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس: فبعث رسول الله ﷺ إلى هذه، سرية وأمر عليهم أبا عامر الأشعري رضي الله تعالى عنه. ثم سار رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة إلى الطائف فحاصرها، وتقدم ذلك في غزوة الطائف. قال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: بعث رسول الله ﷺ أبا عامر الأشعري على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصّمّة، فقتل دريد وهزم الله تعالى أصحابه.
قال أبو موسى بعثني رسول الله ﷺ مع أبي عامر، قال سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، وابن هشام رحمه الله تعالى: لما نزلت هوازن عسكروا بأوطاس عسكرا عظيما وقد تفرّق منهم من تفرّق وقتل من قتل وأسر من أسر فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون، فبرز رجل معلم يبحث للقتال: فبرز له أبو عامر فدعاه إلى الإسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقال الرجل: اللهم لا تشهدوا عليّ. فكفّ عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعد حسن إسلامه فكان رسول اللَّه ﷺ إذا رآه يقول: «هذا شريد أبي عامر» . وقال ابن هشام: ورمى أبا عامر أخوان:
العلاء وأوفى ابنا الحارث من بني جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه.
قال أبو موسى: رمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي. وعند ابن عائذ، والطبراني بسند حسن عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه: قتل ابن دريد بن الصّمّة أبا عامر قال ابن إسحاق: اسمه سلمة ولم أر له إسلاما.
وفي حديث سلمة أن العاشر ضرب أبا عامر فأثبته قال سلمة: فاحتملناه وبه رمق. وقال أبو موسى: فانتهيت إلى أبي عامر فقلت له: يا أبا عامر من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى وقال:
ذاكه قاتلي الذي رماني. وفي حديث سلمة بن الأكوع أن أبا عامر أعلم أبا موسى أن قاتله صاحب العصابة الصفراء. قال أبو موسى: فقصدت له فلحقته فلما رآني ولّى فاتّبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت؟ فكفّ فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته. ثم قلت لأبي عامر: قتل اللَّه صاحبك. قال: فانزع هذا السهم فنزعته، فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي أقرئ النبي صلى اللَّه عليه وسلم
стр. 2589
السلام وقل له استغفر لي. قال أبو موسى: واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات.
وفي حديث سلمة: وأوصى أبو عامر إلى أبي موسى ودفع إليه الراية وقال: ادفع فرسي وسلاحي إلى رسول اللَّه ﷺ فقاتلهم أبو موسى حتى فتح اللَّه تعالى عليه وانهزم المشركون بأوطاس وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا، وقتل قاتل أبي عامر وجاء بسلاحه وتركته وفرسه إلى رسول اللَّه ﷺ وقال: إن أبا عامر أمرني بذلك.
وفي حديث أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه: «فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته وهو على سرير مرمل وعليه فراش قد أثّر رمال السّرير بظهره وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا رسول اللَّه ﷺ بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر» ورأيت بياض إبطيه ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» . فقلت: ولي فاستغفر فقال:
«اللهم اغفر لعبد اللَّه بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» [ (١) ] .
تنبيهات
الأول: أوطاس: بفتح أوله وسكون الواو وبالطاء والسين المهملتين قال القاضي: هو واد في ديار هوازن وهو موضع قرب حنين. قال الحافظ: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السّير والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين ويوضح ذلك ما ذكره ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف وطائفة إلى نخلية وطائفة إلى أوطاس. قال أبو عبيد البكري رحمه اللَّه تعالى: أوطاس واد في ديار هوازن وهناك عسكروا هم وثقيف ثم التقوا بحنين.
الثاني: أبو عامر اسمه عبيد- بالتصغير- ابن سليم- بضم السين وفتح اللام- ابن حضّار- بحاء مهملة مفتوحة وتشديد الضاد المعجمة الساقطة وبعد الألف راء- ابن حرب بن عنز- بفتح العين المهملة وسكون النون وبالزاي- ابن بكر- بفتح الموحدة وسكون الكاف- ابن عامر بن عذرة- بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة- ابن وائل- بكسر التحتية- ابن ناجية- بالنون والجيم والتحتية- ابن الجماهر- بالجيم والميم وكسر الهاء- ابن الأشعر، وهو عمّ أبي موسى. وقال ابن إسحاق هو ابن عمّه. قال الحافظ: والأول أشهر.
الثالث: اختلف في اسم الجشميّ الذي رمى أبا عامر فقال ابن إسحاق: زعموا أنه سلمة بن دريد بن الصّمّة فهو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته. وعند ابن عائذ،
стр. 2590
والطبراني في الأوسط بسند حسن من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري قال: لما هزم اللَّه المشركين يوم حنين بعث رسول اللَّه ﷺ على خيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه، فقتل ابن دريد أبا عامر فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء.
