← Сира

Сира · id 1693

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Полный текст (5 757 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

الشديد: الطويل. العلاء: بفتح العين. وأوفى: لم أر لهما إسلاما. جشم: بضم الجيم وفتح الشين المعجمة. فأثبته: بقطع الهمزة أي أثبت السّهم. الرّمق: بفتحتين وبالقاف: بقية الحياة. اختلفا ضربتين: ضرب كل واحد منهما الآخر في غير الموضع الذي ضرب فيه. تستحي: بكسر الحاء المهملة، وفي رواية تستحيي بسكونها وزيادة تحتية مسكورة: أي خجل. نزا منه الدم: سال. وقل له استغفر لي: بلفظ الطلب يعني أن أبا عامر سأل أبا موسى أن يسأل النبي ﷺ أن يستغفر له. سرير مرمل: بضم الميم الأولى وفتح الثانية بينهما راء ساكنة، وفي رواية بفتح الراء والميم الثانية مشدّدة أي منسوج بحبل ونحوه وهي حبال الحصر التي يضفّر بها الأسرّة. وعليه فراش: نقل السفاقسي عن أبي الحسن وأظنه ابن بطّال أو القابسي أنه قال: الذي أحفظه في هذا: ما عليه فراش، قال إن «ما» سقطت هنا وقال ابن التين: أنكر قوله: «وعليه فراش» أبو الحسن وقال الصواب: «ما عليه فراش» . قال الحافظ: وهو إنكار عجيب فلا يلزم من كونه رقد على غير فراش كما في قصة عمر أنه لا يكون على سريره دائما فراش. قلت ويؤيد قول أبي الحسن قول أبي موسى: قد أثّر رمال السرير بظهره وجنبيه. واللَّه تعالى أعلم. مدخلا: بضم الميم وفتحها وكلاهما بمعنى المكان والمصدر. كريما: حسنا.

стр. 2592

الباب السابع والخمسون في سرية الطّفيل بن عمرو [الدوسي] رضي اللَّه تعالى عنه إلى ذي الكفين في شوال سنة ثمان . قال ابن سعد: قالوا لما أراد رسول اللَّه ﷺ المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفّين صنم من خشب كان لعمرو بن حممة الدوسي، يهدمه، وامره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا إلى قرية فهدم ذا الكفين وجعل يحيي النار في وجهه ويحرقه ويقول: يا ذا الكفين لست من عبّادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا إني حشوت النّار في فؤادكا وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا فوافوا رسول اللَّه ﷺ بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام وقدم بدبّابة ومنجنيق وقال: «يا معشر الأزد من يحمل رايتكم؟» فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية النعمان بن الرّازية اللهي. قال: «أصبتم» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الطّفيل: بضم الطاء وفتح الفاء وسكون التحتية. ذو الكفّين: بلفظ تثنية كفّ الإنسان وخفّف في العشر للوزن. حممة: بضم الحاء المهملة وفتح الميمين. الدوسي: بفتح الدال وسكون الواو وبالسين المهملتين. الدّبّابة: بدال مهملة مفتوحة فموحدة مشددة فألف فموحدة فتاء تأنيث: آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبّون بها إلى الأسوار لينقبوها. الأزد: بفتح أوله وسكون الزاي. الرازية: براء فألف فزاي مكسورة فتحتية. اللهبي: بفتح اللام

стр. 2593

الباب الثامن والخمسون في سرية قيس بن سعد بن عبادة رضي اللَّه تعالى عنهما لصداء ناحية اليمن قال ابن إسحاق لما رجع رسول اللَّه ﷺ من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صداء، فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين. فقدم رجل من صداء فسأل عن ذلك البعث فأخبر به فجاء رسول اللَّه ﷺ فقال: «يا رسول اللَّه جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش فأنا لك بقومي» . فردّهم من قناة وخرج الصدائي إلى قومه، فقدم منهم بعد ذلك خمسة عشر [رجلا] فأسلموا. فقال رسول اللَّه ﷺ : «إنك مطاع في قومك يا أخا صداء» . فقال: بل اللَّه هداهم. ثم وافاه في حجة الوداع بمائة منهم. وهذا الرجل هو الذي أمره رسول اللَّه ﷺ في سفر أن يؤذّن ثم جاء بلال ليقيم فقال رسول اللَّه ﷺ : «إن أخا صداء هذا أذّن ومن أذّن فهو يقيم» [ (١) ] . واسم أخا صداء هذا زياد بن الحارث، نزل مصر. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: صداء: بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وبالمدّ: حي من العرب. الجعرانة: بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء [أو كسر العين المهملة] وتشديد الراء. يطأ صداء: أي يدخل أرضهم. عسكر: جمع عسكرة. قناة: بفتح القاف وبالنون واد بالمدينة. أنا لك بقومي: أتكفّل لك بقومي أي بمجيئهم مسلمين وفي رواية: وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم.

стр. 2594

الباب التاسع والخمسون في سرية عيينة بن حصن الفزاري رضي اللَّه تعالى عنه إلى بني تميم في المحرم سنة تسع وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم . وسبب ذلك أن رسول اللَّه ﷺ بعث رجلاً من بني سعد هذيم على صدقاتهم وأمره رسول اللَّه ﷺ أن يأخذ العفو ويتوقّى كرائم أموالهم. فخرج بشر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب، فأمر بجمع مواشي خزاعة ليأخذ منها الصدقة، فحشرت عليهم خزاعة الصدقة في كل ناحية فاستكثرت ذلك بنو تميم فقالوا: ما لهذا يأخذ أموالكم منكم بالباطل؟ فشهروا السيوف. فقال الخزاعيون: نحن قوم ندين بدين الإسلام وهذا أمر ديننا. فقال التميميون: لا يصل إلى بعير منها أبدا. فهرب المصدّق وقدم على رسول اللَّه ﷺ فأخبره الخبر، فوثبت خزاعة على التميميين فأخرجوهم من محالهم وقالوا: لولا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم، ليدخلنّ علينا بلاء من محمد ﷺ حيث تعرّضتم لرسوله تردّونه عن صدقات أموالنا فخرجوا راجعين إلى بلادهم. فقال ﷺ : «من لهؤلاء القوم؟» فانتدب أول الناس عيينة بن حصن الفزاري فبعثه رسول اللَّه ﷺ في خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحراء قد حلّوا [بها] وسرحوا مواشيهم. فلما رأوا الجمع دلّوا. فأخذ منهم أحد عشر رجلا ووجد في المحلّة إحدى وعشرين امرأة كذا في العيون. وقال محمد بن عمر وابن سعد وتبعهما في الإشارة والمورد إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا. فجلبهم إلى المدينة فأمر بهم رسول اللَّه ﷺ فحبسوا في دار رملة بنت الحارث. فقدم فيهم عدّة من رؤسائهم كما سيأتي في الوفود في وفد بني تميم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: هذيم: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية. يأخذ العفو: ما فضل عن النفقة. كرائم أموالهم: نفائسها وخيارها. خزاعة: أبو حيّ من الأزد سمّوا به لأنهم تخزّعوا أي تقطّعوا عن قومهم وأقاموا بمكة. الحشر: الجمع مع سوق، والمراد هنا أنهم جمعوا ماشيتهم لتؤخذ منها الزكاة. شهروا السيوف: أخرجوها من أغمادها. المحلّة: بفتح الميم والحاء المهملة وتشديد اللام المفتوحة. حبسوا: بالبناء للمفعول. رملة بنت الحارث بلفظ واحدة الرّمل: صحابية رضي اللَّه تعالى عنها.

стр. 2595

الباب الستون في بعثة ﷺ عبد الله بن عوسجه رضي الله تعالى عنه إلى بني حارثة بن عمرو في صفر سنة تسع . روى أبو سعيد النيسابوري في الشرف، وأبو نعيم في الدلائل من طريق محمد بن عمر عن شيوخه: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن عوسجة [إلى بني حارثة بن عمرو] يدعوهم إلى الإسلام. فأخذوا الصحيفة فغسلوها ورقعوا بها أسفل دلوهم، وأبوا أن يجيبوا فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما لهم؟ ذهب الله بعقولهم» فهم إلى اليوم أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط وأهل سفه. قال محمد بن عمر: قد رأيت بعضهم عييّا لا يحسن يبين الكلام. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عوسجة: بفتح العين والسين المهملتين بينهما واو، وبالجيم. الرّعدة: بكسر الراء اسم من رعد يرعد بضم العين، وارتعد اضطرب. العيّ: بكسر العين المهملة عدم الإفصاح بالكلام.

стр. 2596

الباب الحادي والستون في سرية قطبة بن عامر بن حديدة رضي الله تعالى عنه إلى خثعم بناحية بيشة قريبا من تربة في صفر سنة تسع . قالوا: بعث رسول الله ﷺ قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى [حيّ من] خثعم، قال محمد بن عمر بناحية تبالة، وقال ابن سعد بناحية بيشة. وأمره أن يشنّ الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يتعقبونها. فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم، وجعل يصيح بالحاضر ويحذّرهم فضربوا عنه. ثم أمهلوا حتى نام الحاضر فشنّوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجراح في الفريقين جميعا، وقتل قطبة من قتل منهم وساقوا النّعم والشّاء والنساء إلى المدينة. وجاء سيل أتيّ فحال بينهم وبينه فما يجدون إليه سبيلا. وكانت سهمانهم أربعة [أبعرة] والبعير يعدل بعشر من الغنم بعد أن أخرج الخمس. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: قطبة: بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالموحدة. خثعم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة. بيشة: بكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الشين المعجمة وبتاء تأنيث وحكى الجوهري الهمز [بئشة [ (١) ]] . تربة: بضم الفوقية وفتح الراء وبالموحدة وتاء تأنيث. تبالة [ (٢) ] : بفتح الفوقية وبالموحدة المخفّفة بلد باليمن حصينة. شنّ الغارة وأشنّها فرّق الجماعة من كل وجه. استعجم عليهم: سكت لم يعلمهم بالأمر. الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه.

стр. 2597

الباب الثاني والستون في سرية الضحّاك بن سفيان الكلابي رضي الله تعالى عنه إلى بني كلاب . قال محمد بن عمر، وابن سعد سنة تسع. وقال: الحاكم في آخر سنة ثمان، وقال محمد بن عمر الأسلمي في صفر. وقال ابن سعد في ربيع الأول وجرى عليه في المورد والإشارة. قالوا بعث رسول الله ﷺ جيشا إلى القرطاء عليهم الضحّاك بن سفيان الكلابي ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزّج زج لاوة بنجد فدعوهم إلى الإسلام فأبوا فقاتلوهم فهزموهم. فلحق الأصيد أباه سلمة، وسلمة على فرس له في غدير بالزّجّ فدعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبه وسبّ دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء، ثم استمسك به حتى جاءه أحدهم فقتل سلمة ولم يقتله ولده. تنبيهان الأول: يشتبه بأصيد هذا أصيد بن سلمة السلمي أسلم هو وأبوه. ولم يذكر في التجريد تبعا لخلط ابن شاهين بالأول، والصواب التفرقة كما سيأتي بيان ذلك في الوفود. الثاني: في بيان غريب ما سبق: القرطاء: بضم القاف وفتح الراء والطاء المهملة، تقدم الكلام عليها في سرية محمد بن سلمة إليها. الأصيد: بالصاد والدال المهملتين بينهما تحتية وزن أحمد، وهو في اللغة الملك ومن رفع رأسه كبرا والأسد. الزّجّ: بضم الزاي وتشديد الجيم كما في المراصد والصحاح والنهاية والقاموس ووقع في العيون بالزاي والخاء المعجمة وهو سبق قلم وصوابه بالزاي المعجمة والجيم. لاوة: بفتح اللام والواو ولم أجد لها ذكرا فيما وقفت عليه من كتب الأماكن. ارتكز على رمحه: أثبته في الأرض واستمسك به.

стр. 2598

الباب الثالث والستون في سرية علقمة بن مجزز المدلجي رضي الله تعالى عنه إلى الحبشة قال ابن سعد في شهر ربيع الآخر [سنة تسع] وقال محمد بن عمر الأسلمي، والحاكم: في صفر. قال ابن سعد: قالوا: بلغ رسول الله ﷺ إن ناسا من الحبشة تراءاهم أهل الشعيبة في ساحل جدّة بناحية مكة في مراكب. فبعث إليهم رسول الله ﷺ علقمة بن مجزّز في ثلاثمائة فانتهى إلى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم في البحر فهربوا منه، فلما رجع تعجّل بعض القوم إلى أهليهم فإذن لهم. وروى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ علقمة بن مجزّز. قال أبو سعيد الخدري وأنا فيهم حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهميّ. وكان من أصحاب رسول الله ﷺ وكانت فيه دعابة. فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها ويصطنعون. فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار. فقام بعضهم فتحجّزوا حتى ظنّ أنهم واثبون فيها. فقال لهم: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه» [ (١) ] . وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فاستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارا. فأوقدوا نارا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنا فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار. فكان كذلك حتى سكن غضبه، وطفئت النار. فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا» . وقال: «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف» [ (٢) ] رواه الشيخان. ورجع علقمة بن مجزّز هو وأصحابه ولم يلق كيدا. تنبيهان الأول: قول سيدنا علي رضي الله تعالى عنه: واستعمل عليهم رجلا من الأنصار [وهم من بعض الرواة وإنما هو سهميّ] .

стр. 2599

الثاني: في بيان غريب ما سبق: علقمة [ (١) ] : بعين مهملة فلام فقاف فميم فتاء تأنيث. مجزز: بميم مضمومة فجيم مفتوحة فزايين معجمتين الأولى مكسورة ثقيلة. المدلجي: نسبة إلى بني مدلج قبيلة من كنانة. الشّعبية: بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة فتاء تأنيث. جدّة: بضم الجيم وتشديد الدال المهملة. حذافة: بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة. السهمي: بفتح السين المهملة وسكون الهاء. الدعابة: بضم الدال وبالعين المهملتين وبالموحدة: المزاح. عزمت عليكم: أمرتكم أمرا جدا. تحجّزوا: شمّروا ثيابهم إلى موضع حجزهم وهو موضع معقد الإزار. تراءاهم: نظروهم ورأوهم. كيدا: حربا.

стр. 2600

الباب الرابع والستون في سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى الفلس صنم لطي ليهدمه في شهر ربيع الآخر سنة تسع . قالوا بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في خمسين ومائة رجل أو مائتين كما ذكره ابن سعد من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض إلى الفلس ليهدمه فأغاروا على أحياء من العرب وشنّوا الغارة على محلّة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وخرّبوه وملأوا أيديهم من السّبي والنّعم والشّاء وكان في السّبي سفّانة أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجد في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب والمخدم- كان الحارث بن أبي شمر قلّده إياهما- وسيف يقال له اليماني وثلاثة أدرع. واستعمل عليّ على السّبي أبا قتادة واستعمل على الماشية والرّقة عبد الله بن عتيك. فلما نزلوا ركك اقتسموا الغنائم وعزلوا للنبي ﷺ صفيا رسوبا والمخذم ثم صار له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس، وعزل آل حاتم فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة. ومرّ النبي ﷺ بأخت عدي بن حاتم، فقامت إليه وكلّمته أن يمن عليها فمنّ عليها فأسلمت وخرجت إلى أخيها فأشارت عليه بالقدوم على رسول الله ﷺ فقدم عليه. وذكر ابن سعد في الوفود أن الذي أغار وسبى ابنة حاتم خالد بن الوليد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الفلس: بالفاء واللام والسين المهملة قال في المراصد بضم أوله وسكون ثانيه وضبطه بعضهم بالفتح وسكون اللام قلت وضبطه بعضهم بضم أوله وسكون ثانية وجزم به في العيون والمورد. شنّ الغارة: فرّق الجيش في كل وجه. المحلّة: بفتح الميم مكان ينزل فيه القوم. سفّانة: بفتح السين المهملة وتشديد الفاء وبعد الألف نون مفتوحة فتاء تأنيث. وجد: بالبناء للمفعول. في خزانته: بكسر الخاء المعجمة. رسوب: بفتح الراء وضم السين المهملة وسكون الواو وبالموحدة. المخذم: بكسر الميم وسكون الخاء وبالذال المعجمتين وبالميم.

стр. 2601

شمر: بكسر الشين المعجمة وسكون الميم وبالراء. الرّقة: بكسر الراء وفتح القاف المخففة وبتاء التأنيث: الفضّة والدراهم المضروبة منها. وأصل اللفظة الورق وهي الدراهم المضروبة خاصّة فحذفت الواو وعوّض عنها بالهاء. عتيك: بالكاف بوزن كثير. ركك: بفتح الراء والكاف الأولى. قال في المراصد: محلّة من محال سلمى أحد جبلي طيء. وقال الأصمعي اسم ماء، ووقع في كثير من نسخ السيرة غير مصروف فكأنه أريد به اسم البقعة.