الرابع: قال الحافظ في الفتح كما رأيته بخطه إن ابن إسحاق ذكر أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة إخوة فقتلهم واحدا واحدا حتى كان العاشر، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه فقال الرجل: اللهم لا تشهد عليّ. فكفّ عنه أبو عامر ظنّا منه أنه أسلم، فقتله العاشر ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه فكأن النبي ﷺ يسميه: «شهيد أبي عامر» . ثم قال الحافظ: وهذا مخالف لحديث الصحيح في أن أبا موسى قتل قاتل أبي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شرك في قتله. قلت: وما نقله الحافظ عن ابن إسحاق ليس في رواية البكّائي، وإنما زاده ابن هشام عن بعض من يثق به ولم يذكر أن العاشر قتل أبا عامر أصلا بل قال: ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث بن جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه. ثم ظهر لي أن الحافظ لم يراجع السيرة وإنما قلّد القطب في المورد فإنه ذكره كذلك. وجزم محمد بن عمر، وابن سعد بأن العاشر لم يسّلم وأنه قتل أبا عامر وتقدم ذلك في القصة. وفي خط الحافظ «شهيد» بلفظ شهيد المعركة والذي رأيته في نسخ السّيرة «الشريد» بعد الشين المعجمة راء فتحتية فدال مهملة.
الخامس: قول ابن هشام: «وولّى الناس أبا موسى» يخالفه ما تقدم في القصة عن أبي موسى كما في الصحيح أن أبا عامر استخلفه، وكذا في حديث سلمة بن الأكوع وبه جزم ابن سعد.
السادس: في بيان غريب ما سبق:
مالك بن عوف: بالفاء.
النضري: بالنون والضاد المعجمة.
عسكروا: اجتمعوا.
دريد: بمهملات تصغير أدرد.
الصّمّة: بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم.
قتل: بالبناء للمفعول.
برز رجل: ظهر.
стр. 2591
الشديد: الطويل.
العلاء: بفتح العين.
وأوفى: لم أر لهما إسلاما.
جشم: بضم الجيم وفتح الشين المعجمة.
فأثبته: بقطع الهمزة أي أثبت السّهم.
الرّمق: بفتحتين وبالقاف: بقية الحياة. اختلفا ضربتين: ضرب كل واحد منهما الآخر في غير الموضع الذي ضرب فيه.
تستحي: بكسر الحاء المهملة، وفي رواية تستحيي بسكونها وزيادة تحتية مسكورة: أي خجل.
نزا منه الدم: سال.
وقل له استغفر لي: بلفظ الطلب يعني أن أبا عامر سأل أبا موسى أن يسأل النبي ﷺ أن يستغفر له.
سرير مرمل: بضم الميم الأولى وفتح الثانية بينهما راء ساكنة، وفي رواية بفتح الراء والميم الثانية مشدّدة أي منسوج بحبل ونحوه وهي حبال الحصر التي يضفّر بها الأسرّة.
وعليه فراش: نقل السفاقسي عن أبي الحسن وأظنه ابن بطّال أو القابسي أنه قال: الذي أحفظه في هذا: ما عليه فراش، قال إن «ما» سقطت هنا وقال ابن التين: أنكر قوله: «وعليه فراش» أبو الحسن وقال الصواب: «ما عليه فراش» . قال الحافظ: وهو إنكار عجيب فلا يلزم من كونه رقد على غير فراش كما في قصة عمر أنه لا يكون على سريره دائما فراش. قلت ويؤيد قول أبي الحسن قول أبي موسى: قد أثّر رمال السرير بظهره وجنبيه. واللَّه تعالى أعلم.
مدخلا: بضم الميم وفتحها وكلاهما بمعنى المكان والمصدر.
كريما: حسنا.
стр. 2592
الباب السابع والخمسون في سرية الطّفيل بن عمرو [الدوسي] رضي اللَّه تعالى عنه إلى ذي الكفين في شوال سنة ثمان .
قال ابن سعد: قالوا لما أراد رسول اللَّه ﷺ المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفّين صنم من خشب كان لعمرو بن حممة الدوسي، يهدمه، وامره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا إلى قرية فهدم ذا الكفين وجعل يحيي النار في وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبّادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النّار في فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا فوافوا رسول اللَّه ﷺ بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام وقدم بدبّابة ومنجنيق وقال: «يا معشر الأزد من يحمل رايتكم؟» فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية النعمان بن الرّازية اللهي. قال: «أصبتم» .
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
الطّفيل: بضم الطاء وفتح الفاء وسكون التحتية.
ذو الكفّين: بلفظ تثنية كفّ الإنسان وخفّف في العشر للوزن.
حممة: بضم الحاء المهملة وفتح الميمين.
الدوسي: بفتح الدال وسكون الواو وبالسين المهملتين.
الدّبّابة: بدال مهملة مفتوحة فموحدة مشددة فألف فموحدة فتاء تأنيث: آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبّون بها إلى الأسوار لينقبوها.
الأزد: بفتح أوله وسكون الزاي.
الرازية: براء فألف فزاي مكسورة فتحتية.