стр. 2602

الباب الخامس والستون في سرية عكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه إلى الجباب أرض عذرة وبلي في شهر ربيع الآخر سنة تسع . كذا ذكر ابن سعد ولم يرد وتبعه في العيون والمورد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الجباب: بكسر الجيم وبموحدتين بينهما ألف. عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: بطن من قضاعة بضم القاف وبالضاد المعجمة والعين المهملة. بليّ: بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد التحتية قبيلة من قضاعة. الباب السادس والستون في سرية خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إلى أكيدر بن عبد الملك روى البيهقي عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر، والبيهقي عن عروة بن الزبير، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: لما توجه رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة من تبوك بعث خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسا في رجب سنة تسع إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل. وكان أكيدر من كندة وكان نصرانيا. فقال خالد: كيف لي به وسط بلاد كلب وإنما أنا في أناس يسيرين؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنك ستجده [ليلا] يصيد البقر فتأخذه فيفتح الله لك دومة فإن ظفرت به فلا تقتله وائت به إليّ فإن أبي فاقتله» . فخرج إليه خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته الرّباب بنت أنيف بن عامر الكنديّة. فصعد أكيدر على ظهر الحصن من الحرّ، وقينة تغنّيه، ثم دعا بشراب. فأقبلت البقر الوحشية تحكّ بقرونها باب الحصن فأشرفت امرأته فرأت البقر فقالت ما رأيت كالليلة في اللحم. قال وما ذاك، فأخبرته فأشرف عليها. فقالت امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا. قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد، قال أكيدر: والله ما رأيت بقرا جاءتنا ليلة غير تلك الليلة، ولقد كنت أضمّر لها الخيل، إذا أردت أخذها شهرا، ولكن هذا بقدر. ثم ركب بالرجال وبالآلة فنزل أكيدر وأمر بفرسه فأسرج وأمر بخيله فأسرجت وركب معه نفر من أهل بيته، معه أخوه حسّان ومملوكان له، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم. فلما فصلوا من الحصن وخيل خالد تنظر إليهم لا يصون منها فرس ولا يجول،

стр. 2603

فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأثر أكيدر وامتنع حسّان وقاتل حتى قتل وهرب المملوكان ومن كان معه من أهل بيته، فدخلوا الحصن، وكان على حسّان قباء من ديباج مخصوص بالذهب، فاستلبه خالد. وقال خالد لأكيدر: هل لك أن أجبرك من القتل حتى آتي بك رسول الله ﷺ على أن تفتح لي دومة؟ فقال أكيدر: نعم. فانطلق به خالد حتى أدناه من الحصن. فنادى أكيدر أهله أن افتحوا باب الحصن، فأرادوا ذلك، فأبي عليهم مضادّ أخو أكيدر. فقال أكيدر لخالد: تعلم والله أنهم لا يفتحون لي ما رأوني في وثاقك فخلّ عنّي فلك الله والأمانة أن أفتح لك الحصن إن أنت صالحتني على أهلي. قال خالد: فإني أصالحك فقال أكيدر إن شئت حكّمتك وإن شئت حكّمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت. فصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، على أن ينطلق به وبأخيه إلى رسول الله ﷺ فيحكم فيهما حكمه. فلما قاضاه خالد على ذلك خلّى سبيله، ففتح باب الحصن، فدخله خالد وأوثق مضادا أخا أكيدر، وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح. ولما ظفر خالد بأكيدر وأخيه حسّان أرسل خالد عمرو بن أمية الضّمري بشيرا وأرسل معه قباء حسّان. قال أنس وجابر: رأينا قباء حسّان أخي أكيدر حين قدم به إلى رسول الله ﷺ ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه. فقال رسول الله ﷺ : «أتعجبون من هذا؟ فو الذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من هذا» [ (١) ] . ثم إن خالدا لما قبض ما صالحه عليه أكيدر عزل للنبي ﷺ صفيّة له قبل أن يقسم شيئا من الفيء، ثم خمّس الغنائم بعد. قال محمد بن عمر: كان صفيّ رسول الله ﷺ عبدا أو أمة أو سيفا أو درعا أو نحو ذلك. ثم خمّس خالد الغنائم بعد، فقسمها بين أصحابه. قال أبو سعيد الخدريّ: أصابني من السلاح درع وبيضة وأصابني عشر من الإبل. وقال واثلة بن الأسقع: أصابني ست فرائض. وقال عبد الله بن عمرو بن عوف المازني: كنا مع خالد بن الوليد أربعين رجلا من بني مزينة وكانت سهماننا خمس فرائض لكل رجل مع سلاح يقسم علينا دروع ورماح. قال محمد بن عمر: إنما أصاب الواحد ستّا والآخر عشرا بقيمة الإبل. ثم إن خالدا توجّه قافلا إلى المدينة ومعه أكيدر ومضاد. وروى محمد بن عمر عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: رأيت أكيدر حين قدم به خالد وعليه صليب من ذهب وعليه الديباج ظاهرا.

стр. 2604

فلما رأى النبي ﷺ سجد له، فأومأ رسول الله ﷺ بيده: لا لا مرّتين. وأهدى لرسول الله ﷺ هديّة فيها كسوة، قال ابن الأثير: وبغلة وصالحه على الجزية. قال ابن الأثير: وبلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار وحقن دمه ودم أخيه وخلّى سبيلهما. وكتب رسول الله ﷺ كتابا فيه أمانهم وما صالحهم عليه، ولم يكن في يد النبي ﷺ يومئذ خاتم فختم الكتاب بظفره. قال محمد بن عمر حدثني شيخ من أهل دومة أن رسول الله ﷺ كتب له هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم» : هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: أنّ لنا الضّاحية من الضّحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة [والسلاح] والحافر والحصن ولكم الضّامنة من النّخل والمعين من المعمور بعد الخمس ولا تعدل سارحتكم ولا تعدّ فاردتكم ولا يحظر عليكم النبات تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء، شهد الله ﵎ ومن حضر من المسلمين» [ (١) ] . وقال بجير بن بجرة الطائي يذكر قول رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد: «إنك ستجده يصيد البقر» . وما صنعت البقر تلك الليلة بباب الحصن تصديقا لقول رسول الله ﷺ : تبارك سائق البقرات إنّي ... رأيت الله يهدي كلّ هاد فمن يك حائدا عن ذي تبوك ... فإنّا قد أمرنا بالجهاد قال البيهقي بعد أن أورد هذين البيتين من طريق ابن إسحاق وزاد غيره وليس في روايتنا: فقال له النبي ﷺ : «لا يفضض الله فاك» [ (٢) ] . فأتى عليه تسعون سنة فما تحرّك له ضرس. وروى ابن منده وابن السكن وأبو نعيم، كلهم عن الصحابة، عن بجير بن بجرة قال: كنت في جيش خالد بن الوليد حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أكيدر دومة فقال له: «إنك تجده يصيد البقر» . فوافقناه في ليلة مقمرة وقد خرج كما نعته رسول الله ﷺ ، فأخذناه فلما أتينا رسول الله ﷺ أنشدته أبياتا، فذكر ما سبق. فقال النبي ﷺ : «لا يفضض الله فاك» . فأتت عليه تسعون سنة وما تحرّك له سنّ.

стр. 2605

تنبيهات الأول: أكيدر: بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية وكسر الدال المهملة وبالراء، هو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجنّ. الثاني: روى البيهقي عن موسى بن بكير عن سعيد بن أوس العبسي- بالموحدة- من بلال بن يحي رحمه الله تعالى قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبعث خالد بن الوليد على الأعراب معه وقال: «انطلقوا فإنكم ستجدون أكيدر دومة يقنص الوحش فخذوه أخذا وابعثوا به إليّ ولا تقتلوه وحاصروا أهلها» [ (١) ] . الحديث ورواه ابن منده من طريق بلال بن يحيى عن حذيفة موصولا. قلت: وذكر أبي بكر في هذه السّريّة غريب جدا لم يتعرض له أحد من أئمّة المغازي التي وقفت عليها فاللَّه أعلم. الثالث: في بيان غريب ما سبق: رومان: براء مضمومة كعثمان. قفل: بفتح القاف والفاء واللام: رجع. دومة: بضم الدال المهملة وفتحها وسكون الواو فيهما. الجندل: [الصّخر العظيم] . كندة: بكاف مكسورة فميم ساكنة فدال مهملة فتاء تأنيث ويقال كنديّ لقب ثور ابن عفير، أبو حيّ من اليمن لأنه كند أباه النعمة ولحق بأخواله والكند القطع. وسط بلاد كعب- محرّكة ما بين طرفيها فإذا سكّنت كانت ظرفا. الرّباب: براء فموحدتين بينهما ألف: اسم امرأة لشبهها بالرّباب وهو السحاب الأبيض. أنيف: [بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية وبالفاء تصغير أنف] . القينة: بقاف مفتوحة فمثناة تحتية فنون: الأمة المغنية أو أعمّ. أضمر لها الخيل وضمّرها أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف. أسرج له: بالبناء للمفعول. حسّان: قتل على شركه. المطارد: بميم مفتوحة مطرد كمنبر: رمح قصير يطعن به.

стр. 2606

فصل: بفتح الفاء والصاد المهملة واللام: خرج. استأثر [أسلم نفسه أسيرا] . المخوّص: بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو المشددة وبالصاد المهملة: المنسوج فيه الذهب وقيل فيه طريق من ذهب مثل خوص النخل. مضادّ: [بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وبالدال المهملة المشددة بعد ألف] . قدم به: بالبناء للمفعول. المناديل: جمع منديل بفتح الميم وكسرها: الذي يتمسّح به. الصّفيّ: بصاد مهملة مفتوحة ففاء، ما يختار من الغنيمة قبل القسم. واثلة: بواو فألف فمثلثة فلا فمثناة. الأسقع: بهمزة فسين مهملة فقاف فعين مهملة. الفرائض: جمع فريضة وهي هنا البعير المأخوذ في الزكاة سمّي فريضة لأنه فرض واجب على ربّ المال ثم أتّسع فيه حتى سمّي البعير فريضة في غير الزكاة. المازني: نسبة إلى مازن أبو قبيلة. ومزينة كجهينة قبيلة والنسبة إليها مزنّي. خلع بفتحات: نزع وترك. الأنداد: جمع ندّ وهو المثل. الأكناف: جمع كنف وهو ما أحاط بالشيء. الضّاحية: ما ظهر من البلاد. الضّحل: بضاد معجمة فحاء مهملة فلام المكان الذي يقلّ به الماء. البور: بموحدة مضمومة فواو فراء: الأرض قبل أن تصلح للزّرع أو التي تجمّ سنة لتزرع من قابل. الحلقة: بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة فقاف فتاء تأنيث: الدّرع. الحافر: المراد به هنا الخيل. الحصن: بحاء مكسورة فصاد ساكنة مهملتين: كل موضع حصين لا يوصل إلى جوفه. الضّامنة من النخل ما يكون في القرية أو ما أطاف به منها سورا للمدينة. المعين: بفتح الميم وكسر العين المهملة: الظاهر الجاري. لا تعدل: [سارحتكم: لا تمنع من المرعى] .

стр. 2607

والسارحة بسين فراء فحاء مهملات: المال من النّعم. لا تعدّ [فاردتكم أي لا تعدّ مع غيرها فتضمّ إليها ثم تصدّق] . والفاردة المنفردة في المرعى. لا يحظر عليكم النبات: [أي لا تمنعون من الزّرع] . بجبير: كزبير. بجرة: بضم الموحدة وسكون الجيم. تبارك: تقدّس وتنزه. فضّ اللَّه فاه: بفاء فضاد معجمة: كسره وفرّقه. ابن مندة: بميم مفتوحة فنون ساكنة فدال مهملة فتاء. ابن السّكن: بسين مهملة فكاف مفتوحتين فنون. خيل رسول اللَّه: فرسان خيل رسول اللَّه ﷺ .

стр. 2608

الباب السابع والستون في بعثة ﷺ أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة رضي اللَّه تعالى عنهما لهدم الطاغية . روى البيهقي عن عروة، ومحمد بن عمر عن شيوخه، وابن إسحاق عن رجاله، قالوا: إن عبد ياليل بن عمرو، وعمرو بن أمية أحد بني علاج الثقفيان لما قدما على رسول اللَّه ﷺ مع وفد ثقيف وأسلموا قالوا: أرأيت الرّبّة ماذا نصنع فيها؟ قال: اهدموها. قالوا: هيهات لو تعلم الرّبّة أنّا أو ضعنا في هدمها قتلت أهلنا. قال عمر بن الخطاب: ويحك يا عبد يا ليل ما أجمعك إنما الرّبّة حجر لا تدري من عبده ممن لم يعبده. قال عبد يا ليل: إنا لم نأتك يا عمر. وقالوا: يا رسول اللَّه اتركها ثلاث سنين لا تهدمها. فأبى. فقالوا: سنتين فأبى فقالوا سنة. فأبى. فقالوا شهرا واحدا. فأبى أن يوقّت لهم وقتا، وإنما يريدون ترك الرّبّة خوفا من سفهائهم والنساء والصبيان، وكرهوا أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. وسألوا رسول اللَّه ﷺ أن يعفيهم من هدمها. وقالوا: يا رسول اللَّه اترك أنت هدمها فإنا لا نهدمها أبدا. فقال رسول اللَّه ﷺ : «أنا أبعث أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة يهدمانها» . فذكروا الحديث [ (١) ] . فقال الوفد وأخبروا قومهم خبرهم وخبر الرّبّة. فقال شيخ من ثقيف قد بقي في قلبه شرك بعد: فذاك واللَّه مصداق ما بيننا وبينه، فإن قدر على هدمها فهو محقّ ونحن مبطلون، وإن امتنعت ففي النفس من هذا بعد شيء. فقال عثمان بن أبي العاص ﵁: «منّتك واللَّه نفسك الباطل وغرّتك الغرور الرّبّة، واللَّه ما تدري من عبدها ومن لم يعبدها» . وخرج أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة وأصحابهما لهدم الرّبّة. فلما دنوا من الطائف قال المغيرة لأبي سفيان: تقدّم أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، ودخل المغيرة في بضعة عشر رجلا يهدمون الرّبّة. فلما نزلوها عشاء باتوا ثم غدوا على الرّبّة يهدمونها. فقال المغيرة لأصحابه الذين قدموا معه: «لأضحكنّكم اليوم من ثقيف» . فاستكفّت ثقيف كلها: الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال حزنا يبكين على الطاغية، لا يرى عامة ثقيف أنها معدومة ويظنّون أنها ممتنعة. فقام المغيرة بن شعبة واستوى على رأس الدّابّة ومعه المعول، وقام معه بنو معتّب دريئة بالسلاح مخالفة أن يصاب كما فعل عمّه عروة بن مسعود. وجاء أبو سفيان وصمّم على ذلك فأخذ الكرزين وضرب المغيرة

стр. 2609

بالكرزين ثم سقط مغشيّا عليه يركض برجليه فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أسعد اللَّه المغيرة قد قتلتم الرّبّة. زعمتم أن الرّبّة لا تمتنع بل واللَّه لتمنعنّ، وفرحوا حين رأوه ساقطا، وقالوا: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها فو اللَّه لا يستطاع أبدا. فوثب المغيرة بن شعبة وقال: قبحكم اللَّه يا معشر ثقيف إنما هي لكاع، حجارة ومدر، فاقبلوا عافية اللَّه تعالى ولا تعبدوها ثم إنه ضرب الباب فكسره ثم سوّرها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سوّوها بالأرض، وجعل السادن يقول: ليغضبنّ الأساس فليخسفنّ بهم. فلما سمع بذلك المغيرة حفر أساسها فخرّبه حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها وكسوتها وما فيها من طيب وذهب وفضّة وثيابها. فبهتت ثقيف فقالت عجوز منهم: أسلمها الرضاع لم يحسنوا المصاع. وأقبل أبو سفيان والمغيرة وأصحابهما حتى دخلوا على رسول اللَّه ﷺ بحلّيها وكسوتها وأخبروه خبرهم، فحمد اللَّه تعالى على نصر نبيّه وإعزاز دينه، وقسم رسول اللَّه ﷺ مال الطاغية من يومه، وسأل أبو المليح بن عروة بن [مسعود بن معتّب الثقفي] رسول اللَّه ﷺ أن [يقضي] عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية. فقال له رسول اللَّه ﷺ : «نعم» . فقال له قارب بن الأسود، وعن الأسود يا رسول اللَّه فاقضه، وعروة والأسود أخوان لأب وأم. فقال رسول اللَّه ﷺ : «إن الأسود مات مشركا» . فقال قارب: يا رسول اللَّه لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعني نفسه، إنما الدّين عليّ وإنما أنا الذي أطلب به. فأمر رسول اللَّه ﷺ أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الطاغية: هي اللّات. ياليل: بتحتيتين وبينهما لام مكسورة وآخره لام. علاج: بكسر العين المهملة وبالجيم. أرأيت: أخبرني. الرّبّة: بفتح الراء. أوضعنا: بفتح أوله وسكون الواو وفتح الضاد المعجمة الساقطة وسكون العين المهملة: أسرعنا. ذو الهرم: بفتح الهاء وسكون الراء: مال كان لعبد المطلب أو لأبي سفيان بالطائف. استكفّ: اجتمع.

стр. 2610

المعول: بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو وباللام: الفأس التي يكسر بها الحجارة. معتّب: بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة وبالموحدة. الكرزين: والكرزن بفتح الكاف وكسرها الفأس والكرزم بالميم لغة. يركض: يضرب الأرض برجله. ارتجّ: [افتعل من الرّج وهو الحركة الشديدة] . لكاع: بفتح اللام والكاف وكسر العين المهملة على البناء: لئيمة. المدر: بفتح الميم والدال المهملة وبالراء جمع مدرة وهو التراب المتلبّد. السّادن: بسين مهملة فألف فدال مهملة فنون. الخادم. بهت: بضم الموحدة وكسر الهاء وبالفوقية. هذه اللغة الفصحى ويجوز أن تفتح الموحدة وتكسر الهاء أي دهش وتحيّر. أبو المليح: بفتح الميم وكسر اللام وسكون التحتية وبالحاء المهملة. قارب: بالقاف وكسر الراء وبالموحدة. الحمق: بضمتين وتسكن الميم: قلة العقل.