اللهبي: بفتح اللام
стр. 2593
الباب الثامن والخمسون في سرية قيس بن سعد بن عبادة رضي اللَّه تعالى عنهما لصداء ناحية اليمن
قال ابن إسحاق لما رجع رسول اللَّه ﷺ من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صداء، فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين. فقدم رجل من صداء فسأل عن ذلك البعث فأخبر به فجاء رسول اللَّه ﷺ فقال: «يا رسول اللَّه جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش فأنا لك بقومي» . فردّهم من قناة وخرج الصدائي إلى قومه، فقدم منهم بعد ذلك خمسة عشر [رجلا] فأسلموا. فقال رسول اللَّه ﷺ : «إنك مطاع في قومك يا أخا صداء» . فقال: بل اللَّه هداهم. ثم وافاه في حجة الوداع بمائة منهم.
وهذا الرجل هو الذي أمره رسول اللَّه ﷺ في سفر أن يؤذّن ثم جاء بلال ليقيم فقال رسول اللَّه ﷺ : «إن أخا صداء هذا أذّن ومن أذّن فهو يقيم» [ (١) ] .
واسم أخا صداء هذا زياد بن الحارث، نزل مصر.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
صداء: بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وبالمدّ: حي من العرب.
الجعرانة: بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء [أو كسر العين المهملة] وتشديد الراء.
يطأ صداء: أي يدخل أرضهم.
عسكر: جمع عسكرة.
قناة: بفتح القاف وبالنون واد بالمدينة.
أنا لك بقومي: أتكفّل لك بقومي أي بمجيئهم مسلمين وفي رواية: وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم.
стр. 2594
الباب التاسع والخمسون في سرية عيينة بن حصن الفزاري رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني تميم في المحرم سنة تسع وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم .
وسبب ذلك أن رسول اللَّه ﷺ بعث رجلاً من بني سعد هذيم على صدقاتهم وأمره رسول اللَّه ﷺ أن يأخذ العفو ويتوقّى كرائم أموالهم. فخرج بشر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب، فأمر بجمع مواشي خزاعة ليأخذ منها الصدقة، فحشرت عليهم خزاعة الصدقة في كل ناحية فاستكثرت ذلك بنو تميم فقالوا: ما لهذا يأخذ أموالكم منكم بالباطل؟ فشهروا السيوف.
فقال الخزاعيون: نحن قوم ندين بدين الإسلام وهذا أمر ديننا. فقال التميميون: لا يصل إلى بعير منها أبدا. فهرب المصدّق وقدم على رسول اللَّه ﷺ فأخبره الخبر، فوثبت خزاعة على التميميين فأخرجوهم من محالهم وقالوا: لولا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم، ليدخلنّ علينا بلاء من محمد ﷺ حيث تعرّضتم لرسوله تردّونه عن صدقات أموالنا فخرجوا راجعين إلى بلادهم.
فقال ﷺ : «من لهؤلاء القوم؟»
فانتدب أول الناس عيينة بن حصن الفزاري فبعثه رسول اللَّه ﷺ في خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحراء قد حلّوا [بها] وسرحوا مواشيهم. فلما رأوا الجمع دلّوا. فأخذ منهم أحد عشر رجلا ووجد في المحلّة إحدى وعشرين امرأة كذا في العيون. وقال محمد بن عمر وابن سعد وتبعهما في الإشارة والمورد إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا. فجلبهم إلى المدينة فأمر بهم رسول اللَّه ﷺ فحبسوا في دار رملة بنت الحارث. فقدم فيهم عدّة من رؤسائهم كما سيأتي في الوفود في وفد بني تميم.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
هذيم: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية.
يأخذ العفو: ما فضل عن النفقة.
كرائم أموالهم: نفائسها وخيارها.
خزاعة: أبو حيّ من الأزد سمّوا به لأنهم تخزّعوا أي تقطّعوا عن قومهم وأقاموا بمكة.
الحشر: الجمع مع سوق، والمراد هنا أنهم جمعوا ماشيتهم لتؤخذ منها الزكاة.
شهروا السيوف: أخرجوها من أغمادها.
المحلّة: بفتح الميم والحاء المهملة وتشديد اللام المفتوحة.
حبسوا: بالبناء للمفعول.
رملة بنت الحارث بلفظ واحدة الرّمل: صحابية رضي اللَّه تعالى عنها.
стр. 2595
الباب الستون في بعثة ﷺ عبد الله بن عوسجه رضي الله تعالى عنه إلى بني حارثة بن عمرو في صفر سنة تسع .
روى أبو سعيد النيسابوري في الشرف، وأبو نعيم في الدلائل من طريق محمد بن عمر عن شيوخه: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن عوسجة [إلى بني حارثة بن عمرو] يدعوهم إلى الإسلام. فأخذوا الصحيفة فغسلوها ورقعوا بها أسفل دلوهم، وأبوا أن يجيبوا فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما لهم؟ ذهب الله بعقولهم» فهم إلى اليوم أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط وأهل سفه. قال محمد بن عمر: قد رأيت بعضهم عييّا لا يحسن يبين الكلام.
تنبيه: في بيان غريب ما سبق:
عوسجة: بفتح العين والسين المهملتين بينهما واو، وبالجيم.
الرّعدة: بكسر الراء اسم من رعد يرعد بضم العين، وارتعد اضطرب.
العيّ: بكسر العين المهملة عدم الإفصاح بالكلام.