стр. 2611

الباب الثامن والستون في بعثة ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنهما قبل حجة الوداع إلى اليمن . روى البخاري من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري، ومن طريق طارق بن شهاب كلاهما عن أبي موسى، ومن طريق عبد الملك بن عمير عن أبي بردة مرسلا. قال أبو موسى: أقبلت إلى رسول اللَّه ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخرة عن شمالي كلاهما يسأل العمل والنبي ﷺ يستاك، فقال: «ما تقول يا أبا موسى؟ أو قال: «يا عبد اللَّه بن قيس؟» قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في نفسيهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل. قال: فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفتيه وقد قلصت. قال: «لن يستعمل على عملنا من يريده ولكن إذهب أنت يا أبا موسى، أو قال: يا عبد اللَّه بن قيس» . قال أبو موسى: فبعثني رسول اللَّه ﷺ ومعاذا إلى اليمن. قال أبو بردة: بعث كل منهما على مخلافه. قال: واليمن مخلافان، وكانت جهة معاذ العليا وجهة أبي موسى السفلى. قال أبو موسى: فقال رسول اللَّه ﷺ : «ادعوا الناس وبشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسّرا وتطاوعا ولا تختلفا» . قال أبو موسى: يا رسول اللَّه أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن، قال: البتع وهو من العسل ينبذ ثم يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ ثم يشتد. قال: وكان رسول اللَّه ﷺ قد اعطي جوامع الكلم وخواتمه. قال: «أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة» . وفي رواية: فقال: «كل مسكر حرام» [ (١) ] . قال: فقدمنا اليمن وكان لكل واحد منا قبّة نزلها على حدة. قال أبو بردة. فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه، وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا فسلّم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه فإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه فقال له معاذ: يا عبد اللَّه بن قيس أيّم هذا؟ قال: هذا يهودي كفر بعد إسلامه، أنزل وألق له وسادة فقال: لا أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل. قال: إنما جيء به لذلك فانزل. قال: ما أنزل حتى يقتل، ثم نزل. فقال: يا عبد اللَّه كيف تقرأ القرآن؟ قال: «أتفوّقه تفوّقا. قال فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنا أوّل الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم فأقرأ ما كتب اللَّه لى فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي» .

стр. 2612

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا ألا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه فإن هم أطاعوا لك بذاك فأخبرهم إن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم إن اللَّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم طاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب» [ (١) ] . رواه الشيخان، وروى البخاري عن عمرو بن ميمون أحد كبار التابعين المخضرمين رحمه اللَّه تعالى أن معاذا لمّا قدم اليمن صلّى بهم الصّبح فقرأ سورة النساء فلما قرأ: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء ١٢٥] قال رجل من القوم: لقد قرّت عين أم إبراهيم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: العمل: بعين مهملة فميم مفتوحتين فلام: القيام بالأمور، والعامل للرجل القائم عنه في ملكه وعمله، ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة: عامل. شعرت: بشين معجمة مفتوحة فعين مهملة تفتح وتكسر فراء: علمت. قلصت: بقاف مفتوحة فلام فصاد مهملة: ارتفعت. المخلاف: بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وبالفاء المكسورة: الإقليم والرّستاق بضم الراء وسكون السين المهملة وفتح الفوقية، بلغة أهل اليمن. يسّرا ولا تعسّر وبشّرا، ولا تنفّرا. الأصل أن يقال: بشّر ولا تنذرا، وآنسا ولا تنفّرا، فجمع بينهما ليعمّ البشارة والنذارة والتأنيس والتنفير، فهو من باب المقابلة [المعنوية] قاله الطيبي. قال الحافظ: ويظهر لي أن النكتة في الإتيان بلفظ البشارة وهو الأصل وبلفظ التنفير وهو اللازم، وأتى بالذي بعده على العكس للإشارة إلى أن الإنذار لا ينفى مطلقا بخلاف التنفير فاكتفى بما يلزم عن الإنذار وهو التنفير فكأنه قال: إن أنذرتم فليكن بغير تنفير كقوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [طه ٤٤] . تطاوعا: كونا متفقين في الحكم. البتع: بكسر الموحدة وسكون الفوقية فعين مهملة: نبيذ العسل. ينبذ: يطرح. يشتدّ: بشين معجمة يقوى.

стр. 2613

المزر: بكسر الميم وسكون الزاي فراء: نبيذ الشّعير. جوامع الكلم وخواتمه: يأتي الكلام على ذلك في الخصائص. أسكر عن الصلاة: ألهى عنها بعد صحوه. قبّة على حدة: بحاء مكسورة فدال مفتوحة مخففة: أي جانب متميّز عن صاحبه. أحدث به عهدا: أي في الزيادة. جمعت يداه إلى عنقه: [أي قيّدت] . أيّم هذا: بفتح التحتية والميم وبغير إشباع أي أيّ شيء هو؟ وأصلها أيّما وأيّ استفهامية وما بمعنى شيء، فحذفت الألف تخفيفا. وضمّ أبو ذر الهروي التحتية في روايته. الوسادة: بكسر الواو: المتّكأ. أتفوّقه: بفتح أوله والفوقية والفاء والواو المشددة وبالقاف: أي اقرأه شيئا بعد شيء في آناء الليل والنهار، بمعنى القراءة مرة واحدة، بل أفرّق قراءته على أوقات، مأخوذ من فواق الناقة وهو الحلب ثم تترك ساعة حتى تدرّ ثم تحلب. جزئي من النوم: بضم الجيم وسكون الزاي، بعدها همزة مكسورة فتحتية، أي أنه جزّأ الليل أجزاء جزءا للنوم وجزءا للقراءة والقيام. فأحتسب: نومتي كما أحتسب قومتي: بهمزة قطع، وكسر السين من غير فوقية في «أحتسب» في الموضعين في غير رواية أبي ذرّ، وبهمزة وصل وفتح السين وسكون الموحدة. وفي رواية أبي ذرّ عن الحموي والمستملي بصيغة الماضي فيهما. كرائم الأموال: نفائسها أي احذر أخذ نفائس أموالهم. قرّت عين [أم إبراهيم: أي سرّت بذلك وفرحت] .

стр. 2614

الباب التاسع والستون في بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى بني عبد المدان، كذا عند ابن سعد في السرايا وهم من بني الحارث بن كعب بنجران في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر . قالوا: بعثه رسول الله ﷺ إليهم وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، ثلاثة أيام. فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج إليهم خالد حتى قدم عليهم. فبعث الرّكبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام ويقولون: «أيها الناس، أسلموا تسلموا» . فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه. فأقام فيهم خالد بن الوليد يعلّمهم شرائع الإسلام وكتاب الله وسنّة نبيه ﷺ . ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله ﷺ [من خالد بن الوليد] السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو. أما بعد يا رسول اللَّه صلى اللَّه عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا قبلت منهم وعلّمتهم معالم الإسلام وكتاب اللَّه وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول اللَّه ﷺ . وبعث فيهم ركبانا ينادون: يا بني الحارث أسلموا تسلموا. فأسلموا ولم يقاتلوا، وإني مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم اللَّه به وأنهاهم عما نهاهم اللَّه عنه، وأعلّمهم معالم الإسلام وسنّة النبي ﷺ حتى يكتب إلى رسول اللَّه ﷺ [والسلام عليك يا رسول اللَّه ورحمته وبركاته] . فكتب إليه رسول اللَّه ﷺ : «بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول اللَّه إلى خالد بن الوليد. سلام عليك فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا وشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً عبده ورسوله، قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام وأن قد هداهم اللَّه بهداه، فبشّرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عبد المدان: [المدان] كسحاب صنم بنجران. [نجران] : كفعلان موضع اليمن فتح سنة عشر، سمّى بنجران بن زيد بن سبا. الرّكبان: جمع لراكب البعير خاصّة. يضربون: يسيرون سراعا غازين.

стр. 2615

الباب السبعون في سرية المقداد بن الأسود ﵁ إلى أناس من العرب روى البزار والدّارقطني في الإفراد، والطبراني والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، وابن أبي شيبة، وابن جرير عن سعيد بن جبير رحمه اللَّه تعالى، قال ابن عباس: بعث رسول اللَّه ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرّقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: «أشهد ألا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له» . فأهوى إليه المقداد فقتله. فقال له رجل من أصحابه: «قتلت رجلا شهد ألا إله إلا اللَّه، لأذكرنّ ذلك لرسول اللَّه ﷺ . فلما قدموا على رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه إن رجلا شهد أن لا إله إلا اللَّه فقتله المقداد. فقال: «يا مقداد أقتلت رجلا يقول أن لا إله إلا اللَّه فكيف لك بلا إله إلا اللَّه غدا؟» فأنزل اللَّه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء ٩٤] . قال: فقال رسول اللَّه ﷺ للمقداد: «كان رجلا مؤمنا يخفي إيمانه مع قوم كفّار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة» . وقال سعيد بن جبير: فنزلت هذه الآية: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني الغنيمة. تنبيهات الأول: تقدم في قصة أسامة قتله لمرداس: بن نهيك. الثاني: اختلف في سبب هذه الآية: [أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لحق ناس من المسلمين رجلا معه غنيمة له فقال: السلام عليكم. فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا إلى قوله: عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا قال: تلك الغنيمة. قال: قرأ ابن عباس السَّلامَ. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوّذ منا،

стр. 2616

فعمدوا له فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ ، فنزلت الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ ... الآية» . وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عبد اللَّه بن أبي حدود الأسلمي قال: «بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم الحرث بن ربعي أبو قتادة، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له وقطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول اللَّه ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... الآية. وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه من طريق يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط عن أبي حدرد الأسلمي عن أبيه نحوه، وفيه فقال النبي ﷺ : «أقتلته بعد ما قال: آمنت باللَّه!؟ فنزل القرآن» . وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: «بعث رسول اللَّه ﷺ محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي النبي ﷺ ليستغفر له فقال: «لا غفر اللَّه لك» . فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فقال: «إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن اللَّه أراد أن يعظكم، ثم طرحوه في جبل وألقوا عليه الحجارة، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ ... الآية» .

стр. 2617

الباب الحادي والسبعون في بعثة ﷺ خالد بن الوليد إلى همدان ثم بعثه عليا ﵄ . روى البيهقي في السنن والدلائل والمعرفة عن البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما قال: بعث رسول اللَّه ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا. ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب مكان خالد وأمره أن يقفل خالدا وقال: «مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقّب معك فليعقّب ومن شاء فليقبل» . قال البراء: فكنت فيمن عقّب مع عليّ. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلّى بنا عليّ ثم صفّنا صفّا واحدا ثم تقدّم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول اللَّه ﷺ فأسلمت همدان جميعا. فكتب عليّ إلى رسول اللَّه ﷺ بإسلامهم. فلما قرأ رسول اللَّه ﷺ الكتاب خرّ ساجدا ثم رفع رأسه وقال: «السلام على همدان» [ (١) ] مرتين رواه البخاري مختصرا. وعنده عن البراء قال: فغنمت أواق ذوات عدد» . وروى الترمذي وقال حسن غريب عن البراء رضي اللَّه تعالى عنه قال: بعث رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن جيشين وأمّر عليّا على أحدهما وعلي الآخر خالد بن الوليد. وقال: «إذا كان قتال فعليّ رضي اللَّه تعالى عنه الأمير» . قال: فافتتح عليّ حصنا فغنمت أواقي ذوات عدد، وأخذ عليّ منه جارية. قال: فكتب معي خالد إلى رسول اللَّه ﷺ الذي في جامع الترمذي «بشيء به» قال الترمذي: يعني النميمة- يخبره. قال: فلما قدمت على رسول اللَّه ﷺ وقرأ الكتاب رأيته يتغيّر لونه فقال: «ما ترى في رجل يحب اللَّه ورسوله ويحبّه اللَّه تعالى ورسوله؟» فقلت: أعوذ باللَّه من غضب اللَّه تعالى وغضب رسوله، إنما أنا رسول. فسكت. [ (٢) ] . وروى الإمام أحمد، والبخاري والإسماعيلي، والنّسائي عن بريدة بن الحصيب رضي اللَّه تعالى عنه قال: «أصبنا سبيا فكتب خالدا إلى رسول اللَّه ﷺ : «ابعث إلينا من يخمّسه» . وفي السّبي وصيفة هي من أفضل السّبي. فبعث رسول اللَّه ﷺ عليّا إلى خالد ليقبض منه الخمس، وفي رواية: ليقسم الفيء. فقبض منه فخمّس وقسم، واصطفى عليّ سبيّة، فأصبح وقد اغتسل ليلا. وكنت أبغض عليّا بغضا لم أبغضه أحدا، وأحببت رجلاً من قريش لم أحبّه إلا لبغضه عليّا. فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ وفي رواية: فقلت يا أبا الحسن

стр. 2618

ما هذا؟ قال ألم تر إلى الوصيفة فإنها صارت في الخمس ثم صارت في آل محمد ثم في آل عليّ فوقعت بها. فلما قدمنا على رسول اللَّه ﷺ ذكرت له ذلك» [ (١) ] . وفي رواية: فكتب خالد إلى رسول اللَّه ﷺ فقلت ابعثني، فبعثني، فجعل يقرأ الكتاب وأقول صدق، فإذا النبي ﷺ قد احمر وجهه فقال: «من كنت وليّه فعليّ وليّه» . ثم قال: «يا بريدة أتبغض عليّا؟» فقلت: نعم. قال: «لا تبغضه فإن له الخمس أكثر من ذلك» . وفي رواية: «والذي نفسي بيده لنصيب عليّ في الخمس أفضل من وصيفة وإن كنت تحبه فازدد له حبّا» . وفي رواية: «لا تقع في عليّ فإنه مني وأنا منه وهو وليّكم بعدي» [ (٢) ] . قال بريدة: فما كان في الناس أحد أحب إلي من عليّ. تنبيهات الأول: قال ابن إسحاق وغيره: غزوة علي بن أبي طالب إلى اليمن مرّتين قال في العيون: ويشبه أن تكون هذه السرية الأولى، وما ذكره ابن سعد هي السرية الثانية كما سيأتي. الثاني: قال الحافظ: كان بعث عليّ بعد رجوعهم من الطائف وقسمة الغنائم بالجعرانة. الثالث: قال الحافظ أبو ذر الهرويّ: إنما أبغض بريدة عليّا لأنه رآه أخذ من المغنم فظنّ أنه غلّ. فلما أعلمه رسول اللَّه ﷺ أنه أخذ أقلّ من حقه أحبّه. قال الحافظ. وهو تأويل حسن لكن يبعده صدر الحديث الذي رواه أحمد، فلعلّ سبب البغض كان لمعنى آخر وزال، ونهى النبي ﷺ عن بغضه. الرابع: استشكل وقوع علي رضي اللَّه تعالى عنه على الجارية وأجيب باحتمال أنها كانت غير بالغ، ورأى أن مثلها لا يستبرأ كما صار إليه غيره من الصحابة، أو أنها كانت حاضت عقب صيرورتها له ثم طهرت بعد يوم وليلة ثم وقع عليها، أو كانت عذراء. الخامس: استشكل أيضا قسمته لنفسه، وأجيب بأن القسمة في مثل ذلك جائزة ممن هو شريكه فيما يقسمه كالإمام إذا قسم بين الرعية وهو منهم فكذلك ممن نصبه الإمام فإنه مقامه. السادس: في بيان غريب ما سبق: همدان: بسكون الميم وبالدال المهملة قبيلة معروفة. قال الأئمة الحفاظ: وليس في

стр. 2619

الصحابة ولا تابعيهم ولا أتباع الأتباع أحد من البلدة التي هي بفتح الميم وبالذال المعجمة. البراء: بفتح الموحدة وتخفيف الراء. عازب: بعين مهملة فألف فزاي مكسورة وبالموحدة: ضدّ متزوّج. أمره: بتخفيف الميم من الأمر. يقفل خالدا: بضم التحتية وسكون القاف وسكون الفاء يرجعه ويردّه. يعقّب: بضم التحتية وفتح العين المهملة وتشديد القاف: يرجع. أواق: مثل جوار، وفي لفظ أواقيّ بتحتية مشددة وتخفّف. ذوات عدد: [أي كثيرة] . بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية وبالدال المهملة. الحصيب: بحاء مضمومة فصاد مفتوحة مهملتين فتحتية ساكنة فموحدة. الوصيفة: بواو فصاد مهملة فتحتية ففاء الخادم. السّبيّة: بفتح السين المهملة وكسر الموحدة وسكون التحتية فهمزة: الجارية من السّبي. من كنت وليه فعليّ وليّه: قال الحافظ لهذا اللفظ طرق يقوي بعضها بعضا. وهو وليكم بعدي: [أي يلي أمركم] .

стр. 2620

الباب الثاني والسبعون في سرية علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى اليمن المرة الثانية . قال محمد بن عمر، وابن سعد [ (١) ] رحمهما الله تعالى واللفظ للأول: قالوا-: بعث رسول الله ﷺ عليّا إلى اليمن في رمضان وأمره أن يعسكر بقناة فعسكر بها حتى تتامّ أصحابه. فعقد له رسول الله ﷺ لواء وأخذ عمامته فلفها مثنية مربّعة فجعلها في رأس الرّمح ثم دفعها إليه وعمّمه بيده عمامة ثلاثة أكوار وجعل له ذراعا بين يديه وشبرا من ورائه وقال له: «امض ولا تلتفت» . فقال علي: يا رسول الله ما أصنع؟ قال: «إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك وادعهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن قالوا نعم فمرهم بالصلاة فإن أجابوا فمرهم بالزكاة فإن أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك، والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت» . فخرج عليّ في ثلاثمائة فارس فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد. فلما انتهى إلى أدنى الناحية التي يريد من مذحج فرّق أصحابه فأتوا بنهب وغنائم وسبايا نساء وأطفالا ونعما وشاء وغير ذلك. فجعل عليّ على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقى لهم جمعا. ثم لقي جمعهم، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا أصحابه بالنّبل والحجارة. فلما رأى أنهم لا يريدون إلا القتال صفّ أصحابه ودفع اللواء إلى مسعود بن سنان السّلمي فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن خزاعي فقتله الأسود وأخذ سلبه. ثم حمل عليهم عليّ وأصحابه فقتل منهم عشرين رجلا فتفرّقوا وانهزموا وتركوا لواءهم قائما وكفّ عليّ عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا. وتقدم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الإسلام وقالوا نحن على من وراءنا من قومنا وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله تعالى. وجمع عليّ ما أصاب من تلك الغنائم، فجزّأها خمسة أجزاء فكتب في سهم منها لله ثم أقرع عليها، فخرج أول السّهمان سهم الخمس وقسم علي رضي الله تعالى عنه على أصحابه بقيّة المغنم، ولم ينفّل أحدا من الناس شيئا، وكان من كان قبله يعطون خيلهم الخاص دون غيرهم من الخمس ثم يخبرون رسول الله ﷺ بذلك فلا يردّه عليهم فطلبوا ذلك من عليّ فأبى وقال: الخمس أحمله إلى رسول الله ﷺ يرى فيه رأيه. وأقام فيهم يقرئهم القرآن ويعلّمهم الشرائع وكتب إلى رسول الله ﷺ كتابا مع

стр. 2621

عبد الله بن عمرو بن عوف المزني يخبره الخبر. فأتى رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ أن يوافيه الموسم، فانصرف عبد الله بن عمرو بن عوف إلى عليّ بذلك فانصرف عليّ راجعا. فلما كان بالفتق تعجّل إلى رسول الله ﷺ يخبره الخبر وخلّف على أصحابه والخمس أبا رافع، فوافى رسول الله ﷺ بمكة قد قدمها للحج، وكان في الخمس ثياب من ثياب اليمن أحمال معكومة ونعم وشاء مما غنموا، ونعم من صدقة أموالهم. فسأل أصحاب عليّ أبا رافع إن يكسوهم ثيابا يحرمون فيها فكساهم منها ثوبين ثوبين. فلما كانوا بالسّدرة داخلين خرج عليّ ليتلقّاهم ليقدم بهم، فرأى على أصحابه الثياب فقال لأبي رافع: ما هذا؟ فقال: «كلّموني ففرقت من شكايتهم وظننت أن هذا ليسهل عليك وقد كان من قبلك يفعل هذا بهم» . فقال: «قد رأيت امتناعي من ذلك ثم أعطيتهم وقد أمرتك أن تحتفظ بما خلّفت فتعطيهم» . فنزع عليّ الحلل منهم. فلما قدموا على رسول الله ﷺ شكوه، فدعا عليّا، فقال: «ما لأصحابك يشكونك؟» قال: ما أشكيتهم، قسمت عليهم ما غنموا وحسبت الخمس حتى يقدم عليك فترى فيه رأيك. فسكت رسول الله ﷺ قالوا: واحتفر قوم بئرا باليمن فأصبحوا وقد سقط فيها أسد، فنظروا إليه، فسقط إنسان بالبئر فتعلّق بآخر وتعلّق الآخر بآخر حتى كانوا في البئر أربعة فقتلهم الأسد، فأهوى إليه رجل برمح فقتله. فتحاكموا إلى علي رضي الله تعالى عنه. فقال: ربع دية وثلث دية ونصف دية ودية تامة: للأسفل ربع دية من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث دية لأنه هلك فوقه اثنان وللثالث نصف دية من أجل أنه هلك فوقه واحد، وللأعلى الدّية كاملة. فإن رضيتم فهو بينكم قضاء وإن لم ترضوا فلا حقّ لكم حتى تأتوا رسول الله ﷺ فيقضي بينكم. فلما أتوا رسول الله ﷺ قصّوا عليه خبرهم، فقال: «أنا أقضي بينكم إن شاء الله تعالى» . فقال بعضهم: يا رسول الله إن عليّا قد قضى بيننا. قال: «فيم قضى؟» فأخبروه، فقال: «هو كما قضى به» . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: يعسكر: يجمع عسكره أي جيشه. قناة: بفتح القاف وتخفيف النون وبعد الألف تاء تأنيث: واد من أودية المدينة. ثلاثة أكوار: جمع كورة العمامة وهي إدارتها. امض: بهمزة وصل. السّاحة: عرصة الدار والمراد هنا المكان. مذحج: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبالجيم: قبيلة من اليمن.

стр. 2622

أدنى الناحية: أقربها. النّهب: بفتح النون: غنائم [وغنائم] بدل من نهب فهو مجرور بالفتحة. جمع إليه: بالبناء للمفعول. السّبي: بسين مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة فتحتية: الحمل من بلد لآخر. الشّاء: بالمدّ جمع كثرة للشاة، وأما جمع القلّة فشياه. النّبل: بفتح النون وسكون الموحدة: السّهام العربية. مسعود بن سنان السّلمي. نسب أسليما ولذا فرّق بينهما ابن الأثير، وقال في الإصابة والنور لعله أسلمياف حليفا لبني سلمة بكسر اللام من الأنصار. برز: ظهر بعد اختفائه. البراز: بفتح الموحدة ثم راء: الخروج. ابن خزاعيّ: [بضم الخاء المعجمة وبالزاي فألف فعين مهملة مكسورة فتحتية] . السّلب: بالتحريك ما يؤخذ من القتيل. كفّ عنه: بفتح الكاف والفاء المشددة. على من وراءنا: بفتح الميم. جزّأها: بفتح الهمزة بعد الزاي. السّهمان: بضم السين المهملة جمع سهم وهو الحظ. ابن عوف: بالفاء. المزني: بضم الميم وفتح الزاي وبالنون فتحتية. يوافيه: [يأتيه] . الموسم: اجتماع الناس للحج. الفتق: بفاء ومثنّاة مضمومة فقال: مكان بالطائف. معكومة: مشدودة. النّعم: بفتح النون والعين المهملة وقد تكسر عينه: الإبل والشّاء أو خاصّ الإبل. السّدرة: [موضع قرب المدينة] . ففرقت من شكايتهم: بفاء مفتوحة فراء مكسورة فقال: فزعت. شكايتهم: بكسر الشين المعجمة أي ذكر ما بهم من مرض أو غيره. ما أشكيتهم أي ما أزلت شكايتهم أي ما يشكونه.

стр. 2623

الباب الثالث والسبعون في سرية بني عبس . ذكر ابن سعد في الوفود أن بني عبس وفدوا وهم تسعة. فبعثهم رسول الله ﷺ سرية لعير قريش، وذكر ابن الأثير أن فيهم ميسرة بن مسروق وأنه لقي رسول الله ﷺ ، في حجة الوداع ويأتي إن شاء الله تعالى في الوفود لذلك زيادة. الباب الرابع والسبعون في بعثة ﷺ سرية إلى رعية السّحيمي [ (١) ] ﵁ قبل إسلامه. روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد بسند جيّد عنه أن رسول الله ﷺ كتب إليه كتابا في أديم أحمر، فأخذ كتاب رسول الله ﷺ فرقع به دلوه. فبعث رسول الله ﷺ سرية فلم يدعوا له سارحة ولا رائحة ولا أهلا ولا مالا إلا أخذوه، وانفلت عريانا على فرس له ليس عليه سترة حتى انتهى إلى ابنته وهي متزوجة في بني هلال وقد أسلمت وأسلم أهلها. وكان مجلس القوم بفناء بيتها، فدار حتى دخل عليها من وراء البيت. فلما رأته ألقت عليه ثوبا وقالت: ما لك؟ قال: «كل الشّرّ نزل بأبيك ما ترك له رائحة ولا سارحة ولا أهل ولا مال. قالت: دعيت إلى الإسلام؟. قال: أين بعلك؟ قالت: في الإبل. فأتاه. قال: مالك؟ قال: كل الشر نزل بي ما تركت لي رائحة ولا سارحة ولا أهل ولا مال وأنا أريد محمدا قبل أن يقسم أهلي ومالي. قال: فخذ راحلتي برحلها. قال: لا حاجة لي فيها. قال فخذ قعود الراعي. وزوّده إداوة من ماء. قال: وعليه ثوب إذا غطّي به وجهه خرجت استه وإذا غطّى استه خرج وجهه وهو يكره أن يعرف حتى انتهى إلى المدينة فعقل راحلته. ثم أتى رسول الله ﷺ فكان بحذائه حيث يقبل. فلما صلى رسول الله ﷺ الصبح قال: يا رسول الله ابسط يدك أبايعك، فبسطها. فلما أراد أن يضرب عليها قبضها إليه رسول الله ﷺ . قال: ففعل ذلك رسول الله ﷺ ثلاثا ويفعله. فلما كانت الثالثة قال: «من أنت؟» قال: إنا رعية السّحيمي. قال: فتناول رسول الله ﷺ عضده ثم رفعه ثم قال: «يا معشر المسلمين هذا رعية السّحيمي الذي بعثت

стр. 2624

إليه كتابي فرقع به دلوه» . فأخذ يتضرع إليه. قلت: يا رسول الله أهلي ومالي. قال: «أمّا مالك فقدم قسّم وأمّا أهلك فمن قدرت عليه منهم» . فخرج فإذا ابنه قد عرف الراحلة وهو قائم عندها فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هذا ابني. قال: «يا بلال أخرج معه فسله أبوك هو؟ فإذا قال نعم فادفعه إليه» . فخرج إليه فقال: أبوك هذا؟ قال: نعم. فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما رأيت أحدا منهما استعبر لصاحبه. قال: «ذاك جفاء الأعراب» [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: رعية: بكسر الراء وسكون العين المهملتين وبالتحتية فتاء تأنيث، وقال الطبري بالتصغير. السحيمي: بمهملتين مصغّر.

стр. 2625

الباب الخامس والسبعون في بعثة ﷺ أبا أمامة صدي بن عجلان ﵁ إلى باهلة . عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله وأعرض عليهم شرائع الإسلام. فأتيتهم وقد سقوا إبلهم وجلبوها وشربوا. فلما رأوني قالوا: مرحبا بالصّدعي بن عجلان. وأكرموني وقالوا: بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل. فقلت: لا ولكن آمنت بالله ورسوله وبعثني رسول الله ﷺ إليكم أعرض عليكم شرائع الإسلام. فبينا نحن كذلك إذ جاءوا بقصعتهم فوضعوها واجتمعوا حولها يأكلونها وقالوا: هلمّ يا صديّ. قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرّم هذا عليكم إلا ما ذكّيتم كما قال الله تعالى. قالوا: وما قال؟ قلت: نزلت هذه الآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة ٣] إلى قوله: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ، فجعلت أدعوهم إلى الإسلام فكذّبوني وزبروني وأنا جائع ظمآن قد نزل بي جهد شديد. فقلت لهم: ويحكم ايتوني بشربة من ماء فإني شديد العطش. قالوا: لا ولكن ندعك تموت عطشا. قال: فاعتممت وضربت برأسي في العمامة ونمت في حر شديد، فأتاني أت في منامي بقدح فيه شراب من لبن لم ير الناس ألذّ منه فشربته حتى فرغت من شرابي ورويت وعظم بطني. فقال القوم: أتاكم رجل من أشرافكم وسراتكم فرددتموه فاذهبوا إليه وأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي. فأتوني بالطعام والشراب فقلت: لا حاجة لي في طعامكم ولا شرابكم، فإن الله تعالى أطعمني وسقاني: فانظروا إلى الحال التي أنا عليها. فأريتهم بطني فنظروا فاسلموا عن آخرهم بما جئت به من عند رسول الله ﷺ . قال أبو أمامة: ولا والله ما عطشت ولا عرفت عطشا بعد تيك الشّربة، رواه الطبراني من طريقين إحداهما سندها حسن.

стр. 2626

الباب السادس والسبعون في سرية جرير بن عبد الله البجلي ﵁ إلى ذي الخلصة . روى الشيخان عن جرير رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» وكان بيتا لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد، تسمى الكعبة اليمانية. قال جرير: فنفرت في مائة وخمسين راكبا من أحمس وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال: «اللهم ثبّته على الخيل واجعله هاديا مهديا» . قال: فأتيناه فكسرناه وحرّقناه وقتلنا من وجدنا عنده. وبعثت إلى رسول الله ﷺ رجلا يبشّره يكنى أبا أرطاة. فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ [والذي بعثك بالحق] ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب. قال: «فبرّك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات» . قال جرير: فأتيت رسول الله ﷺ فدعا لنا ولأحمس، فما وقعت عن فرس بعد [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ذو الخلصة: محرّكة وبضمتين بيت كان يدعى الكعبة اليمانية لخثعم كان فيه صنم اسمه الخلصة. ألا: بمعنى هلا. تريحني: أي تدخلني في الراحة وهي الرحمة. خثعم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة فميم. بجيلة: [كسفينة حيّ باليمن من معد] . نصب: بضمتين كل ما عبد من دون الله. تعبد: بضم الفوقية وسكون العين المهملة وفتح الموحدة. الكعبة: كل بيت مربع. اليمانية: منسوبة إلى اليمن، محرّكة. نفرت: بنون ففاء فراء: ذهبت.

стр. 2627

أحمس: تقدم تفسيره. لا أثبت على الخيل: [لا أتماسك عليها] . أبو أرطاة: [الأرطاة واحدة الأرطى وهو ضرب من الشجر يدبغ به] . كأنها جمل أجرب: أبي معبد. والجرباء الأرض المقحوطة. برّك: دعا بالبركة وهي النّماء والزيادة والسعادة.

стр. 2628

الباب السابع والسبعون في بعثة ﷺ علي بن أبي طالب وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن ﵄ . روى محمد بن رمضان بن شاكر في مناقب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: «وجه رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وقال: «إذا اجتمعنا فعليّ الأمير وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير» [ (١) ] . فاجتمعا. وبلغ عمرو بن معد يكرب. فابتدره عليّ مكانهما. فأقبل على جماعة من قومه. فلما دنا منهما قال: دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فإني لم أسمّ لأحد قط إلا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور وأنا عمرو بن معد يكرب. فابتدره عليّ وخالد وكلاهما يقول لصاحبه: خلّني وإيّاه ويفديه بأمّه وأبيه. فقال عمرو إذ سمع قولهما: الغرب تفزع بي وأراني لهؤلاء جزرا. فانصرف عنهما. وكان عمرو فارس العرب مشهورا بالشجاعة وكان شاعرا محسنا» . وروى محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طرق قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وقال له: «إن مررت بقرية فلم تسمع أذانا فاسبهم» [ (٢) ] فمرّ ببني زبيد فلم يسمع أذانا فسباهم. فأتاه عمرو بن معد يكرب فكلّمه فيهم فوهبهم له، فوهب له عمرو سيفه الصّمصامة فتسلمه خالد ومدح عمرو خالدا في أبيات له.

стр. 2629

الباب الثامن ومن السبعون في بعثة ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إلى خثعم . روى الطبراني برجال ثقات عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ . بعثه إلى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم رسول الله ﷺ نصف الدية ثم قال: «أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين لا تراءى ناراهما» [ (١) ] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خثعم: تقدم الكلام عليها غير مرة. لا تراءى ناراهما: [لا تتراءى ناراهما] . الباب التاسع والسبعون في بعثة ﷺ عمرو بن مرة الجهني ﵁ إلى أبي سفيان بن الحارث قبل إسلامه . عن عمرو بن عمرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ بعث جهينة ومزينة إلى أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب وكان منابذا للنبي ﷺ ، فلما ولّوا غير بعيد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي علام تبعث [هؤلاء] قد كادا يتفانيان في الجاهلية أدركهم الإسلام وهم على بقية منها. فأمر رسول الله ﷺ بردّهم حتى وقفوا بين يديه. فعقد لعمرو بن مرّة على الجيشين على جهينة ومزينة وقال: «سيروا على بركة الله» . فساروا إلى أبي سفيان بن الحارث. فهزمه الله تعالى وكثر القتل في أصحابه. فلذلك يقول أبو سفيان بن الحارث: [ ... ] [ (٢) ] .

стр. 2630

الباب الثمانون في سرية أسامة بن زيد بن حارثة ﵃ إلى أبني وهي بأرض الشرّاة بناحية البلقاء . وذلك أن رسول الله ﷺ أقام بعد حجته بالمدينة بقية ذي الحجة، والمحرّم، وما زال يذكر مقتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، ووجد عليهم وجدا شديدا. فلما كان يوم الإثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله ﷺ بالتّهيّؤ لغزو الروم وأمرهم بالجدّ، ثم دعا من الغد يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر أسامة بن زيد فقال: «يا أسامة سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى [موضع] مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد ولّيتك هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى وحرّق عليهم وأسرع السّير تسبق الأخبار فإن أظفرك الله فأقلل اللّبث فيهم وخذ معك الأدلّاء وقدّم العيون والطلائع أمامك» . فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدئ برسول الله ﷺ وجعه فحمّ وصدّع. فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده. ثم قال: «اغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تتمنّوا لقاء العدوّ فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ولكن قولوا اللهم أكفناهم بما شئت واكفف بأسهم عنّا، فإن لقوكم قد جلبوا وضجّوا فعليكم بالسّكينة والصّمت ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وقولوا اللهم إنا نحن عبيدك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تغنيهم أنت واعلموا أن الجنة تحت البارقة» . فخرج أسامة رضي الله تعالى عنه بلوائه [معقودا] ، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من [وجوه] المهاجرين الأوّلين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله تعالى عنهم في رجال آخرين من الأنصار، عدّة مثل قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش. فاشتكى رسول الله ﷺ وهو على ذلك، ثم وجد من نفسه راحة فخرج عاصبا رأسه فقال: «أيها الناس أنفذوا بعث أسامة» ثم دخل رسول الله ﷺ . فقال رجل من المهاجرين- كان أشدهم في ذلك قولا- عياش بن أبي ربيعة [المخزومي] رضي الله تعالى عنه: «يستعمل هذا الغلام على المهاجرين» . فكثرت المقالة، وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بعض ذلك فردّه على من تكلم به، وأخبر رسول الله ﷺ فغضب غضباً شديداً. وخرج يوم السبت عاشر المحرّم سنة إحدى عشرة وقد
следующие страницы →